Полный текст (771 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
صورة للصفحة الأولى من نسخة المكتبة الآصفية بالهند (هـ)
стр. 107
صورة للصفحة الأخيرة من نسخة المكتبة الآصفية بالهند (هـ)
стр. 108
صورة لصفحة العنوان من نسخة المكتبة الناصرية في لكنو بالهند (ل)، مؤرخة سنة (١٣١٢ هـ)
стр. 109
صورة للصفحة الأولى من نسخة المكتبة الناصرية في لكو بالهند (ل)
стр. 110
صورة للصفحة الأخيرة من نسخة المكتبة الناصرية في لكنو بالهند (ل)
стр. 111
المبحث الثاني
التعريف بالكتاب وموضوعاته وقيمته العلمية
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: موضوعات الكتاب ومحتوياته ومسائله.
المطلب الثَّاني: في الكلام على ثلاث قضايا متعلقة بموضوع الكتاب.
المطلب الثَّالث: قيمة الكتاب العلمية.
* * *
تمهيد:
كتاب "استجلاب ارتقاء الغرف" لا يزال مخطوطًا إلى يوم الناس هذا، فلم يشق له أن طُبع أي طبعة -حسب حدود علمي القاصر-، وقد فرغ المؤلف من تأليفه في شهر رمضان سنة سبع وسبعين وثماني مائة (٨٧٧ هـ)، كما جاء في بعض النُّسخ الخطيّة.
وهو يناقش قضيةٌ مهمَّة، وهي الكلام في مناقب وفضائل العِترة الطَّاهرة، أهل بيت النَّبيِّ ﷺ والتنبيه على ما لهم من الحقوق على سائر الأمة، وما يجب عليهم في المقابل من الواجبات، وإبراز ما لهم من الكرامات والشَّرف العلي، لانتسابهم إلى النَّبيِّ ﵊، وكلّ ذلك على ميزان الشَّرع، من غير غلو فيهم أو إفراط في حبّهم أو تعظيمهم، وفي الوقت نفسه من غير جفاء فيهم، أو انتقاصٍ لهم؟ فإنَّ الناس في أهل البيت منقسمون إلى ثلاث طوائف: (غلاة- جُفاة- وبينهما واسطة).
فقد ناقش الحافظ السَّخاويُّ هذه القضية الخطيرة على ميزان أهل السُّنَّة والجماعة
стр. 112
(الوسط) (١) بكل مسؤولية واقتدار، وبسطٍ للمسائل والأدلة، ناقلًا عن العلماء الذين سبقوه بكلِّ دقة وأمانة، فمن خلال دراسة الكتاب سيتضح للمسلم الموقف الصحيح، والمنهج الحق، الذي يجب عليه أن يقفه تجاه أهل البيت.
ومما يُعطي الكتاب أهميةً -في نظري-، أنَّ المكتبة الإسلامية تكاد تخلو من كتاب يعرض هذه القضية في ضوء منهج أهل السُّنَّة والجماعة، إذ الكتب المؤلَّفة في هذا الباب ذات اتجاهين:
الاتجاه الأول: كتب تجمع أخبار أهل البيت، وما جاء في فضائلهم، دون تمييز بين الصَّحيح والضَّعيف من هذه الأخبار، ومن أشهرها: كتاب "ذخائر العُقبى في مناقب ذوي القُربى"، للمحب الطَّبريِّ.
الاتجاه الثاني: كتب مشحونة بالبدع والمحدثات -تضع السُّمَّ في الدَّسم-، فهي تذكر فضائل أهل البيت، وتجمع الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة والمنكرة، وتدعو صراحة إلى الغلو في أهل البيت، وتجيز التوسل والاستشفاع بهم، وطلب قضاء الحاجات، وكشف المصائب والكروبات منهم، واعتقاد أنَّ ذنوبهم مغفورة مهما فعلوا وارتكبوا من المعاصي والكبائر. ومن أشهر هذه الكتب "الشَّرف المؤبَّد لآل محمَّد" ليوسف بن إسماعيل النَّبهانيِّ.
أمَّا كتب الرَّافضة فهي مليئة بالبدع والشركيات، والكذب والبهتان والأخلوقات. وقد ردَّ على شيء منها وسدَّ هذه الثغرة الأُستاذ الشَّيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته (٢). فكان الواجب مجابهة هذا الاتّجاه الأخير، وبيان الحقّ في هذه القضية، ولو بجهد المقل بإخراج هذا الكتاب، وسدِّ حاجة المكتبة الإسلامية بكتاب من كتب أهل السُّنَّة بشيء من الخدمة والدِّراسة والتحقيق، فالحاجة مُلِحَّة.
_________
(١) للحافظ السخاوي رسالة في ذم الغلو والإجحاف، والحث على الاعتدال والإنصاف، أسماها: "الجواب الذى انضبط عن (لا تكن حلوًا فتُسترط) ". وأنشد فيه لبعضهم (ص ٥٢):
عَليكَ بأوساطِ الأمُورِ فإنَّهَا ... نجاةٌ ولا تَركب ذَلُولًا ولا صَعبًا
(٢) يُذكر أن لإحسان إلهي ظهير ﵀ عدة كتب في الرد على الشِّيعة الرافضة، من أشهرها: "الشيعة وأهل البيت"، و"الشيعة والتشيع"، و"الشيعة والقرآن" و"الشيعة والسنة"، وغيرها.
стр. 113
المطلب الأول: موضوعات الكتاب ومحتوياته ومسائله
احتوى كتاب "ارتقاء الغُرَف" على مسائل متعددة، وقضايا متنوعة، وفوائد مستنبطة، مما يجعله من أبرز الكتب المؤلفة في هذا الباب وأنفعها، ويصحُّ فيه ذاك الوصف الذي وصفه به المؤلف في مقدِّمته، حيث إنه جمعه واقتفى فيه بما تقرُّ به العين، ويلذُّ في السَّمع (١).
وقبل أن أبدأ في بيان ذلك سأذكر أمرين متعلقين بالكتاب، هما: سبب تأليف الحافظ السَّخاويَّ للكتاب، ثم ترتيبه، وبعد ذلك أشرع في الكلام على موضوعات الكتاب وما يتعلق به.
سبب تأليف الكتاب:
الذي دعا الحافظ السَّخَاوي إلى تأليف الكتاب سببان جوهريان ذكرهما في خطبته.
أمَّا السَّبب الأول: فهو ما أشار إليه في خطبة الكتاب بعد حمد الله والثناء عليه، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه ﷺ ، فلقد ذكر أنه جمع هذا الكتاب وألَّفه من أجل التماس أحد الأعيان المحبِّين له، دون أن يشير إلى اسمه أو يُعرِّف به.
وقد تعرَّفت -بحمد الله وتوفيقه- على هذا الشَّخص الذي أشار على المؤلف تأليفَ الكتاب وجمعه، وهو أبو البقاء بن الجيعان البدر، أحد أعيان المائة التاسعة، واسمه محمد بن يحيى بن شاكر بن عبد الغني، ذلك أنه التمس من المؤلف تصنيفَ كتاب في "الأشراف"، حين صار ابن الجيعان يتكلَّم في وقف الأشراف (٢). تجدر الإشارة أنَّ المؤلف تَرجمَهُ ترجمة حافلةٌ في كتابه الشهير "الضوء اللامع" (٣) في أربع صحائف.
وهذه الطريقة -أعني تأليف كتاب أو رسالة أو ما أشبه ذلك، من أجل إجابة سائل، أو رغبةِ حاكم أو سلطان، أو التماسِ شيخ أو طالب -كانت سائغة عند المتقدِّمين،
_________
(١) انظر: مقدمة القسم المحقَّق (ص ٢٢٣).
(٢) انظر: "الضوء اللامع" (١١/ ١٠)، وانظر ما كتبته بخصوص هذا الشأن في تحقيق مقدمة الكتاب (ص ٢٢٢ - ٢٢٣).
(٣) (١١/ ٨ - ١١).
стр. 114
يصنعونها في أكثر من تأليف ... وقد أكثر المؤلف من ذلك (١).
قال المؤلف مشيرًا إلى هذا السبب بقوله: " ... وبَعدُ: فهذا تصنيفٌ شريفٌ في العِترَة العَطِرَةِ الطَّيِّبَة، والذُرِّيَّةِ البهيَّه المنتخبة، اشتمل على مقدِّمة، وخاتمة، بينهما فصولٌ وفوائدُ مهمَّة، بالبرهان قائمة، من مقبول المنقول، جمعتُهُ امثالًا لإِشارة مَن ارتَقى بما انتقَى من محاسن والده، وذَاق بِفَهمِهِ الذي رَاقَ حلاوَة ما استجنَاه من ثَمَرِ العلمِ وفوائده، زاده الله حيثُ حَشى من جميل الثَّنَاء سَمْعَهُ، ومشى بما رأى فيه نَفعَهُ من طريف الخير وتالده، وأسعده سعادَة أوليائه، ومتع بدوام حياته وبقائه" (٢).
أما السَّبب الثاني: فهو ما أشار إليه -أيضًا- مِن أنه اطلَّع في أول حياته على كتاب "ذخائر العُقبى في مناقب ذوي القُربى"، للمحبِّ الطَّبريِّ (ت ٦٩٤ هـ)، ثم إنه تطلَّبه وَبَحَثَ عنه فلم يجد مَن يخبره عنه شيئًا، فدعاه هذا الأمر إلى التَّشمر والجدِّ -خصوصًا بعد التماس أبي البقاء بن الجيعان كما تقدَّم- لجمع مادة كتابنا هذا، والاقتفاء في هذا الجمع ما تقرّ به العين، ويلذّ في السَّمع، مع تنبيهه إلى أنه لا يأتي في الكتاب إلَّا الفوائد المهمة
_________
(١) تجدر الإشارة إلى أن السخاوي ألَّف عددًا كبيرًا من كتبه لأجل إشارة من يشير عليه بذلك، أو لأجل مناسبة معينة، ومن تلك المؤلفات:
* "وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام للذهبي"، ألَّفه لأجل إشارة ابن الجيعان المتقدِّم.
* "التِّبر المسبوك في الذيل على السلوك للمقريزي"، ألَّفه إجابة لطلب عظيم وقته الدوادار الكبير في أيام الأشرف قايتباي. "وجيز الكلام" (٢/ ٥٧٦).
* "الابتهاج بأذكار المسافر الحاج"، ألَّفه لأجل ابن الأمشاطي لما أراد الخروج للحج. "الضوء اللامع" (١٠/ ٢٣٨).
* "القناعة مما تحسن الإحاطة به من أشراط الساعة"، ألَّفه من أجل سؤال تلميذه المعروف بـ (ابن القارئ)، "الضوء اللامع" (١٠/ ٨٨).
* "القول المبين في ترجمة القاضي عضد الدِّين"، ألَّفه لإشارة تلميذه حسين بن أحمد بن قاوان. "الضوء اللامع" (٣/ ١٣٧).
* "القول المعهود فيما على أهل الذمة من العهود"، ألَّفه من أجل طلب القاضي علاء الدين ابن الصابوني لحادثة وقعت بالقاهرة بين المسلمين والنصارى. "الضوء اللامع" (٥/ ١٨٥)، و"وجيز الكلام" (٢/ ٧٥٩).
(٢) انظر: (ص ٢٢٢) في القسم المحقق.
стр. 115
التي تقوم على البرهان والدليل، مما هو مقبول عند أهل العلم، مع إشارته إلى الاختصار فيما سيذكر، إذ أنه لو مشى في تأليفه ممشى المحبِّ الطَّبري لجاء الكتاب في عدة مجلدات محرَّرة، فيها الكفاية والمقنع، مع بيانه السَّمينَ والهزيلَ من الرِّوايات والأخبار، كما عبَّر المؤلف (١).
