والجهمية ومن تبعهم من الخوارج وبعض الشيعة والمرجئة (١).
قال القرطبي: "فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة" (٢) وقال: "ومنع ذلك - أي الرؤية - فرق من المبتدعة منهم: المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة" (٣).
وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه من الباطل بأدلة سمعية لا تسلم لهم منها قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٤)، فقالوا: نفى الله تعالى في الآية أن يدرك بالأبصار.
قال القرطبي في نقض هذا الاستدلا: "الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فيه بعد إذ يفرق بين الإدراك والإبصار، فيكون معنى ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾: لا تحيط به مع أنها تبصره، قاله سعيد بن المسيب. وقد بقي الإدراك مع وجود الرؤية في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ (٥) أي: لا يدركونكم، وأيضًا: فإن الإبصار عموم، وهو قابل للتخصيص، فيخصص بالكافرين، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (٦) ويكرم المؤمنون أو من شاء منهم بالرؤية، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٧). وبالجملة فالآية ليست نصًّا، ولا من
стр. 597
الظواهر الجلية فلا حجة فيها" (١).
قال ابن القيم حول قوله تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (٢): فلم ينف موسى ﵇ الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ إنا لمرئيون، فإن موسى ﵇ نفى إدراكهم إياهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾ وأخبر الله سبحانه أنه لا يخاف دركهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ (٣) فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من بعدهم من الآية، قال ابن عباس ﵄: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تحيط به الأبصار، وقال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار، وقال ابن عطية: ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم" (٤).
قال الحافظ ابن حجر: "أنه لا تدركه الأبصار في الدنيا جمعًا بين دليلي الآيتين، وبأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته" (٥).
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. . .﴾ (٦). قال القرطبي: "لا حجة
стр. 598
فيها على نفي الرؤية، إذ يقال بموجبها: فإن مقتضاها نفي كلام الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، وإنما يصلح أن يستدل بها على نفي تكليم الله تعالى لمحمد ﷺ على ضعف في ذلك لا يخفى على متأمل، بل قد استدل بعض المشايخ بهذه الآية على أن محمدًا رأى ربه وكلَّمه دون واسطة، فقال: هي ثلاثة أقسام: من وراء حجاب كتكليم موسى، وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء، ولم يبق من تقسيم المكالمة إلَّا كونها مع المشاهدة وهذا أيضا فيه نظر" (١).
وفي حديث الرسول ﷺ الذي استدل به أهل السنة على وقوع الرؤية وهو قوله ﵇: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك" (٢). قال المازري: "في هذا الحديث رد على المعتزلة في إحالتهم رؤية الباري " (٣).
وقد أوَّل النفاة هذه الرؤية، وقالوا: المقصود بها العلم، فرد القرطبي عليهم في ذلك فقال: هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي لا المرئي ومعناه: إنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارة، ولا مزاحمة، كما تستون في رؤية الشمس والبدر عيانًا، وقد تأولت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، فقالوا: إن معنى رؤيته تعالى أنه يعلم في الآخرة ضرورة، وهذا خطأ لفظًا ومعنًى. أما اللفظ: فهو أن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وهي
стр. 599
قد تعدت هنا إلى مفعول واحد، فهي للإبصار، ولا يصح أن يقال: إن الرؤية بمعنى: المعرفة؛ لأن العرب لم تستعمل رأيت بمعنى: عرفت، لكن بمعنى: علمت أو أبصرت، واستعملت علمت بمعنى: عرفت، لا رأيت بمعنى: عرفت. وأما المعنى فمن وجهين:
أحدهما: أنه ﵊ شبه رؤية الله تعالى بالشمس، وذلك التشبيه لا يصح إلَّا بالمعاينة.
وثانيهما: أن الكفار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة، فترتفع خصوصية المؤمنين بالكرامة، وبلذة النظر وذلك التأويل منهم تحريف حملهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة" (١).
وهذه الأصول الفاسدة التي حملتهم على نفي الرؤية هي أدلتهم العقلية التي قال عنها القرطبي: "منع فرق من المبتدعة الرؤية بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقليةً كاشتراط البنية المخصوصة، والمقابلة واتصال الأشعة وزوال الموانع من القرب المفرط، والبعد المفرط، والحجب الحائلة، في خبط لهم وتحكم، وأهل الحق لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلًا، سوى وجود المرئي، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئي، لكن يقترن بالرؤية بحكم جريان العادة أحوال يجوز في العقل شرعًا تبدلها، والله أعلم" (٢).
وقال في موضع آخر: "أهل السنة لا يشترطون في الرؤية عقلانية مخصوصة، ولا مقابلة ولا قربًا، ولا شيئًا مما يشترطه المعتزلة وأهل البدع، وأن تلك الأمور إنما هي شروط عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة مع إحالة
стр. 600
تلك الأمور كلها، ولما ذهب أهل البدع إلى أن تلك الشروط عقلية، استحال عندهم رؤية الله تعالى فأنكروها وخالفوا قواطع الشريعة التي وردت بإثبات الرؤية، وخالفوا ما أجمع عليه الصحابة والتابعون" (١).
وكلام القرطبي هذا غير مسلم على إطلاقه ولا تصح نسبته لأهل السنة، فاشتراط المقابلة وزوال الموانع أمر معقول إذ رؤية ما لا يعاين ولا يواجه غير متصور في العقل (٢).
لكن نفي الرؤية بسبب ذلك باطل من أصله، وهو مذهب أهل البدع، والقول بأن الله يرى من غير مقابلة ولا مواجهة، هو قول الأشاعرة دون سائر طوائف الأمة، وجمهور العقلاء على أن فساد هذا معلوم بالضرورة (٣).
قال شارح الطحاوية: "هل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله! ! فإما أن يكون مكابرًا لعقله أو في عقله شيء، وإلَّا فإذا قال: يرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة، ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة؟ " (٤).
ولهذا صار حذَّاق الأشاعرة إلى إنكار الرؤية "وقالوا: قولنا هو قول المعتزلة في الباطن، فإنهم فسروا الرؤية بزيادة انكشاف ونحو ذلك مما لا تنازع فيه المعتزلة" (٥).
