بحقيقته" (١).
والرسول ﷺ لم يَعْلَم بحقيقة ابن صياد هل هو الدجال أم لا؟ .
ولذا قال: ﷺ لعمر حينما استأذنه في قتل ابن صياد: "إن يكنه فلن
تسلط عليه، وإن لم يكنه فلاخير لك في قتله" (٢).
قال القرطبي: "هذا يدل على أن النبي ﷺ لم يتضح له شيء من أمر
كونه هو الدجال أم لا؟ وليس هذا نقصًا في حق النبي ﷺ ؛ لأنه لم يكن
يعلم إلَّا ما علمه الله، وهذا مما لم يعلمه الله تعالى به، ولا هو مما تُرهِق
إلى علمه حاجة لا شرعية ولا عادية ولا مصلحية، ولعل الله تعالى قد علم
في إخفائه مصلحة فأخفاه، والذي يجب الإيمان به: أنه لابد من خروج
الدجال يدعى الإلهية، وأنه كذاب أعور كما جاء في الأحاديث الصحيحة
الكثيرة التي قد حصلت لمن عاناها العلم القطعي بذلك (٣).
من ينجو من فتنته:
الذي ينجو من فتنة الدجال هو الذي صدق في إيمانه وتوكله على
الله سبحانه، قال القرطبي: "لا شك في أن من صح إسلامه في ذلك
الوقت أنه يكفى تلك الفتن ... قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٤) أي: كافيه مشقة ما توكل عليه فيه، وموصله إلى ما يصلحه منه، ومع هذا فقد أرشد النبي ﷺ إلى ما يقرؤه على الدجال فيؤمن من
فتنته وذلك عشر آيات من أول سورة الكهف أو آخرها على اختلاف في
ذلك، والاحتياط والحزم يقتضي أن يقرأ عشرًا من أولها، وعشرًا من
стр. 737
آخرها، على أنه قد روى أبو داود من حديث النواس: "فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنها جوار لكم من فتنته" (١) " (٢).
٣ - نزول عيسى ﵇:
عيسى ﵇ أحد الأنبياء الكرام الذين فضلهم الله تعالى على العالمين، وقد كذبه اليهود وآذوه، وحاولوا قتله، لكن الله تعالى حفظه منهم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (٣) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٤).
قال ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويقبض المال، حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها" ثم يقول أبو هريرة: "واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)(٥)﴾ (٦) ".
وتقدم حديث خذيفة بن أسيد في ذكر الآيات العشر وفيه: "ونزول عيسى ابن مريم".
стр. 738
فالأدلة قد تضافرت على إثبات نزوله ﵇ في آخر الزمان، ونزوله من علامات الساعة الكبرى.
قال ابن كثير: "تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر "بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا" (١).
قال الطحاوي: "ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء" (٢).
قال ابن تيمية: "والمسيح (٣) ﷺ وعلى سائر النبيين لابد أن ينزل إلى الأرض ... كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره" (٤).
هذا هو قول أهل السنة وهو الذي نصره القرطبي ﵀ وأيَّده إذ قال بعد ذكره للأحاديث المثبتة لنزول عيسى ﵇: "تضمنت تلك الأحاديث المتقدمة أن عيسى ﵇ ينزل ويقتل
стр. 739
الدجال، وهو مذهب أهل السنة، والذي دل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (١) والأحاديث الكثيرة الصحيحة المنتشرة، وليس في العقل ما يحيل ذلك ولا يرده، فيجب الإيمان به والتصديق بكل ذلك، ولا يبالى بمن خالف ذلك من المبتدعة، ولا حجة لهم في اعتمادهم في نفي ذلك على التمسك بقول، : ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) وبما ورد في السنة من أنه لا نبي بعده ولا رسول (٣)، ولا بإجماع المسلمين علي ذلك، ولا على أن شرعنا لا ينسخ، وهذا ثابت إلى يوم القيامة، لأنا نقول بموجب ذلك كله؛ لأن عيسى ﵇ إنما ينزل لقتل الدجال، ولإحياء شريعة محمد ﷺ ، وليعمل بأحكامها، وليقيم العدل على مقتضاها، وليقهر الكفار، وليظهر للنصارى ضلالتهم، ويتبرأ من إفكهم، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويأتم بإمام هذه الأمة. والحاصل: أنه لم يأت برسالة مستأنفة ولا شريعة مبتدأة، وإنما يأتي عاضدًا لهذه الشريعة، وملتزمًا بأحكامها، غير مغير لشيء منها، والمنفي بالأدلة السابقة: إنما هو رسول يزعم أنه قد جاء بشرع مبتدأ، أو برسالة مستأنفة، فمن ادعى ذلك كان كاذبًا كافرًا قطعًا" (٤).
٤ - يأجوج ومأجوج
قال القرطبي: "يأجوج ومأجوج: يهمزان ولا يهمزان: لغتان وقرئ بهما فمن همزهما جعلهما من أجيج النار، وهو ضوءها وحرارتها وسمُّوا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأُجاج، وهو الماء الشديد
стр. 740
الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين" (١).
أصلهم:
قال القرطبي: "قال مقاتل (٢): هم من ولد يافث بن نوح ﵇. وقال الضحاك (٣): من الترك. وقال كعب: احتلم آدم ﵇ فاختلط ماؤه بالتراب فأسف فخلقوا من ذلك. وفيه نظر؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون" (٤).
