← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

التي لا يشاركه الخلق فيها (١). وقد ذكر القرطبي صفة الغيرة في موضعين من المفهم، سلك فيهما طريق التأويل حيث قال: "الغيرة في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحقان الغيران عندما ينال شيء من حرمه أو محبوباته فعمل على صيانتهم ومنعهم، وهذا التغير على الله محال، وهو منزه عن كل تغير ونقص، لكن لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر القاصد إليهم، أُطلق ذلك على الله تعالى، إذ قد زجر وذم ونصب الحدود، وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء من محارمه، وهذا من التجوز ومن باب: تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه" (٢). وقال في موضع آخر: "الغيرة في حقنا: هيجان وانزعاج يجده الإنسان من نفسه، يحمل على صيانة الحرم ومنعهم من الفواحش ومقدماتها، والله تعالى منزه عن مثل ذلك الهيجان، فإنه تغير يدل على الحدوث، فإذا أطلقت لفظ الغيرة على الله، فإنما معناه: أنه تعالى منع من الإقدام على الفواحش بما توعد عليها من العقاب والزجر والذم وبما نصب عليها من الحدود، وقد دلَّ على صحة هذا قوله في حديث آخر: "وغيرة الله ألا يأتي المؤمن ما حرمه الله عليه" (٣) " (٤). وكذلك المازري أوَّل هذه الصفة فقال: "معناه ما أحد أمنع

стр. 562

للفواحش من الله تعالى، والغيور منعه حريمه، وكلما زادت غيرته زاد منعه، فاستعير لمنع الباري سبحانه عن معاصيه اسم الغيرة مجازًا واتساعًا، وخاطبهم النبي ﷺ بما يفهمونه" (١). وهذه التأويلات التي تكلفوها خشية أن يؤدي وصفه سبحانه بهذه الصفة مشابهة الخلق بزعمهم ولا شك أن، صفات الباري سبحانه كذاته، لا تشابه صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين. وتأويل الغيرة بلوازمها من المنع وا احماية والغضب لا يصح، إذ هي غير الغيرة، بل هي من آثارها، والاستد. لال بالحديث الذي فيه تفسير الغيرة ليس معهم بل هو ضدهم، إذ الحدة بث بيان مقتضى الغيرة، وهو تحريم الفواحش .. وجعلهم سبب رد هذه الصفة دليل الحدوث باطل كما سبق بيانه. ولا يصح بيانهم لغيرة المخلوق، ثم قياس غيرة الله تعالى عليها، ليكون هذا سببًا لردها تنزيهًا لله كما زعموا، بل نقول: إن هذه الغيرة التي وصف الله سبحانه بها ليست كغيرة المخلوق، بل هي غيرة تليق بالله ، ولذا فليس وصف الله تعالى بها محالًا، كما قال القرطبي. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "المحال عليه وصفه بالغيرة المشابهة لغيرة المخلوق، وأما الغيرة اللائقة بجلاله ، فلا يستحيل وصفه بها كما دل عليه هذا الحديث، وما جاء في معناه فهو سبحانه يوصف بالغيرة عند أهل السنة على وجه لا يماثل فيه صفة المخلوقين، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلَّا هو سبحانه، كالقول في الاستواء والنزول والرضا والغضب، وغير ذلك من

стр. 563

صفاته سبحانه" (١). صفة الاستحياء: وهي صفة ثابتة لله بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٢)، وقال ﷺ : "وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه" (٣). قال ابن القيم في هذه الصفة: وهو الحييُّ فليس يفضح عبده ... عند التجاهر منه بالعصيان لكنه يلقي عليه ستره ... فهو الستير وصاحب الغفران (٤) قال الهراس في شرح النونية: "حياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده وكرمه، وعظيم عفوه وحلمه، فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه، وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحيي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو ويغفر" (٥). والقرطبي ﵀ أوَّل هذه الصفة فقال عند شرحه للحديث السابق: "كأن هذا الثالث كان متمكنًا من المزاحمة، إذ لو شرع فيها لفسح

стр. 564

له لأن التفسح في المجلس مأمور به مندوب إليه، لكن منعه من ذلك الحياء، فجلس خلف الصف الأول، ففاتته تضيلة التقدم، لكن جازاه الله على إصغائه واستحيائه بأن لا يعذبه، وبأن يكرمه ... واستحياء الله تعالى معناه في حقه: أنه يعامل عبيده بما يعامل بها من يستحيي منه من المغفرة والكرامة" (١). وقال في موضع آخر: "أصل الحياء: انقباض واحتشام يجده الإنسان عندما يُطلع منه على مستقبح وهو في حق الله تعالى عبارة عن الامتناع عن مثل ذلك الفعل المستحيا منه" (٢). وقد ردَّ الشيخ ابن باز ﵀ على من أوَّل هذه الصفة فقال: "الصواب أنه لا حاجة إلى التأويل مطلقًا، فإن الله يوصف بالحياء الذي يليق به، ولا يشابه فيه خلقه، كسائر صفاته، وقد ورد وصفه بذلك في نصوص كثيرة فوجب إثباته له على الوجه الذي يليق به. وهذا قول أهل السنة في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة وهو طريق النجاة فتنبه واحذر والله أعلم" (٣). صفة الإعراض: الإعراض من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية التي جاءت على لسان رسوله ﷺ في قصة الثلاثة الذين أقبلوا عليه وهو جالسٌ مع أصحابه، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ ، وذهب واحد، فقال ﷺ : " ... وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" (٤)، وقوله ﷺ : "أيُّكم يحب أن

стр. 565

يعرض الله عنه" (١). وأهل السنة يثبتون هذه صفة لله تعالى كما جاءت من غير صرف لها عن ظاهرها، بل نقول كما يليق بالله . وقد أوَّل القرطبي هذه الصفة وصرفها عن ظاهرها فقال عند شرحه للحديث الأول: "إن كان هذا المعرض منافقًا فإعراض الله عنه تعذيبه في نار جهنم وتخليده فيها في الدرك الأسفل منها، وأما إن كان مسلمًا -وإنما انصرف عن الحلقة لعارض عرض له فآثره- فإعراض الله تعالى عنه: منع ثوابه عنه وحرمانه مجالسة النبي ﷺ والاستفادة منه، والخير الذي حصل لصاحبيه" (٢). وقال في شرحه للحديث الآخر: "أي يعامله معاملة المعرض عنه فلا يثيبه" (٣). وهذا تأويل للصفة سار فيه القرطبي على مذهب الأشاعرة في التأويل. والحق إثبات هذه الصفة لله تعالى كما وردت على لسان رسوله ﷺ على الوجه اللائق به سبحانه الذي لا يشابه صفات المخلوقين. صفة السخرية والاستهزاء والمكر: والاستهزاء والسخرية والمكر من صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ

стр. 566

اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (١). وجاء في الحديث عن آخر أهل النار خروجًا منها وأخر أهل الجنة دخولًا فيها، وفيه أنه قال يخاطب الله : "أتسخر بي؟ أوتضحك بي وأنت الملك؟ " (٢). قال ابن جرير الطبري بعد أن ذكر الاختلاف في صفة الاستهزاء: والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزِئ للمستهزَإ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرًا وهو بذلك من قيله وفعله مورثه مساءة باطنًا وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر (٣). وقال قوام السنة الأصبهاني: "وتولى الذب عنهم -أي المؤمنين- حين قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ فقال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وأجاب عنهم فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فأجل أقدارهم أن يوصفوا بصفة عيب وتولى المجازاة لهم فقال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ لأن هاتين الصفتين إذا كانتا من الله لم تكن سفهًا لأن الله حكيم والحكيم لا يفعل السفه، بل ما يكون منه يكون صوابًا وحكمة" (٤). قال القرطبي عن هاتين الصفتين عند شرحه للحديث السابق: "قد أكثر الناس في تأويله ومن أشبه ما قيل فيه: إن هذا الرجل استخفه الفرح وأدهشه فقال ذلك غير ضابط لما يقول كما جاء في الحديث الآخر في

стр. 567

الذين وجد راحلته وقد أشرف على الهلاك من العطش والجوع: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" (١) قال رسول الله ﷺ : "أخطأ من شدة الفرح" وقيل: إنما قال هذا الرجل ذلك على جهة: أنه خاف أن يقابله على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات والتشبه بأحوال الساخرين والمستهزئين فكأنه قال: أتجازيني على ما كان مني؟ وهذا كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ و ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يجازيهم جزاء استهزائهم وسخريتهم على أحد التأويلات" (٢). واعتبر القرطبي إطلاق المكر على الله تعالى على وجه المقابلة من باب المجاز فقال عند تأويله لملل الله تعالى الثابت بالحديث: "هو على الله محال، وإنما أطلق هنا على الله تعالى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٣) " (٤). وقال المازري في شرحه للحديث السابق: "قد يقال: كيف يقال للباري سبحانه: أتسخر مني؟ وإنما ساغ ذلك في الشرع على وجه المقابلة كقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾، و ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ والجواب: أن هذا لم يقع إلَّا على جهة المقابلة، وهي وإن لم تكن موجودة في اللفظ فهي موجودة في معنى الحديث؛ لأنه ذكر فيه أنه عاهد الله مرارًا أن لا يسأل الله تعالى غير ما سأله ثم غدر، وحل غدره محل الاستهزاء والسخرية، فقدر أن قوله تعالى له: "ادخل الجنة" وتردده إليها وتخيله أنها ملأى ضرب من الإطماع له والسخرية به جزاء

стр. 568

على ما تقدم من غدره وعقوبة له فسمي الجزاء على السخرية سخرية فقال: أتسخر مني أي تعاقبني بالإطماع" (١). قال ابن تيمية في الرد على الذين يقولون بالمجاز: "وكذلك ما ادعو أنه مجاز في القرآن كلفظ المكر والاستهزاء والسخرية المضاف إلى الله تعالى وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلًا ... قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٢)، ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلًا يستحق هذا الاسم ... وقال بعضهم: استهزاؤه: استدراجه لهم، وقيل: إيقاع استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم. وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة. وقيل: هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه، وهذا كله حق وهو استهزاء بهم" (٣). وقال ابن القيم: "إن الله لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع، والاستهزاء مطلقًا، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقًا بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقًا فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد؛ لأنه تعالى لم يصف نفسه بهذا إلَّا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه فإطلاق ذلك عليه

стр. 569

سبحانه على حقيقته دون مجاز" (١). صفة الرحمة: الرحمة صفة من صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة، فالنصوص الواردة في إثباتها أكثر من أن تحصى، ولذا فلا مجال لعرض هذه الأدلة المثبتة لهذه الصفة، ومن أسماء الله تعالى الحسنى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهما مشتقان من "الرحمة". وقد أوَّل القرطبي والمازري هذه الصفة وصرفاها عن ظاهرها، فقال القرطبي: "الرحمة في حقنا: هي رقة وحنو يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى أو ضعيف، أو صغير، يحمله على الإحسان إليه واللطف به، والرفق والسعي في كشف ما به، وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله -عاقله وغير عاقله- فيها تعطف الحيوانات على نوعها، وأولادها، فتحنو عليها، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها، وحكمة هذه الرحمة تسخير القوي للضعيف، والكبير للصغير، حتى ينحفظ نوعه، وتتم مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير، وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في هذه الدار، وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة، ادخرها الله ليوم القيامة، فيرحم بها عباده المؤمنين، وقت أهوالها وشدائدها، حتى يخلصهم منها، ويدخلهم في جنته وكرامته، ولا يفهم من هذا أن: الرحمة التي وصف الحق بها نفسه هي: رقة وحنو كما هي في حقنا؛ لأن ذلك تغير يوجب للمتصف به الحدوث والله تعالى منزه ومقدس عن ذلك، وعن نقيضه الذي هو القسوة والغلظ، وإنما ذلك راجع في حقنا إلى ثمرة تلك الرأفة