стр. 601
الباب الثالث النبوة والإمامة والصحابة
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: النبوة
الفصل الثاني: الإمامة
الفصل الثالث: الصحابة
стр. 602
الفصل الأول النبوة
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريفه النبوة والرسالة وبيان فضل الأنبياء
المبحث الثاني: دلائل النبوة
المبحث الثالث: عصمة الأنبياء
المبحث الرابع: خصائص نبينا محمد ﷺ
المبحث الخامس: الإيمان بالملائكة والجن
стр. 603
المبحث الأول تعريف النبوة والرسالة وبيان فضل الأنبياء
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: النبوة والرسالة والفرق بينهما
المطلب الثاني: فضل الأنبياء ومكانتهم
المطلب الثالث: المفاضلة بين الأنبياء
المطلب الرابع: نبوة الخضر وحياته
المطلب الخامس: نبوة النساء
стр. 604
المطلب الأول: النبوة والرسالة والفرق بينهما:
قال القرطبي في تعريف النبوة لغة: "النبوة مأخوذة من النبأ وهو الخبر، فأصلها إذًا الهمزة ثم سهلت، وقيل: مأخوذة من النبوة، وهي المرتفع عن الأرض" (١).
وقال في معنى النبوة شرعًا: "النبوة معناها: أن يُطلع الله من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه، إما بالمشافهة، وإما بواسطة ملك أو بإلقاء في القلب" (٢).
وقال في التفريق بين النبي والرسول: "النبي في العرف: هو المنبأ من جهة الله تعالى لأمر يقتضي تكليفًا فإن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول وإلَّا فهو نبي غير رسول، وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا؛ لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام، هو النبأ، وافترقا في أمر خاص وهو الرسالة، فإذا قلت: محمد رسول الله تضمن ذلك أنه نبي رسول" (٣).
وهذا الفرق وإن كان مشتهرًا بين أهل العلم إلَّا أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٤) فهذه الآية دلَّت على أن النبي يعمه الإرسال كالرسول، ومن المستبعد أن يخص الله تعالى عبدًا من عباده بوحي ولا يؤمر بتبليغه لغيره، فيكون هذا كتمانًا للعلم، والأنبياء منزهون عن ذلك.
стр. 605
قال الشيخ الشنقيطي: "وآية الحج تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وحي، وأمر بتبليغ ما أوحي إليه، غير صحيح؛ لأن قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (١) يدل على أن كلًّا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير، واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل، مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول هو ما لم ينزل عليه كتاب، وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (٢) " (٣).
والبيضاوي ﵀ قد اختار هذا القول حيث قال في التفريق بين النبي والرسول: "الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه ومن بعث لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵉، لذلك شبه النبي ﷺ علماء أمته بهم فالنبي أعم من الرسول" (٤).
وهذا قريب مما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله فهو نبي وليس
стр. 606
برسول ... قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (١) دليل على أن النبي مرسل ولا يسمى رسولًا عند الإطلاق لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفون أنه حق" (٢).
المطلب الثاني: فضل الأنبياء ومكانتهم:
إن مما يعلمه كل مسلم أن الله تعالى اصطفى هؤلاء الأنبياء واختارهم لحمل رسالته وإبلاغ دعوته فهم سفراء الله تعالى إلى خلقه جعلهم الله تعالى خيرة الخلق، وصفوة البشر، شرَّفهم بالنبوة، وأعطاهم الحكمة، ورزقهم قوة العقل، وسداد الرأي، فهم أئمة الدنيا والدين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٣). من إكرام الله تعالى لهم أن وهبهم كمال الخَلقِ والخُلق فخصهم بصفات الكمال ونزههم عن صفات النقص والعيب. قال القرطبي: الله تعالى كمَّل أنبياءه خَلْقًا وخُلُقًا ونزههم في أول خلقهم من المعايب والنقائص المنفرة عن الاقتداء بهم المبعدة عنهم، ولذلك لم يسمع أنه كان في الأنبياء والرسل من خَلَقَه الله تعالى أعمى ولا أعور ولا أقطع ولا أبرص ولا أجذم ولا غير ذلك من العيوب والآفات التي تكون نقصًا ووصمًا يوجب لمن اتصف بها شينًا وذمًا ومن تصفح أخبارهم وعلم أحوالهم علم ذلك على القطع، وقد ذكر القاضي ﵀ في الشفاء من هذا جملة وافرة (٤) ولا يعترض عليها بعمى يعقوب وبابتلاء أيوب، فإن ذلك كان طارئًا عليهم محبة لهم وليقتدي بهم من ابتلي ببلاء في حالهم وصبرهم،
стр. 607
وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة ربهم ثم إن الله تعالى أظهر كرامتهم ومعجزاتهم بأن أعاد يعقوب بصيرًا عند وصول قميص يوسف له، وأزال عن أيوب جذامه وبلاءه عند اغتساله من العين التي أنبع الله تعالى له عند ركضه الأرض برجله، فكان ذلك زيادة في معجزاتهم، وتمكينًا في كمالهم ومنزلتهم" (١).
فحازوا صلوات الله وسلامه عليهم الخير من أطرافه والكمال البشري من جميع جوانبه، منّةً من الله سبحانه وفضلًا.
قال القرطبي: "النبوة لا يخص الله بها إلَّا من خصَّه بصفات كمال نوعه من المعارف والعلوم والفضائل والآداب، ونزهه عن نقائص ذلك، ولذا قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٢)، وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٣)، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٤) وقال: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾ (٥) وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (٦) فقد حصل من هذا: أن النبوة لم يخص الله بها إلَّا أكمل خلقه وأبعدهم عن النقائص ثم: إنه لما شرفهم بالنبوة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم الخصوصية" (٧).
فالأنبياء ﵈ أفضل الناس وأشجع الناس وأتقى الناس لله تعالى وأعلمهم به. قال القرطبي: "الأنبياء أفضل الناس وأعلمهم بالله
стр. 608
وبحدوده" (١)، وقال: "ومن المعلوم حال الأنبياء ﵈ وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله ورغبتهم في الشهادة وفي لقاء الله ولم يثبت قط عن واحد منهم أنه فر أو انهزم" (٢).
ولذا حق علينا تعظيم هؤلاء الأنبياء واحترامهم وتنزيههم عن صفات النقص وعن الصفات الذميمة.
