عنها، وله من الولد: سلمة، وعمرو، ودرة، وزينب أمهم أم سلمة. وكانت ثويبة جارية أبى لهب، فأعتقها حين بشرته بولادته ﷺ عتقا منجزا، ثم جعلها ترضعه بعد ولادته أياما.
وذكر عروة بن الزبير أن أبا لهب رؤى في النوم بشرّ حيبة «١» فقيل له: ماذا لقيت فقال له: لم ألق بعدكم رخاء، غير أنّى سقيت في هذه منى بعتاقتى ثويبة، (وأشار إلى النقيرة التي بين الإبهام والتى تليها من الأصابع) . (وفي رواية أن الرائى كان من أهله، وأنه أخوه العباس بن عبد المطلب، قال: مكثت حولا بعد موت أبى لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: «ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفّف عنى كل يوم اثنين» وذلك أن رسول ﷺ ولد يوم الاثنين «٢» ، وكانت ثويبة مولاته قد بشرته بمولده، وقوله: (بعتاقتي) ، بفتح العين أحد مصادر عتق العبد الذى هو فعل لازم) فالحكمة في التعبير به دون التعبير بالإعتاق، وإن كان هو الأنسب؛ لأن العتاقة أثر الإعتاق، فلذلك أضافها لنفسه. قال ابن بطال: ومعنى قوله (سقيت في هذه الخ) : أن الله سقاه ماء في مقدار نقرة إبهامه، لأجل عتقه ثويبة. قال ابن حجر: واستدل به على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، وهو مردود بظاهر قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً «٣» [الفرقان: ٢٣] لا سيما والخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدّثه به، وعلى تقدير أن يكون موصلا فلا يحتجّ به؛ إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي. لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبى ﷺ مخصوصا بذلك، بدليل التخفيف عن أبى طالب «٤» المرويّ في الصحيح. وعلى هذا جرى جمع؛ قال البيهقي: ما ورد من بطلان الخير للكفار
стр. 107
معناه أنهم لا يكون لهم التخلّص من النار، ولا دخول الجنة، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذى يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم ثمّ سوى الكفر، بما عملوه من الخيرات. والذى قاله القاضى عياض: [انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض. قال الحافظ: وهذا لا يردّ الاحتمال الذى ذكره البيهقي؛ فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر، وأمّا ذنب غير الكفر، فما المانع من تخفيفه؟] وقال القرطبي: [هذا التخفيف خاصّ بهذا، وبمن ورد النص فيه] ، وقال ابن المنيّر: [هما فضيلتان إحداهما محال، وهى اعتبار طاعة الكافر مع كفره؛ لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر، وإثبات ثواب على بعض الأعمال: تفضل من الله تعالى، وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبى لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبى طالب، والمتبّع في ذلك التوقيف نفيا وإثباتا قال الحافظ: فوقوع التفضيل المذكور إنما هو إكرام لمن وقع البرّ من الكافر لأجله، وهو النبى ﷺ ] انتهي.
قال ابن الجوزي: فإذا كان هذا حال أبى لهب الذى مات على دين قومه، ونزل القران بذمه: جوزي بعد موته جزاء بفرحه بمولد محمد ﷺ ؛ فما حال المسلم المواحد من أمته يفرح ويسرّ بمولده ﷺ ، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ﷺ من الصدقات لعمرى إنما يكون جزاؤه من المولى الكريم أن يدخله بفضله وكرمه جنات النعيم.
ولله درّ حافظ الشام: شمس الدين محمد بن ناصر الدمشقي، حيث قال:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمّه ... وتبّت يداه في الجحيم مخلّدا
أتي أنه في يوم الاثنين دائما ... يخفّف عنه للسرور بأحمدا
فما الظنّ بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسرورا؛ ومات موحّدا
مات أبو لهب بداء «العدسة» فى مكة على دين قومه بعد بدر بسبعة أيام، وكان قد بلغه خبر بدر ولم يشهدها.
والعدسة: بثر كانت تخرج على الناس، تزعم العرب أنها تعدي، شبيهة بالطاعون.
стр. 108
* وعلى ذكر الطاعون؛ فقد ورد النهى عن دخول بلد فيها الطاعون؛ لأن الدخول إلى موضع النّقم تعرّض للهلكة، فالمقام بالموضع الذى لا طاعون فيه أسكن للقلب، فليتأدب الشخص بأدب الحكمة، وهى الفرار من الهلاك ولا يعارضها بالقدر الذى تضمنته اية: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا (٥١) [التوبة: ٥١] .
ولهذا قال عمر لأبى عبيدة رضى الله عنهما حين قال: أتفرّ من قدر الله!؟:
يا أبا عبيدة، لو غيرك قالها!؟ جواب الشرط محذوف يدل عليه السياق «١» : ...
نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.
ولما رمى أبو لهب بالعدسة تباعد عنه بنوه، فبقى ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يدفن، فلما خافوا السبّة دفعوه بعود في حفرته، ثم قذفوه بالحجارة من بعد حتّى واروه. وذكر أن عائشة كانت إذا مرت بموضعه غطت وجهها.
وله من الولد ثلاثة: عتبة، وعتيبة، ومعتب، ومن الإناث: درة، وسبيعة، أسلم منهم اثنان يوم فتح مكة ولم يهاجرا من مكة حتّى ماتا ولهما بها عقب. ودرة وسبيعة أسلمتا، وكان عتبة ومعتب قد هربا من الإسلام، فأرسل إليهما عمهما العباس، فقدما وأسلما، فسرّ بذلك ﵇، وشهدا معه حنينا والطائف. وأما عتيبة فإنه لما أسلمت أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ فارقها، وقال: يا محمد فارقت ابنتك وتركت دينك، فلا تحب لى خيرا أبدا. فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه، فخرج إلى الشام تاجرا، فلما كان في بعض الطريق جاءه الأسد ففزع وقال: أترى ابن أبي كبشه «٢» قاتلى وهو بمكة وأنا بالشام! فأدخله أصحابه بينهم وتوسّطوا به جميعهم، فلما كان في بعض الليل أتاهم الأسد فتعدّاهم رجلا رجلا، حتى أتى إليه فشدخه من بينهم، وفيه قال حسان:
من يرجع العام إلي أهله ... فما أكيل السبع بالراجع
وأما أبوهما أبو لهب، وأمهما أم جميل، حمّالة الحطب، فيكفيهما ما أنزل الله
стр. 109
فيهما من قوله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ السورة، وقال بعض العلماء في أولاد أبى لهب:
كرهت عتيبة إذ أجرما ... وأحببت عتبة إذ أسلما
كذلك معتب اسلم فاح ... ترز أن تسبّ فتى مسلما
ومثل عتبة وعتيبة في الصلاة والفحش: عبد الله وعبيد الله ابنا جحش؛ فإنّ عبد الله تبيّن وتبصّر فأسلم، وعبيد الله افتتن وتنصّر فأجرم، وإن الأكبر هو الأفضل والأصغر هو الأرذل.
* ثم أرضعت النبى ﷺ حليمة السعدية بنت أبى ذؤيب (تصغير ذئب) واسمه عبد الله بن الحارث، ومن سعادتها توفيقها للإسلام «١» هى وزوجها الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة السعدى وبنوها: عبد الله، والشيماء، وأنيسة، وقد ألّف الحافظ أبو سعيد علاء الدين بن مغلطاى في إسلامها جزا وسماه (التحفة الجسيمة في إسلام السيدة حليمة) وقال في سيرته: «وبقيت حليمة حتّى قدمت على رسول الله ﷺ بمكة، وقد تزوج خديجة، فشكت إليه جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلّم لها خديجة فأعطتها أربعين شاة وبعيرا، وانصرفت إلى أهلها.
