منهم" (١)، حيث قال: "هذا ظاهر في تفضيل الملائكة على بني آدم، وهو أحد القولين للعلماء، وللمسألة غور ليس هذا موضع ذكره" (٢).
ومع فضل الملائكة ﵈ ومكانتهم إلَّا أنهم لا يعلمون الغيب إلَّا إذا اطلعهم الله تعالى عليه كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ (٣).
فالقرطبي عند شرحه لحديث الإسراء، وفيه: أن الملائكة عندما يستفتح جبريل ﵇ كل سماء ويقول معي محمد يقولون وقد بعث إليه؟ (٤). قال: "هو استفهام من الملائكة عن بعث النبي ﷺ وإرساله إلى الخلق، وهذا يدل على أنهم لم يكن عندهم علم من وقت إرساله (٥).
وقال أيضًا: "الملائكة تستخرج ما عند الله تعالى من علم حال النطفة فتقول: يارب ما الرزق؟ ما الأجل؟ فيقضي ربك ما شاء أي: يظهر من قضائه وحكمه للملائكة ما سبق به علمه وتعلقت به إرادته فيكتب الملك من اللوح المحفوظ ثم يخرج بالصحيفة فيُطْلعُ اللهُ تعالى بسبب تلك الصحيفة من شاء من الملائكة الموكلين بأحواله على ذلك ليقوم كل بما عليه من وظيفته حسب ما سطر في صحيفته" (٦).
стр. 667
٥ - أعمالهم:
أ-العبادة:
قال تعالى عنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ (٢) فهم لا يسأمون ولا يتعبون من العبادة لأن الله تعالى خلقهم كذلك، أما الإنسان فلا يطيق ما يطيقون؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (٣)، قال القرطبي: "دوام الذكر وعدم الفترة من خاصية الملائكة، إذ سنة الله في العالم الإنساني أنه متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين فمكن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكَّن الشياطين في الشر والإغواء بحيث لا يغفلون وجعل هذا العالم الإنساني متلونًا فيمكنه ويلونه" (٤).
ب - السفارة:
ومن وظائف الملائكة وأعمالهم السفارة بين الله تعالى، وبين رسله، فينزلون بالوحي على الأنبياء كما قال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ (٥) وكما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ (٦).
قال القرطبي: "السفرة: جمع سافر وهم ملائكة الوحي، سموا بذلك لأنهم يسفرون بين الله وبين خلقه" (٧).
стр. 668
ج - حفظ أعمال بني آدم:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٢)، قال القرطبي: "الحفظة ملازمةٌ للإنسان" (٣).
وعند شرحه لقوله ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" (٤). قال: "هؤلاء الملائكة: إن كانوا هم الحفظة فسؤال الله لهم بقوله: "كيف تركتم عبادي؟ إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم وعلى أنهم هم الحفظة مذهب الجمهور وإن كانوا غيرهم - وهو الأظهر عندي - فسؤاله تعالى لهم: إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (٥) وإظهارًا لما سبق في معلومه إذ قال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٦) " (٧).
د - حضور مجالس الذكر:
مجالس الذكر هي مجالس العلم، والملائكة ﵈ يحرصون على العلم، ويبسطون أجنحتهم لطالبه، كما قال ﷺ : "إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم" (٨). قال القرطبي: "قيل:
стр. 669
معناه تخضع له وتعظمه، وقيل: تبسطها له بالدعاء لأن جناح الطائر يده" (١). ومن الملائكة ﵈ الذين يسعون في الأرض يتبعون مجالس الذكر قال ﷺ : "إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضْلًا يتتبعون مجالس الذكر" (٢) قال القرطبي: "سيارة: يعني: سائرين يطلبون مجالس العلم والتذكير، وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله وسنة رسوله وأخبار السلف الصالحين" (٣).
هـ - القتال مع المؤمنين:
إذ قد يؤيد الله تعالى بملائكته من يشاء من عباده كما حدث هذا في معركة بدر وأحد، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ (٥).
والرسول ﷺ عندما أُخبر عن الفارس الذي يقول: "أقدم حيزوم وضرب المشرك من غير أن يرى" قال: ذلك مدد السماء الثالثة" (٦).
стр. 670
قال القرطبي: "أي: من ملائكة السماء الثالثة التي أُمدُّوا بهم وهذا يدل: على أنهم كانوا أُمدُّوا بملائكة من كل سماء ويدل هذا الخبر على أن الملائكة قاتلت يومئذ وهو قول أكثر أهل العلم" (١).
وبين القرطبي كيفية قتال الملائكة في هذه الحروب فقال: "قتال الملائكة للكفار يوم بدر ويوم أحد لم يخرج عن عادة القتال المعتاد بين الناس ولو أذن الله تعالى لملك من أولئك الملائكة بأن يصيح صيحة واحدة في عسكر العدو لهلكوا في لحظة واحدة أو لخسف بهم في موضعهم أو أسقط عليهم قطعة من الجبل المطل عليهم، لكن لو كان ذلك: لصار الخبر عيانًا والإيمان بالغيب مشاهدة فيبطل سرُّ التكليف فلا يتوجه يومُ ولا تعنيف كما قد صرح الله تعالى بذلك قولًا وذكرًا، إذ قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا (٢)﴾ (٣).