وقد رد القرطبي ﵀ على من زل قلمه فجاءت عبارته بما لا يتناسب مع مقام الأنبياء، ولا يليق بمكانتهم، حيث قال: "ويعفو الله عن الحريري (٣) فإنه تسخَّف في هذه الآية (٤) وتمجَّن فاستدل بها على الكُدْيَة (٥) والإلحاح فيها، وأن ذلك ليس بعيب على فاعله، ولا منقصة عليه، فقال:
فإن رُدِدْت فما بالردِّ مَنْقَصَةٌ ... عليك قَدْ رُدَّ موسى قَبْلُ والخَضرُ (٦)
هذا لعبٌ بالدين وانسلال عن احترام النبيين فهي: شنشنة أَدبية، وهفوة سخافية، ويرحم الله السلف الصالح فإنهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء فإياك أن تلعب بدينك (٧).
стр. 609
المطلب الثالث: المفاضلة بين الأنبياء:
إن فضل الأنبياء على عموم بني آدم أمر معلوم في شرع الله ، لا ينكره إلَّا مكذب بالقرآن منكر للسنة. إذ اصطفاهم الله واختارهم، وخصَّهم بخصائص لم تكن لمن سواهم من سائر الخلق فلا يصل إلى منزلتهم أو يدانيهم في مكانتهم لا ولي ولا شهيد فضلًا عمن سواهم من سائر الخلق.
قال القرطبي: "النبي أفضل من الولي، وهذا أمر مقطوع به عقلًا ونقلًا، والصائر إلى خلافه كافر، فإنه أمر معلوم من الشرائع بالضرورة" (١).
وقال أيضًا: "من المعلوم من ضرورة الشرع ومن إجماع المسلمين على أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الشهداء والأولياء" (٢).
فتفضيل الأنبياء على غيرهم أمر لا خلاف فيه بين أهل السنة. ولكن تكلم العلماء في المفاضلة بين الأنبياء، إذ قد جاءت نصوص من الكتاب والسنة يوحي ظاهرها بالتعارض، فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤)، وجاءت النصوص بتفضيل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء، لما خصه الله سبحانه به من الفضائل والكرامات التي لم تكن لمن سواه من المرسلين، قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم وأول من
стр. 610
ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع" (١).
وقال ﷺ : "فضلت على الأنبياء بستٍّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" (٢). وقال: "أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها" (٣) وغيرها من النصوص الكثيرة الدالة على فضله ﷺ على سائر الخلائق في الدنيا والآخرة (٤).
وأما ما جاء مما قد يفهم منه تفضيل بعض الأنبياء على نبينا محمد ﷺ ، كما جاء ذلك في حديث أنس ﵁ الذي قال فيه: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا خير البرية! قال رسول الله ﷺ : ذاك إبراهيم ﵇" (٥). قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث مزيلًا الإشكال الواقع من تعارض هذا الحديث مع غيره من الأحاديث التي تدل على أنه ﵊ أفضل ولد آدم حيث قال: "قد عارض هذا الحديث قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم" (٦) وما علم من غير ما موضع من الكتاب والسنة وأقوال السلف والأمة: أنه أفضل ولد آدم وقد انفصل عن هذا بوجهين:
стр. 611
أحدهما: أن ذلك من النبي ﷺ على جهة التواضع، وترك التطاول على الأنبياء، كما قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم ولد آدم على ربي يوم القيامة ولا فخر" (١) وخصوصًا على إبراهيم الذي هو أعظم آبائه وأشرفهم.
وثانيهما: أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم منزلته عند الله تعالى، ثم إنه أعلم بأنه أفضل وأكرم، فأخبر به كما أمر، ألا ترى أنه كان في أول أمره يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه والرحمة والبركة والخلة، ثم بعد ذلك أخبرنا أن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لما قال: "إن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (٢).
ثم بعد ذلك زاده الله من فضله، فشرَّفه وكرَّمه، وفضَّله على جميع خلقه، وقد أُورِد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد قال: رُدَّ على الأول أن قيل: كيف يصح من الصادق المعصوم أن، يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه لأجل التواضع والأدب؟ والوارد على الثاني: أن ذلك خبر عن أمر وجودي، والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ، والجواب عنهما: أن يقال: إن ذلك ليس إخبارًا عن الشيء، بخلاف ما هو عليه، فإنه تواضع يمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه وتأدب مع أبيه، بإضافة ذلك اللفظ إليه، ولم يتعرض للمعنى، فكأنه قال: لا تطلقوا هذا اللفظ عليَّ، وأطلقوه على أبي إبراهيم أدبًا معه، واحترامًا له. ولو صرح بهذا لكان صحيحًا غير مستبعد لا عقلًا ولا نقلًا، وهذا كما قال: "لا تفضلوني على موسى" (٣) أي: لا
стр. 612
تقولوا: محمد أفضل من موسى مخافة أن يُخيَّل نقص في المفضول، كما قدمناه، ويأتي بهذا أظهر هذا اللفظ: أن ذلك راجع إلى منع إطلاق لفظ وإباحته، فذلك خبر عن الحكم الشرعي، لا عن المعنى الوجودي، وإذا ثبت ذلك جاز رفعه ووضعه وصح الحكم به ونسخه من غير تعرض للمعنى والله أعلم.
سلمنا أنه خبر عن أمر وجودي، لكن لا نسلم أن كل أمر وجودي لا يتبدل بل: منها ما يتبدل ولا يلزم من تبدله تناقض ولا محال ولا نسخ، كالإخبار عن الأمور الوضعية، وبيان ذلك: أن معنى كون الإنسان مكرمًا مفضلًا إنما ذلك بحسب ما يكرم به ويفضل على غيره، ففي وقت يكرم بما يساوي فيه غيره، وفي وقت يزاد على ذلك الغير، وفي وقت يكرم بشيء لم يكرم به أحد، فيقال: عليه في المنزلة الأولى مكرَّم مقرَّب، وفي الثانية مفضل بقيد، وفي الثالثة مفضَّل مطلقًا، ولا يلزم من ذلك تناقض ولا نسخ ولا محال، وهذا واضح وحسن جدًّا فاغتبط به، وشد عليه يدًا" (١).