قال القرطبي: "قال الغزنوي (٥) في كتابه المسمى بـ "عيون المعاني": أن النبي ﷺ قال: "يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده، صنف منهم كالأرز طولهم مئة وعشرون ذراعًا، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلَّا أكلوه، ويأكلون من مات منهم، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس" (٦) وقال علي
стр. 741
-﵁: وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالب وأنياب السباع، وتداعي الحمام وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعور، تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام إحداها وبرة يُشتُّون فيها، والأخرى جلدة يصيِّفون فيها، يحفرون السد حتى كادوا ينقبونه، فيعيده الله كما كان حتى يقولوا: ننقبه غدًا إن شاء الله، فينقبون ويخرجون، ويتحصن الناس بالحصون، فيرمون. إلى السماء فيُردُّ إليهم السهم ملطخًا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم يعني الدود" (١).
قلت: أي القرطبي وسيأتي من أخبارهم الصحيحة ما يشهد بالصحة لأكثر هذين الحديثين (٢).
خروجهم من السد:
خروج يأجوج ومأجوج من السد يكون في آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة الكبرى، وقد دلَّ على خروجهم أدلة من الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾ (٣)، وجاء في صحيح مسلم قوله ﷺ : "إذ أوحى الله إلى عيسى: أني قد أخرجت عبادًا لي لا يَدَان لأحدٍ بقتالهم، فحَرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج -وهم من كل حدبٍ ينسلون- فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماءٌ ويُحْصَرُ نبيُّ الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار
стр. 742
لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيُرسلُ الله عليهم النَّغَفَ في رقابهم فيصبحون فرس كموت نفس واحدة ... " (١).
وقد بيَّن القرطبي في شرح هذا الحديث أن يأجوج ومأجوج لا قدرة لأحد على قتالهم، لذا يهلكهم الله تعالى بالنغف وهي دودة محتقرة تكون في أنوف الإبل والغنم إتلافها شديد (٢).
٥ - الخسوفات الثلاثة:
عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: قال ﷺ : "إن الساعة لن تقوم حتى تروا عشر آيات" فذكر الدخان ... وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب" (٣).
قال القرطبي: الخسوفات الثلاثة وقع بعضها، ذكر أبو الفرج الجوزي: "أنها وقعت بعراق العجم زلازل وخسوفات هائلة هلك بسببها خلق كثير، وقد سمعنا ونحن بالأندلس: أن بلدًا بشرقها خسف به وهلك كثير من أهله" (٤).
والصحيح أنه لم يحدث شيء منها إلى الآن، وإنما وقع بعض الخسوفات في أماكن متفرقة وفي أزمان متباعدة، وذلك من أشراط الساعة الصغرى، كما قال ﷺ : "يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف" قالت عائشة ﵂: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا
стр. 743
الصالحون؟ قال: "نعم، إذا ظهر الخبث" (١).
وهذه الخسوفات قد وجد منها في مواضع من الأرض في الشرق والغرب قبل هذا الزمن (٢).
أما الخسوفات الثلاثة المذكورة في العشر آيات العظام فتكون خسوفات عظيمة.
قال ابن حجر: "وقد وجد الخسف في مواضع ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا وقدرًا" (٣).
٦ - الدخان:
قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ (٤).
والمعنى: انظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين واضح يغشى الناس ويعمهم، وعند ذلك يقال لهم: هذا عذاب أليم، تقريعًا لهم، وتوببخًا، أو يقول بعضهم لبعض ذلك (٥).
وذهب ابن مسعود ﵁ وجماعة من السلف إلى أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشًا من الشدة والجوع، عندما دعا عليهم النبي ﷺ
стр. 744
حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدخان (١).
والقرطبي رجَّح أن الدخان يأتي في آخر الزمان، ويكون من علامات الساعة حيث قال: "وأما الدخان فهو الذي دلَّ عليه قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ على ما ذهب إليه غير ابن مسعود، وهم جماعة من السلف، وهو مروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن، وابن أبي مليكة، وروى حذيفة عن النبي ﷺ أن من أشراط الساعة دخانًا يمكث في الأرض أربعين يومًا" (٢).
"قلت -أي القرطبي-: ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾، وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ وهذا يبعد قول من قال: إنه الدخان الذي يعذب به الكفار يوم القيامة، وهو مروي عن زيد بن علي (٣).
وفي رده للقول الآخر المخالف لهذا القول الذي عليه ابن مسعود
стр. 745
رضي الله عنه ومن وافقه قال: "الذي حمل عبد الله بن مسعود ﵁ على إنكار ما ذهبنا إليه قوله تعالي: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (٢) ولذلك قال: أفيكشف عذاب الآخرة؟ وهذا لا دليل فيه على نفي ما قاله ذلك القائل؛ لأن حديث أبي سعيد إنما دل على أن ذلك الدخان يكون من أشراط الساعة قبل أن تقوم القيامة، في جوف انكشافه كما تنكشف فتن الدجال ويأجوج ومأجوج، وأمَّا الذي لا ينكشف فعذاب الكافر بعد الموت فلا معارضة بين الآية والحديث (٣).
وجمع من العلماء ذهب إلى الجمع بين هذه النصوص بأنهما دخانان ظهرت إحداهما وبقيت الأخرى، وهي التي ستقع في آخر الزمان، فأما التي ظهرت فهي ما كانت تراه قريش كهيئة الدخان، وهذا الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط الساعة (٤).