و- خزنة النار:
وهم ملائكة جعلهم الله تعالى غلاظًا شدادًا ليكون أشد في نكال وعذاب أهل النار. قال ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" (٤).
قال القرطبي: "ملائكتها - كما وصفهم الله تعالى -: ﴿غِلَاظٌ
стр. 671
شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (١) وأما هذا العدد المحصور للملائكة فكأنه عدد برؤسائهم وأما جملتهم فالعبارة عنها ما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٢) " (٣)
وقال في تفسير سورة العلق: "قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ (٤) أي: لتعذيبه وهم خزنة النار الموكلون بتعذيب الكفار وهم الملائكة الذين قال الله فيهم: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٥) وسموا زبانية من الزبن وهو الدفع لشدة دفعهم وبطشهم" (٦).
المطلب الثاني: الإيمان بالجن:
الإيمان بوجود الجن من الإيمان بالنبوات؛ لأن هذا إنما جاء من علم الغيب الذي جاء به الرسل ﵈. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٧)، وسميت سورة من سور القرآن الكريم باسمهم. قال شيخ الإسلام: "لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، ولا في أن الله أرسل محمدًا ﷺ إليهم، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن ... لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواترًا معلومًا بالاضطرار" (٨).
стр. 672
تعريفهم:
قال القرطبي: "أصل الجن من: ج - ن - للسترة والتستر أينما وقعت فتتبعها تجدها كذلك" (١).
والشيطان: من الجن لكنه: المارد منهم قال القرطبي: "الشيطان وزنه: فَيْعَال من شطن أي: بَعُدَ عن الخير أو من شاط إذا احتد واحترق، وإنه إنما يقال على المارد من الجن وهو الكثير الشر الشديد الضُّرِّ" (٢).
وبين القرطبي أن الشيطان إذا أسلم زال عنه هذا الاسم وأصبح مسلمًا (٣).
وقد يطلق الشيطان على الإنس، كذلك كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٤).
وقال ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره، فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان" (٥).
قال القرطبي: "أي: فعله فعل الشيطان إذا أبي إلَّا التشويش على المصلي ويحتمل أن يكون معناه: أن الحامل على ذلك الفعل هو الشيطان" (٦).
стр. 673
وعند شرحه لقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه : "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (١). قال: يعني: شياطين الإنس من الآباء والمعلمين بتعليمهم وتدريبهم وشياطين الجن بوساوسهم" (٢).
صفاتهم:
بين الله أن الجن خلقوا من مارج من نار، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ (٣).
قال القرطبي: "أي: من شواظ ذي لهب واتقاد ودخان فكانوا شرًّا محضًا والخير فيهم قليل" (٤). والجن لهم قدرة على التشكل بالصور المختلفة إذا أقدرهم الله تعالى على ذلك.
قال القرطبي: "أوجد الله تعالى الجن على صور تخصهم ثم مكنهم من التشكل في صور مختلفة فيتمثلون في أي صورة شاؤوا أو شاء الله" (٥).
وقال أيضًا: "تتمثل الملائكة والجن في الصور المختلفة ولهم في أنفسهم صورٌ خلقهم الله تعالى عليها، والإيمان بذلك كله واجب لما دلَّ عليه من السمع الصادق" (٦).
وبين أن رؤية الناس للجن ممكنة، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ
стр. 674
وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١) فهذا إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم (٢).
والجن يموتون كالإنس كما قال ﷺ : "أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" (٣).
قال القرطبي: "إنما خص هذين النوعين بالموت، وإن كان جميع الحيوان يموت لأن هذين النوعين هما المكلفان المقصودان بالتبليغ والله أعلم" (٤).
تكليفهم:
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٥) وقال تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ (٦).
قال القرطبي: "والحاصل من الكتاب والسنة: العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون متعبدون بالأحكام الشرعية، على النحو الذي يليق بخلقتهم وأحوالهم، وأن نبينا محمدًا ﷺ رسول إلى الإنس
стр. 675
والجن أجمعين فمن دخل في دينه وآمن به، فهو من المؤمنين، ومعهم في الدنيا والآخرة والجنة مستقر المؤمنين، ومن كذبه وصد عنه فهو الشيطان المبعد عن المؤمنين في الدنيا والآخرة، والنار مستقر الكافرين" (١).
وقال أيضًا: "قد علمنا قطعًا: أن رسول الله ﷺ بلَّغ الرسالة للإنس والجن، وأنه قد آمن به خلق كثير من النوعين بحيث لا يحصرهم بلد ولا يحيط بهم عدد" (٢).
стр. 676
الفصل الثاني الإمامة
وفيه خمسة مباحث
المبحث الأول: حكم نصب الإمام وبما تنعقد به الإمامة
المبحث الثاني: البيعة
المبحث الثالث: شروط الإمام
المبحث الرابع: واجبات الإمام وحقوقه
المبحث الخامس: الموقف من الأئمة
стр. 677
المبحث الأول حكم نصب الإمام وبما تنعقد به الإمامة
وجود إمام يتولى أمور المسلمين أمر لابد منه، وهذا معلوم بالعقل والنقل، ولذا نقل النووي ﵀ الإجماع عليه (١).
ونصب الإمام يكون بالبيعة أو الاستخلاف، فالرسول ﷺ لم يستخلف فاتفق الصحابة ﵃ على مبايعة الصديق ﵁ والصديق ﵁ استخلف عليهم عمر ﵁.