стр. 570

وفائدتها، وهي: اللطف بالمبتلي والضعيف، والإحسان إليه، وكشف ما هو فيه من البلاء، فإذًا هي في حقه من صفات الفعل لا من صفات الذات، وهذا كما تقدم في غضبه تعالى ورضاه" (١). وقال المازري: "غضب الله ورضاه يرجعان إلى إرادته لإثابة المطيع ومنفعة العبد أو عقاب العاصي، فالأولى منهما يسمى رحمة، والثاني يسمى غضبًا" (٢). ويتبين من قولهم هذا مخالفة مذهب السلف في إثبات هذه الصفة التي وردت فيها النصوص على الوجه اللائق به سبحانه من غير تشبيه لها بصفة المخلوق، وهي ولا شك من صفات الكمال، ولذا تكون غالبًا من القوي للضعيف، ومن الكبير للصغير، ومن القادر للعاجز، وأما هذا التأويل فهو على مذهب الأشاعرة، ومن سلك سبيلهم لتنزيه الرب بزعمهم عن مشابهة المخلوق لقولهم: إن الرحمة رقة في القلب، وهذه رحمة المخلوق لا رحمة الخالق, فالرحمة صفة الرحيم، وهي في كل موصوف بحسبه، فإذا اتصف أرحم الراحمين بالرحمة حقيقة لم يلزم أن تكون رحمته من جنس رحمة المخلوق. وإن ظهور آثار صفة الرحمة في الوجود، كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة، فإن ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "الرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه "الرحمن"، واسمه "الرحيم"، وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم. وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ

стр. 571

الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ (١) لأن المخلوقين قد يرحم بعضهم بعضًا، ولا شك أن رحمة الله تخالف رحمة خلقه، كمخالفة ذاته وسائر صفاته لذاواتهم وصفاتهم" (٢). صفة الصبر: جاء وصف الله تعالى بالصبر في الحديث الصحيح الذي قال فيه ﷺ : "ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم" (٣). قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "الصبر في اللغة: حبس النفس على ما تكرهه أو يشق عليها، وذلك على الله تعالى محال، لكنه قد يكون معه الصفح عن الجاني، والحلم عليه، والرفق به، وكل ذلك موجود من الله تعالى، فحسن أن يطلق الله تعالى ذلك على نفسه" (٤). وقال المازري في شرحه لهذا الحديث: "المراد بهذا أن الله سبحانه واسع الحلم عن الكافر الذي يضيف إليه الولد، والصبر: منع النفس من التشفي والانتقام، أو منعها من غير ذلك، فلما كان الامتناع نتيجة الصبر عبر عن ترك الباري سبحانه الانتقام بهذه العبارة وجرى الأمر في ذلك على حسب ما قلناه مرارًا فيما تقدم من مثل هذا" (٥).

стр. 572

والصبر الذي ذكراه هو صبر المخلوق والله إذا وُصِفَ بصفة فلا تكون هذه الصفة كصفة المخلوق قطعًا بل تكون لائقة بجلال الله تعالى وعظمته. قال الشيخ الغنيمان في تعليقه على كلام المازري السابق الذي نقله الحافظ ابن حجر عن المازري في فتح الباري: "قلت: قول المازري: فأطلق اسم الصبر على الامتناع في حق الله تعالى. فيه نظر، وذلك أن رسول الله ﷺ "أطلق على ربه الصبر، وأنه ما أحد أصبر منه، وهو ﷺ أعلم الخلق بالله تعالى وأخشاهم له، وأقدرهم على البيان عن الحق، وأنصحهم للخلق، فلا استدارك عليه، فيجب أن يبقى ما أطلقه ﷺ على الله تعالى بدون تأويل، إلَّا إذا كان يريد بذلك تفسير معنى الصبر، ولكن الأولى أن يبقى كما قال لأنه واضح ليس بحاجة إلى تفسير" (١). صفة الكنف: صفة ثابتة لله بالحديث الصحيح، قال ﷺ : "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه" (٢). والكنف في اللغة: الستر والحرز والجانب والناحية (٣). قال القرطبي في شرحه للحديث السابق: "أي: ستره وجناح إكرامه ولطفه" (٤). وقال المازري: "المراد بقوله: "حتى يضع كنفه عليه" أي: ستره

стр. 573

وعفوه" (١). قال الإمام البخاري: "قال عبد الله بن المبارك: كنفه: يعني ستره" (٢). وقال الشيخ الغنيمان: "قوله: "حتى يضع كنفه عليه" جاء الكنف مفسرًا في الحديث بأنه الستر والمعنى: أنه تعالى يستر عبده عن رؤية الخلق له لئلا يفتضح أمامهم فيخزى" (٣). ونرى بهذا أن القرطبي والمازري في هذه الصفة لم يخرجا عن القول المذكور عن السلف في أن الكنف هو الستر. صفة العتب: صفة فعلية اختيارية لله تعالى جاءت في الأحاديث الصحيحة قال ﷺ : "قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه" (٤). وفي قصة هجر الرسول ﷺ لنسائه، قال عمر عن ذلك: "وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله" (٥). قال أبو موسى المديني (٦): "وفي حديث أبيّ في ذكر موسى حين

стр. 574

سئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه العتب: أدنى الغضب" (١). وهذا إثبات لهذه الصفة بمعناها وهو أدنى الغضب. والمازري ذكر هذه الصفة لكنه أوَّلها على منهجه في ذلك حيث قال: "قوله: "عتب الله عليه" فيشبه أن يراد به أنه لم يرض قوله شرعًا ودينًا وأما العتب بمعنى الموجدة وتغير النفس فلا يجوز على الله سبحانه" (٢). وهذا عتب المخلوق وأما الخالق سبحانه فلا يشبه بخلقه إنما يثبت له من الصفات ما جاءت به النصوص دون تشبيه كما هو مذهب السلف. صفة الملل: وقد جاء وصف الله تعالى بهذا في الحديث الصحيح الذي قال فيه ﷺ : "عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل حتى تملوا" (٣). قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "ظاهره محال على الله تعالى، فإن الملال: فتور عن تعب وألم عن مشقة وكل ذلك على الله تعالى محال، وإنما أطلق هنا على الله تعالى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٤) و ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (٥) ووجه مجازه: أنه تعالى لما كان يقطع ثواب عمل من ملَّ

стр. 575

من العمل وقطعه. عبر عن ذلك بالملل من باب تسمية الشيء باسم سببه" (١). وقال المازري: "الملالة التي بمعنى السآمة لا تجوز على الله تعالى، وقد اختلف في تأويل هذا الحديث فقيل: إنما ذلك على معنى المقابلة أي لا يدع الجزاء حتى تدعو العمل، وقيل: "حتى" ههنا بمعنى الواو فيكون قد نفى عنه جلت قدرته الملل، فيكون التقدير لا يمل وتملون وقيل: حتى بمعنى حين" (٢). ونحن نقول: الملال الذي هو فتور عن تعب وألم عن مشقة محال على الله تعالى كما قال القرطبي، ولكن هذا لا يقوله أهل السنة فإثباتهم لملل الله تعالى كما جاء به النص لا يستلزم تشبيهه بملل المخلوق، الذي هو صفة نقص تقتضيه طبيعته والله سبحانه منزه عن النقص إنما إذ أطلق ذلك على الله تعالى فهو صفة كمال لا نقص فيها. قال الشيخ محمد بن إبراهيم (٣): "فإن الله لا يمل حتى تملو" من نصوص الصفات وهذا على وجه يليق بالباري لا نقص فيه كنصوص