وقال المازري في شرحه لهذا الحديث: "قد ثبت أنه ﷺ أفضل من سائر المرسلين، فيحتمل أن يكون هذا منه ﷺ على جهة التواضع واستثقالًا لأن ينادى بهذا، وقد كان إبراهيم ﵇ من آبائه ﷺ ويكره إظهار المطاولة على الآباء، وقد يكون فهم من مناديه هذا المعنى، وأخبر في موضع آخر بكونه سيد ولد آدم غير قاصد التعاظم والتطاول على من تقدمه ﷺ ، بل ليبين ما أمره الله ﵎ ببيانه، ولهذا عقب كلامه بأن قال: "ولا فخر" ليزيل ما قد يظن بمطلق هذا الكلام إذا أطلقه غيره من الناس في نفسه، وقد يحتمل قوله ذاك إبراهيم قبل أن يوحى إليه بأنه هو
стр. 613
خير منه. فإن قيل: هذا خبر ولا يقع إلَّا صدقًا، والنسخ لا يصح فيه، فلا وجه لعذركم هذا، قلنا: قد يريد ﷺ أن إبراهيم خير البرية فيما يدل عليه ظاهر حاله عندي، وقد يقال: فلان خير قومه وأصلح أهل بلده، والمراد فيه ما يقتضيه ظاهر حاله، وقد مال إلى هذه الطريقة بعض العلماء في تفضيل الفاضل من الصحابة أنه تفضيل على الظاهر، لا على القطع على الباطن، وقد تكون لإبراهيم فضيلة تميز بها عن سائر الرسل، ولكن نبينا ﷺ له من مجموع الفضائل ما يربي عليها حتى يكون أفضل على الإطلاق ولا يكون المراد بقوله ﷺ في إبراهيم ﵇ "خير البرية" الإطلاق، ولكن في معنى اختص به" (١).
وأما ما ورد من النهي عن المفاضلة بين الأنبياء والدعوة إلى ترك ذلك. فقد قال القرطبي عند شرحه لقوله ﵇: "لا تُخَيِّروا بين الأنبياء" (٢): "اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال، فمنهم من قال: إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ويتضمن هذا الكلام أن الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٣) ولما في معنى ذلك من الأحاديث، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وهذا لا يصح حتى تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه وحتى يعرف التاريخ وكل ذلك غير صحيح على ما يأتي فليس هذا القول بصحيح. ومنهم من قال: إنما قال ذلك النبي ﷺ على جهة التواضع والأدب مع الأنبياء، وهذا فيه بعد، لأن السبب الذي خرج عليه هذا النهي يقتضي خلاف ذلك، فإنه إنما قال ذلك ردعًا وزجرًا للذي فضَّل، ألا ترى
стр. 614
أنه قد غضب حتى احمر وجهه، ونهى عن ذلك؟ فدل على أن التفضيل يحرم، ولو كان من باب الأدب والتواضع لما صدر منه ذلك. ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك؛ لأن ذلك ذريعة إلى الجدال في ذلك، فيؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر، ويقل احترامهم عند المماراة، وهذا كما نُهي عنه من الجدال في القرآن والمماراة. ومنهم من قال: مقتضى هذا النهي: إنما هو المنع من تفضيل معين من الأنبياء على معين، أو على ما يقصد به معين، وإن كان اللفظ عامًّا لأن ذلك قد يفهم منه نقص في المفضول.
قلت: ويدل على ذلك أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "لا تفضلوني على موسى" (١) وبدليل قوله: "لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى" (٢). فإن قيل: فالحديث يدل على خلاف هذا، فإن اليهودي فضَّل موسى على البشر، والمسلم قال: والذي اصطفى محمدًا على البشر وعند ذلك قال النبي ﷺ : "لا تفضلوا بين الأنبياء ولا تخيروا بين الأنبياء" فاقتضى ذلك المنع من التفضيل مطلقًا، معينًا وغير معين، فالجواب: أن مراد اليهودي كان إذ ذاك أن يصرح بأن موسى أفضل من محمد، لكنه لم يقدر على ذلك خوفًا على نفسه، ألا ترى أن المسلم فهم ذلك عنه فأجابه بما يقتضي أن محمدًا أفضل من موسى غير أنه قابل لفظ اليهودي بمثله، وقد بيَّن ذلك غاية البيان قوله ﷺ : "لا تفضلوني على موسى" فنهاهم عن ذلك، ثم إنا قد وجدنا نبينا ﷺ قال: "أنا أكرم ولد آدم على ربي" و"أنا سيد ولد آدم" (٣) ولم يذهب أحد من العلماء إلى أن هذا منسوخ ولا مرجوح.
стр. 615
قلت - أي القرطبي -: وهذا الوجه، وإن كان حسنًا، فأولى منه أن يحمل الحديث على ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء، فلا يجوز في المعين فيهم ولا غيرهم، ولا يقال فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم، ولا من فلان، ولا خير كما هو ظاهر هذا النهي، لما ذكر من توهم النقص في المفضول، وإن كان غير معين، ولأن النبوة خصلة واحدة لا تفاضل فيها، هانما تفاضلوا بأمور غيرها. ثم إن هذا النهي يقتضي منع إطلاق ذلك اللفظ، لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله تعالى قد أخبرنا بأن الرسل متفاضلون كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١) وكما قد علمنا أن نبينا ﷺ قد خصَّ بخصائص من الكرامات والفضائل بما لم يخص به أحد منهم، ومع ذلك فلا نقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي اجتنابًا لما نهى عنه وتأدبًا بأدبه وعملًا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل ورفعًا لما توهمه من المعارضة بين السنة والتنزيل" (٢).
ولعل القول الذي ترجحه الأدلة من هذه الأقوال، وتطمئن إليه النفس هو ما استحسنه القرطبي، ولم يأخذ به، وقد رجحه غير واحد من العلماء، وهو أن النهي عن المفاضلة بينهم حيث تؤدي هذه المفاضلة إلى انتقاص المفضول، أو عدم التأدب مع مقام النبوة، خصوصًا عند المجادلة والمماراة كما حدث في سبب ورود هذا الحديث.
وأما ما سوى ذلك مما يُؤمنُ منه هذا الجانب، ويكون التفضيل بناءً على الأدلة الشرعية من القرآن الكريم، أو السنة النبوية، والذي فيه بيان لفضل بعض الأنبياء على بعض، إذ قد كلم الله موسى تكليمًا، واتخذ الله إبراهيم خليلًا، وخلق آدم بيده وجعلَ عيسى كلمةَ الله وروحًا منه، وفضل
стр. 616
نبينا ﷺ على سائر المرسلين، وآتاه ما لم يؤت أحدًا من العالمين، فهذا حق لا مرية فيه، ولا تعارض بين النصوص، كما قد يتوهم البعض، وهذا ما ذكره المازري عن بعض شيوخه، وسكت عنه، حيث قال: "أما قوله: "لا تفضلوا بين أنبياء الله" فيحتمل أن يكون ذلك قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وكان بعض شيوخي يقول: يحتمل أن يريد لا تفضلوا بين أنبياء الله تفضيلًا يؤدي إلى نقص بعضهم، وقد خرج الحديث على سبب، وهو لطم الأنصاري وجه اليهودي، فقد يكون ﷺ خاف أن يفهم من هذه الفعلة انتقاص حق موسى ﵇، فنهى عن التفضيل المؤدي إلى نقص الحقوق" (١).