ولذا قال عمر ﵁ عند موته: "وإني إن لا أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف" (٢).
قال القرطبي عند قول عمر: "وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف": "يعني أرنا أبا بكر استخلفه ونصَّ عليه وعيَّنه، وهذا لا خلاف في أن الأمر كذلك وؤع، ولا في أن هذا طريق مشروع في الاستخلاف، ثم إن عمر ﵁ سلك طريقًا بين طريقين، جمعت له الاقتداء بهما، فاقتدى برسول الله ﷺ في أنه لم ينص على واحد بعينه، فصدق عليه أنه غير مستخلف واقتدى بأبي بكر من حيث أنه لم يترك أمر المسلمين مهملًا (٣) فإنه جعل الأمر شورى في ستة ممن يصلح للخلافة
стр. 678
وفوض التعيين لاختيارهم" (١).
وقد بيَّن القرطبي وجوب نصب الإمام، وطريق ذلك، فقال عند شرحه للحديث السابق: "قد حصل من هذا الحديث أن نصب الإمام لابُدَّ منه، وأن لنصبه طريقين:
أحدهما: اجتهاد أهل الحل والعقد.
والآخر: النصُّ إمَّا على واحد بعينه، وإما على جماعة بأعيانها ويفوَّض التخيير إليهم في تعيين واحد منهم. وهذا مما أجمع عليه السلف الصالح، ولا مبالاة بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف وأيضًا فإنهم لا يعتد بخلافهم" (٢).
وقد بيَّن القرطبي في أكثر من موضع أن النص على الخليفة: أي الاستخلاف كان من الصديق لعمر ﵄، وأما الرسول ﷺ فلم ينص على أبي بكر ﵁ كما قال بعض العلماء، ولا على علي ﵁ كما قالت الرافضة، حيث قال: "المعلوم عندهم - أي الصحابة ﵃ أن النبي ﷺ لم يستخلف أحدًا، وكذلك قال عمر ﵁: "وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر" وهذا بمحضر من الصحابة وعلي والعباس ﵃ ولم ينكر أحد
стр. 679
منهم على عمر، ولا ذكر أحد من الناس نصًّا باستخلاف على أحد، فكان ذلك دليلًا على كذرب من ادعى شيئًا من ذلك إذ العادات تحيل أن يكون عندهم نص على أحد في في ذلك الأمر العظيم المهم فيكتموه مع تصلبهم في الدين وعدم تقيتهم فإنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، وكذلك اتفق لهم عند موت النبي ﷺ فإنهم اجتمعوا لذلك وتفاوضوا فيه مفاوضة من لا يتقي شيئًا، ولا يخاف أحدًا حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ولم يذكر أحد منهم نصًّا، ولا ادعى أحد منهم أنه نص عليه ولو كان عندهم من ذلك شيء لكانوا هم أحق بمعرفته ونقله، ولما اختلفوا في شيء من ذلك، ومر، العجب ألا يكون عند أحد من هؤلاء نص على ذلك ولا يذكره مع قرب العهد وتوفر الدين والجد ودعاء الحاجة الشديدة إلى ذلك، ويأتي بعدهم بأزمان متطاولة وأوقات مختلفة، وقلة علم، وعدم فهم من يدعي: أن عنده من العلم بالنص على واحد معين، ما لم يكن عند أولئك الملأ الكرام، ولا سمع منهم، وهذا محض الكذب الذي لا يقبله سليم العقل، لكن غلبت التعصب والأهواء تُورِّطُ صاحبها في الظلماء، وقد ذهبت الشيعة على اختلاف فرقها إلى أنه نص على خلافة علي ﵁ وذهبت الراواندية إلى أنه نص على خلافة العباس ﵁ واختلق كل واحد منهما من الكذب والزور والبهتان ما لا يرضى به من في قلبه حبة خردل من الإيمان، وما ذكرناه من عدم النص على واحد بعينه، هو مذهب جمهور أهل السنة من السلف والخلف، لا على أبي بكر ولا غيره، غير أنهم استندوا في استحقاق أبي بكر ﵁ بالخلافة إلى أصول كلية وقرائن خالية، ومجموع ظواهر جلية، حَصَلتْ لهم العلم بأنه أحق بالخلافة وأولى بالإمامة يعلم ذلك من استقرأ أخباره وخصائصه" (١).
стр. 680
وقال في موضع آخر: "الأحاديث الدالة على خلافة الصديق ﵁ ليست نصوصًا في ذلك لكنها ظواهر قوية إذا انضاف إليها استقراء ما في الشريعة مما يدل على ذلك المعنى علم استحقاقه للخلافة وانعقادها له ضرورة شرعية والقادح في خلافته مقطوع بخطئه وتفسيقه، وهل يكفر أم لا؟ مختلف فيه، والأظهر: تكفيره لما استقر في الشريعة مما يدل على استحقاقه لها، وأنه أحق وأولى بها، سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك، ولم يبق منهم مخالف في شيء مما جرى هنالك" (١).
وما ذكره ﵀ في التشديد على من قال بالنص وتكذيبه يجري على أهل البدع من الشيعة وغيرهم من أهل أهواء.
