← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقد روى الدارمي أن رجلًا جاء إلى الإمام مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ كيف استوى؟ قال الر اوي: فما رأينا مالكًا وَجَدَ من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء (١) وأطرق، وجعلنا ننتظر ما يأمر به فيه، قال: ثم. سري عن مالك فقال: الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًّا ثم أمر به فأُخرج (٢). قال الإمام ابن خزيمة: "فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا أن خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدل كلام الله، ولا نقول غير الذي قيل لنا كما قالت المعطلة والجهمية: أنه استولى على عرشه، لا استوى، فبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم" (٣). وقال أبو الحسن الأشعري: نقول إن الله يستوي على عرشه، استواءً يليق به" (٤). وقال ابن تيمية: "فإن القول بأن الله فوق العرش هو مما اتفقت عليه الأنبياء كلهم، وذكر في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، وقد اتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها من جميع الطوائف" (٥). وكما أنكر القرطبي العلو فكذلك أنكر الاستواء حيث قال: "إضافته إلى الله -أي العرش- على جهة الملك أو التشريف، لا لأن الله استقر عليه، أو استظل به، كما قد توهمه بعض الجهال في الاستقرار

стр. 527

وذلك على الله محال، إذ يستحيل عليه الجسمية ولواحقها" (١). وقال في موضع آخر: "ومما يعلم استحالته: كون العرش حاملًا لله تعالى، وأن الله تعالى مستقرٌّ عليه، كاستقرار الأجسام، إذ لو كان محمولًا لكان محتاجًا فقيرًا لما يحمله، وذلك ينافي وصف الإلهية، إذ أخص أوصافه الاستغناء المطلق، ولو كان ذلك للزم كونه جسمًا مقدرًا، ويلزم كونه حادثًا على ما سبق، فإن قيل ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٢) قيل: له محامل واضحة وتأويلات صحيحة غير أن الشرع لم يعين لنا محملًا من تلك المحامل، فيتوقف في التعيين ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم" (٣). وقال أيضا: "ولقد أحسن من قال: لو كان الباري تعالى في شيء لكان محصورًا ولو كان على شيء لكان محمولًا، ولو كان من شيء لكان محدثًا" (٤). وكلام القرطبي واضح في نفي استواء الله تعالى على العرش بزعم أن هذا من صفات الأجسام والمحدثات، وأنه لو كان مستويًا على العرش، لكان محتاجًا إليه، وهذا لا شك من اللوازم الباطلة إذ أهل السنة والجماعة أثبتوا لله تعالى الاستواء اللائق به تعالى ونزَّهوه سبحانه أن يحتاج لشيء أو يفتقر إلى مخلوق. قال الطحاوي: "والعرش والكرسي حق، وهو مستغني عن العرش، وما دونه، محيط بكل شيء، وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة به خلقه".

стр. 528

قال ابن أبي العز الحنفي في شرحه لهذا الكلام: "إنما قال الشيخ ﵀ هذا الكلام لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش، وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش، واستواءه عليه، ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل، لا يلزم أن يكون السافل حاويًا للعالي محيطًا به حاملًا له، ولا أن يكون الأعلى مفتقرًا إليه، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض، وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأنًا وأجل من أن يلزم علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته العرش، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق، ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل" (١). وقال ابن تيمية: "من كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله -إلى العرش أو غيره- فهو مبتدع ضال، وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين، فيقول: اسعتواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال، فإن الكتاب والسنة مع العقل دلَّت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلَّت على أن الله غني عن كل شيء، ودلَّت على أن الله مباين للمخلوقات عالٍ عليها. وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق

стр. 529

سمواته على عرشه، بائن من مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش، وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش، وحملة العرش بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، بل يثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفي عنه مماثلة المخلوقات ويعلم أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة، وأئمتها، فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيعلمون أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش" (١). فضلال هؤلاء في هذا الجانب بسبب قياسهم الخالق بالمخلوق فهم شبهوا أولًا وعطَّلوا ثانيًا، ولو قدروا الله حق قدره لما ظنوا هذه الظنون. فأهل السنة يثبتون استواء الله تعالى على العرش، ولكنهم لا يسألون عن الكيفية كما سبق إنكار الإمام مالك -رحمه الله تعالى- على من سأل عن كيفية الاستواء. قال الذهبي بعد نقله لإجابة مالك لمن سأل عن كيفية الاستواء: "وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه وأنه كما يليق به، ولا نتعمق ولا نتحذلق ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًّا ولا إثباتًا بل نسكت ونقف كما وقف السلف. ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون ولما

стр. 530

وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه. ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته ولا في استوائه، ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا" (١). قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وينبغي للمؤولين أن يتأملوا آية من سورة الفرقان، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ (٢) ويتأملوا معها قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (٣) فإن قوله في الفرقان: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه لا يخفى عليه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفي عنه صفة الاستواء ليس بخبير نعم والله ليس بخبير (٤). فالصواب في هذه المسألة ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات استواء الله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختص به" (٥). صفة النزول: النزول صفة فعلية جاءت عن الرسول ﷺ في أحاديث صحيحة، حيث قال ﷺ : "ينزل ربُّنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين

стр. 531

يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له" (١). وقد آمن بها أهل السنة كما جاءت من غير تكييف لها، ولا تحريف، أو تأويل لمعناها. قال الإمام الدارمي بعد أن ذكر ما يثبت النزول من أحاديث الرسول ﷺ : "فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا لا ينكرها منهم أحد، ولا يمتنع من روايتها" (٢). وقال إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد: "باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﷺ في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة: نشهد شهادة مقرٍّ بلسانه، مصدقٍ بقلبه مستيقنٍ بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا؛ وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم. فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول" (٣).

