Полный текст (771 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وقال الشَّاعر (١) :
نَزَلُوا بِمَكَّةَ في قَبَائلِ نَوْفَلٍ ... وَنَزَلْتُ بِالبَيْدَاءِ أبْعَدَ مَنْزِلِ
وهؤلاء ممن يشملهم اسم القرابة؛ بل قيل في العِتْرة -وهي بالمثنّاة-: إنهم الأقْربون والأَبْعدون معًا (٢) . حتى قال أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ وهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرَّة، الذي فيه يلتقي نَسَبُهُ مع نَسَبِ رسولِ الله ﷺ :
١٦ - "نحن عِتْرَة رسول الله ﷺ وبَيْضَتُه التي تفقَّأت (٣) عنه" (٤) ؛ لكونه ﵁ من قريش؛ ولكنَّ المشهورَ المعروف أن عِتْرَته أهلُ بيته الذين حُرِّمت عليهم الزَّكاة.
١٧ - ويؤخذ ذلك من قول أبي بكرٍ ﵁ للنَّبيِّ ﷺ حين شاور أصحابه في أسَارى بدر: "عِتْرَتُكَ وقَوْمُكَ" (٥) . الحواشي
(١) لم أهتد لقائله، وذكره أبو سعد السمعاني في "الأنساب" (٥/ ٥٣٦) ولم ينسبه لأحد.(٢) انظر: (ص ٢٢٢) - القسم المحقق.(٣) أي: انفلقت وانشقّت؛ قاله في "النهاية" (٣/ ٤٦١).(٤) إسنادُهُ ضعيفٌ.
أخرجه البيهقي في "السُّنن الكبرى" (٦/ ١٦٦) -كتاب الوقف- باب الصدقة في العترة، بدون إسناد بصيغة الجزم، ولفظه: "نحن عترة رسول الله ﷺ التي خرج منها، وبَيْضَتُه التي تفقَّأت عنه".
وذكره البيهقي بإسناده من طريق إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرّقي، عن عبد الله بن حرب الليثي، عن هاشم بن يحيى المزني، عن أبي دغفل الهجيمي، عن معقل بن يسار المزني، عن أبي بكر أنه قال: "علي بن أبي طالب عترة رسول الله ﷺ ". قال البيهقي عقبه: "في هذا الإِسناد بعضُ من يُجهل". ثم قال: "ويُذكر عن أبي بكر ﵁ أنه قال يوم السَّقيفة: نحن عترة رسول الله ﷺ ".(٥) إسنادُهُ رجالُهُ ثقاتٌ؛ إلَّا أن فيه انقطاعًا.
وهو قطعة من حديث طويل في قصة بدر ومشاورة النَّبي ﷺ لأصحابه في الأسرى:
أخرجه الإِمام أحمد (١/ ٣٨٣) بلفظ: "قومك وأهلك". وبنفس اللفظ أخرجه الطبري في "تاريخه" (٢/ ٤٦). وأخرجه أحمد أيضًا في (١/ ٣٨٤) بلفظ: "عترتك وأصلك وقومك"، وبنفس اللفظ أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ١٤٣) - رقم(١٠٢٥٨) .
- وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنَّف" (٧/ ٣٥٩) - رقم(٣٦٦٧٩) بلفظ: "قومك وأصلك". =стр. 282
فإنه أراد بعِتْرَته: العبَّاس [ح ١٤/ أ]﵁ ومن كان فيهم من بني هاشم (١) ، وبقومه: قريش.
إذا عُلِمَ هذا؛ فقد وقع الإصطلاح على اختصاص ذرِّيَّة السِّبْطين عن سائر من تقدَّم بـ "الشَّطفة الخَضراء" (٢) ؛ لمزيد شرفهم -كما أسْلَفْتُهُ (٣) -. ويقال في سبب كونها خضراء؛ أن المأمون (٤) ﵀ أراد أن يجعلَ الخلافةَ في بني فاطمة (٥) ، الحواشي
(٤٣٠٤) ، وأبو يعلى في "مسنده" (٩/ ١١٦) - رقم(٥١٨٧) كلاهما بلفظ: "عشيرتك وقومك".
قال البوصيري في "مختصر إتحاف السادة المهرة" (٧/ ١٥): "رواه أبو يعلى ورواته ثقات". وأخرجه الترمذي مختصرًا جدًّا في كتاب الجهاد -باب ما جاء في المشورة (٤/ ١٨٥) - رقم(١٧١٤) - ورواه في التفسير -باب من سورة الأنفال (٥/ ٢٥٣) - رقم(٣٠٨٤) ؛ كلُّهم بأسانيدهم عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عُبيدة بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود. قال الترمذي: "وهذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه". وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٨٧): "وفيه أبو عبيدة ولم يسمع من أبيه؛ ولكن رجاله ثقات". وعزاه السيوطي في "الدُّر المنثور" (٣/ ٣٦٤) لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.(١) كعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب؛ فقد أسرا يوم يدر.(٢) هي قطعة من القماش تُشبه المنديل تُوضع على رؤوسهم. انظر: "معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي" (ص ٩٨). ووجدت في بعض المصادر تسميتها بـ (الشَّظفة)، بالظاء.
وأفاد صاحب المعجم أن بعض أفراد من قبيلة العنزة -سوى الأشراف- يضعونها على رؤوسهم ويُسمُّونها (الشَّطفة). كذلك في حوران -بجنوب سوريا- تربط النساء رؤوسهنَّ بقماشٍ (إشارب) إلى الخلف، يُسمُّونه (الشَّطفة).(٣) راجع (ص ٢٤٨).(٤) هو الخليفة العباسي، عبد الله بن هارون الرشيد. ولد سنة (١٧٠ هـ)، كان من أفضل رجال بني العباس حزمًا، وعزمًا، وحلمًا، وعلمًا، ورأيًا، ودهاءً، وهيبة، وشجاعة. وله محاسن كثيرة، وسيرة طويلة؛ لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن! مات سنة (٢١٨ هـ). "تاريخ الخلفاء" (ص ٢٦٨ - ٢٩٠)، و"الجوهر الثمين" (ص ١٣١ - ١٣٦).(٥) كان ذلك في سنة (٢٠١ هـ)، فقد خلع المأمون أخاه المؤتمن من العهد، وبايع لعلي بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب أن يكون وليّ العهد من بعده، وسمَّاه "الرضى من آل محمد". قال السيوطي في "تاريخ الخلفاء" (ص ٢٧٠): "حمله على ذلك إفراطه في التَّشيُّع".
ولذا طرح المأمون السَّوادَ، مع أنه شعار العباسيين كافّة، وأمر بلبس الخُضْرة، فلبسها هو وجنده، =стр. 283
فاتَّخذ لهم شعارًا أخضر، وألبَسَهم ثيابًا خُضْرًا؛ لكون السَّواد شعار العبَّاسيّين (١) ، والبياض شعار سائر المسلمين في جُمَعِهم ونحوها (٢) ، والأَحمر مختلفًا في الحواشي
(١) كان ذلك في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور رحمه الله تعالى، فهو الذي ألزم الناس بذلك. قال أبو الحسن الحذُّاء كما في "السِّير" (٦/ ٢٢٠): "ألزم أبو جعفر المنصور الناسَ بالسَّواد، فكنت أرى بعضهم يصبغ بالمداد".
قلتُ: كان ذلك في سنة (١٥٣ هـ)، كما ذكره ابن كثير في حوادث السنة المشار إليها (١٠/ ١١٣): "وفيها ألزم المنصورُ الناسَ بلبس قلانس سُود طوال جدًّا، حتى كانوا يستعينون على رفعها من داخلها بالقضب، فقال أبو دلامة الشاعر في ذلك:
وكنَّا نُرَجِّي من إمام زيادة ... فزاد الإِمام المرتجى في القلانس
تراها على هامِ الرِّجالِ كأنَّها ... دِنانُ يهُودٍ جُلِّلت بالبرانسِ". اهـ
قلتُ: ولعلَّ ذلك كان بمشورة أبي مسلم الخراساني مُوَطِّد مُلْك بني العبَّاس، فقد كان يعتبر السَّواد ثياب الهيبة، وثياب الدولة. قال الذهبي في "السِّير" (٦/ ٥١): "كان أبو مسلم سفَّاكًا للدِّماء، يزيد على الحجَّاج في ذلك. وهو أول مَنْ سنَّ للدَّولة لبس السَّواد". وللاستزادة انظر: "الأوائل" لأبي هلال العسكري (ص ١٧٧ - ١٧٨). وقد ألَّف السُّيوطيُّ رسالةً سمَّاها: "ثلْج الفؤاد في أحاديث لُبْس السَّواد"، جمع فيها الأحاديث الواردة عن النَّبيِّ ﷺ ، والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين في هذا الشأن. وهي مطبوعة ضمن "الحاوي للفتاوي" (١/ ٧٦ - ٧٨).(٢) لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالبياض من الثياب، فلْيَلْبَسها أحياؤكم، وكفِّنوا فيها موتاكم؛ فإنها من خير ثيابكم". =стр. 284
كراهته (١) ، والأَصفر شعار اليهود بأَخَرَة (٢) . الحواشي
(٤٠٦١) ، والترمذي في الجنائز- باب ما يستحب من الأكفان (٣/ ٣١٩) - رقم(٩٩٤) ، وابن ماجه في اللباس - باب البياض من الثياب (٢/ ١١٨١) - رقم(٣٥٦٦) ، وأحمد (١/ ٣٢٨)؛ كلُّهم بأسانيدهم من طريق ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
ومن طريق أيوب، عن أبي قِلابة، عن سمرة؛ أخرجه النسائي في الزينة -باب الأمر بلبس البيض من الثياب (٨/ ٢٠٥) - رقم (٥٣٢٢، ٥٣٢٣). واللفظ له، وهو حديث صحيح.(١) ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ٣٠٥ - ٣٠٦) في هذه المسألة (لبس الثوب الأحمر) سبعة أقوال للعلماء:
* القول الأول: الجواز مطلقًا. وقد جاء عن علي، وطلحة، وعبد الله بن جعفر، والبراء، وغير واحد من الصحابة. وعن سعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، وأبي قِلابة، وأبي وائل، وطائفة من التابعين.
* القول الثاني: المنع مطلقًا.
* القول الثالث: يكره لُبْس الثوب المشبَّع بالحُمْرة، دون ما كان صبغهُ خفيفًا. جاء ذلك عن عطاء، وطاووس، ومجاهد.
*القول الرابع: يكره لُبْس الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة. جاء ذلك عن ابن عباس.
* القول الخامس: يجوز لُبْس ما كان صُبغَ غزله ثم نُسج، ويُمنع ما صُبغَ بعد النسج.
* القول السادس: اختصاص النهي بما يصبغ بالمعصفر، لورود النهي عنه، ولا يُمنع ما صبغ بغيره من الأصباغ.
* القول السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يُصبغ كلُّه، وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا.
ثم قال رحمه الله تعالى: "والتحقيق في هذا المقام أن النهي عن لُبْس الأحمر إنْ كان من أجل أنه لبس الكفار. فالقول فيه كالقول في الميْثرة الحمراء كما سيأتي. وإنْ كان من أجل أنه زيّ النساء، فهو راجع إلى الزجر عن التَّشبه بالنساء؛ فيكون النهي عنه لا لذاته. وإن كان من أجل الشهرة، أو خرم المروءة فيُمنع حيث يقع ذلك، وإلَّا فيقوى ما ذهب إليه مالك من التفرقة بين المحافل والبيوت". اهـ.(٢) انظر: "أحكام أهل الذِّمة" لابن قيم الجوزية (٢/ ١٦٨ - ١٦٩)، و (٢/ ١٨٣) - دار الكتب العلمية.
ورأيتُ في حوادث سنة (٧٢١ هـ) من "النجوم الزاهرة" (٩/ ٥٩) أن السلطان الناصر محمد بن قلاون ألزم النَّصارى بمصرَ بلُبْس العمائم الزُّرق، مع إبقاء اليهود على لُبْس العمامة الصفراء؛ لأحداث حصلت.стр. 285
١٨ - بل وَرَدَ أن الملائكةَ ﵈ يومَ بدر خرجوا بعمائمَ صُفْر (١) . الحواشي
(١) أحاديث خروج الملائكة يوم بدر بعمائم صفراء مرويَّة عن جماعة من الصَّحابة ﵃:
١ - حديث عبد الله بن عباس ﵄:
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٥٤)، من طريق ابن أبي حبيب، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ في مناشدة النَّبي ﷺ لربِّه يوم بدر، وأبو بكر يُهوِّن عليه في ذلك، وهو حديث طويل، وفيه: "أبشر يا أبا بكر! هذا جبريل مُعْتَجِرٌ بعمامة صفراء، آخذٌ بعنان فرسه بين السماء والأرض".
وفي إسناده ابن أبي حبيب أو حبيبة، وهو إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري الأشهلي.
قال الحافظ في "التقريب" (ص ١٠٤): "ضعيف".
وداود بن الحصين وإنْ كان ثقة، إلَّا أنه في عكرمة غير ذلك، كما قال الحافظ ابن حجر في "التقريب" (ص ٣٠٥). قال أبو داود: أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير. وقال علي بن المديني: ما روي عن عكرمة فمنكر. "تهذيب التهذيب" (٣/ ١٦٣).
وقد دافع عن روايته عن عكرمة ووثَّقاه فيها الإِمامان أبو أحمد بن عدي، وابن قيم الجوزية:
قال ابن عدي: "وداود هذا له حديث، وإذا روى عنه ثقة فهو صحيح الرواية، إلَّا أن يروي عنه ضعيف فيكون البلاء منهم لا منه، مثل ابن أبي حبيبة هذا، وإبراهيم بن أبي يحيى". "الكامل" (١/ ٢٣٤).
أمَّا ابن القيِّم فقال: "وأمَّا تضعيف حديث داود بن الحصين عن عكرمة فممّا لا يُلْتفت إليه؛ فإنَّ هذه الترجمة عند أئمة الحديث صحيحة لا مطعن فيها". "تهذيب سنن أبي داود" (٣/ ١٥٤).