قال الحافظ ابن حجر: "قال العلماء في نهيه عن التفضيل بين الأنبياء: إنما النهي عن ذلك من يقوله برأيه، لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع" (٢).
وقال الحليمي (٣): "الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة؛ لأن المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمن أن يخرج أحدهما إلى الازدراء بالآخر، فيفضي إلى الكفر، فأما إذا كان التخيير مستندًا إلى مقابلة الفضائل لتحصيل الرجحان فلا يدخل في النهي" (٤).
وفي إزالة الإشكال الحاصل لدى البعض من قوله ﷺ : "لا تفضلوني على موسى" مع ما ثبت له ﷺ من الفضائل التي لم تكن لمن
стр. 617
سواه من الأنبياء والمرسلين، كما جاءت بذلك النصوص، فقد قال شارح الطحاوية: "الجواب أن هذا كان له سبب، فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه مسلم، وقال: أتقول هذا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا! فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه فقال رسول الله ﷺ هذا لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذمومًا، فإن الله حرَّم الفخر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (٢). فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر أو على وجه الانتقاص بالمفضول، وعلى هذا يحمل قوله ﷺ : "لا تفضلوا بين الأنبياء" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا كان التفضيل على وجه الغض من المفضول في النقص له نهي عن ذلك، كما نهى في هذا الحديث عن تفضيل موسى، وكما قال لمن قال يا خير البرية قال: "ذاك إبراهيم" وصح قوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر" (٤) " (٥).
المطلب الرابع: نبوة الخضر وحياته:
نبوته:
اختلف في الخضر، هل هو نبي أو رسول أو ولي؟ كما قال الراجز:
стр. 618
واختلف في خضر أهل العقول ... قيل نبي أو ولي أو رسول؟ (١)
وقد رجَّح القرطبي أن الخضر نبي، وليس برسول ولا ولي. فقال: "الخضر ﵇ لم يتفق على أنه نبي، بل هو أمر مختلف فيه، هل هو نبي، أو ولي؟ فإن كان نبيًّا فليس برسول بالاتفاق، إذ لم يقل أحد: أن الخضر ﵇ أُرسل إلى أمة" (٢).
وقال في إثبات نبوته بعد أن ذكر بعض كراماته: فيه دليل على كرامات الأولياء، وكذلك كل ما وصف عن أحوال الخضر في هذا الحديث، وكلها أمور خارقة للعادة، هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي، وقد اختلف فيه أئمة أهل السنة، والظاهر من مساق قصته واستقراء أحواله مع قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (٣) أنه نبي يوحى إليه بالتكاليف والأحكام، كما أُوحي إلى الأنبياء غير أنه ليس برسول" (٤).
وأما المازري فقد ذكر الخلاف في هذه المسألة ولم يرجح حيث قال: اضطرب العلماء في الخضر، هل هو نبي أم لا؟ واحتج من قال بنبوته بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ فدلّ على أن الله يوحي إليه بالأمر، وهذه النبوة. وينفصل الآخرون عن هذا بأنه يحتمل أن يكون نبي غيره، أمره بذلك عن الله تعالى، وقصارى ما في الآية أنه ما فعله عن أمره، ولكن إذا كان المراد عن أمر الله تعالى فمن المبلغ له؟ ليس في الآية تعيين فيه، وقد يحتج من قال بنبوته بكونه أعلم من موسى، ويبعد أن يكون الولي أعلم من النبي" (٥). وما
стр. 619
ذكره المازري هنا ليس بحجة إذ لو كان الخضر نبيًّا فلا يصل إلى منزلة موسى ﵇ بالاتفاق فلا يكون علمه الذي أخفى عن موسى دليل النبوة.
والذي رجَّحه القرطبي هو الذي ذهب إليه الحفاظ ابن حجر (١) وابن الجوزي (٢).
وكذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان، حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٥] (٣): "يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوية، وأن هذا العلم اللدني علم وحي ... ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (٤) أي: وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلَّا بالوحي من الله جل وعلا" (٥).
وقد ذكر- ﵀ الأدلة والمبررات التي تؤيد ما ذهب إليه، والتي يصعب نقلها لطولها فلتراجع. وهذا هو القول الراجح، وقد نسبه القرطبي المفسر إلى جمهور العلماء (٦).
стр. 620
حياته:
لقد وقع الخلاف في حياة الخضر هل ما زال حيًّا أم أنه قد مات؟ حيث ذهب بعض العلماء إلى إثبات حياته وتعميره كالنووي والقرطبي المفسر وابن الصلاح (١).
وأما القرطبي فقد تعرض لهذه المسألة، ولم يرجح وإن كان يفهم من كلامه ميله إلى إثبات حياته.
حيث قال: "قد استدل بعض الحفاظ المتأخرين على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي بعموم "ما من نفس منفوسة" (٢) فإنه من أنص صيغ العموم على الاستغراق، وهذا لا حجة فيه يقينية؟ لأن العموم -وإن كان مؤكدًا للاستغراق- فليس نصًا فيه، بل: هو قابل للتخصيص، لاسيما والخضر وإن كان حيًّا -كما يقال- فليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى ﵇، فلأنه لم يمت، ولم يقتل، فهو حي بنص القرآن ومعناه، وكما لم يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة على ما يأتي، فإن قيل: إنما لم يتناول هذا العموم عيسى؛ لأن الله قد رفعه إليه، فليس هو على ظهر الأرض؛ لأن المراد بذلك العموم: من كان من النفوس على ظهر الأرض كما نص عليه في حديث ابن عمر، فالجواب: يمنع عموم الأرض المذكورة فيه فإنه اسم
стр. 621
مفرد دخل عليه الألف واللام، وهي محتملة للعهد والجنس، وهي ههنا للعهد؛ لأن الأرض التي يخاطبون بها ويخبرون عن الكون فيها هي أرض العرب وما جرت عادتهم بالتصرف إليها، وفيها غالبًا دون أرض يأجوج ومأجوج، وأقاصي جزائر الهند والسند مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يعلم علمه، ولا جواب عن حديث الدجال، وعلى الجملة: فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم" (١).