وأما من ذهب إلى ذلك من أهل السنة فحاشاهم من ذلك، وغاية الأمر أنهم قد أخطأوا في اجتهادهم، فلا يلامون على ذلك (٢).
وقال المازري في هذه المسألة: "أما غلو الشيعة في قولهم بأن عليًّا ﵁ وصي النبي ﷺ فباطل لا أصل له، وأما الصديق ﵁ فإذا أثبتنا ولايته باتفاق الصحابة عليه على وجه يوجب إمامته، فإن المحققين من أئمتنا أنكروا أن يكون ذلك بنص قاطع منه ﷺ على إمامته، وقالوا: لو كان النص عند الصحابة لم يقع منها ما وقع عند إقامته والعقد له، ولا كان ما كان من الاختلاف فدل ذلك على أنه رأي منهم وقع فيه تردد من طائفة ثم استقر الأمر، فانجزم الرأي عليه، ويجعل هؤلاء ما وقع في هذا الحديث: "ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر" (٣) مع ما وقع من
стр. 681
أمثاله من الظواهر التي لا تبلغ النص الجلي القاطع الذي لا يسوغ خلافه ولا الاجتهاد معه" (١).
стр. 682
المبحث الثاني البيعة
قال القرطبي: "البيعة: مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايع يلتزم للإمام أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه وماله لله تعالى، وقد وعد الله تعالى على ذلك بالجنة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة فصدق على ذلك اسم البيع والمبايعة والشراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (١) ... ثم هي واجبة على كل مسلم لقوله ﷺ : "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (٢)(٣).
وبيَّن القرطبي أنه لا يكتفى في البيعة بعقد اللسان فقال: "البيعة لا يكتفى فيها بمجرد عقد اللسان فقط، بل لابد من الضرب باليد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٤) ولكن ذلك للرجال فقط (٥). أي للرجال من أهل الحل والعقد، وإلَّا فعامة الناس يكتفى منهم بانعقاد قلوبهم على البيعة، وقد بيَّن القرطبي هذا في موضع آخر فقال: "من كان من أهل الحل والعقد والشهرة، فبيعته بالقول، والمباشرة باليد إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه إن كان غائبًا، ويكفي من لا يؤبه له ولا يعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام
стр. 683
ويسمع ويطيع له في السر والجهر، ولا يعتقد خلافًا لذلك فإن أضمره، فمات مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة" (١).
ومن شروط البيعة أن تكون لإمام واحد فلا تنعقد لإمامين لقوله ﷺ : "إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (٢) وقال: "فوا ببيعة الأول فالأول" (٣).
قال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: "هذا دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول وسكت في هذا الحديث عما يحكم به على الآخر، وقد نص عليه في الحديث الآتي حيث قال: "فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر" (٤) وفي رواية: "فاضربوه بالسيف كائنًا من كان" وهذا الحكم مجمع عليه عند تقارب الأقطار، وإمكان استقلال واحد بأمور المسلمين وضبطها فأما لو تباعدت الأقطار وخيف ضيعة البعيد من المسلمين، ولم يتمكن الواحد من ضبط أمور من بَعُدَ عنه فقد ذكر بعض الأصوليين: أنهم يقيمون لأنفسهم واليًا يدبرهم ويستقل بأمورهم ... قلت: ويمكن أن يقال: إنهم يقيمون من يدبر أمورهم على جهة النيابة عن الإمام الأعظم، لا أنهم يخلعون الإمام المتقدم حكمًا، ويولون هذا بنفسه مستقلًا، هذا ما لا يوجد نصًّا عن أحد ممن يعتبر قوله. والذي يمكن أن يفعل مثل هذا إذا تعذر الوصول إلى الإمام الأعظم أن يقيموا لأنفسهم من يدبرهم، ممن
стр. 684
يعترف للإمام بالسمع والطاعة فمتى أمكنهم الوصول إلى الإمام فالأمر له في إبقاء ذلك أو عزله. ثم للإمام أن يفوض لأهل الأقاليم البعيدة التفويض العام ويجعل للوالي عليهم الاستقلال بالأمور كلها لتعذر المراجعة عليهم، كما قد اتفق لأهل الأندلس وأقصى بلاد العجم.
فأما لو عقدت البيعة لإمامين معًا في وقت واحد في بلدين متقاربين فالإمامة لأرجحهما (١).
стр. 685
المبحث الثالث شروط الإمام
والمبايعة في الإمامة العظمى لابد لها من شروط يجب أن تتوفر بالإمام كالقرشية والحرية وغيرها من الشروط التي ذكرها العلماء في كتبهم على خلاف بينهم في بعض هذه الشروط وقد اشترط القرطبي لتنصيب الإمام القرشية وحكى الإجماع على شرط الحرية وأما غيرها من الشروط فلم يتعرض لها.
١ - القرشية:
جاءت النصوص بحصر الخلافة في قريش، فقد قال ﷺ : "الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم" (١) وقال ﷺ : "الناس تبع لقريش في الخير والشر" (٢)، وقال ﷺ : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان" (٣).
