← Акыда

Акыда · id 151201

آراء القرطبي والمازري الاعتقادية

عبد الله بن محمد الرميان

Полный текст (823 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الأشاعرة في حصر دلالة صدق النبي على المعجزة، كما سبق نقل كلامه عند الحديث عن دلائل الربوبية (١). وقول القرطبي هنا أن المعجزة لا يظهرها الله على يد كاذب صحيح، لكن الله تعالى يفعل ذلك لحكمة، وهو منزه تعالى عن ذلك، لا كما تعلل الأشاعرة بأن المعجزة هي الدليل الوحيد على صدق النبي، أو أن إظهارها على يد الكاذب يفضي إلى تعجيز الرب عن إثبات صدق أنبيائه (٢). وأما جعلهم الفرق بين المعجزة والسحر والشعوذة هو فقط عدم المعارضة، وكونها جاءت على يد مدعي النبوة، فهذا فرقٌ ضعيفٌ، فإن من الناس من ادَّعى النبوة وكان كاذبًا وظهرت على يده بعض هذه الخوارق، فلم يُمنع منها، ولم يعارضه أحد، كما حدث للأسود العنسي ومسيلمة وغيرهما (٣). المطلب الثاني: معجزاته ﵊: معجزات الأنبياء ﵈ مناسبة لحال أقوامهم حيث جاء موسى ﵇ بالعصا على صورة ما يضع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره؛ لأنه جاء إلى قوم فشا فيهم السحر، وعيسى- ﵇ أرسل إلى قوم كثر فيهم الأطباء والحكماء، فأتاهم الله بمعجزة من جنس عملهم، لم تصل قدرتهم إليها، وكان العرب الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بلغوا الغاية من البلاغة والفصاحة، فجاءهم تعالى بالقرآن المعجزة الخالدة الباقية إلى قيام الساعة، مع العديد من

стр. 632

معجزاته ﵊، التي جاءهم بها كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام والإخبار عن المغيبات وغيرها من دلائل النبوة التي أيدَهُ بها . وأقف هنا مع بعض دلائل النبوة التي ذكرها القرطبي في المفهم والمازري في المعلم: ١ - القرآن الكريم: القرآن الكريم هو أعظم الآيات التي أعطيها رسولنا ﷺ بل أعظم آيات الرسل كلهم على الإطلاق آية دائمة باقية إلى قيام الساعة تحدى الله تعالى بها الفصحاء والبلغاء من العرب، بل من الإنس والجن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] (١) بل لا يأتون بسورة من مثله قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨] (٢). فهو المعجزة التي شاهدها من عاصر الرسول ﷺ ، ومن أتى بعده إلى قيام الساعة. قال القرطبي عن هذه الآية: "كل رسول أُيِّد بمعجزة تدل على صحة رسالته فيظهر صدقه، وتثبت حجته، كما قد علم من أحوالهم بما أخبرنا الله به وبينه عنهم غير أن معجزاتهم تنقرض بانقراضهم، فلا يبقى منها بعدهم إلَّا الإخبار بها وذلك قد يخفى مع توالي الأعصار ونبينا ﷺ وإن كان قد أعطي من كل نوع من أنواع معجزات الأنبياء قبله، كما قد أوضحناه في كتابنا المسمى بـ "الإعلام بصحة نبوة محمد عليه أفضل

стр. 633

الصلاة والسلام" لكنه فُضل على جميعهم بالمعجزة العظمى الباقية ما بقيت الدنيا وهي: الكتاب العزيز الذي أعجزت السورة منه الجن والإنس أي تعجيز فإعجازه مشاهد بالعيان متجدد ما تعاقب الجديدان فمن ارتاب الآن في صدق قوله قيل له: فائت بسورة من مثله، ولما كانت هذه المعجزة قاطعة الظهور مستمرة مدى الدهور اشترك في معرفتها المتقدمون والمتأخرون واستوى في معرفة صدق محمد ﷺ : السابقون واللاحقون فدخل العقلاء في دينه دخولًا متتابعًا وحقق الله تعالى له رجاءه فكان أكثر الأنبياء تابعًا" (١). ٢ - خاتم النبوة: إن من دلائل النبوة الحسية الظاهرة التي أُيد بها ﷺ ما جعل بين كتفيه من أصل خلقه من خاتم النبوة الظاهر لكل متأمل فقد جاء في حديث جابر بن سمرة- ﵁: "رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده" (٢). قال القرطبي: خاتم النبوة من علاماته المعروفة في الكتب السابقة، وفي صدور علماء الملل السالفة، ولذا لما حصل عند سلمان الفارسي ﵁ العلم بصفاته وأحواله وعلاماته وموضع مبعثه ودار هجرته، جد في الطلب، حتى ظفر بما طلب، ولما لقيه جعل يتأمل ظهره، فعلم النبي ﷺ أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة، فنزع رداءه من على ظهره، فلما رأى سلمان الخاتم، أكب عليه يقبله وهو

стр. 634

يقول: أشهد أنك رسول الله" (١). ٣ - عصمته من الناس: من دلائل نبوته ﵊ حفظ الله تعالى له من أعدائه، الذين كانوا يتربصون به، ويسعون للتخلص منه، ولكن الله تعالى تكفل بحفظه فلم يستطيعوا أن يصلوا إليه مع محاولاتهم المتكررة قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢). وقد جاء في حديث جابر ﵁ قوله: "غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قِبَل نجدٍ فأدْرَكَنا رسولُ الله ﷺ في وادٍ كثير العِضَاةِ فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي، يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن رجلًا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظتُ وهو قائمُ على رأسي، فلم أشعر إلَّا والسيف صلتٌ في يده" فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: "قلت الله! " ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: "قلت الله! " قال: "فشام السيف فها هو ذا جالس" ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ " (٣). قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "لم يبال النبي ﷺ بقوله، ولا عرج عليه، ثقة منه بوعد الله، وتوكلًا عليه، وعلمًا منه بأنه ليس في الوجود فعل إلَّا لله تعالى، فإنه أعلم الناس بالله تعالى، وأشدهم له خشية، فأجابه بقوله: "الله" ثانية وثالثة، فلما سمع الرجل ذلك وشاهد تلك القوة