والصحيح ما عليه جمهور العلماء من أنه قد مات كغيره من الناس، ولم يخص بالخلود في الحياة، والأدلة على ذلك كثيرة، منها:
- ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤] (٢).
- ومنها قوله ﷺ في دعائه في معركة بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" (٣) فلو كان الخضر حيًّا لعبد الله تعالى مع هلاك هذه العصابة.
- ومنها إخباره ﷺ بأنه على رأس مائة سنة، من الليلة التي تكلم فيها بالحديث، لن يبقى على وجه الأرض أحد، ممن هو عليها تلك الليلة (٤). فلو كان الخضر حيًّا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة.
- ومنها أنه لو فرض وجود الخضر زمن النبي ﷺ لكان من أتباعه ولنصره، وقاتل معه؛ لأنه مبعوث إلى الثقلين الإنس والجن، وقد قال ﷺ : "والذي
стр. 622
نفسي بيده، لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلَّا أن يتبعني" (١) وإذا كان موسى ملزم باتباع النبي ﷺ لو كان حيًّا فالخضر من باب أولى" (٢).
المطلب الخامس: نبوة النساء:
إن مما وقع فيه الخلاف في مسائل النبوة، نبوة النساء، فقد ذهب بعض العلماء إلى إثبات نبوة النساء، فقد صرَّح بعض العلماء بنبوة مريم، وآسية زوجة فرعون، وأم موسى، وحواء، وهاجر، وسارة، وذهب الجمهور إلى أن النبوة قاصرة على الرجال دون النساء، إذ من شروط النبوة الذكورة، كما قال في الدرة المضية:
وشرط من أكرم بالنبوة ... حرية ذكورة كقوة (٣)
والقرطبي ﵀ رجَّح نبوة مريم، وتردد في نبوة آسية حيث قال في إثبات نبوة مريم عند قوله ﷺ : "خير نسائها مريم بنت عمران .. " (٤): "هذا الضمير عائد على غير مذكور، لكنه تفسره الحال والمشاهدة .. فكأنه قال: خير نساء الدنيا: مريم بنت عمران، وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدم الذي قال فيه: "خير نساء العالمين مريم" (٥) ويشهد لهذه
стр. 623
الأحاديث في تفضيل مريم: قول الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ (١) فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، ويعتضد هذا الظاهر بأنها صديقة ونبية بلغتها الملائكة الوحي عن الله تعالى بالتكليف والإخبار والبشارة وغير ذلك كما بلغته سائر الأنبياء، فهي إذًا نبية. وهذا أولى من قول من قال: إنها غير نبية، وإذا ثبت ذلك ولم يسمع في الصحيح أن في النساء نبية غيرها، فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع (٢).
وعند قوله ﷺ : "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٣).
قال القرطبي: "لا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء ثم تليهم الأولياء، ويعني بهم: الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به: النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح: أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل: على صديقيتها وفضيلتها فلو
стр. 624
صحت لها نبوتها لما كان في الحديث إشكال فإنه يكون معناه: إن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبي إلَّا هاتين المرأتين، ومن عداهما من فضلاء النساء صديقات لا نبيَّات وحينئذ يصح أن تكونا أفضل نساء العالمين، والأولى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء بل يندرج معه كمال الأولياء" (١).
وهذا الذي ذهب إليه القرطبي قد رجّحه الأشعري وابن حزم، وحجتهم في ذلك ما ذكره القرطبي من أن الله تعالى أوحى إليها وأرسل إليها ملكًا وأثبت غيره نبوة غير مريم. والصحيح خلاف ما ذكروه، إذ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣] (٢)، وأما قولهم أن هذا في نفي الرسالة لا النبوة، فلا يوافقون عليه إذ الصحيح أن النبي مأمورٌ بالتبليغ كالرسول، وهذا يحتاج إلى مخالطة الناس وكثرة الاجتماع بهم إلى غير ذلك مما لا يتناسب مع طبيعة المرأة المأمورة بالحشمة والبعد عن الاختلاط.
وأما الاستدلال بالكمال، فلا يلزم من إثبات الكمال حصول النبوة لأن الكمال يطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء (٣).
أما الاستدلال علي إثبات النبوة وجود الوحي فالجواب أن الوحي أنواع، منه وحي نبوة، ووحي إلهام، ووحي منام، كما هو معلوم من معنى الوحي في اللغة. وقد ثبت الوحي لغير مريم ممن لا يثبت القرطبي
стр. 625
نبوتها كأم موسى، إذ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ (١). وقد نقل الطبري عن قتادة قوله في هذه الآية: "وحيًا جاءها من الله فقذف في قلبها وليس بوحي نبوة" (٢).
وأما مجيء الملك إلى مريم فلا حجة فيه؛ لأنه قد ثبت مجيء الملك لمن لا يشك في أنه ليس بنبي كالذي زار أخًا له في الله، فبعث الله إليه ملكًا يسأله عن سبب زيارته، فلما أخبره أنه يحبه في الله أعلمه الملك أن الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبه (٣).
واما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) فليس فيه حجة أيضًا؛ لأن الاصطفاء قد يكون اصطفاء هداية إلى دين الله تعالى وزيادة يقين ورسوخ إيمان، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٥) فالصحيح الذي تدل عليه الأدلة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وذكر النووي أن الجويني ذكر الإجماع عليه، وهو عدم وجود نبية من النساء، وأن النبوة تقتصر على الرجال، وبهذا يتبين أن القول بنبوة بعض النساء قول ضعيف نقلًا وعقلًا، ولذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه من الأقوال المنكرة الشاذة التي يعجب منها (٦).
стр. 626
المبحث الثاني دلائل النبوة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المعجزة والكرامة
المطلب الثاني: معجزاته ﵊
١ - القرآن الكريم.
٢ - خاتم النبوة.
٣ - عصمته من الناس.
٤ - انشقاق القمر.
٥ - نطق الجمادات.
٦ - الإخبار بالمغيبات.
٧ - تكثير الطعام والشراب.
٨ - نبع الماء من بين أصابعه.
٩ - رمي الكفار بالتراب وإصابتهم جميعًا.
١٠ - إجابة دعواته.
стр. 627
اقتضت حكمة اللّة، تعالى أن لا يرسل رسولًا إلَّا ويؤيده بالدلائل الواضحة والبراهين الساطعة علي صدقه، وصحة نبوته، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (٢) أي بالمعجزات البينة، والشرائع الظاهرة، والعلامات الواضحة التي تدل على صدقهم (٣)، وقال ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلَّا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر" (٤).