قال القرطبي بعد ذكره لهذه الأحاديث: "قوله: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن" يعني به: شأن الولاية والإمارة (٤) وذلك: أن قريشًا كانت
стр. 686
في الجاهلية رؤساء العرب وقادتها؛ لأنهم أهل البيت والحرم، حتى كانت العرب تسميهم: أهل الله وإليهم كانوا يرجعون في أمورهم، ويعتمدون عليهم فيما ينوبهم، ولذلك توقف كثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام قبل أن تدخل فيه قريش، فلما أسلموا ودخلوا فيه، أطبقت العرب على الدخول في الدين بحكم أنهم كانوا لهم تابعين ... ثم لما جاء الإسلام استقر أمر الخلافة والملك في قريش شرعًا ووجودًا، ولذلك قالت قريش يوم السقيفة للأنصار: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وقال عمر في كلامه: إن هذا الأمر لا تعرفه الناس، إلَّا لهذا الحي من قريش، فانقادوا لذلك، ولم يخالف فيه أحد، وهو إجماع السلف والخلف، ولا اعتبار بقول النظام (١) ولا ضرار بن عمرو (٢) وأهل البدع من الخوارج وغيرهم، إذ قالوا بجواز صحتها لغير قريش؛ لأنهم إما مُكَفَّر وإما مُفسَّق، ثم إنهم مسبوقون بإجماع السلف ومحجوجون بهذه الأحاديث الكثيرة الشهيرة" (٣).
وهذا الذي ذهب إليه القرطبي هو الذي عليه جماهير علماء المسلمين قاطبة، وحكى الإجماع عليه من قبل الصحابة والتابعين، وبه قال الأئمة الأربعة" (٤).
стр. 687
قال النووي بعد ذكره للأحاديث السابقة: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة والتابعين من بعدهم بالأحاديث الصحيحة" (١).
٢ - الحرية:
ويشترط في الإمامة الحرية؛ لأن المملوك لا يحق له التصرف في شيء إلَّا بإذن سيده، فلا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره، ووقته ليس ملكًا له، بل ملك لسيده. ولا شك أن في اشتراط القرشية ما يتضمن هذا الشرط.
وأما ما جاء في حديث أبي ذر ﵁ قوله: "إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف" (٢).
فليس هذا معارضًا لاشتراط الحرية، قال القرطبي في شرح هذا الحديث: "وهذا منه ﷺ على جهة الإغياء على عادة العرب في تمكينهم المعاني وتأكيدها كما قال النبي ﷺ : "من بنى مسجدًا لله ولو مثل مفحص قطاة بنى الله تعالى له بيتًا في الجنة" (٣) ومفحص قطاة لا يصلح لمسجد، وإنما هو تمثيل للتصغير على جهة الإنماء، فكأنه قال: أصغر ما يكون من المساجد. وعلى هذا التأويل لا يكون فيه حجة لمن استدل به على جواز
стр. 688
تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى، وهم بعض أهل الظاهر فيما أحسب، فإنه قد اتفق على أن الإمام الأعظم لابد أن يكون حرًّا ... وأمير الجيش والحرب في معناه، فإنها مناصب دينية يتعلق بها تنفيذ أحكام شرعية، فلا يصلح لها العبد؛ لأنه ناقص بالرق، محجور عليه، لا يستقل بنفسه ومسلوب أهلية الشهادة، والتنفيذ، فلا يصلح للقضاء، ولا للإمارة، وأظنُّ أن جمهور علماء المسلمين على ذلك" (١).
"وهذا الذي ذكره القرطبي في توجيه الحديث اختاره الحافظ ابن حجر ونسبه إلى الخطَّابي" (٢).
стр. 689
المبحث الرابع واجبات الإمام وحقوقه
الحكم في الإسلام تبعة ومسؤولية لم يشرع إلَّا لتحقيق أهداف وبلوغ مقاصد، وتحقيق هذه الأهداف وبلوغ هذه المقاصد مسؤولية مشتركة بين الحكام والمحكومين.
وبما أن الأمة أعطت الحاكم السلطة للسير بها نحو تحقيق هذه المقاصد، لذلك كان عليه من الواجبات ما ليس على غيره، لكنه لا يستطيع القيام وحده بتحقيق هذه المقاصد، مهما بلغ من القوة، لذلك أوجب الإسلام على المحكومين أيضًا واجبات وحقوقًا للإمام مقابل تلك الواجبات الملقاة على عاتقه (١).
١ - واجبات الإمام:
قال ﷺ : "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلَّا حرم الله عليه الجنة" (٢).
قال القرطبي: "الرعاية: الحفظ والصيانة، والغش: ضد النصيحة، وحاصله راجع إلى الزجر عن أن يضيع ما أُمر بحفظه، وأن يقصر في ذلك مع التمكن من فعل ما يتعين عليه" (٣).
وعند قوله ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما
стр. 690
حملتم" (١).
قال القرطبي: "يعني أن الله تعالى كلَّف الولاة العدل وحسن الرعاية وكلف المولى عليهم الطاعة وحسن النصيحة، فأراد أنه إن عصى الأمراء الله فيكم ولم يقوموا بحقوقكم فلا تعصوا الله أنتم فيهم، وقوموا بحقوقهم، فإن الله مجاز كل واحد من الفريقين بما عمل" (٢).
وقد قال ﷺ : "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته" (٣).