стр. 635

التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحال تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه بضرر. وهذا من أعظم الخوارق للعادة فإنه عدو متمكن بيده سيف شاهر وموت حاضر، ولا حال تغيرت، ولا روعة حصلت هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدي به يكون من أوضح المعجزات" (١). ٤ - انشقاق القمر: وهو من معجزاته ﵊ التي تحدى بها قومه ودعاهم بها إلى تصديقه والإيمان به، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ (٢). قال الطبري في تفسير هذه الآية: "إن كفار مكة سألوا الرسول ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر آية حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته، فلما أراهم أعرضوا وكذَّبوا" (٣). قال القرطبي: "وقع ذلك الانشقاق على حقيقته، ووجد ذلك بمكة ومنى بعد أن سألت قريش رسول الله ﷺ آية، فأراهم انشقاقه على نحو ما ذكر من أن عبد الله بن مسعود أوضح كيفية هذا الانشقاق حتى لم يترك لقائل مقالًا، فقال: وكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، وفي رواية: فسترت الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، ونحو ذلك قال ابن عمر ﵄ وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة ﵃ منهم: عبد الله بن مسعود وأنس، وابن عباس، وابن

стр. 636

عمر، وحذيفة، وعلي، وجبير بن مطعم، وغيرهم، وروى ذلك عن الصحابة أمثالهم من التابعين، ثم كذلك ينقله الجم الغفير والعدد الكثير إلى أن انتهى ذلك إلينا، وفاضت أنواره علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن المتواتر عند كل إنسان فقد حصل بهذه المعجزة العلم اليقين الذي لا يشك فيه أحدٌ من العاقلين" (١). وقد ردّ على الذين استبعدوا وقوعه أو كذبوه من بعض أهل الملة أو من الملاحدة قال في ختامه: "والذي يحسم مادة الخلاف بين أهل ملتنا أن نقول: "لا بعد في أن يكون الله تعالى خرق العادة في ذلك الوقت، فصرف جميع أهل الأرض عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة، لتختص مشاهدة تلك الآية بأهل مكة، كما اختصوا بأكثر مشاهدة آياته، كحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وكلام الشجر، إلى غير ذلك من الخوارق التي شاهدوها ونقلوها إلى غيرهم، كما قد فصلنا ذلك في كتابنا المسمى "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا محمد ﷺ " وهذا الكلام خاصٌّ للمنكر للإنشقاق من أهل الإسلام، وأما الملاحدة فالكلام معهم في إبطال أصولهم الفاسدة" (٢). ٥ - نطق الجمادات: من دلائل نبوته ﷺ ما جاء في بعض الأحاديث من نطق الحجر والشجر تصديقًا له وآية لرسالته، قال ﷺ : "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" (٣) قال القرطبي: "يعني أنه كان

стр. 637

يسلم عليه بالنبوة والرسالة، قبل أن يشافهه الملك بالرسالة، وقد سمع الكثير ممن حضر مجالسه تسبيح الحصى في كفه وحنين الجذع (١) والمسجد قد غصَّ بأهله" (٢). ٦ - الإخبار بالمغيبات: الغيب لا يعلمه إلَّا الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾ [فاطر: ٣٨] (٣). ولكن قد يظهر الله تعالى بعض أمور الغيب لمن يشاء من عباده، كما أظهر سبحانه للخضر ما أخفاه عن موسى، وكما أظهر لموسى ﵇ وغيره من الأنبياء ما أخفاه عما سواهم قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (٤). ولذا فالإخبار ببعض أمور الغيب، جعلها الله تعالى من دلائل النبوة، التي تدل على صدق الأنبياء ﵈ فيما يخبرون به. وقد وقع للرسول ﷺ من الإخبار ببعض أمور الغيب، فَوَقَعَ منها ماوقع ممَّا شوهد في حياته ﷺ ومنه ما حدث بعد ذلك، ومنه ما سيأتي. فمنها إخباره ﷺ أن أمره سيظهر وهو يومئذ بمكة بضيق ومحاصرة (٥). قال القرطبي في هذا الخبر: "وهذا من إخباره بالغيب، فهو داخل

стр. 638

في باب دلالات نبوته، فإنه أخبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر عنه" (١). وعند قوله ﷺ عن الخوارج: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان" (٢). قال القرطبي: "هذا منه ﷺ إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان من أدلة نبوته ﷺ ، وذلك أنهم لما حكموا بكفر من خرجوا عليه من المسلمين استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة وقالوا: نفي لهم بذمتهم، وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين" (٣). وعند إخباره ﷺ بفتح اليمن والشام والعراق (٤). قال القرطبي: "وهذا الحديث من دلائل نبوته وصدقه ﷺ فإنه أخبر بوقوع أمور قبل وقوعها، ثم وقعت بعد ذلك على نحو خبره، فكان ذلك دليلًا على صدقه" (٥). وهذا في السنة كثير يصعب حصره، وقد بيَّن القرطبي عند شرحه لأمثال هذه الأحاديث المخبرة ببعض أمور الغيب التي وقعت كما أخبر بها ﷺ أن هذا من دلائل نبوته، وعلامات صدق رسالته، فقد قال عند ذكر أحد هذه الأخبار: "هذا من المعجزات الغيبية وهي من الكثرة بحيث لا تحصى، يحصل بمجموعها العلم القطعي بأن النبي ﷺ كان يعلم كثيرًا من

стр. 639

علم الغيب الذي لا يعلمه إلَّا الله، أو من ارتضاه من الرسل، فأطلعه الله عليه، والنبي ﷺ قد أطلعه الله عليه فهو رسول من أفضل الرسل (١) " (٢). ٧ - تكثير الطعام والشراب: وقد وقع من ذلك كثير، منها ما جاء في حديث إياس بن سلمة عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض دوابنا، فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا أزوادنا، فبسطنا له نطعًا، فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحزره (٣) كم هو، فحزرته كربضة العنز، ونحن أربع عشرة مئة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعًا، ثم حشونا جربنا، فقال نبي الله ﷺ : "فهل من وضوء؟ " فجاء رجل بإداوة فيها نطفة، فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا نُدَغْفِقُةُ دغفقةً (٤) أربع عشرة مئة" (٥). قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "هذا الحديث قد اشتمل على معجزتين من معجزات النبي ﷺ في الطعام والشراب، وقد وقع ذلك منه مراتٍ كثيرة، ورُوي من طرق عديدة، ووقع منه في جموع كثيرة، ومشاهد عظيمة، فهي من معجزاته المتواترة وكراماته المتظاهرة" (٦). وقال المازري عند شرحه لهذا الحديث: "هذا أحد معجزاته ﷺ تكثير الماء، وتكثير الطعام، والباري سبحانه قادرٌ على خرق العادات،