وقد أطال الدكتور صالح الرفاعي الكلام في مناقشة توثيق داود عن عكرمة في كتابه "الثقات الذين ضُعِّفوا في بعض شيوخهم" (ص ١٥٤ - ١٥٩)، وتتبَّع أحاديثه عنه، وخَلُصَ إلى رأي ابن عدي؛ فانظره فإنه مفيد جدًّا.
٢ - حديث أبي أسيد السَّاعديّ ﵁:
أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٨٢)، من طريق مختار بن غسَّان، عن عبد الرَّحمن بن الغسيل، عن الزبير بن المنذر، عن جدِّه أبي أسيد -وكان بدريًّا- فكان يقول: "لو أن بصري معي ثم ذهبتم معي إلى أُحد لأخبرتُكم بالشِّعب الذي خرجتْ منه الملائكة في عمائمَ صُفْرٍ قد طرحوها بين أكتافهم".
وهذا إسنادٌ فيه ضعفٌ.
مختار بن غسَّان التمَّار، قال الحافط في "التقريب" (ص ٩٢٦): "مقبول"، ولم أر من تابعه. وعبد الرحمن بن سليمان الغسيل، صدوق فيه لين. "التقريب" (ص ٥٨١). والزبير بن المنذر مستور. "التقريب" (ص ٣٣٦). ويشهد له حديثُ ابن عباس، وابن الزبير الآتيان.
٣ - حديث حكيم بن حزام ﵁:
أخرجه الواقدي في "المغازي" (١/ ٨١)، من طريق عائذ بن يحيى، عن أبي الحويرث، عن عُمارة بن أكيْمة، عن حكيم بن حزام. =стр. 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٨٤) ، من طريق حماد بن سلمة، عن هشام به، قال: "نزل جبريلُ ﵇ يومَ بدرٍ على سيما الزُّبير، وهو معتجرٌ بعمامةٍ صفراء".
- ومن طريقه أخرجه أبو نُعيم في "فضائل الخلفاء الأربعة وغيرهم"- رقم(١١١) . وأخرجه أحمد في "الفضائل" (٢/ ٧٣٦) - رقم(١٢٦٩) عن عباد بن عباد، عن هشام به. وابن سعد في "الطبقات" (٣/ ١٠٣) من طريق همَّام، عن هشام به. قال الحافظ في "الإِصابة" (٢/ ٤٥٩): "بإسناد صحيح".
(ب) عن هشام بن عروة، عن عبَّاد بن حمزة مرسلًا:
أخرجه أحمد في "الفضائل" (٢/ ٧٣٦) - رقم(١٢٦٨) عن محمد بن بشر، عن هشام به. وسعيد بن منصور في "سننه" (٢/ ٢٠٧) - رقم(٢٥٣٠) عن عبد الله بن المبارك، عن هشام به. والطبري في "تفسيره" (٤/ ٨٣) من طريق ابن يمان، عن هشام به. وابن عبد البر في "الاستيعاب" (٢/ ٩١)، من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن هشام به.
(ج) عن هشام بن عروة، عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير مرسلًا:
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٤٠٧) - رقم(١١٥٢) ، من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن هشام به. وأبو نُعيم في "فضائل الخلفاء الأربعة" - رقم(١١٢) ، من طريق الزبير بن بكَّار، عن هشام به.
(د) عن هشام بن عروة مرسلًا:
أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٨٣)، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة بنحوه.
• شرح الغريب:
قوله "مُعْتَجِرٌ بِعَمَامِةٍ صَفْراء"؛ قال ابن الأثير في "النهاية" (٣/ ١٨٥): "الإعتجار بالعمامة: هو أن يلُفَّها على رأسه ويردُّ طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه".стр. 287
ثم انْثَنَى عَزْمُهُ عن ذلك (١) ، وردَّ الخلافةَ إلى بني العبَّاس، فبقي ذلك شعارًا للأَشراف العلويين من الزَّهراء؛ لكنهم اختصروا الثياب إلى قطعة من ثوب أخضر تُوضَع على عمائمهم شعارًا لهم، ثم انقطع ذلك إلى أواخر القرن الثَّامن.
فقد قرأتُ في حوادث سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة من "إنْبَاء شيخِنا" (٢) ﵀ ما نصُّه: "وفيها أمر السُّلطان الأَشرافَ (٣) أن يمتازوا عن الناس بعصائبَ خُضْرٍ على العمائم. ففُعل ذلك في مصر، والشَّام، وغيرهما.
وفي ذلك يقول أبو عبد الله بن جابر الأندلسيُّ الأعمى (٤) نزيلُ حلب:
جَعَلُوا لأَبْنَاءِ الرَّسُولِ عَلامَةً ... إنَّ العَلامةَ شأْنُ مَنْ لَمْ يُشْهرِ
نُورُ النُّبُوَّةِ في كَريمِ وجوهِهِم ... يُغْني الشَّريفَ عنِ الطرازِ الأخْضَرِ
[ح ١٤ / ب] وقال في ذلك جماعة من الشُّعراء ما يطول ذكره؛ ومن أحسنه قولُ الأديبِ شمسِ الدِّين محمدِ بنِ إبراهيمِ بنِ بركة الدِّمشقيِّ المزين (٥) ، وأنشدني إيَّاه إجازةً (٦) : الحواشي
(١) وذلك لموت علي بن موسى الرضا، في صفر سنة (٢٠٣ هـ)، كما سبق.(٢) "إنباء الغُمْر بأبناء العُمر -في التاريخ" للحافظ ابن حجر (١/ ٨)، وانظر كذلك: "وجيز الكلام في الذيل على دول الإِسلام" للمصنِّف (١/ ١٨٦)، و"روض المناظر في علم الأوائل والأواخر" لابن الشحنة (ص ٢٨٨) - في حوادث السنة المذكورة.
وذكر القلقشندي في "مآثر الإِنافة في معالم الخلافة" (٢/ ١٧١) سبب وضع الأشراف العصائب الخُضْر على عمائمهم، وذلك أنَّ بعض الأمراء وقع في حقِّ أحدهم، وزعم أنه لم يعرف كونه شريفًا؛ فأمر السُّلطان الأشراف أن يجعلوا هذه العصائب الخضراء على عمائمهم.(٣) في (م)، و (ل): السلطان الأشرف.(٤) لم أعثر على ترجمته.(٥) هو محمد بن إبراهيم بن بركة الجرائحي، شمس الدين الدمشقي الشاعر المشهور. ولد في رمضان سنة (٧٣٥ هـ). تعانى النظم فمهر فيه، وله مقاطيع مخترعة. كان طيب النادرة مطبوعًا على عاميَّة فيه. مات بدمشق سنة (٨١١ هـ)، وهو ممن أجاز الحافظ ابن حجر مشافهةً ومكاتبةً. "المجمع المؤسس" لابن حجر (٣/ ٢٧٩)، و"الضوء اللامع" (١٣/ ١٢٦).(٦) في (م): وأنشدنيه إجازةً.стр. 288
أَطْرافُ تِيجَانٍ أَتَتْ مِنْ سُنْدُسِ ... خُضْرٍ بأَعْلامٍ على الأَشْرَافِ
والأَشْرَفُ السُّلْطَانُ خَصَّهُمُ بها ... شَرَفًا ليفْرِقَهُم مِنَ (١) الأَطْرَافِ
انتهى".
والأَشْرف: هو السُّلطان شَعْبَان بن حسين بن النَّاصر محمد بن قَلاون (٢) .
ويقال: إنَّ الأصل في لُبْسِ الخُلفاء العبَّاسيين السَّواد؛ كونه ﷺ دَخَلَ يومَ الفتحِ مكَّةَ وعلى رأسه عمامةٌ سوداءَ، قد أرخى طرفها (٣) بين كتفيه (٤) ، فتفاءَلَ الخُلفاءُ بذلك؛ لكونه كان في ذلك اليوم مَنْصُورًا على الكفَّار، فاتَّخذوه شعارًا؛ ليكونوا دائمًا مَنْصُورين على أعدائهم (٥) .
بل كانت ذريَّة العبَّاس ﵁ مُطْلقًا يتميَّزُون بالشَّطفةِ السَّوداء إلى آخر وقت؛ على ما أخبرني به مَنْ شاهدَهُ مِنْ شيوخنا ثمَّ بَطَلَ. الحواشي
(١) في (م): عن.(٢) هو السلطان الأشرف شعبان بن حسين، من بني أيوب. ولد سنة(٧٥٤) ، وتولّى المملكة سنة (٧٦٤ هـ)، وله من العمر عشر سنين. ومات مقتولًا في ذي القعدة سنة (٧٧٨ هـ)، إذ خنقوه وجعلوه في قُفَّة، ورموه داخل بئر. ثم أخرجوه بعد أيام، ودفنوه بالكيمان قرب السِّيِّدة نفيسة "إنباء الغمر" (١/ ٢١٠)، و"الجوهر الثمين" (٢/ ٢٢٠).(٣) في (م): طرفه. وفي (ل): طرفيها.(٤) أخرج ذلك الإِمام مسلم في "صحيحه" (٢/ ٩٩٠) - رقم(١٣٥٨) ، كتاب الحج - باب جواز دخول مكة بغير إحرام، من طريق معاوية بن عمّار الدُّهني، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري؛ أن رسول الله ﷺ : "دخل مكة وعليه عمامةٌ سوداء، بغير إحرام".(٥) قال الإِمام ابن القيِّم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" (٣/ ٤٥٨)، عند الكلام على حديث دخول النَّبي ﷺ مكة وعليه عمامة سوداء:
"ففيه دليل على جواز لُبْسِ السَّواد أحيانًا، ومن ثمَّ جعل خلفاء بني العبَّاس لُبْسَ السَّواد شعارًا لهم، ولِولاتهم، وقضاتهم، وخطبائهم؛ والنَّبي ﷺ لم يلبسه لباسًا راتبًا، ولا كان شعارَه في الأعياد والجُمَع والمجامع العِظام البتّة. وإنَّما اتَّفق لُبْس العمامة يوم الفتح دون سائر أصحابه، ولم يكن سائر لباسه يومئذٍ السَّواد، بل كان لواؤه البياض". اهـ كلامه وانظر كذلك: "صبح الأعشى" (٣/ ٢٩٢).стр. 289
وقد سَأَلَ الرَّشِيدُ (١) الأوزاعيَّ (٢) رحمهما الله عن لُبْسِ السَّواد، فقال:
"إنِّي لا أُحَرِّمُه؛ ولكن أكرهه"، قال: "ولِمَ؟ ".
قال: "لأنه لا تُحلَّى (٣) فيه عروسٌ، ولا يُلبِّي فيه مُحْرِمٌ، ولا يُكفَّن فيه ميِّتٌ" (٤) .
ثمَّ التفت الرَّشيد إلى أبي نُوَاسٍ (٥) وقال: "فما تقولُ أنتَ في السَّواد؟ ". الحواشي
(١) هو أبو جعفر، هارون بن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي. ولد سنة (١٤٩ هـ)، وبُويع له بالخلافة بعد أخيه الهادي سنة (١٧٠ هـ). كان من أهل العلم، متضلِّعًا من الأدب، يُجيد الشعر. مات بطوس من بلاد خراسان عام (١٩٣ هـ)، وهو ابن أربع وأربعين سنة، ودفن بها. "الجوهر الثمين" (١/ ١٢٥ - ١٣٠)، "تاريخ الخلفاء" (ص ٢٤٩ - ٢٦١).(٢) هو عبد الرَّحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي، أبو عمرو، نسبةً إلى الأوزاع بطن من حمير، وهو من أنفسهم، وقيل من غيرهم. ولد ببعلبك، ونشأ بالقاع يتيمًا في حجر أمِّه. كان إمامًا، ثقة، عابدًا، فصيحًا. أدرك خلقًا من التابعين، ومات سنة (١٥٧ هـ) في خلافة أبي جعفر المنصور. "سير أعلام النبلاء" (٧/ ١٠٧ - ١٣٤)، و"البداية والنهاية" (١٠/ ١١٨).(٣) كذا بالأصل، وفي (م)، و (ز)، و (ك)، و (ل)، و (هـ): تُجَلَّى؛ بالجيم.(٤) هذا وَهمٌ من المصنِّف رحمه الله تعالى، فإنَّ القصة المذكورة وقعت بين الخليفة أبي جعفر المنصور والإِمام الأوزاعيِّ، وليس بين الرشيد والثاني، وذلك لأمور:
الأول: أن الإِمام الأوزاعيَّ لم يُدرك خلافة هارون الرشيد قطعًا؛ فإنَّ وفاته كانت سنة (١٥٧ هـ) في خلافة المنصور، والرشيد لم يُبايع له بالخلافة إلَّا سنة (١٧٠ هـ)، فكيف يكون ذلك اللقاء؟ !
الثاني: أن ولادة هارون الرشيد كانت سنة (١٤٩ هـ) في خلافة المنصور، فعلى هذا يكون اللقاء قد حصل بينهما وعمر الخليفة الرشيد آنذاك ثمان سنين؛ وهذا مستبعدٌ جدًّا!
الثالث: أن الحافظيْن الذَّهبيَّ وابنَ كثير ذكرا هذه القصة، وأنها وقعت للأوزاعي مع المنصور، فقد دخل على المنصور ووعظه، فأحبَّه المنصور وعظَّمه، ولما أراد الإنصراف استعفى من لُبْس السَّواد، فأجابه المنصور وأذِنَ له. فلما خرج، قال المنصور للربيع: الحقه فاسأله لِمَ كره السَّواد؟ ولا تُعْلِمْه أني قلتُ لك. فسأله الربيع فقال: لأني لم أرَ مُحْرمًا أحرم فيه، ولا ميِّتًا كُفِّن فيه، ولا عروسًا جُلِّيتْ فيه؛ فلهذا أكرهه. انظر: "سير أعلام النبلاء" (٧/ ١٢٦)، و"البداية والنهاية" (١٠/ ١٢٢).
وأما بقيّة الخبر فصحيح؛ فإنَّ أبا نُواس ممن أدرك الرشيد ودخل عليه، وممن مدحه وأثنى عليه. ولعلَّ المصنِّف أدخل هذه في هذه؛ والله أعلم.(٥) هو رئيس الشعراء، أبو علي الحسن بن هانئ الحكمي، وقيل: ابن وهب. ولد بالأهواز، ونشأ =стр. 290
فقال: "النُّور في السَّواد يا أمير المؤمنين"، يعني أن الإِنسان يُبْصر بسواد عينيه.
