ورابعها: فضيلة الهجرة والنصرة.
وخامسها: ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله ﷺ .
وسادسها: تبليغها لمن بعدهم.
وسابعها: السبق في النفقة في أول الإسلام.
وثامنها: أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة فحظهم منه أكمل حظ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سنوا سنن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١) ولا شك في أنهم الذين سنُّوا جميع السُّنن وسابقوا إلى المكارم، ولو عُدِّدت مكارمهم وفُسِّرت خواصهم وحُصرت لملأت أسفارًا، ولكلت الأعين بمطالعتها حيارى.
وعن هذه الجملة قال ﷺ فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا - فجعلهم أصحابي" وقال: "في أصحابي كلهم خير" (٢) وكذلك قال: "اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه" (٣) وكفى من ذلك كله ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلًا وتعيينًا وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم، فأما استدلال المخالف بقوله ﷺ : "إخواننا" فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه
стр. 702
الأخوة الحظ الأوفر؛ لأنها الأخوة اليقينية العامة، وانفردت الصحابة بخصوصية الصحبة. وأما قوله: "للعامل منهم أجر خمسين منكم" فلا حجة فيه؛ لأن ذلك - إن صح - إنما هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال ﷺ في آخره: "لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون" (١) ولا بُعد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث، والله أعلم" (٢).
المفاضلة بين الصحابة:
لقد دلَّت نصوص الشرع على وقوع التفاضل بين الصحابة ﵃ قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (٣). وهذا التفضيل لا يفضي إلى تنقيص المفضول إذ ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٤). وقال ابن عمر ﵁: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان" (٥) فأهل السنة على إثبات التفاضل بين الصحابة ﵃ وتفاوتهم في الفضيلة، فهم يقدمون الصديق ﵁ ثم عمر على غيرهم من الصحابة، وهذا أمر
стр. 703
متفق عليه بين أهل السنة. قال عمرو بن العاص ﵁: "سألت النبي ﷺ من أحب الناس إليك قال: "عائشة" قلت من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر بن الخطاب" فعد رجالًا (١).
وقال علي بن أبي طالب ﵁ وهو واقف على عمر في سرير موته بعد أن ترحم عليه: "ما خلفت أحدًا أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كثيرًا أسمع النبي ﷺ يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" (٢).
قال ابن تيمية: "أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين من الصحابة والتابعين وتابعهم" (٣).
أما عثمان وعلي ﵄ فقد وقع اختلاف يسير في تقديم أحدهما إلَّا أن الأمر استقر بعد ذلك على تقديم عثمان ﵁ قال يحيى بن سعيد (٤): "من أدركت من أصحاب النبي ﷺ والتابعين
стр. 704
لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان" (١).
قال - ابن تيمية: "مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقدير أبي بكر وعمر أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان: وسكتوا أو ربعوا بعلي وقدم قوم عليًّا وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة" (٢).
وهذا هو القول الحق وهو الذي اختاره القرطبي ﵀ ونصره حيث قال: "إذا قلنا إن أحدًا من الصحابة ﵃ فاضل فمعناه أن له منزلة شريفة عند الله تعالى، وهذا لا يتوصل إليه بالعقل قطعًا، فلابد أن يرجع ذلك إلى النقل، والنقل إنما يتلقى من الرسول ﷺ ، فإذا أخبرنا الرسول ﷺ بشيء من ذلك تلقيناه بالقبول، فإن كان قطعيًا حصل لنا العلم بذلك، وإن لم يكن قطعيًا كان كسبيل المجتهدات على ما تقدم وعلى ما ذكرناه في الأصول، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلَّا بالخبر ... فالمقطوع بفضله وأفضليته بعد رسول الله ﷺ عند أهل السنة هو الذي يقطع به من الكتاب والسنة، أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق، ولم يختلف في ذلك أحد من أئمة السلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته،
стр. 705
وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته، وتدحض حجته، وقد اختلف أئمة أهل السنة في علي وعثمان ﵄، فالجمهور منهم على تقديم عثمان وقد رُوي عن مالك أنه توقف في ذلك ورُوي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور وهو الأصح إن شاء الله والمسألة اجتهادية لا قطعية ومستندها الكلي أن هؤلاء الأربعة: هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيه ولإقامة دينه فمراتبهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة إلى ما ينضاف إلى ذلك بما يشهد لكل واحد منهم من شهادات النبي ﷺ له بذلك تأصيلًا وتفصيلًا (١).
والمازري ﵀ تكلم في هذه المسألة وذكر الأقوال فيها وبين ما حصل من خلاف في بعض تفاصيلها، ولكنه لم يرجح ولم يبد رأيه فيها بل اكتفى بما نقله من أقوال" (٢).
стр. 706
المبحث الثاني عدالتهم وعظم الطعن فيهم
الصحابة ﵃ كلهم عدول لأن الله تعالى اختارهم واصطفاهم لصحبة نبيه ﷺ .
قال القرطبي: "الصحابة ﵃ لا فرق بين إسنادهم وإرسالهم إذ الكل عدول على مذهب أهل الحق فلا خلاف في قبول مراسيل الصحابة؛ لأنه عدول" (١). فالأصل فيهم ﵃ صحة الإيمان والعدالة (٢).
وقال المازري: "مذهب أفاضل العلماء أن ما وقع من الأحاديث القادحة في عدالة بعص الصحابة والمضيفة إليهم ما لا يليق بهم، فإنها ترد ولا تقبل إذا كان رواتها غير ثقات، فإن أحب بعض العلماء تأويلها قطعًا للشغب ترك ورأيه، وإذا رواها الثقات تؤولت على الوجه اللائق بهم إذا أمكن التأويل ولا يقع في روايات الثقات إلَّا ما يمكن تأويله" (٣).