стр. 532

وقال أبو عثمان الصابوني: "ويثبت أهل الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ ، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه (١) إلى الله" (٢). وقال ابن عبد البر: "والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله ﷺ ويصدقون بهذا الحديث ولا يكيفون" (٣). هذا هو اعتقاد أهل السنة من السلف والخلف، لكن القرطبي والمازري خالفا في هذه المسألة كما خالفا في المسائل الأخرى، خصوصًا ما يتعلق بصفات الله تعالى الفعلية، فصرفوا هذه الصفة عن ظاهرها بتأويلات لا تليق حسب قواعدهم الفاسدة التي قعدوها لنفي صفات الله تعالى الفعلية كما سبق ذكره. قال القرطبي عند شرحه للحديث السابق: "قوله: "ينزل ربنا" كذا صحت الرواية هنا، وهي ظاهرة في النزول المعنوي، وإليها يرد ينزل على أحد التأويلات، ومعنى ذلك: أن مقتضى عظمة الله تعالى وجلاله

стр. 533

واستغنائه ألا يعبأ بحقير ذليل فقير (١)، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه؛ لأن يقول: "من يقرضُ غير عدوم ولا ظلوم" (٢) ويكون قوله "إلى السماء الدنيا" عبارة عن الحاجة القريبة إلينا، والدنيا بمعنى: القربى، والله أعلم. وقد قيَّده بعض الناس "يُنزلُ" بضم الياء من: أنزل فيكون معدى إلى مفعول محذوف أي: يُنزل اللهُ ملكًا فيقول: كذا، وأما رواية "ينزل" ثلاثيًا من نزل فهي صحيحة أيضا، وهي من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣) وقد دلَّ على صحة هذا التأويل ما رواه النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟ " (٤) وهذا صحيح، وهو نصٌّ وبه يرتفع الإشكال" (٥) وقال المازري: "معناه ينزل ملك ربنا وهو تقدير حذف المضاف كما يقال فعل السلطان كذا، وإن كان الفعل وقع من أتباعه ويضاف الفعل إليه لما كان عن أمره ويحتمل أن يكون عبر بالنزول عن تقريب الباري تعالى للداعين حينئذ واستجابته لهم، وخاطبهم ﷺ بما جرت به عادتهم ليفهموا عنه، وكأن المتقرب منا إذا كان في بساط واحد مع من يريد الدنو منه عبر عن ذلك بأن يقال: جاء وأتى، وإذا كان في علو قيل: نزل

стр. 534

وتجلى، وقد ورد في الكتاب والسنة: جاء وأتى ونزل وتجلى" (١). يتبين من كلامهما في هذه المسألة مخالفة مذهب السلف وحيث أن الرواية صحيحة لا مجال للطعن فيها، فقد ذهب القرطبي إلى البحث عن رواية أخرى توافق مذهبه في التأويل، أو تساعده على ذلك ليحمل الروايات الصحيحة عليها، ولا شك أن هذا تكلف مخالف للأصول، وقد جعل القرطبي تلك الرواية التي جاء فيها: "إن الله يأمر مناديًا ينادي" هي الأصل وحمل الروايات الأخرى الصحيحة عليها مع أن في ثبوتها نظرًا، وظاهرها مخالف للروايات المستفيضة عن النبي ﷺ أن المنادي هو رب العالمين مع أنه يجوز أن الله تعالى مع قوله ذلك يأمر من ينادي ولكن الملك إذا نادى عن الله تعالى لا يتكلم بصيغة المخاطب بل يقول: إن الله أمر بكذا، أوقال كذا، ولا إشكال في هذه الرواية مع الروايات الأخرى كما زعم القرطبي، إنما الإشكال جاء من تأويل النصوص وصرفها عما يراد بها (٢). وأما ضبط "يُنزل" بضم أوله، فهذا من تحريف المبتدعة للفظ الحديث ليتفق مع مذهبهم في نفي نزول الله تعالى، ولم يرد ذلك في شيء من روايات الحديث الصحيحة. وأما القول بأن هذا النزول نزول معنوي، فهو صرف للفظ عن ظاهره من غير دليل، ولا مبرر، بل الأدلة بضده فهي صريحة في نزول الله

стр. 535

تعالى كما يليق به سبحانه. ومن العجب تأويل قوله: "إلى السماء الدنيا" مع وضوحها بأن هذا عبارة عن الحاجة القريبة، ولم يأت بدليل على ما ذهب إليه سوى أن الدنيا بمعنى: القربى، وهذا معلوم إذ السماء الدنيا سميت بذلك لأنها أقرب السموات السبع إلينا، فليس في هذا دليل على ما ذهب إليه. وأما قولهم: أن "ينزلُ الله" من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وقول المازري أن هذا ملك ربنا واستدلاله على ذلك بقولهم فعل السلطان كذا وقد فعل أتباعه (١). والحاصل أن هذا تأول بنزول ملك وهو المنادي أو قولهم كذلك: إن هذا استعارة بمعنى التلطف بالداعين والاستجابة لهم، وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا التأويل فقال: "نزول الملائكة إلى الأرض في كل وقت وهذا خص النزول بجوف الليل وجعل منتهاه سماء الدنيا والملائكة لا يختص نزولهم لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان، وإن أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب العابدين وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك، فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا. وأيضًا في الحديث الصحيح أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول: "لا أسأل عن عبادي غيري" (٢) ومعلوم أن هذا كلام الله الذي لا يقوله غيره، وكذلك قال: "ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يدعوني

стр. 536

فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر" (١) ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤاله إلَّا الله (٢). وهذا يبطل هذه التأويلات المذكورة ويثبت مذهب السلف في ذلك الذي هو الإيمان بالنزول تصديقًا للنصوص وترك الكيفية التي لا يعلمها الله . قال الإمام أبو يعلى عن هذا الحديث: "اعلم أن هذا حديث صحيح يجب الأخذ بظاهره من غير تأويل ولا يجب أن يستوحش من إطلاق مثل ذلك" (٣). وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: "قد اتفق سلف الأمة وأئمتها في كل زمان على الإيمان بهذا الحديثما وتلقيه بالقبول كما أراد رسول الله ﷺ فإنه قاله علانية وبلغه الأمة تبليغًا عامًّا لم يخص به واحدًا دون الآخرين، وكان الصحابة وأتباعهم يذكرونه ويروونه ويبلغونه تبليغًا عامًّا ولهذا ثبت في عامة كتب الإسلام، فمن أنكره أو زعم أنه لا يجوز ذكره عند عامة الناس، أو تأوله على غير ظاهره فهو ضال سالك غير سبيل المؤمنين في ذلك، ومن زعم أنه يدل على ما يجب أن ينزه الله عنه من النقص المنافي لكماله، فقد أُتى من فهمه الخاطئ وسوء ظنه بالله العظيم، فإن وصف الله تعالى بالنزول كوصفه بغيره من الصفات ... ومن قال: إن الذين حملوه على ظاهره وحقيقته هم المشبهة، يقال له: بل الذين حملوه على ظاهره وحقيقته هم الصحابة عمومًا وأتباعهم إلى يوم الدين، ولا تستطيع أن تأتي