قال القرطبي: "الأنبياء دلَّت على صدقهم دلائل المعجزات (٥)، فمن ارتاب في صدقهم فجوابه بالمعجزات التي تدل قطعًا على صحة أقوالهم وصواب أفعالهم" (٦).
ودلائل النبوة التي يؤيد الله تعالى بها رسله تختلف من نبي إلى آخر فليست محصورة في المعجزات وليست من نوع واحد إذ المراد من الآيات الدلالة على النبوة بأي دليل كان، ومنها المعجزات لكونها خارجة على القدرة البشرية.
المطلب الأول: المعجزة والكرامة:
كما يؤيد الله سبحانه رسله بالمعجزات، فإنه تعالى يكرم بعض
стр. 628
أوليائه بالكرامات، التي هي خوارق للعادات، في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات. والتصديق بها من أصول أهل السنة والجماعة (١).
وقد أنكرت طوائف من المبتدعة هذه الكرامات بدعوى أن هذا يؤدي إلى التباس النبي بالولي إذ لا تكون المعجزة دليلًا على صدق الأنبياء (٢).
ولا شك أن هذا القول تدل على بطلانه النصوص من الكتاب والسنة (٣)، وما تواتر نقله عن سلف الأمة. قال القرطبي: "الكرامة تدل على حسن حال من ظهرت على يديه؛ لأن الكرامات تنسب لأولياء الله وهم أهل طاعته، لا إلى أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان، فلا يجوز نسبة الكرامات لأهل المعاصي إجماعًا" (٤).
وقد بيَّن القرطبي الفرق بين النبي والمتنبيء فقال: وأما الفرق بين النبي والمتنبيء فالمعجزة لا تظهر على يدي المتنبيء لأنه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب وهو محال" (٥).
стр. 629
وفرَّق المازري في خرق العادة بين النبي والولي والساحر، إذ قال: "العادة تنخرق على يد النبي، وعلى يد الولي، وعلى يد الساحر، إلَّا أن النبي يتحدى بها، ويستعجز سائر الخلق، ويحكي عن الله سبحانه خرق العادة لتصديقه، فلو كان كاذبًا، لم تخرق العادة على يديه، ولو خرقها لأظهر على يد غيره من المعارضين له، مثل ما أظهر على يده. والولي والساحر لا يتحديان ولا يستعجزان الخليقة ليستدلوا على صدقهم وعلى نبوتهم، ولو حاولوا أشياء من ذلك لم تنخرق لهم العادة، أو تنخرق ولكنها تنخرق لمن يعارضهم وأما الولي والساحر، فإنهما يفترقان من طريق أخرى وهي أن الساحر يكون ذلك علمًا على فسقه وكفره، والولي لا يكون علمًا على ذلك اشيه فافترق حال الثلاثة بعضهم من بعض" (١).
وقال أيضًا: "إظهار المعجزة على يد الكذاب لا تصح فيقال: لم ظهرت على يد الدجال وهو كذاب؟ فيقال: لأنه يدعي الربوبية وأدلة الحدوث تحيل ما ادَّعاه وتكذبه. والنبي يدعي النبوة، وهي غير مستحيلة في البشر، وأتى بالدليل الذي لم يعارضه شيء فصدق" (٢).
وقال القرطبي في بيان أن مذهب أهل السنة إثبات الكرامات: "وقوع الكرامات للأولياء هو قول جمهور أهل السنة والعلماء لما وقع في الكتاب والسنة وأخبار صالحي هذه الأمة مما يدل على وقوعها وإنما محل الإنكار ادعاء وقوعها ممن ليس موصوفًا بشروطها، ولا هو أهل لها وادعاء كثرة وقوع ذلك دائمًا متكررًا حتى يلزم عليه، أن يرجع خرق العادة عادة وذلك إبطال لسنة الله وحسم السبل الموصولة إلى معرفة أنبياء الله
стр. 630
تعالى" (١).
وقد بيَّن القرطبي أن المعجزة التي تقع على يد الرسول لا يشترط فيها اقتران التحدي عند كل ظهور لها. لكن يكتفى بالإعلام أولًا بنبوته ودعوة الناس إلى تصديقه ومتابعته.
قال: "قوله ﷺ : "الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله" (٢) عند وقوع ما أخبر به من الغيب دليل على أن ذلك من جملة معجزاته، وإن لم يقترن بها في تلك الحال تحد قولي وهذا على خلاف ما يقوله المتكلمون: إن من شروط المعجزة اقتران التحدي القولي بها، فإن لم تكن كذلك فالخارق كرامة لا معجزة والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يشترط بدليل أن الصحابة ﵃ كانوا كلما ظهر لهم خارق للعادة على يدي النبي ﷺ استدلوا بذلك على صدقه وثبوت رسالته ... ولم يصدر عنه مع شيء من ذلك تحدٍ بالقول عند وقوع تلك الخوارق، ومع ذلك فهي معجزات والذي ينبغي أن يقال: إن اقتران القول لا يلزم بل يكفي من ذلك قول كلي يتقدم الخوارق كقول الرسول ﷺ الدليل على صدقي ظهور الخوارق على يدي، فإن كل ما يظهر على يديه منها بعد ذلك يكون دليلًا على صدقه، وإن لم يقترن بها واحدًا واحدًا قول ويمكن أن يقال: إن قرينة حاله تدل على دوام التحدي فيتنزل ذلك منزلة اقتران القول" (٣).
قد يفهم من هذه النقولات موافقة القرطبي والمازري للأشاعرة في مذهبهم في المعجزات، وإن كان القرطبي قد صرَّح بمخالفته لقول
стр. 631
الأشاعرة في حصر دلالة صدق النبي على المعجزة، كما سبق نقل كلامه عند الحديث عن دلائل الربوبية (١).
وقول القرطبي هنا أن المعجزة لا يظهرها الله على يد كاذب صحيح، لكن الله تعالى يفعل ذلك لحكمة، وهو منزه تعالى عن ذلك، لا كما تعلل الأشاعرة بأن المعجزة هي الدليل الوحيد على صدق النبي، أو أن إظهارها على يد الكاذب يفضي إلى تعجيز الرب عن إثبات صدق أنبيائه (٢).
وأما جعلهم الفرق بين المعجزة والسحر والشعوذة هو فقط عدم المعارضة، وكونها جاءت على يد مدعي النبوة، فهذا فرقٌ ضعيفٌ، فإن من الناس من ادَّعى النبوة وكان كاذبًا وظهرت على يده بعض هذه الخوارق، فلم يُمنع منها، ولم يعارضه أحد، كما حدث للأسود العنسي ومسيلمة وغيرهما (٣).