стр. 576

الاستهزاء والخداع فيما يتبادر" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين وقد سئل عن هذا الحديث: "من العلماء من قال: إن هذا دليل على إثبات الملل لله لكن ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ أن ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سآمه وضجره من هذا الشيء أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال، وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا، ومن العلماء من يقول: إن قوله: "لا يمل حتى تملوا" يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل، فإن الله يجازيك عليه، فاعمل ما بدا لك فإن الله لا يمل من ثوابك، حتى تمل من العمل، وعلى هذا فيكون المراد بالملل لازم الملل. ومنهم من قال: إن هذا لا يدل على صفة الملل دته إطلاقًا؛ لأن قول القائل: لا أقوم حتى تقوم، لا يستلزم قيام الثاني، وهذا أيضًا: "لا يمل حتى تملوا" لا يستلزم ثبوت الملل لله . وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أن الله تعالى منزه عن كل صفة نقص من الملل وغيره، وإذا ثبت أن هذا الحديث دل على الملل فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق" (٢). صفة النظر: صفة فعلية ثابتة لله بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣). وقال ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (٤).

стр. 577

قال ابن منده في كتابه "التوحيد": "ذكر ما امتدح الله من الرؤية والنظر إلى خلقه ودعا عباده الصالحين إلى مدحه لذلك" (١). "فالله ينظر إلى ما يشاء ويعرض عما يشاء فلا ينظر إليه كما دلت النصوص عليه" (٢). قال القرطبي في شرحه للحديث السابق: "نظر الله تعالى إلى عباده: رحمته لهم وعطفه عليهم وإحسانه إليهم وهذا النظر هو المنفي في هذا الحديث" (٣). قلت: هذا من التأويل المذموم المخالف لمنهج السلف في إثبات هذه الصفة لله تعالى على حقيقتها كما جاءت بذلك النصوص على ما يليق بالله . قال شارح الطحاوية: "النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه، فإن عدي بنفسه، فمعناه التوقف والانتظار ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٤) وإن عدي بـ"في" فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٥) وإن عدي بـ"إلى" فمعناه: المعاينة بالإبصار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (٦) (٧) والأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات صفة "النظر" لله تعالى كلها من

стр. 578

المتعدي بـ"إلى". صفة الأذن "بمعنى الاستماع ": وهي صفة ثابتة لله كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي قال فيه ﷺ : "ما أَذِنَ اللهُ لشيء ما أَذِنَ لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" (١). الأذَن - بالتحريك - الاستماع يقال: أذِن إليه، وله يأذن أذنًا. قال القاسم بن سلَّام: "كأذَنه" يعني: ما استمع الله الشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ (٢) قال: سمعت أو قال: استمعت شك أبو عبيد يقال: أذنتُ للشيءآذن له أذنًا: إذا استمعته" (٣). وقال البغوي: "قوله: "ما أذن الله لشيء كإذنه" يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه والله لا يشغله سمع عن سمع يقال: أذنت للشيء آذن أذنًا بفتح الذال: إذا سمعت له" (٤). والقرطبي قد أوَّل هذه الصفة الثابتة لله تعالى وصرفها عن ظاهرها، فقال في شرحه لهذا الحديث: قوله: "ما أذن الله" أي: ما استمع الله وأصغى وأصله: أن المستمِعَ يميل بأذنه إلى جهة المستمَع تقول العرب: أَذِن بكسر الذال يأذن بفتحها في المستقبل أذنًا بفتح الهمزة والذال في

стр. 579

المصدر: إذا أصغى واستمع وهذا المعنى في حق الله تعالى محال، وإنما هو من باب التوسع، على ما جرى به عرف التخاطب، وهو منصرف في حق الله تعالى لإكرام القارئ، وإجزال ثوابه، ووجه هذا التوسع: أن الإصغاء إلى الشيء قبول له، واعتناء به ويترتب على ذلك إكرام المُصغَى إليه فعبر عن الإكرام بالإصغاء إذ هو عنه" (١). وقال المازري عن هذه الصفة: أذن في اللغة بمعنى استمع فأما الاستماع الذي هو الإصغاء فلا يجوز على الله سبحانه فهو مجاز ههنا فكأنه عبر عن تقريبه للقاري وإجزال ثوابه بالاستماع والقبول وكذلك سماع الباري تعالى للأشياء لا يختلف وإنما المراد ههنا أنه يقرب الحسن القراءة أكثر من تقريب غيره، والتفاضل في التقريب، وزيادة الأجور يختلف فتعبيره عن ذلك بما يؤدي إلى التفاضل في الاستماع مجاز" (٢). وقد نقل الحافظ ابن حجر قول القرطبي السابق في الفتح وارتضاه. قال الشيخ عبد الله الدويش (٣) ﵀ معلقًا على تأويل القرطبي لهذه الصفة: هذا تأويل مردود، والصواب إثبات هذه الصفة لله حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير أن يشبه ذلك باستماع المخلوقين، وهذا

стр. 580

قول أهل السنة والجماعة، خلافًا لأهل البدع من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم" (١). نسبة استطابة الروائح إلى الله تعالى: وثبتت نسبة ذلك إليه في الحديث الصحيح الذي قال فيه ﷺ : "والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (٢). قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "لا يتوهم أن الله تعالى يستطيب الروائح ويستلذها كما يقع لنا من اللذة والاستطابة، إذ ذاك من صفات افتقارنا واستكمال نقصنا وهو الغني بذاته الكامل بجلاله وتقدسه على أنَّا نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه المخلوقات، وإنما معنى هذه الأطيبية، عند الله راجعة إلى أن الله تعالى يثيب على خلوف فم الصائم ثوابًا أكثر مما يثيب على استعمال روائح المسك، حيث ندب الشرع إلى استعماله فيها كالجمع والأعياد وغير ذلك ويحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة فيستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك" (٣). ولا أبعد من هذا التأويل ولا أشد من هذا التكلف الذي لا تساعده فيه النصوص، وما أجمل كلامَه السابق حينما قال: "يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات" فليته أكمل فقال: ويستطيب الروائح على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه المخلوقات،