وقدمت عليه أيضا في يوم حنين، فقام لها وبسط لها رداءه، فجلست عليه وقضى حاجتها، فلما توفى ﷺ قدمت على أبى بكر الصديق فصنع لها مثل ذلك، ثم عمر، ففعل ذلك. وأنشد في اخر الجزء المذكور:
أضحت حليمة تزدهي بمفاخر ... ما نالها في عصرها ذو شان
منها الكفالة والرضاع وصحبة ... والغاية القصوي: رضي المنّان
ومضمون قصتها مع اختصار: أنها قدمت مكة من البادية في سنة قحط شديدة لم تبق لهم شيئا صحبة عشر نسوة من قومها يلتمسن الرضعاء، ومعها ابن لها رضيع مجهود، وزوجها أبو أولادها الحارث، وكلاهما من بنى سعد بن
стр. 110
بكر بن هوازن، فلم يبق منهن امرأة إلا وقد عرض المبارك عليها فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم، ثم أخذته هي «١» إذ لم تجد غيره، فرأته مدرجا في ثوب صوف أبيض يفوح منه المسك، وكان راقدا على قفاه، فهابت أن توقظه، فوضعت يدها على صدره فتبسّم ضاحكا، وفتح عينيه فقبّلته وأعطته ثديها الأيمن فقبله، وحوّلته إلى الأيسر فأبي؛ لأن الله ألهمه العدل وأعلمه أن له شريكا هو ابنها فترك له ثديها الأيسر، وكانت هى وناقتها في أشد الجوع والهزال وعدم اللبن، فبمجرد أن وضعته في حجرها أقبل (أى درّ عليه) ثديها فروى وروى أخوه، ودرت ناقتهم فأشبعتهم تلك الليلة لبنا، فلمّا أصبحت ودّعت أمه امنة وركبت أتانها، فلما خرجت مع قومها سبقت أتانها الكلّ بعد أن كانت لا تنهض بها، فأنكر صويحباتها أنها هي، فلمّا علمنها قلن: إن لها شأنا عظيما. ولما وصلوا منازلهم كانت أجدب أرض الله، فكانت غنم حليمة ترجع ملاى، بخلاف غنمهم، مع أنها كلها بمحلّ واحد، فلله درّها من بركة كثرت بها مواشي حليمة ونمت وارتفع قدرها به وسمت، ولم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة، وتفوز منه بالحسنى وزيادة، وقيل:
لقد بلغت بالهاشميّ حليمة ... مقاما علا في ذروة العز والمجد
وزادت مواشيها وأخصب ربعها ... وقد عمّ هذا السعد كلّ بني سعد
ولا يخفى أن قدوم نساء بنى سعد للرضعاء إنما كان لطلب الأجر على الرضاع.
قال السهيلى رحمه الله تعالى: والتماس الأجر على الرضاع لم يكن محمودا عند أكثر العرب، حتى جرى المثل «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها» «٢» أى ولا
стр. 111
تهتك نفسها وتبدى منها ما لا ينبغى أن تبدي. وتعقبه في «الزهر» أن المثل غير مسوق لذلك، وكان «١» عند بعضهم لا بأس به. فقد كانت وسيطة في بنى سعد، كريمة من كرائم قومها، بدليل اجتباء الله تعالى إياها برضاع نبيه ﷺ ، كما اختار له أشرف البطون والأصلاب. والرضاع كالنسب، ويحتمل أن تكون حليمة ونساء قومها طلبن الرضاع اضطرارا للأزمة التى أصابتهم، والسنة الشهباء التى أقحمتهم؛ فلما تم له ﷺ عند حليمة سنتان عادت به إلى أمه، ثم فطمته.
قال بعضهم: وتجوز الزيادة على الحولين والنقص عنهما. لكن قال الحناطى فى فتاويه: يستحب قطع الرضاعة عند الحولين إلا لحاجة، وقال ابن كثير في تفسيره: ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرّت الولد في بدنه وعقله.
ومما ينسب إلى حليمة مما كانت ترقّص به النبى ﷺ :
يا ربّ إذ أعطيته فأبقه ... واعله إلى العلى ورقه
وادحض أباطيل العدا بحقه
ويظهر أنه مفتعل، وإن كان معناه جيدا.
* وروى أنه أرضع النبى ﷺ ثمان نسوة غير امنة: ثويبة، وحليمة، وخولة بنت المنذر، وأم أيمن، (والمعروف أنها من الحواضن) ، وامرأة سعدية غير حليمة، وثلاث نسوة اسم كل واحدة منهن عاتكة، فى قوله ﷺ يوم حنين. «أنا ابن العواتك من سليم «٢» » والعواتك ثلاث نسوة كنّ أمهات النبى ﷺ «٣» :
إحداهن: عاتكة بنت هلال، وهى أم عبد مناف بن قصي.
والثانية: عاتكة بنت مرّة بن هلال، وهى أم هاشم بن عبد مناف.
والثالثة: عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال، وهى أم وهب أبى امنة أم النبى ﷺ .
فالأولى من العواتك عمة الثانية، والثانية عمة الثالثة، وبنو سليم تفتخر بهذه الولادة، ولم يرد ﷺ بقوله: «أنا ابن العواتك» الفخر، وإنما أراد به تعريف منازل
стр. 112
المذكورات ومراتبهن، كرجل يقول: كان أبى فقيها، ولا يريد الفخر، وإنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه، وقد يكون أراد به التحدث بنعمة الله تعالى في نفسه وابائه وأمهاته على وجه الشكر، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء. ولبنى سليم مفاخر أخرى منها: أنها ألّفت معه يوم فتح مكة، أى شهده منهم ألف، وأن رسول الله ﷺ قدّم لواءهم يومئذ على الألوية، وكان أحمر، ومنها أن عمر كتب إلى أهل الكوفة والبصرة ومصر والشام أن ابعثوا إليّ من كل بلد أفضله رجلا. فبعث أهل الكوفة عتبة بن فرقد السلمي، وبعث أهل البصرة مجاشع بن مسعود السلّمي، وبعث أهل مصر معن بن يزيد السلمي، وبعث أهل الشام الأعور السلمى.
وسبب دفع أمه إياه لمن ترضعه أن هذا كان عادة قريش وأشراف العرب في أولادهم، ولو كانت الأم حيّة ولها لبن؛ لأن نساءهم كنّ يرين إرضاع أولادهن عارا «١» عليهن، وأيضا إذا نشأ الرضيع غريبا كان أنجب له، مع ما يضاف إلى ذلك من تفرّغ النساء للأزواج، وإن كان هذا منتفيا هنا؛ لأن أباه ﷺ توفى وهو حمل على الصحيح. والأولى في التعليل أن ينشأ غريبا، على أن هذه العادة عادة أشراف الدنيا قديما وحديثا، لا سيما بالأقطار الحجازية بالنسبة للحواضر؛ فإنهم يبعثون بأبنائهم إلى البوادى للتربية بها مع ما ينضم إلى ذلك من خاصية فصاحة العربية العريقة بالبادية القليلة المخالطة بما يفسد اللغات، فهذه هى حالته ﷺ حيث منّ الله على حليمة السعدية فأرضعته مع ابنها الذى شرب النبى ﷺ من لبنه، وهو عبد الله بن الحرث.
وكان له ﷺ أختان: أنيسة والشيماء بنتا الحرث، الشيماء واسمها حذاقة، وإنما غلب لقبها فلا تعرف في قومها إلا به، وسبيت يوم حنين، فقالت «يا قوم اعلموا أنى أخت نبيكم» فلما أتوا بها النبى ﷺ قالت له: «إنى أختك، وكنت عضضتنى وأنا أحضنك مع أمي» . فعرف ذلك وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ودمعت
стр. 113
عيناه، وقال لها: «إن أحببت فأقيمى عندى مكرمة محبّبة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك وصلتك» . قالت: بل أرجع إلى قومي. فأسلمت «١» ، وأعطاها النبى ﷺ جارية وغلاما اسمه مكحول، فزوجت الجارية من الغلام، وكانت تحضنه ﷺ وترقصه وتقول:
هذا أخ لى لم تلده أمى ... فديته من مخول معم
فأنمه اللهمّ فيما تنمي
ولعل هذا الرجز مصطنع بعد، أو كان مما يرقّص به الأطفال في ذلك الزمن. وكان رسول الله ﷺ عرض على كثير من النساء فلم يرضين رضاعه ليتمه وفقره؛ ويقلن: ماذا عسى أن يكون من أمه وجدّه إلينا لله إنما يكون الإحسان من الأب. فأخذته حليمة السعدية، وقالت: لعل الله أن يجعل لنا فيه البركة. فحقق الله رجاءها. واليتم والفقر نقص في حق الخلق؛ فلما صار محمد ﵊ مع هذين الوصفين أكرم الخلق، كان ذلك قلبا للعادة، فكان من جنس المعجزات، وقد قيل لجعفر الصادق: لم يتم ﷺ من أبويه؟ قال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق، وأيضا لينظر ﷺ إذا وصل إلى مدارع «٢» عزه لأوائل أمره، ليعلم أن العزيز من أعزّه الله تعالى: وأنّ قوّته ليست من الاباء والأمهات، ولا من المال، بل قوتّه من الله تعالى، وأيضا ليرحم الفقراء والأيتام، وقد قال ﷺ : «ارحموا اليتامي، وأكرموا الغرباء؛ فإني كنت في الصغر يتيما وفي الكبر غريبا» «٣» .