ترتيب الكتاب:
قسَّم المؤلف كتابه إلى ثلاثة محاور أساسية هي:
١ - مقدِّمة: (وقد جاءت مطوَّلة ومفيدة، مذيَّلة بتتمة نفيسة).
٢ - فصول أو أبواب: (وجاء عددها أحد عشر فصلًا أو بابًا).
٣ - خاتمة: (وقد جاءت طويلة أيضًا وقيمة في نفس الوقت).
أمَّا المقدِّمة:
فقد أشار بداية في ديباجة الكتاب الى تفضيل أهل بيت النَّبيِّ ﷺ بالشَّرف، وأنَّ المعوَّل في حبِّهم على اقتفاء منهلهم السَّوي، المجانب للتقتير والسَّرف، ثم سجَّل كذلك ثناءه على المحدِّثين المختصين عن سائر الفرق نطقًا وكتابة في الورق بكثرة الصَّلاة على النَّبيِّ المصطفى المختار ﷺ ، مع انتصابهم لتبيين السُّنَّة والذَّبِّ عنها -مع أرَقهِم ونَصَبهم- حتى كأنهم المعنيون بقول الشَّارع: "أولى النَّاس بي أكثرهم عليَّ صلاة" (٢).
ثم أشار بعد ذلك إلى سبب تأليفه الكتاب، حيث التمس منه أحد المحبِّين له أن يُؤلِّف كتابًا في مناقب الأشراف ... ثم ذكر ما كان مِن شأن كتاب المحبِّ "ذخائر العُقبى"، وتسجيل انتقاده الصَّريح للمؤلف والمؤلَّف.
ثم بعد ذلك أورد مقدِّمة تاريخيةً مفيدة، لها صلة بعلم الأنساب، ذَكَرَ فيها مَن حضره من أقرباء النَّبيِّ ﷺ المنسوبين إلى جدِّه الأقرب عبد المطلب، ممن صحب النَّبيَّ ﷺ منهم، أو رآه من ذكرٍ أو أنثى. وقد تميِّز الكتاب بهذه المقدِّمة الرَّائعة عن كتاب "ذخائر العُقبى"، للمحبِّ.
_________
(١) انظر: خطبة الكتاب في القسم المحقق (ص ٢٢٣ - ٢٢٥).
(٢) انظر تخريجه والكلام عليه في القسم المحقق، حديث رقم (١).
стр. 116
وجديرٌ بالذكر، أن المؤلف ختم هذه المقدِّمة بتتمة نفيسة تتعلَّق بفنِّ الأنساب الذي هو من جملة فنون علم الأثر، فلقد ساق جملةٌ من فوائد هذا العلم، ثم أورد كلام أهل العلم في الجمع بين ما جاء في ذمّه وما جاء في مدحه.
يجدر بالذكر كذلك، أن المؤلف وَعَدَ في هذه المقدِّمة أنه سيأتي في الكتاب بأشياء لم يقف عليها في ديوان من الدَّواوين، وَوَصَفَ تأليفَهُ وجمْعَهُ لمادته أنه اقتفى فيه بما تقرُّ به العين، ويلذُّ في السمع، وفيه إشارة إلى عنايته الفائقة بمادة الكتاب ومحتوياته، وهو ما ستراه جليًّا عند مطالعة الكتاب.
وقد أشار في هذا الصَّدد أنه سيتابع المحبَّ في أشياء أضافها إليه دون أن يُبيِّن ذلك أو يشير إليه. وعبارته في بيان هذه الفقرة من المنهج: "وقد أتيتُ من ذلك بما لم أقِف عليه في ديوان، وقلَّدت المُحبَّ في أشياء أضفتُهَا إليه من غير بيان" (١).
وقد وفَّى المؤلف بهذا الوعد، فنراه يأتي في كتابه بفوائد مهمَّة -كما عبَّر هو-، وفرائد، ولطائف قلَّ أن تجدها في كتاب آخر.
وتعتبر مقدِّمة الكتاب طويلة بالنسبة لجميع الكتاب، فقد جاءت في المخطوط إلى (ق ١٦/ ب) أي ست عشرة ورقة، بمعدل اثنتين وثلاثين صفحة! وبلغت في القسم المحقق (من ٢١٩ - ٣٠٩)، وبلغ عدد الأحاديث والآثار الواردة فيها ستة وعشرين (٢٦ حديثا وأثرًا).
وأما فصول وأبواب الكتاب فهي:
الباب الأول: باب وصية النَّبيِّ ﷺ وخيفته بأهل بيته المشرَّف، كلٌّ بانتمائه إليه ونسبته، وبلغ عدد أحاديثه واحدًا وتسعين (٩١ حديثا وأثرًا).
الباب الثاني: باب الحث على حبُهم والقيام بواجب حقّهم. وبلغ مجموع أحاديثه سبعةً وخمسين (٥٧ حديثًا وأثرًا).
الباب الثالث: باب مشروعية السَّلام عليهم تبعًا للمصطفى في الصَّلاة وغيرها مما يزيدهم فخرًا وشرفًا. وعدد أحاديثه بلغت أربعة عشر (١٤ حديث وأثرًا).
_________
(١) انظر: (ص ٢٢٦) في القسم المحقق.
стр. 117
الباب الرَّابع: باب دعائه ﷺ بالبركة في هذا النَّسل المكرَّم. وعدد الأحاديث الواردة فيه أربعة (٤ أحاديث فقط).
الباب الخامس: باب بشارتهم بالجنة ورفع منزلتهم بالوقوف عند ما أوجبه الشَّارع وسنَّه. وبلغ عدد أحاديثه سبعة عشر (١٧ حديثًا وأثرًا).
الباب السادس: باب الأمان ببقائهم والنَّجاة في اقتفائهم. وعدد أحاديثه بلغت سبعة عشر (١٧ حديثًا وأثرًا أيضًا).
الباب السابع: باب خصوصياتهم الدَّالة على مزيد كراماتهم، ومن هذه الخصوصيات التي ذكرها المؤلف:
١ - أنَّ الأنساب كلّها تنقطع يوم القيامة إلَّا نسبه ﷺ .
٢ - أنَّ أولاد فاطمة ﵂ وعنهم ينتمون إليه ﷺ دون سائر بناته أو بني هاشم.
٣ - أن الصدقة حرام على بني هاشم.
٤ - أنَّ المهدي الذي سيخرج في آخر الزمان منهم.
٥ - أنَّ أكثرهم يشبه النَّبيَّ ﷺ في صورته الشَّريفة.
ومجموع الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب اثنان وسبعون (٧٢ حديثًا وأثرًا).
الباب الثامن: باب إكرام السَّلف لأهل البيت من الصَّحابة والمقتفين طريقهم في الإصابة. وعدد الأحاديث فيه ثمانية عشر (١٨ حديثًا وأثرًا).
الباب التَّاسع: باب مكافأة الرَّسول ﵊ لمن أحسن إليهم يوم القيامة، وعدد الأحاديث الواردة فيه خمسة (٥ أحاديث فقط).
الباب العاشر: باب إشارة المصطفى ﷺ بما حصل بعده من القتل والشِّدَّة. وعدد أحاديثه ستة (٦ أحاديث).
الباب الحادي عشر: باب التحذير من بُغضهم وعداواتهم، والتنفير عن سبِّهم ومسابَّتهم. وبلغ عدد الأحاديث فيه سبعة وعشرين (٢٧ حديثًا وأثرًا).
فيكون مجموع الأحاديث والآثار في جميع الأبواب ثمانية وعشرين وثلاثمائة (٣٢٨ حديثًا وأثرًا).
стр. 118
وأمَّا الخاتمة:
فقد جعلها المؤلف مشتملة على أربعة أمور مهمة- كما عبَّر، وهو كما قال-، وقد جاءت مطوَّلة جدًا، حتى كانت في المخطوط ثلاث عشرة صحيفة (من ق ٦٥/ أإلى ق ٨٧)، وفي قسم التحقيق (من ص ٦٢١ - ٧٢٠)، حتى بلغ عدد الأحاديث والآثار الواردة فيها ستةً وتسعين (٩٦ حديثًا وأثرًا)، وهي أكثر من الرِّوايات الواردة في الباب الأول التي بلغت واحدًا وتسعين (٩١ حديثًا وأثرًا).
والأمور الأربعة المهمَّة التي ذكرها المؤلف هي:
الأول: أنه ينبغي التَّحرُّز من الانتساب إلى النَّبيِّ ﷺ إلَّا بحقٍ.
الثاني: اللائق بمحاسن أهل البيت اقتفاء آثار سلفهم، والمشي على سنَّتهم في سلوكهم وتصرّفهم.
الثالث: اللائق بمحبِّهم أن يُنزلهم منزلتهم، فمن كان منهم موصوفًا بالعلم قدَّمه على غيره. وقد حشد الأدلة المتوافرة في كل موضوع من تلك الموضوعات التي أشار إليها.
الأمر الرابع: إيراد المؤلف رحمه الله تعالى، حديثًا مسلسلًا بإسناده من طريق جعفر صادق، عن أبيه محمد الباقر، عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي؛ عن أبيه علي بن أبي طاب ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مدمن الخمر كعابد وثن" (١).
ونبَّه في نهاية خاتمته -وبها ينتهي الكتاب- أنَّ عنده مسلسلات اجتمع فيها أربعة عشر أبا من أهل البيت، ولعل هذه المسلسلات موجودة في كتابه القيِّم: "الجواهر المكلَّلة في الأخبار المسلسلة".
أبرز القضايا الواردة في ثنايا الكتاب:
وهذه أبرز قضايا ومسائل الكتاب، التي ستراها بإذن الله في قسم التحقيق موثَّقة معزوَّةً:
أولًا: ذكر المؤلف في مقدِّمة الكتاب جماعة من قرابة النَّبيِّ ﷺ المنسوبين إلى جدِّه
_________
(١) انظر تخريجه والحكم عليه برقم (٤٢٦).
стр. 119
الأقرب عبد المطلب، وهي تدلُّ بلا شك على كثرة اطّلاعه، وسعة علمه، وإحاطته بعلم الأنساب، وهذه المقدِّمة تميَّز بها كتاب الحافظ السَّخَاوي دون كتاب "ذخائر العُقبى".
ثانيًا: الكلام على فنِّ الأنساب الذي هو من جملة فنون علم الأثر، وبيان أهمية هذا العلم، وذكر فوائده الشَّرعية، وقد تكلَّم عن هذا الموضوع بكلام مختصر لكنه مستوفٍ للغرض، فقد عرض أقوال العلماء في تعلُّم ومعرفة علم الأنساب، وما جاء في فضيلته وما رُوي في ذمّه، ثم الجمع بين هذين القولين، وساق في ذلك كلام شيخه الحافظ ابن حجر، بأن يُحمل ما ورد في ذمّه على التعمُّق فيه حتى يشغله عما هو أهمّ منه، ويُحمل ما ورد في استحسانه لكثرة الفوائد المرجوة منه.
ومن تلك الفوائد التي ذكرها السَّخاويُّ:
١ - معرفة نسب النَّبيِّ ﷺ ومن ينتمي إليه.
٢ - التمييز بين عبد مناف، هاشميها، ومطَّلبيها، ونوفليّها. وبين قريش من كنانة، والأوس من الخزرج، والعربي من العجمي، والمولى من السَّيِّد.
٣ - ومن فوائده الشرعية: الخلافة، والكفاءة.
٤ - القيام على من تجب عليه نفقته.
٥ - معرفة من يتَّصل به ممن يرثه.
٦ - معرفة ذوي الأرحام المأمور بصلتهم ومعاونتهم.