стр. 581

فهذا مذهب أهل السنة في إثبات صفاته تعالى وتنزيهه عن مشابهة مخلوقاته. وقال المازري: "قوله: "أطيب عند الله من ريح المسك" مجاز واستعارة؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى الشيء فتستطيبه وتنفر عن آخر فتستقذره، والله تعالى يتقدس عن ذلك، ولكن جرت العادة فينا بتقريب الروائح الطيبة منا، واستعير ذلك في الصوم لتقريبه من الله سبحانه" (١). قال الشيخ عبد الله الدويش ﵀ في رده على الحافظ ابن حجر ﵀ في تأويل هذه الصفة: "كل هذا تأويل لا حاجة إليه، وإخراج للفظ عن حقيقته، والصواب أن نسبة الاستطابة إليه سبحانه كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه، فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه، وغضبه، وفرحه، وكراهته، وحبه، وبغضه، لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته وسبحانه وتعالى لا تشبه ذوات المخلوقين، وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعاله لا تشبه أفعالهم، قاله العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الوابل الصيب، والله أعلم" (٢). وصف الله تعالى بأنه شخص: جاء إطلاق لفظ "شخص" على الله تعالى في الحديث الصحيح الذي قال فيه ﷺ : "لا شخص أغيَرُ من الله ولا شخص أحب إليه العذر من الله" (٣). قال ابن أبي عاصم في السنة: "باب: ذكر الكلام والصوت

стр. 582

والشخص وغير ذلك" (١). وقال أبو يعلى: "وأما لفظ الشخص فرأيت بعض أصحاب الحديث يذهب إلى جواز إطلاقه ووجه أن قوله: "لا شخص" نفي من إثبات وذلك يقتضي الجنس كقولك: "لا رجل أكرم من زيد" يقتضي أن زيدًا يقع عليه اسم رجل كذلك قوله: "لا شخص أغير من الله" يقتضي أنه سبحانه يقع عليه هذا الاسم" (٢). قلت: "قوله ذهب بعض أصحاب الحديث إلى جواز إطلاقه" عبارة فيها إشكال لأنه قد جاء النص بإطلاقه عن المعصوم فوجب العمل به وإبطال ما سواه. قال الشيخ عبد الله الغنيمان: "ثبت هذا اللفظ عن رسول الله ﷺ بطرق صحيحة لا مطعن فيها، وإذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ وجب العمل به، والقول بموجبه، سواء كان في مسائل الاعتقاد أو في العمليات، وقد صح عنه ﷺ إطلاق الاسم - أعني: الشخص - على الله تعالى فيجب اتباع في ذلك على من يؤمن بأنه رسول الله، وهو ﷺ أعلم بربه وبما يجب له، وما يمتنع عليه تعالى من غيره من سائر البشر" (٣). وقد قال القرطبي عند شرحه للحديث السابق: "أصل وضع الشخص لجرم الإنسان وجسمه، يقال: شخص الإنسان وجثمانه وطلله وآله كلها بمعنى واحد على ما نقل أهل اللغة، وشَخَصَ الشيءُ يشخصُ: إذا ظهر شخصه وهذا المعنى على الله تعالى محال بالعقل والنقل على ما

стр. 583

قدمناه في غير موضع، فتعين تأويله هنا، وقد قيل فيه: لا مرتفع لأن الشخص: ما شخص وظهر وارتفع، وفيه بعد، وقيل فيه: لا شيء، وهذا أشبه من الأول، وأوضح منه، أي: لا موجود أولا أحد، وهو أحسنها، وقد جاء في رواية أخرى: "لا أحد" منصوصًا وأطلق الشخص مبالغة في تثبيت إيمان من يتعذر على فهمه موجود لا يشبه شيئًا من الموجودات لئلا يقع في النفي والتعطيل (١). وقول القرطبي هذا مبني على أن لفظ "الشخص" إذا أطلق على الله تعالى يستلزم تشبيهه سبحانه بأشخاص المخلوقين، وهذا أصل فاسد، واعتقاد باطل، فإن لفظ الشخص هو ما شخص وارتفع وظهر، والله من المعلوم أنه أظهر من كل شيء، وأعظم فليس في إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى محذور، وقد جاء على لسان الصادق ﷺ فوجب قبوله، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. قال الشيخ الغنيمان: "الشخص: هو ما شخص وبان عن غيره، ومقصد البخاري أن هذين الاسمين يطلقان على الله تعالى وصفًا له؛ لأن الرسول ﷺ ثبتهما لله وهو أعلم الخلق بالله تعالى ... قال في اللسان: "الشخص كل جسم له ارتفاع وظهور" والله تعالى أظهر من كل شيء وأعظم وأكبر، وليس في إطلاق الشخص عليه محذور على أصل أهل السنة الذين يتقيدون بما قاله الله ورسوله" (٢). إطلاق لفظ "الذات" على الله تعالى: يصح إطلاق لفظة "الذات" على الله تعالى كقولنا: ذات الله، أو:

стр. 584

الذات الإلهية لكن لا على أن "ذات" صفة له بل ذات الشيء بمعنى نفسه أو حقيقته. وقد جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي قال فيه ﷺ : "إن إبراهيم لم يكذب إلَّا ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله" (١). وما جاء عند البخاري في قصة مقتل خبيب بن عدي ﵁ حيث قال عند قتله هذه الأبيات: وَلَسْتُ أُبالي حين أُقْتلُ مسلمًا ... علي أيِّ شقِّ كان في الله مصرعي وذلك في ذاتِ الإله وإن يشأ ... يُبارك على أوصال شلو مُمَزَّع (٢) قال الأصبهاني: "فصل في بيان ذكر الذات" ثم قال: "قال قوم من أهل العلم: "ذات الله حقيقته وقال بعضهم: انقطع العلم دونها وقيل: استغرقت العقول والأوهام في معرفة ذاته، وقيل: ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالإبصار في دار الدنيا، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإيقان بلا إحاطة إدراك بل هو أعلم بذاته" (٣). وقال ابن تيمية: ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا يدعى إلَّا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيِّء لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيء وإن لم يحكم بحسنه مثل اسم: شيء وذات وموجود .. " (٤)