قال القرطبي: "الراعي: هو الحافظ للشيء المراعي لمصالحه، وكل من ذكر في هذا الحديث قد كلف ضبط ما أسند إليه من رعيته، واؤتمن عليه، فيجب عليه أن يجتهد في ذلك وينصح ولا يفرط في شيء من ذلك، فإن وفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر، والأجر الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كل واحد من رعيته بحقه، فكثر مطالبوه وناقشه محاسبوه" (٤).
٣ - حقوق الإمام:
للإمام حقٌّ على رعيته جاءت به النصوص من الكتاب والسنة؛ لأنه سبب انتظام الحياة وحصول المقاصد. قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
стр. 691
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١). قال القرطبي: "أولوا الأمر في الآية هم الأُمراء، وهو أظهر من قول من قال: هم العلماء، قاله الحسن، ومالك، وله وجه وهو: أن الأمراء شرطهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراء النبي ﷺ وحينئذ تجب طاعتهم، فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حرمت طاعتهم، فإذًا: الحكم للعلماء والأمراء لهم بالأصالة، غير أنهم لهم الفتيا من غير جبر، وللأمير الفتيا والجبر، وهذان القولان أشبه ما قيل في هذه الآية" (٢).
وقال ﷺ : "من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني" (٣).
قال القرطبي: "كل من أطاع أمير رسول الله ﷺ فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فينتج أن من أطاع أمير رسول الله ﷺ ، فقد أطاع الله، وهو حق صحيح، وليس هذا الأمر خاصًّا بمن باشره رسول الله ﷺ بتولية الإمارة، بل هو عام في كل أمير للمسلمين عدل، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية" (٤).
فلا خلاف في وجوب طاعة أمراء المسلمين سواء كان المأمور به موافقًا لنشاط الإنسان وهواه أو مخالفًا له، بل حتى لو استأثر الأمراء بالأموال دون الناس وجبت طاعتهم (٥).
стр. 692
قال ﷺ : "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلَّا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (١).
قال القرطبي: "هذا ظاهر في وجوب السمع والطاعة للأمراء، والقضاة، ولا خلاف فيه، إذا لم يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولًا واحدًا" (٢).
وقوله ﷺ : "إنما الطاعة في المعروف" (٣) يعني بالمعروف هنا: ما ليس بمنكر ولا معصية، فيدخل فيه الطاعات الواجبة والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعًا، فلو أمر بجائز لصارت طاعته فيه واجبة ولما حلَّت مخالفته (٤).
وبيَّن أن شرط الطاعة بالاستطاعة المقصود به: أن رفع الحرج إذا وقعت المخالفة غلطًا أو سهوًا، أو غلبة ليس تسويغًا للمخالفة فيما يشق ويثقل مما يأمر به الإمام إذ جاءت الأحاديث بالنص على الطاعة مع وجود الثقل والمشقة (٥).
فقيام كل من الحاكم والمحكوم بالحقوق التي عليه من أسباب صلاح المجتمع، وترك هذه الحقوق وتضييعها سبب للفساد والانحراف، ولذا قال ﷺ : "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم
стр. 693
وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" (١).
قال القرطبي: "قوله: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم" أي: تدعون لهم في المعونة على القيام بالحق والعدل، ويدعون لكم بالهداية والإرشاد وإعانتكم على الخير، وكل فريق يحب الآخر لما بينهم من التواصل والتراحم والشفقة والقيام بالحقوق، كما كان ذلك في زمن الخلفاء الأربعة، وفي زمان عمر بن عبد العزيز ﵃ ونقيض ذلك في الشرار لترك كل فريق منهما القيام بما يجب عليه من الحقوق للآخر، ولاتباع الأهواء والجور والبخل والإساءة فينشأ عن ذلك التباغض والتلاعن وسائر المفاسد" (٢).
стр. 694
المبحث الخامس الموقف من الأئمة
قد سبق بيان وجوب طاعة الإمام في غير المعصية، وأن طاعته من طاعة الله .
وعدم طاعته في معصية الله أيضًا محل اتفاق بين العلماء. لكن الخلاف في مسألة الخروج على الأئمة ومتى يكون ذلك؟ . إذ جاءت الأحاديث الكثيرة بالدعوة إلى الصبر على جور الحكام، وعدم نزع اليد من طاعتهم، والنهي عن الخروج عليهم. والأمر المتفق عليه بين العلماء هو الخروج عليهم حال كفرهم كما قال عبادة بن الصامت ﵁: "بايعنا - أي: رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" (١).
قال القرطبي: "بواحًا من باح الرجل بالشيء يبوح به بوحًا وبواحًا: إذا أظهره ... وقوله: "عندكم من الله فيه برهان" أي: حجة بينة وأمر لا شك فيه، يحصل به اليقين أنه كفر فحينئذ يجب أن يخلع من عقدت له البيعة" (٢).
وقال في موضع آخر: "لا تجوز طاعة الإمام في المعصية، وإن كانت هذه المعصية كفرًا، وجب خلعه على المسلمين كلهم، وكذلك لو
стр. 695
ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين كإقامة الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومنع ذلك، وكذلك لو أباح شرب الخمر والزنى، ولم يمنع منها لا يختلف في وجوب خلعه" (١).