стр. 114
* وبعد ذلك مضت حليمة «١» به إلى بلادها عند سعد بن بكر، فأتاه الملكان هناك وشقّا صدره الشريف وأخرجا قلبه فغسلاه بماء الثلج في طست من ذهب، وملاه حكمة وإيمانا، واستخرجا حظ الشيطان منه (وهى مضغة سوداء) وفي رواية علقة، فلما علمت حليمة بذلك رجعت به إلى مكة لأهله بعد أن أقام نحو أربعة أعوام، فردّته إلى أمه. وشقّ صدره الشريف أيضا وهو ابن عشر سنين، ثم عند مبعثه، ثم عند الإسراء، والشق الأوّل الذى عند حليمة كان في السنة الثالثة من مولده ﷺ ، وقيل: كان في الرابعة. ولكلّ من الثلاث حكمة، فالأولى التى كانت في زمن الطفولية؛ لتطهيره عن حالات الصبا حتّى يتصف في سن الصبا بأوصاف الرجولية، ولذلك نشأ ﵇ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان. والتى عند المبعث زيادة في الكرامة؛ ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوى في أكمل الأحوال من التطهير. والتى عند إرادة العروج إلى السماء؛ ليتأهب للمناجاة. وسكت عن حكمة شق صدره وهو ابن عشر سنين، فيحتمل أن يقال: لمّا كان العشر قريبا من سن التكليف شق صدره ﵇ وقدس حتّى لا يتلبس بشيء مما يعاب على الرجال، وقد نظم بعضهم المواطن التى شق صدره فيها ﷺ ، فقال:
أيا طالبا نظم الفرائد في عقد ... مواطن فيها شقّ صدر لذي رشد
لقد شقّ صدر للنبي محمد ... مرارا لتشريف، وذا غاية المجد
فأولي له التشريف فيها مؤثّل ... لتطهيره من مضغة في بني سعد
وثانية كانت له وهو يافع ... وثالثة للمبعث الطيب النّد
ورابعة عند العروج لرّبّه ... وذا باتفاق، فاستمع يا أخا الرشد
وخامسة فيها خلاف تركتها ... لفقدان تصحيح لما عند ذي النقد
والحكمة في غسله بماء الثلج والبرد هى مع ما فيهما من الصفاء وعدم التكدر
стр. 115
بالأجزاء الترابية التي هى محل الأرجاس وعنصر الأكدار: الإيماء إلى أن الوقت يصفو له ولأمته، ويروق لشريعته الغرّاء وسنته، والإشارة إلى ثلوج صدره، أى انشراحه بالنصر على أعدائه والظفر بهم، والإيذان ببرودة قلبه (أى طمأنينته على أمته بالمغفرة لهم والتجاوز عن سيئاتهم) . وقال ابن دحية: «إنما غسل قلبه بالثلج؛ لما يشعر به الثلج من ثلج اليقين إلى قلبه» . وقد كان ﷺ يقول بين التكبير والقراءة: «اللهم اغسلنى من خطاياى بالثلج والبرد» «١» خصّهما بالذكر تأكيدا للطهارة ومبالغة فيها، لأنهما ما ان مفطوران على خلقتهما لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي، ولم تخضهما الأرجل كسائر المياه التي خالطت التراب وجرت في الأنهار وجمعت في الحياض، فكانا أحقّ بكمال الطهارة. وأراد تعالى أن يغسل قلبه بماء حمل من الجنة، وطست مليء حكمة وإيمانا؛ ليعرف قلبه طيب الجنة ويجد حلاوتها؛ فيكون في الدنيا أزهد، وعلى دعوة الخلق إلى الجنة أحرص، ولأنه كان له أعداء يتقوّلون عليه، فأراد الله تعالى أن ينفى عنه طبع البشرية من ضيق الصدر وسوء مقالات الأعداء، فغسل قلبه ليورث ذلك صدره سعة ويفارقه الضيق كما قال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [الحجر: ٩٧] ؛ فغسل قلبه غير مرة، فصار بحيث إذا ضرب أو شجّ رأسه وشظيت رباعيته كما في يوم أحد يقول: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» «٢» .
ولما أكمل ست سنين توجّهت أمه مع أم أيمن حاضنته ﵊ لزيارة أخوال أبيه بنى النجار، وأقاموا شهرا ورجعوا ذاهبين إلى مكة، فلما نزلوا بالأبواء (محل بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب) ماتت أمه، فدخلت به أم أيمن مكة، وكان يقول لها: «أنت أمّى بعد أمي» أى في الاحترام؛ لأنها قامت مقام أمه في تربيته.
فضمّه جده عبد المطلب، وكان يرقّ عليه ويعلى منزلته ويقول: إن لولدى هذا شأنا عظيما. وكان أبوه عبد الله مات وله سنتان، وقيل وهو حمل، لأن عبد المطلب كان يبعثه إلى غزة من الشام يمتار لهم طعاما مع تجار من قريش، فلما رجعوا مرض عبد الله؛ فلما دخلوا إلى المدينة تخلّف بها عند أخواله بنى النجار،
стр. 116
ثم مات بها، وله ثلاثون سنة. ولما بلغت وفاته عبد المطلب وجد عليه وجدا شديدا، والصحيح أن النبى ﷺ كانت وفاة أبيه بعد شهرين من حمل أمه به، وخلّف عبد الله جاريته أم أيمن وخمسة أجمال، وقطعة غنم، فورث ذلك رسول الله ﷺ من أبويه، وكفله جده عبد المطلب حتّى مات والمصطفى ﷺ ابن ثمانى سنين، ولا خلاف أن جده المذكور وأبويه ماتوا في الجاهلية؛ فإنه ما جاء الإسلام ونبيء حتّى بلغ الأربعين، وكان الناس قبل بعثته كما قال تعالى: لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «١» [ال عمران: ١٦٤] وقد أشار إلى ذلك العراقى صاحب السيرة بقوله:
مات أبوه وله عامان ... وثلث، وقيل بالنقصان
عن قدر ذا، بل صحّ كان حملا ... وأرضعته حين كان طفلا
مع عمّه حمزة ليث القوم ... ومع أبى سلمة المخزومي
ثويبة، وهى إلى أبى لهب ... أعتقها وأنه حين انقلب
هلكا: رئي يوما بشرّ حيبه ... لكن سقي بعتقه ثويبه
وبعدها حليمة السعديه ... فظفرت بالدرّة السنيه
نالت به خيرا وأيّ خير ... من سعة ورغد ومير
أقام في سعد بن بكر عندها ... أربعة الأعوام تجنى سعدها
وحين شقّ صدره جبريل ... خافت عليه حدثا يئول
ردّته سالما إلى امنه ... وخرجت به إلى المدينة
تزور أخوالا له فمرضت ... راجعة فقبضت وتوفيت
هناك بالأبواء وهو عمره ... ستّ سنين مع شئ يقدره
ضابطه بمائة أياما ... وقيل: بل أربعة أعواما
وحين ماتت حملته بركه ... لجدّه بمكة المباركه
كفله إلى تمام عمره ... ثمانيا ثم مضى لقبره
стр. 117
الفصل الثانى فى ذكر عمل مولده الشريف، وإشهاره كلّ سنة وفيما جرى في مولده وفيما بعده من الوقائع
فى الأخبار المشهورة أن الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجّ إيوان «١» كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرّافة إشارة إلى أنه لم يبق من ملوكهم المستبدين بالملك إلا أربعة عشر ملكا؛ فهلك عشرة في أربع سنين، وهلك أربعة إلى زمن عثمان رضى الله عنه، وزال ملكهم بالكلية. ورأى في تلك الليلة أنوشروان رؤيا أفزعته، فجمع الكهنة والسحرة والمنجمين فقصها عليهم، فدلّوه على (سطيح) الكاهن ليعبرها له، وكان مشهورا بالكهانة، فأرسل كسرى إليه وزيره، وكان سطيح يخرجه قومه على رأس كل سنة مستلقيا، فيتكلم بأحكام السنة الاتية، فلمّا خرج بدأ الكلام بالرؤيا قبل القصّ عليه، فقال: «إن كسرى رأى رؤيا هالته، رأى خيولا عربية ملأت مدينته، تسوق إبل العراق وتخرجها من البلاد؛ فالخيول العربية أصحاب النبى القرشى الهاشمى المكيّ المدنيّ الخاتم، الذى يختم الله به الأنبياء، ويأتيه الوحى من الملك الواحد الأحد الفرد الصمد، وسيفتح له البلاد والمدائن بالعراقين وغيرهما، على عدد شرّافات بقين من الإيوان حين سقوطه ليلة ميلاده، الحذر الحذر من مخالفته، من كل من وصل إلى زمن دعوته!» ثم بكى سطيح وقال: «ما بقي من عمرى إلا قليل، لا أدرك بعثة النبى الجليل» قال: فرجع وزير كسرى القهقري، فأخبر الملك بما أخبر به سطيح، فوقع ما قال مما قدّره القادر المتعال.