٧ - طلوع الشمس من مغربها:
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ (٥)، وجاءت الأحاديث الصحيحة موضحة بأن المراد ببعض الآيات المذكورة في هذه الآية هي
стр. 746
طلوع الشمس من مغربها (١). قال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" (٢)، وقال ﷺ : "بادروا بالأعمال ستًّا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم" (٣).
والقرطبي عند شرحه لقوله ﷺ : "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا" (٤). قال: "يعني -والله أعلم- أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة والطبع على كل قلب بما فيه؛ لأن ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة، وإيمان الكافر يصح فيه بدليل ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" (٥) ومعنى قوله: "إذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها" أي: حصل لجميع من على الأرض التصديق الضروري بأمور القيامة الذي لا يكلف به ولا ينفع صاحبه لكون أمور الآخرة معاينة، وإنما
стр. 747
كان طلوع الشمس، مخصوصًا بذلك لأنه أول تغيير هذا العالم العلوي الذي لم يشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى، وإلى ذلك الوقت، وأما ما قبله من الآيات فقد شوهد ما يقرب من نوعه، فإذا كان ذلك، وطبع على كل قلب بما فيه من كفر وإيمان أخرج الله الدابة مُعَرِّفة لما في بواطن الناس من إيمان وكفر فتكلمهم بذلك" (١).
وقال في رده على المبتدعة الذين يؤولون عامة هذه الآيات بمحض عقولهم: "مذهب أهل السنة حمل طلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها إذ لا إحالة فيها وهي أمور ممكنة في أنفسها، وقد تضافرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشهرتها، فيجب التصديق بها، ولا يلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة لها" (٢).
٨ - الدابة:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ (٣) أي: مع تمادي الناس بالعصيان وإعراضهم عن آيات الرحمن وترك النزول على حكمها بحيث لا تنفع فيهم الموعظة، ولا تردعهم التذكرة، يقول تعالى: إذا صاروا كذلك أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أي: دابة تعقل وتنطق ليعلم الناس أن ذلك آية من عند الله (٤). قال ﷺ : "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من
стр. 748
مغربها، والدجال، ودابة الأرض" (١).
قال القرطبي عن هذه الآية: "أما الدابة فهي التي قال الله فيها: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ذكر أهل التفسير: أنها خلق عظيم تخرج من صدع الصفا، لا يفوتها أحد تسِمُ المؤمن فينير وجهه، ويكتب بين عينيه مؤمن، وتسم الكافر فيسود وجهه، ويكتب بين عينيه كافر، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن هذه الدابة هي الجسَّاسة المذكورة في الحديث، وعن ابن عباس: أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفته العقاب (٢)، وقد اختلف في صورتها، وفي أي موضع تخرج منه على أقوالٍ كثيرة، وليس في شيء من ذلك خبر صحيح مرفوع، قال بعض المتأخرين من المفسرين: الأقرب أن تكون هذه الدابة: إنسانًا متكلمًا يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة.
قلت -أي القرطبي-: وإنما كان هذا عند القائل الأقرب لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة العشر الآيات المذكورة في الحديث (٣)؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير فلا آية خاصة، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر وترتفع خصوصية وجودها، فإذا وقع القول ثم: فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي يحتج على أهل الأرض باسم الإنسان أو بالعالم، أو بالإمام، إلى أن يسمى
стр. 749
بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء (١)، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير، وأما كيفية صفتها وخلقتها، وبماذا تكلمهم فالله أعلم بذلك" (٢).
وأحسن القرطبي في رده للأقوال التي لا دليل عليها إذ أمور الغيب لا تحكم فيها العقول.
٩ - النار التي تحشر الناس:
وهي آخر أشراط الساعة وهي نار تخرج من اليمن من "قعر عدن" تسوق الناس إلى محشرهم. قال ﷺ : في بيان الآيات العشر التي تكون قبل الساعة: "وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".
قال القرطبي "قوله: "آخر ذلك النار تخرج من اليمن" وقال فيما تقدم: "من قعر عدن" (٣) وقال في رواية: "من أرض الحجاز" قال القاضي: فلعلهما ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن وظهورها من الحجاز" (٤).
وأما كيفية حشرها للناس فقد قال ﷺ : "يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشُر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل
стр. 750
معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا" (١).
قال القرطبي: "الطرائق الأحوال المختلفة، والفرق المتفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾ (٢) أي: فرقًا مختلفة قال القاضي: هذا الحشر هو في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها ... ويدل على أنها قبل يوم القيامة قوله: "فتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا وتصبح معهم حيث أصبحوا" ... وعلى هذا فيكون معنى راغبين في لقاء الله وفي ثوابه وهؤلاء هم المؤمنون الذين وسموا باسم الإيمان، وراهبين: أي خائفين يعني بهم الكفار الذين وسموا باسم الكفر، وذلك إذا طبع على كل قلبٍ بما فيه عند طلوع الشمس من مغربها، وإذا خرجت دابة الأرض فنفخت في وجوه الناس ما تسم في وجه المؤمن مؤمن، وفي وجه الكافر كافر" (٣).