فالصحابة ﵃ لا يذمُّهم ولا يطعن فيهم إلَّا من هو متهم على دين الإسلام لأنهم ﵃ حملة الشريعة ونقلة الملة، ولذا فالطعن فيهم أو تنقيصهم أو أحد منهم من منهج أهل الضلال والبدع.
قال القرطبي: "من تعرض لسبهم وجَحَدَ عظيم حقهم فقد انسلخ من الإيمان، وقابل الشكر بالكفران ... إذ لا خلاف في وجوب
стр. 707
احترامهم وتحريم سبهم، ولا يختلف في أن من قال: إنهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يُقتل؛ لأنه أنكر معلومًا ضرويًّا من الشرع فقد كذب الله ورسوله فيما أخبرا به عنهم، وكذلك الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة أو ضللهم وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب؟ أو حكم الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مما يختلف فيه، فأما من سبهم بغير ذلك، فإن كان سبًّا يوجب حدًّا كالقذف حُدَّ حدّه ثم ينكل التنكيل الشديد من الحبس والتخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة ﵂ فإن قاذفها يقتل؛ لأنه مكذب لما جاء في الكتاب والسنة من براءتها، قاله مالك وغيره، واختلف في غيرها من أزواج النبي ﷺ فقيل: يُقتل قاذفها؛ لأن ذلك أذى للنبي ﷺ وقيل: يحدُّ وينكل كما ذكرناه على قولين، وأما من سبهم بغير القذف، فإنه يجلد الجلد الموجع وينكل التنكيل الشديد" (١).
وعامة من اشتهر بذلك من أهل البدع الروافض، الذين كفروا عامة الصحابة ﵃ ولم يستثنوا إلَّا نفرًا قليلًا منهم، قال القرطبي في الرد عليهم وبيان حكمهم: "فأما الروافض ففد كفروا الصحابة كلهم؛ لأنهم عندهم تركوا العمل بالحق الذي هو النص على عليٍّ ﵁ واستخلفوا غيره بالاجتهاد، ومنهم من كقر عليًّا ﵁؛ لأنه لم يطلب حقه، وهؤلاء لا يشكّ في كفرهم؛ لأن من كفَّر الأمة كلها، والصدر الأول، فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام، وأما غيرهم من الفرق، فلم يرتكب أحد منهم هذه المقالة الشنعاء القبيحة القصعاء، ومن ارتكبها منهم ألحقناه بمن تقدم في التكفير ومأواه جهنم وبئس المصير" (٢).
стр. 708
المبحث الثالث الموقف مما وقع بينهم
كل ما سبق بيانه من فضل الصحابة ﵃ ومكانتهم، وبيان عدالتهم وعظم الطعن فيهم، يبين لنا الموقف مما وقع بينهم من فتن؛ إذ قد نص أهل السنة على السكوت عما شجر بينهم، وبيان أن الجميع مجتهد: فمصيبتهم له أجران ومخطئهم له أجر واحد (١).
وهذا هو الذي سلكه القرطبي والمازري رحمهما الله. إذ بيَّن القرطبي أن الخلاف الذي وقع بينهم إنما هو بسبب حرصهم على الخير وشدة تمسكهم بالحق، فقال: "الصحابة ﵃ لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون في القيام بالحق، وإن أدى إلى العظائم، وهذا هو أعظم الأسباب التي أوجبت الاختلاف بينهم، حتى أدى ذلك إلى الحروب العظيمة والخطوب الجسيمة، فإن كل طائفة كانت ترى أنها المصيبة المحقة، ومخالفتها المخطئة، فإنها كانت أمورًا اجتهادية، ولم يكن فيها نصوص قطعية" (٢).
وقال أيضًا في بيان الموقف الحق مما وقع بينهم: "والذي عليه جماعة أهل السنة والخق حسن الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وطلب أحسن التأويل لفعلهم، وأنهم مجتهدون غير قاصدين للمعصية، والمجاهرة بذلك، وطلب حب الدنيا، بل كلُّ عملٍ على شاكلته وبحسب ما أدَّاه إليه اجتهاده، لكن منهم المخطئ في اجتهاده، ومنهم المصيب،
стр. 709
وقد رفع الله تعالى الحرج عن المجتهد المخطئ في فروع الدين، وضعف الأجر للمصيب، وقد توقف الطبري وغيره عن تعيين المحق منهم وعند الجمهور: أن عليًّا وأشياعه مصيبون في ذبهم عن الإمامة وقتالهم من نازعهم فيها إذ كان أحق الناس بها وأفضل من على الأرض حينئذ، وغيره تأول وجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قتلة عثمان الذين في عسكر عليٍّ ﵁ وأنهم لا يعطون بيعة ولا يعقدون إمامة، حتى يقضوا ذلك، ولم يطلبوا سوى ذلك، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم إلى الإمام وكانت الأمور لم يستقر استقرارها، ولا اجتمعت الكلمة بعد، وفيهم عدد، ولهم شوكة ومنعة، ولو أظهر تسليمهم أولًا، أو القصاص لاضطرب الأمر وانبثَّ الحَبْلُ، ومنهم جماعة لم يروا الدخول في شيء من ذلك محتجين بنهي النبي ﷺ عن التلبس بالفتن، والنهي عن قتال أهل الدعوة ... وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فيقاتلوها" (١).
وبين أن ما وقع بينهم لا يجيز وصف أحدهم بالفسق، أو الابتداع، بل كل منهم مجتهد عمل على حسب ظنه، وهم في ذلك على ما أجمع عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة المعلومة: وهي أن كل مجتهد مأجور غير مأثوم" (٢).