٧ - معرفة الأنصار لقوم بوصية النَّبي ﷺ بهم.
ثالثًا: تفسير قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١)، تفسيرًا أثريًّا، إذ نقل أقوال ابن عبَّاس ﵄ في الآية، وكذا أقوال أئمة التفسير من التابعين من تلاميذه، كمجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير رحمهما الله، ولقد توسَّع المؤلف في ذلك، وساق الأحاديث والآثار، وذكر سبب نزول الآية وجميع ما يتعلَّق بها.
رابعًا: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (٢)، وذِكْر سبب نزول الآية، واختلاف أهل العلم في دخول زوجات
_________
(١) الشورى (آية: ٢٣).
(٢) الأحزاب (آية: ٣٣).
стр. 120
النَّبيِّ ﷺ في أهل البيت، مع سياق الأحاديث والآثار الواردة في هذه المسألة، وتفسير الآية.
خامسًا: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١)، والتنبيه على ضرورة القيام بالأعمال الصَّالحة، وعدم الاتِّكال على النَّسب أو القرابة. فلقد أورد الأحاديث النَّبويَّة المفسِّرة للآية والمؤكِّدة على معناها، كقوله- ﷺ : "مَن بَطَّأ به عَمَلُهُ لَمْ يُسرع بِه نَسَبُهُ" (٢).
وقوله ﷺ : "يا بني هاشم! أنْقِذُوا أنْفُسِكُمْ من النَّار، يا بني عبد المطَّلب! أنْقِذُوا أنْفُسَكُم من النَّار. يا فاطمة! أنْقِذِي نَفْسَك من النَّار، فإنِّي لا أملكُ لكم من الله شيئًا" (٣).
سادسًا: تتبَّع المؤلف طرق حديث: "إني تارك فيكم الثَّقلين ... "، تتبُّعًا جيِّدًا، مع الإِشارة إلى اختلاف مخارجه وألفاظه، وإيراد الشواهد والمتابعات ... حتى إنه ليصحّ لقائل أن يقول: لو أُفْرِدَ هذا التَّتبُّع والاستقصاء في رسالة مستقلة، لكانت متقنة محرَّرة جديرة بالنَّشر والاطِّلاع ... وقد ختم هذا الجمع بالكلام على فقه الحديث، وبيان معناه، وإيضاح غامضه وغريبه.
سابعًا: اشتمل الكتاب على المتعة والفائدة واللطائف أحيانًا.
فمن ذلك استقصاء المؤلف أشباه النَّبي- ﷺ -الذين يشبهونه في صورته-، مما يجعله بعض العلماء من كرامات أهل البيت. فلقد أورد تسعة وعشرين شخصًا يُشبَّهون بالرَّسول- ﷺ ، أكثرهم من بني هاشم.
وممن ذكر منهم: (إبراهيم ابن النَّبي ﷺ ، وفاطمة الزَّهراء، والحسن، والحسين ... ).
_________
(١) الحجرات (آية: ١٣).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٧٤) - رقم (٢٦٩٩)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة- باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، من طريق يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (١/ ١٩٢) - رقم (٢٠٤)، من طريق جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁.
стр. 121
وممن ذكر من غير بني هاشم، لكن من قريش: (عبد الله بن عامر بن كُرَيْز، والسَّائب بن عُبيد ... وغيرهما). ومن غير بني هاشم وقريش: (كابس بن ربيعة بن عدي، وثابت البُناني، وقتادة ... وغيرهم).
ثامنًا: اشتمل الكتاب على طائفةٍ من أحاديث المهدي، فقد جمع المؤلف طرق الأحاديث الواردة بشأنه، فبلغت ستةً وعشرين طريقًا حسب ترقيمي، من (٢٥٨ إلى ٢٨٤)، ولعلَّها تزيد على ذلك، ويعتبر الحافظ السَّخاوي بهذا الصَّنيع ممن أفرد أحاديث المهدي بالتصنيف، كما أشار إليه العجلوني في"كشف الخفاء" (١).
تاسعًا: حقَّق المؤلف القول في مسألة أخذ قرابة النَّبيِّ ﷺ من الزكاة، وهل يجوز لهم ذلك؟ ثم بيَّن استحقاقهم للخُمُس من الغنائم، وإعطائهم من الفيء.
فلقد ذكر رحمه الله تعالى، هذه المسألة فحرَّرها تحريرًا جيّدًا، مبتدئًا بذكر أقوال أهل العلم واختلافهم فيها، الأمر الذي يدلُّ على سعة اطّلاعه على أقوال أصحاب المذاهب الأُخرى وليس مذهب الشَّافعي الذي تفقَّه عليه، إذ بدأ بذكر مذهب الشَّافعي وأفاد أنها حرامٌ عنده على بني هاشم وبني المطَّلب، وذلك، لأنهم عُوّضوا بدلًا عما حُرِمُوا من ذلك باشتراكهم -دون غيرهم من قبائل قريش- في سهم ذوي القربى.
بعد ذلك حكى قول أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، إذ قصرا التحريم على الصَّدقة الواجبة على بني هاشم فقط، ثم نبَّه إلى وجود خلاف عن أبي حنيفة في ذلك على وجهين. ثم ذكر قولًا ثالثًا في المسألة عند الحنفية مرويًا عن القاضي أبي يوسف.
وأشار إلى قول بعض الفقهاء من جواز أخذ بني هاشم صدقة التطوع دون الفرض، وذكر أنه قول أكر الحنفية والمصحَّح عند الشافعية والحنابلة، وهو رواية عند المالكية، بل أشار أنَّ عندهم أخرى في جواز الفرض دون التطوُّع.
عاشرًا: اشتمل الكتاب على كثير من الأبيات الشعرية التي هي من عيون الشعر العربي، من ذلك قصيدة الفرزدق الشهيرة في مدح زين العابدين علي بن الحسين بن علي -في سبع وعشرين بيتًا ساقها بإسناده هو- التي مطلعها:
_________
(١) (٢/ ٢٨٨).
стр. 122
هَذَا الَّذِي تَعرِفُ البَطحَاءُ وَطأتَهُ ... والبَيتُ يَعرِفُه والحِلُّ والحَرَمُ (١)
• كذلك أبيات أخرى لأبي العتاهية الشاعر الزاهد، وغيره، في الحث على التَّمسُّك بالتقوى والعمل الصالح، وعدم الاتّكال على النَّسب وترك العمل.
كَرَمُ الفَتى التَّقوَى وقُوَّتُهُ ... مَحضُ اليَقِينِ وَدِينُهُ حَسَبُهْ
والأرْض طِينَتُهُ وكُلُّ بَنِي ... حَوَّاء فِيهَا وَاحِدٌ نسبُه (٢)
• ومثله:
ألا إنَّمَا التَّقْوى هي العِزُّ والكَرَم ... وحُبُّكَ للدُّنيا هو الذُّلُّ والعَدَمْ
وليسَ على حُرٍّ تَقِيٌّ نَقِيصَةٌ ... إذَا صَحَّحَ التَّقوَى ولَو حَاكَ أو حَجَمْ (٣)
• ومثله:
لَعَمْرُكَ مَا الإِنسَانُ إلَّا بدِينِهِ ... فَلا تَتْرُكِ التَّقوَى اتِّكَالًا على النَّسَب
لَقَدْ رَفَعَ الإسلامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ ... وَقَد وَضَعَ الشِّركُ الشَّقِيَّ أبا لَهَب (٤)
• ومثله:
حَسْبُ الفَتَى أن يَكُوْنَ ذَا حَسَبٍ ... فِي نَفْسِهِ لَيْس حَسْبُهُ حَسَبُهْ (٥)
• ومثله الأبيات الشهيرة:
النَّاسُ في صُوَرِ التِّمْثَالِ أكفَاءُ ... أبُوهُمُ آدَمٌ والأُمُّ حَوَّاءُ (٦)
فَمَنْ يكُنْ مِنْهُمُ في أصلِهِمْ شرَفٌ ... يُفاخِرُونَ به فالطِّينُ والماءُ
مما يجعل الكتاب مليئًا بالفوائد واللطائف، ويُدخل على نفس القارئ البهجة والمتعة، ويُذهب عنه السآمة والنُّفرة، وبالله تعالى التوفيق.
_________
(١) انظر: (ص ٢ - ٥٨٤).
(٢) انظر: (ص ٦٦٠).
(٣) انظر: (ص ٦٦١).
(٤) انظر: (ص ٦٦١).
(٥) انظر: (ص ٦٦١).
(٦) انظر: (ص ٦٦٢).
стр. 123
المطلب الثَّاني في الكلام على ثلاث قضايا متعلّقة بموضوع الكتاب
سأتناول في هذا المبحث -بمشيئة الله تعالى- ثلاث قضايا مهمة متعلِّقة بموضوع الكتاب، بشيء من الاختصار، للتعريف بها، ولاتِّصالها المباشر بموضوعه وهي:
• القضية الأولى: في بيان المراد بأهل البيت، وهل يدخل فيهم الزَّوجات المطهرات أم لا؟
• الثانية: في الشَّرافة وتاريخها.
• الثالثة: في الكلام عن نقابة الأشراف، وهل لها وجود اليوم؟
القضية الأولى: (مَنْ هم أهل بيت رسول الله ﷺ ):
(أهل البيت -آل البيت- العِتْرة النَّبويَّة- الذُرِّيَّة الطَاهرة- الأشراف- السَّادة)؛ هذه مسميَّات لشيء واحد، هم قرابة النَّبيِّ ﷺ ورهطه الأدنون.
ومن نافلة القول؛ أن أهل العلم اختلفوا في المراد بهم على أقوالٍ، وسأنقل تلك الأقوال في هذه المسألة من كتاب ابن القيِّم "جلاء الأفهام" (١)، ويمكن مراجعة أدلة كلِّ قول ومناقشته في المصدر المذكور.
قال -رحمه الله تعالى-: "اختُلِفَ في آل النبيِّ ﷺ على أربعة أقوال:
فقيل: هم الذين حُرمت عليهم الصَّدقة، وفيهم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا مذهب الشَّافعي وأحمد رحمهما الله في رواية عنه.
والثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀، والرِّواية الثانية عن أحمد ﵀، واختيار ابن القاسم صاحب مالك.
والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو
_________
(١) "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام" (ص ٣٢٤ - ٣٢٦)، ط: دار ابن الجوزي.
стр. 124
أميَّة، وبنو نوفل، ومن فوقهم إلى بني غالب. وهو اختيار أشهب من أصحاب مالك، حكاه صاحب "الجواهر" (١) عنه، وحكاه اللخمي في "التبصرة" عن أصبغ، ولم يحكه عن أشهب.
وهذا القول في الآل -أعني أنهم الذين تحرم عليهم الصَّدقة- منصوصُ الشَّافعيّ ﵀ (٢)، وأحمد، والأكثرين. وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعيّ (٣).
• والقول الثانى: أنّ آل النَّبيِّ هم ذرّيّته وأزواجه خاصّة:
حكاه ابن عبد البر في "التمهيد" [١٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣]، قال في (باب عبد الله بن أبي بكر) في شرح حديث أبي حميد السَّاعديّ: (استدل قوم بهذا الحديث على أنَّ آل محمد هم أزواجه وذرّيّته خاصة؛ لقوله في حديث مالك، عن نعيم المُجْمِر، وفي غير ما حديثٍ: "اللَّهُمَّ صلِّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد" (٤). وفي هذا الحديث -يعني حديث أبي حميد-: "اللَّهُمَّ صلِّ على محمَّد، وأزواجه، وذرّيته" (٥).