ثم قال: [ح ١٥ / أ] "يا أمير المؤمنين، وفضيلةٌ أخرى؛ لا يُكتَب كتاب الله إلَّا به، وكذلك حديث النَّبيِّ ﷺ ، وأقوال العلماء، لا تُكتب إلَّا به (١) ، وهو مضاف إلى الخلافة".
قال: فلما سمع الرَّشيد هذا الوصفَ في السَّواد اهتزَّ طربًا! وأمَرَ له بجائزة سَنيّة.
* * * الحواشي
(١) (إلَّا به) مكررة في (م).стр. 291
تَتمَّةٌ
قد عُلم من هذه المقدِّمة الإِشارة إلى جُمَلٍ من فَنِّ الأنساب الذي هو من جُملة فنون علم الأثر، وهو فنٌّ جليلٌ يتضمَّن معرفة نسب النَّبيِّ ﷺ ، ومن ينتمي إليه (١) ، والتمييز بين بني عبد مناف، هاشميِّها، ومُطَّلبيِّها، وعَبْشَميِّها، ونَوْفَليِّها، وبين قريش من كنانة، والأَوْس من الخَزْرج، والعربيّ من العَجَميّ، والمَوْلى من الصَّريح (٢) .
• ومن فوائده الشَّرعية:
الخِلافة، والكَفَاءة، وتجنُّب تزويج ما يحرم عليه ممن يلقاه بنَسَبٍ في رَحِمٍ محرَّمة، والقيام بمن تجب عليه نفقته، ومعرفة من يتَّصل به ممن يرثه، وكذا معرفة ذوي الأرحام المأمور بصلتهم، ومعاونتهم. ومعرفة الأنصار ليقوم بوصيَّة النَّبيِّ ﷺ بهم (٣) ، وغير ذلك مما يطول شرحه (٤) . الحواشي
(١) قال في "كشف الظنون" (١/ ١٧٨): "هو علم يتعرَّف منه أنساب الناس وقواعده الكلية والجزئية، والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في نسب شخص، وهو علم عظيم النفع، جليل القدر".
وقال بعضهم: هو علم دراسة سلالات العائلات بناءً على سجلات مرتبطة بأحداث مهمة في حياة الأفراد وأسلافهم. يبحث علو الأنساب في الطريقة المستخدمة لمعرفة الأسلاف من سجلات مكتوبة، أو منطوقة، وتحديد صلة القرابة في العائلات.
وقد عُني العرب بعلم الأنساب عناية كبيرة، فظهر فيهم عدد كبير من النَّسَّابين في الجاهلية والإسلام، أمَّا الآن فيستخدم علماء الأنساب الحواسيب لإعداد جداول لها علاقة بالأنساب والسِّجلات الأسرية، وذلك لتبادل المعلومات واستعادتها من المكتبات. انظر: "الموسوعة العربية العالمية" (٣/ ٢٢٩).(٢) الصَّريح: الرجل الخالص النَّسب. ويُجمع على صُرحاء. "لسان العرب" (٢/ ٥٠٩) - مادة (صَرَحَ).(٣) (بهم) سقطت من الأصل، وأثبتُّها من (م)، و (ك) لمقتضى السياق.(٤) انظر فوائد علم الأنساب بالتفصيل في: "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" للقلقشندي (ص ١٣ - ١٧)، و"سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب" لمحمد أمين السويدي (ص ٧ - ٨)، ومقدِّمة "الرسائل الكمالية في الأنساب" لمحمد سعيد كمال (ص ١٥ - ١٦).стр. 292
وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (١) ، أي ليحصلَ التَّعارف بينكم كلٌّ يرجع إلى قبيلته (٢) .
وقال مجاهد (٣) : "أي ليعرف بعضكم بعضًا بالنَّسب، كما يقال: فلان بن فلان من كذا وكذا، أي من قبيلة كذا وكذا" (٤) .
وقال الثَّوريُّ (٥) : "كانت حِمْيَر ينتسبون إلى مَخاليفها، وكانت [ح ١٥/ ب] عرب الحجاز ينتسبون (٦) إلى قبائلها" (٧) .
وكان أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ علَّامة بالأنساب؛ ولهذا لمَّا أمر ﷺ ، حسَّان بن ثابت ﵁ (٨) بهجاء المشركين وقال له: إنه لا علم لي بقريش.
١٩ - قال ﷺ لأبي بَكْرٍ ﵁: "أخْبِرْهُ عنهم، ونقِّبْ له في مَثَالِبِهم" (٩) ؛ فَفَعَلَ. الحواشي
(١) الحجرات (آية: ١٣).(٢) في (م): قبيلة.(٣) هو مجاهد بن جبر المكي، المقرئ المفسِّر الإِمام، أحد الأعلام الأثبات، وُلِد في خلافة عمر سنة (٢١ هـ)، ومات بمكة سنة (١٠٤ هـ) على الأشهر، وهو ساجد. "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٤٤٩)، و"البداية والنهاية" (٩/ ٢٢٤).(٤) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٦/ ١٤٠)، من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد.(٥) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، أحد الأئمة الأعلام. ولد سنة (٩٧ هـ). قال غير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. كان إمامًا، ثقة ثبتًا، ورعًا زاهدًا، فقيهًا عالمًا، وفضائله كثيرة جدًا. مات سنة (١٦١ هـ). "تهذيب التهذيب" (٤/ ١٠١)، و"طبقات المفسرين" (١/ ١٩٣).(٦) في (م): ينتسبون.(٧) انظر: "تفسير ابن كثير" (٦/ ٣٨٧).(٨) هو الصحابي الجليل، حسَّان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله ﷺ ، يكنى أبا الوليد. مات سنة أربعين، وقيل قبلها، وقيل سنة خمسين، وقيل سنة أربع وخمسين، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين سنة، وقيل غير ذلك. "أسد الغابة" (٢/ ٦)، و"الإِصابة" (٢/ ٥٥).(٩) أخرجه عبد الرزاق في "مصنَّفه" (١١/ ٢٦٤) - رقم(٢٠٥٠٢) ، من طريق معمر، عن أيوب، =стр. 293
وحينئذٍ قال حسَّان ﵁: لأسُلَّنَّك (١) -أي لأُخلِّصنَّ (٢) نسَبَك- من هَجْوِهم بحيث لا يبقى شيءٌ من نَسَبكَ فيما ناله الهجو، كالشَّعرة إذا انسلَّت لا يبقى عليها شيءٌ من أثر العجين (٣) .
٢٠ - وفي "جامع التَّرمذيِّ" (٤) ، و "مسند أحمد" (٥) من حديث يزيد مَوْلى الحواشي
(٦١٥٠) ، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وأما مسلم ففي فضائل الصحابة -باب فضائل حسان بن ثابت (٤/ ١٩٣٥) - رقم(٢٤٩٠) ، من طريق عُمارة بن غَزِية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂. وهو حديث طويل؛ وفيه أن النبي ﷺ أرسل إلى حسان ليهجو المشركين بعد أن هجاهم عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك فلم يُرْضيا! فلما دخل حسان قال: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذَنَبه، ثم أدلع لسانه فجعل يُحَرِّكه، فقال: والذي بعثك بالحقِّ! لأفرِينَّهم بلساني فرُي الأديم.
فقال رسول الله ﷺ : "لا تعْجلْ؛ فإن أبا بكر أعلمُ قريشٍ بأنسابها، وإنَّ لي فيهم نسبًا حتى يُلخِّص
لك نسبي"، فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله! قد لخَّصَ لي نسبك، والذي بعثك بالحقِّ!
لأسُلَّنَّك منهم كما تُسلُّ الشَّعرة من العجين ... إلى إلخ الحديث. وهذا لفظ مسلم.(١) في (م): لأنسلنَّك.(٢) في (م)، و (ك): لأُخلِّص.(٣) انظر العبارة بنصِّها في: "فتح الباري" (١٠/ ٥٤٧) دون قوله: (أثر)، وقارنه بـ (٦/ ٥٥٤).
قال النووي في "شرح مسلم" (١٦/ ٤٨): "معناه: لأتلطَّفنَّ في تخليص نسبك من هجوهم؛ بحيث لا يبقى جزءٌ من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة إذ سُلَّت من العجين لا يبقى منها شيءٌ، بخلاف ما لو سُلَّت من شيء صلب؛ فإنها ربَّما انقطعت فبقيت منها بقية".(٤) (٤/ ٣٠٩) - رقم(١٩٧٩) .(٥) (٢/ ٣٧٤).стр. 294
المُنبعِث عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال:
"تَعَلَّمُوا مِنْ أنْسَابِكُمْ ما تَصِلُونَ به أرْحَامَكُمْ؛ فإنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ محبةٌ في الأهلِ، مَثْرَاةٌ في المال، مَنْشَأةٌ في الأثرِ". وقال (١) : "إنه غريب لا نعرفه إلَّا (٢) من هذا الوجه" (٣) . الحواشي
(١) يعني الترمذي.(٢) (إلَّا) ناقصة من (م).(٣) إسنادُهُ حسن بمجموع طرقه وشواهده.
وهو يُروى من طرقٍ بعضها فيه ضعف، وبعضها فيه انقطاع؛ ولكن بمجموع طرقه وشواهده يرقى إلى درجة الحسن أو الصحيح، وهو يُروى من أربعة طرق:
الأول: عن عبد الله بن المبارك، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن يزيد مولى المنبعث، عن أبي هريرة.
أخرجه أحمد في "مسنده"، والترمذي في كتاب البر والصلة -باب ما جاء في تعليم النسب.
الطريق الثاني: عن عبدان، عن عبد الله بن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن يزيد مولى المنبعث، عن أبي هريرة. أخرجه الحاكم في "مستدركه" وصحَّحه ووافقه الذهبي (٤/ ١٧٩) - رقم(٧٢٨٤) .
الطريق الثالث: عن حاتم بن إسماعيل، عن أبي الأسباط، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨/ ٢١٢) - رقم(٨٣٠٨) . قال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلَّا أبو الأسباط، تفرَّد به حاتم"، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٤٥) في ترجمة أبي الأسباط.
قلت: في هذا الطريق أبو الأسباط، واسمه بشر بن رافع النَّجراني.
قال البخاري: لا يُتابع في حديثه. وقال أحمد: ضعيف. وقال ابن معين: حدَّث بمناكير. وقال مرةً: ليس به بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: لا بأس بأخباره، لم أجد له حديثًا منكرًا، انظر: "ميزان الاعتدال" (٢/ ٢٨).
وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٩٢): "وفيه أبو الأسباط بشر بن رافع، وقد أجمعوا على تضعيفه". وبنحوه في (٨/ ١٥٢)، ويشهد له ما قبله وما بعده.
الطريق الرابع: عن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن أبي ضَمْرة أنس بن عياض، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وزاد: "مرضاة للرَّب"؛ أخرج هذا الطريق ابن حزم في "الجمهرة" (ص ٢).стр. 295
قُلْتُ: لكن له شاهدٌ عند البَغَويِّ (١) ، والطَّبرانيِّ (٢) ، وابنِ شاهين (٣) , وغيرهم، من حديث عبد الملك بن يعلى، عن العلاءِ بنِ خارجةَ:
٢١ - أن النَّبيَّ ﷺ قال: ... وذكر مثله، لكنه قال: "مَنْسَأة في الأجل" (٤) . إلا أنه كما قرَّرتُ فيما كَتَبْتُه من "شرح التِّرمذيِّ" (٥) معضلٌ أو منقطع (٦) . الحواشي
(١) في "مصابيح السنَّة" (٣/ ٣٦٠) - رقم(٣٨٤٠) .(٢) في "الكبير" (١٨/ ٩٨) - رقم(١٧٦) .
والطَّبرانيّ: هو أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، إمام حافظ ثقة متقن. ولد عام (٢٦٠ هـ). كان إليه المنتهى في كثرة الرواية. من أشهر مؤلفاته: "المعاجم الثلاثة"، و "الدعاء"، و"الأوائل". مات سنة (٣٦٠ هـ). "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ١١٩)، و"تهذيب تاريخ دمشق" (٦/ ٢٤٠).(٣) هو الإمام الحافظ، عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين. وُلِد ببغداد سنة (٢٩٧ هـ). صنَّف في التفسير والحديث والتاريخ والعقائد والزهد، حتى بلغت مؤلفاته (٣٣٠ مؤلفًا)، من أشهرها: "الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنَّة"، و"تاريخ أسماء الثقات". مات سنة (٣٨٥ هـ). "تاريخ بغداد" (١١/ ٢٦٤)، و"سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٣٤١).(٤) أخرجه الطبراني في "الكبير"، والبغوي، وابن شاهين، وابن قانع في "معجم الصحابة" (١٢/ ٤١٧٣) - رقم(١٤٨١) ، جميعهم من طريق وهيب، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن عبد الملك ابن يعلى، عن العلاء بن خارجة، عن النبي ﷺ . لكنه قال: "منسأة للأجل". قال في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٥٢): "ورجاله قد وُثِّقوا".
وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/ ٢٢٣): "لا بأس بإسناده". وقوَّاه ابن حجر في "الفتح" (٦/ ٥٢٧).(٥) ذكره المؤلف في "الضوء اللامع" (٨/ ١٦) من جملة مؤلفاته، وسمَّاه: "تكملة شرح الترمذي للعراقي"، وذكَرَ أنه كتب منه أكثر من مجلدين، والظاهر أنه لم يتمَّه؛ مضى ذكره في مؤلفات السخاوي. وانظر: "مؤلفات السخاوي" لمشهور سلمان رقم(١٠٦) ، ولم يُشِرْ إلى شيء من مخطوطاته.(٦) قال المصنِّف في "التحفة اللطيفة" (٢/ ٢٧٠): "قال البغوي: قال المخزومي: هو خطأ، والصواب: ابن العلاء بن حارثة". وانظره في: "الإصابة" (٤/ ٤٤٦)، و "أسد الغابة" (٤/ ٧٢).