стр. 537

بكلمة واحدة عن الرسول أو عن أصحابه تؤيد قول أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم أهل السنة" (١). صفتا الإتيان والمجيء: وهما صفتان فعليتان ثابتتان لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٢)، وقال تعالي: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٤). ومن السنة قوله ﷺ في حديث الرؤية: "فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة" (٥). قال الشيخ محمد خليل هرالس بعد ذكر الآيات السابقة الدالة على هاتين الصفتين: "في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل، وهما صفتا الإتيان والمجيء والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك على حقيقته، والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل" (٦). قال القرطبي: "الإتيان والمجيء المضاف إلى الله تعالى هو عبارة عن تَجَلِّيه لهم، فكأنه كان بعيدًا فقرب، أو غائبًا فحضر، وكل ذلك خطابات مستعارة جارية على المتعارف من توسعات العرب، فإنهم يسمون الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو قاربه، أو كان منه بسبب" (٧).

стр. 538

وقال عند شرحه للحديث السابق: "إتيان الله تعالى هنا: هو عبارة عن إقباله عليهم (١) وتكليمه إياهم" (٢). وقال المازري في شرحه للحديث السابق: "الإتيان ههنا عبارة عن رؤيتهم الله تعالى، وقد جرت العادة في المحدثين أن من كان غائبًا عن غيره فلا يمكنه التوصل إلى رؤيته إلَّا بإتيان أو مجيء، فعبر بالإتيان ههنا والمجيء عن الرؤية على سبيل المجاز" (٣). أما أهل السنة والجماعة فآمنوا بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ في هاتين الصفتين من غير صرف لهما عن ظاهرهما ومن غير تشبيه لله سبحانه بخلقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة، ومن له عقل فإن الصفات والأفعال تتبعان الذات المتصفة الفاعلة، فإذا كانت ذاته مباينة لسائر الذوات ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته، ولا ريب أنه العلي الأعلى العظيم فهو أعلى من كل شيء وأعظم من كل شيء فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع" (٤). وجعل القرطي والمازري إتيان الله تعالى عبارة عن التجلي أو الرؤية أو الإقبال والتكليم وأن هذا من التوسع والمجاز.

стр. 539

فهذا من التأويل المذموم الذي ليس عليه دليل ولا برهان، وقد قال الشيخ الغنيمان في رد هذه التأويلات وأشباهها: هذه التأويلات مخالفة لكتاب الله تعالى ولأحاديث رسول الله ﷺ مخالفة صريحة بحيث يجوز أن نقول إنها تكذيب لكلام الله وكلام رسوله ورد له وفتح لباب الزندقة والكفر؛ لأن النصوص في ذلك جلية واضحة، فإذا صح تأويلها بما ذكر أمكن كل مبطل أن يؤول ما شاء من التأويل قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٢) فبين تعالى أن إتيانه غير إتيان الملائكة وغير إتيان الآيات، وقال جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٣) وغير ذلك من الآيات وأما الأحاديث فكثيرة جدًّا" (٤). وقال أيضًا: "القول بأن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه من التحريف الجلي فالناس كلهم يفرقون بين الإتيان والرؤية، فإن الإتيان المذكور في الحديث فعل لله تعالي يفعله إذا شاء وأما الرؤية فهي تقع من الخلق، فهذا التأويل بطلانه ظاهر، وليعلم أن هذا الحديث وغيره جاء موافقًا للكتاب في إثبات صفتي الإتيان والمجيء لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته من غير أن يكون في ذلك مشابهًا لخلقه عن أن يكون له شبيه أو مثيل" (٥).

стр. 540

صفة القرب والدنو: لقد جاء وصف الله بالقرب في كتابه العزيز، إذ قال جل وعلا عن نفسه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ (٢) وجاء وصفه سبحانه بالدنو على لسان رسوله ﷺ في عدة أحاديث منها قوله ﷺ : "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة" (٣). ومذهب أهل السنة والجماعة اعتقاد قرب الله تعالى من عباده حقيقة، كما يليق بجلاله وعظمته، وهو مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وهو يتقرب إليهم حقيقة، ويدنو إليهم حقيقة، ولكنهم لا يفسرون كل قرب ورد لفظه في القرآن أو السنة بالقرب الحقيقي. قال ابن تيمية: "وأما دنوه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه ومجيئه يوم القيامة، ونزوله واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر" (٤). وقال في موضع آخر: "ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يُراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دل على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا

стр. 541

حمل عليه" (١). قال القرطبي في شرحه للحديث السابق: "وإنه ليدنو" هذا الضمير عائد إلى الله تعالى، والدنو: دنو إفضال وإكرام، لا دنو انتقال ومكان، إذ يتعالى عنه ويتقدس" (٢). وعند شرحه لقوله ﷺ : "يُدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه" (٣) قال: "هذا إدناء تقريب وإكرام، لا إدناء مسافة ومكان، ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤) أي: أهلها" (٥). وقال المازري في شرحه لهذا الحديث: "الدنو ههنا دنو كرامة لا دنو مسافة، لأن الباري سبحانه في غير مكان (٦)، فلا يصح منه دنو المسافة ولا بعدها" (٧). وقال في شرحه للحديث الأول: "معناه: يدنو دنو كرامة وتقريب لا دنو مسافة ومماسة" (٨). وهذا تأويل مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون هذا على حقيقته كما يليق به ، فقربه ودنوه سبحانه لا ينافي علوه وفوقيته،