стр. 640

فيمكن أن يكون كلما أكل منه جزء خلق الباري -جلت قدرته- جزءًا آخر يخلفه، وكذلك في الماء. ومعجزات النبي ﷺ ضروب: فأما القرآن فمنقول تواترًا، أما مثل هذه المعجزة فلك فيها طريقان: أحدهما: أن نقول تواترت على المعنى كتواتر جود حاتم، وحلم الأحنف، فإنه لا تنقل قصة بعينها في ذلك تواترًا ولكن تكاثرت القصص من جهة الآحاد حتى صار محصولها التواتر بالكرم والحلم، وكذلك تواترت معجزات سوى القرآن حتى ثبت انخراق العادة له ﷺ بغير القرآن. والطريق الثانية: أن نقول فإن الصاحب إذا روى مثل هذا الأمر العجيب وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة وهم يسمعون روايته ودعواه حضورهم معه، ولا ينكرون ذلك عليه، فإن ذلك تصديق له يوجب العلم بصحة ما قال" (١). وقد أشار أيضًا إلى هذه المعجزة، والتي قبلها عند شرحه لحديث أبي قتادة حيث توضأ ﷺ في أحد الغزوات من ميضأة أبي قتادة، ثم أمره أن يحتفظ بها؛ وأخبره ﷺ أنه سيكون لها نبأ، ثم طلبها منه ﷺ لما عطش الناس، وفُقِدَ الماء، فجعل رسول الله ﷺ يصب وأبو قتادة يسقيهم حتى شربوا وتوضؤوا جميعًا (٢). حيث قال: "هذا فيه للنبي ﷺ معجزتان: قولية وفعلية، فالقولية: إخباره ﵇ بالغيب، وأنها سيكون لها نبأ، والفعلية: تكثير الماء القليل" (٣).

стр. 641

٨ - نبع الماء من بين أصابعه: وهي من دلائل نبوته التي شاهدها الصحابة ﵃ في أكثر من موضع، حيث جاء في حديث أنس- ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء، فلم يجدوه، فأُتي رسول الله ﷺ بوضوء فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه، قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناسُ حتى توضؤوا من عند آخرهم" (١). قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "هذه المعجزة تكررت من النبي ﷺ مرات عديدة، في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس، وعبدالله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين، وغيرهم، ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، وبهذا الطريق: حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته، كما قد ذكرنا جملة من ذلك في كتاب "الإعلام" وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ﵇ في نبع الماء من الحجر من ضربه بالعصا إذ من المألوف نبع الماء من بعض الحجارة فأما نبعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يسمع بمثله ولا تُحُدِّث به عن غيره" (٢). ٩ - رمي الكفار بالتراب وإصابتهم جميعًا: جاء في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ في ذكر غزوة حنين قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار،

стр. 642

ثم قال: "انهَزَمُوا وربّ محمد" قال: فذهبت انظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلَّا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى أحدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا" (١). قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "رميه ﷺ في وجوه الكفار بالتراب، وإصابته أعين جميعهم من أعظم معجزاته، إذ ليس في قوة البشر إيصال ذلك إلى أعينهم، ولا يسع كفه ما يعمهم، وإنما كان ذلك من صنع الله لنبيه ﷺ ، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٢) " (٣). ١٠ - إجابة دعواته: إن من دلائل نبوته ﷺ استجابة دعائه فكان ﵊ إذا دعا استجاب الله تعالى له، وقد وقع ذلك كثيرًا، وجاءت السنة به، فمنها: دعوته ﵊ على أبي جهل وعتبة، وشيبة، ومن معهم، عند اشتداد أذاهم، فصرعوا في بدر جميع الذين سمَّاهم ﷺ (٤). قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "وإجابة الله تعالى لنبيه ﷺ في مثل هذا الدعاء من أدلة نبوته وصحتها" (٥). وقد بيَّن القرطبي في عدة مواضع عند ذكر أمثال هذا الحديث. أن استجابة دعوته ﵊ من دلائل نبوته (٦).

стр. 643

وقال في موضع آخر: "هذه من بعض دعوات النبي ﷺ المعجلة الإجابة، وهي من الكثرة بحيث تفوق الحصر، ويحصل بمجموعها القطع، بأن الله تعالى قد أكرم محمدًا ﷺ بإجابة دعواته، وأسعفه في كثير من طلباته، وكل ذلك يدل على مكانته وصدق رسالته" (١).

стр. 644

المبحث الثالث عصمة الأنبياء أرسل الله إلى الناس رسلًا منهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١). وقد بيَّن الرسل ﵈ لأقوامهم أنهم من البشر، كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٢). فهم من البشر، لكن الله تعالى من عليهم فجعلهم خير البشر، ووضعهم في المكانة العليا من الكمال البشري، فحفظهم تعالى مما لا يليق بمكانتهم، ولا يتناسب مع رسالتهم. وهذا لا يتنافى مع بشريتهم التي بمقتضاها يحتاجون إلى الطعام والشراب، ويصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض والأسقام والابتلاء والموت، قال لقرطبي: "الأنبياء من البشر يجوز عليهم من الأمراض والآلام، والغضب، والضجر، والعجز، والسحر، والعين، وغير ذلك ما يجوز على البشر" (٣). وقال المازري: "النبي ﷺ معصوم من أن يكذب على الله، أو يفسد ما يبلغه عنه، وهو مع هذا غير معصوم من الأمراض، وما يكون من بعض عوارضها، مما لايعود بنقص في منزلته، ولا فساد فيما مهد من شريعته" (٤). أما بالنسبة لعصمة الأنبياء: فالإجماع قد انعقد على عصمتهم