وبيَّن أنه لا خلاف أن علي ﵁ هو الإمام العدل، وأنه أفضل من معاوية، ومن كل من كان معه (٣).
وكذلك المازري بين أن الخلاف الذي وقع بين علي ومعاوية ومن
стр. 710
معهما من الصحابة ﵃ أجمعين- لا يقتضي تكفير إحدى الطائفتين أو تفسيقها" (١).
الدفاع عن صحابة بأعيانهم:
تبين لنا فيما سبق المنهج السوي والموقف المرضي مما وقع بين الصحابة ﵃ وذلك لئلا يطعن أحد في نزاهتهم أويشك في صدقهم، فهم صفوة هذه الأمة، وأعلامها، وقادتها، ونقلة ملتها، فالطعن فيهم أو في أحدهم من علامات أهل البدع، ومناهج أهل الأهواء، فنأخذ جميل أفعالهم، ونقتدي بها، وهو الكثير العام، ونغض الطرف عما وقعوا فيه من الأخطاء والذنوب التي وقعوا فيها بمقتضى البشرية، فغمرت هذه الزلات في بحر الإحسان والطاعات، قال ابن قدامة: "ومن السنه، تولي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم وذكر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم" (٢).
وقال أبو نعيم الأصبهاني: "فالواجب على المسلمين في أصحاب رسول الله ﷺ إظهار ما مدحهم الله تعالى به وشكرهم عليه من جميل أفعالهم وجميل سوابقهم، وأن يغضوا عما كان منهم في حال الغضب والإغفال وفرط منهم عند استزلال الشيطان إياهم ... فإن الهفوة والزلل والغضب والإفراط لا يخلو منه أحد" (٣).
وهذا المنهج العسوي هو الذي سلكه القرطبي ﵀ فدافع عن الصحابة عمومًا ونافح عن بعضهم على وجه الخصوص خصوصًا من
стр. 711
كان عرضة منهم لأهل البدع والأهواء.
ومن هؤلاء الذين دافع عنهم بأعيانهم:
١ - علي بن أبي طالب ﵁:
قال القرطبي في الاعتذار له عن تأخره في مبايعة الصديق ﵁: "لا يظن بعلي أنه خالف الناس في البيعة لكنه تأخر عن الناس لمانع منعه، وهو الموجدة التي وجدها حين استُبدَّ بمثل هذا الأمر العظيم، ولم يُنتظر مع أنه كان أحق الناس بحضوره وبمشورته، لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك الاستعجال مخافة ثوران الفتنة بين المهاجرين والأنصار، كما هو معروف في حديث السقيفة، فسابقوا الفتنة، فلم يتأت لهم انتظاره لذلك، وقد جرى بينهم في هذا المجلس (١) من المحاورة والمكالمة والإنصاف ما يدل: على معرفة بعضهم بفضل بعض وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض ومحبة بعضهم لبعض ما يَشْرَقُ به الرافضي اللعين وتُشْرِق به قلوب أهل الدين" (٢).
وقال في رده على الشيعة فيما نسبوه إلى علي ﵁ من بغضٍ للشيخين وعداءٍ لهما، وحاشاه ﵁ من ذلك: هذا الحديث (٣) ردٌّ من علي ﵁ على الشيعة فيما ينقولونه عليه من بغضه للشيخين ونسبته إياهما إلى الجور في الإمامة وأنهما غصباه، وهذا كله كذب وافتراء، عليُّ ﵁ منه براء بل المعلوم من حاله معهما تعظيمه ومحبته لهما واعترافه بالفضل لهما عليه وعلى غيره
стр. 712
وحديثه هذا ينص على هذا المعنى، وقد تقدم ثناء عليٍّ على أبي بكر ﵄ واعتذاره عن تخلفه عن بيعته وصحة مبايعته له، وانقياده له، مختارًا طائعًا سرًّا وجهرًا، وكذلك فعل مع عمر ﵃ أجمعين- وكل ذلك يكذب الشيعة والروافض في دعواهم لكن الهوي والتعصب أعماهم" (١).
وكذلك رد على من نسب إلى عليٍّ ﵁ الإعانة على قتل "عثمان ﵁ أو التقصير في نصرته حيث قال: "بنو أمية (٢)
стр. 713
كانوا يسبون عليًّا وينتقصونه وذلك كان منهم لما وقر في أنفسهم من أنه أعان على قتل عثمان، وأنه أسلمه لمن قتله، بناءً منهم على أنه كان بالمدينة، وأنه كان متمكنًا من نصرته، وكل ذلك ظن كذب، وتأويل باطل، غطَّى التعصب منه وجه الصواب، وقد قدمنا أن عليًّا ﵁ أقسم بالله أنه ما قتله ولا مالا على قتله ولا رضيه، ولم يقل أحد من النقلة قط ولا سُمع من أحد أن عليًّا كان مع القتلة ولا أنه دخل معهم الدار عليه. وأما ترك نصرته فعثمان ﵁ أسلم نفسه ومنع نصرته كما ذكرناه في بابه ومما تشبثوا به أنهم نسبوا عليًّا إلى ترك أخذ القصاص من قتلة عثمان، وإلى أنه منعهم منهم، وأنه قام دونهم، وكل ذلك أقوال كاذبة أنتجت ظنونًا غير صائبة ترتب عليها ذلك البلاء كما سبق به القضاء" (١).
ووجه القرطبي ذم العباس لعلي ﵄ عندما شكاه إلى عمر بما يتناسب مع مكانة الصحابة ﵃ (٢).