стр. 542

فهو سبحانه العلي في دنوه القريب في علوه" (١). فهذه التأويلات التي ذكرها القرطبي والمازري لا حاجة لها مع مذهب السلف الذي يثبت ولا يشبه ولا يكيف. صفة المعية: يعتقد أهل السنة والجماعة أن الله معنا على الحقيقة وأنه فوق سمواته مستوٍ على عرشه وهذه المعية ثابتة بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٣) وقال تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ (٤). وجاء في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني" (٥)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله والإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه عليُّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون -ثم بعد ذكر بعض الآيات- قال: وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون

стр. 543

الكاذبة" (١). قال القرطبي في معية الله: "قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أي: مطلع عليكم ومحيط بكم، وقد ينجز مع ذلك الحفظ والنصر كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ أي: أحفظكما ممن يريد كيدكما" (٢). وفي هذا النقل عن القرطبي نرى أنه وافق أهل السنة في هذه المسألة (٣)، ذلك أن أهل السنة يقولون: المعية معيتان: معية عامة: تقتضي العلم والإحاطة. ومعية خاصة: تقتضي النصر والتأييد. فالأولى: كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٤). والثانية: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٥)، فالته تعالى مع الخلق كلهم بالعلم والقدرة، والسلطان ويخص بعضهم وهم: أنبياؤه وأولياؤه بالإعانة والنصر والتأييد (٦). قال ابن تيمية وهو يبين مذهب السلف: "فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم وأثبتوا أن الله تعالى فوق سمواته وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضًا

стр. 544

مع العباد عمومًا بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية" (١). صفتا الرضا والغضب: والرضا والغضب من صفات الله تعالى الفعلية الثابتة له بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) ولذا فأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى رضا وغضبًا يليقان به سبحانه، لا كرضا أو غضب المخلوقين. والقرطبي والمازري صرفا هاتين الصفتين عن ظاهرهما إلى إرادة الثواب أو إرادة الانتقام والعقاب. قال القرطبي: "غضب الله تعالى ورضاه محمول إما على إرادة عقاب المغضوب عليه وإبعاده وإرادة إكرام المرضي عنه أو على ثواب تلك الإرادة وهو الإكرام أو الانتقام" (٤). وقال أيضًا: "تقدم القول في غضب الله ورضاه، وأن ذينك يرجعان إلى إرادته وإلى متعلقها من إيصال المنافع والألطاف إلى المرحوم أو إيصال المضار والانتقام للمغضوب عليه فيرجع غضبه إذًا ورحمته إلى الأفعال (٥). وقال: "رضا الله من صفات الأفعال، ويصح أن يعبر بالرضا في حق الله تعالى عن إرادة الإكرام والإحسان فيكون من صفات

стр. 545

الذات" (١). وقال المازري: "غضب الله ورضاه يرجعان إلى إرادته لإثابة المطيع ومنفعة العبد أو عقاب العاصي" (٢). وقولهما في هاتين الصفتين من التأويلات الباطلة البعيدة عن المعاني التي أراد منا الشرع أن نفهمها ونعتقدها من النصوص الشرعية. وتفسير الرضا بالإكرام والغضب بالعقوبة هو تفسير للصفة ببعض آثارها المخلوقة، وهو غير الصفة وتفسير الرضا بإرادة الثواب والغضب بإرادة العقاب أو الانتقام إلغاء لهذه الصفة ومعناها وجعل معاني صفات عدة في معنى صفة واحدة. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من ينفي هذه الصفات وغيرها: "القول في بعض الصفات كالقول في بعض فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ورضاه وغضبه، وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين. فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل. وإن قلت له إرادة تليق به، كما إن للمخلوق إرادة تليق به. قيل لك: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق

стр. 546

به. وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق. قيل لك: وهذا غضب المخلوق" (١). وقال ابن أبي العز الحنفي (٢) في صفتي الرضا والغضب: "ولا يقال إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه، وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله، وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده ويكره ويسخط ويغضب لما أراده. ويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الانتقام أو بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلابد أن يقول: إن الغضب غليان دم القلب والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى. فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب لا أنه الغضب" (٣). وقال أيضًا: "ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بها" (٤).

стр. 547

صفة الفرح: الفرح صفة فعلية اختيارية ثابتة لله تعالى، يقول الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلَّا وحيٌ يوحى: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامُه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده لموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده" (١). قال الشيخ محمد خليل هراس في شرحه لهذا الحديث: "في هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله والكلام فيه كالكلام في غيره من الصفات أنه صفة حقيقية لله على ما يليق به وهو من صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته، فيحدث له هذا المعنى المعبر عنه بالفرح عندما يُحدثُ عبدُهُ التوبة والإنابة إليه، وهو مستلزم لرضاه عن عبده التائب وقبوله توبته" (٢). قال القرطبي في هذه الصفة عند شرحه للحديمث: "هذا مثل قصد به بيان سرعة قبول الله تعالى لتوبة عبده التائب، فإنه يقبل عليه بمغفرته ورحمته، ويعامله معاملة من يفرح به، ووجه هذا المثل: أن العاصي حصل بسبب معصيته (وقوعه) (٣) في قبضة الشيطان وأسره، وقد أشرف على الهلاك، فإذا لطف الله تعالى به وأرشده للتوبة خرج من شؤم تلك

стр. 548

المعصية، وتخلص من أسر الشيطان، ومن المهلكة التي أشرف عليها، فأقبل الله تعالى عليه برحمته ومغفرته، وبادر إلى ذلك مبادرة هذا الذي قد انتهى به الفرح واستفزَّه السرور إلى أن نطق بالمحال ولم يشعر به لشدة سروره وفرحه، وإلَّا فالفرح الذي هو من صفاتنا محال على الله تعالى؛ لأنه اهتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به الإنسان نقصه، ويسد به خلته، أو يدفع عن نفسه ضررًا أو نقصًا، وكل ذلك محال على الله تعالى، فإنه الكامل بذاته الغني بوجوده الذي لا يلحقه نقص، ولا قصوره، لكن هذا الفرح عندنا له ثمرة وفائدة، وهو الإقبال على الشيء المفروح به، وإحلاله المحل الأعلى، وهذا هو الذي يصح في حقه تعالى فعبر عن ثمرة الفرح على طريقة العرب في تسميتها الشيء باسم ما جاوره، أو كان منه بسبب" (١). وهذا الذي ذكر أنه محال على الله هو تشبيه صفات الله تعالى بصفات المخلوقين، ولا يلزم من إثبات الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة لله تعالى مشابهة لخلقه، كما قال ذلك علماء السنة، فهو سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢). قال الشيخ محمد خليل هراس: "وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع، فقد يكون فرح خفة وسرور وطرب، وقد يكون فرح أشرٍ وبطرٍ، فالله منزه عن ذلك كله، ففرحه لا يشبه فرح أحد من خلقه، لا في ذاته ولا في أسبابه، ولا في غاياته، فسببه كمال رحمته وإحسانه التي يحب من عباده أن يتعرضوا لها، وغايته إتمام نعمته على التائبين