стр. 645

- ﵈ من الكذب أو الخطأ في التبليغ. قال ابن تيمية: "فالأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه" (١). فلا خلاف في عصمتهم في تحمل الرسالة والتبليغ عن الله تعالى فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم، ولا يكتمون شيئًا، قال تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٣). قال الشنقيطي: "واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ" (٤). قال القرطبي: "الأنبياء معصومون عما يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصدق والعصمة عن الغلط في التبليغ، وعن هذا المعنى عبر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٥) من حيث البشرية: يجوز عليهم ما يجوز عليهم ومن حيث الخاصية النبوية: امتاز عنهم وهو الذي شهد له العلي الأعلى بأن بصره ما زاغ وما طغى وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يوحى وأنه ما ينطق عن الهوى" (٦). وقال المازري: "الأنبياء ﵈ معصومون من الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله سبحانه، قل ذلك أو جل؛ لأن المعجزة تدل

стр. 646

على صدقهم في ذلك" (١). وأما المعاصي: فالكبائر لا شك أنهم في عصمة منها، وأما الصغائر التي لا تزري بمكانتهم: فقد وقع الخلاف فيها بين أهل العلم، فذهب بعض العلماء إلى عصمتهم من الصغائر؛ لأن القول بوقوعهم فيها ينافي الاقتداء بهم والأمر بمتابعتهم إذ كيف يصح متابعتهم على المعصية؟ (٢). وذهب عامة العلماء إلى جواز وقوع الصغائر، منهم من دون إصرار عليها، ولا ملازمة لها، وقد جاءت النصوص في إثبات وقوع ذلك من الأنبياء ومعاتبة الله تعالى لهم. قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٣) وموسى ﵇ لما قتل القبطي، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ (٤)، وداود ﵇ قال الله تعالى عنه: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ (٥) ففي مسارعتهم إلى التوبة وإنابتهم إلى ربهم زيادة في حسناتهم، ورفعة في درجاتهم. وأما القول بأن الوقوع في الصغائر يقدح بالتأسي فليس بصحيح، إذ التأسي يكون فيما يُقرّون عليه، كما أن النسخ جائز فيما يبلغون من الأمر والنهي، وليس تجويز ذلك مانعًا من وجوب الطاعة؛ لأن الطاعة تجب فيما لم ينسخ، فعدم النسخ يقرر الحكم، وعدم الإنكار يقرر الفعل،

стр. 647

والأصل عدم كل منهما (١). وقد جعل شيخ الإسلام هذا القول أحد قولين متطرفين في مسألة العصمة، حيث قال: "واعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه: قوم أفرطوا في دعوى امتناع الذنوب، حتى حرفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب ومغفرة الله لهم ورفع درجاتهم بذلك، وقوم أفرطوا في أن ذكروا عنهم ما دلَّ القرآن على براءتهم منه وأضافوا إليهم ذنوبًا وعيوبًا نزههم الله عنها، وهؤلاء مخالفون للقرآن، ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف كان من الأمة الوسط مهتديًا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (٢). فالقول الوسط في هذه المسألة هو أن الصغائر يجوز وقوعها من الأنبياء، ولكنهم لا يُقرّون عليها، ويسارعون بالتوبة منها، ولذا لم يذكر الله تعالى عن نبي شيئًا من ذلك إلَّا مقرونًا بالتوبة منه، وتوبة الله عليه. وهذا ما ذهب إليه القرطبي حيث قال: "اختلف الناس في عصمة الأنبياء من الذنوب اختلافًا كثيرًا، والذي ينبغي أن يقال: إن الأنبياء معصومون مما يناقض مدلول المعجزة عقلًا، كالكفر بالله تعالى والكذب عليه، والتحريف في التبليغ والخطأ فيه، ومعصومون من الكبائر، وعن الصغائر التي تزري بفاعلها، وتحط منزلته، وتسقط مروءته إجماعًا ... واختلف أئمتنا في وقوع الصغائر منهم، فمن قائل: بالوقوع ومن قائل: بمنع ذلك، والقول الوسط في ذلك: أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا

стр. 648

منها، واستغفروا وتابوا وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها، وإن قبل ذلك آحادها لكن الذي ينبغي أن يقال: إن الذي أضيف إليهم من الذنوب ليس من قبيل الكبائر، ولا مما يزري بمناصبهم على ما تقدم ولا كثر منهم وقوع ذلك، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم، وعوتبوا عليها يخف أمرها بالنسبة إلى غيرهم، وإنما عُدِّدَتْ عليهم، وعوتبوا عليها بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم ... فهم وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح ذلك في رتبتهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكَّاهم، واختارهم، واصطفاهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى يوم الدين، والكلام على هذه المسألة تفصيلًا يستدعي تطويلًا، وفيما ذكرناه كفاية والله الموفق للهداية (١). وقال المازري: "أما الكبائر: فهو ﵇ معصوم منها إجماعًا، وأما الصغائر: فإن المجيزين لوقوعها من الرسل يمنعون أن تضاف إليه ﷺ على جهة الانتقاص (٢).

стр. 649

المبحث الرابع خصائص نبينا محمد ﷺ - لقد منَّ الله تعالى علينا إذ جعلنا من أمة هذا النبي الكريم الذي كمله ربه تعالى بالخصال الحميدة، وخصَّه بالصفات الجميلة والمناقب الفريدة، والمقامات المحمودة التي لم تكن لما سواه من المرسلين فضلًا عن سائر الخلق أجمعين. "فالله سبحانه قد خصَّ نبينا ﷺ من كرم الخُلُق ومن طيب النفس، ومن مقام الفتوة بما لم يخص به أحدًا غيره، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤﴾ (١) وبقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٢) " (٣). وأكرمه بكمال معرفته وشدة خشيته فصار به ﷺ في المقام الأعلى. قال القرطبي: "إنما كان النبي ﷺ أعلم الناس بالله، لما خصه الله تعالى به في أصل الخلقة، من كمال الفطنة وجودة القريحة، وسداد النظر وسرعة الإدراك، ولما رفع الله عنه من موانع الإدراك، وقواطع النظر قبل تمامه، ومن اجتمعت له هذه الأمور، سهل عليه الوصول إلى العلوم النظرية، وصارت في حقه كالضرورية، ثم إن الله تعالى قد أطلعه من علم صفاته، وأحكامه وأحوال العالم كله ما لم يُطْلع عليه غيره وهذا كله معلوم من حاله ﷺ بالعقل الصريح والنقل الصحيح، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس لزم أن يكون أخشى الناس لله تعالى لأن الخشية منبعثة عن