وهذا القول هو الصحيح إذ الكفر سبب لخلع الحاكم بأي طريقة ممكنة، وترك العمل بكتاب الله تعالى جاء النص بأنه سبب لخلع الحاكم والخروج عن طاعته، قال لمجفه: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله" (٢). وإباحة شرب الخمر والزنى وترك إقامة الصلاة، أو الصيام، والمنع من ذلك كلها صور للكفر بالله تعالى، وترك العمل بكتابه. فالخلاف الذي وقع بين العلماء ليس في الصور السابقة، إنما فيما يكون دون الكفر، كالفسق والظلم ونحوها.
فالقرطبي ذهب إلى عدم الخروج على الإمام الظالم والفاسق، حيث قال: "متى أجمع المسلمون على إمام فلا يخرج عليه، وإن جار ... فتشهد مع أئمة الجور الصلوات والجماعات والجهاد، والحج، وتجتنب معاصيهم ولا يطاعون فيها" (٣).
وعند قوله ﷺ : "يهلكُ أُمتي هذا الحيُّ من قريش" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "لو أن الناس اعتزلوهم" (٤).
قال القرطبي: "هذا فيه دليل على إقرار أئمة الجور، وترك الخروج
стр. 696
عليهم، والإعراض عن هنات ومفاسد تصدر منهم، وهذا ما أقاموا الصلاة، ولم يصدر منهم كفر بواح عندنا من الله فيه برهان" (١).
وقال المازري: "الإمام العدل: لا يحل الخروج عليه باتفاق، والإمام إذا فسق وجار، فإن كان فسقه كفرًا، وجب خلعه، وإن كان ما سواه من المعاصي فمذهب أهل السنة أنه لا يخلع، واحتجوا بظاهر الأحاديث، وهي كثيرة، ولأنه قد يؤدي خلعه إلى إراقة الدماء، وكشف الحريم، فيكون الضرر بذلك أشد من الضرر به، وعند المعتزلة أنه يخلع، وهذا في إمام عقد له على وجه يصح ثم فسق وجار، وأما المتغلبون على البلاد فالكلام فيهم يتسع وليس هذا موضعه" (٢).
وهذا الذي ذهب إليه القرطبي والمازري هو الذي عليه أكثر علماء أهل السنة، بل قد حكى النووي الإجماع عليه (٣)؛ لأن الخروج على الأئمة يؤدي إلى الفتنة والنصوص الكثيرة قد جاءت في النهي عن القتال في الفتنة، قال ابن تيمية: "ولهذا استقر رأي أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم" (٤).
стр. 697
الفصل الثالث الصحابة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مكانة الصحابة وفضلهم
المبحث الثاني: عدالتهم وعظم الطعن فيهم
المبحث الثالث: الموقف مما وقع بينهم
стр. 698
المبحث الأول مكانة الصحابة وفضلهم
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ الآية (١). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢)، وقال ﷺ : "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... " (٣).
قال القرطبي: "من المعلوم الذي لا يُشك فيه: أن الله تعالى اختار أصحاب نبيه لنبيه ﷺ ، ولإقامة دينه، فجميع ما نحن فيه من العلوم والأعمال والفضائل والأحوال، والمتملكات، والأموال، والعز، والسلطان، والدين، والإيمان، وغير ذلك من النعم التي لا يحصيها لسان، ولا يتسع لتقديرها زمان، إنما كان بسببهم، ولما كان ذلك وجب علينا الاعتراف بحقوقهم، والشكر لهم على عظيم أياديهم قيامًا بما أوجب الله تعالى من شكر المنعم، واجتنابًا لما حرَّمه من كفران حقه، هذا مع ما تحققناه من ثناء الله تعالى عليهم، وتشريفه لهم ورضاه عنهم كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
стр. 699
وَالْأَنْصَارِ﴾ (١)، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (٢) إلى غير ذلك" (٣).
"فإنهم ﵃ لم يزالوا على أعمال أهل الجنة من أمور الدين ومراعاة أحواله والتمسك بأعمال البر والخير إلى أن توفوا على ذلك، ومن وقع منهم في معصية أو مخالفة لجأ إلى التوبة، ولازمها حتى لقي الله تعالى عليها يُعلمُ ذلك قطعًا من أحوالهم من طالع سيرهم وأخبارهم" (٤).
"فعيشهم ﵃ لم يزل شديدًا وجهدهم جهيدًا حتى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم صابرين على شدة عيشهم، معرضين عن الدنيا وزهرتها، ولذاتها مقبلين على الآخرة، ونعيمها، وكراماتها، فحماهم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه، حشرنا الله في زمرتهم، واستعملنا بسنتهم" (٥).
وقال المازري: "من المعلوم ضرورة تدين الصحابة ﵃ ومبادرتهم إلى الطاعات، والقرب، ورغبتهم ﵃ في الخير" (٦).
تفضيل الصحابة على من بعدهم:
قال ﷺ : "لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (٧).
стр. 700
هذا الحديث وما سبق ذكره عن بيان فضل الصحابة ومكانتهم يدل على تفضيل الصحابة ﵃ على كل من جاء بعدهم ففضل الصحبة لا يعادله شيء، وهذا هو الذي ذهب إليه جمهور العلماء من السلف والخلف، قال ابن تيمية: "قال غير واحد من الأئمة: أن كل من صحب النبي ﷺ أفضل ممن لم يصحبه مطلقًا" (١).