[الاحتفال بالمولد] :
وقد سبق لنا في الفصل الأوّل من الباب الأوّل: أن (ثويبة) جارية أبى لهب لمّا بشّرته بولادته ﷺ أعتقها عتقا منجزا، ثم جعلها ترضعه بعد ولادته أياما، فخفّف الله عنه العذاب كل يوم اثنين الذى هو يوم مولده، ولعل تخفيف عذابه
стр. 118
بالنّظر لذنب غير الكفر، حيث لا مانع من تخفيفه، أو هذا التخفيف خاص به وبمن ورد فيه النص، وهذا إكرام لمن وقع البرّ لأجله، وهو النبى ﷺ ، فلا غرابة فى أنّ مولده الشريف على تداول الأيام صار متّبعا من جميع الناس، أكابر وأصاغر، وإن كان بدعة فهو من البدع المحمودة، وابتداعه مبنى على قاعدة الشكر للمولى في إيجاده، والواقع أن الأصل في حسن البدعة وقبحها أن تعرض على قواعد الشريعة: فما تدخل في قواعده من الأحكام الخمسة «١» تنسب إليه، وكم من سنن ابتدعت على طريق القرب إلى الله تعالى وصارت ملحقة بالسنّة الشريفة، والمولد النبوى منها، إذ لا ضرر ولا ضرار في فعله لمن أراد ذلك في ربيع الأوّل أو غيره، بل نصّ ابن الجوزى أنه مما جرّب أنّ فعله يورث الأمان التام في ذلك العام، كما سيأتي، وإن قال ما قال فيه تاج الدين الفاكهانى المالكى من الإنكار، وتعقّبه الجلال السيوطى وردّ عليه الردّ التام بسلوك طريق الاستدلال والاستظهار، وحكم بينهما «٢» العلّامة الشيخ عبد السلام اللقانى المالكي، وقضى بينهما بقول فصل وحكم عدل يشهد له بالفضل، أشبع في مقاله بالنصوص القاطعة والحجج الدّاحضة بما يقنع من الدليل ويشفى الغليل، ويكشف عن وجوه البدع قناع التأويل، فلنذكر كلامه في هذا المعنى برمّته مع بعض تصرف في العبارة، وإن كان فيه تكرار شيء مما سبق، حيث هو مؤكد له ومزيل الغطاء عن غمته.
ونصّ عبارة الشيخ عبد السلام اللقافي: المنقولة من مسودّة حاشية له على بعض السير النبوية:
«وقد أردت إيراد بعض فوائد تتعلق بالمولد الشريف مما ذكره النجم «٣» وغيره فأقول مستعينا به سبحانه:
اعلم أن الناس اختلفوا في عمل المولد واجتماع الناس له، والذى صرّح به العلّامة تاج الدّين الفاكهانى المالكى- ﵀ أنه بدعة مذمومة، وألّف فى ذلك كتابا صدّر ديباجته بقوله بعد البسملة والحمدلة وما يطلب له الإتيان به:
стр. 119
«أما بعد: فقد تكرر سؤال جماعة عن الاجتماع الذى يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأوّل ويسمّونه المولد، هل له أصل في الشرع؟ أو هو بدعة حدثت في الدين؟ وقصته والجواب عن ذلك مبينا، والإيضاح عنه معينا:
«قلت، وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولم ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدّين، المستمسكون باثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، وشهرة اعتنى بها الأكّالون، بدليل أنّا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، أو مكروها، أو محرّما. وليس بواجب إجماعا، ولا مندوبا؛ لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشارع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة، ولا التابعون المتدينون فيما علمت، وهذا جوابى عنه بين يدى الله إن سئلت عنه، ولا جائز أن يكون مباحا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما، وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين، أحدهما أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الاثام، وهذا الذى وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمى أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سرج الأزمنة وزين الأمكنة، والثانى أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتّى يعطى أحدهم الشيء ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: اخذ المال بالحياء كاخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك الغناء من البطون الملأى بالات الباطل كالدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الأحداث والنساء الفاتنات، والرقص بالتثنى والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهتّك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤] ، وهذا هو الذى لا يختلف في تحريمه إنسان، ولا يستحسنه ذوو المروءة والفتيان، وإنما يحلو ذلك بنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الاثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإنّا لله وإنا إليه راجعون «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ» ، ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء
стр. 120
حيث يقول: «لا يزال الناس بخير ما تعجّب من العجب» ، هذا مع أن الشهر الذى ولد فيه ﷺ ، وهو ربيع الأوّل هو بعينه الشهر الذى توفّى فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى حسن القبول» .
وتعقّبه العلّامة الجلال السيوطى مؤلّف هذا الكتاب في فتاويه، فقال: أما قوله: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة؛ فيقال عليه: نفى العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد استخرج له العلامة ابن حجر العسقلانى ﵀ أصلا من السنة، وهو ما ثبت في الصحيحين من «أن النبى ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجّى موسي، فنحن نصومه شكرا لله تعالى، فقال: أنا أحق بموسى منكم» «١» فصامه وأمر بصيامه، قال: فيستفاد منه فعل الشكر لله تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات، كالسجود والصيام والتلاوة، وأيّ نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبى نبيّ الرحمة ﷺ في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغى أن يتحرّى الوقت بعينه، فإن كان ولد ليلا فليقع الشكر بما يناسب الليل كالإطعام، وإن كان ولد نهارا (وهو الأصح) فبما يناسبه كالصيام والصدقة، ولا بد أن يكون ذلك اليوم بعينه من عدد أيام ذلك الشهر بعينه حتّى يطابق قصة موسى ﵊ في يوم عاشوراء. ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالى بعمل المولد في أى يوم من الشهر، بل توسّع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة، وفيه ما فيه، وينبغى أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما ذكروا، أما السماع واللهو وغيرهما، فما كان مباحا لعين السرور بذلك اليوم، فلا بأس به، وما كان حراما أو مكروها فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى. اهـ.
فيفهم من ذلك: أن أصل ابتداع عمل المولد الشريف مبنى على قاعدة الشكر، وعلي النعمة بإيجاد الذات المحمدية، الواسطة في خيرى الدنيا والآخرة، فلهذا خالفت هذه السنّة الحسنة اتخاذ يوم عاشوراء مأتما ومظهرا للحزن كما يفعله بعض الأعاجم، لأجل قتل الحسين بن الإمام على رضى الله تعالى عنهما،
стр. 121
فكانت هذه من البدع السيئة، ومن عمل الذين- ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا- إذ لم يأمر الله سبحانه ولا رسوله ﷺ باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما، فكيف بمن دونهم؟! والقاصّ الذى يذكر للناس قصة القتل يوم عاشوراء، ويخرق ثوبه ويكشف رأسه ويأمرهم بالقيام والتشنيع تأسّفا على المصيبة يجب أن يمنع، والمستمعون له لا يعذرون فى الاستماع.
قال الإمام الغزالى وغيره: «يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين رضى الله عنه، وحكاية ما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فإنه يهيّج على بغض الصحابة والطعن فيهم، وهم أعلام الدين الذين تلقّى عنهم أئمة الدين، وتلقينا عنهم، والطاعن فيهم طاعن في نسبه ودينه» .
وقال الإمام الشافعى وجماعة من السلف: «تلك دماء طهّر الله منها أيدينا، فلنطهّر منها ألسنتنا» «١» . انتهي
فليس لاتخاذ يوم عاشوراء مأتما مستند يتخرّج عليه، بخلاف المولد الشريف، فقد فهمت مستنده، بل هو متعدّد، فقد قال الحافظ الجلال السيوطى ﵀:
«وقد ظهر لى تخريجه (يعنى عمل المولد) على أصل اخر (يعنى غير ما ذكره الحافظ ابن حجر) وهو ما أخرجه البيهقى عن أنس أن النبى ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا الذى فعله النبى ﷺ إظهار للشكر على إيجاد الله إيّاه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته، كما كان يصلى على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات» . انتهى.
قال شيخ مشايخنا النّجم الغيطى ﵀: «وما ذكره الحافظ ابن حجر من التخريج أنسب وأظهر مما ذكره الحافظ الجلال، كما هو الظاهر؛ لأن فعل صوم عاشوراء يتكرر كل عام، وهو في وقت معين، فكان عمل المولد المذكور مثله، بخلاف العقيقة فإنها لا تتكرر، وليست مختصه بوقت معين، ولا تتقدم عليه ولا
стр. 122
تتأخر، ولأن ما فعله جده عبد المطلب من العقيقة لم يقع عنه؛ لأن ذلك كان قبل الشرع، فلا يتعلق به حكم، والعقيقة التى فعلها النبى ﷺ عنه بعد النبوة (على تقدير صحتها) كانت بعد الشّرع، فهى المشروعة والواقعة عنه؛ لأنه بعد ولادته لم يقع عنه عقيقة مشروعة، وقد قال أئمتنا: إن من بلغ ولم يعقّ عنه فحسن أن يعقّ عن نفسه، على أن ما ورد من أنه ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوة حديث منكر، كما قاله ابن حجر وغيره، بل قال النووى في شرحه المهذّب: إنه حديث باطل، فعليه يسقط التخريج المذكور أيضا بالأولى، والله أعلم.