стр. 751
الفصل الثاني فتنة القبر وعذابه ونعيمه
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الروح
المبحث الثاني: فتنة القبر
المبحث الثالث: عذاب القبر ونعيمه
المبحث الرابع: سماع الموتى
стр. 752
المبحث الأول الروح
تباينت الأقوال في الروح ما هي، وهل هي النفس أم لا؟ ثم تعلق هذه الروح بالجسد ومستقر الأرواح بعد الموت إلى غير ذلك من المباحث المتعلقة بهذه المسألة. وقد بيَّن شارح الطحاوية أن النفس تطلق على أمور، وكذلك الروح فيتحد مدلولها تارة ويختلف تارة. فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالب ما تسمى نفسًا إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها" (١).
وقد تعرض القرطبي لهذه المسألة، وبيَّن الاختلاف الواقع فيها، حيث قال: "اختلف الناس في الأرواح قديمًا وحديثًا ما هي؟ وعلى أي حال هي؟ اختلافًا كثيرًا، واضطربوا فيها اضطرابًا شديدًا، الواقف عليه يتحقق أن الكل منهم على غير بصيرة منها، وإنما هي أقوال صادرة عن ظنون متقاربة، ولا يشك في أنه مما انفرد الله تعالى بعلم حقيقته، وعلى هذا المعنى حمل أكثر المفسرين قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (٢) فليقطع العاقل طمعه من علم حقيقته، ولينظر هل ورد في الأقوال الصادقة ما يدل على شيء من صفته؟ وعند تصفح ذلك واستقراء ما هنالك يحصل للباحث: أن الروح أمر ينفخ في الجسد ويقبض منه ويتوفى بالنوم والموت ويؤمن ويكفر ويعلم ويجهل ويفرح ويحزن ويتنعم، ويتألم، ويخرج، ويدخل، والإنسان يجد من ذاته بضرورته قابلًا للعلوم وأضدادها وللفكر وأضدادها، ولغير ذلك من
стр. 753
المعاني فيحصل من مجموع تلك الأمور على القطع: أن الروح ليس من قبيل الأعراض لاستحالة كل ما ذكر عليها، فيلزم أن تكون الروح من قبيل ما يقوم بنفسه، وأنه قابل للأعراض.
وهل هو متحيز أو ليس بمتحيز؟ ذهبت طوائف من الأوائل، ومن نحا نحوهم من الإسلاميين، إلى أنه قائم بنفسه غير متحيز، وذهب أكثر أهل الإسلام إلى أن ذلك من أوصاف الحق الخاصة به، وأنه لا تصح مشاركته في ذلك لأدلة تذكر في علم الكلام، وأن الروح قائم بنفسه متحيز، فهو من قبيل الجواهر.
ثم اختلف هل هو يقبل الانقسام فيكون جسمًا، أو لا يقبله فيكون جوهرًا فردًا؟ فذهبت طائفة من جلة علماء أهل السنة إلى أنه جسم لطيف مشابك لجميع أجزاء البدن أجرى الله العادة ببقائه في الجسم ما دام حيًّا، فإذا أراد الله إماتة الحيوان نزعه منه وأزل اتصاله بالحياة، وأعقبها بالموت، وأطبق معظم المتكلمين من أهل السنة على أنه جزء فرد من أجزاء القلب أو غيره، مما يكون في الإنسان أجرى الله العادة بحياة ذلك الجسم ما دام ذلك الجزء متصلًا به، والله تعالى أعلم وأحكم والتسليم أولى وأسلم" (١).
وقال المازري: "الكلام في الروح والنفس مما يغمض ويدق، ولكنه مع هذا أكثر الناس الكلام فيه حتى ألف بعضهم فيه التواليف، ولكن مشاهير المقالات في الروح قول أبي الحسن الأشعري إنه النفس الداخل والخارج، والقاضي أبو بكر بن الطيب يراه مما يتردد بين هذا الذي قاله أبو الحسن الأشعري، وبين الحياة، وبعض الناس يرى أنه جسم مشابك
стр. 754
للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة، ومال بعض المتكلمين من أئمتنا إلى أنه الأظهر فيه أنه جسم لطيف خلقه الباري تعالى وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده، وإذا شاء موت إنسان أعدم هذا الجسم منه إعدام الحياة، وهذا الجسم إن كان حيًّا فلا يحيى إلَّا بحياة تختص به أيضًا، وهو مما يصح صرف القبض إليه والبلوغ إلى مكان ما من الجسم وكونه في مكان في العالم أو حواصل طير إلى ذلك، مما وقع في الظواهر، ويصح في العقل صرف ما أشرنا إليه من الظواهر إلى غيره من جواهر القلب أو الجسم الحية، والمسألة تحتمل الاتساع الكثير، وإنما ذكرنا في هذا الموضع ما يليق به" (١).
هذا هو منهج المتكلمين في هذه المسألة والأصل في ذلك أن هذه المسائل من الأمور الغيبية التي يوقف فيها عند النصوص الشرعية إذ هو مما استأثر الله تعالي بعلمه كما ذكره القرطبي ﵀ ضمن الأقوال، فنكتفي بهذا في هذه المسألة ونكل العلم لله .
مستقر الأرواح بعد مفارقة الأبدان:
مذهب أهل السنة بقاء الأرواح بعد فراق الأجساد بمعنى أنها لا تفنى، قال شيخ السلام: "الأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم، ولا تفنى، ولكن موتها مفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان" (٢).