٢ - معاوية ﵁:
تعرض معاوية ﵁ لطعن الشيعة وذمهم، وليسوا ممن يؤخذ منهم، لكن ربما تأثر بقولهم بعض المنتسبين للسنة، فلم يحسنوا الظن بمعاوية ﵁ قال القرطبي في الثناء على معاوية- ﵁ والدفاع عنه فيما نسب إليه من لعن علي وذمه: "يبعد على معاوية أن يصرح بلعن علي وسبه، لما كان معاوية موصوفًا به من الفضل والدين،
стр. 714
والحلم وكرم الأخلاق، وما يروى عنه من ذلك، فأكثره كذب لا يصح ... أما التصريح باللعن وركيك القول، مما اقتحمه جهال بني أمية وسفلتهم فحاش معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة والدين والفضل والعلم" (١).
وكذلك المازردي دافع عن هذا الصحابي الجليل فقال: "معاوية من عدول الصحابة وأفاضلهم وما وقع من الحروب بينه وبين علي وما جرى بين الصحابة من الدماء فعلى التأويل والاجتهاد (٢).
٣ - عائشة ﵂:
نال عائشة ﵂ ما نال غيرها من الصحابة الكرام ﵃ من الشيعة أهل الكذب والافتراء، عندما أولوا إتمامها في السفر على أنها كانت في سفر معصية، فقال القرطبي مدافعًا عنها: هذا باطل قطعًا فإنها كانت، اتقى لله وأخوف وأطوع من أن تخرج في سفر لا يرضاه الله تعالى، وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم عليها ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) وإنما خرجت ﵂ مجتهدة محتسبة في خروجها تريد أن تطفئ نار الفتنة ثم خرجت الأمور عن ضبطها وأقل درجاتها أن تكون ممن قال فيها رسول الله ﷺ "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر" (٤) " (٥).
стр. 715
٤ - فاطمة بنت قيس ﵂:
دافع القرطبي ﵀ عن هذه الصحابية الجليلة ممن اتهمها بسلاطة اللسان، وإيذاء الجيران، حيث قال: "إنما أذن النبي ﷺ لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طلقت فيه لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها، وفيه دليل على أن المعتدة تنتقل لأجل الضرورة وهذا أولى من قول من قال: إنها كانت لسنة تؤذي زوجها وأحماءها بلسانها، فإن هذه الصفة لا تليق بمن اختارها رسول الله ﷺ لحبه وابن حبه (١) وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدتها، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي ألا يُرغب فيها ولا يُحرص عليها أيضًا: فلم يثبت بذلك نقل مسند صحيح ... ويا للعجب كيف يجترئ ذو دين أن يقدم على غيبة مثل هذه الصحابية التي اختارها النبي ﷺ لحبه ابن حبه لسبب خبر لم يثبت وأعجب من ذلك قول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢) إنها نزلت في فاطمة لأنها كانت فيها بذاذة لسان وأذى للأحماء وهذا لم يثبت فيه نقل ولا يدل عليه نظر فذكر ذلك عنها ونسبته إليها غيبة أو بهتان (٣).
وقال أيضًا: ويغفر الله تعالى لسعيد بن المسيب ما وقع فيه حيث قال في هذه الصحابية المحتارة: تلك امرأة فتنت الناس إنها كانت لسنة فوضِعَت على يد ابن أم مكتوم وروى عنه أيضًا أنه قال: تلك امرأة استطالت على أحمائها فأمرها النبي ﷺ أن تنتقل فلقد أفحش في القول
стр. 716
واغتابها ولابد لها معه من موقف بين يدي الله تعالى (١).
وقد دافع أيضًا عن كثير من الصحابة ﵃ مما قد ينسب إليهم أو يفهم خطأ عنهم مما لا يليق بهم ولا يتناسب مع مكانتهم: كأبي بكر (٢) وسعيد بن زيد (٣)، وأبي هريرة (٤)، وغيرهم (٥) ﵃.
стр. 717
الباب الرابع اليوم الآخر
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: أشراط الساعة
الفصل الثاني: فتنة القبر وعذابه ونعيمه
الفصل الثالث: البعث والحشر
الفصل الرابع: الجنة والنار
стр. 718
الفصل الأول أشراط الساعة
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف أشراط الساعة وأقسامها
المبحث الثاني: أشراط الساعة الصغرى
المبحث الثالث: أشراط الساعة الكبرى
стр. 719
تمهيد
لقد أخفى الله تعالى عن عباده وقت وقوع الساعة فلا يعلم أحد متى تقوم الساعة، إلَّا هو كما قال -جل وعلا-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ١٨٧﴾ (١).
وعندما سأل جبريل ﵇ الرسول ﷺ عن الساعة قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأحدثك عن أشراطها" (٢).
قال القرطبي: "قوله: "متى تقوم الساعة" مقصود هذا السؤال امتناع السامعين من السؤال عنها إذ قد كانوا أكثروا السؤال عن تعيين وقتها، كما قال تعالي: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢)﴾ (٣) و ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ (٤) وهو كثير في الكتاب والسنة، فلما أجابه النبي ﷺ بأنه إلَّا يعلمها إلَّا الله يئس السائلون من معرفتها، فانكفوا عن السؤال عنها، وهذا بخلاف، الأسئلة الأُخر، فإن مقصودها استخراج الأجوبة عنها ليستعملها السامعون ويعمل بها العاملون" (٥).
فعلم الساعة، مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولكن الله تعالى جعل لها أشراطًا، وهي الآيات والعلامات الدالة على قربها.
стр. 720
المبحث الأول تعريف أشراط الساعة وأقسامها
أولًا: تعريف أشراط الساعة:
قال القرطبي: "الأشراط: هي الأمارات والعلامات، ومنه قوله تعالى: ﴿جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (١) وبها سُمِّي الشُّرط لأنهم يَعَلِّمون أنفسهم بعلامات يعرفون بها" (٢).