فقالوا: فهذا يفسِّر ذلك الحديث، ويُبيِّن أن آل محمد هم أزواجه، وذرّيّته. قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكلِّ من كان من أزواج محمد ﷺ ومن ذرّيّته: صلَّى الله عليك؛ إذا واجهه، وصلَّى الله عليه؛ إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم. قالوا: والآل والأهل سواء، وآل الرجل وأهله سواء، وهم الأزواج والذّرّية؛ بدليل هذا الحديث).
• والقول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة:
حكاه ابن عبد البر (٦) عن بعض أهل العلم، وأقدم مَنْ رُوي عنه هذا القول: جابر بن
_________
(١) انظر: "عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة"، لابن شاس (١/ ٣٤٨).
(٢) انظر: "روضة الطالبين"، للنوري (١/ ٣٦٨).
(٣) وهو القول المرجَّح كما سيأتي.
(٤) متَّفقٌ عليه. أخرجه البخاري (٦/ ٤٠٨ - مع الفتح) - رقم (٣٣٧٠)، وفي (١١/ ١٥٢ - مع الفتح) - رقم (٦٣٥٨)، ومسلم في (٥/ ٣٠١) - رقم (٤٠٦)؛ كلاهما من حديث كعب بن عجرة ﵁.
(٥) متَّفقٌ عليه. أخرجه البخاري (٦/ ٤٠٧ - مع الفتح) - رقم (٣٣٦٩)، ومسلم (١/ ٣٠٦) - رقم (٤٠٧) من حديث أبي حميد الساعدي ﵁.
(٦) في "التمهيد" (١٦/ ١٦٩)، (١٧/ ٣٠٣).
стр. 125
عبد الله ﵄. ذكره البيهقي [٢/ ١٥٢] عنه، ورواه عن سفيان الثوري وغيره. واختاره بعض أصحاب الشافعيّ، حكاه عنه أبو الطيب الطّبريّ في "تعليقه"، ورجَّحه الشَّيخ محيي الدِّين النواوي في "شرح مسلم" [٣/ ٣٦٨]، واختاره الأزهري.
• والقول الرابع: أنَّ آله ﷺ هم الأتقياء من أمّته (١):
حكاه القاضي حسين، والرَّاغب، وجماعة" (٢). اهـ.
والمرجَّح من هذه الأقوال، كما قال الحافظ السَّخاويُّ في "القول البديع" (٣)، أنهم من حرمت عليهم الصَّدقة، كما هو نصّ الشّافعيّ واختاره الجمهور، ويؤيّده قوله ﷺ في حديث أبي هريرة للحسن بن علي: " إنّا آل محمَّد لا تحلّ لنا الصدقة" (٤). وقوله في الحديث الآخر: "إن هذه الصَّدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمّد ولا لآل محمَّد" (٥).
• وهل يدخل أزواجه في آله؟ قولان، هما روايتان عن الإمام أحمد:
أحدهما: أنهنَّ لسن من أهل البيت، ويُروى عن زيد بن أرقم ﵁.
والقول الثاني: وهو الرَّاجح أنهنّ من آله وأهل بيته (٦).
ويدلُّ لذلك حديث أبي حميد السَّاعدي ﵁: "اللهُمَّ صلِّ على محمَّد، وأزواجه، وذريته" (٧).
_________
(١) ويُنشدون في هذا القول بيتين من الشعر هما:
آل النَّبيِّ هُم أتباعُ ملَّتِهِ ... من الأعاجمِ والسُّودانِ والعَرَبِ
لو لم يكن آلُهُ إلَّا قرابَتُهُ ... صلَّى المصلِّي على الطَّاغي أبي لَهَبِ
وهناك قول خامس وهو أن المراد بآل محمد ﷺ خواص الأولياء؛ وهو قول طائفة من الصوفية، ذكره الحكيم الترمذي. انظر: "منهاج السُّنَّة" (٧/ ٧٥).
(٢) انظر أدلة هذه الأقوال وحجج أصحابها ومناقشاتهم في "جلاء الأفهام" (ص ٣٢٦ - ٣٤٣).
(٣) (ص ١٢٢). وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة. انظر: "منهاج السُّنَّة النَّبويَّة" (٧/ ٧٥).
(٤) أخرجه البخاري (٣/ ٣٥٤ - مع الفتح) - رقم (١٤٩١)، ومسلم (٢/ ٧٥١) - رقم (١٠٦٩).
(٥) أخرجه مسلم (٢/ ٧٥٤) - رقم (١٠٧٣).
(٦) انظر: "منهاج السُّنَّةَ النَّبويَّة" (٧/ ٧٦).
(٧) تقدَّم تخريجه قريبًا.
стр. 126
وحديث عائشة ﵂: "ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قُبض" (١). وحديث أبي هريرة ﵁: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (٢).
وما يبين ذلك -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- أن أزواج النبي ﷺ مذكورات في الآية, والكلام في الأمر بالتطهير بإيجابه, ووعد الثواب على فعله, والعقاب على تركه.
قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ (٣) , إلى قوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (٤).
فالخطاب كله لأزواج النبي ﷺ , ومعهن الأمر والنهي, والوعد والوعيد؛ لكن لمَّا تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهنَّ وتعم غيرهنَّ من أهل البيت, جاء التطهير بهذا الخطاب, وليس مختصًا بأزواجه, بل هو متناول لأهل البيت كلهم, وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين أخصّ من غيرهم بذلك, ولذلك خصَّهم النبي ﷺ بالدعاء لهم (٥).
قال الحافظ ابن كثير في "التفسير" (٦): "وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ نصٌّ في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت ههنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية, وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا, إمَّا وحده على قولٍ, أو مع غيره على الصحيح". اهـ.
وكان عكرمة مولى ابن عباس ينادي في السوق بأن هذه الآية نزلت في نساء النبي ﷺ
_________
(١) متفق عليه. أخرجه البخاري (٩/ ٥٤٩ - مع الفتح) , (١١/ ٢٨٢ - مع الفتح) - رقم (٥٤١٦, ٦٤٥٤) , ومسلم (٤/ ٢٢٨١) - رقم (٢٩٧٠).
(٢) متفق عليه. أخرجه البخاري (١١/ ٢٨٣ - مع الفتح) - رقم (٦٤٦٠) , ومسلم (٢/ ٧٣٠) - رقم (١٠٥٥).
(٣) الأحزاب (آية: ٣٠).
(٤) الأحزاب (آية: ٣٣).
(٥) انظر: "منهاج السنة النبوية" (٧/ ٧٤).
(٦) (٥/ ٤٥٢).
стр. 127
خاصة. وهو مرويّ عن ابن عبَّاس ﵄. وقال عكرمة أيضًا: "من شاء باهلْته؛ إنها نزلت في شأن نساء النَّبيِّ ﷺ " (١).
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في موضع آخر (٢): " ... ثم الذي لا يشك فيه من تدبَّر القرآن؛ أنَّ نساء النَّبيِّ ﷺ داخلات في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ فإنَّ سياق الكلام معهنَّ، ولهذا قال بعد هذا كلِّه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، أي واعملن بما يُنزِّل الله ﵎ على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسُّنَّة؛ قاله قتادة وغير واحد.
"واذكرن هذه النعمة التي خُصصتنَّ بها من بين الناس؛ أنَّ الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصِّدِّيقة بنت الصِّديق ﵄ أولاهنَّ بهذه النعمة، وأحظاهنَّ بهذه الغنيمة، وأخصّهنَّ من هذه الرَّحمة العميمة ... "، إلخ.
القضية الثانية: (في الشَّرَافة وتاريخها):
لفظ (الشَّريف) في الأصل يُراد به عند العرب: الرجل الماجد النبيل، أو مَن كان كريم الآباء من جميع العرب كما في "لسان العرب" (٣)؛ فهذا هو الذي كان يقصد به في الصدر الأول (السَّيِّد والماجد).
ومن هذا المعنى نجد ابنَ حبيبٍ (ت ٢٤٥ هـ) يُؤلِّف كتابه: "أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلة والإسلام" (٤)، ويذكر فيه أشراف القوم، ولو كانوا يهودًا.
كذلك صَنَعَ الإمام أبو بكر بن أبي الدُّنيا (ت ٢٨١ هـ)، فنجده ألَّف كتابَا سمَّاه: "الإشراف منازل الأشراف" (٥)، أورد فيه أشراف الناس، ولو ممن عُرفوا بالظلم والانحراف، وقاموا بقيادة الناس إلى الضَّلال، كالحجَّاج بن يوسف الثَّقفيّ، والمختار الثّقفيّ.
_________
(١) "تفسير ابن كثير" (٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣).
(٢) "تفسير ابن كثير" (٥/ ٤٥٨).
(٣) (٩/ ١٦٩) - مادة (شرَفَ).
(٤) حققه الشيخ عبد السلام هارون، مطبوع ضمن "نوادر المخطوطات" (٢/ ١٢١ - ٢٩٧).
(٥) حققه الدكتور نجم عبد الرَّحمن خلف، دار الرشد (١٤١١ هـ).
стр. 128
وكان غرض ابن أبي الدُّنيا -كما نبَّه عليه محقق الكتاب- الحثّ على التأسّي بجلائل أعمال الصفوة من الأشراف، والتحذير من الأعمال والأقوال السيئة التي صدرت عنهم كحكَّام أو أفراد.
ومن هذا المعنى أيضًا -أعني إطلاق (الشَّريف) على السَّيد الماجد- ما رأيتُهُ في "الموسوعة العربية العالمية- موسوعة الأمير سلطان" (١) تحت عنوان (الأشراف الرُّومان)، إذ جاء فيها:
أنهم أشراف يعيشون في جمهورية روما القديمة (٥٠٩ - ٢٦٤ ق. م). وكانت كلمة (الأشراف) عندهم تستخدم لتمييز أعضاء مجلس الشيوخ الرُّوماني. وكان (الأشراف) ينتمون إلى أسَرٍ غنيّة، ويفتخرون بأجدادهم، ويُسيطرون على الحكومة والجيش والدِّين، وكانوا يُقاومون محاولات العامة مشاركتهم في سلطانهم، ولم يكن باستطاعة أحدٍ من العامّة التَّزوُّج من الأشراف حتى عام (٤٤٥ ق. م).
ويرى المستشرق جوتين (Goteen) أن الأشراف يُراد بهم: النُّبلاء والعرب الخُلَّص، ومن كان يُفرض له من بيت المال ألفا درهم، أو ألفان وخمسمائة.
ولذا وُجِدَ من لُقِّبَ بـ (الشَّريف) وهو ليس من آل البيت النَّبويَّ؛ من ذلك (الشَّريف العُمَريّ) من ذريَّة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ مذكورٌ في الشَّافعية (٢).
ويرى محمد سعيد كمال؛ أن الضَّعف الشَّديد الذي انتاب الدولة العباسية، وظهور الدولة الفاطمية وقوتها هو الذي جرَّأ على إطلاق لقب (الشَّريف) على مَنْ كانوا ينتمون إلى نسل علي بن أبي طالب من السَّيِّدة فاطمة ﵄؛ إذ لا يُعقل أن يُطلق هذا على العلويين في قوة العبّاسيين الذين كانوا يرون أن العمَّ أولى من ابن البنت. ولذلك كان يُطلق على نسل علي بن أبي طالب في أول الأمر (علويّ)، وعلى نسل أبيه (طالبيّ). ثم أطلق
_________
(١) (٢/ ٢٠٢).