قلتُ: ووجه كون الحديث معضل أو منقطع؛ أنَّ في بعض طرقه (عن عبد الله بن عبد الملك بن عيسى، عن يزيد مولى المنبعث)؛ وليس فيه عبد الملك بن عيسى؛ فإنه هو الذي يروي عن يزيد، وليس ولده عبد الله. وفي بعض الطرق (عن عبد الملك بن عيسى، عن عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن أبي هريرة)؛ وعبد الله بن يزيد لم يدرك أبا هريرة؛ فهذا انقطاع في الإسناد، والله أعلم.стр. 296
والصَّواب فيه: عبد الملك بن عيسى بن العلاء بن جارية (١) ، راويه عن يزيد مولى المنبعث، أو عن ولده عبد الله بن يزيد (٢) ؛ والله الموفق.
٢٢ - [ح ١٦/ أ] وفي "الأدب المفرد" (٣) للبخاريِّ من حديث محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم (٤) ، عن أبيه ﵁ أنه سمع عمر بن الخطَّاب ﵁ على المنبر يقول:
"تَعَلَّمُوا أَنْسَابَكُمْ ثمَّ صِلُوا أَرْحَامَكُمْ. والله! إنه لَيَكونُ بين الرَّجُلِ وأخيهِ الحواشي
(١) هو عبد الملك بن عيسى بن عبد الرحمن بن العلاء بن جاريه الثقفي، روى عن يزيد مولى المنبعث، وابنه عبد الله, وعكرمة مولى ابن عباس. وعنه الدراوردي، وابن المبارك، وحاتم بن إسماعيل. قال في "التقريب" (ص ٦٢٥): "مقبول من السادسة". وانظر: "التهذب" (٦/ ٣٦١).(٢) قلتُ: وبهذا رجع الحديث إلى طريقه الأولى التي مدارها على عبد الملك بن عيسى الثقفي؛ ولكنه هنا معضل فقد سقط من الإِسناد يزيد مولى المنبعث، وأبو هريرة، وبهذا لا يكون هذا الطريق شاهدًا.
وإنما شاهده من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا وموقوفًا؛ وهو صحيح.
• أمَّا المرفوع: فقد أخرجه أبو داود الطيالسي (ص ٣٦٠) - رقم(٢٧٥٧) ، من طريق إسحاق بن سعيد بن عمرو بن العاص، عن أبيه قال: كنت عبد ابن عباس فأتاه رجل، فسأله؛ مَنْ أنتَ؟ قال: فَمَتَّ له برحم بعيدة، فألان له القول؛ فقال: قال رسول الله ﷺ : "اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بُعْدَ بها إذا وُصلَت وإنْ كانت بعيدة".
- ومن طريقه أخرجه الحاكم (٤/ ١٧٨) - رقم(٧٢٨٣) ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه"، ووافقه الذهبي على ذلك. وتعقَّبه الألباني في "الصحيحة" (١/ ٤٩٩) بأنه على شرط مسلم؛ فإنَّ أبا داود الطيالسي لم يحتجَّ به البخاري، وإنما روى له تعليقًا.
• وأمَّا الموقوف: فقد أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص ٣٩) - رقم(٧٣) ، من طريق أحمد ابن يعقوب، عن إسحاق بن سعيد بن عمرو، عن ابن عباس موقوفًا عليه، ولكنه قال: "احفظوا أنسابكم .. " إلخ، وزاد: "وكلُّ رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة، إن كان وصلها، وعليه بقطيعة، إن كان قطعها".(٣) (ص ٣٩) - رقم(٧٢) .(٤) محمد بن جُبيْر، تابعي جليل، روى عن أبيه، وعمر، وابن عباس، ومعاوية، وغيرهم. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل غير ذلك. قال الحافظ: "ثقة، عارف بالنَّسب". "التهذيب" (٩/ ٧٧)، و "التقريب" (ص ٨٣٢).стр. 297
الشَّيء، ولو يَعْلمُ الذي بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مِنْ داخِلةِ الرَّحم لأوْزَعَه ذلكَ عَنِ انْتِهَاكِهِ" (١) .
٢٣ - وأمَّا ما ورد عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "عِلْمُ النَّسبِ علمٌ لا ينفع وجهالةٌ لا تضرُّ"، فرواه أبو نُعَيْم (٢) ، وابن عبد البرِّ (٣) .
٢٤ - ومن طريق أولهما أورده الرُّشاطيُّ (٤) ، وأوَّله: "مرَّ برجل فقال: ما الحواشي
(١) إسناده حسنٌ، رجالُهُ رجال الصَّحيح.
أخرجه في "الأدب المفرد" من طريق عمر بن خالد، عن عتَّاب بن بشير، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر ... وساقه.
عتَّاب بن بشير، هو الجَزَري (صدوق يخطئ). "التقريب" (ص ٦٥٦)، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وإسحاق بن راشد، هو الجزري (ثقة، في حديثه عن الزهري بعض الوهْم). "التقريب" (ص ١٢٨)، أخرج له البخاري، والأربعة، وبقية رجاله ثقات معروفون.
- وأخرجه ابن وهب في "جامعه" (١/ ٦٢) - رقم(١٥) من طريق ابن لهيعة، عن عُقَيْل بن خالد، عن ابن شهاب به.
وإسنادُهُ حسنٌ بشاهده السابق، وعُقَيْل بن خالد بن عُقَيل الأيلي، وثَّقه أحمد والنسائي كما في "التذكرة" للحُسيني (٢/ ١١٨٠). قال في "التقريب" (ص ٦٨٧): (ثقة ثبت).
- وابن حزم في "الجمهرة" (ص ٥)، من طريق موسى بن معاوية، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: "تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم".
وإسناده منقطع؛ فإنَّ عروة بن الزبير لم يدرك عمر بن الخطاب، فلا تصح له عنه رواية.
ولذا قال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٥٢٧): "رجاله موثَّقون، إلَّا أن في انقطاعًا".
- وأخرجه أبو بكر النَّجاد في "مسند عمر بن الخطاب" (ص ٧٢) - رقم(٤١) ، من طريق مبارك بن فضالة. عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر قال: "تعلَّموا من النُّجوم ما تهتدوا به في ظلمات البرِّ والبحر، ثم انتهوا. وتعلَّموا من الأنساب قدر ما تصلون به أرحامكم ... "، الحديث.
وفيه مبارك بن فُضَالة، قال في "التقريب" (ص ٩١٨): "صدوق يدلِّس ويوِّي". وقد عنعنه، ويتقوَّى بالطرق السابقة.(٢) لم أقف عليه عند أبي نُعيم فيما لدي من المصادر.(٣) في "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ٧٥٢ - المحقَّقة) - رقم(١٣٨٥) / (٢/ ٢٣) - ط المنيرية.(٤) هو الإمام الحافظ المتقن النَّسَّابة، أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله الأندلسي الرُّشاطي - بضمِّ الراء- نسبةً إلى رُشاطة، بلد بالغرب. وُلِد سنة (٤٦٦ هـ). وإن حافظًا للتاريخ والأنساب، من مؤلفاته: "اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب رواة الآثار". مات شهيدًا سنة (٥٤٢ هـ). "سير =стр. 298
هذا؟ قالوا: علَّامة بالنَّسب ... "؛ فكلامٌ لا يثبت (١) . الحواشي
(١) حديثٌ باطلٌ.
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" من طريق أبي أيوب سليمان بن محمد الخزاعي، عن هشام بن خالد، عن بقيه، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النَّبيَّ ﷺ دخل المسجد فرأى جمعًا من الناس على رجل، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: يا رسول الله! رجل علَّامة. قال: "وما العَلامة؟ ". قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب، وأعلم الناس بعربية، وأعلم الناس بشعر وأعلم الناس بما اختلف فيه العرب.
فقال رسول الله ﷺ : "هذا علمٌ لا ينفع وجهلٌ لا يضرّ".
هذا الحديث لا يثبت، كما صرَّح بذلك المصنف، وقد سبقه إلى الحكم عليه شيخُه الحافظ ابنُ حجر كما في "الفتح" (٦/ ٥٢٧). وهو منكرٌ متنًا، وقد أعلَّه ابن عبد البر برجلين في إسناده، قال إنه لا يُحتجُّ بهما.
قال أبو عمر: "في إسناد هذا الحديث رجلان لا يُحتجُّ بهما، وهما: سليمان، وبقيَّة؛ فإنْ صحَّ كان معناه أنه علم لا ينفع مع الجهل بالآية المحكمة والسنَّة القائمة والفريضة العادلة، أو ينفع في وجهٍ ما، ولذلك لا يضرّ جهله في ذلك المعنى وشبهه، وقد ينفع ويضرّ في بعض المعاني؛ لأنَّ العربية والنَّسب عنصرا الأدب".
أما سليمان بن محمد الخُزَاعي، فقد ذكره الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (٣/ ١١٨) ولم يترجمه، سوى أنه ساق الحديث، وأشار إلى أن ابن عبد البر أخرجه كتاب "العلم" وأنه قال في سليمان هذا؛ لا يُحتجّ به، ثم عقَّب الحافظ بقوله:
"قلتُ: وهذا الباطل لا يحتمله بقيَّة، وإن كان مدلسًا، فإن تُوبع سليمان عليه احتمل أن يكون بقيَّة دلَّسه على ابن جُريج، وما عرفتُ سليمان هذا بعد". اهـ.
قلتُ: وجدتُ مَنْ تابع سليمان بن محمد الخزاعي عليه، فقد تابعه محمد بن أحمد بن داود المؤدِّب، عن هشام بن خالد به، أخرج هذا المتابع أبو نُعيم، والسمعاني في "الأنساب" (١/ ٢٢)، ومحمد بن أحمد المؤدِّب، هو أبو بكر المؤدِّب البغدادي، له ترجمة في "تاريخ بغداد" (١/ ٣١٦)، وهو من شيوخ الإمام الطبراني. قال فيه الدارقطني: لا بأس به. فترجَّح -والله أعلم- أنَّ بقيَّة بن الوليد دلَّسه على ابن جُريج.
وأما بقيَّة، فهو بقيَّة بن الوليد بن صائد، أبو يُحْمد الحميري الكلاعي الحمصي.
قال أبو حاتم: لا يُحتجُّ بحديثه. وقال أبو مسهر الغسَّاني: أحاديث بقيَّة ليست نقيَّة، فكنْ منها على =стр. 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣١) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: قيل: يا رسول الله! ما أعلم فلانًا، قال: "بم؟ "، قيل: بأنساب الناس، قال: "علم لا ينفع وجهل لا يضر".
- وأبو سعد السَّمْعانيُّ في مقدّمة "الأنساب" (١/ ٢٢) من طريق أبي عامر العَقَدي، عن هشام به. =стр. 300
٢٥ - وكذا رُويَ عن عمر أيضًا؛ ولا يثبت (١) . الحواشي
(٤٣٨) باب ما جاء في العصبية وتعلُّم النسب.
وهذا إسناد منقطع؛ فإنَّ زيد بن أسلم من التابعين.
• وفي الحديث علَّةٌ أخرى؛ وهي نكارة المتن:
فمَنْ هذا الرجل الذي يجلس في مسجد رسول الله ﷺ يُحدِّث الناسَ -الصَّحابة بالطبع-، ويلتفُّون حوله، ويأخذون عنه! ويمرُّ ﷺ ولا يعرفه! لا شكَّ أن ذلك مِنْ أبعدِ ما يكون! !
وهو في الوقت نَفْسِهِ معارضٌ للأحاديث الصَّحيحة في هذا الباب. وبهذا نصل إلى أنَّ جميع طرق هذا الحديث لا يصحُّ منها شيء، وأنَّ في متنه نكارةً، يَلْمَسُها مَنْ له أدنى معرفة بحديث رسول الله ﷺ ، فالحديثُ غيرُ ثابتٍ كما قال المؤلف.
قلتُ: وقد توسَّع ابن حزم الظاهري -رحمه الله تعالى- في رَدِّ هذا الحديث وبطلانه في كتابه "جمهرة أنساب العرب" (ص ٣ - ٥)، وأيَّد القول ببطلانه ببرهانين ذكَرَهُما:
أولهما: أن الحديث لا يصحُّ من جهة النقل أصلًا. وقد بيَّنت ذلك جليًّا بحمد الله.
ثانيهما: أن البرهان قد قام -خصوصًا بعد ذكر فوائده الشرعية- على أنَّ علم النَّسب علم ينفع، وجهل يضرُّ في الدُّنيا والآخرة.
ثم ساق ﵀ الأدلة الثابتة على أنَّ علم النَّسب علم ينفع، وجهالة تضرُّ، ولذا كان واجبًا على العبد أن يعلم أن النبي ﷺ هو ابن عبد الله الهاشمي، ومن زعم أنه ﷺ لم يكن هاشميًّا فهو كافر. ثم ذكر أدلةً تثبت أن النبي ﷺ كان يتكلَّم في النَّسب؛ فمن ذلك:
١ - ما قصَّه الله تعالى علينا في القرآن من ولادات كثير من الأنبياء ﵈؛ وهذا علم نسب.
٢ - قوله ﷺ : "نحن بنو النَّضر بن كنانة" - "ابن ماجه"(٢٦١٢) ، وأحمد (٥/ ٢١١، ٢١٢).
٣ - أن النَّبيَّ ﷺ ذكر أفخاذ الأنصار وفاضل بينهم، فقدَّم بني النَّجار، ثم بني عبد الأشهل، ثم بني الحارث بن الخزرج، نم بني ساعدة؛ ثم قال ﵊: "وفي كلِّ دور الأنصار خير" - "البخاري" (١٤٨٢، ٣٧٩١ - فتح)، و"مسلم"(٢٥١١) . وانظر ما ذكره الحافظ الهيثمي من الأحاديث في "مجمع الزوائد" (١/ ١٩٢) تحت: باب في علم النَّسب. مما يدلّ على أن علم النَّسب علم ينفع، وجهل قد يضرّ، وأنَّ النبي ﷺ ممن كان يتكلَّم في النسب. وأخيرًا أختم الكلام بقول أبي محمد الرُّشاطيِّ -رحمه الله تعالى- إذ يقول: "الحضُّ على معرفة الأنساب ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأُمَّة". انظر: "عمدة القارئ" (١٦/ ٦٩).(١) هذا ظاهر البطلان أيضًا، فقد سبق -قريبًا- قول عمر بن الخطاب ﵁: "تعلَّموا أنسابكم ثم صلوا أرحامكم"، بل ما فرض عمر بن الخطاب ﵁ الديوان إلَّا على القبائل، ولولا علْمُهُ بالنَّسب لما أمكنه ذلك. انظر: "جمهرة أنساب العرب" (ص ٥)، و"فتح الباري" (٦/ ٥٢٧).стр. 301
ولهذا قال ابنُ عبد البرِّ: "لم يُنْصِفْ من زَعَمَ أن علم النَّسبِ علمٌ لا ينفع، وجهلٌ لا يضرُّ" (١) .