وقال المازري: "أشراط الساعة بمعنى علاماتها ومنها سُمُّوا أصحاب الشرط؛ لأنه كان لهم في القديم علامات يعرفون بها ومنه: الشرط في كذا بمعنى أنه عَلَمٌ عليه" (٣).
وفي معنى الساعة قال القرطبي: "الساعة في أصل الوضع: مقدار ما من الزمان غير معين ولا محدود لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (٤).
وفي عرف أهل الشرع: "عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدلين (٥) جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار" (٦).
ثانيا: أقسامها:
بين القرطبي أن أشراط الساعة تنقسم إلى قسمين، فقال عند شرحه لحديث جبريل: "اقتصر في هذا الحديث على ذكر بعض الأشراط التي
стр. 721
يكون وقوعها قريبًا من زمانه وإلَّا فالشروط كثيرة، وهي أكثر مما ذكر هنا كما دل عليه الكتاب والسنة، ثم إنها منقسمة إلى ما يكون المعتاد، كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العلم وظهور الجهل، وكثرة الزنى، وشرب الخمر، إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد: كخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها والدخان، والنار التي تسوق الناس وتحشرهم" (١).
والتي تكون من النوع المعتاد هي أشراط الساعة الصغرى وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى أو بعدها. والتي تكون من النوع غير المعتاد هي أشراط الساعة الكبرى، والتي تظهر قرب قيام الساعة (٢).
стр. 722
المبحث الثاني أشراط الساعة الصغرى
أشراط الساعة الصغرى كثيرة جدًّا، وقد تحدث القرطبي عن كثير منها يصعب عرضها جميعًا فأكتفي بذكر بعضها طلبًا للاختصار، فمنها:
١ - بعثة النبي ﷺ -:
قال ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين" قال أنس ﵁: "وضم السبابة والوسطى" (١).
قال القرطبي "كهاتين: حال أي: مقترنين ... وحاصله تقريب أمر الساعة التي هي القيامة وسرعة مجيئها، وهذا كما قال: ﴿جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (٢) قال الحسن: أول أشراطها محمد ﷺ " (٣).
٢ - ظهور نار الحجاز:
قال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيءُ أعناق الإبل ببصرى (٤) " (٥).
стр. 723
وقد ظهرت هذه النار سنة (٦٥٤ هـ)، وكانت نارًا عظيمة أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها، ومن بعدهم في وصفها، قال النووي: "خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وست مئة، وكانت نارًا عظيمة جدًّا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة" (١).
لكن القرطبي ﵀ في شرحه لهذا الحدث لم يذكر هذا الحديث، وإن كان عاصره في آخر عمره، إذ خرجت هذه النار قبل وفاته بسنتين وخمسة أشهر، ويبعد أن لا يسمع بها طوال هذه المدة، لكن الذي يظهر أنه قد فرغ من تأليف المفهم قبل خروجها، لذا جعل هذه النار هي النار التي تسوق الناس إلى المحشر. حيث قال: "قوله: "تضيء أعناق الإبل ببصرى" أي: تكشف بضوئها أعناق الإبل ببصرى، وهي بالشام، فيضيء -والله تعالى أعلم- أن هذه النار الخارجة من قعر عدن تمر بأرض الحجاز مقبلة على الشام، فإذا قاربت الشام أضاءت ما بينها وبين بصرى، حتى ترى بسبب ضوئها أعناق الإبل" (٢).
وقد ذكر هذه النار وأفاض في وصفها تلميذه القرطبي في كتابه "التذكرة" (٣).
٣ - رفع العلم وظهور الجهل:
قال ﷺ : "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ... " (٤).
стр. 724
قال القرطبي: "وقد بيَّن كيفية رفع العلم وظهور الجهل في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال فيه: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ... " الحديث (١). وهو نصٌّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل: بموت العلماء وبقاء الجهال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم يفتون بالجهل ويعلمونه فينتشر الجهل ويظهر، وقد ظهر ذلك ووجد على نحو ما أخبر به ﷺ فكان ذلك دليلًا من أدلة نبوته، وخصوصًا في هذه الأزمان، إذ قد ولي المدارس والفتيا كثير من الجهال والصبيان وحرمها أهل ذلك الشأن" (٢).
٤ - أن تلد الأمة ربَّتها:
قال ﷺ في أمارتها: "أن تلد الأمة ربتها" (٣). قال القرطبي: "الأمة - هنا- هي: الجارية المستولَدة، وربها: سيدها ... واختلف في معنى قوله: "أن تلد الأمة ربتها" على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد به أن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسرّي فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين على المشركين وكثرة الفتوح والتسرّي.
وثانيها: أن يبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك، فتتداول الأمهات المستولدة، فربما يشتريها ولدها أو ابنتها ولا يشعر بذلك، فيصير ولدها ربَّها، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل
стр. 725
بتحريم بيع أمهات الأرلاد والاستهانة بالأحكام الشرعية، وهذا على قول من يرى تحريم بيع أمهات الأولاد، وهم الجمهور، ويصح أن يحمل ذلك على بيعهن في حال حملهن وهو محرم بالإجماع.
وثالثها: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب، ويشهد لهذا قوله في حديث أبي هريرة "المرأة" مكان "الأمة" وقوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظًا" (١) " (٢).
٥ - التطاول في البنيان:
وقد بيَّن ﷺ أنه من علامات الساعة، فقال: "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان" (٣) قال القرطبي: "هذه الأوصاف هي غالبة على أهل البادية ... ومقصود هذا الحديث الإخبار عن تبدل الحال وتغيره، بأن يستولي أهل البادية الذين هذه صفاتهم على أهل الحاضرة، ويتملكوا بالقهر والغلبة فتكثر أموالهم، وتتسع في حطام الدنيا آمالهم فتنصرف همهم إلى تشييد المباني، وهدم الدين، وشريف المعاني، وأن ذلك إذ وجد كان من أشراط الساعة، ويؤيد هذا ما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع" (٤) وقد شوهد هذا كله عيانًا فكان ذلك على صدق رسول الله ﷺ
стр. 726
وعلى قرب الساعة حجة وبرهانًا" (١).