(٢) هو أبو الفتح، ناصر بن الحسين بن محمد، المعروف بـ "الشريف العُمَريّ"، من ولد عمر بن الخطاب ﵁. كان من فقهاء الشافعية الكبار، تفقَّه به خلق كثير، وصار عليه مدار الفتوى والتدريس والمناظرة، وصنَّف كتبًا كثيرة. مات بنيسابور سنة (٤٤٤ هـ). وله ولدَّ فقيه، ولد سنة (٤١٧ هـ)، ومات (٤٧٧ هـ). "طبقات الشافعية" للإسنوي (٢/ ٧٧، ٧٨)، "العبر" للذهبي (٢/ ٢٨٦).
стр. 129
(الشَّريف) على مَنْ كان مِنْ آل بيت رسول الله ﷺ ؛ شاملًا العلويين، والجعفريين، والعَقِيليين والعبَّاسيين ... فلما وَلِيَ الفاطميون مِصرَ قَصَروا اسم الشَّريف على ذرّيّة الحسن والحسين ﵄، وبقي هذا متعارفًا عليه في كثير من الأقطار الإسلامية؛ وإلَّا فهو يعمّ العلويَّ، والجَعْفريَّ، والعَقيليَّ، والعبَّاسيَّ (١).
وقد أشار الحافظ السُّيوطيُّ إلى ذلك في رسالته "العجاجة الزرنبية" (٢)، قال: "ولهذا تجد تاريخ الحافظ الذهبي مشحونًا في التراجم بذلك؛ يقول: الشريف العبَّاسيّ- الشَّريف العَقِيليّ -الشريف الجعفريّ- الشَّريف الزَّينبيّ ... "، إلخ كلامه.
وههنا ثمَّة لقب آخر يُقابل لقب (الشَّريف) يُنْعتُ به آل النَّبيِّ ﷺ وهو (السَّيِّد).
والسَّيِّد يطلق في اللغة على: (الرَّب، والمالك، والشَّريف، والفاضل، والكريم والحليم، ومُحْتَمِلِ أذى قومه، والزَّوج، والرئيس، والمُقدَّم) (٣). ويُفيد الشَّريف محمد بن منصور آل عبد الله (٤)؛ أن لقب (الشَّريف) لا يُطلق في الحجاز إلَّا على مَنْ وَلِيَ إمرة مكة من الحَسنيين، فيُقال: "شريف مكَّة". وأمَّا مَن لم يَلِهَا منهم فيُنعَتُ بـ (السَّيِّد).
ويُؤيدُ كلامه بأنه رأى كثيرًا من وثائق الأشراف القديمة؛ الحال فيها ما ذُكِر؛ مَنْ وَلِيَ إمرة فهو (شريف)، ومَنْ لم يكن كذلك فهو (سيِّد)؛ وبه يُعلم أنْ لا فرق بين (السَّيِّد) و (الشَّريف).
• وزُبْدَةُ القولِ: أنَّ كلَّ هاشميٍّ فهو سيِّدٌ شريفٌ، سواء أكان عَلويًّا -من ذريّة علي بن أبي طالب، ولو لم يكن من فاطمة-، أم فاطميًّا، أم جَعْفريًّا، أم عَقِيليًّا، أم عبَّاسيًّا ... فالكلُّ منطبقٌ عليه هذا الوصف؛ وهو الذي سار عليه المؤلف في كتابه.
ولذا قال السُّيوطيُّ في "العجاجة الزرنبية" (٥) بعد أن ذكر أنَّ لقب (الشَّريف) كان
_________
(١) انظر: مقدّمة الأُستاذ محمد سعيد كمال على "مجموعة الرسائل الكمالية في الأنساب" (٨/ ١٢ - ١٣).
(٢) "العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية"، مطبوعة ضمن "الحاوي" (٢/ ٣٢).
(٣) انظر: "لسان العرب" (٣/ ٢٢٨) (س. و. د).
(٤) في كتابه: "قبائل الطائف وأشراف الحجاز" (ص ٣٩).
(٥) (٢/ ٣٢ - ٣٣).
стр. 130
يُطلق في الصَّدر الأول على كل هاشمي دون تفريقٍ بين علوي وغيره؛ قال: "ولا شكَّ أن المصطلح القديم أولى، وهو إطلاقه على كلِّ علويٍّ، وجَعفريٍّ، وعَقِيليٍّ، وعبَّاسيٍّ، كما صَنَعَهُ الذَّهبيُّ، وكما أشار إليه الماورديُّ من أصحابنا، والقاضي أبو يعلى بن الفراء من الحنابلة، كلاهما في "الأحكام السُّلطانية". اهـ. وبالله تعالى التوفيق (١).
القضية الثالثة: (في التعريف بنقابة الأشراف):
• النَّقيب عند الأشراف: هو الذي يتولى صيانة ذوي الأنساب الشَّريفة من ولاية من لا يُكافئهم في النَّسب، ولا يُساويهم في الشَّرف.
والنِّقابة وظيفة هامة في العالم الإسلامي كما يقول الشيخ محمد راغب الطَّبَّاخ في كتابه "إعلام النبلاء" (٢)، وقد كان لها تأثير كبير في تربية البيوتات الشريفة وإصلاح أحوالها، وتدبير شؤونها، مما أدَّى إلى إجلال الناس لهم واحترامهم وتوقيرهم، ووضعهم بالمكان الذي يليق بشرف نسبهم وكرم محتدهم؛ فكان من ذلك اقتداء الناس بهم، واقتفاؤهم لأثرهم، وطاعتهم لهم، ونفوذ كلمتهم فيهم.
وقد كان بداية هذا الأمر في العصر العبَّاسي، إذ أصبح لذوي الأمصار في ذلك العصر (نقابة خاصة)، وأصبح لهم نقيب اسمه (نقيب ذوي الأنساب)، أو (نقيب الأشراف)، أو (نقيب العبّاسيين)، أو (نقيب الطَّالبيين)، أو (نقيب الهاشميين). ثم أصبح لكل فريق منهم نقيب خاص في بغداد، وكان للأشراف في مصر نقيب خاصّ في أيام الفاطميين.
_________
(١) أورد الدكتور محمد عبده يماني في كتابه: "علموا أولادكم محبة آل البيت" (ص ٢٧ - ٣٢) الفرق بين السَّيِّد والشَّريف، وخصَّهما بمَن كان من ذرية السِّبطين، وهو تخصيصٌ من غير مخصِّص! والصَّواب أنه شامل لجميع بني هاشم كما هو صنيع الحافظ الذهبي فيما نقله السيوطي.
ثم إنَّ الحافظ السَّخَاوي -كما سيمرّ بك- سيذكر في مقدِّمة "الارتقاء" بعض المنسوبين لجعفر بن أبي طالب واصفًا لهم بـ "السَّيِّد". ولا شكَّ أنَّ شرف المنسوبين للسِّبطين أكثر من غيرهم، لأفضليتهما وقربهما من رسول الله ﷺ ، كما نبَّه عليه السَّخَاويّ (ص ٢٦٠)؛ والله تعالى أعلم.
(٢) "إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء" (٤/ ٢٧٠) ضمن ترجمة الشريف حمزة بن زهرة الحُسيني المتوفى (٥٨٥ هـ).
стр. 131
ويذهب عبد الرزاق الحُسيني في كتابه "موارد الأتحاف في نقباء الأشراف" (١) إلى عكس ما ذهب إليه محمد راغب، وذلك أنَّ الأسباب الي أوجبت تأسيس "النِّقابة" على الطَّالبيين، هو أنه لما بلغتْ سطوة بني العبَّاس في سائر الأقطار، ونظروا إلى شؤون الدولة رأوا أن ما يوجب قلق دوام ملكهم وخراب سلطانهم وجود آل أبي طالب في ممالكهم! حيثُ وجدوا لهم النُّفوذ التام في النفوس لقربهم من الرسول الأعظم ﷺ .
فأراد بنو العبَّاس أن يُحْدثوا مشكلة يُعرقلوا بها خُطاهم، ويُوقفوا بها تقدَّمهم -كما يقول الحسيني- فأحدثوا النِّقابة فيهم، برئاسة شخص منهم، والنِّقابة لا تكتسب صفتها الرَّسمية ما لم تصدر بها إرادة من خليفة الوقت، أو مَن يمثّله.
وعندما تسنَّم هذا المنصب من الطَّالبيّة ضَعُف ما في نفوسهم من القيام بحقِّهم، والطلب بثأرهم، حتى صار بعضهم ينافس البعض لنيل هذا المنصب، حتى صار خلفاء بني العبَّاس يعهدون إلى النقباء لإمارة الحجِّ، وديوان المظالم؛ فصار النقيب ممثِّلًا للخليفة!
• ومما تجدر الإشارة إليه: أن هذا النقيب يجب أن يكون من وجوه الأشراف ورؤسائهم، وقد جعلوا له -قديمًا- ديوانًا. ولذا عدَّ القلقشنديّ في "صبح الأعشي" (٢) (النِّقابة) من والوظائف الدِّينية التي لا مجلس لها في الحضرة السُّلطانية.
• وتنحصر أعمال (النَّقيب) في الأمور التالية:
أولًا: حفظ أنسابهم من داخلٍ فيها وليس منها، أو خارجٍ عنها، ليكون في النَّسب محفوظًا على صحته، معزوًّا إلى جهته.
ثانيًا: تمييز بطونهم ومعرفة أنسابهم، حتى لا يخفى عليه بنو أب، ولا يتداخل نسبٌ في نسبٍ، ويثبتهم في ديوانه على تمييز أنسابهم.
ثالثًا معرفة مَن وُلِدَ منهم من ذكر أو أنثى فثبته، ومعرفة من مات منهم فيذكره، حتى لا يضيع نسب المولود.
رابعًا: أن يأخذهم على الآداب بما يُضاهي شرف أنسابهم؛ لتكون حشمتهم في النُّفوس موفورة، وحرمة الرَّسول ﷺ فيهم محفوظة.
_________
(١) (١/ ٥ - ٦)، مطبعة الآداب بالنجف.
(٢) "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" (٤/ ٣٨ - دار الكتب العلمية).
стр. 132
خامسًا: أن ينزِّههم عن المكاسب الدَّنيئة، ويمنعهم من المطالب الخبيثة.
سادسًا: أن يكفَّهم عن ارتكاب المآثم، ويمنعهم عن انتهاك المحارم.
سابعًا: أن يمنعهم من التسلُّط على العامة لشرفهم عليم لنسبهم، فيدعوهم ذلك إلى المقت والبغض، ويبعثهم على المناكرة.
ثامنًا: ضبط أوقافهم التي يُوقِفونها، أو تُوقف عليهم، بحفظ أصولها وتنمية فروعها، وتثمير متحصِّلاتهم فيها.
تاسعًا: أن ينوبَ عنهم في المطالبة بحقوقهم العامة في سهم ذوي القربى في الفيء والغنيمة.
• ومما يُختم به الكلام في هذا الموضوع:
أن النِّقابة ليس لها وجود في بلاد الحرمين حاليًّا، وقد دار كلامٌ مع فضيلة أستاذنا الدكتور رفعت فوزي حول النِّقابة والنُّقباء؛ وأفادني -جزاه الله خيرًا- أنَّ نقيب الأشراف لا زال له وجود في مصر، وأن هذا المنصب يُعيَّن فيه النَّقيب من قبَل رئيس الجمهورية؛ وبالله تعالى التوفيق (١).
المطلب الثَّالث: قيمة الكتاب العلمية
من المقرَّر عند أهل العلم والباحثين أن كتب العلَّامة الحافظ شمس الدِّين السَّخَاويّ قويّة ومحرَّرة بعامَّة، فهو ذو قلم سيَّال، يفيض علمًا غزيرًا، وتحقيقًا وتحريرًا. ومن جملة كتبه الموصوفة بهذا الوصف؛ "استجلاب ارتقاء الغُرَف"، فهو من أحسن ما ألِّف في مناقب قرابة النَّبيِّ ﷺ ؛ إن لم يكن أفضلها.