وقال ابن حزم (٢) : "إنَّ فيه ما هو فرضٌ على كلِّ أحد، وما هو فرضٌ على الكفاية، وما هو مستحب" (٣) ، ثم فصَّل ذلك بما يطول إيرادُهُ (٤) .
وبالجملة؛ فالذي يظهر كما قاله شَيْخُنا ﵀ حَمْل ما ورد من ذمِّه على التعمُّق فيه حتى يُشْتغلَ به عما هو أهمّ منه (٥) ، وحَمَلَ ما ورد في استحسانه، يعني (٦) على كثير من فوائده التي أورد منه جملةً (٧) .
٢٦ - وقد روينا من حدب الرَّبيعِ بنِ سَبْرةَ (٨) ، أنه سمع عمرو بنَ مُرَّة الجُهَنيَّ ﵁ يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ [ح ١٦/ ب] ﷺ يقول: "مَنْ كان هاهنا من مَعَدٍّ قاعدًا فليقم"، فقمتُ!
فقال: "اقْعُدْ"؛ فَعَلَ ذلك ثلاثَ مراتٍ كلَّما أقومُ يقول: "اقْعُدْ". الحواشي
(١) "الإِنباه على قبائل الرواة" (ص ٥٥)؛ ونصُّ كلامه: "ولعمري ما أنصف القائل إنَّ علم النَّسب ... " إلخ.(٢) هو أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، صاحب المصنَّفات. ولد سنة (٣٨٤ هـ). وسمع يحيى بن مسعود ويونسَ بنَ عبد الله. وحدَّث عنه ابنه أبو رافع، وأبو عبد الله الحُميدي. كان إمامًا حافظًا ثقة. متفننًا في علوم جمَّة. من أشهر مؤلفاته: "المحلَّى". مات مشردًا عن بلده ببادية لَبْلَة سنة (٤٥٦ هـ). "سير أعلام النبلاء" (١٨/ ١٨٤)، و"شذرات الذهب" (٣/ ٢٩٩).(٣) "جمهرة أنساب العرب" (ص ٢)؛ ونصُّ كلامه: "وقد جعل الله تعالى جزءًا منه تعلُّمه لا يسع أحدًا جهله، وجعل تعالى جزءًا يسيرًا منه فضلًا تعلُّمه، يكون مَنْ جَهِلَهُ ناقص الدرجة في الفضل".(٤) انظر: "الجمهرة" (ص ٢ - ٣).(٥) في (م): (منها حمله)، دون بقية الكلام.(٦) المراد به الحافظ ابن حجر.(٧) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٥٢٧)، وهو جمعٌ حسنٌ. أما الفوائد التي أورد منها المؤلف جملةً، فهي المتقدِّمة في أول هذه التتمة (ص ٢٩٧).(٨) في (م): بسرة، وهو خطأ.стр. 302
قلت: فَمِمَّن (١) نحن يا رسول الله؟ قال: "أنتم من قُضَاعة بن حِمْيَر" (٢) . الحواشي
(١) في (م): فمن.(٢) إسنادُهُ حسنٌ بمجموع طرقه وشواهده.
وهو يُروى عن ثلاثة من الصحابة (عمرو بن مُرَّة الجهنيّ -وسَبْرة بن معبد الجهني- وعقبة بن عامر الجهني ﵃:
• أولًا: رواية عمرو بن مُرَّة الجُهَنيِّ:
أخرجها أبو يعلى في "مسنده" (٣/ ١٣٥) - رقم(١٥٦٧) من طريق زهير بن حرب، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن الرَّبيع بن سبرة, عن عمرو بن مُرَّة الجهني، قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ فقال: "مَنْ هاهنا من معدٍّ فلْيقم" ... إلخ الحديث. وأخرجها البزار في "مسنده" (١/ ١١٩ - كشف) - رقم(٢٢١) ، والرُّوياني في "مسنده" (٣/ ٢٣٧) من طريق أبي كُريب محمد بن العلاء، عن سعيد بن شرحبيل، عن ابن لهيعة به. وفيه: ... قال عمرو: "ممَّن نحن؟ "، قال النَّبيُّ ﷺ : "من اليد الطليقة، واللقمة الهنيئة، اليمن وحمير"، إلَّا أن الرُّوياني قال بعد قوله: "اللقمة الهنيَّة: "أنتم من جُهينة". قال البزار عقبه: "لا نعلمه يُروى إلَّا بهذا الإسناد".
- ومن طريق الرُّوياني أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٣/ ٦٠٩). وخليفة بن خياط في "الطبقات" (ص ١٢٦) من طريق سليمان بن حرب، عن بشر بن السَّرِيّ، عن ابن لهيعة به، وابن قانع في "معجم الصحابة" (١٠/ ٣٦٨٨، ٣٦٨٧) - رقم (١٢٠٧، ١٢٠٦) من طريقين:
الأول: عن موسي بن هارون، عن قُتيبة، عن ابن لهيعة به.
والثاني: عن عبَّاد بن عبَّاد المهلبي، عن جرير بن حازم ومالك بن سعد، كلاهما عن ابن لهيعة، عن أبي عُشَّانة، عن عمرو بن مرة به. وإسناده ضعيف، لضعف ابن لهيعة، وستأتي شواهد أخرى تُقوِّيه.
• تنبيه: عزا الحافظ في "الإصابة" (٤/ ٥٦٤) - في ترجمة عمرو بن مُرَّة - هذا الحديث للإمام أحمد في "المسند"؛ ولكني لم أجده فيه بعد طول بحث وتفتيش، ثم رأيتُ محقق "مسند أبي يعلى" أشار إلى هذا الوهم من ابن حجر؛ فازداد يقيني بعدم وجوده في "المسند" المطبوع، ولعلَّه في بعض روايات "المسند" أو نسخه الخطيَّة؛ فالله تعالى أعلم.
وقد جاء في "الإصابة: "من كان ههنا من سَعْدٍ فليقم"، وهو تصحيف في جميع طبعات "الإصابة"! ومن آخرها طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٥ هـ).
• ثانيًا: رواية عقبة بن عامر الجُهنيِّ:
أخرجها ابن وهب في "جامعه" (١/ ٦٢) - رقم(٢٣) من طريق ابن لهيعة، عن معروف بن سويد، عن أبي عُشَّانة، عنه. وهذا إسنادٌ حسنٌ؛ فإنَّ عبد الله بن لهيعة وإنْ كان ضعيفًا بسبب تخليطه بعد احتراق كتبه، إلَّا أن رواية عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب عنه أعدل من غيرهما، كما صرَّح به الحافظ في "التقريب" (ص ٥٣٨)؛ وعليه فحديثه ههنا مقبول. =стр. 303
والله الموفق.
* * *
الحواشي
(٨٣٩) ، و(٨٤٠) من طريقين:
الأول: عن سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، به عنه، وفيه أن عقبة بن عامر هو الذي قام ثلاث مرات. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٩٥): "وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وشيخه معروف ابن سويد لم أرَ من ترجمه". وتعقَّبه الشيخ حمدي السَّلفي بأنَّ معروف بن سويد من رجال "التهذيب"، وأن الحافظ ابن حجر قال عنه في "التقريب" (ص ٩٥٩): (مقبول).
الثاني: عن فضالة بن الفضيل بن فضالة، عن أبيه، عن ابن لهيعة به عنه.
- وهو بهذا الطريق في "الأوسط" (١/ ١٦٦) - رقم(٣٤٧) . قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن معروف بن سويد إلَّا ابن لهيعة، تفرَّد به فضالة لن المفضل، عن أبيه". اهـ.
• ثالثًا: رواية سَبْرة بن مَعْبَد الجُهنِّي:
أخرجها عبد الله بن وهب في "جامعه" (١/ ٦٢) - رقم(٢٤) من طريق ابن. لهيعة، عن الرَّبيع بن سبرة، عنه.
وإسنادُها حسنٌ.
- والطبراني في "الكبير" (٧/ ١١٦) - رقم(٦٥٥٤) من طريق عبد العزيز بن محمد بن أبي عبيد الدراوردي، عن أبيه، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه قال: حضرت النَّبيَّ ﷺ يومًا يقول: "مَنْ كان ههنا من مَعَدٍّ فلْيقُم" فقام عمرو بن مُرَّة الجهني ... إلخ الحديث.
قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٩٥): "ورجاله رجال الصحيح، إلَّا محمد بن أبي عبيد الدراوردي والد عبد العزيز، فإني لم أرَ من ترجمه".
قلتُ: ورواية ابن لهيعة السابقة تُقويِّ هذا الطريق، والله تعالى أعلم.стр. 304
١ - بَابُ وَصِيَّةِ النَّبيِّ ﷺ وخَلِيْفتِهِ بِأهْلِ بَيْته المُشَرَّفِ كُلٌّ مِنْهُمْ بانْتمَائِهِ إليْه وَنِسْبَتِهِ (١)
٢٧ - عن زكريا بن أبي زائدة، عن عطيّة، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "ألا إنَّ عَيْبَتِي التي آوِي إليها أَهْلُ بَيْتِي، وإنَّ كَرشِي الأنْصَارُ، فَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ". أخرجه التِّرمذيُّ في "جامعه" (٢) ، وقال: "إنه حسن" (٣) . الحواشي
(١) عنوان الباب في (م) هكذا: باب وصيَّة النَّبيِّ ﷺ خليفَتَهُ بأهل بيته كلٌّ منهم بانتمائه ونسبته.
وفي (ل): باب وصيَّة النَّبيِّ ﷺ أمَّته وخليفَتَة بأهل بيته المشرَّف كلٌّ منهم بانتمائه إليه ونسبته.(٢) (٥/ ٦٧١)، رقم(٣٩٠٤) في المناقب - بابٌ في فضل الأنصار وقريش، من طريق الفضل بن موسى، عن زكريا بن أبي زائدة به. قال: "هذا حديث حسن".(٣) إسنادُهُ رجالُهُ ثقاتٌ، إلَّا عطية العوفي فإنه ضعيفٌ.
وهو عطية بن سعْد بن جُنادة العَوْفي. قال الذهبي في "الكاشف" (٢/ ٢٧): "ضَعَّفوه".
وقال أبو زرعة: ليِّن. وقال أبو حاتم: ضعيف، يكتب حديثه. وقال الجوزجاني: مائل. وقال النسائي: ضعيف. انظر: "التهذيب" (٧/ ١٩٤). وقال ابن حجر في "طبقات المدلسين" (ص ٥٠): "ضعيف الحديث، مشهور بالتدليس القبيح".
وقال في "التقريب" (ص ٦٨٠): "صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلسًا".
قلتُ: وأصل الحديث في "البخاري"(٣٧٩٩) ، و"مسلم"(٢٥١٠) واللفظ له، من حديث أنس ﵁ مرفوعا: "إنَّ الأنصار كَرْشي وعَيْبَتي ... "، دون ذكره أهل البيت، فهذه الزِّيادة -والله تعالى أعلم-، بهذا الإسناد منكرة, خالف فيها عطية جميع الثقات الذين رووا هذا الحديث. بل رواه ابن أبي عاصم -كما سيأتي- عن عطية نفسه موافقًا سائر الثقات، فلم يذكر في روايته (أهل البيت) في حديثه.
- انظر حديث الشيخين في: البخاري، كتاب المناقب - باب قول النَّبيِّ ﷺ اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم (٧/ ١٢١, مع الفتح). ومسلم في فضائل الصحابة، باب في فضائل الأنصار=стр. 305
٢٨ - وهو عند العَسْكَريِّ (١) في "الأمثال" (٢) من طريق عمرو بن قيس، عن عطيّة، بلفظ: "ألا إنَّ عَيْبَتي وكَرْشِي أهْلُ بَيْتِي والأنْصَارُ، فَاقْبلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا (٣) عَنْ مُسِيئِهِمْ".
٢٩ - وكذا أخرجه الدَّيلميُّ من طريق عمرو بلفظ: "أهْلُ بَيْتِي والأنْصَارُ كَرْشِي وعَيْبَتي ... " (٤) ، والباقي سواء. الحواشي
(٣٩٠٧) .
• والحديث أخرجه: ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/ ٤٠٢)، رقم(٣٢٣٤٧) ، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٣/ ٣٣٢) , رقم(١٧١٦) ، كلاهما من طريق أبي أسامة، عن زكريا به. ولم يذكر ابن أبي عاصم أهل البيت في حديثه. وأبو يعلى في "مسنده" (٢/ ٣٣١)، رقم(١٠٢٥) ، من طريق أبي بكر، عن محمد بن بشر، عن زكريا به. والرامهرمزي في "أمثال الحديث" (ص ٢٤٣)، رقم(١٣٣) ، من طريق عبد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطية به.
وفيه ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ضعيف الحديث, وسيأتي بيان حاله مفصَّلًا برقم(١١٩) .(١) هو الإمام المحدِّث الأديب، الحسن بن عبد الله بن سعيد العَسْكَرِي -نسبةً إلى عسكر مُكْرَم، بلدة من كرو الأهواز-، صاحب التصانيف. سمع من ابن جرير الطبريّ، وأبي القاسم البغويّ، ومنه أبو سعد الماليني، وأبو نُعيم، من مؤلفاته: "الأمثال"، و"الأوائل". مات سنة (٣٨٢ هـ). "وفيات الأعيان" (٢/ ٦٧)، و"السِّير" (١٦/ ٤١٣)، و"الأنساب" (٤/ ١٩٣).(٢) لم أجده في "أمثال العسكري" المطبوع في مظانه، وعزاه أيضًا المتقي الهندي في "كنز العمال" (١٢/ ١٠)، رقم(٣٣٧٢٦) للرامهرمزي في "الأمثال". لكن وجدتُ نحوه عند أبي الشيخ في "الأمثال في الحديث النبوي" (٢/ ١٨٩)، رقم(٢٨٦) ، من طريق عبد الرحمن بن خارجة بن زيد، عن أبيه خارجة، عن أبي حميد الساعدي ﵁ بلفظ: "إنَّ لكلِّ نبيٍّ عَيْبةً، وإنَّ عَيْبتي هذا الحيّ من الأنصار". ولم يذكر أهل البيت في حديثه.