стр. 650

العلم وبحسبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) " (٢). وهذه المقامات له ﷺ لا تستغرب إذا عُلم أن الله تعالى اصطفاه وجعله مختارًا من خيار الناس، كما قال ﷺ : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (٣). قال القرطبي: " ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (٤) قد اصطفى الله تعالى من هذا الجنس الحيواني نوع بني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ (٥) يكفيك من ذلك كله: أن الله تعالى خلق العالم كله لأجله، كما صرح بذلك عنه لما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٣] (٦) ثم إن الله تعالى اختار من هذا النوع الإنساني من جعله معدن نبوته، ومحل رسالته، فأولهم آدم ﵊ ثم إن الله اختار من نطفته نطفة كريمة، فلم يزل ينقلها من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة فكان منها الأنبياء والرسل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ (٧) ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق، كما قال:

стр. 651

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (١) ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إسماعيل كنانة كما ذكرهم النبي ﷺ في هذا الحديث ثم إن الله تعالى ختمهم بختامهم وأمَّهم بإمامهم وشرفهم بصدر كتيبتهم، وبيت قصيدهم شمس ضحاها هلال ليلتها در تقاصيرها (٢) زبرجدها وهو محمد ﷺ أخَّره عن الأنبياء زمانًا، وقدَّمه عليهم رتبة ومكانًا جعله الله واسطة النظام وكمل بكماله أولئك الملأ الكرام وخصَّه من بينهم بالمقام المحمود في اليوم المشهود" (٣). "فالله تعالى قد حمده بما لم يحمد به أحدًا من الخلق وأعطاه من المحامد ما لم يعط مثله أحدًا من الخلق ويلهمه يوم القيامة من محامده، ما لم يلهمه أحدًا من الخلق، وقد حمده أهل السموات والأرض والدنيا والآخرة" (٤). نسأل الله تعالى أن يميتنا على ملته ويحشرنا في زمرته. وأذكر هنا خصائصه ﷺ بالتفصيل التي ذكرها القرطبي أو المازري وهي كما يلي: ١ - خاتم الأنبياء: لقد بعث الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٥)، وما من أمة إلَّا بعث فيها رسول، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٦). ولذا تتابع الرسل ﵈ واحدًا بعد

стр. 652

الأخر، حتى ختمهم الله جلَّ وعلا بصفوة خلقه، وأفضل رسله، فجعل من خصائص هذا النبي الكريم أنه آخر الرسل، كما قال ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأتمها وأكملها، إلَّا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة! فأنا موضع اللبنة جئت فختمتُ الأنبياء" (١). قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "مقصود هذا المثل أن يبين به ﷺ أن الله ختم به النبيين والمرسلين، وتمم به ما سبق في علمه إظهاره من مكارم الأخلاق وشرائع الإسلام، فيه كَمُلَ النظام، وهو ختمُ الأنبياء والرسل الكرام صلى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة وسلم عليه أبلغ سلام" (٢). ولذا انقطعت النبوة بعده ﷺ كما قال ﵇: "إنه لا نبي بعدي" (٣) قال القرطبي: "هذا النفي عام في الأنبياء والرسل؛ لأن الرسول نبي وزيادة، وقد جاء نصًّا في كتاب الترمذي قوله: "لا نبي بعدي ولا رسول" (٤) وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٥) ومن أسمائه في الكتب القديمة وفيما أطلقته هذه الأمة: خاتم الأنبياء، ومما سمى به نفسه: العاقب، والمقفي، فالعاقب: الذي يعقبُ الأنبياء،

стр. 653

والمقفي: الذي يقفوهم أي: يكون بعدهم، وعلى الجملة: هو أمر مجمع عليه معلوم من دين هذه الأمة، فمن ادعى أن بعده نبيًّا أو رسولًا، فإن كان مُسرًّا لذلك واطُلع بالشهادة المعتبرة قُتِلَ قَتْلَة زنديق، فإن صرَّح بذلك فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلَّا قُتِل قتلة مرتد" (١). ٢ - الشفاعة: من الخصائص التي أُكرم بها ﷺ وخُص بها دون الرسل ﵈ الشفاعة العامة لأهل المحشر يوم القيامة، وقد جاء إثباتها في الحديث الطويل الذي جاء فيه قوله ﷺ : "أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذلك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم -ثم ذكر مجيئهم لآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، وكلهم يعتذر حتى قال: فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليَّ، ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك سل تعطه اشفع تشفع" (٢).

стр. 654

قال القرطبي: "محمد ﷺ أخَّره عن الأنبياء زمانًا وقدَّمه رتبةً ومكانًا جعله الله واسطة النظام وكمل بكماله أولئك الملأ الكرام، وخصه من بينهم بالمقام المحمود في اليوم المشهود، فهو شفيعهم إذا استشفعوا، وقائدهم إذا وفدوا، وخطيبهم إذا جمعوا وسيدهم إذا ذكروا ... الناس كلهم إذا جمعهم موقف القيامة، وطال عليهم، وعظم كربهم، طلبوا من يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم، فيبدؤون بآدم ﵇ فيسألونه الشفاعة فيقول: نفسي نفسي لست لها وهكذا يقول من سُئلها من الأنبياء حتى ينتهي الأمر إلى سيدنا محمد ﷺ فيقول: "أنا لها" فيقوم في أرفع مقام ويخص بما لا يحصى من المعارف والإلهام وينادى بألطف خطاب وأعظم إكرام: يا محمد! قل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع وهذا مقام لم ينله أحد من الأنام ولا سمع بمثله لأحد من الملائكة الكرام" (١). هذا في شفاعته العامة لأهل المحشر إذ لا شافع في هذا المقام غيره ومن خصائصه أيضًا فيما يتعلق بالشفاعة أنه أول شافع يوم القيامة في الشفاعات الأخرى غير العامة وقد قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع" (٢). قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "مقصود هذا الحديث أن يبين أنه لا يتقدمه شافع، لا من الملائكة ولا من النبيين، ولا من المؤمنين في جميع أقسام الشفاعات، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصة لا تكون لغيره. وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب" (٣).