قلت: وما ذكره النجم من أن العقيقة لا تتكرر، إنما هو للمولود الواحد، أمّا إذا تعدد فإنها تتعدد أيضا كما هو مذهبنا، وما ذكره أيضا من أنها ليست مختصة بوقت معين، فليس مذهبنا، بل المذهب أنها مختصة به، فتكون في سابع الولادة لا قبله اتفاقا، ولا بعده، فإن فات فاتت علي المشهور، كما علمته انفا.
قال الجلال: وأما قول الفاكهانى «بل هو بدعة أحدثها البطّالون الخ» يقال عليه: إنه أحدث من غير نكير منهم، وارتضاه ابن دحية، وصنّف من أجله كتابا، فهؤلاء علماء متدينون رضوه وأقرّوه، ولم ينكروه.
وقوله «ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع» يقال عليه: إن الطلب فى المندوب تارة يكون بالنص، وتارة يكون بالقياس، وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس علي الأصلين، يعنى السابقين في التخريج، وقد علمتهما، وقوله «ولا جائز أن يكون مباحا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين» كلام غير مستقيم؛ لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه، بل قد تكون أيضا مباحة ومندوبة وواجبة أهـ.
وحاصل القول في البدعة أنها لغة: ما كان مخترعا على غير مثال سابق، وشرعا: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاصّ أو العامّ، بل يكون الحامل عليه مجرد الشهوة والإرادة، أما ما أحدث مما له أصل في الشرع إما بحمل النظير على النظير، أو بغير ذلك، فإنه حسن؛ إذ هو سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين، ومن ثمّ قال عمر- رضى الله عنه- فى التراويح: «نعمت
стр. 123
البدعة هي» «١» وليس ذلك مذموما بمجرد لفظ محدث أو بدعة؛ فإن القران باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث أوّل سورة الأنبياء «٢» ، وإنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفة السنّة ودعايته إلى الضلالة.
والبدعة من حيث هى منقسمة إلى خمسة أقسام:
واجب:
وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلّته من الشرع، كتدوين القران والشرائع إذا خيف عليها الضياع؛ فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا، وإهمال ذلك حرام إجماعا، زاد بعض المتأخرين: ومن البدع الواجبة علي الكفاية الاشتغال بالعلوم العربية المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة، كالنحو والصرف والمعانى والبيان واللغة، بخلاف العروض والقوافي ونحوهما، وكالجرح والتعديل، وتمييز صحيح الأحاديث من سقيمها، وتدوين نحو الفقه وأصوله والاته، والرد على نحو القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة؛ لأن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد علي المتعين، كما دلّت عليه القواعد الشرعية، ولا يتأتّى حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب.
وحرام:
وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة، كالمحدثات من المظالم التى اخترعتها الأهواء بغيا، ولا ينبغى أن تلتبس هذه البدع بالحقوق التى تقرّرها الحكام على الرعايا بمقتضيات الأحوال عند تعطيل أموال الزكاة لإقامة شعائر الممالك. زاد بعضهم من البدع المحرمة: الاشتغال بمذاهب سائر أهل البدع المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة.
ومندوب إليه:
وهو ما تناولته قواعد النّدب وأدلته كصلاة التراويح، وإقامة أبّهة الأئمة والقضاة والحكام، على خلاف ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان تعظيم الناس في زمن الصحابة رضوان الله عليهم إنما هو بالدين وسابق الهجرة، ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن، وحدثت قرون أخر، لا
стр. 124
يعظّمون إلا بالصور، فتعيّن تفخيم الصور حتّى تحصل المصالح، وقد كان عمر رضى الله عنه يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض لعامله نصف شاة في كل يوم، لعلمه بأن الحالة التى هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس، ولم يحترموه، وتجاسروا عليه بالمخالفة؛ فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النّظام، ولذلك لما قدم الشام ووجد معاوية بن أبى سفيان قد اتخذ الحجّاب وأرخى الحجاب، واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العليّة، وسلك ما يسلكه الملوك، سأله عن ذلك، فقال له: إنّا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا، فقال له: «لا امرك ولا أنهاك» ، ومعناه أنت أعلم بحالك، هل أنت محتاج إلى هذا، فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فلا يسوغ لك التخلّق به؟ فدلّ ذلك من عمر رضى الله عنه وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأمصار والأعصار والقرون والأحوال، فكذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما، وربما وجبت في بعض الأحوال. زاد بعض المتأخرين:
ومن البدع المندوبة إحداث نحو الرّبط والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأوّل، والكلام على دقائق التصوّف والجدل، وجمع المحافل، والاستدلال فى المسائل العلمية إن قصد بذلك وجه الله تعالى.
ومكروه:
وهو ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها، كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة، وكذلك في الصحيح* خرّجه مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلتها بقيام، ومن هذا الباب الزيادة في المندوبات المحدودات، كما ورد في التسبيح عقب الفريضة ثلاثة وثلاثين، فيفعل مائة، وورد صاع في زكاة الفطر فيجعله عشرة أصوع، بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع، وقلة أدب معه «١» ، بل شأن العظماء إذا حدّدوا شيئا وقف عنده وعدّ الخروج عنه قلة أدب، والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع؛ لأنه يؤدى إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل
стр. 125
والمزيد عليه، ولذلك نهى مالك ﵀ عن اتصال صيام ستة أيام من شوال برمضان، لئلا يعتقد أنها من رمضان «١» .
وخرّج أبو داود أنّ رجلا دخل إلى مسجد رسول الله ﷺ فصلّى الفرض، وقام ليصلى ركعتين، فقال له عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «اجلس حتّى تفصل بين فرضك ونفلك؛ فبذا هلك من كان قبلنا» فقال له رسول الله ﷺ : «أصاب الله بك يا ابن الخطاب» «٢» . يريد عمر أنّ من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض فاعتقدوا الجميع واجبا، وذلك تغيير للشرائع، وهو حرام إجماعا. زاد بعضهم: ومن البدع المكروهة زخرفة المساجد وتزويق المصاحف. انتهى «٣»
ولكن قياسا على ما ذكره القليوبى من أن الاحتفال بالجنائز كان بدعة، ثم بعد أن دل على التعظيم صار مقبولا، فلا مانع أن يقاس عليه زخرفة المساجد والمصاحف، والمدار على النية وتحكيم الأحوال.
واعلم أنّ حكمنا على الزائد علي التسبيح بالكراهة إنما هو من حيث زيادته، فلا ينافى قول النووى وغيره إنه يثاب عليه، يعنى من حيث أنه ذكر، والله أعلم.
ومباح:
وهو ما تناولته الإباحة وقواعدها من الشريعة؛ كاتخاذ المناخل للدقيق، ففى الاثار «أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله ﷺ اتخاذ المناخل»
стр. 126
لأن لين العيش وإصلاحه من المباحات، فوسائله مباحة، زاد بعضهم: ومن البدع المباحة التوسع في لذيذ الماكل والمشارب والملابس وتوسيع الأكمام، وبما تقرر علم أن قوله ﷺ «إياكم ومحدثات الأمور» عامّ أريد به خاص؛ إذ سنّة الخلفاء الراشدين منها، مع أنّا أمرّنا باتباعها لرجوعها إلى أصل شرعى «١» .
قال بعض المتأخّرين: وكذلك سنتهم عامّ أريد به خاص، إذ لو فرض خليفة راشد في عامّة أمره سنّ سنة لا يعضدها دليل شرعي، امتنع اتباعها، ولا ينافى ذلك رشده؛ لأنه قد يخطيء المصيب ويزيغ المستقيم «٢» يوما ما، ففى الحديث:
«لا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة» «٣» .
ولنا قاعدة، وهي: كل حكم أجازه الشارع أو منعه وأمكن ردّه إلى أحدهما فهو واضح، فإن أجازه مرة ومنعه أخرى: فالثانى ناسخ للأوّل، وإن لم يرد عنه إجازته ولا منعه ولا أمكن ردّهما إليه بوجه: ففيه الخلاف قبل ورود الشرع، والأصح ألاحكم فلا تكليف فيه بشيء، وقيل: يرجع فيه إلى المصلحة والسياسة، فما وافقهما منه: أخذ به، وما لا: ترك، كذا قال بعض المتأخرين، ولا شك في حسنه.
وقد تكلم الإمام أبو عبد الله بن الحاج في كتابه «المدخل» على عمل المولد، فأتقن الكلام فيه جدا، وحاصله: مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، وذم ما احتوى عليه من محرمات ومنكرات.
وقال الحافظ: «أصل عمل المولد بدعة، لم ينقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمن تحرّى فى عمله المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، ومن لا فلا» .