стр. 549

المنيبين" (١). وكذلك المازري صرف هذا النص عن ظاهره فلم يثبت هذه الصفة حيث قال في شرحه للحديث: "الفرح يتصرف إلى معانٍ منها: أن يراد به السرور، ولكن السرور يقارنه الرضا بالمسرور به، فالمراد ههنا أن الله سبحانه يرضى (٢) توبة العبد أشد مما يرضى الواجد لناقته بالفلاة، فعبَّر عن الرضا بالفرح تأكيدًا لمعنى الرضا في نفس السامع، ومبالغة في معنا" (٣). "وتفسير الفرح بلازمه، وهو الرضى، وتفسير الرضى بإرادة الثواب فكل ذلك نفي وتعطيل لفرحه ورضاه سبحانه أوجبه سوء ظن هؤلاء المعطلة بربهم حيث توهموا أن هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق تعالى الله عن تشبيههم وتعطيلهم" (٤). "فنحن نؤمن بأن الله تعالى له فرح كما أثبت ذلك أعلم الخلق به ﷺ ، وأنصح الخلق للخلق، وأفصح الخلق فيما نطق به ﷺ ونقول المراد بالفرح: الفرح حقيقة مثلما أن المراد بالله نفسه حقيقة، ولكننا لا نمثل صفاتنا بصفات الله أبدًا" (٥). صفة الضحك: الضحك من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية التي وردت في السنة الصحيحة، لذا أثبتها أهل السنة والجماعة صفة لله تعالى على

стр. 550

المعنى الذي يليق به سبحانه من غير تشبيه لها بصفة المخلوقين، ولا تأويل لها على خلاف ظاهرها (١). قال ابن خزيمة: "باب: ذكر إثبات ضحك ربنا : بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه لا ولا يشبَّه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبي ﷺ ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله استأثر بصفة ضحكه لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي ﷺ مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه" (٢). وقال الآجري: "باب الإيمان بأن الله يضحك: اعلموا -وفَّقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل- أن أهل الحق يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ وبما وصفه به الصحابة ﵃ وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له والإيمان به أن الله يضحك كذا روي عن النبي ﷺ وعن صحابته ﵃ فلا ينكر هذا إلَّا من لا يحمد حاله عند أهل الحق" (٣). وقد سار القرطبي والمازري على منهج الأشاعرة في تأويل هذه الصفة، فقال القرطبي: "الضحك من خواص البشر، وهو: تغير أوجبه سرور القلب بحصول كمال لم يكن حاصلًا من قبل فتثور من القلب حرارة ينبسط لها الوجه ويضيق عنها الفم فينفتح وهو التبسم، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قهقه، وذلك كله على الله تعالى محال، لكن لما كان دلالة

стр. 551

عندنا على الرضا ومظهرًا له غالبًا عبر عن سببه به، وقد قالوا: تضحك الأرض من بكاء السماء، أي: يظهر خيرها، وفي بعض الحديث: "فيبعث الله سحابًا يضحك أحسن الضحك" (١) يعني السحاب، ومنه قولهم: .................. ... ضحك المشيب برأسه فبكى (٢) وقال: .................. ... في طعنة تضحك عن نجيع (٣) فالضحك في هذه المواضع بمعنى: الظهور فيكون معناه في الحديث: أن الله تعالى رضي عن هذا العبد، وأظهر عليه رحمته وفضله ونعمته، ولهذا حمله قوم هنا: على أنه تجلى للعبد وظهر له" (٤). وعند قوله ﷺ : "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدُهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، قال: يقاتل هذا في سبيل الله فيستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيقاتل في سبيل الله فيستشهد" (٥). قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "الضحك المنسوب إلى الله

стр. 552

تعالى عبارة عن الرضا بالمضحوك منه وإكرامه والإقبال عليه، ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف أي: يضحك رسول الله وملائكته ممن ذكر عند قبض أرواحهم، والله تعالى أعلم" (١). ؤقال المازري: الضحك من الله محمول على إظهار الرضا والقبول؛ إذ الضحك في البشر علامة على ذلك، ويقال: ضحكت الأرض إذا ظهر نباتها، وفي بعض الحديث: "فيبعث الله سحابًا فيضحك أحسن الضحك" (٢) فجعل انجلاءه عن البرق ضحكًا على الاستعارة، كأنه تعالى لما أظهر له رحمته استعير له اسم الضحك مجازًا" (٣). وعند شرحه لقوله ﷺ : "يقول الله تعالى للرجل: اذهب فادخل الجنة، فتتخيل له أنها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فيقول: أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك" (٤). قال: "إن قيل: ما معنى قوله: "تسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك؟ " وهب أنكم تأولتم الضحك على ماذ كرتم من الرضا وغيره، وهذا غير متأت ههنا، فيقال: من عادة المستهزئ من المخلوقين والساخر أن يضحك فوضع ههنا "تضحك" موضع: تستهزئ وتسخر لما كانت حالة للساخر" (٥). وعند قوله ﷺ : "فتجلى لهم يضحك" (٦)، قال: "التجلي في لسان