стр. 655

٣ - الوسيلة: ومما خص الله تعالى به نبينا ﷺ الوسيلة وهي: منزلة رفيعة في الجنة، قال ﷺ : "واسألوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو" (١). قال القرطبي: "قوله: "وأرجو أن أكون أنا هو" قال هذا ﷺ قبل أن يبان له أنه صاحبها، إذ قد أخبر أنه يقوم مقامًا لا يقومه أحد غيره، ويحمد الله محامد لم يُلهمها أحد غيره" (٢). ٤ - الكوثر: وهو الحوض المورود، الذي خص الله تعالى به نبينا محمدًا ﷺ في ذلك اليوم العظيم -وسيأتي تفصيل ذلك- فهو من خصائصه التي لم تكن لغيره. قال القرطبي: "إن الله تعالى قد خصَّ نبيه محمدًا ﷺ بالكوثر، الذي هو الحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة" (٣). ومن خصائصه ما جاء في قوله ﷺ : "اعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي. كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب

стр. 656

بين يدي مسيرة شهر، واعطيت الشفاعة" (١). وقد جاء في بعض الأحاديث: "أعطيت ثلاثًا" وجاء في حديث آخر: "أعطيت ستًّا" وقد بيَّن القرطبي أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، فقال: "لا يظن القاصد (٢) أن هذا تعارض، وإنما يظن هذا من توهم أن ذكر الأعداد يدل على الحصر، وأنها لها دليل خطاب، وكل ذلك باطل، فإن القائل عندي خمسة دنانير -مثلًا- لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول تارة أخرى: عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون، فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين وعشرة، فلا تناقض ولا تعارض، ويجوز أن يكون النبي ﷺ أُعلِم في وقت بالثلاث، وفي وقت بالخمس، وفي وقت بالست، والله تعالى أعلم" (٣). وقد بيَّن القرطبي أن هذه المذكورات من الخصائص التي تميز بها ﷺ عن غيره من المرسلين، فقال: "قوله: "وبعثت إلى الأحمر والأسود" يعني كافة الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (٤). وقوله: "جعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا" وهذا مما خصَّ الله به نبيه ﷺ ، وكانت الأنبياء قبله إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة، كالبيَع والكنائس. وقوله: "واحلت لي الغنائم " هذا من خصائصه ﵊، وإنما كانت الغنائم قبله تجمع، ثم تأتي نار من السماء فتأكلها. و"الرعب" الفزع، والشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ هي الشفاعة

стр. 657

لأهل الموقف كما تقدم" (١). وقال المازري في شرحه لهذا الحديث: "قوله: "مسجدًا" قيل: إن من كان قبله إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة، كالبيع والكنائس، وقوله: "وأحلت لي الغنائم" هو من خصائصه ﷺ وكان من قبله لا تحل لهم الغنائم بل كانت تجمع ثم تأتي نار من السماء فتأكلها" (٢). ٥ - أول من ينشق عنه القبر: وهي من خصائصه ﷺ التي لا يشاركه فيها غيره، قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر" (٣). قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "يعني: أنه أول من يعجل إحياؤه مبالغة في إكرامه وتخصيصًا له بتعجيل جزيل إنعامه" (٤). ٦ - أنه نبي التوبة والرحمة: وقد جاء هذا في قوله ﷺ : "أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة" (٥). كل نبي جاء بالتوبة والرحمة ولا شك ولكن ذكر هذا من النبي ﷺ يدل على اختصاص، لم يكن لغيره فيرجع هذا إلى المعنى، وقد قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "أي: الذي تكثر التوبة في أمته وتعم حتى لا يوجد فيما ملكته أمته إلَّا تائب من الكفر ... ويحتمل أن يكون معناه: أن أمته لما كانت أكثر الأمم كانت توبتهم أكثر من توبة غيرهم

стр. 658

ويحتمل أن تكون توبة أمته أبلغ حتى يكون التائب منهم كمن لم يذنب ولا يؤاخذ لا في الدنيا ولا في الآخرة، ويكون غيرهم يؤاخذ في الدنيا، وإن لم يؤاخذ في الآخرة، والله أعلم. والذي أحوج إلى هذه الأوجه: اختصاص نبينا ﷺ بهذا الاسم مع أن كل نبي جاء بتوبة أمته فيصدق أنه نبي التوبة فلابد من إبداء مزية لنبينا يختص بها كما بيَّنا، وقوله: "ونبي الرحمة" والرحمة إفاضة النعم على المحتاجين والشفقة عليهم واللطف بهم، وقد أعطى الله نبينا ﷺ وأمته منها ما لم يعطه أحدًا من العالمين، ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (١) فهو أعظم كل رحمة وأمته القابلة لما جاء به قد حصلت على أعظم حظ من هذه الرحمة وشفاعته يوم القيامة لأهل الموقف أعم كل رحمة ولأهل الكبائر أجل كل نعمة وخاتمة ذلك شفاعته في ترفيع منازل أهل الجنة" (٢). وبالجملة فخصائصه ﷺ كثيرة، سواء فيما أعطاه الله تعالى في الدنيا، أو ما جعله له تعالى في الآخرة من المواقف المحمودة، والمقامات الفاضلة، مع ما خص به تعالى أمته، وأكرمها إذ جعلها خير الأمم، وأكثر أهل الجنة. كل ذلك جاءنا من خبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحي يوحى. قال القرطبي: "وهذه الخصائص والفضائل التي حدث بها النبي ﷺ عن نفسه، إنما كان ذلك منه؛ لأنها من جملة ما أُمر بتبليغه؛ لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حق في نفسه وليُرغَب في الدخول في دينه وليتمسك به من دخل فيه وليعلم قدر نعمة الله عليه في أن

стр. 659

جعله من أمة من هذا حاله، ولتعظم محبته في قلوب متبعيه، فتكثر أعمالهم، وتطيب أحوالهم، فيحشرون في زمرته، وينالون الحظ الأكبر من كرامته، وعلى الجملة فيحصل بذلك شرف الدنيا وشرف الآخرة؛ لأن شرف المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال" (١).