وأبرز ما يُميِّز الكتاب ويُعطيه قيمةً علميةً:
١ - المكانة العلمية المرموقة لمؤلفه:
_________
(١) وانظر للاستزادة في موضوع النِّقابة: "الأحكام السُّلطانية" للماوردي (ص ١٢١ - ١٢٥)، و"الأحكام السلطانية"، لأبي يعلى الفرّاء (ص ٩٠ - ٩٤)، و"مآثر الإناقة في معالم الخلافة" (٣/ ١٥٧ - ١٦٥) للقلقشندي، ومقدِّمة محمد سعيد كمال على "مجموعة الرسائل الكمالية في الأنساب" (٢/ ١٣ وما بعدها).
стр. 133
فلقد احتلَّ الحافظ شمس الدِّين السَّخَاويّ مكانةً علمية عاليةً، وأجمع من تَرْجَمَهُ على وصفه بـ "الحافظ"، "المحدِّث"، "المحقِّق"، "المؤرِّخ"، "النَّسابة".
قال تلميذه الشَّيخ جار الله بن فهد المكّي: "ولقد والله العظيم لم أرَ في الحفاظ المتأخرين مثله، ويعلم ذلك كلّ من اطَّلع على مؤلفاته، أو شاهده، وهو عارف بفنِّه، ومنصف في تراجمه .. "، إلخ (١).
٢ - الكتاب مرجعٌ مهمٌّ في بيان الأحاديث المشتهرة في فضائل أهل البيت، وعليه؛ فهو عمدة لمن أتى بعده:
يعتبر كتاب "ارتقاء الغرَفُ" مرجعًا مهمًّا في بيان الأحاديث المشتهرة المرويّة في مناقب أهل بيت رسول الله ﷺ والكلام عليها، وبخاصةٍ تلك الأحاديث التي يرويها الرَّافضة، أو بعض المتساهلين والمتسامحين في الرِّواية؛ بل صار الكتاب عمدةً لمن جاء بعده. فإنَّ أكثر الأحاديث الي تُروى في هذا الباب؛ تكلَّم عليها الحافظ السَّخَاويُّ، وبيَّن أحوال رواتها، وذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم.
وقد كان المؤلف نفسه محتفيًا بكتابه هذا، فكثيرًا ما يُحيل عليه، ويذكره في سائر كتبه. انظر تلك المواضع في كتاب "مؤلفات السَّخَاويّ" (٢).
أمَّا كون الكتاب صار عمدة لمن أتى بعده من الحفّاظ، فسأسوق إليك هذين المثالين:
• فهذا تلميذه ابن الدِّيبع الشَّيبانيّ (ت ٩٤٤ هـ) ينقل عنه في "تميز الطيب من الخبيث" (٣) فيقول: "حديث: (لعن الله الدَّاخل فينا بغير نسب، والخارج منا بغير سبب).
"قال شيخنا [يعني السَّخاويّ]: بيَّض له شيخنا (٤)، وله شواهد ورد الكثير منها في (استجلاب ارتقاء الغُرَف) ".
• وهذا العلَّامة العجلونيّ (ت ١١٦٢ هـ) ينقل عنه في "كشف
_________
(١) انظر: "البدر الطالع" للشوكاني (٢/ ١٨٥).
(٢) (ص ٤٠ - ٤١).
(٣) (ص ١٤٦).
(٤) القائل: السخاوي، يريد شيخه الحافظ ابن حجر.
стр. 134
الخفاء" (١) في مواضع عدة:
منها نقله: " (من أسدى إلى هاشميٍّ أو مطَّلبيٍّ معروفًا ولم يكافئه كنت مكافئه يوم القيامة). قال في "المقاصد": بيَّض له شيخنا في بعض أجوبته ... وقد بيَّنه السَّخَاويُّ في (استجلاب ارتقاء الغُرَف) " (٢).
٣ - جمعه واستقصاؤه للأحاديث الواردة بشأن المهدي:
ومما يمتاز به الكتاب؛ اشتماله على طائفةٍ حسنة من الأحاديث الواردة في أهل بيت النَّبيِّ ﷺ ، وخصوصًا المروية في المهدي- وهو كما هو معلوم من أهل بيت النَّبيِّ ﷺ ، حسنيّ الأب، حُسينيّ الأُم-، فلقد استوعب المؤلف أكثر طرق أحاديث المهدي، وتكلَّم على جملة منها.
ويعتبر السَّخَاويّ بهذا الصَّنيع ممن أفرد أحاديث المهدي بالتأليف، ولذا قال العجلوني في "كشف الخفاء" (٣) في الكلام على أحاديث المهدي: " ... ورد ذكره في أحاديث أفردها بعض الحفّاظ بالتأليف: منهم الحافظ السَّخَاويّ في كتاب سمَّاه: (ارتقاء الغُرَف) ... "، إلخ كلامه.
٤ - الكتاب مصدرٌ هامٌ من مصادر الجرح والتَّعديل، والتَّصحيح والتَّضعيف في أحاديث الباب:
مما يُعطي الكتاب قيمةً علميةً؛ أنَّ المؤلف يتكلَّم على الأحاديث صحةٌ وضعفًا، ولذا فهو بهذا الاعتبار كتاب جرحٍ وتعديلٍ، وتصحيحٍ وتضعيفٍ.
وإليك هذه النماذج:
• قال عقب إيراد حديثٍ أورده (رقم ١٥٨) "إنَّ أهل شيعتنا يخرجون من قبورهم يوم القيامة على ما بهم من الذُّنُوب والعُيُوب وجوههم كالقمر ليلة البدر ... ".
" ... وفيه كلام أكثر من هذا، وكلُّه كذب، وقد أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" [١/ ٣٢٢] ".
_________
(١) "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" (٢/ ٢٢٥).
(٢) وانظر: موضعين آخرين في "كشف الخفاء" (٢/ ١٤٢، ٢٨٨).
(٣) "كشف الخفاء" (٢/ ٢٨٨).
стр. 135
• وقال عقب إيراد حديث عند الثعلبي (رقم ١٥٩): "أخرجه الثعلبي في "تفسيره" قال: أنا عبد الله بن محمد بن علي البلخي، ثنا يعقوب بن يوسف بن إسحاق، ثنا محمد بن أسلم، ثنا يعلى بن عبيد، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عنه؛ ورجاله من محمد إلى منتهاه أثبات؛ لكن الآفة فيمن بين الثعلبي وبين محمد، وآثار الوضع كما قال شيخنا ﵀ عليه لائحة".
• قال عقب حديث (١٦١): "رواه نُعيم بن حمَّاد، من طريق سفيان بن الليل، عن الحسن بن علي، عن أبيه، به. وابن الليل كان غاليًا في الرَّفض، بل في الطريق إليه السَّريّ بن إسماعيل؛ أحد الهلكى". وانظر رقم (٢٠٧).
• وقال معلقًا على حديث أخرجه البزار (رقم ١٣٢): "قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلَّا بهذا الإسناد. قلتُ: وفيه غير واحد من الضُّعفاء: شيخه إبراهيم، وأبوه إسماعيل، وجدُّه يحيى بن سلمة ابن كُهَيل، وهو أشدُّهم ضعفًا. قال العجلي: إنه كان يغلو في التَّشيُّع".
والكتاب -كما أسلفتُ- كتاب تصحيح وتضعيفٍ، ومن أمثة ذلك:
• قوله عند تخريج قصة زواج عمر بن الخطاب أُمّ كلثوم بنت علي ﵁، (رقم ٢٢٩): "وأخرجه الطَّبرانيُّ في ترجمة الحسنِ من "معجمه الكبير" (٣/ ٤٤) من طريق بشْرٍ، مقتصرًا منه على قوله: "كلُّ بني أُنثَى فإنَّ عَصبَتَهُم ... "، وذكر باقيه مثله. ورجاله موثَقون، وشريكٌ استشهد به البخاريُّ، وروى له مسلمٌ في المتابعات".
• ومن ذلك قوله تعليقًا على حديث (٢٥٤): "إنَّا آل محمد لا تحل لنا الصَّدقة": "وإسناده قوي".
• ومنه قوله عقب رواية حديث (٢١١): "النُّجوم أمان لأهل السَّماء، وأهل بيتي أمان لأُمَّتي": "أخرجه مُسَدَّدٌ، وابنُ أبي شيبة، وأبو يعلى، في "مسانيدهم"، والطبرانيُّ؛ كلُّهم بسندٍ ضعيفٍ".
كذلك يُنبِّه المؤلف على الأحاديث التي تُروى ولا تصحُّ؛ تحذيرًا منها، وتنبيهًا لقارئها، فمن ذلك:
стр. 136
• قوله في (ص ٥٤٢ وما بعدها): "وأمَّا ما أسنده الدَّيلميُّ [٤/ ٢٢١] عن عثمانَ بنِ عفَّان ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "المَهدِيُّ مِن وَلَدِ العبَّاسِ عَمِّي"؛ فما تقدَّم أصحُّ منه وأكثر.
ومن الضَّعيف في ذلك؛ ما رواه السَّمَرْقَنْدِيُّ من حديث أبي جعفر المنصور، عن أبيه، عن جدَّه، عن ابنِ عباسٍ ﵄، أن النَّبيَّ ﷺ إليه- يعني العبَّاس- مقبلًا، فقال له:
"هذا عمِّي أَبُو الخلفاء، أجوَدُ قريْشٍ كفًّا وأجملها، وإنَّ مِنْ وَلَدِهِ السَّفَّاحَ، والمنْصُورَ، والمَهْدِيَّ. يا عمُّ! بي فتَحَ الله هذا الأمْرَ، ويَخْتِمُهُ برجل من وَلَدِكَ" ... ".
• وقال في (ص ٥٤٥): "وما رُويَ من حديث الحَسَنِ البصْريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَزْدَادُ الأَمرُ إلا شِدَّة، ولا الدُّنيا إلَّا إدبارًا، ولا النَّاسُ إلَّا شُحًّا. ولا تقومُ السَّاعةُ إلَّا على شرار الخَلْقِ، ولا مَهدِيّ إلَّا عيسى بن مَرْيم". فأخرجه الشَّافعيُّ، وابنُ ماجه في "سننه" [٢/ ٣٤٠]، والحاكمُ في "مستدركه" [٤/ ٤٨٨]، وقال: "أوردتُه تعجُّبًا لا مُحتجًّا به"، وآخرون. وصرَّح النَّسائيُّ بأنَّه منكرٌ. وجَزَمَ غيرُهُ من الحفَّاظ بأنَّ الأحاديث التي قبله أصحُّ إسنادًا؛ والله الموفِّق".
٥ - براعة الحافظ السَّخاويِّ في الصِّناعة الحديثية:
تظهر في الكتاب براعة المؤلف في الصناعة الحديثية التي استفادها من شيخه الأول الحافظ ابن حجر، كما يظهر كثرة اطّلاعه على كتب الحديث، واقتناص الفوائد والفرائد من كلام المحدِّثين، وهذه بعض النماذج للدلالة على ذلك:
• قال المؤلف في (ص ٢٩٩ وما بعدها): "وفي "جامع التِّرمذيِّ" [٤/ ٣٠٩]، و "مسند أحمد" [٢/ ٣٧٤] من حديث يزيد مَوْلى المُنبعِث عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "تَعَلَّموا مِنْ أنْسَابكُمْ ما تَصِلُونَ به أرْحامَكُمْ؛ فإنَّ صِلَةَ الرَّحمِ محبَّةٌ في الأَهلِ، مَثْرَاةٌ في المال، مَنْسَأةٌ في الأَثرِ". وقال: "إنه غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه".