стр. 127
وقال العلّامة صدر الدين موهوب بن عمر الجزرى الشافعي: «هذه بدعة لا بأس بها، ولا تكره البدع إلا إذا راغمت «١» السنة، وأما إذا لم تراغمها فلا تكره، ويثاب الإنسان بحسب قصده في إظهار السرور والفرح بمولد النبى ﷺ » . وقال فى موضع اخر: «هذه بدعة لا بأس بها، ولكن لا يجوز له أن يسأل الناس، بل إن كان يعلم أو يغلب على ظنه أن نفس المسئول تطيب بما يعطيه فالسؤال لذلك مباح، أرجو ألاينتهى إلى حد الكراهة» .
وقال العلامة نصير الدين المبارك الشهير بابن الطبّاخ: «ليس هذا من السنن، ولكن إذا أنفق المنفق في هذا اليوم أو تلك الليلة، وأظهر السرور فرحا بمولده ﷺ ودخوله في الوجود، وجمع جمعا أطعمهم ما يجوز، واتخذ السماع الخالى عن اجتماع الأحداث، وإنشاد ما يثير نار الشهوة من العشقيات والمشوقات للشهوات الدنيوية، كالقد والخد والعين والحاجب، وأنشد ما يشوّق إلى الآخرة ويزهّد في الدنيا، ودفع للمسمع ملبوسا، فهذا اجتماع حسن جائز يثاب قاصد ذلك وفاعله عليه إذا أحسن القصد، ولا يختص ذلك بالفقراء دون الأغنياء إلا أن يقصد مواساة الأحوج، فالفقراء أكثر ثوابا، إلا أنّ سؤال الناس ما في أيديهم لذلك فقط بدون ضرورة وحاجة مكروه، واجتماع الصلحاء فقط ليأكلوا ذلك الطعام، ويذكروا الله تعالى، ويصلّوا على رسوله ﷺ يضاعف القربات والمثوبات، أما إذا كان الاجتماع مما ينهى عنه شرعا فإنه مجمع اثام» .
وقال الحافظ أبو الخير في فتاويه: «عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده ﷺ بعمل الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهيجة الرفيعة، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. اهـ.
وقال العلامة أبو الخير ابن الجزرى المقريء: «من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، ولو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان وسرور أهل الإيمان لكفي، وإذا كان قوم عيسى اتخذوا ليلة مولده عيدا أكبر؛ فكذلك أهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر. وأكثر الناس عناية بذلك أهل مكة
стр. 128
المشرفة، ثم أهل المدينة المنورة، ثم أهل مصر في السنين المتقدمة والمتأخرة، ثم غيرهم، تقبّل الله عملهم.
وأوّل من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين به، وبه اقتدى في ذلك السلطان الملك المظفر صاحب «إربل» فى الجامع المظفرى الذى للحنابلة بصالحية دمشق ( «وإربل» مدينة بقلعة على مرحلتين من الموصل) ، فكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأوّل، ويحتفل به احتفالا هائلا. يكثر فيه من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، مما يجلّ عن الوصف، وإنفاقه بسببه ألوفا من المال الطيّب الحلال، وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية، فيخلع عليهم ويطلق لهم (يعنى الأعطية) وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار.
ولما اجتاز الحافظ ابن دحية بإربل، ووجد ملكها المظفر يعتنى بالمولد الشريف عمل له كتاب «التنوير في مولد البشير النذير» وقرأه عليه بنفسه، فأجازه على ذلك بألف دينار» .
وقال الشيخ جلال الدين المعروف بالمخلّص: «مولده ﷺ مجمّل مكرّم، قدّس يوم ولادته وشرف وعظم، وكان وجوده مبدأ سبب النجاة لمن اتبعه، وتقليل حظ جهنم ممن أعدّ لها لفرحه بولادته ﷺ . وتمت بركاته على من اهتدى به، فشابه هذا اليوم الجمعة من حيث إن يوم الجمعة لا تسعّر فيه جهنم «١» هكذا ورد عنه ﷺ ، فمن المناسب إظهار السرور، وإنفاق الميسور.
قال العلامة الشمس ابن الجوزى في اخر كتابه «التعريف بالمولد الشريف» :
«فإن قيل: فلم لم تتخذ أمته ﷺ مولده عيدا كما اتخذت أمة عيسى ﵇ ليلة مولده عيدا؟
فالجواب أنه لما كان يوم مولده ﷺ هو يوم وفاته، تكافأ السرور بالعزاء، وهذا أحسن ما خطر لى في ذلك، وقد يقال: إنه لما اختلف فيه لم يتعين، أو يقال
стр. 129
الأعياد توقيفية، ولم يشرع غير هذين اليومين (١) ، أو يقال سدا للذريعة، وما أشرت إليه أوّلا ألطف، وإلا ففى الحقيقة مولده ﷺ عيد وأيّ عيد، يشمل القريب من أمته والبعيد.
وبالجملة فالاعتناء بوقت مولده الشريف ﷺ ، والإنشاد للمدائح النبوية والزهدية والعرفانية، وإطعام الطعام والصدقات السنية أمر حسن منيف، يثاب فاعله الثواب الجزيل، بقصده الجميل، وإن كان عمله لم ينقل عن أحد من السلف الصالح والقرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعدها، فلذلك كان بدعة حسنة عند من تحقّق العلم وأتقنه، ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن العظام يحتفلون في شهر مولده خصوصا في ليلته، بعمل المولد بما ذكر، وإظهار السرور بذلك والحبور بتلك المسالك، وبعضهم يزيد على ذلك بقراءة ما صنف في المولد الشريف وما ورد فيه من الخير الثابت المنيف، على أنه ليس قيدا في استحباب عمل المولد المذكور، وإنما هو لزيادة الأجور.
وقد جرت العادة أنه إذا ساق الوعّاظ والمدّاح مولده ﷺ وذكروا وضع أمّه له ﷺ : قام أكثر الناس عند ذلك تعظيما له ﷺ ، وهذا القيام بدعة لا أصل لها، لكن لا بأس به لأجل التعظيم، بل هو فعل حسن ممن غلب عليه الحب والإجلال لذلك النبى الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وما أحسن قول الإمام أبى زكريا يحيى الصرصرى الحنبلى في بعض قصائده النبوية:
قليل لمدح المصطفي الخطّ بالذهب ... علي فضة من خطّ أحسن من كتب
وأن ينهض الأشراف عند سماعه ... قياما صفوفا أو جثيا علي الرّكب
أما الله تعظيما له كتب اسمه ... علي عرشه يا رتبة سمت الرّتب
وقد اتفق أن منشدا أنشد هذه القصيدة في ختم درس شيخ الإسلام تقيّ الدين أبى الحسن عليّ بن السبكى ﵀، وكان القضاة والأعيان مجتمعين عنده، فلما وصل المنشد في قوله:
* وأن ينهض الأشراف عند سماعه*
إلى اخر البيت، قام الشيخ في الحال على قدميه امتثالا لما ذكره الصرصري، وقام الناس كلهم وحصلت ساعة طيبة. ذكر ذلك ولده التاج السبكى في ترجمته من طبقاته.
стр. 130
* قال أبو أمامة ابن النقاش ﵀: وليلة مولده ﷺ أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره ﷺ ، وليلة القدر معطاة له، وما شرف بظهور ذات المشرّف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه، ولا نزاع في ذلك، فكانت ليلة المولد بهذا الاعتبار أفضل.
الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت بظهوره ﷺ فيها، ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر على الأصح المرتضى من تفضيل الأنبياء على الملائكة، فتكون ليلة المولد أفضل.
الثالث: أن ليلة القدر وقع التفضيل فيها على أمة محمد ﷺ ، وليلة المولد الشريف وقع التفضيل فيها على سائر الموجودات، فهو الذى بعثه الله رحمة للعالمين، فعمّت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعا، فكانت أفضل، كذا قيل.
وقوله في الوجه الأوّل «ولا نزاع في ذلك» يوهم أن ما ذكر قاعدة متفق عليها، قال أستاذنا: ولا أعلم من قالها، ويمكن دفع الفساد عنها بأن المراد ما كان شرفه لإعطائه، أعنى فقط، فلا يرد القران والنبوّة والإيمان والإسلام مثلا؛ لأن شرفها لذاتها لا لإعطائها فقط، والمراد ما كانت جهة شرفه محصورة في الإعطاء.
وقوله في الوجه الثالث: «وقع التفضيل فيها على سائر الموجودات» ، أى فساوتها وزادت عليها، والأزيد بالتفضيل فيه أزيد فضلا من غيره. وقد يقال: إن المراد أمة الدعوة لا أمة الإجابة، وغير المكلّفين لا نظر إليهم لا إعطاء ولا منعا لتعذّر ظهور الثمرة فيهم.
واعلم أن المراد من ليلة المولد خصوص تلك الليلة مع خصوص ليلة القدر التى نزل فيها القران.