стр. 553

العرب معناه: الظهور فيكون المعنى ههنا: يظهر لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (١) معناه: ظهر، والضحك ذكرنا أنه يعبر به عن الرضا وإظهار الرحمة، فيكون المعنى على هذا: يظهر لهم وهو راضٍ، ويكون ذلك مجازًا خاطب ﵇ به العرب على ما اعتادت من لغتها" (٢). وهذا الذي أقرَّاه ونصراه من التأويل المذموم، وصرفِ للفظ عن ظاهره، وتعطيل لصفة الرب التي جاءت في الأحاديث الصحيحة، وتلقاها السلف بالإيمان والتسليم. وأما جعل الضحك عبارة عن الرضا أو الإكرام، أو من باب حذف المضاف، وجعل المضاف إليه مكانه وادعاء أن هذا الذي جاء في الحديث من باب المجاز، فقد رد العلماء هذه التأويلات. قال أبو يعلى: "اعلم أنه غير ممتنع حمل هذه الأحاديث على ظاهرها من غير تأويل، وقد نصَّ أحمد على ذلك ... وقال المروذي (٣): سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي، فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقائق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك وهذا كلام الجهمية" (٤). وقد ردَّ الدارمي على من أوَّل الضحك في كلام يطول ذكره قال فيه: قال المعارض في تفسير الضحك أن ضحك الرب رضاه ورحمته،

стр. 554

وصفحه عن الذنوب، ألا ترى أنك تقول: رأيت زرعًا يضحك. وهذا كذب إذ ضحك الزرع ليس بضحك، إنما هو خضرته ونضارته، فهو أبدًا -ما دام أخضر- ضاحك لكل أحد للولي والعدو، ولمن يسقيه ولمن يحصده، لا يقصد بضحكه إلى شيء، والله يقصد بضحكه إلى أوليائه عندما يعجبه فعالهم، ويصرفه عن أعدائه فيما يسخطه من أفعالهم، فضحك الله أصل وحقيقة للضحك، ويضحك كما يشاء، وأما قولك إن ضحكه رضاه ورحمته، فقد صدقت في بعض؛ لأنه لا يضحك إلى أحد إلَّا عن رضى، فيجتمع منه الضحك والرضى. ثم ذكر عددًا من الأحاديث التي لا مجال لتأويلها، ومنها قول أبي رزين ﵁ للرسول ﷺ : "أيضحك ربنا؟ قال ﷺ : "نعم"، قال: لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا" (١) - ثم قال: لو كان تفسير الضحك الرضى والرحمة والصفح من الذنوب فقط، كان أبو رزين جاهلًا لا يعلم أن ربه يرحم ويرضى ويغفر الذنوب" (٢). قال الأصبهاني: "وأنكر قوم في الصفات الضحك، وإذا صح الحديث لم يحل لمسلم رده، وخيف على من يرده الكفر، قال بعض العلماء: من أنكر الضحك فقد جهل جهلًا شديدًا، والحق أن الحديث إذا صح عن النبي ﷺ وجب الإيمان به، ولا توصف صفته بكيفية ولكن نسلم إثباتًا له وتصديقًا به" (٣).

стр. 555

صفة المحبة: وهي صفة من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية الثابتة بالكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٢). وقال ﷺ في حديث سهل بن سعد: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" (٣) وغيرها من النصوص الكثيرة المثبتة لهذه الصفة. ولذا فأهل السنة والجماعة يثبتون المحبة صفة حقيقية لله على ما يليق به، فلا تقتضي عندهم نقصًا ولا تشبيهًا كما يثبتون لازم تلك المحبة، وهي إرادته سبحانه إكرام من يحبه وإثابته، وقد جاء في صحيح مسلم أحاديث كثيرة فيها إثبات صفة المحبة لله كما يليق بجلاله، وقد شرح القرطبي والمازري هذه الأحاديث في أكثر من موضع نهجا فيها منهج أهل التأويل. قال القرطبي عند قوله ﷺ : "من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" (٤).: "دليل على جواز إضافة المحبة لله تعالى، وإطلاقها عليه، ولا خلاف في أن إطلاق ذلك عليه، صحيح محبًا ومحبوبًا، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٥) وهو في السنة كثير ولا يختلف النظَّار من أهل السنة وغيرهم أنها مؤولة في حق الله

стр. 556

تعالى؛ لأن المحبة المتعارفة في حقنا إنما هي ميل لما فيه غرض يستكمل به الإنسان ما نقصه وسكون لما تلتذ به النفس، وتكمل بحصوله والله تعالى منزه عن ذلك. وقد اختلف أئمتنا في تأويلها في حق الله تعالى، فمنهم من صرفها إلى إرادته تعالى إنعامًا مخصوصًا على من أخبر أنه يحبه من عباده، وعلى هذا ترجع إلى صفة ذاته، ومنهم من صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام، وعلى هذا فتكون من صفات الفعل" (١). وقال في موضع آخر: "محبة الله للعبد: إرادة إكرامه وإثابته، ولأعمال العباد: إثابتهم عليها، ومحبة الله تعالى منزهة عن أن تكون ميلًا للمحبوب، أو شهوة، إذ كل ذلك من صفاتنا، وهي دليل حدوثنا، والله تعالى منزه عن كل ذلك" (٢). وقال المازري: "الباري لا يوصف بالمحبة المعهودة فينا؛ لأنه يتقدس عن أن يميل أو يمال إليه، وليس بذي جنس، أو طبع، فيتصف بالشوق الذي تقتضيه الجنسية والطبيعة البشرية، وإنما معنى محبته سبحانه للخلق إرادته لثوابهم وتنعيمهم على رأي بعض أهل العلم، وعلى رأي بعضهم أن المحبة راجعة إلى نفس الإثابة والتنعيم لا للإرادة" (٣). ومن خلال هذه النقول يتبين أن القرطبي والمازري لم يثبتا هذه الصفة لله تعالى، وإنما فسَّرا المحبة ببعض علاماتها وثمارها، وهذا خلاف مذهب السلف، حيث يثبتون صفة المحبة لله تعالى من غير تمثيل ولا تكييف ومن غير تحريف ولا تعطيل، وقد توافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الله تعالى يحب المؤمنين والمتقين، ويحب التوابين