"قُلْتُ: لكن له شاهدٌ عند البَغَويِّ [٣/ ٣٦٠]، والطَّبراني [١٨/ ٩٨]، وابنِ شاهين، وغيرهم، من حدث عبد الملك بن يعلى، عن العلاء بن خارجة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: وذكر مثله؛ لكنه قال: "مَنسَأة في الأجل". إلَّا أنه كما قرَّرتُ فيما كتَبْتُه من "شرح الترمذي"
стр. 137
معضل أو منقطع. والصَّواب فيه: عبد الملك بن عيسى بن العلاء بن جارية، راويه عن يزيد مولى المنبعث، أو عن ولده عبد الله بن يزيد؛ والله الموفق".
• وقال في (ص ٦٤٠) مما يدلُّ على براعته في الصِّناعة الحديثية، ومعرفته العلل: "ولابنِ خُزَيْمَةَ (٤/ ٢٤٠)، وابن حبَّانَ (٩/ ١٣٧) في "صحيحيهما"، وابنِ مَرْدُويه، وابنِ أبي حاتم (١٠/ ٣٣٠٦)، وعَبدٍ في "تفاسيرهم" من حديثِ موسى بن عُقبة، عن عبد الله بنِ دينار، عن ابنِ عُمَرَ ﵄ قال: "طاف رسولُ الله ﷺ يَومَ فتح مَكَّةَ على ناقته القَصواء، يَستلِمُ الأركانَ بمِحجَنٍ في يده، فما وَجَدَ لها مناخًا في المسجد، حتى نزل على أيدي الرِّجال، فخرج بها إلى بطن المسيل، فَأُنيخَتْ. ثم إنَّ رسولَ الله ﷺ خَطَبَهُم على راحلته، فَحَمِدَ الله ، وأثنى عليه بما هو له أهلٌ، ثم قال:
"يا أَيُّها النَّاسُ! إنَّ الله قَدْ أَذْهَبَ عَنكُم عُبيّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُّمها بآبائِها؛ فالنَّاسُ رَجُلانِ: رَجُلٌ بَرٌّ تَقِيٌّ، كَرِيمٌ على الله، وفَاجرٌ شقِيٌّ هَيِّنٌّ على الله. إنَّ اللهَ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] ". ثم قال: "أقُولُ قَولي هذا، واسْتَغْفِرُ الله لي وَلَكُمْ".
"وَرجَالُهُ ثقاتٌ؛ بحيث إنَّ الضِّياءَ المَقْدِسيَّ أورده في "المختارة" من هذا الوجه.
"لكن قد أعلَّه ابن مَردُويه بأَنَّ محمَّد بنَ المقرئ راويه عن عبدِ الله بنِ رجاء، عن موسى بنِ عُقبة وَهِمَ في قوله: "موسى بن عُقبة"، وإنَّما هو "موسى بن عُبيْدة". وحينئذٍ فهو ضعيف، لضَعْفِ موسى بن عُبيْدة. قلتُ: لكن له متابعٌ عند التِّرمذيِّ ... "، إلخ كلامه.
٦ - مناقشتة العلمية وتعقُّبه لنقَّاد الحديث:
ومن مزايا الكتاب؛ مناقشة المؤلف وتعقُّبه لنقَّاد الحديث؛ لا سيما ابن الجوزي في "موضوعاته" و"علله"؛ الأمر الذي يدل على سعة اطِّلاعه وتمكِّنه من علم الحديث والإسناد، وهذه بعض الأمثلة:
• قال تعليقًا على حديث رقم (٦١): عند أحمد (٣/ ١٧)، والطبراني في "الأوسط" (٤/ ٨١)، وأبي يعلى (٢/ ٢٩٧)، وآخرين؛ قال: "وتعجَّبتُ من إيراد ابنِ الجَوزِيِّ له في في "العلل المتناهية" [١/ ٢٦٨]؛ بل أعجب من ذلك قوله: "إنه حديث لا يصحُّ"، مع ما سيأتي من طرقه التي بعضها في "صحيح مسلم" [٤/ ١٨٧٣] ".
стр. 138
• وقال في موضع آخر متعقِّبا الإمام الحاكم تصحيحه حديث (٣١٦): "إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي سَيَلقَونَ بَعدِي مِنْ أُمَّتِي قَتْلًا وتشريدًا": "رواه الحاكم (٤/ ٥٣٤) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. قلتُ: وهذا من عجائبه؛ فالجمهور على ضَعفِ إسماعيل! ".
• وقال ﵀ في (ص ٣٧٥): "وفي "صحيح مسلم" [٤/ ٨٨٣] من حديث مُصْعبِ بنِ شَيية، عن صفيَّةَ ابنةِ شَيْبةَ قالت: قالت عائشة ﵂:
"خرج النَّبيُّ ﷺ ذاتَ غداةٍ وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ ... "، ثم ساقه بتمامه، وقال: "وغفل الحاكم [٣/ ١٥٩] فاستدركه! ".
٧ - الكتاب قام على تلخيصه واختصاره أحد العلماء الأفذاذ:
ومما يُميِّز الكتاب ويُعطيه قيمةً علمية؛ أنَّ الإمام الفقيه المحدِّث أحمد بن محمد بن حجر الهيتميّ (ت ٩٧٤ هـ) قام باختصاره اختصارًا متقنًا، وجعله ذيلًا لكتابه "الصواعق المحرقة"؛ الأمر الذي يشير إلى أهمية الكتاب ونفاسته.
قال ابن حجر الهيثمي في "مقدِّمة تلخيصه" (١) المشار إليه: "لمَّا فرغتُ من هذا الكتاب، أعني "الصواعق المحرقة"، رأيتُ -بعد أربع عشرة سنة، وكُتب منه النُّسخ ما لا أُحصي، ونُقل إلى أقاصي البلدان والأقاليم، كأقصى المغرب، وما وراء النهر سمرقند وبُخارى وكشمير وغيرها، والهند واليمن - كتابًا في مناقب أهل البيت، فيه زيادات على ما مرَّ، لبعض الحفّاظ من معاصري مشايخنا، وهو الحافظ السَّخَاويّ ﵀. وكان يمكن إلحاق زياداته لقلَّتها على حواشي النُّسخ، لكن لتفرُّقها تعذَّر ذلك.
"فأردت أن ألخِّص هذا الكتاب مع زيادات في ورقات، إنْ أُفردت فهي كافية في التنبيه على كثير من مآثرهم، وإنْ ضُمَّتْ لهذا الكتاب فهي مؤكّدة تارة، ومؤسّسة أخرى".
٨ - اهتمامه بشرح الغريب:
مما يُميِّز الكتاب أنَّ المؤلف يقوم بشرح الكلمات الغريبة الواردة في بعض الأحاديث، ممَّا يُجلِّي معناها بوضوح، وهاك نماذج على ذلك:
• قال في (ص ٣٩١) مبيِّنًا معنى كلمة (ارقبوا) الواردة في قول أبي بكر الصِّدِّيق
_________
(١) انظر: "الصواعق المحرقة" (٢/ ٦٤٧ - مؤسسة الرسالة)، وفي الطبعة القديمة (ص ٣٣٩).
стр. 139
-﵁: "ارقبوا محمدًا في أهل بيته": "والمراقبة للشيء: المحافظة عليه (١).
وخاطب أبو بكر ﵁ النَّاسَ بذلك يُوصِيهم بأَهْلِ بيتِ نبيِّهم ﷺ يقول: "احفظوه فيهم، فلا تُؤذُهم، ولا تُسيئُوا إليهم"؛ والله أعلم".
• وقال في بيان غريب حديث رقم (١٣٢): "وقوله هَجِّر": أي بكِّر بالصلاة أول وقتها (٢).
و"الكِبَا" بالكسر والقصر، جمع أكباء، الكُنَاسَة (٣).
و"أبَرْنَا": بموحدة، أي أهْلَكنا، فإنْ كانت همزتُه أصلية؛ فهو أبَرْتُ الكلبَ إذا أطْعَمتُه الإبْرَةَ في الخبز، وإنْ كانت زائدة؛ فهو من الجَوَار (٤) ".
• وقال في (ص ٦١١) في بيان كلمتي "صفَنَ"، و"نُجَداء":
"وقوله: "صَفَنَ": بالمهملة، ثم فاء خفيفة، وآخره نون؛ أي جمع بين قدميه (٥).
ووقع في رواية: "صَفَّ قدميه".
وكذا فيها: "نُجَدَاء" بدل "نُجَبَاء"، وهي من النَّجدَةِ: الشَّجاعة وشدَّة البأس (٦) ".
والأمثلة في هذا لا تنحصر.
* * *
_________
(١) انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (٢/ ٢٤٨).
(٢) "النهاية" (٥/ ٢٤٦).
(٣) "الفائق في غريب الحديث" (٣/ ١٣٨)، "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ١٤٦).
(٤) "النهاية في غريب الحديث" (١/ ١٤) - مادة (أبَرَ). (١/ ١٦١) - مادة (بَوَرَ).
(٥) "النهاية" (٣/ ٣٩).
(٦) "النهاية" (٥/ ١٨).
стр. 140
المبحث الثالث منهج المؤلف في الكتاب ومصادره
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: شرط المؤلف في الكتاب .
المطلب الثَّاني: منهج المؤلف في الكتاب.
المطلب الثَّالث: مصادره.
* * *
المطلب الأول: شرط المؤلف في الكتاب
أشار المؤلف في مقدمة الكتاب إلى اطَّلاعه على كتاب المحب الطَّبريِّ المشهور "ذخائر العُقبى في مناقب ذوي القُربى". ثم سجَّل انتقادَه الصَّريح للمحبِّ، حيث إنه -أعني المحبَّ- فصَّل وطوَّل في ذكر فضائل بني هاشم -مع أنَّ فضائلهم مشهورة-، وكان هذا غاية غرضه ونهاية منتهضه! مع عدم تنبيهه على الموضوع والمنكر فضلًا عن الضَّعيف ... إلى غير ذلك من التَّساهل والمسامحة.
وقد أيَّد ما ذهب إليه بالإشارة كلام حافظ مكة التَّقيّ الفاسي، وشيخه الحافظ ابن حجر، وصلاح الدِّين العلائي ﵏ (١).
وهذا الذي ذكره المؤلف يفيد أنه لن يُورد في كتابه أحاديث انتقدها على صاحب كتاب "ذخائر العُقبى"، وإنما سيعتمد على الصَّحيح الثابت، ولو أورد الضَّعيف أو الموضوع أو المنكر فسوف يشير إلى ضعفه أو وضعه أو نكارته.
_________
(١) انظر: مقدَّمة المؤلف في القسم المحقق (ص ٢٢٤).
стр. 141
وقد جاء هذا في كلامه الذي نقلته آنفًا: " ... لجاء في عدة مجلدات، فيها الكفاية والمقنع، مع بيان السَّمين من الهَزيل، والثَّابت المَكين من المُزَلزَل العليل" (١).
فهو بهذا الكلام يشترط على نفسه ألا يُورد إلَّا الكافي والمقنع، مع بيانه السَّمِين من الهزيل، والثَّابتَ المَكين من المُزَلزَل العليل، كما هي عبارته.
ولقد تبيَّن لي بعد دراسة الكتاب دراسةً وافيةً أن المؤلف التزم بهذا الشرط في أكثر الأحاديث والآثار فيما يتصل ببيان الصَّحيح من الضَّعيف، فهو لا يكاد يُورد حديثا إلَّا ويُعلِّق عليه بما يناسبه صحةٌ وضعفًا ... إلَّا أنه فرَّط في هذا الشرط في روايات ليست بالقليلة، خصوصًا تلك الرِّوايات التي يسوقها تبعًا للمحبِّ الطَّبريِّ في كتابه، وكان الأولى -في نظري- أن يُنبِّه عليها، طالما أنه انتقدها في الأصل، وهو من المؤاخذات التي تُسجَّل على المؤلف.