وأما من قال بانتقال الأرواح بعد فراقها للأبدان إلى أبدان أخرى فهو معلوم البطلان هو القول بالتناسخ، وقد رد عليه القرطبي وبين فساده وكفره حيث قال: "لا يلتفت لقول التناسخية القائلين بأن الأرواح
стр. 755
تنتقل إلى أجساد أُخر، فأهل السعادة ينقلون إلى أجساد حسنة مشرقة مرفهة، فتتنعم بها، وأهل الشقاء تنقل أرواحهم إلى أجسام خسيسة قبيحة فتعذب فيها، حتى إذا استوفت أمد عقابها رجعت إلى أحسن بنية وهكذا أبدًا، وهذا معنى الإعادة والثواب والعقاب عندهم، وهو مناقض لما جاءت به الشريعة، ولما أجمعت الأمة عليه، ومعتقده يكفر قطعًا، فإنه أنكر ما علم قطعًا من إخبار الله تعالى وإخبار نبيه ﷺ عن أمور الآخرة، وعن تفاصيل أحوالها، وأن الأمر ليس على شيء مما قالوه فالتناسخ والقول به باطل محال عقلًا" (١).
فالسؤال أين تكون هذه الأرواح بعد مفارقتها للأبدان؟
هذا مما وقع فيه الخلاف، وتعددت فيه الأقوال:
فقيل: إن الأرواح تكون على أفنية القبور، وقد تفارقها، وقيل: تسرح حيث شاءت، وقيل: تجتمع في موضع من الأرض، والقول الصحيح في هذه المسألة التفصيل:
فأرواح الأنبياء ﵈ في أعلى عليين، وقد ثبت في الصحيح أن آخر كلمة قالها ﷺ عند موته: "اللهم الرفيق الأعلى" (٢) أما أرواح الشهداء فالصحيح أنها في الجنة، كما جاء عنه ﷺ عندما سئل عن حياة الشهداء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (٣) حيث قال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك
стр. 756
القناديل" (١).
وأما غير الشهداء من المؤمن فقد جاء في الحديث أن "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" (٢). فالبعض فهم من هذا الحديث أن أرواح المؤمنين في الجنة كالشهداء والقرطبي جعل المقصود بهذا الحديث المؤمن الشهيد كما سيأتي بيانه.
وأما أرواح الكافرين ففي النار قال شيخ الإسلام: "أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار، تنعم أرواح المؤمنين وتعذب أرواح الكافرين إلى أن تعاد إلى الأبدان" (٣).
وقد بيَّن الحافظ ابن رجب الفرق بين أرواح الشهداء وأرواح عامة المؤمنين من غير الشهداء، مع أنهما جميعًا في الجنة (٤).
ومع كون الروح في مستقرها، فإن لها تعلقًا بالبدن في أوقات وعلى كيفيات الله أعلم بحقيقتها (٥).
وقد قال القرطبي في هذه المسألة عند شرحه للحديث الذي فيه أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر في الجنة، حيث قال: "تضمن هذا الحديث معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (٦).
стр. 757
وأن معنى حياة الشهداء أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم بأن جعلت في جوف طير كما في هذا الحديث، أو في حواصل طير خضر، كما في الحديث الآخر، صيانة لتلك الأرواح، ومبالغة في إكرامها لاطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنعم ... وأما اللذات الجسمانية، فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعد الله تعالى لها، وهذا مخصوص بالشهداء" (١).
ورجَّح القرطبي تخصيص هذا بالشهيد، وأما المؤمن غير الشهيد، فلا تكون روحه في الجنة، بل يطَلِع على منزلته في الجنة دون أن يباشر هذا أو يشاهده، وروح الكافر كذلك تشاهد ما أُعد لها من العذاب، وتتألم بذلك حيث قال: "قوله ﷺ : "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في ثمر الجنة" فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد ... وقد دلَّ على صحة هذا قوله في الحديث الآخر: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده غدوةً وعشيًا: إمالنار وإما الجنة فيقال: هذا مقعدك حتى تبعث إليه" (٢) فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يعرض عليه مقعده من الجنة، وهو في موضعه من القبر أو الصُّور أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها، وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد، فإنه يباشر ذلك ويشاهده، وهو فيها على ما تقدم، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند عرضِ ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (٣) وعند هذا العرض تدرك روح الكافر من الألم والتخويف والحزن والعذاب بالانتظار
стр. 758
ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنسأل الله العافية، كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح والسرور والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فإذا أُعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث وتتفق، والله الموفق" (١).
стр. 759
المبحث الثاني فتنة القبر
المقصود بفتنة القبر سؤال الملكين للعبد في قبره كما ورد بذلك الحديث الصحيح الذي قال فيه ﷺ : "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه - وإنه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ ، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" (١).
ولذا كان ﷺ يتعوذ بالله من فتنة القبر (٢).
قال القرطبي: "فتنة القبر: هي الضلال عن صواب إجابة الملكين فيه وهما: منكر ونكير" (٣).
فالمؤمن يوفق للجواب، والكافر يضل عن ذلك، كما قال تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ
стр. 760
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (١).
وعن البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد ﷺ ، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ (٢)﴾ (٣).
قال القرطبي: "أي يثبتهم في هذه الدار على التوحيد والإيمان بالنبي ﷺ ثم يميتهم عليه، وفي الآخرة عند المساءلة في القبر كما فسرها النبي ﷺ فإن كان النبي ﷺ قاله فهو المقصود، وإن كان من قول البراء، فهذا لا يقوله أحدًا بن قبل نفسه ورأيه، فهو محمول على أن النبي ﷺ قاله وسكت البراء عن رفعه لعلم المخاطب بذلك، والله تعالى أعلم، وقد قيل عن البراء أنه قال: هما سؤال القبر وسؤال القيامة يعني: فيرشد المؤمن فيهما إلى الصواب ويصرف الكافر عن الجواب" (٤).