стр. 585

وقد بين القرطبي جواز إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى، خلافًا لمن منعه وليس معه دليل، حيث قال: "قوله: "ذات الله" .. دليل على جواز إطلاق لفظ "الذات" على وجود الله تعالى فلا يلتفت لإنكار من أنكر إطلاقه من المتكلمين" (١). وبعض الناس يظن أن إطلاق "الذات" على الله تعالى كإطلاق الصفات أي أنه وصف له فينكر ذلك بناء على هذا الظن ويقول: هذا ما ورد وليس الأمر كذلك، وإنما المراد التفرقة بين الصفة والموصوف، وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ أنهم يريدون نفس الموصوف وحقيقته فلا إنكار عليهم في ذلك كما وضحه كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم (٢). إطلاق النفس على الله تعالى: وقد جاء إثبات النفس لله تعالى بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٤) وقال ﷺ : "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي" (٥) وغيرها من النصوص، وعقد الإمام البخاري ﵀ في كتاب التوحيد من صحيحه بابًا في إثبات النفس لله تعالى (٦). وعند شرح القرطبي لقوله ﷺ : "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي،

стр. 586

وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" (١)، قال: "النفس" اسم مشترك يطلق على نفس الحيوان، وهي المتوفاة بالموت والنوم، ويطلق ويراد به: الدم، والله تعالى منزه عن ذينك المعنيين ويطلق ويراد به ذات الشيء وحقيقته، كما يقال: رأيت زيدًا نفسه عينه، أي: ذاته، وقد يطلق ويراد به الغيب كما قد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ما في غيبك، والأليق بهذا الحديث: أن يكون معناه: أن من ذكر الله تعالى خاليًا منفردًا بحيث لا يطلع أحد من الخليقة على ذكره جازاه الله على ذلك بأن يذكره بما أعد له من كرامته التي أخفاها عن خليقته حتى لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون، وقد قلنا: إن التسليم هو الطريق المستقيم" (٢). والمازري قد ذكر في هذه المسألة كلامًا قريبًا من كلام القرطبي السابق، ولعل القرطبي قد نقل عنه (٣). وقد ذكر القرطبي المازري القول الصحيح في هذه المسألة عرضًا دون اختيار، وهو: أن يراد بالنفس ذاته تعالى، وهذا الذي عليه عامة علماء السنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "نفسه هي ذاته المقدسة" (٤). وقال أيضًا: "يراد بنفس الشيء ذاته وعينه، كما يقال: رأيت زيدًا نفسه عينه، وقد قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٥)، وقال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ

стр. 587

نَفْسَهُ﴾ (١)، وفي الحديث الصحيح أنه قال لأم المؤمنين: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن. سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" (٢) وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إذا ذكرني في نفسه ذكلرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" (٣) فهذه المواضع المراد فيها بلفظ "النفس" عند جمهور العلماء: الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات (٤)، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ" (٥).

стр. 588

المبحث الثالث منهجهما في رؤية الله تعالى رؤية الله تعالى في الآخرة من أعظم مسائل الاعتقاد وأشرفها، وأجلها، إذ هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، فهي، أعظم نعيم وعد الله به عباده المؤمنين، فلم يعط أهل الجنة شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ﵎، كما قال ﷺ : "إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم " (١). وقد أجمع على الإيمان بها السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم على توالي القرون. ولذا ذكرها العلماء في أبواب الترغيب، ونعيم أهل الجنة، وكذلك في أبواب الاعتقاد. وهي ليست صفة لله ؛ لأن الرؤية هنا لا تقوم بالله تعالى، بل المؤمنون هم الذين يرونه تعالى. وإنما ذكرت في مباحث الصفات لأنها محل نزاع بين السلف والخلف (٢)، ولأن نفاة الرؤية هم من نفاة الصفات.

стр. 589

رؤيته في الدنيا: اتفقت الأمة على منع رؤية الله تعالى في الدنيا، وعدم وقوعها مع جواز وقوعها عقلًا. قال ﷺ في تعريف الإحسان في حديث جبريل ﵇: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١). قال الحافظ ابن حجر: "دلَّ سياق الحديث على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة" (٢). وقد قال ﷺ مصرحًا بذلك: "اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" (٣). قال القرطبي: "اختلف قديمًا وحديثًا في جواز رؤية الله تعالى فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة، وأهل السلف والسنة على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة ... إذ رؤية الله تعالى جائزة كما دلَّت عليها الأدلة العقلية والنقلية، فأما العقلية: فتعرف في علم الكلام وأما النقلية فمنها: سؤال موسى رؤية ربه، ووجه التمسك بذلك، علم موسى بجواز ذلك، ولو علم استحالة ذلك لما سأله، ومحال أن يجهل موسى جواز ذلك، إذ يلزم منه أن يكون مع علو منصبه في النبوة وانتهائه إلى أن يصطفيه الله على الناس، وأن يسمعه كلامه بلا واسطة، جاهلًا بما يجب لله تعالى ويستحيل عليه ويجوز، ومجوز هذا كافر. ومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤) ووجه التمسك بها امتنانه تعالى على عباده بالنظر إلى وجهه تعالى في الدار الآخرة، وإذا جاز أن يروه فيها

стр. 590

جاز أن يروه في الدنيا لتساوي الوقتين بالنظر إلى الأحكام العقلية" (١). وقد بيَّن سبب عدم رؤيته تعالى في الدانيا فقال: "الله تعالى لو كشف عن خلقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لما أطاقوا رؤيته ولهلكوا من عند آخرهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٢) ويفيد أن تركيب هذا الخلق وضعفهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها فإذا أنشأهم الله للبقاء وقواهم حملوا ذلك" (٣). وهذا هو الصواب الذي جاءت به الأدلة من الكتاب والسنة، وعند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ (٤). قال ابن القيم: "إن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالًا لأنكره عليه، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه ﵎ أن يريه كيف يحي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله. ثم إنه أجابه بقوله: لن تراني، ولم يقل لا تراني، ولا إني لست بمرئي، ولا لا تجوز رؤيتي، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله وهذا يدل على أنه يرى، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى ... فإذا كان الجبل لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف" (٥).