стр. 557

والمتطهرين، ومحبته سبحانه لعبده المؤمن شيء فوق إنعامه وإحسانه وإثابته، فإن هذا أثر المحبة وموجبها، أما هي فأعظم من ذلك، وأشرف، وهي التي يتسابق إليها الموفقون من عباد الله الصالحين" (١). قال ابن تيمية: "قد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇" (٢). وقد رد الشيخ ابن باز ﵀ على من يفسر المحبة بإرادة الثواب فقال: "هذا من التأويل الباطل والحق ما عليه أهل السنة أن معنى المحبة غير معنى الإرادة، والله سبحانه موصوف بها على الوجه الذي يليق بجلاله، ومحبته لا تشابه محبة خلقه، كما أن إرادته لا تشابه إرادة خلقه، وهكذا سائر صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٣) " (٤). وتأويلهم هذا بزعم التنزيه لاعتقادهم أن في إثباتها تشبيهًا لله تعالى بخلقه، وهذا باطل؛ لأننا إذا أثبتناها فنحن نقول محبة تليق به سبحانه لا تشبه محبة المخلوقين. وأما نفي هذه الصفة بزعم أن العقل لا يثبتها فقد رد هذا الشيخ ابن عثيمين فقال: "أما أهل البدع الذين أنكروها فليس عندهم إلَّا حجة واهية، فهم يقولون: إن العقل لا يدل عليها، ولو سلمنا أن العقل لا يدل على المحبة، فالسمع دل عليها، وهو دليل قائم بنفسه، ونحن يجب أن

стр. 558

يكون اعتمادنا في الأمور الغيبية على الأدلة السمعية، لكن لا مانع من أن نستدل بأدلة عقلية لإلزام من أنكر أن تكون المحبة ثابتة بالأدلة العقلية، مثل الأشاعرة الذين يقولون: لا يمكن أن نثبت المحبة بين الله وبين العبد؛ لأن العقل لا يدل عليه، وكل ما لا يدل عليه العقل فإنه يجب أن ننزه الله عنه. فنحن نقول: نثبت المحبة بالأدلة العقلية كما هي ثابتة عندنا بالأدلة السمعية احتجاجًا على من أنكر ثبوتها بالعقل، فإثابة الطائعين بالجنات، والنصر والتأييد، وغير ذلك، هذا يدل بلا شك على المحبة، ونحن نشاهد بأعيننا ونسمع بآذاننا عمن سبق وعمن لحق أن الله أيَّد من أيَّد من عباده ونصرهم وأثابهم، وهذا من الأدلة على محبته لمن أيَّدهم ونصرهم وأثابهم " (١). صفة الخلة: الخلة هي كمال المحبة المستغرقة لله حب وهي أخص من مطلق المحبة، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ (٢)، وقال ﷺ : "إن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (٣). ففي هذين الدليلين إثبات الخلة لله تعالى، وخلَّته سبحانه كصحبته، من صفاته المتعلقة بمشيئته، نثبتها له سبحانه على الوجه الذي يليق به، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة (٤).

стр. 559

والخلة لم تثبت لأحد من البشر إلَّا لإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهذه الخلة من صفات الله ؛ لأنها أعلى أنواع المحبة، وهي توقيفية، فلا يجوز أن نثبت لأحد من البشر أنه خليل إلَّا بدليل (١). وقد أوَّل القرطبي هذه الصفة كما أوَّل صفة المحبة فقال: "الخُلَّة: بضم الخاء "الصداقة" و"المودة"، ويقال فيها أيضًا: خلالة -بالضم والفتح والكسر- والخَلة بفتح الخاء: الفقر والحاجة، والخِلة بكسرها: واحدة خلل السيوف وهي بطائن أغشيتها، والخلل: الفرجة بين الشيئين، والجمع: الخلال، واختلف في الخليل -اسم إبراهيم ﵇ من أي هذه المعاني والألفاظ أخذ؟ فقيل: إنه مأخوذ من "الخلة" بمعنى "الصداقة"، وذلك أنه صدق في محبة الله تعالى، وأخلص فيها، حتى آثر محبته على كل محبوباته، فبذل ماله للضيفان وولده للقربان وجسده للنيران. وقيل: من الخلة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله في حوائجه، ولجأ إليه في فاقته، حتى لم يلتفت إلى غيره بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حين رمي في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا. وقيل: من الخلل بمعنى الفرجة بين الشيئين، ذلك لما تخلل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته، حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء فقال: قد تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوح منّي ... ولذا سُمِّي الخليلُ خليلا (٢) ولقد جمع هذه المعاني وأحسن من قال في الخلة: إنها صفاء

стр. 560

المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار والغنى عن الأغيار" (١). وهذه المعاني التي ذكرها القرطبي صحيحة فإبراهيم ﵊ صدق في محبة الله تعالى، وافتقر ولجأ إلى الله تعالى مع ما امتلأ به قلبه من محبة الله ومعرفته ومراقبته، ولكن كل هذا لا يبرر تأويل هذه الصفة التي هي من صفات الله تعالى كالمحبة، فنعلم أن الخليل كان شديد المحبة لله تعالى والله سبحانه كان شديد الص حبة له، والقرطبي أوَّل صفة المحبة وصرفها عن ظاهرها والخلة تابعة لها. قال ابن كثير: إنما سمي خليل الله لمض مدة محبة ربه له لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها" (٢). صفة الغيرة: الغيرة صفة من صفات الله تعالى الثابتة بالأحاديث الصحيحة التي جاءت عن رسول الله ﷺ ، ومنها قوله: "أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" (٣). وهي صفة كمال، إذ من لا غيرة له ناقص مذموم، وهو المسمى بالديوث، لذا وصف الرسول ﷺ ربه بالغيرة؛ لأنها صفة كمال. وغيرة الله من جنس صفاته التي يختص بها، فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته مثل الغضب والرضا ونحو ذلك من خصائصه