٦ - عبادة الأوثان:
قال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس جول ذي الخلصة" وكان صنمًا تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة (٢). قال القرطبي: "معنى الحديث أن دوسًا يظهر فيها الارتداد عن دين الإسلام، ويرجعون إلى ما كانوا عليه من عبادة الأوثان كما قال في حديث عائشة ﵂: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" (٣) " (٤).
قال الشيخ حمود التويجري (٥) ﵀: "وقد وقع الأمر طبق ما أخبر به رسول الله ﷺ في هذا الحديث الصحيح وعظم افتتان أهل تبالة ومن حولهم من القبائل بذي الخلصة وأعادوا سيرتها الأولى في زمن الجاهلية حتى ظهر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀
стр. 727
تعالى- (١) فدعا إلى التوحيد وجدد ما اندرس من معالم الدين، وسعى في محو الشرك ووساق له، وما يدعو إليه ويرغب فيه فبعث إمام المسلمين في ذلك الزمان -وهو عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله تعالى (٢) عليه وعلى من كان السبب في إمامته- جماعة من المسلمين إلى ذي الخلصة فخربوها وهدموا بعض بنائها، وبقي بعضه قائمًا، وزال الافتتان بها في زمن ولاية النجديين على الحجاز، ولما زالت ولا يتهم عن الحجاز عاد الجهال إلى ما كانوا عليه من الافتتان بها حتى ولي الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود (٣) على الحجاز، وما حوله فبعث عامله على تلك النواحي جماعة من المسلمين فهدموا ما بقي من بنائها ورموا بأنقاضها في الوادي فعفى بعد ذلك رسمها وانقطع أثرها ولله الحمد والمنة (٤).
стр. 728
٧ - حسر الفرات عن جبل من ذهب:
قال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيُقتلُ من كل مئة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو" (١).
قال القرطبي: "قوله: "يحسر الفرات عن جبل من ذهب" أي: يكشف، ومنه حسرت المرأة عن وجهها، أي: كشفت، والحاسر: الذي لا سلاح عليه، وكأن هذا إنما يكون إذا أخذت الأرض تقيء ما في جوفها كما تقدم في كتاب الزكاة (٢) " (٣).
٨ - عودة أرض العرب مروجًا وأنهارًا:
قال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا" (٤).
стр. 729
قال القرطبي: "أي تنصرف دواعي العرب عن مقتضى عاداتهم من انتجاع الغيث والارتحال في المواطن للحروب والغارات، ومن نخوة النفوس العربية الكريمة الأبية إلى أن يتقاعدوا عن ذلك فينشغلوا بغراسة الأرض وعمارتها، وإجراء مياهها، كما قد شوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم" (١).
وقد تحدث عن كثير من هذه الأشراط سوى المذكورة كظهور الفتن (٢)، وصدق رؤيا المؤمن (٣)، وكثرة المال (٤)، وظهور الكذابين (٥)، وتمني الموت من شدة البلاء (٦)، وقتال اليهود (٧) وغيرها (٨).
стр. 730
المبحث الثالث أشراط الساعة الكبرى
١ - المهدي:
وهو عبدٌ صالح من أهل البيت يخرج في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا. "في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم" (١).
والقرطبي ﵀ أثبت خروج المهدي كما جاءت به النصوص وذلك عند شرحه لقوله ﷺ : "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا ولا يعده عددًا" (٢). حيث قال: روى الترمذي وأبو داود أحاديث صحيحة في هذا الخليفة وسمياه المهدي فروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي" قال: حديث حسن صحيح (٣).
وخرجه أبو داود وزاد فيه: "يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا" (٤) ومن حديث أبي هريرة ﵁ "لو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه
стр. 731
اسمي" قال: حديث حسن صحيح (١)، ومن حديث أبي سعيد قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألناه فقال: "إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمسًا أو سبعًا أو تسعًا" زيد الشاك. قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: "سنين. قال: فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني يا مهدي أعطني قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله" (١) قال: هذا حديث حسن وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "المهدي في أمتي: أجلى الجبهة أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت جورًا وظلمًا يملك سبع سنين" (٢).
وروى أيضًا أبو داود عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: "يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأيته ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من أهل الشام، فيخسف بهم بالبيداء، بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك آتاه أبدال أهل الشام، وعصائب أهل العراق، فيبايعونه ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثًا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" (٣) وفي رواية "تسع سنين" فهذه أخبار صحيحة ومشهورة عن النبي ﷺ تدل على خروج هذا الخليفة الصالح في آخر الزمان، وهو ينتظر إذ لم يسمع كملت
стр. 732
له جميع تلك الأوصاف التي تضمنتها تلك الأخبار والله تعالى أعلم" (١).
فالقرطبي ﵀ أثبت خروج المهدي كما هو معتقد أهل السنة والجماعة، وحشد الأدلة في الرد على من خالفهم فيه، قال السفاريني ﵀: "قد كثرت الأقوال في المهدي حتى قيل لا مهدي إلَّا عيسى، والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عدَّ من معتقداتهم" (٢).
٢ - المسيح الدجال:
خروج الدجال يكون في آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة الكبرى، وقد حذَّر الرسول ﷺ منه وبين أن جميع الأنبياء قد حذروا أممهم منه لعظم فتنته، وشدة الابتلاء به، فقال ﷺ : "إني لأنذركموه ما من نبي إلَّا وأنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه، إنه أعور، وإن الله ﵎ ليس بأعور ... إنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه من كره عمله أو يقرؤه كل مؤمن وتعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" (٣).