стр. 591

وقال الشنقيطي: "رؤية الله جل وعلا بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة، ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلًا في دار الدنيا: قول موسى ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك﴾ (١) لأن موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى، وأما شرعًا فهي جائزة وواقعة في الآخرة كما دلَّت عليه الآيات، وتواترت به الأحاديث الصحاح، وأما في الدنيا: فممنوعة شرعًا كما تدل علية آية الأعراف هذه، وحديث: "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" (٢) " (٣). هل رأى الرسول ﷺ ربه ليلة الإسراء: مع اتفاق أهل السنة على عدم رؤية الله تعالى في الدنيا فقد اختلفوا في الرسول ﷺ فقط، هل رأى ربه ليلة الإسراء أم لا؟ لمجيء الأحاديث في ذلك. ومذهب العلماء في هذه المسألة كالتالي: الأول: الإثبات، وهو مروي عن ابن عباس، وأبي ذر وكعب الأحبار ﵃، وغيرهم من التابعين والعلماء المتأخرين. واستدلوا بالأحاديث المثبتة لرؤية الرسول ﷺ لربه وهي مطلقة لم تقيد الرؤية بالعين. الثاني: النفي: أي: نفي رؤية الرسول ﷺ لربه في الدنيا بعيني رأسه، وهذا القول مشهور عن عائشة وابن مسعود، وهو المشهور عن أبي هريرة، وأبي ذر ﵃ وقال به جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. قالت عائشة ﵂: "من زعم أن محمَّدًا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" (٤). وعندما سئل ﷺ هل رأى ربه؟ قال:

стр. 592

"نور أنَّى أراه" (١) (٢). والمذهب الثالث في هذا هو التوقف وعدم الجزم بصحة أحد القولين، أو ترجيح واحدٍ على الآخر، وهم ما ذهب إليه القرطبي، حيث قال: اختلف في ذلك السلف والخلف، فأنكرته عائشة وأبو هريرة وجماعة من السلف، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المتكلمين والمحدثين، وذهبت طائفة أخرى من السلف إلى وقوعه، وأنه رأى ربه بعينه، وإليه ذهب ابن عباس وقال: اختص موسى بالكلام وإبراهيم بالخلة، ومحمد ﷺ بالرؤية، وأبو ذر وكعب والحسن وأحمد بن حنبل، وحكي عن ابن مسعود وأبي هريرة في قول لهما آخر، ومثل ذلك حكي عن أبي الحسن الأشعري، وجماعة من أصحابه، وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا، ولكنه جائز عقلًا، وهذا هو الصحيح" (٣). وقال أيضًا: "هل وقعت رؤية الله تعالى لمحمد ﷺ الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع، وغاية المستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسك بظواهر متعارضة معرَّضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات فيكتفى فيها بالظنون، وإنما هي من باب المعتقدات، ولا مدخل للظنون فيها، إذ الظن من باب الشك؛ لأن حقيقته تغليب أحد المجوزين، وذلك يناقض العلم والاعتقاد" (٤). والقول الصحيح الراجح في هذه المسألة هو نفي الرؤية، وأن من

стр. 593

أثبتها إنما أراد أنه رآه بقلبه. قال شيخ الإسلام: "إن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا .. وعلى هذا دلَّت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة وأئمة المسلمين" (١). قال الشنقيطي: "التحقيق الذي دلَّت عليه نصوص الشرع أنه ﷺ لم يره بعين رأسه، وما جاء عن السلف من أنه رآه: فالمراد به الرؤية بالقلب" (٢). وبهذا الجمع ينتفي التعارض، وتتم الموافقة بين الأدلة، ويتضح أن رسول الله ﷺ لم ير ربه جل وعلا بعيني رأسه، بل كانت الرؤية قلبية، وقد قال بهذا الجمع عدد غفير من أئمة السلف ﵏. رؤيته تعالى في الآخرة: أجمع أهل السنة والجماعة ومن وافقهم من الطوائف الأخرى على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأن هذا أعظم الإكرام لهم والامتنان عليهم. والأدلة على هذا كثيرة جدًّا، منها: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣). قال ابن الجوزي: "روى عطاء عن ابن عباس قال: إلى الله ناظرة، قال الحسن: حق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وهذا مذهب عكرمة ورؤية الله حق لا شك فيها، والأحاديث فيها صحاح" (٤). وقال السعدي في تفسير هذه الآية: "أي: ينظرون إلى ربهم على حسب مراتبهم، فمنهم من ينظر كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظر كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم وجماله الباهر الذي

стр. 594

ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونذصرت وجوههم فازدادوا جمالًا إلى جمالهم" (١). وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (٢) حيث جعل الله سبحانه أعظم عقوبة للكفار كونهم محجوبين عن رؤيته. "واحتج بالآية مالك على رؤية المؤمنين له تعالى من جهة دليل الخطاب، وإلَّا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص، وقال الشافعي: لما حجب سبحانه قومًا بالسخط دلَّ على أن قومًا يرونه بالرضا، وقال أنس بن مالك: لما حجب أعداءه سبحانه لم يروه تجلى جل شأنه لأوليائه حتى رأوه" (٣). قال ﷺ : "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" (٤)، وقال ﷺ : "إنكم سترون ربكم عيانًا" (٥). قال ابن القيم: "وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصديق، وأبوهريرة، وأبو سعيد الخدري و ... فهاك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن وتلقها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل، وضيق العطن ولا تكذب بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من

стр. 595

المحجوبين" (١). قال القرطبي: "أكثر المبتدعة على إنكار جوازاها في الدنيا والآخرة - أي الرؤية - وأهل السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة. قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) فامتن على عباده المؤمنين بالنظر إلى وجهه تعالى في الدار الآخرة، وقد تواترت الأحاديث عنه ﷺ بوقوع رؤية الله تعالى في الآخرة كرامة للمؤمنين، فمذهب أهل السنة بأجمعهم أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم، كما نطق بذلك الكتاب وأجمع عليه سلف الأمة، ورواه بضعة عشر من الصحابة عن النبي ﷺ " (٣). وقال المازري في شرحه لحديث إنكار عائشة ﵂ على من قال: إن الرسول ﷺ قد رأى ربه: "وإنكارها في هذا الحديث وفي غيره على من سألها عن الرؤية محمله عند أهل العلم على أنها إنما أنكرت الرؤية في الدنيا، لا أنها ممن تحيل جواز رؤية الباري سبحانه كما قالت المعتزلة" (٤). الرد على منكري الرؤية: سبق القول في بيان اتفاق أهل السنة والجماعة ومن وافقهم على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، والتي قد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على إثباتها. وقد خالف في هذه المسألة طوائف من المبتدعة من المعتزلة