ومن أمثلة ذلك:
• إيراده حديث: "استوْصُوا بِأهْلِ بيتي خيرًا فإنِّي أُخاصِمُكُم عنهم غدًا، ومَنْ أكُنْ خَصمه أخصِمُهُ، ومَنْ أخصِمُه دخل النَّار" (رقم ١١٦)، وهو حديث ليس له أصل.
وحديث: "لا يُحِبُّنَا أهْلَ البَيْتِ إلَّا مُؤمِنٌ تَقيٌّ، ولا يُبْغِضُنَا إلَّا منافقٌ شقيٌّ". (رقم ١٤٨).
• وحديث: "يرد الحوض أهْلُ بَيتي، ومَن أحبَّهم مِن أُمَّتِي كهاتين السَّبَّابتين". (رقم ١٥٤).
• وحديث: "من حفظني في أهلِ بَيْتِي فقد اتَّخَذَ عند الله عَهدًا". (رقم ١٦٤).
فمثل هذه الأحاديت كان الأولى عدم إيرادها، لأنه لا يُعرف لها أصلٌ يُعتمد عليه، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، إن المؤلف وقع فيما عابه على المحبِّ من التسامح والتساهل! حتى إنه عقَّب على حديث (رقم ١١٦) بقوله: "ولم أقِف له على أصلٍ أعتَمِدُه! " ... فيكون بذلك من المتسامحين في الرِّواية! اللَّهُمَّ إلَّا أن يُقال: إنه أراد بذلك إيراد جميع ما في الباب من أجل العلم به، سواء أكان صحيحًا أم ضعيفًا أم موضوعًا، واكتفى بالتنبيه عليه.
_________
(١) انظر: القسم المحقق (ص ٢٢٥).
стр. 142
كذلك أشار المؤلف في المقدِّمة -مما يعتبر من شرطه في الكتاب- أنه لن يأتي برواية أو خبر أو نحوهما إلَّا مما قام دليله وبرهانه، وكان مقبولًا، وقد أشار إلى هذه الفقرة من المنهج بقوله:
" ... وبعد: فهذا تصنيفٌ شريفٌ في العِترَة العَطِرَة ... بينهما فصولٌ وفوائدُ مهمَّة، بالبرهان قائمة، من مقبول المنقول" (١).
ولكن مما يؤخذ على المؤلف أنه لم يتقيَّد بهذا الشرط في سائر الكتاب، حيث إنه أورد بعض الرِّوايات التي لا تُقبل دون التنبيه إلى ذلك كما هي عادته في أكثر المواضع من الكتاب. انظر الأمثلة المذكورة آنفًا.
كذلك إيراده في آخر الكتاب بعض القصص والأخبار في إكرام أهل البيت، رغم أنَّ فيها كثيرًا من الانتقادات (٢)!
المطلب الثاني: منهج المؤلف في الكتاب
قسَّم الحافظُ السَّخَاويُّ الكتاب -كما مضى- إلى أحد عشر بابًا بينهما مقدِّمة وخاتمة، ولقد جعل لنفسه خطةً أو منهجًا يسير عليه في الكتاب أمكن معرفته والوقوف عليه من خلال استقرائه الكتاب وسَبْر أغواره.
وقد أطلتُ النَّفَسَ في بيان منهج المؤلف بعض الشيء، وذلك لأهمية هذا المطلب، وقد جعلت الكلام فيه في النقاط التالية:
• منهجه في عرض أبواب الكتاب ومسائله.
• منهجه في عرض الأحاديث والآثار وعزوها.
• منهجه في بيان صحة الأحاديث والآثار وضعفها.
أبرز معالم هذا المنهج:
أولًا: منهج المؤلف في عرض أبواب الكتاب ومسائله:
يمكن إيجاز طريقة المؤلف في عرض أبواب الكتاب، ثم أحاديثه ومسائله من خلال النقاط التالية:
_________
(١) (ص ٢٢٢) القسم المحقق.
(٢) انظر: ما كتبته في المبحت الثامن: (أهم المآخذ على الكتاب)، (ص ٢٠٨ - ٢١٥).
стр. 143
١ - في البداية يضع عنوان الباب، ويكون هذا العنوان واضحًا لا غموض فيه، مشيرًا إلى الموضوعات والأحاديث والآثار والأخبار التي سيوردها في الباب لاحقًا.
فمثلًا الباب الأول، جعل عنوانه كالتالي: (باب وصية النَّبيَّ ﷺ وخليفته بأهل بيته المشرَّف، كلٌّ بانتمائه إليه ونسبته)، حيث أورد السَّخَاويُّ تسعين خبرًا، وكان الخبر الحادي والتسعين والأخير في الباب قول أبي بكر الصَّدِّيق ﵁ ولم يذكر له غيره-: "ارقُبُوا محمَّدًا ﷺ في أهلِ بَيتِهِ"، وقد أشار إليه في تسميته للعنوان رغم أنه أثر يتيم، وهذا من دقَّة المؤلف وسلامة منهجه، وهذا الأثر في البخاري (١).
٢ - ثم يبدأ بعد ذلك بسياق أحاديث الباب مباشرة على طريقة المحدِّثين ... هكذا: عن زكريا بن أبي زائدة، عن عطيَّة، عن أبي سعيد الخُدرِيِّ ﵁، عن النَّبي ﷺ أنه قال: ... ثم يسوق الحديث بتمامه (٢)، فهو كتاب أحاديث وآثار كما سبق.
ثانيًا: منهج المؤلف في عرض الأحاديث والآثار في الأبواب وعزوها:
وطريقته في عرض تلك الأحاديث والآثار كالتالي:
١ - يورد جميع ما وقف عليه من الأحاديث والآثار (الصَّحيح، والضَّعيف، وحتى الموضوع مع التنبيه عليه غالبًا).
وهذه طريقة معروفة عند بعض أهل العلم، حيث إنهم يروون جميع ما وقفوا عليه في الباب، لا لأنهم يحتجُّون به، وإنما ليقف عليه القارئ ليُحيط بجميع ما ورد في القضية، من باب العلم بالشيء.
وقد نقل العلَّامة عبد الحيّ اللكنوي عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى في مواضع من كتابه "الأجوبة الفاضلة" (٣) أن عادة كثير من المحدِّثين كأبي نُعيم الأصبهاني، والثَّعلبي، والدَّيلمي، وأبي القاسم ابن عساكر، وغيرهم، يروون ما في الباب لأجل أنْ يُعرف أنه قد رُوي، كالمفسِّر الذي ينقل أقوال الناس في التفسير، والفقيه الذي يذكر الأقوال في الفقه، وإنْ كان كثير من ذلك لا يعتقد صحّته، بل يعتقد ضعفه، كأنَّ الواحد
_________
(١) انظر: تخريجه برقم (١١٧).
(٢) انظر: حديث رقم (٢٧).
(٣) "الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة" (ص ١١٠ - ١١٣).
стр. 144
منهم يقول: "إنما نقلتُ ما ذَكَرَ غيري، فالعهدة على القائل لا النَّاقل".
٢ - أنه يسوق طرفًا من إسناد الرِّواية التي يذكرها، مما يدلُّ على اهتمام المؤلف بالإسناد وتعويله عليه، ومن أمثلة ذلك:
• حديث رقم (٧٠): " .. فرواه التِّرمذيُّ في "جامعه" من طريق زيد بن الحسن الأنْمَاطيِّ، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄ ... "، الحديث.
• وحديث رقم (٢٩٩): "عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂، أنَّ أبا بكر ﵁ ... "، الحديث.
• وحديث رقم (٣١٧): "عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جَدِّه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ... "، الحديث.
وأحيانًا يُورد الحديث بلا إسناد، وذلك في الرِّوايات التي لم يقف لها على إسناد، وغالبها مما تابع فيها المحبَّ. انظر مثلًا الأرقام: (٩٢٤، ٩٥٢، ٩٦٤، ١٨٧، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢١١، ٢٢٣، ٣٣٩).
وأحيانًا يُورد الحديث بإسناده كاملًا معزوًّا لمخرِّجه.
ومثاله حديث رقم (٣١)، إذ أورده بقوله: "وقال البخاريُّ في تفسير ﴿حم (١) عسق﴾ (١) من التفسير في "صحيحه": حدَّثنا محمد بن بشار -هو بُنْدَار-، ثنا محمد بن جعفر -هو غُندَر-، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعتُ طاووسًا يحدِّث عن ابن عبَّاس ﵄، أنه سئل عن قوله : ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٢) ... "، الحديث. وانظر رقم (٣٢، ١٥٩).
٣ - يبدأ -في الغالب- بإيراد أصحِّ ما في الباب، ثم ما يليه في الدرجة ... وهكذا.
مئال ذلك: ما أورده في الباب الثالث (باب مشروعية الصَّلاة على أهل البيت تبعًا للمصطفى في الصَّلاة وغيرها). فلقد أورد حديث كعب بن عجرة ﵁ الثابت في
_________
(١) الشورى (الآيتان: ١ - ٢).
(٢) الشورى (آية: ٢٣).
стр. 145
"الصَّحيحين" (١): يا رسول الله! كيف الصَّلاة عليكم أهل البيت؟ قال: قولوا: "اللَّهُمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد ... "، الحديث.
• ثم ينظر في اختلاف الألفاظ، فيشير إلى ما في ذكره فائدة، أو زيادة معنى، أو ما أشبه ذلك.
• ثم يمشي على هذا المنوال، يروي المرسل والضَّعيف ويُنبِّه عليه، كما فعل في رواية إبراهيم النخعي أنهم قالوا: يا رسول الله! قد علمنا السَّلام عليك، فكيف الصَّلاة عليك (٢)؟
• وكما في حديث علي بن أبي طالب ﵁: "من سرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى ... "، الحديث؛ فإنَّ سنده ضعيف كما أشار المؤلف إلى ذلك (٣).
٤ - وقد يخالف هذا المنهج أحيانًا، إذا كان جميع ما في الباب لا يثبت، كما في الباب التاسع (باب مُكَافَأة الرَّسول ﵇ لمن أحسن إليهم يوم القامة)، فقد أورد أربعة أحاديث: اثنين موضوعين، وواحدًا ضعيف جدًّا، والرابع ضعيف.
٥ - وإن كان في الباب أحاديث كثيرة قد يضيق المقام بذكرها يشير إلى ذلك ويحيل إلى أحد كتبه التي أطال فيها النفس في نفس الباب ... ولذا قال في آخر الباب المذكور آنفًا: "وفي الباب أحاديث كثيرة، أوردتُها مع حكم المسألة في كتابي (القول البديع) " (٤).
٦ - امتاز المؤلف بدقة عزوه الأحاديث إلى مخرِّجيها، فتراه ينقل من كتبهم الأصلية ويعزو إليها (٥).
• فينقل عن البخاري في "الصَّحيح"، و"الأدب المفرد"، و"التاريخ" مثلًا.
_________
(١) انظر: حديث رقم (١٧٥).
(٢) انظر: حديث رقم (١٧٦).
(٣) انظر: حديث رقم (١٧٩).
(٤) انظر: (ص ٣١٧).
(٥) وجدت من خلال دراسة الكتاب ملاحظات على عزو المؤلف، انظر مثلًا حديث رقم (٥٣)، فقد عزاه للطبراني في "الكبير"، وهو في "الأوسط". وانظر مبحث: (أهم المآخذ على المؤلف).
следующие страницы →