- وأخرجه الدَّارمي في المقدمة من "سننه"، بابٌ في وفاة النَّبيِّ ﷺ (١/ ٣٠)، رقم(٨٢) ، من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن كعب، عن عروة، عن عائشة ﵂، بنحو لفظ أبي الشيخ. وابن إسحاق مدلس "التقريب" (ص ٨٢٤)، وقد عنعنه.(٣) في (م): واعفُوا.(٤) "مسند الفردوس" (١/ ٤٠٧)، رقم(١٦٤٥) .стр. 306
والمعنى: أنَّهم جماعتي وصحابتي الذين أثِقُ بهم، وأُطْلِعُهم على أسراري، وأعتمِدُ عليهم (١) .
٣٠ - وعن أبي خَيْثَمَة زهير بن حرب (٢) أنه قال: "كَرشِي: باطني. وعَيْبَتي: ظاهري وجمالي". انتهى.
وهذا غايةٌ في التعطُّف عليهم [ح ١٧/ أ] والوصيَّة بهم.
وأمَّا قوله: "تجاوزوا عن مسيئهم": فهو من نَمَطِ قوله ﷺ : "أقِيلُوا ذوي الهيئاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إلَّا الحدود" (٣) ، إذ أهْلُ البيتِ النَّبويِّ والأنصارُ من أجلِّ ذوي الهيئات. الحواشي
(١) قال ابن الأثير في "النهاية" (٤/ ١٦٣): "أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته, والذين يعتمد عليهم في أموره، واستعار الكرش والعيبة، لأنَّ المجترَّ يجمع علَفَه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عَيْبته. قيل: أراد بالكرش الجماعة، أي جماعتي وصحابتي. ويقال: عليه كِرَشٌ من الناس، أي جماعة". وانظر في معنى (الكَرْش) و (العَيْبة): "القاموس" (ص ٥٤٣) و (ص ١١٠)، و"معجم مقاييس اللغة" (ص ٩٢٢) و (ص ٧٢٢)، و"لسان العرب" (٦/ ٣٣٩) و (١/ ٦٣٣)، و"الفائق في غريب الحديث" (٣/ ١٤٨)، و"فتح الباري" (٧/ ١٢١).(٢) هو زهير بن حرب بن شدَّاد، يكنى أبا خيثمة النَّسائي، نزيل بعدادا كان ثقة ثبتًا حافظًا، من شيوخ البخاري، ومسلم. مات سنة (٢٣٤ هـ). "تاريخ بغداد" (٨/ ٤٨٤)، و"التهذيب" (٣/ ٣٠٣).(٣) حديثٌ صحيحٌ بمجموع طرقه وشواهده.
أخرجه الإمام أحمد (٦/ ١٨١)، وأبو داود في الحدود، بابٌ الحدُّ يشفع فيه (٤/ ١٣٣)، رقم(٣٤٧٥) ، والنسائي في "الكبرى" كتاب الرجم، باب التجاوز عن ذلة ذي الهيئة (٤/ ٣١٠)، رقم(٧٢٩٤) ؛ والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ٩٠)، رقم(٢٥٢٠) أوأبو نُعيم في "الحلية" (٩/ ٤٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٨/، ٣٣)، والدَّارقطني (٢/ ١٢٧)، رقم(٣٤٣٧) ، وابن عدي في "كامله" (٥/ ١٩٤٥)، في ترجمة عبد الملك بن زيد، كلُّهم من طريق عبد الملك بن زيد، عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيها عن عمرة، عن عائشة بلفظه.
وقد تُكلِّم في الحديث بسبب عبد الملك بن زيد، فقد قال ابن عدي بعد روايته مع حديث آخر لعبد الملك: "وهذان حديثان منكران بهذا الإسناد، لم يروهما غير عبد الملك بن زيد". وضعَّفه علي بن الحسين الجنيد كما في "الميزان" (٤/ ٣٩٩). وقال فيه النَّسائي وغيره: "ليس به بأس". وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٩٥)، فهو حسن الحديث. ولم ينفرد به عبد الملك، بل تابعه أبو بكر بن نافع العُمَري على محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم به، أخرجه ابن حبان كما في "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" (١/ ٢٩٦)، رقم ٩٤) , بلفط: "أقيلوا ذوي الهيئات زلَّاتهم"، دون باقيه. =стр. 307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٦٥) ، وقال: "عثراتهم"، والبيهقي في "الكبرى" (٨/ ٣٣٤)، وفي "الشعب" (٦/ ٣١٤)، رقم ٨٣٠٩)، والطحاوي في "المشكل" (٣/ ٨٨)، رقم(٢٥١٣) ، وقال: "عثراتهم".
- وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦/ ١١)، رقم(٥٧٧٤) ، من طريق عبد الله بن العيْزار, عن القاسم بن محمد، عن عائشة مرفوعًا بلفظ: "أقيلوا الكرام عثراتهم". قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٨٢): "رجاله ثقات".
• وللحديث شواهد كثيرة:
١ - منها حديث ابن مسعود ﵁:
أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٨٥) , من طريق عبد الله بن محمد بن يزيد الحنفي، عن أبيه، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئة زلّاتهم".
- وبنفس الإسناد أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧/ ٣٥١)، رقم(٧٥٦٢) ، ولكنه قال: ثنا عبد الله بن محمد بن يزيد الجعفي، وليس (الحنفي)، ولفظه: "أقيلوا ذوي الهبات ... ". ولعلَّ "الهيئات" تصحَّفت إلى "الهبات".
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلَّا أبو بكر بن عياش، تفرَّد به عبد الله بن يزيد بن محمد، ولا يروى عن ابن مسعود إلَّا بهذا الإسناد". وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٨٢): "رواه الطبراني عن محمد بن عاصم، عن عبد الله بن يزيد الرفاعي، ولم أعرفهما. وبقية رجاله رجال الصحيح". وبه أخرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٢٣٤).
٢ - ومنها حديث زيد بن ثابت ﵁:
أخرجه الطبراني في "الصغير" (٢/ ٤٣)، من طريق محمد بن كثير بن مروان، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة إلَّا حد من حدود الله ". قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٤٣): "وفيه محمد بن كثير بن مروان الفهري، وهو ضعيف".
٣ - ومنها حديث ابن عبَّاس ﵄:
أخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٨/ ٣٣٠)، من طريق فضيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "تجافوا عن ذنب السَّخي، فإنَّ الله آخذ يده كلَّما عثر".
- وبالإسناد نفسه أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦/ ٨٥)، رقم(٥٧١٠) . قال الهيثيمي في "المجمع" (٦/ ٢٨٢): "وفيه جماعة لم أعرفهم".
• ويُروى الحديث عن ابن مسعود أيضًا بلفظ: "تجاوزا ... " والباقي سواء. وهو عند الطبراني في =стр. 308
٣١ - وقال البخاري في تفسير ﴿حم (١) عسق﴾ من التَّفسير في "صحيحه" (١) :
حدَّثنا محمد بن بشَّار -هو بُنْدَار-، ثنا محمد بن جعفر -هو غُنْدَر-، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعتُ طاووسًا (٢) يحدِّث عن ابن عبَّاس ﵄، أنه سئل عن قوله : ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) . فقال سعيد بن جبير (٤) -يعني بحضرة ابن عبَّاس-: "قُربَى آلِ محمَّدٍ ﷺ "، فقال له ابن عبَّاس: الحواشي
(١٢٢١) ، من طريق بشر بن عُبيد الدارسي، عن محمد بن حميد العتكي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة عن ابن مسعود. قال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلَّا محمد بن حميد, تفرَّد به بشر". اهـ.
قلتُ: وبشر هذا ضعَّفه الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٨٢). وكذَّبه الأزدي. وقال ابن عدي: "منكر الحديث عن الأئمة، بيَّن الضَّعف جدًّا". انظر: "الميزان" (٢/ ٣٢).
- وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٠٨)، من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود.
٤ - ومنها حديث ابن عمر ﵄:
أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ٩١)، من طريق محمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ : "تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة، وهم ذوو الصلاح".
قلتُ: وقد استوعب الشيخ ناصر الدِّين الألباني -رحمه الله تعالى- طرق الحديث والكلام عليها في "السلسلة الصحيحة" (٢/ ٢٣٤ - ٢٤١)، رقم(٦٣٨) بكلام لا مزيد عليه.
فائدة: روى البيهقي في "مناقب الشافعي" (١/ ٣١١)، بإسناده عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي قال: "سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: نتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم تكن حدًّا". قال: "وذو الهيئات الذين يُقالون عثراتهم، الذين لسيوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزَّلة".(١) باب ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٨/ ٥٦٤، مع الفتح)، رقم(٤٨١٨) .(٢) هو طاووس بن كَيْسان اليماني، أبو عبد الله الحميري الجَنَدي. كان من عبَّاد أهل اليمن، ومن سادات التابعين. حجَّ أربين حجَّة، وكان مستجاب الدعوة. مات سنة (١٠١ هـ أو ١٠٦ هـ). "تهذيب التهذيب" (٥/ ٩)، و"الجرح والتعديل" (٤/ ٥٠٠).(٣) الشورى (آية: ٢٣).(٤) هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم، الكوفي، كنيته أبو محمد أو أبو عبد الله، كان ابن عبَّاس إذا جاءه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أمّ الدهماء - يعني سعيدًا. قتله الحجَّاج بن =стр. 309
"عَجِلْتَ! -أي في التفسير- إنَّ النَّبيَّ ﷺ لم تكن بَطْنٌ من قريشٍ إلَّا كان له فيهم قرابةٌ، فقال: إلَّا أن تَصِلُوا ما بيني وبينكم مِنْ القرابة".
٣٢ - وكذا رواه في بابٍ بلا ترجمة قبيل مناقب قريش، من "المناقب" قال (١) :
ثنا مسدَّد، ثنا يحيى -هو القطَّان-، عن سْعبة، حدَّثني عبد الملك، عن طاووس، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٢) ، قال: فقال سعيد بن جبير: "قُرْبَى محمد ﷺ ". وقال يعني ابن عبَّاس ﵄:
"إنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن بَطْنٌ من قريشٍ إلَّا وله فيه قرابةٌ، فنزلت -يعني الآيةَ المسؤولَ عنها عليه ﷺ فيه، إلَّا [ح ١٧/ ب] أنْ تَصِلُوا قرابةً بَيْنِي وبَيْنكُمْ" (٣) .
٣٣ - وأخرجه ابن حبَّان في النوع السَّادس والسِّتِّين من القسم الثَّالث من "صحيحه" (٤) ، من طريق مُسَدَّد به، ولفظه:
سئل ابنُ عبَّاسٍ ﵄ عن هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٥) . فقال سعيد بن جيبر: "قُرْبَى محمد ﷺ ".
قال ابن عبَّاس ﵄: "عَجلْتَ! إنَّ رسولَ الله ﷺ لم يكنْ بَطْنٌ من قريشٍ إلَّا كان له ﷺ فيهم قرابة فقال: إلَّا أَنْ تَصِلُوا ما بَيْني وَبَيْن وَبَيْنكُمْ من القرابة".
٣٤ - ورواه أبو بكر الإسماعيليُّ من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة (٦) بلفظ: الحواشي
(١) (قال)، سقطت من (م).(٢) الشورى (آية: ٢٣).(٣) (٦/ ٥٢٦، مع الفتح)، رقم(٣٤٩٧) .(٤) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" (١٤/ ١٧٥)، رقم ٦٢٦٢)، على شرط البخاري وبإسناده المتقدِّم.(٥) الشورى (آية: ٢٣).(٦) (عن شعبة)، سقط من (م).стр. 310
فقال ابن عبَّاس ﵄: "إنه لم يكن بَطْنٌ (١) من قريش إلَّا كان للنَّبيِّ ﷺ فيه قرابةٌ، فنزلتْ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٢) ، إلَّا أنْ تَصِلُوا قَرَابَتِي مِنكُمْ" (٣) .
٣٥ - وكذا هو عنده أيضًا (٤) ، والواحدي (٥) معًا من طريق يزيد بن زُرَيْع، عن شُعبة بلفظ: "إلَّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وَبَيْنكُمْ مَنْ القرابة" (٦) .
٣٦ - وهو عند "أحمد" عن القطَّان، وغُنْدَر، وسليمان بن داود، ثلاثتهم عن شعبة (٧) .
٣٧ - ورواه التِّرمذيُّ في "جامعه" (٨) ، عن بُنْدَار، ولفظه:
سئل ابنُ عبَّاس ﵄ عن هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الحواشي
(١) في (م): بطن من بطون.(٢) الشورى (آية: ٢٣).(٣) لم أقف على رواية أبي بكر الإسماعيلى، وعزاها إليه الحافظ في "الفتح" (٦/ ٥٣١).
ومعاذ بن معاذ، هو العنبري. ثقة متقن، روى له الجماعة. "التقريب" (ص ٩٥٢). وقد سقطت هذه الرواية من (ز).(٤) لم أقف عليه، وعزاه إليه الحافظ في "الفتح" (٦/ ٥٣١).(٥) "الوسيط" (٤/ ٥٠).(٦) إسنادُهُ صحيحٌ.