وذهب القرطبي ﵀ إلى مشروعية تلقين الميت عند وضعه في قبره، وقد استدل بوصية عمرو بن العاص ﵁ حيث قال: "فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، حتى استأنس بكم، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي" (٥).
стр. 761
قال القرطبي: "الميت ترد عليه روحه ويسمع حس من هو على قبره، وكلامهم، والملائكة تسأله في ذلك الوقت، وهذا كله إنما قاله عمرو عن النبي ﷺ ؛ لأن مثله لا يدرك إلَّا من جهة النبي ﷺ ، وعلى هذا فينبغي أن يرشد الميت في قبره حين وضعه فيه إلى جواب السؤال، ويذكر بذلك، فيقال له: قل: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد رسولي، فإنه عن ذلك يسأل كما جاءت به الأحاديث، وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك" (١).
وقد ذهب إلى هذا القول بعض العلماء، منهم: الشنقيطي في أضواء البيان (٢).
وهذا فيه نظر لأنه لم يرد دليل صحيح صريح في المسألة والأصل فيها التوقف حتى يأتي دليل، وقد أرشد ﷺ عند دفن الميت إلى الاستغفار له وسؤال التثبيت ولم يثبت أنه ﵊ لقَّن ميتًا أو أمر بذلك.
وقد سُئِلَ شيخ الإسلام عن هذا التلقين فقال: "هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة أنهم أمروا به كأبي أُمامة الباهلي وغيره، وروي فيه حديث عن النبي ﷺ لكنه مما لا يحكم بصحته، ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك" (٣).
стр. 762
المبحث الثالث عذاب القبر ونعيمه
أجمع أهل السنة على إثبات عذاب القبر ونعيمه، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة منها: قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (٢).
ومن السنة: قوله ﷺ عندما مر على قبرين: "إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير" (٣) وقوله ﷺ : "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه" (٤) والأحاديث الدالة عليه كثيرة.
قال شارح الطحاوية: "قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا وسؤال الملكين فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في هذه الدار" (٥).
стр. 763
فمذهب أهل السنة والجماعة إثبات عذاب القبر ونعيمه، كما جاءت به الأدلة الصحيحة الصريحة، قال القرطبي: "عذاب القبر مما يجب الإيمان به، وقد صحَّ الإخبار عنه في الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولا يلتفت لاستبعاد المبتدعة، فإن الإمكانات متسعة والقدرة صالحة (١).
وقال عند شرحه لحديث الاستعاذة من عذاب القبر: هذا الحديث وما في معناه يدل على صحة اعتقاد أهل السنة في عذاب القبر، وأنه حق ويرد على المبتدعة المخالفين في ذلك" (٢).
وقال المازري في إثبات عذاب القبر: "عذاب القبر ثابت عند أهلِ السنة، وقد وردت به الآثار، وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)(٣)﴾ (٤).
стр. 764
المبحث الرابع سماع الموتى
هذه المسألة هي مما وقع فيها الاختلاف بين العلماء، إذ قال بعض العلماء بإثبات سماع الموتى، واستدلوا على ذلك بتكليم الرسول ﷺ للقتلى من المشركين الذين رموا في القليب يوم بدر، وقوله ﷺ لأصحابه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" (١)، وبقوله ﷺ عن الميت بعد دفنه: "إنه ليسمع قرع نعالهم" (٢) وبأمثالهما من الأحاديث المثبتة لذلك.
قال الشنقيطي ﵀: "النصوص الصحيحة عنه ﷺ في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها" (٣). وقد ذهب إلى هذا القول عدد من العلماء منهم ابن عبد البر، وابن كثير، وابن القيم، وابن رجب وغيرهم (٤).
وذهب آخرون منهم عائشة ﵂ إلى إنكار ذلك والاعتراض عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (٥) وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٦).
والقرطبي ﵀ أخذ بالقول الأول، وأثبت أنه لا تعارض
стр. 765
بين الآيات والأحاديث في هذه المسألة، فقال بعد تقريره لسماع الموتى: "ولا يعارض هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾، ولا بقوله ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لأن النبي ﷺ قد نادى أهل القليب وأسمعهم، وقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابًا" وقال في الميت: "إنه ليسمع قرع نعالهم" وإن هذا يكون في حال دون حال ووقت دون وقت. وقال في الجمع بين هذه النصوص: إنكار عائشة على ابن عمر سماع أهل القليب إنكار لما رواه الثقة الحافظ لأجل أنها ظنت أن ذلك مُعَارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ وبقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ولا تعارض بينهما لوجهين:
أحدهما: أن الموتى في الآية إنما يراد بهم الكفار، فكأنهم موتى في قبورهم والسماع يراد به الفهم والإجابة هنا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ (١) وهذا كما سماهم صم وبكم وعمي مع سلامة هذه الحواس منهم.