المطلب الثاني: معجزاته ﵊:
معجزات الأنبياء ﵈ مناسبة لحال أقوامهم حيث جاء موسى ﵇ بالعصا على صورة ما يضع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره؛ لأنه جاء إلى قوم فشا فيهم السحر، وعيسى- ﵇ أرسل إلى قوم كثر فيهم الأطباء والحكماء، فأتاهم الله بمعجزة من جنس عملهم، لم تصل قدرتهم إليها، وكان العرب الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بلغوا الغاية من البلاغة والفصاحة، فجاءهم تعالى بالقرآن المعجزة الخالدة الباقية إلى قيام الساعة، مع العديد من
стр. 632
معجزاته ﵊، التي جاءهم بها كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام والإخبار عن المغيبات وغيرها من دلائل النبوة التي أيدَهُ بها .
وأقف هنا مع بعض دلائل النبوة التي ذكرها القرطبي في المفهم والمازري في المعلم:
١ - القرآن الكريم:
القرآن الكريم هو أعظم الآيات التي أعطيها رسولنا ﷺ بل أعظم آيات الرسل كلهم على الإطلاق آية دائمة باقية إلى قيام الساعة تحدى الله تعالى بها الفصحاء والبلغاء من العرب، بل من الإنس والجن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] (١) بل لا يأتون بسورة من مثله قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨] (٢). فهو المعجزة التي شاهدها من عاصر الرسول ﷺ ، ومن أتى بعده إلى قيام الساعة.
قال القرطبي عن هذه الآية: "كل رسول أُيِّد بمعجزة تدل على صحة رسالته فيظهر صدقه، وتثبت حجته، كما قد علم من أحوالهم بما أخبرنا الله به وبينه عنهم غير أن معجزاتهم تنقرض بانقراضهم، فلا يبقى منها بعدهم إلَّا الإخبار بها وذلك قد يخفى مع توالي الأعصار ونبينا ﷺ وإن كان قد أعطي من كل نوع من أنواع معجزات الأنبياء قبله، كما قد أوضحناه في كتابنا المسمى بـ "الإعلام بصحة نبوة محمد عليه أفضل
стр. 633
الصلاة والسلام" لكنه فُضل على جميعهم بالمعجزة العظمى الباقية ما بقيت الدنيا وهي: الكتاب العزيز الذي أعجزت السورة منه الجن والإنس أي تعجيز فإعجازه مشاهد بالعيان متجدد ما تعاقب الجديدان فمن ارتاب الآن في صدق قوله قيل له: فائت بسورة من مثله، ولما كانت هذه المعجزة قاطعة الظهور مستمرة مدى الدهور اشترك في معرفتها المتقدمون والمتأخرون واستوى في معرفة صدق محمد ﷺ : السابقون واللاحقون فدخل العقلاء في دينه دخولًا متتابعًا وحقق الله تعالى له رجاءه فكان أكثر الأنبياء تابعًا" (١).
٢ - خاتم النبوة:
إن من دلائل النبوة الحسية الظاهرة التي أُيد بها ﷺ ما جعل بين كتفيه من أصل خلقه من خاتم النبوة الظاهر لكل متأمل فقد جاء في حديث جابر بن سمرة- ﵁: "رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده" (٢).
قال القرطبي: خاتم النبوة من علاماته المعروفة في الكتب السابقة، وفي صدور علماء الملل السالفة، ولذا لما حصل عند سلمان الفارسي ﵁ العلم بصفاته وأحواله وعلاماته وموضع مبعثه ودار هجرته، جد في الطلب، حتى ظفر بما طلب، ولما لقيه جعل يتأمل ظهره، فعلم النبي ﷺ أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة، فنزع رداءه من على ظهره، فلما رأى سلمان الخاتم، أكب عليه يقبله وهو
стр. 634
يقول: أشهد أنك رسول الله" (١).
٣ - عصمته من الناس:
من دلائل نبوته ﵊ حفظ الله تعالى له من أعدائه، الذين كانوا يتربصون به، ويسعون للتخلص منه، ولكن الله تعالى تكفل بحفظه فلم يستطيعوا أن يصلوا إليه مع محاولاتهم المتكررة قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢).
وقد جاء في حديث جابر ﵁ قوله: "غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قِبَل نجدٍ فأدْرَكَنا رسولُ الله ﷺ في وادٍ كثير العِضَاةِ فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي، يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن رجلًا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظتُ وهو قائمُ على رأسي، فلم أشعر إلَّا والسيف صلتٌ في يده" فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: "قلت الله! " ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: "قلت الله! " قال: "فشام السيف فها هو ذا جالس" ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ " (٣).
قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "لم يبال النبي ﷺ بقوله، ولا عرج عليه، ثقة منه بوعد الله، وتوكلًا عليه، وعلمًا منه بأنه ليس في الوجود فعل إلَّا لله تعالى، فإنه أعلم الناس بالله تعالى، وأشدهم له خشية، فأجابه بقوله: "الله" ثانية وثالثة، فلما سمع الرجل ذلك وشاهد تلك القوة
стр. 635
التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحال تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه بضرر.
وهذا من أعظم الخوارق للعادة فإنه عدو متمكن بيده سيف شاهر وموت حاضر، ولا حال تغيرت، ولا روعة حصلت هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدي به يكون من أوضح المعجزات" (١).
٤ - انشقاق القمر:
وهو من معجزاته ﵊ التي تحدى بها قومه ودعاهم بها إلى تصديقه والإيمان به، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ (٢).
قال الطبري في تفسير هذه الآية: "إن كفار مكة سألوا الرسول ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر آية حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته، فلما أراهم أعرضوا وكذَّبوا" (٣).
قال القرطبي: "وقع ذلك الانشقاق على حقيقته، ووجد ذلك بمكة ومنى بعد أن سألت قريش رسول الله ﷺ آية، فأراهم انشقاقه على نحو ما ذكر من أن عبد الله بن مسعود أوضح كيفية هذا الانشقاق حتى لم يترك لقائل مقالًا، فقال: وكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، وفي رواية: فسترت الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، ونحو ذلك قال ابن عمر ﵄ وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة ﵃ منهم: عبد الله بن مسعود وأنس، وابن عباس، وابن