وقد بيَّن القرطبي أن تحذير الأنبياء ﵈ منه بسبب عظم فتنته، وأن فائدة هذا التحذير الإيمان بوجوده، كما جاءت بذلك
стр. 733
الآثار، وهو مذهب، أهل السنة، ورد على منكري الدجال من المبتدعة، وذلك عند شرحه لهذا الحديث حيث قال: "إنما كان هذا من الأنبياء لما علموا من عظيم فتنته، وشدة محنته، ولأنهم لما لم يعين لواحد منهم زمان خروجه توقع كل واحد منهم خروجه في زمان أمته فبالغ في التحذير، وفائدة هذا الإنذار الإيمان بوجوده، والعزم على معاداته، ومخالفته، وإظهار تكذيبه، وصدق الالتجاء إلى الله تعالى في التعوذ من فتنته، وهذا مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث خلافًا لمن أنكر أمره وأبطله، من الخوارج وبعض المعتزلة" (١).
"وسمي الدجال مسيحًا لأنه ممسوح العين اليمنى، أو لأنه مسح الأرض أي: قطعها بالذهاب ومن سماه المسيخ بالخاء فهو من المسخ (٢).
وشدة الابتلاء به لِمَا أظهر الله تعالى على يديه من خوارق العادات من إنزال المطر والخصب على من يصدقه والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار، ومياه تجري، كل ذلك محنة من الله واختبار ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن، وكل هذا أمر مخوف (٣).
وما مع الدجال من هذه حقيقة لا خيال، كما زعم ذلك الجهمية، وبعض المعتزلة. ق ال ابن كثير: "إن الدجال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق إلى مشاهدة في زمانه، ثم ذكر الخوارق التي معه ثم قال: وهذا كله ليس بمخرقة بل له حقيقة امتحن الله بها عباده في آخر الزمان، فَيُضلُّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا يكفر المرتابون ويزداد الذين آمنوا
стр. 734
إيمانًا" (١).
وقد رد القرطبي على هؤلاء الذين زعموا أن ما معه من باب الخيال فقال: "الجبائي من المعتزلة ومن وافقنا على إثباته من الجهمية وغيرهم زعموا أن ما عنده مخارق وحيل قال: لأنها لو كانت أمورًا صحيحة لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصادق، وحينئذ لا يكون فرق بين النبي والمتنبيء وهذا هذيان لا يلتفت إليه، فإن هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدعي النبوة، وليس كذلك، فإنه إنما ادعى الإلهية، وكذبُه في هذه الدعوى واضح للعقول، إذ أدلة حدثه ونقصه وفقره مُدرَكٌ بأول الفطرة، بحيث لا يجهله من له أدنى فكرة، وقد زاد النبي ﷺ هذا المعنى إيضاحًا في هذه الحديث من ثلاثة أوجه:
أحدها: بقوله: "ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لأمته، إنه أعور وإن الله ليس بأعور" وهذا تنبيه للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصًا في ذاته عاجزًا عن إزالة نقصه، لم يصلح لأن يكون إلهًا لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزًا عن إزالة نقصه، كان أعجز عن نفع غيره، وعن مضرته.
وثانيها: قوله: "أنه مكتوب بين عينيه "كافر" يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب" وهذا أمرٌ مشاهد للحس يشهد بكذبه وكفره.
وثالثها: قوله: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" وهذا نصٌّ جليٌّ في أن الله تعالى لا يُرى في هذه الدار ... وحاصل هذا: أن الصادق قد أخبر أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا، والدجال يراه الناس، فليس بإله، وهذا منه ﷺ نزول إلى غاية البيان بحيث لا يبقى معه
стр. 735
ريبة لإنسان" (١).
وقد رد القرطبي له سائر تأويلاتهم وشبهاتهم المتعلقة بهذه المسألة (٢).
هل ابن صياد هو الدجال؟ :
ويقال له: ابن صائد، واسمه صاف، ذكر أن نسبه في بني النجار،
وقيل: من اليهود، وكانوا حلفاء بني النجار، وكانت حاله في صغره حالة
الكهان يصدق مرة ويكذب مرارًا، ثم إنه أسلم لما كبر وظهرت منه علامة
الخير من الحج والجهاد مع المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال وسمعت
منه أقوال له تشعر بأنه الدجال، وبأنه كافر، وقيل: إنه تاب ومات
بالمدينة، وقيل: فقد يوم الحرة ولم يوقف عليه (٣).
قال القرطبي: "اختلف بابن صياد، هل هو الدجال أم لا؟ وقد ذكره
ابن جرير وغيره في الصحابة غير أنه قد ظهرت منه أمور بعضها كفر
وبعضها يشعر بأنه الدجال، وهي أمور تقارب النص أنه هو، وأما ما ورد
من إسلامه وحجه وغير ذلك من أعمال تنافي حال الدجال، فقد يكون
أسلم ثم كفر أو يكون هذا منه من باب النفاق.
وأما كون الدجال، لا يولد له ولا يدخل مكة ولا المدينة وابن صياد
ولد له ودخل مكة والمدينة، فربما يكون هذا من الدجال إذا خرج على
الناس، وقد اجتمعت قرائن كثيرة تفيد أن ابن صياد هو الدجال، ولذلك
كان ابن عمر ﵄ قد اعتقد ذلك، وصمم عليه، بحيث كان
يحلف على ذلك، وكذلك جابر بن عبد الله ﵄ وعلى
الجملة فأمره كله مشكلة على الأمة، وهو فتنة ومحنة والله أعلم
стр. 736
بحقيقته" (١).