стр. 660

المبحث الخامس الإيمان بالملائكة والجن وفيه مطلبان: المطلب الأول: الإيمان بالملائكة المطلب الثاني: الإيمان بالجن

стр. 661

المطلب الأول: الإيمان بالملائكة: الملائكة هم رسل الله تعالى إلى خلقه، فهم عباده المكرمون الذين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (١)، وقد تكلم القرطبي عن الملائكة في مواضع من المفهم أفُصِّلها في النقاط التالية: ١ - تعريف الملائكة: قال القرطبي في تعريف الملائكة: الملائكة؛ جمع ملك، وقد اختلف في اشتقاقه ووزنه فقال ابن شميل: لا اشتقاق له، وقال ابن كيسان: وزنه: فعل من الملك، وقال أبو عبيد: هو مفعل من: لأك، أي: أرسل، وقال غيره: إنه مأخوذ من الألوكة، وهي الرسالة، فكأنها تؤلك في الفم، قال لبيد: وغُلامٍ أَرسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بألُوكٍ فَبَذَلنَا ما سأل (٢) فأصله على هذا: مَألكُ فالهمزة فاء الفعل، لكنهم قلبوها إلى عينه، فقالوا: ملأك، ثم سهلوه فقالوا: ملاك، وقد جاء على أصله في الشعر قال: فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكنْ لملأكٍ ... تَنزَّلَ من جو السماء يَصُوبُ (٣) وقيل: هو مَلْك من مَلَك نحو: شمل من شَمَل (٤). ٢ - الإيمان بالملائكة: الإيمان بالملائكة هو أحد أركان الإيمان، قال تعالى: ﴿آمَنَ

стр. 662

الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (١)، وقال ﷺ عندما سأله جبريل ﵇ عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (٢). قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "الإيمان بالملائكة: هو التصديق بأنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ (٣)، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (٤)، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (٥) وأنهم سفراء بينه وبين رسله والمتصرفون كما أذن لهم في خلقه" (٦). ٣ - صفاتهم: لقد بين ﷺ مادة خلقهم فقال: "خلقت الملائكة من نور وخلق الجانُّ من مارج من نار وآدم مما وصف لكم" (٧). قال القرطبي: "قوله "خلقت الملائكة من نور" أي: من جواهر مضيئة فكانوا خيرًا محضًا" (٨). وقد جعل الله تعالى للملائكة أجنحة على اختلاف بينهم في عدد الأجنحة كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ

стр. 663

رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) قال القرطبي: "المراد: أن الله تعالى خلق الملائكة أصنافًا، فمنهم صنف جعل لكل واحد منهم جناحين ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم ثلاثة، وصنف جعل لكل واحد منهم أربعة (٢). وهم مع عظيم خلقهم لهم قدرة على التشكل بغير صورهم التي خلقهم الله عليها، كما أرسل تعالى جبريل ﵇ إلى مريم في صورة بشر، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٣). وكما سبق في حديث جبريل عندما جاء إلى الرسول ﷺ وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان في حضور الصحابة، وكان على صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر. وقد قال القرطبي عند شرحه لهذا الحديث: "قوله: "إنه جبريل" دليل على أن الله تعالى مكن الملائكة من أن يتمثلوا فيما شاؤوا من صور بني آدم، كما قد نصَّ الله تعالى على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ وقد كان جبريل يتمثل للنبي ﷺ في صورة دحية بن خليفة (٤) وقد كان لجبريل صورة خاصة خلق عليها لم يره النبي ﷺ عليها سوى مرتين" (٥). وقال في موضع آخر: "إن الله تعالى قد مكن الملائكة والجن من التشكل في الصور المختلفة والتمثيل بها مع أن للنوعين في أنفسهما خِلَقًا

стр. 664

خاصة بهما خلقهما الله تعالى عليها، كما قال ﷺ : "لم أر جبريل على صورته التي خُلق عليها غير مرتين" (١) والبحث عن كيفية ذلك التمثيل ليس وراءه تحصيل والواجب التصديق بما جاء من ذلك، ومن أنكر وجود الملائكة والجن وتمثُّلهم في الصور فقد كفر" (٢). ٤ - تفاضلهم: الملائكة ﵈ متفاوتون في الرتبة والدرجة فأفضلهم جبريل ﵈، وهو أعظم الملائكة وهو الذي ينزل بالوحي على الرسل ﵈، قال القرطبي: سمي جبريل ﵇ بالناموس لأن الله تعالى خصه بالوحي وعلم الغيب" (٣). قال حسان بن ثابت ﵁: وجبريلُ رسُولُ الله فينا ... ورُوحُ القُدسِ ليس له كفاءُ (٤) قال القرطبي: أي: لا يقاومه أحد ولا يماثله وروح القدس: هو جبريل ﵇ والقدس: الطهارة" (٥). ومن الملائكة الذين فضلهم الله تعالى وقدمهم ميكائيل وإسرافيل ﵉ وقد كان ﷺ إذا قام من الليل يفتتح صلاته بقوله: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض ... " (٦).