стр. 561

التي لا يشاركه الخلق فيها (١). وقد ذكر القرطبي صفة الغيرة في موضعين من المفهم، سلك فيهما طريق التأويل حيث قال: "الغيرة في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحقان الغيران عندما ينال شيء من حرمه أو محبوباته فعمل على صيانتهم ومنعهم، وهذا التغير على الله محال، وهو منزه عن كل تغير ونقص، لكن لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر القاصد إليهم، أُطلق ذلك على الله تعالى، إذ قد زجر وذم ونصب الحدود، وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء من محارمه، وهذا من التجوز ومن باب: تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه" (٢). وقال في موضع آخر: "الغيرة في حقنا: هيجان وانزعاج يجده الإنسان من نفسه، يحمل على صيانة الحرم ومنعهم من الفواحش ومقدماتها، والله تعالى منزه عن مثل ذلك الهيجان، فإنه تغير يدل على الحدوث، فإذا أطلقت لفظ الغيرة على الله، فإنما معناه: أنه تعالى منع من الإقدام على الفواحش بما توعد عليها من العقاب والزجر والذم وبما نصب عليها من الحدود، وقد دلَّ على صحة هذا قوله في حديث آخر: "وغيرة الله ألا يأتي المؤمن ما حرمه الله عليه" (٣) " (٤). وكذلك المازري أوَّل هذه الصفة فقال: "معناه ما أحد أمنع

стр. 562

للفواحش من الله تعالى، والغيور منعه حريمه، وكلما زادت غيرته زاد منعه، فاستعير لمنع الباري سبحانه عن معاصيه اسم الغيرة مجازًا واتساعًا، وخاطبهم النبي ﷺ بما يفهمونه" (١). وهذه التأويلات التي تكلفوها خشية أن يؤدي وصفه سبحانه بهذه الصفة مشابهة الخلق بزعمهم ولا شك أن، صفات الباري سبحانه كذاته، لا تشابه صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين. وتأويل الغيرة بلوازمها من المنع وا احماية والغضب لا يصح، إذ هي غير الغيرة، بل هي من آثارها، والاستد. لال بالحديث الذي فيه تفسير الغيرة ليس معهم بل هو ضدهم، إذ الحدة بث بيان مقتضى الغيرة، وهو تحريم الفواحش .. وجعلهم سبب رد هذه الصفة دليل الحدوث باطل كما سبق بيانه. ولا يصح بيانهم لغيرة المخلوق، ثم قياس غيرة الله تعالى عليها، ليكون هذا سببًا لردها تنزيهًا لله كما زعموا، بل نقول: إن هذه الغيرة التي وصف الله سبحانه بها ليست كغيرة المخلوق، بل هي غيرة تليق بالله ، ولذا فليس وصف الله تعالى بها محالًا، كما قال القرطبي. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "المحال عليه وصفه بالغيرة المشابهة لغيرة المخلوق، وأما الغيرة اللائقة بجلاله ، فلا يستحيل وصفه بها كما دل عليه هذا الحديث، وما جاء في معناه فهو سبحانه يوصف بالغيرة عند أهل السنة على وجه لا يماثل فيه صفة المخلوقين، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلَّا هو سبحانه، كالقول في الاستواء والنزول والرضا والغضب، وغير ذلك من

стр. 563

صفاته سبحانه" (١). صفة الاستحياء: وهي صفة ثابتة لله بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٢)، وقال ﷺ : "وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه" (٣). قال ابن القيم في هذه الصفة: وهو الحييُّ فليس يفضح عبده ... عند التجاهر منه بالعصيان لكنه يلقي عليه ستره ... فهو الستير وصاحب الغفران (٤) قال الهراس في شرح النونية: "حياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده وكرمه، وعظيم عفوه وحلمه، فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه، وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحيي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو ويغفر" (٥). والقرطبي ﵀ أوَّل هذه الصفة فقال عند شرحه للحديث السابق: "كأن هذا الثالث كان متمكنًا من المزاحمة، إذ لو شرع فيها لفسح

стр. 564

له لأن التفسح في المجلس مأمور به مندوب إليه، لكن منعه من ذلك الحياء، فجلس خلف الصف الأول، ففاتته تضيلة التقدم، لكن جازاه الله على إصغائه واستحيائه بأن لا يعذبه، وبأن يكرمه ... واستحياء الله تعالى معناه في حقه: أنه يعامل عبيده بما يعامل بها من يستحيي منه من المغفرة والكرامة" (١). وقال في موضع آخر: "أصل الحياء: انقباض واحتشام يجده الإنسان عندما يُطلع منه على مستقبح وهو في حق الله تعالى عبارة عن الامتناع عن مثل ذلك الفعل المستحيا منه" (٢). وقد ردَّ الشيخ ابن باز ﵀ على من أوَّل هذه الصفة فقال: "الصواب أنه لا حاجة إلى التأويل مطلقًا، فإن الله يوصف بالحياء الذي يليق به، ولا يشابه فيه خلقه، كسائر صفاته، وقد ورد وصفه بذلك في نصوص كثيرة فوجب إثباته له على الوجه الذي يليق به. وهذا قول أهل السنة في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة وهو طريق النجاة فتنبه واحذر والله أعلم" (٣). صفة الإعراض: الإعراض من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية التي جاءت على لسان رسوله ﷺ في قصة الثلاثة الذين أقبلوا عليه وهو جالسٌ مع أصحابه، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ ، وذهب واحد، فقال ﷺ : " ... وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" (٤)، وقوله ﷺ : "أيُّكم يحب أن

стр. 565

يعرض الله عنه" (١). وأهل السنة يثبتون هذه صفة لله تعالى كما جاءت من غير صرف لها عن ظاهرها، بل نقول كما يليق بالله . وقد أوَّل القرطبي هذه الصفة وصرفها عن ظاهرها فقال عند شرحه للحديث الأول: "إن كان هذا المعرض منافقًا فإعراض الله عنه تعذيبه في نار جهنم وتخليده فيها في الدرك الأسفل منها، وأما إن كان مسلمًا -وإنما انصرف عن الحلقة لعارض عرض له فآثره- فإعراض الله تعالى عنه: منع ثوابه عنه وحرمانه مجالسة النبي ﷺ والاستفادة منه، والخير الذي حصل لصاحبيه" (٢). وقال في شرحه للحديث الآخر: "أي يعامله معاملة المعرض عنه فلا يثيبه" (٣). وهذا تأويل للصفة سار فيه القرطبي على مذهب الأشاعرة في التأويل. والحق إثبات هذه الصفة لله تعالى كما وردت على لسان رسوله ﷺ على الوجه اللائق به سبحانه الذي لا يشابه صفات المخلوقين. صفة السخرية والاستهزاء والمكر: والاستهزاء والسخرية والمكر من صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ
следующие страницы →