وهذا هو الذي رجَّحه القرطبي عند شرحه لقوله ﷺ : "وددت أنَّا قد رأينا إخواننا" قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد" (٢). حيث قال: "قد أخذ أبو عمر ابن عبد البر ﵀ من هذا الحديث ومن قوله ﷺ : "إن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على إلى جمر للعامل فيهن أجر خمسين منكم" (٣) أنه يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبي ﷺ ورآه ولو مرة من عمره أفضل من كل من يأتي بعدُ، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يصار لغيره لأمور:
أولها: مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله ﷺ .
وثانيها: فضيلة السبق للإسلام.
وثالثها: خصوصية الذَّب عن حضرة رسول الله ﷺ .
стр. 701
ورابعها: فضيلة الهجرة والنصرة.
وخامسها: ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله ﷺ .
وسادسها: تبليغها لمن بعدهم.
وسابعها: السبق في النفقة في أول الإسلام.
وثامنها: أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة فحظهم منه أكمل حظ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سنوا سنن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١) ولا شك في أنهم الذين سنُّوا جميع السُّنن وسابقوا إلى المكارم، ولو عُدِّدت مكارمهم وفُسِّرت خواصهم وحُصرت لملأت أسفارًا، ولكلت الأعين بمطالعتها حيارى.
وعن هذه الجملة قال ﷺ فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا - فجعلهم أصحابي" وقال: "في أصحابي كلهم خير" (٢) وكذلك قال: "اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه" (٣) وكفى من ذلك كله ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلًا وتعيينًا وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم، فأما استدلال المخالف بقوله ﷺ : "إخواننا" فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه
стр. 702
الأخوة الحظ الأوفر؛ لأنها الأخوة اليقينية العامة، وانفردت الصحابة بخصوصية الصحبة. وأما قوله: "للعامل منهم أجر خمسين منكم" فلا حجة فيه؛ لأن ذلك - إن صح - إنما هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال ﷺ في آخره: "لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون" (١) ولا بُعد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث، والله أعلم" (٢).
المفاضلة بين الصحابة:
لقد دلَّت نصوص الشرع على وقوع التفاضل بين الصحابة ﵃ قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (٣). وهذا التفضيل لا يفضي إلى تنقيص المفضول إذ ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٤). وقال ابن عمر ﵁: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان" (٥) فأهل السنة على إثبات التفاضل بين الصحابة ﵃ وتفاوتهم في الفضيلة، فهم يقدمون الصديق ﵁ ثم عمر على غيرهم من الصحابة، وهذا أمر
стр. 703
متفق عليه بين أهل السنة. قال عمرو بن العاص ﵁: "سألت النبي ﷺ من أحب الناس إليك قال: "عائشة" قلت من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر بن الخطاب" فعد رجالًا (١).
وقال علي بن أبي طالب ﵁ وهو واقف على عمر في سرير موته بعد أن ترحم عليه: "ما خلفت أحدًا أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كثيرًا أسمع النبي ﷺ يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" (٢).
قال ابن تيمية: "أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين من الصحابة والتابعين وتابعهم" (٣).
أما عثمان وعلي ﵄ فقد وقع اختلاف يسير في تقديم أحدهما إلَّا أن الأمر استقر بعد ذلك على تقديم عثمان ﵁ قال يحيى بن سعيد (٤): "من أدركت من أصحاب النبي ﷺ والتابعين
стр. 704
لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان" (١).
قال - ابن تيمية: "مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقدير أبي بكر وعمر أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان: وسكتوا أو ربعوا بعلي وقدم قوم عليًّا وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة" (٢).
وهذا هو القول الحق وهو الذي اختاره القرطبي ﵀ ونصره حيث قال: "إذا قلنا إن أحدًا من الصحابة ﵃ فاضل فمعناه أن له منزلة شريفة عند الله تعالى، وهذا لا يتوصل إليه بالعقل قطعًا، فلابد أن يرجع ذلك إلى النقل، والنقل إنما يتلقى من الرسول ﷺ ، فإذا أخبرنا الرسول ﷺ بشيء من ذلك تلقيناه بالقبول، فإن كان قطعيًا حصل لنا العلم بذلك، وإن لم يكن قطعيًا كان كسبيل المجتهدات على ما تقدم وعلى ما ذكرناه في الأصول، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلَّا بالخبر ... فالمقطوع بفضله وأفضليته بعد رسول الله ﷺ عند أهل السنة هو الذي يقطع به من الكتاب والسنة، أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق، ولم يختلف في ذلك أحد من أئمة السلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته،
стр. 705
وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته، وتدحض حجته، وقد اختلف أئمة أهل السنة في علي وعثمان ﵄، فالجمهور منهم على تقديم عثمان وقد رُوي عن مالك أنه توقف في ذلك ورُوي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور وهو الأصح إن شاء الله والمسألة اجتهادية لا قطعية ومستندها الكلي أن هؤلاء الأربعة: هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيه ولإقامة دينه فمراتبهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة إلى ما ينضاف إلى ذلك بما يشهد لكل واحد منهم من شهادات النبي ﷺ له بذلك تأصيلًا وتفصيلًا (١).
والمازري ﵀ تكلم في هذه المسألة وذكر الأقوال فيها وبين ما حصل من خلاف في بعض تفاصيلها، ولكنه لم يرجح ولم يبد رأيه فيها بل اكتفى بما نقله من أقوال" (٢).