стр. 665

قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "خص هؤلاء الملائكة بالذكر تشريفًا لهم؛ إذ بهم ينتظم هذا الوجود؛ إذ قد أقامهم الله تعالى في ذلك" (١). ويرى القرطبي تفاضل الملائكة بعد ذلك بحسب مراتبهم في السماء، فأفضلهم حملة العرش، ثم الذين في السماء السابعة، ثم الذين في السماء السادسة، وهكذا، استنباطًا من قوله ﷺ : "ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال فيستخبر بعض أهل السموات بعضًا حتى يبلغ الخبر إلى السماء الدنيا ... " (٢). حيث قال في شرح هذا الحديث: "فيه دليل على أن حملة العرش أفضل الملائكة، وأعلاهم منزلة، وأن فضائل الملائكة على حسب مراتبهم في السموات ... فعلوم الملائكة بالكائنات يستفيده بعضهم من بعض إلَّا حملة العرش فإنهم يستفيدون علومهم من الحق سبحانه فهم المبدؤون بالإعلام أولًا ثم إن ملائكة كل سماء تستفيد من التي فوقها" (٣). وأما تفاضل الملائكة وصالحي البشر فهو محل نزاع بين أهل العلم، والقرطبي ذكر المسألة، وأشار إلى الخلاف ولم يرجح، وذلك عند قوله ﷺ في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه : "إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأٍ خير

стр. 666

منهم" (١)، حيث قال: "هذا ظاهر في تفضيل الملائكة على بني آدم، وهو أحد القولين للعلماء، وللمسألة غور ليس هذا موضع ذكره" (٢). ومع فضل الملائكة ﵈ ومكانتهم إلَّا أنهم لا يعلمون الغيب إلَّا إذا اطلعهم الله تعالى عليه كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ (٣). فالقرطبي عند شرحه لحديث الإسراء، وفيه: أن الملائكة عندما يستفتح جبريل ﵇ كل سماء ويقول معي محمد يقولون وقد بعث إليه؟ (٤). قال: "هو استفهام من الملائكة عن بعث النبي ﷺ وإرساله إلى الخلق، وهذا يدل على أنهم لم يكن عندهم علم من وقت إرساله (٥). وقال أيضًا: "الملائكة تستخرج ما عند الله تعالى من علم حال النطفة فتقول: يارب ما الرزق؟ ما الأجل؟ فيقضي ربك ما شاء أي: يظهر من قضائه وحكمه للملائكة ما سبق به علمه وتعلقت به إرادته فيكتب الملك من اللوح المحفوظ ثم يخرج بالصحيفة فيُطْلعُ اللهُ تعالى بسبب تلك الصحيفة من شاء من الملائكة الموكلين بأحواله على ذلك ليقوم كل بما عليه من وظيفته حسب ما سطر في صحيفته" (٦).

стр. 667

٥ - أعمالهم: أ-العبادة: قال تعالى عنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ (٢) فهم لا يسأمون ولا يتعبون من العبادة لأن الله تعالى خلقهم كذلك، أما الإنسان فلا يطيق ما يطيقون؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (٣)، قال القرطبي: "دوام الذكر وعدم الفترة من خاصية الملائكة، إذ سنة الله في العالم الإنساني أنه متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين فمكن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكَّن الشياطين في الشر والإغواء بحيث لا يغفلون وجعل هذا العالم الإنساني متلونًا فيمكنه ويلونه" (٤). ب - السفارة: ومن وظائف الملائكة وأعمالهم السفارة بين الله تعالى، وبين رسله، فينزلون بالوحي على الأنبياء كما قال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ (٥) وكما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ (٦). قال القرطبي: "السفرة: جمع سافر وهم ملائكة الوحي، سموا بذلك لأنهم يسفرون بين الله وبين خلقه" (٧).

стр. 668

ج - حفظ أعمال بني آدم: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٢)، قال القرطبي: "الحفظة ملازمةٌ للإنسان" (٣). وعند شرحه لقوله ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" (٤). قال: "هؤلاء الملائكة: إن كانوا هم الحفظة فسؤال الله لهم بقوله: "كيف تركتم عبادي؟ إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم وعلى أنهم هم الحفظة مذهب الجمهور وإن كانوا غيرهم - وهو الأظهر عندي - فسؤاله تعالى لهم: إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (٥) وإظهارًا لما سبق في معلومه إذ قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٦) " (٧). د - حضور مجالس الذكر: مجالس الذكر هي مجالس العلم، والملائكة ﵈ يحرصون على العلم، ويبسطون أجنحتهم لطالبه، كما قال ﷺ : "إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم" (٨). قال القرطبي: "قيل:

стр. 669

معناه تخضع له وتعظمه، وقيل: تبسطها له بالدعاء لأن جناح الطائر يده" (١). ومن الملائكة ﵈ الذين يسعون في الأرض يتبعون مجالس الذكر قال ﷺ : "إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضْلًا يتتبعون مجالس الذكر" (٢) قال القرطبي: "سيارة: يعني: سائرين يطلبون مجالس العلم والتذكير، وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله وأخبار السلف الصالحين" (٣). هـ - القتال مع المؤمنين: إذ قد يؤيد الله تعالى بملائكته من يشاء من عباده كما حدث هذا في معركة بدر وأحد، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ (٥). والرسول ﷺ عندما أُخبر عن الفارس الذي يقول: "أقدم حيزوم وضرب المشرك من غير أن يرى" قال: ذلك مدد السماء الثالثة" (٦).

стр. 670

قال القرطبي: "أي: من ملائكة السماء الثالثة التي أُمدُّوا بهم وهذا يدل: على أنهم كانوا أُمدُّوا بملائكة من كل سماء ويدل هذا الخبر على أن الملائكة قاتلت يومئذ وهو قول أكثر أهل العلم" (١). وبين القرطبي كيفية قتال الملائكة في هذه الحروب فقال: "قتال الملائكة للكفار يوم بدر ويوم أحد لم يخرج عن عادة القتال المعتاد بين الناس ولو أذن الله تعالى لملك من أولئك الملائكة بأن يصيح صيحة واحدة في عسكر العدو لهلكوا في لحظة واحدة أو لخسف بهم في موضعهم أو أسقط عليهم قطعة من الجبل المطل عليهم، لكن لو كان ذلك: لصار الخبر عيانًا والإيمان بالغيب مشاهدة فيبطل سرُّ التكليف فلا يتوجه يومُ ولا تعنيف كما قد صرح الله تعالى بذلك قولًا وذكرًا، إذ قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا (٢)﴾ (٣). و- خزنة النار: وهم ملائكة جعلهم الله تعالى غلاظًا شدادًا ليكون أشد في نكال وعذاب أهل النار. قال ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" (٤). قال القرطبي: "ملائكتها - كما وصفهم الله تعالى -: ﴿غِلَاظٌ
следующие страницы →