والرسول ﷺ لم يَعْلَم بحقيقة ابن صياد هل هو الدجال أم لا؟ .
ولذا قال: ﷺ لعمر حينما استأذنه في قتل ابن صياد: "إن يكنه فلن
تسلط عليه، وإن لم يكنه فلاخير لك في قتله" (٢).
قال القرطبي: "هذا يدل على أن النبي ﷺ لم يتضح له شيء من أمر
كونه هو الدجال أم لا؟ وليس هذا نقصًا في حق النبي ﷺ ؛ لأنه لم يكن
يعلم إلَّا ما علمه الله، وهذا مما لم يعلمه الله تعالى به، ولا هو مما تُرهِق
إلى علمه حاجة لا شرعية ولا عادية ولا مصلحية، ولعل الله تعالى قد علم
في إخفائه مصلحة فأخفاه، والذي يجب الإيمان به: أنه لابد من خروج
الدجال يدعى الإلهية، وأنه كذاب أعور كما جاء في الأحاديث الصحيحة
الكثيرة التي قد حصلت لمن عاناها العلم القطعي بذلك (٣).
من ينجو من فتنته:
الذي ينجو من فتنة الدجال هو الذي صدق في إيمانه وتوكله على
الله سبحانه، قال القرطبي: "لا شك في أن من صح إسلامه في ذلك
الوقت أنه يكفى تلك الفتن ... قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٤) أي: كافيه مشقة ما توكل عليه فيه، وموصله إلى ما يصلحه منه، ومع هذا فقد أرشد النبي ﷺ إلى ما يقرؤه على الدجال فيؤمن من
فتنته وذلك عشر آيات من أول سورة الكهف أو آخرها على اختلاف في
ذلك، والاحتياط والحزم يقتضي أن يقرأ عشرًا من أولها، وعشرًا من
стр. 737
آخرها، على أنه قد روى أبو داود من حديث النواس: "فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنها جوار لكم من فتنته" (١) " (٢).
٣ - نزول عيسى ﵇:
عيسى ﵇ أحد الأنبياء الكرام الذين فضلهم الله تعالى على العالمين، وقد كذبه اليهود وآذوه، وحاولوا قتله، لكن الله تعالى حفظه منهم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (٣) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٤).
قال ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويقبض المال، حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها" ثم يقول أبو هريرة: "واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)(٥)﴾ (٦) ".
وتقدم حديث خذيفة بن أسيد في ذكر الآيات العشر وفيه: "ونزول عيسى ابن مريم".
стр. 738
فالأدلة قد تضافرت على إثبات نزوله ﵇ في آخر الزمان، ونزوله من علامات الساعة الكبرى.
قال ابن كثير: "تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر "بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا" (١).
قال الطحاوي: "ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء" (٢).
قال ابن تيمية: "والمسيح (٣) ﷺ وعلى سائر النبيين لابد أن ينزل إلى الأرض ... كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره" (٤).
هذا هو قول أهل السنة وهو الذي نصره القرطبي ﵀ وأيَّده إذ قال بعد ذكره للأحاديث المثبتة لنزول عيسى ﵇: "تضمنت تلك الأحاديث المتقدمة أن عيسى ﵇ ينزل ويقتل
стр. 739
الدجال، وهو مذهب أهل السنة، والذي دل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (١) والأحاديث الكثيرة الصحيحة المنتشرة، وليس في العقل ما يحيل ذلك ولا يرده، فيجب الإيمان به والتصديق بكل ذلك، ولا يبالى بمن خالف ذلك من المبتدعة، ولا حجة لهم في اعتمادهم في نفي ذلك على التمسك بقول، : ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) وبما ورد في السنة من أنه لا نبي بعده ولا رسول (٣)، ولا بإجماع المسلمين علي ذلك، ولا على أن شرعنا لا ينسخ، وهذا ثابت إلى يوم القيامة، لأنا نقول بموجب ذلك كله؛ لأن عيسى ﵇ إنما ينزل لقتل الدجال، ولإحياء شريعة محمد ﷺ ، وليعمل بأحكامها، وليقيم العدل على مقتضاها، وليقهر الكفار، وليظهر للنصارى ضلالتهم، ويتبرأ من إفكهم، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويأتم بإمام هذه الأمة. والحاصل: أنه لم يأت برسالة مستأنفة ولا شريعة مبتدأة، وإنما يأتي عاضدًا لهذه الشريعة، وملتزمًا بأحكامها، غير مغير لشيء منها، والمنفي بالأدلة السابقة: إنما هو رسول يزعم أنه قد جاء بشرع مبتدأ، أو برسالة مستأنفة، فمن ادعى ذلك كان كاذبًا كافرًا قطعًا" (٤).
٤ - يأجوج ومأجوج
قال القرطبي: "يأجوج ومأجوج: يهمزان ولا يهمزان: لغتان وقرئ بهما فمن همزهما جعلهما من أجيج النار، وهو ضوءها وحرارتها وسمُّوا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأُجاج، وهو الماء الشديد
стр. 740
الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين" (١).
أصلهم:
قال القرطبي: "قال مقاتل (٢): هم من ولد يافث بن نوح ﵇. وقال الضحاك (٣): من الترك. وقال كعب: احتلم آدم ﵇ فاختلط ماؤه بالتراب فأسف فخلقوا من ذلك. وفيه نظر؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون" (٤).
قال القرطبي: "قال الغزنوي (٥) في كتابه المسمى بـ "عيون المعاني": أن النبي ﷺ قال: "يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده، صنف منهم كالأرز طولهم مئة وعشرون ذراعًا، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلَّا أكلوه، ويأكلون من مات منهم، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس" (٦) وقال علي