وثانيهما: أنا لو سلمنا أن الموتى في الآية على حقيقتهم فلا تعارض بينها وبين أن بعض الموتى يسمعون في وقت ما أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصص وقد وجد هنا بدليل هذا الحديث (٢)، وحديث أبي طلحة الذي قال فيه النبي ﷺ في أهل
стр. 766
بدر: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" وهو متفق عليه، وبما في معناه مثل قوله في الميت: "إنه ليسمع قرع النعال" وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما إلى غير ذلك مما لا ينكر، فحديث ابن عمر صحيح النقل، وما تضمنه يقبله العقل، فلا طريق لتخطئته والله تعالى أعلم" (١).
وهذا القول هو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "والنص الصحيح عن النبي ﷺ مقدم على تأويل من تأول من أصحابه وغيرهم، وليس في القرآن ما ينفي ذلك، فإن قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (٢) إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه، فإن هذا مثلٌ ضُرِبَ للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ (٣) فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع السماع المعتاد أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلم ينف عنهم وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الميت يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين، فهذا موافق لهذا، فكيف يدفع ذلك؟ " (٤).
وأما المازري فذهب إلى إنكار سماع الموتى، وجعل حديث الرسول ﷺ لأهل القليب وإثباته لسماعهم إنما هو إحياء لهم ليسمعوا
стр. 767
كلام الرسول ﷺ توبيخًا لهم حيث قال عند شرح هذا الحديث: "ذهب بعض الناس إلى أن الميت يسمع أخذًا بظاهر هذا الحديث، والذي عليه المحصلون من العلماء أن الله تعالى خرق العادة. بأن أعاد الحياة إلى هؤلاء الموتى ليقرعهم؛ ﷺ وإلى هذا ذهب قتادة، وقد ذكر الحديث لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﷺ : "إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم الحق" ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فأنت ترى عائشة كيف أنكرت ظاهر الحديث وحولته إلى لفظ آخر، والتشكك في سماع سائر الموتى وحسهم يخرم الثقة بالعلوم الضرورية" (١). وقال في موضع آخر: "اغتر بعض الناس بحديث القليب، فقال: إن الميت يسمع، وهذا غير صحيح عند أهل الأصول؛ لأن الحياة شرط في السمع فلا يسمع غير حي، وحمل بعض الناس ذلك على أنهم أعيدت لهم الحياة حتى سمعوا تقريعه ﵇ لهم" (٢).
стр. 768
الفصل الثالث البعث والنشور
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: النفخ في الصور
المبحث الثاني: البعث والنشور
المبحث الثالث: الحشر
المبحث الرابع: الميزان
المبحث الخامس: الشفاعة
المبحث السادس: الحوض
المبحث السابع: الصراط
البحث الثامن: ذبح الموت
стр. 769
المبحث الأول النفخ في الصور
النفخ في الصور هو المؤذن بقيام الساعة وعنه ينشأ الصعق والبعث، وقد عرف القرطبي الصور، فقال: الصور قيل: إنه جمع صورة. والصحيح ما صح عن النبي ﷺ أنه قال "الصور قرن ينفخ فيه" (١).
وأمَّا الصعق الذي ينشأ عن النفخ في الصور فقال القرطبي في تعريفه: "أصل الصعق والصعقة: الصوت الشديد المنكر كصوت الرعد وصوت الحمار، وقد يكون معه موت لشدته، وهو المراد بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) وقد تكون معه غشية، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (٣) فإن كان معه نار فهو الصاعقة" (٤).
عدد النفخات في الصور:
اختلف العلماء في عدد النفخات فقيل: ينفخ في الصور نفختان وقيل: ثلاث نفخات وقيل: أربع.
ومفهوم كلام القرطبي ميله إلى أنه ينفخ في الصور نفختان حيث قال: اختلف في عدد النفخات فقيل: ثلاثة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث، وقيل: هما نفختان: نفخة الفزع، هي نفخة
стр. 770
الصعق، لأن الأمرين لا زمان لها والله أعلم (١).
وعند شرحه لقوله ﷺ : "بين النفختين أربعون" (٢) قال: "يعني: نفختي الصعق والبعث يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٣) " (٤).
والقول الراجح الذي تؤيده الأدلة أن النفخ في الصور نفختان فقط: الأولى: نفخة إماتة يموت فيها كل من كان حيًّا إلَّا من استثنى الله تعالى وهي نفخة الصعق.
والثانية: نفخة إحياء يحيى بها من مات، وهي نفخة البعث.
ولكن الإشكال مع هذا ما جاء من قوله ﷺ في بيان فضل موسى ﵇، إذ قال: "لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلَّا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من يبعث - وفي رواية -: أول من يفيق فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي" (٥).
وقد بيَّن القرطبي هذا الإشكال ووجه الانفصال عنه فقال: هذا مشكل بالمعلوم من الأحاديث الدالة على أن موسى ﵇ قد
стр. 771
توفي، وأن النبي ﷺ قد رآه في قبره، وبأن المعلوم المتواتر: أنه توفي بعد أن ظهر دينه وكثرت أمته ودفن بالأرض ووجه الإشكال: أن نفخة الصعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذه الدار فأما من مات فيستحيل أن يموت مرة أخرى؛ لأن الحاصل لا يستحصل ولا يبتغى، وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث وموسى قد مات، فلا يصح أن يموت مرة أخرى، ولا يصح أن يكون مستثنى ممن صعق؛ لأن المستثنين أحياء لم يموتوا، ولا يموتون، فلا، يصح استثناؤهم من الموتى، وقد رام بعضهم الانفصال عن هذا الإشكال فقال: يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا قول باطل بمما ذكرناه، قال القاضي عياض: "يحتمل أن المراد بهذه الصعقة صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السموات والأرضون قال: فتستقل الأحاديث والآيات. قلت: وهذه غفلة عن مساق الحديث، فإنه يدل على بطلان ما ذُكر دلالة واضحة فإن النبي ﷺ ، قال: إنه حين يخرج من القبر فيلقى موسى وهو متعلق، بالعرش وهذا كان عند نفخة البعث ثم إنَّ النبي ﷺ عندما يرى موسى يقع له تردد في موسى على ظاهر هذا الحديث هل مات عند نفخة الصعق المتقدمة على نفخة البعث فيكون قد بعث قبله، أو لم يمت عند نفخة الصعق لأجل الصعقة التي صعقها على الطور جعلت له تلك عوضًا من هذه، وعلى هذا فكان حيًّا حالة نفخة الصور، ولم يصعق، ولم يمت وحينئذ يبقى الإشكال إذا لم يحصل عنه انفصال.