* وأما النظائر فينبغى أنّ نظائر ليلة القدر أفضل من نظائر ليلة الولادة من جميع الأعوام، ويبقى النظر في ليلة الولادة وليلة الإسراء، وينبغى على القول بأن ليلة القدر أفضل منها أن تكون ليلة المولد أفضل منها، وانظر على القول
стр. 131
بأنها أفضل من ليلة القدر وحرّره؛ فإنّي لا أعلم من سبقنى إلى هذا المبحث بالخوض والتحرير: (يكفى في تفضيل ليلة المولد على ليلة الإسراء أنه لم يقع مفاضلة بينها وبين ليلة الإسراء، وإنما وقع التفضيل بين ليلة الإسراء وليلة القدر، وبين ليلة المولد وليلة القدر، حتى لو قيل بتفضيل ليلة الإسراء على ليلة القدر، لا ينتج منه فضل ليلة الإسراء على ليلة الولادة، وسيأتى في كلامه ما يؤيد ذلك في الكلام على تفضيل الليل على النهار. وسيأتى أيضا فى كلام الشيخ ما يؤيده، ثم هاهنا تنبيه وهو أنهم لم يتكلموا على ليلة حمله ﷺ بحسب المفاضلة، مع أنها أوّل زمان ظهوره الخارجي، وتنبيه اخر: وهو أنهم لم يخصوا ذلك باللحظة التى خرج فيها من الرحم، مع أنه ينبغى أن يقصر عليها لأنها لحظة الظهور، وباقى الليلة خال عنه، فحكمه حكم باقى أيام وجوده، وأما ليلة القدر فجميعها ظرف لنزول القران وقسم الأرزاق ونزول الملائكة ومحق الذنوب وإعطاء المطلوب. وانظر على القول بأنه ولد نهارا، وينبغى أن تلك اللحظة أو جميع اليوم أفضل من ليلة القدر، ومن يوم ليلة القدر، وإن كان العمل في يومها كالعمل في ليلتها، فإن قلت: فما معنى أفضلية ما ذكر من الليل وغيره لكونه خصّ بما وجد فيه دون غيره أو في نفسه؟ وما معنى أفضليته في نفسه، والزمان لا يفضّل بعضه على بعض؟
فقد قال إمام العلماء العز بن عبد السلام: «إن الأزمنة والأمكنة كلها متساوية، ويفضلان بما يقع فيهما، لا بصفات قائمة بهما، ويرجع تفضيلهما إلى ما ينيل الله العباد فيهما، وإن التفضيل الذى فيهما أن الله يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما» قلت: بل الأزمنة والأمكنة يفضل بعضها على بعض بتفضيل الله تعالى، ولا مانع أن يخص الله تعالى بعض مخلوقاته من زمان أو مكان بفضل ليس في الاخر، كما خصّ الله بعض الادميين والملائكة.
وقال الإمام تقى الدين السبكى عقب حكايته لكلام ابن عبد السلام:
«وأنا أقول: قد يكون التفضيل لذلك، وقد يكون لأمر اخر فيهما، وإن لم يكن عملا؛ فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه، وليس ذلك لمكان غيره،
стр. 132
فكيف لا يكون أفضل الأمكنة؟ وليس محل عمل لنا، فهذا معنّى غير تضعيف الأعمال فيه. انتهى
ولكن تفضيل الزمان والمكان إنما يظهر أثره غالبا باعتبار ما يقع فيه، ذكره النجم الغيطى في بعض تعاليقه. انتهي.
قال الشيخ الرحمانى في حاشيته على التحرير: «أفضل الليالى ليلة المولد، ثم ليلة القدر، ثم ليلة الإسراء، فعرفة، فالجمعة، فنصف شعبان، فالعيد. وأفضل الأيام يوم عرفة، ثم يوم نصف شعبان، ثم الجمعة، والليل أفضل من النهار» .
وعلى ذكر المولد الشريف فقد ذكر الإمام العلامّة عبد العزيز الزمزمى في همزيته المفتوحة، التى عارض بها همزية البوصيرى المضمومة التى أولها:
كيف ترقي رقيّك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء
وهمزية القيراطي المكسورة، التي أولها:
ذكر الملتقى على الصفراء ... فبكاه بدمعة حمراء
ذكر الزمزمى المولد الشريف، فناسب أن نذكر من هذه القصيدة طرفا، قال فى المطلع:
أثغور منها الصباح أضاء ... أم بروق علي النّقا تتراءى
إلى أن قال:
يوم ميلاده وليلة مسرا ... هـ ازدهى الليل والنهار ازدهاء
وسما القدر منهما بفخار ... طبّق الأرض سوددا والسماء
ملئت مكة سرورا ولم ... لا يملأ البشر قطرها سراء
وهي أرض بها الولادة والمو ... لود فيها منها ابتدا الإسراء
كان ترداده ومرباه فيها ... فجلا نور شمسه البطحاء
وعلا الأنس والوقار جبالا ... راسيات بها خصوصا حراء
كان مبدا ظهوره من حراء ... حين أنهي الخلوّ فيه خفاء
شقّ صدر له هناك وشقّ ... البدر، فالشرط كان ثمّ جزاء
أرضعته حليمة بلباها ... فغدا الحلم وصفها والحياء
стр. 133
وعلا جدّها وأسعد سعد ... إذ سقت بنته النبيّ الغذاء
فتعجّب لجدها ولها، كي ... ف حكى الوصف منهما الأسماء
تتعاطى رضاعه وهو في ... كلّ قليل ينمو بذاك نماء
خلوبا من جزالة البدو ... ما حيّر مبداه عربها العرباء
فبنى قوله على حسن وضع ... رفع اللفظ رتبة علياء
أفصح الناطقين بالضاد لما ... أن يجارى من نطقها الفصحاء
إلى أن قال:
جاء في محكم الكتاب مديح ... بالغ فيه: أخرس البلغاء
حسدته أهل الكتابين من ... «فاتحة» الأمر فامتلت شحناء
«بقرت» عن جحود من ساد قدما ... «ال عمران» ، قومهم و «النساء»
فغدت بالضلال «مائدة» الر ... أس تحاكى «أنعامهم» والشاء
أنكرته «أعرافهم» فأباح ... السيف «أنفالهم» له والدماء
منه نلنا «براءة» من لظى النا ... ر بها «يونس» الغريق النجاء
شيّبته «هود» و «يوسف» ... تحكيه مع الشيب منظرا وبهاء
خفق «الرعد» فى قلوب الأعادي ... فرقا منه، فانثنوا أصدقاء
أظهر المصطفى إلى دين «إبر ... اهيم» فى «الحجر» والمقام الدعاء
إن يلاقى أذى «فللنّحل» لسع ... لم يضر من أراد منه اجتناء
همّ قوم به «فسبحان» مولى ... صرف السوء عنه والفحشاء
لم نخف قط إذ أوينا إليه ... نعم «كهفا» منه لنا وإواء
إن تسد «مريم» بعيسى، «فطه» ... ساد عيسى والرسل و «الأنبياء»
شرع «الحجّ» فاجتلى «المؤمنون» ... «النّور» إذ تمّ نورهم والضياء
قام يتلو «الفرقان» فى حسن نظم ... جمعه اللفظ حيّر «الشعراء»
نطق «النمل» مفصحا عن معاني ... «قصص» فيه أسكت الخطباء
قصد المصطفى العدا فكسته ... نسجها «العنكبوت» منهم وقاء
غلب «الروم» فارسا مثل ما قا ... ل وحاشاه أن يقول الخطاء
حكم تاه فهم «لقمان» عنها ... عند ما فات سرّها الحكماء
стр. 134
أوجب الشكر «سجدة» فى المصلي ... حين سيل «الأحزاب» صار جفاء
صيّرتهم أيدى «سبأ» نفخة من ... «فاطر» العالمين جلّ ثناء
حاط «يس» بالملائكة «الصا ... فات» ممن أراده الأسواء
صادهم «نصره» وأهلك منهم ... «زمرا» أظهروا له البغضاء
أفسدت ذات بينهم حيلة المؤ ... من فيهم فخالفوا الخلفاء
أجمل المخبر القضية لكن ... «فصّلت» حين أظهروا الأنباء
حيلة بيّتت من الليل «شوري» ... زادها «زخرف» الحديث انطلاء
أضمرت نارها بغير «دخان» ... زعزع تملأ المعى أقذاء
أكفأت في القدور «جاثية ... الأحقاف» ريح تكافيء الأكفاء
فكفاه القتال ربّ البرايا ... ثم «بالفتح» بعد ذلك جاء
ليت شعرى أرى له «حجرات» ... خلفها حرّم الإله النداء