أخرجه الواحدي من طريق يحيى بن صاعد، عن عرو بن علي، عن يزيد بن زُرَيع، عن شعبة به. ورجاله رجال الشيخين، غير يحيى بن محمد بن صاعد بن كاتب، مولى أبي جعفر المنصور، وهو ثقة ثبت حافظ، كما قال الدارقطني. ووثَّقه إبراهيم الحربي، والخطيب، والذهبي. انظر: "تاريخ بغداد" (١٤/ ٢٣٤)، "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٧٧٦).(٧) رواية يحيى القطان أخرجها أحمد في (١/ ٢٢٩)، عنه، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عبَّاس. ورواية غُنْدر في (١/ ٢٨٦)، عنه، عن شعبة به. وأما رواية سليمان بن داود فهي في (١/ ٢٢٩)، عنه، عن شعبة به. وأخرجه النَّسائي في "الكبرى" (٦/ ٤٥٣)، رقم(١١٤٧٤) ، من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن غُندر به.(٨) (٥/ ٣٥٢)، رقم(٣٢٥١) ، كتاب التفسير، بابٌ ومن سورة حم عسق، من طريق بندار، عن محمد بن جحفر، عن شعبة به.стр. 311
الْقُرْبَى﴾ (١) . فقال سعيد بن جبير: "قربى آل محمَّد ﷺ ".
فقال ابن عبَّاس [ح ١٨ / أ] ﵄: "أعَجَلْتَ! إنَّ رسول الله ﷺ لم يكن بَطْنٌ مِنْ قريشٍ إلَّا كان له فيهم قرابةٌ، فقال: إلَّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْني وبَيْنكُم من القَرَابَةِ".
وقال التِّرمذيُّ: "إنه حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عبَّاس".
قلت: من ذلك؛
٣٨ - ما أخرجه سعيدُ بنُ منصور في "سننه" (٢) ، وابنُ سعدٍ في "الطبقات" (٣) من طريق الشَّعبيِّ (٤) قال: "أكثَرُوا علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى ابن عبَّاسٍ ﵄، فكتب: "إنَّ رسول الله ﷺ كان واسطَ النَّسب في قريش، لم يكن حيٌّ من أحياء قريش إلَّا وَلَدُوه. فقال الله : قُل لا أسْألُكُمْ على مَا أَدْعُوكُمْ إليْهِ أجْرًا إلَّا المَوَدَّةَ، تَودُّونِي بِقَرَابتي فيكم، وتَحْفَظُوني في ذلك" (٥) .
٣٩ - ومن طريق الشَّعبيِّ -أيضًا- قال: سألني رجلٌ عن هذه الآية، فأمرتُ رجلًا فسأل ابنَ عباس ﵄ فقال: الحواشي
(١) الشورى (آية: ٢٣).(٢) لم أقف عليه عند ابن منصور.(٣) (١/ ٢٤).(٤) هو عامر بن شراحيل بن عبْدة، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل، الشعبي الحميري، من شعب همْدان. روى عن كبار الصحابة، كعلي، وسعد. مات سنة (١١٠ هـ). "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٢٢)، و"التهذيب" (٥/ ٦٠).(٥) إسنادُهُ صحيحٌ.
أخرجه ابن محمد في "الطبقات" من طريق سعيد بن منصور، عن هُشَيْم، عن داود، عن الشعبي به.
والحاكم وصححه (٢/ ٤٨٢)، رقم(٣٦٦٠) ؛ من طريق عمرو بن عون، عن هُشَيْم به، ووافقه الذهبي.
- وأحمد بن منيع في "مسنده, مطالب" (٤/ ١٥٢ - رقم(٣٧١٩) ، من طريق هُشيم به.
قال الحافظ: "صحيح". وأورده البوصري في "مختصر إتحاف السادة المهرة" (٨/ ٤١٦). وقال: "ورواته ثقات".
وعزاه السيوطي في "الدُّر المنثور" (٥/ ٧٠٠)، لعبد بن حميد، وابن مردويه.стр. 312
"إنه لم يكنْ بَطْنٌ من قريشٍ إلَّا وقد كان بين النَّبيَّ ﷺ وبينهم قرابةٌ، قال الله: قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْرًا إلَّا أنْ تَوَدُّوْنِي في قَرَابَتِي فيكم" (١) .
٤٠ - ومن حديث شَريك (٢) ، عن خُصَيْف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال لهم رسول الله ﷺ :
"لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجرًا إلَّا أنْ تَوَدُّوْنِي في نَفْسِي لِقَرَابَتِي مِنْكُم، وتَحْفَظُوا القَرَابَةَ التي بَيْنِي وَبَيْنكُمْ" (٣) .
٤١ - ومن حديث سالم الأفطس (٤) ، عن سعيد بن جبير، [ح ١٨/ ب] عن ابن عبَّاس ﵄ قال: "لم يَكنْ بُطْنٌ من بُطُون قريش إلَّا وقد وَلَدَهُ، أوْ له منهم (٥) قرابةٌ، قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْرًا إلَّا أنْ تَمْنَعُوْنِي، وتَكُفُّوا عنِّي لِقَرَابَتِي مِنكُمْ" (٦) . الحواشي
(١) لم أقف عليه من هذا الطريق.(٢) حديث شريك هذا أُخِّر في (م)، و (ز)، وقُدِّم حديث معاوية بن صالح، فبينهما تقديم وتأخير.(٣) إسنادُهُ ضعيفٌ، ويتقوَّى بكثرة شواهده.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/ ٣٤٤)، رقم(١٢٢٣٣) ، من طريق هاشم بن مرثد الطبراني وَجعفر القلاني، عن آدم بن أبي إياس، عن شريك به. و "الأوسط" (٤/ ٣٣)، رقم(٣٣٢٣) ، من طريق جعفر القلانسي به.
وفيه هاشم بن مَرْثد شيخ الإمام الطبراني. قال ابن حبان: ليس بشيء. وقال الذهبي: وما هو بذاك المجوِّد. "الميزان" (٧/ ٧٠)، و"سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٧٠). وشيخه الثاني جعفر القلانسي لم أجد له ترجمة، وبقية رجاله موثَّقون.(٤) في (م): الأقطش! هو خطأ.(٥) في (م)، و (ز): فيهم.(٦) إسنادُهُ حسنٌ.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/ ٣٤٥)، رقم(١٢٢٣٨) , من طريق محمد بن سنان العَوَقي، عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس به.
ورجاله ثقات، إلَّا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، تكلَّم في البخاري، ووثَّقه أحمد وجماعة، ولأجل ذا قال الحافظ في "التقريب" (ص ٨٩٦): "صدوق يهم". =стр. 313
٤٢ - وللطَّبرانيِّ (١) من طريق معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة (٢) , عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) .
قال: "كان لرسول الله ﷺ قرابةٌ في جميع قريشٍ، فلمَّا كذَّبوه، وأبَوا أنْ يُتَابِعوه، قال: يا قوم إذ أَبَيْتُمْ أنْ تُبَايعُوْنِي فَاحْفَظوا قَرَابَتِي فيكم، ولا يكونُ غيرُكُمْ مِنَ العَرَبِ أوْلَى بحفْظي ونُصرَتِي منكم" (٤) .
ومنه عن الضَّحَّاك (٥) ، وعليِّ بن أبي طلحة (٦) ، الحواشي
(٣٧) .(١) في "الكبير" (١٢/ ١٩٧)، رقم(١٣٠٢٦) .(٢) في (م): علي بن طلحة! وهو خطأ.(٣) الشورى (آية: ٢٣).(٤) إسنادُهُ منقطعٌ.
أخرجه الطبراني من طريق معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس ... وذكره.
ومن الطربق نفسه أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٥/ ٢٣).
وفيه علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وإنما يروي عنه مرسلًا.
قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، مرسل، إنما يروي عن مجاهد، والقاسم بن محمد، وراشد بن سعد، ومحمد بن زيد". انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم (ص ١١٨)، و"جامع التحصيل" للعلائي (ص ٢٩٤).
وقال اليهثمي في "المجمع" (٤/ ٣٢٣): "ورجاله ثقات، إلَّا أن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس". وانظر: "التهذيب" (٧/ ٢٨٩)، و"التقريب" (ص ٦٩٨).
وعبد الله بن صالح الذي يروي عن معاوية بن صالح، قال في "التقريب" (ص ٥١٥): "صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة".(٥) هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم، مشهور بالتفسير، أخذه عن سعيد بن جبير، ولا يثبت أنه رأى ابن عبَّاس أو سمع منه، ولا غيره من الصحابة. مات سنة (١٠٥ هـ). و "الجرح والتعديل" (٤/ ٤٥٨)، و"التهذيب" (٤/ ٤١٧).(٦) هو علي بن أبي طلحة، واسمه سالم بن المخارق الهاشمي، يكنى أبا الحسن، روى عن ابن عباس ولم يسمع منه، بينهما مجاهد. ذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٢١١). مات سنة (١٤٣ هـ). "التهذيب" (٧/ ٢٨٨)، و "التاريخ الكبير" (٦/ ٢٨١).стр. 314
والعَوْفيِّ (١) ، ويوسفَ بنِ مِهْرَان (٢) ، وغيرهم، عن ابنِ عبَّاس ﵄.
وبهذا التَّفسير الذي جَنَحَ إليه ترجمانُ القرآنِ من حَمْلِه الآية على أن يُوادِدُوا النَّبيَّ ﷺ من أجل القرابة التي بينهم وبينه، لا يكون الحديث مما نحن فيه، بل الخطاب حينئذٍ لقريش خاصة، ويتأيَّد بأنَّ السُّورة مكيّة. والقُرْبَى: قرابة العُصُوبة والرَّحم، فكأنه قال: احفظوني للقرابة إنْ لم تَتَّبعوني للإسلام (٣) .
٤٣ - ولذلك قال عكرمة (٤) ﵀ فيما أخرجه ابنُ سَعْدٍ (٥) :
"قلَّ بَطْنٌ من قريشٍ إلَّا وقد كانت لرسول الله ﷺ فيهم وِلادةٌ، فقال: إِنْ لم تَحْفَظُونِي فيما جئتُ به فَاحْفَظُونِي لِقَرَابَتِي" (٦) . الحواشي
(١) هو عطية بن سعد بن جُنَادة العوْفي، أبو الحسن الكوفي. روى عن ابن عباس، وابن عمر، وأبى سعيد، وغيرهم من الصحابة. قال الحافظ في "طبقات المدلسين" (ص ١٣٠): "تابعي معروف، ضعيف الحديث، مشهور بالتدليس القبح". "المجروحين" (٢/ ١٣٦)، و"التهذيب" (٧/ ١٩٤).(٢) هو يوسف بن مِهران البصري. روى عن ابن عباس وابن عمر، وغيرهما. وعنه زيد بن علي بن جدعان. قال في "التقريب" (ص ١٠٩٦)؛ "ليَّن الحديث". وانظر: "التهذيب" (١١/ ٣٧١).(٣) انظر: "فتح الباري" (٨/ ٥٦٤) بنحوه.(٤) هو أبو عبد الله المدني، عكرمة بن البربري، مولى ابن عباس، أصله من البربر. أحد الأئمة الأعلام، روى عن علي بن أبي طالب، والحسن بن علي، وجماعة. وعنه إبراهيم النخعي، والشعبي. كان ثقة ثبتًا، عالمًا بالتفسير. مات سنة (١٠٥ هـ). "النبلاء" (٥/ ١٢)، و"التهذيب" (٧/ ٢٢٨).(٥) في "الطبقات" (١/ ٢٤).(٦) إسنادُهُ حسنٌ.
أخرجه ابن محمد من طريق يعقوب بن إسحاق الحضرمي، عن عمر بن أبي زائدة قال: سمعت عكرمة يقول في قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ... ﴾، وذكره.
يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وعمر بن أبي زائدة (صدوقان). "التقريب" (ص ١٠٨٧ و ٧١٨).
ومما يُلفتُ النظر إليه ههنا أن الذي في "الطبقات" (عمرو بن أبي زائدة عن عكرمة)، وهو خطأ، والصَّواب أنه (عمر)، كما في "التهذيب" و "التقريب"؛ والله تعالى أعلم.
- وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٣/ ٢٥)، من طريق ابن حميد، عن جرير، عن مغيرة، عن عكرمة، بنحو لفظه.
ورجاله ثقات إلَّا ابن حميد، وهو محمد بن حميد بن حيَّان التميمي الرَّازى فمختلفٌ فيه، والأقرب -والعلم عند الله- أنه ضعيف. قال الحافظ الذهبي في "الكاشف" (٢/ ١٦٦): "وثقه جماعة، والأولى =стр. 315
٤٤ - وعن عكرمة [ح ١٩/ أ] أيضًا قال:
"كانت قريشٌ تصلُ الأَرْحامَ في الجاهلية، فلمَّا دعاهم النَّبيُّ ﷺ إلى الله خالفوه، وقاطعوه، فأَمرهم بصلة الرَّحم التي بينه وبينها" (١) .
٤٥ - وروى سعيد بن منصور في "سننه" (٢) من وجهين، وابن سعد في "الطبقات" (٣) ، عن حصين -هو ابن عبد الرَّحمن- عن [أبي] (٤) مالك -هو الغِفَاريّ- ﵀ قال:
"لم يكنْ بَطْنٌ من بُطُونِ قريشٍ إِلَّا ولرسوله الله ﷺ منهم قرابة، قال الله لنبيِّه (٥) ﷺ : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْه أَجْرًا إلَّا المَوَدَّةَ في القُرْبَى مِنْكُمْ، فتَحْفَظُونِي لقَرَابتي وتَوَدُّونِي" (٦) . الحواشي
(١) لم أقفْ على من خرَّجه، وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٦/ ١٧) بمعناه.(٢) لم أقفْ عليه عند ابن منصور.(٣) (١/ ٢٣).(٤) جاء في جميع النُّسخ الخطيّة الستّ (ح، ز، م، ك، ل، هـ) (عن مالك الغفاري)، والصَّواب ما أثبتُّه؛ كما في "الطبقات" وسائر الكتب التي ترجمتْ له، وكما سيتبيَّن من التخريج؛ والله تعالى أعلم.
• وأبو مالك هذا، هو غَزْوان الغِفَاريّ الكوفيّ، مشهور بكنيته. روى عن عمار بن ياسر، وابن عبَّاس وغيرهما. وعن سلمة بن كُهيل، وحصن بن عبد الرَّحمن، وغيرهما. قال في "التقريب": "ثقة، من الثالثة". انظر: "التهذيب" (٨/ ٢١٣)، و"التقريب" (ص ٧٧٦).(٥) في (م): لرسوله ﷺ .(٦) إسنادُهُ صحيحٌ، رواته ثقاتٌ.