قلت: والذي يزيحه إن شاء الله تعالى أن يقال: إن الموت ليس بعدم، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين فهذه صفات الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى ... فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق، صعق كل من في السموات
стр. 772
والأرض إلَّا من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي ومن غشي عليه أفاق فهذا الذي يظهر لي والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" (١).
قال الشيخ الغنيمان بعد نقله لكلام القرطبي السابق: "قلت: وحاصل هذا الجواب أن الصعقة المذكورة في الحديث هي الصعقة الأولى، وأن الصعق يكون للأرواح، وكل ذلك باطل؛ لأن الحديث ينص على أنها نفخة البعث، ومعلوم أن الأرواح لا تموت، فكيف يكون صعق غير الأنبياء موتًا مع أنه زعم أن الصعق للأرواح وكل ذلك يفتقر إلى دليل، والأدلة بخلافه.
ولهذا قال ابن القيم: وحمل الحديث على هذا لا يصح لأنه ﷺ تردد هل أفاق موسى قبله، أو لم يصعق بل جوزي بصعقة الطور. فالمعنى لا أدري أصعق أم لم يصعق؟ .
وقال في الحديث: "فأكون أول من يفيق" وهذا يدل على أنه ﷺ يصعق فيمن يصعق وأن التردد حصل في موسى هل صعق وأفاق قبله من صعقته أو لم يصعق؟ ولو كان المراد به الصعقة الأولى، وهي صعقة الموت، لكان ﷺ قد جزم بموته وتردد هل مات موسى أو لم يمت وهذا باطل ... فالأقرب في هذه المسألة ما قاله الحليمي: "أن المعنى إذا نفخ في الصور مرة أخرى كنت أول من بعث فأجد موسى مبعوثًا قبلي، فلا أدري أفضل بذلك على سائر الخلق، أو أن ذلك جزاء له بصعقه الطور، وهذا بناء على أن النفخ في الصور مرتان وهو الذي تؤيده الأدلة
стр. 773
الصحيحة" (١).
واختلف في المستثنى من النفخ من هو؟ فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء، والصحيح: أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل، والله أعلم (٢).
قال شيخ الإسلام: وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل من استثنى الله، فإن الله أطلق في كتابه وتوقف النبي ﷺ ، فصار هذا مثل العلم بوقت الساعة لا ينال إلَّا بالخبر والله أعلم (٣).
стр. 774
المبحث الثاني البعث والنشور
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ (٢)، وقال ﷺ في حديث جبريل: "وتؤمن بالبعث الآخر" (٣).
قال القرطبي: "وصف البعث بالآخر يحتمل أن يكون على جهة التأكيد، كما قالوا: أمس الدابر، وأمس الذاهب، ويحتمل أن يقال: إن البعث إحياء بعد إماتة، وقد فعل الله ذلك مرتين فأحيانا بعد أن كنا نطفًا وعلقًا ومضغًا، وهي أموات، ثم يحيينا ليوم القيامة، وهو البعث الآخر، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ (٤) " (٥).
صفة البعث والنشور:
جاء في صفة البعث والنشور، قوله ﷺ : "ثم يُنْزِلُ اللهُ من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلَّا يبلى إلَّا عظمًا واحدًا لا تأكله الأرض أبدًا هو عجبُ الذنب، ومنه يركب الخلق يوم
стр. 775
القيامة" (١).
قال القرطبي: "قوله: "ثم ينزل الله من السماء ماء" يعني به بعد نفخة الصعق ينزل هذا الماء هو كمني الرجال، فتتكون فيه الأجسام بقدرة الله تعالى، وعن ذالك عبَّر بقوله: "فينبتون كما ينبت البقل، فإذا تهيأت الأجسام وكمُلَت نفخ في الصور نفخة البعث فخرجت الأرواح من المحال التي هي فيها، قال بعضهم: فتأتي كل روح إلى جسده فيحييها الله تعالى كل ذلك في لحظة، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٢) " (٣).
وقال عن "عجب الذنب" الذي يركب منه الخلق يوم القيامة: "عجب الذنب" يقال بالباء والميم، وهو جزء لطيف في أسفل الصلب، وقيل هو رأس العصعص ... وهو أول ما خلق منه الإنسان، ثم الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى" (٤).
وبيَّن القرطبي أن الأرض تأكل لحوم بني آدم، كما جاء في هذا الحديث، وهو عام، لكن النبي والشهيد والمؤذن المحتسب مستثنى من هذا العموم" (٥).