стр. 596

والجهمية ومن تبعهم من الخوارج وبعض الشيعة والمرجئة (١). قال القرطبي: "فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة" (٢) وقال: "ومنع ذلك - أي الرؤية - فرق من المبتدعة منهم: المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة" (٣). وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه من الباطل بأدلة سمعية لا تسلم لهم منها قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٤)، فقالوا: نفى الله تعالى في الآية أن يدرك بالأبصار. قال القرطبي في نقض هذا الاستدلا: "الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فيه بعد إذ يفرق بين الإدراك والإبصار، فيكون معنى ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾: لا تحيط به مع أنها تبصره، قاله سعيد بن المسيب. وقد بقي الإدراك مع وجود الرؤية في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ (٥) أي: لا يدركونكم، وأيضًا: فإن الإبصار عموم، وهو قابل للتخصيص، فيخصص بالكافرين، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (٦) ويكرم المؤمنون أو من شاء منهم بالرؤية، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٧). وبالجملة فالآية ليست نصًّا، ولا من

стр. 597

الظواهر الجلية فلا حجة فيها" (١). قال ابن القيم حول قوله تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (٢): فلم ينف موسى ﵇ الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ إنا لمرئيون، فإن موسى ﵇ نفى إدراكهم إياهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾ وأخبر الله سبحانه أنه لا يخاف دركهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ (٣) فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من بعدهم من الآية، قال ابن عباس ﵄: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تحيط به الأبصار، وقال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار، وقال ابن عطية: ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم" (٤). قال الحافظ ابن حجر: "أنه لا تدركه الأبصار في الدنيا جمعًا بين دليلي الآيتين، وبأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته" (٥). وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. . .﴾ (٦). قال القرطبي: "لا حجة

стр. 598

فيها على نفي الرؤية، إذ يقال بموجبها: فإن مقتضاها نفي كلام الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، وإنما يصلح أن يستدل بها على نفي تكليم الله تعالى لمحمد ﷺ على ضعف في ذلك لا يخفى على متأمل، بل قد استدل بعض المشايخ بهذه الآية على أن محمدًا رأى ربه وكلَّمه دون واسطة، فقال: هي ثلاثة أقسام: من وراء حجاب كتكليم موسى، وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء، ولم يبق من تقسيم المكالمة إلَّا كونها مع المشاهدة وهذا أيضا فيه نظر" (١). وفي حديث الرسول ﷺ الذي استدل به أهل السنة على وقوع الرؤية وهو قوله ﵇: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك" (٢). قال المازري: "في هذا الحديث رد على المعتزلة في إحالتهم رؤية الباري " (٣). وقد أوَّل النفاة هذه الرؤية، وقالوا: المقصود بها العلم، فرد القرطبي عليهم في ذلك فقال: هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي لا المرئي ومعناه: إنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارة، ولا مزاحمة، كما تستون في رؤية الشمس والبدر عيانًا، وقد تأولت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، فقالوا: إن معنى رؤيته تعالى أنه يعلم في الآخرة ضرورة، وهذا خطأ لفظًا ومعنًى. أما اللفظ: فهو أن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وهي

стр. 599

قد تعدت هنا إلى مفعول واحد، فهي للإبصار، ولا يصح أن يقال: إن الرؤية بمعنى: المعرفة؛ لأن العرب لم تستعمل رأيت بمعنى: عرفت، لكن بمعنى: علمت أو أبصرت، واستعملت علمت بمعنى: عرفت، لا رأيت بمعنى: عرفت. وأما المعنى فمن وجهين: أحدهما: أنه ﵊ شبه رؤية الله تعالى بالشمس، وذلك التشبيه لا يصح إلَّا بالمعاينة. وثانيهما: أن الكفار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة، فترتفع خصوصية المؤمنين بالكرامة، وبلذة النظر وذلك التأويل منهم تحريف حملهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة" (١). وهذه الأصول الفاسدة التي حملتهم على نفي الرؤية هي أدلتهم العقلية التي قال عنها القرطبي: "منع فرق من المبتدعة الرؤية بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقليةً كاشتراط البنية المخصوصة، والمقابلة واتصال الأشعة وزوال الموانع من القرب المفرط، والبعد المفرط، والحجب الحائلة، في خبط لهم وتحكم، وأهل الحق لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلًا، سوى وجود المرئي، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئي، لكن يقترن بالرؤية بحكم جريان العادة أحوال يجوز في العقل شرعًا تبدلها، والله أعلم" (٢). وقال في موضع آخر: "أهل السنة لا يشترطون في الرؤية عقلانية مخصوصة، ولا مقابلة ولا قربًا، ولا شيئًا مما يشترطه المعتزلة وأهل البدع، وأن تلك الأمور إنما هي شروط عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة مع إحالة

стр. 600

تلك الأمور كلها، ولما ذهب أهل البدع إلى أن تلك الشروط عقلية، استحال عندهم رؤية الله تعالى فأنكروها وخالفوا قواطع الشريعة التي وردت بإثبات الرؤية، وخالفوا ما أجمع عليه الصحابة والتابعون" (١). وكلام القرطبي هذا غير مسلم على إطلاقه ولا تصح نسبته لأهل السنة، فاشتراط المقابلة وزوال الموانع أمر معقول إذ رؤية ما لا يعاين ولا يواجه غير متصور في العقل (٢). لكن نفي الرؤية بسبب ذلك باطل من أصله، وهو مذهب أهل البدع، والقول بأن الله يرى من غير مقابلة ولا مواجهة، هو قول الأشاعرة دون سائر طوائف الأمة، وجمهور العقلاء على أن فساد هذا معلوم بالضرورة (٣). قال شارح الطحاوية: "هل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله! ! فإما أن يكون مكابرًا لعقله أو في عقله شيء، وإلَّا فإذا قال: يرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة، ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة؟ " (٤). ولهذا صار حذَّاق الأشاعرة إلى إنكار الرؤية "وقالوا: قولنا هو قول المعتزلة في الباطن، فإنهم فسروا الرؤية بزيادة انكشاف ونحو ذلك مما لا تنازع فيه المعتزلة" (٥).
следующие страницы →