أخرجه ابن سعد من طريق هُشَيْم بن بشير قال: أخبرنا حُصين بن عبد الرَّحمن السُّلميّ، عن أبي مالك غزوان الغفاريّ قال: ... ذكره.
وهُشَيْم (ثقة ثبت، كثير التدليس)، وقد صرَّح ههنا بالرواية. "التقريب" (ص ١٠٢٣). وحصين (ثقة إلَّا أنه تغيَّر حفظه في الآخر). "التقريب" (ص ٢٥٣)، وقد أخرج حديثه الجماعة. =стр. 316
٤٦ - وروى الواحديُّ (١) من طريق عبد الكريم أبي أُميَّة قال:
سألتُ مجاهدًا عن هذه الآية فقال. "يقول لا أسأَلُكم على ما أقولُ أجرًا (٢) ، ارقُبُوني في الذي بيني وبينكم، لا تَعْجَلُوا إليَّ، ودَعُوني والنَّاس".
وبه قال قتادةُ (٣) ، والسُّدِّيُّ (٤) ، وعبدُ الرَّحمن بنُ زيد بنِ أسلم (٥) ، وغيرهم.
نعم؛ إنما يدخل في هذا الباب بالنَّظر لتفسير سعيد بن جبير الذي ردَّه عليه ابنُ عبَّاس (٦) ، كأنَّ سعيدًا ﵀ استمرَّ على مذهبه في ذلك؛ الحواشي
(١) إسنادُهُ ضعيفٌ.
أخرجه في "الوسيط" (٤/ ٥١)، من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن عبد الله مولى بني قراد، عن عبد الكريم به. وعبد الكريم هذا ضعيفٌ كما في "التقريب" (ص ٦١٩)، وهو ابن أبي المخارق. ويشهد له ما سبق.(٢) في (م): بقول: قل لا أسألكم عليه أجرًا.(٣) هو الإمام قتادة بن دِعَامة السّدوسي، إمام التفسير، تابعي جليل، ثقة ثبت. روى عن أنس بن مالك ﵁. روى له الجماعة. مات بواسط في الطاعون سنة (١١٨ هـ). سير أعلام النبلاء" (٥/ ٢٦٩)، و "طبقات المفسرين" (٢/ ٤٧).(٤) هو إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن أبي كريمة السُّدِّي. كان يقعد على سُدَّة باب الجامع فسُمِّي (السُّدِّي). روى عن أنس بن مالك، وابن عباس ﵃. مات سنة (١٢٧ هـ). قال في "التقريب": صدوق يهم، ورُمي بالتَّشيُّع. "التهذيب" (١/ ٢٨٢)، و"التقريب" (ص ١٤١).(٥) هو عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم القرشي العدوي. مولى عمر بن الخطاب ﵁. روى عن أبيه، وأبي حازم، وغيرهما. وعنه إبراهيم الأذرمي، وإسماعيل بن أبي أويس. مات سنة (١٨٢ هـ). "تهذيب التهذيب" (٦/ ١٦٢).(٦) سبق برقم(٥) من رواية البخاري وغيره.стр. 317
٤٧ - فقد روى سعيد بن منصور في "سننه" (١) من طريق أبي العالية قال:
قال سعيد بن جبير: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٢) ، قال: "قُرْبَى النَّبيِّ ﷺ (٣) "؛ أو كان يفسِّره بالوجهين.
٤٨ - فقد روى ابنُ سعدٍ في "الطبقات" (٤) من حديثِ سالمٍ، عن سعيد بنِ [ح ١٩/ ب] جبيرٍ أنه قال: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٥) ؛ قال: "إلَّا أنْ تَصِلُوا قَرَابةَ ما بَيْنِي وبَيْنكُمْ" (٦) . وهذا موافقٌ لما قاله ابنُ عبَّاس ﵁. على أنه جاء عن ابن عبَّاس ﵄ -أيضًا- ما يشهد لقولِ سعيدٍ الأول:
٤٩ - فأخرج الطَّبرانيُّ في "معجمه الكبير" (٧) ، وابنُ أبي حاتم في "تفسيره" (٨) . والحاكمُ في "مناقب الشَّافعيِّ"، والواحديُّ في "الوسيط" (٩) ، وآخرون؛ منهم أحمد في "المناقب" (١٠) ؛ كلُّهم من رواية حسين الأشقر، عن قيس بن الرَّبيع، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: الحواشي
(١) لم أقف عليه عند ابن منصور.(٢) الشورى (آية: ٢٣).(٣) في (م) , و (ز): قربى رسول الله ﷺ .(٤) (١/ ٢٤).(٥) الشورى (آية: ٢٣).(٦) إسنادُهُ صحيحٌ.
أخرجه ابن سعد من طريق أحمد بن عبد الله بن يونس، عن إسرائيل، عن سالم به.
أحمد بن عبد الله بن يونس (ثقة حافظ)، أخرج له الجماعة. "التقريب" (ص ٩٣).
وإسرائيل، هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الهمدانيّ (ثقة، تُكُلِّم فيه بلا حجَّة)، أخرج له الجماعة. "التقريب" (ص ١٣٤). وسالم، هو ابن عجلان الأفطس (ثقة رُمي بالإرجاء)، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. "التقريب" (ص ٣٦١). وأخرجه الفسويّ في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٥٣٨)، من طريق عبد الله، عن إسرائيل به.(٧) (١١/ ٣٥١) - رقم(١٢٢٥٩) ، وكذا في (٣/ ٤٧) - رقم(٢٦٤١) بالإِسناد المذكور.(٨) (١٠/ ٣٢٧٧) - رقم(١٨٤٧٧) ، وضعَّفه بالإسناد المذكور.(٩) (٤/ ٥٢) بالإسناد المذكور.(١٠) "فضائل الصحابة" (٢/ ٦٦٩) - رقم(١١٤١) بالإسناد المذكور.стр. 318
لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١) قالوا: يا رسولَ اللهِ! مَنْ قرابتُك هؤلاء الذين وَجَبَتْ علينا مَوَدَّتُهُمْ؟
قال: "عليٌّ وفاطمة وابناهما" (٢) . إلَّا أن الأشقرَ شيعيٌّ ساقطٌ، ولم تبلغ مرتبته الحواشي
(١) الشورى (آية: ٢٣).(٢) إسنادُهُ ضعيفٌ جدًا:
فيه حسين الأشقر، وهو ساقطٌ كما قال المؤلف.
قال البخاري: "فيه نظر". وقال أبو زرعة: "منكر الحديث". وقال أبو معمر الهذلي: "كذَّاب". وقال أبو حاتم والدارقطني والنسائي: "ليس بالقوي". انظر: "ميزان الاعتدال" (٢/ ٢٨٥). وقال الذهبي في "الكاشف" (١/ ٣٣٢): "واهٍ".
وقال الحافظ في "تخريج أحاديث الكشَّاف" (٤/ ١٥٤): " ... وحسين ساقط". وقال في "الفتح" (٨/ ٥٦٤): "وإسناده واهٍ، فيه ضعيف، ورافضيّ".
• وقيس بن الرَّبيع فيه كلامٌ كثيرٌ أيضًا:
وهو الذي أراده ابن حجر بقوله قريبًا: "فيه ضعيف ... ". وقال الذهبي: "أحد أوعية العلم، صدوق في نفسه، سيِّء الحفظ". وقال أبو حاتم: "محله الصدق، وليس بالقوي". وقال يحيى: "ضعيف". وقال مرةً: "لا يُكتب حديثه".
وقيل لأحمد: لِمَ تركوا حديثه؟ قال: كان يتشيَّع، وكان كثير الخطأ، وله أحاديث منكرة، وكان وكيع وعلي بن المديني يُضعِّفانه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. انظر: "الميزان" (٥/ ٤٧٧).
وقال الهيثمي في "المجمع" (٩/ ١٦٨): "وفيه جماعة ضعفاء، وقد وُثِّقوا! ". وانظر (٧/ ١٠٣).
وقال ابن كثير في "التفسير" (٦/ ١٩٨) في الكلام على إسناد ابن أبي حاتم: "وهذا إسناد ضعيف، فيه مبهم لا يُعرف، عن شيخ شيعي محترق، وهو حسين الأشقر، ولا يُقبل خبره في هذا المحل".
قلتُ: والحديث مع ضعفه سندًا، فهو منكر متنًا؛ فإن الآية في سورة الشورى، وسورة الشورى مكية باتفاق، وفي وقت نزولها لم يكن عليٌّ ﵁ قد تزوَّج فاطمة؛ فضلًا عن إنجاب الحسن والحسين ﵃، فإنه إنما تزوَّجها ودخل بها بالمدينة. وقد أشار إلى ذلك أهل العلم بالحديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (٤/ ٥٦٣) عقب ذكره لهذا الحديث: "وهذا كذبٌ باتِّفاق أهل المعرفة بالحديث، ومما يُبِّين ذلك أن هذه الآية نزلت بمكة باتِّفاق أهل العلم؛ فإن سورة الشورى جميعها مكية، بل جميع آل حم كلّهنَّ مكّيّات، وعليٌّ لم يتزوج فاطمة إلَّا بالمدينة كما تقدَّم، ولم يُولد له الحسن والحسين إلَّا في السنة الثالثة والرابعة من الهجرة، فكيف يمكن أنها لمَّا نزلت بمكة قالوا: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: عليٌّ وفاطمة وابناهما"؟ ! =стр. 319
أنْ يكون حديثُه معارضًا لما تقدَّم، بل ذاك أولى منه وأقوى (١) .
٥٠ - ونحوه ما أورده الطَّبريُّ (٢) ، وابنُ أبي حاتم (٣) في "تفسيريهما" (٤) من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قالت الأنصار: "فعلنا وفعلنا، وكأنَّهم فخروا".
فقال ابن عبَّاس، أو العبَّاس -شكَّ راويه- ﵄: "لنا الفضلُ عليكم". فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فأتاهم في مجالسهم فقال:
"يا معشر الأنصار! ألم تكونوا أذلةً فأعزَّكم الله بي؟ ! ".
قالوا: "بلى يا رسولَ اللهِ". قال: [ح ٢٠/ أ] قال: "ألا تقولون، ألم يُخْرِجْكَ قومُكَ فآويْناك! ألم يكذِّبوك فصدَّقناك! ألم يَخْذُلوك فنَصرْناك! ". الحواشي
(١) العبارة في (م): بل ذلك أقوى منه وأولى،(٢) إمام مشهور. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" (٢/ ١٦٢ - ١٦٩)، و "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ٧٨ - ٧٩)، و "السِّير" (١٤/ ٢٦٧ - ٢٨٢)، و "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٧١٠ - ٧١٦) , و "طبقات الشافعية" (٣/ ١٢٠ - ١٢٨)، و "طبقات المفسرين" (٢/ ١٠٦ - ١١٤).(٣) إمام حافظ، شهرته تُغني عن ترجمته. انظرها في: "طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٧)، و "السِّير" (١٣/ ٢٦٣ - ٢٦٩)، و"تذكرة الحفاظ" (٣/ ٨٢٩ - ٨٣٢)، و "العبر" (٢/ ٢٠٨)، و"طبقات السبكي" (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٨)، و "طبقات المفسرين" (٢/ ٢٨٥ - ٢٨٧).(٤) انظر: "جامع البيان" (٢٥/ ٢٥)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (١٠/ ٣٢٧٧) - رقم(١٨٤٧٦) ، كلاهما من طريق أبي كُريْب، عن مالك بن إسماعيل، عن عبد السلام، عن يزيد بن أبي زياد به.стр. 320
قال: فما زال يقول حتى جَثَوا على الرُّكب! وقالوا: "أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله" (١) ، قال (٢) : فنزلت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) (٤) .
وإنما كانت هذه القصة شاهدة لما قبلها؛ لكون سبب النزول قول الأنصار ﵃: "أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله"، مع ما سبق في أولها من التفاضل بينهم وبين بعض أهْلِ البيت.
لكن هي وإنْ كان في "الصَّحيحين" في قسم غنائم حنين نحو سياقها، فليس هناك نزول الآية التي هي محلُّ الاستشهاد منه (٥) ، والطريقُ بذلك ضعيفٌ مع وجود شاهده باختصار؛ ولكن من رواية الكلبيِّ (٦) ونحوه من الضُّعفاء. الحواشي
(١) في (م)، و (ز): لله ورسوله.(٢) لا توجد في (م).(٣) الشورى (آية: ٢٣).(٤) إسنادُهُ ضعيفٌ.
في يزيد بن أبي زياد الكوفي الهاشمي مولاهم، مختلفٌ فيه، والأكثر على تضعيفه.
قال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: ليِّن الحديث، يكتب حديثه ولا يُحتجُّ. وقال الجوزجاني: سمعتهم يُضعِّفون حديثه. وقال ابن المبارك: ارمِ به. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لم يكن بالحافظ. وقال في موضع آخر: حديثه ليس بذاك. وقال عبَّاس الدُّوري عن يحيى بن معين: لا يُحتجُّ بحديثه. "تهذيب التهذيب" (١١/ ٢٨٥).
وقال في "الكاشف" (٢/ ٣٨٢): "شيعيّ عالمٌ فَهِمٌ، صدوق رديء الحفظ لم يُترك".
وقال في "التقريب" (ص ١١٧٥): "ضعيف، كبر فتغيَّر وصار يُلقَّن، وكان شيعيًّا". وضعَّف إسناده في "الفتح" (٨/ ٥٦٤)، وأيَّد بطلانه بأنَّ الآية مكية. وضعَّفه الشوكاني في "فتح القدير" (٤/ ٥٣٦) بسبب يزيد هذا؛ فالإسناد ضعيف.(٥) الحديث المشار إليه متفق عليه. أخرجه البخاري في المغازي -باب غزوة الطائف (٨/ ٤٧ - مع الفتح) - رقم(٤٣٣٠) . ومسلم في الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلولهم على الإسلام وتصبُّر من قَوِيَ إيمانه (٢/ ٧٣٨) - رقم(١٠٦١) ، كلاهما من طريق عمرو بن يحيى، عن عبَّاد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم.(٦) هو أحد الكذَّابين الكبار، ستأتي ترجمته والكلام عليه برقم(٢٢٦) .следующие страницы →