كل «قاف» سبيله ليس يخشي ... «ذاريات» الضلال والأهواء
«طور» مرقاه قاب قوسين يهوي ... دونه «النجم» لو أراد ارتقاء
طاعة في السما له «القمر» انشقّ ... لنصفين ثم عاد سواء
قد حباه «الرحمن» فى هذه «الوا ... قعة» السؤل منه والإرضاء
«بالحديد» اقتضت «مجادلة» القو ... ل له أن يجالد الأعداء
أحكم الرعب «حشرهم» فى حصون ... حكم الامتحان فيه الجلاء
يقدم «الصفّ» إن أتى الرجف ... و «الجمعة» ثبتا أعظم به إيتاء
خادعته «المنافقون» فصاروا ... في نهار «التغابن» الأشقياء
حين بتّ «الطلاق» من زهرة الد ... نيا بتحريمها استتمّ التقاء
ما ارتضى «الملك» بل تواضع حتي ... خال ذا النون قد حكاه اعتلاء
ترفع «الحاقة» المعارج إذ نو ... ح ينادى نفسى ويغدو «براء»
امن الجن بالنبى وألقوا ... لاستماع «المزمّل» الإصغاء
سوف يأتى مدّثرا بالمزايا ... وتميز القيامة الإيتاء
نال هذا الإنسان كلّ كمال ... نشرت مرسلاته الالاء
стр. 135
نبأ جاءه عظيم، رمى الأع ... داء في النّازعات والبغضاء
عبس المقتفى العمى منه لما ... كوّرت شمس نوره إطفاء
كبتت عصبة النّفاق به، ... وانفطرت وانتكت أشد انتكاء
طفّفوا كيلهم له فغدا الويل ... غدا للصفين جزاء
فزعوا لانشقاق إيوان كسري ... والبروج التى أشيدت بناء
استعذ بالنبى من طارق الليل ... وسبّح لربك الأسماء
هديه كم أزال غاشية عن ... ذى ضلال والفجر يجلو الغشاء
كسيت منه هذه البلد الأنو ... ار والشمس توضّح البطحاء
للحبيب: الإله بالليل الى ... والضحيي، ما نوى له بغضاء
رفع الله ذكره في ألم نشرح ... وأعلى به مكان حراء
فتمنّى مناله جبل التين ... وطور الكليم من سيناء
علق منه برفع القدر ممن ... لم يكن قط يعرف استعلاء
زلزلت من خيوله الأرض لما ... ميّلت عادياتها الأرجاء
كم بدت من سطاه قارعة في ... من حباه التكاثر الإلهاء
طيّب العصر ذكره والعداكم ... همزة باغتيابهم مشّاء
زدّت الطير عن أقاربه الفيل ... وجيشا له يسدّ الفضاء
أودع الله سرّه في قريش ... فوعوا سرّه: فصان وعاء
أرأيت الذى يكذب في تفضيلهم ... كيف أعظم الافتراء
كوثر المصطفى غدا وردهم إذ ... يصدر الكافرون عنه ظماء
جاءه النصر والفتوح فتبّت ... يدا من عاندت يداه الفضاء
نور إخلاصنا بخير البرايا ... فلق الصبح من سناه أضاء
بك صرنا يا خاتم الرسل ... للرسل علي الناس بالأدا شهداء
إلى أن قال:
فاز بالرفع مفلق لك وشّى ... (كيف ترقى) وأفحم الشعراء
وبخفض الجناب جوزى منشى ... (ذكر الملتقى) جزاء وفاء
стр. 136
جئت من بعد ذا وذاك أخيرا ... فلهذا نظمى على الفتح جاء
ركضت حلبة السباق فكانا ... سابقيها وخلفا الأكفاء
لهما تاليا أتيت وإن لم ... أك ممّن يرى لذاك كفاء
وبفكرى في بحر شعرهما غص ... ت وإن كان الغوص ليس سواء
بهما قد شرفت إذ صرت اسما ... ثالث اثنين أعجز النظراء
أمنا أن يعززا منذ حين ... بمثيل تفردا واعتلاء
فهما النيّران ما خال طرف ... لهما ثالثا يحلّ السماء
بعد دلويهما رميت بدلوى ... علّ لى حمأة تجيء وماء
وبزعمى زاحمت هذين أبغى ... بهما اليمن، لا الرّيا والمراء
سعدا فارتجيت أسعد لمّا ... سرت في الأثر أقتفى السعداء
حركات الهجاء عكس لسعدي ... فغدا الفتح مبتداها انتهاء
فلعلى أجاز منك بفتح ... حين أنهى الإنشاد والإنشاء
فأنلنى مناى واشمل قريضي ... بقبول يكسو القريض السناء
وأجزنى على الصراط إذا ما ... صاح هول الجواز: ألانجاء
يا ملاذى إذا الموازين رازت ... عملي، وهو لا يوازى الهباء
يا عياذى إذا تطايرت الصحف ... يمينا ويسرة ووراء
وبدت لى يوم الحساب أمور ... ضلّ عنّى حسابها وتناءى
وتلوّت قوائمى عند ما الأو ... صال صارت من رعدتى أشلاء
يا أماني من خيفتى هدّ روعي ... إنّ روعى أغرى بها العرواء «١»
يا غياثى إذا دنا لهب الشمس ... وأذكى لعابها الرّمضاء
أنت لى جنّة هناك ودرع ... سابغ نتّقّى به اللأواء
يا عزيز الجناب دعوة عبد ... لك في الرّقّ يستحق الولاء
كيف عبد العزيز عبدك يلقى ... ذلة أو إضاقة أو شقاء
أو يخاف الظما غدا وهو منسو ... ب لسقيا أبيك نعمت سقاء
стр. 137
إنه قارف الذنوب وأخطا ... وبك الله عنه يمحو الخطاء
فيك ظنّى ألاتخيّب ظني ... وبهذا اكتفيت نعم اكتفاء
فسلام عليك ثم صلاة ... بقضاء الفروض قامت أداء
وسلام عليك ثم صلاة ... تمنح النفس من رضاك الرّضاء
وعلى الك الذين ولا هم ... من يد الكرب ينقذ الأولياء
عدّتى عند شدتى وملاذي ... عند ما ترسل الخطوب البلاء
عقد دينى ودادهم وهواهم ... منه قلبى امتلا أتمّ امتلاء
هم إلى جودك الوسيلة إن ردّ ... نى الذنب دونه إقصاء
وعلى صحبك الجميع خصوصا ... من حوى السبق وابتدا الخلفاء
الذى جيّش الجيوش وقوّي ... عزمه يوم أمّر الأمراء
الصدّيق الصديق أفضل من ا ... من بالله ما عدا الأنبياء
ثم من بعده على مقتفيه «١» ... سننا ينتهى إليك انتماء
ترجمان المحدّثين فكم فا ... هـ بكشف فوافق الإيحاء
ثم من طال في بناء المعالى «٢» ... عند ما شاد بابنتيك البناء
الحييّ الذى استحت منه أملا ... ك السما مذ سما وزاد حياء
وعلى المرتضى وليّك وابن العمّ ... من حاز بالخصوص الإخاء
خير صهر وعاصب زوّجته ... خيرة الله: بنتك الزهراء
أصل ريحانتيك «٣» بورك أصلا ... طاب فرعاه مغرسا ونماء
أيّ سبطين قد علا بك جدا ... لهما طيب النّماء والزكاء
خير نجلين ينميان لأمّ ... أنجبت من كليهما الشرفاء
سادت الأمّ في الجنان وسادا ... فأعزّوا شبّانها والنساء
стр. 138
وسلام عليك ثم عليهم ... وعلى كل من تسجّى الكساء «١»
وعلي عمّك «٢» الذى طيّب الله ... بأنفاس روحه الشهداء
وعلى صنوه «٣» الذى بك أبقي ... لبنيه الخلافة القعساء
وسلام عليك ثمّ على أز ... واجك اللاء نلن منك الحياء
وسلام عليك ثم صلاة ... بشذا المسك يختمان الثناء
ما ابتدا مدحك امرؤ عند كرب ... فانجلى حين وافق الانتهاء
ولما بلغ ﷺ اثنتى عشرة سنة عرض لأبى طالب شخوص إلى الشام في تجارة، وكان النبى ﷺ يألفه، فسأله إخراجه معه، فأبى عليه صيانة له، فاغتم وبكي، فأخرجه، فراه راهب من الأحبار يقال له «بحيرا» وقد أظلته غمامة، فقال لأبى طالب: من هذا منك؟ قال: ابن أخي، قال: «أما ترى هذه الغمامة كيف تظله وتنتقل معه؟ والله إنه لنبى كريم، وإنى لأحسبه الذى بشّر به عيسى ﵇، فإنّ زمانه قد قرب، وينبغى أن تتحفظ به خشية أن تقتله اليهود» فردّه أبو طالب إلى مكة.
ولما جاوز سنّ رسول الله ﷺ العشرين قال له أبو طالب: يا ابن أخي إن خديجة بنت خويلد امرأة موسرة ذات تجارة عريضة، وهى محتاجة إلى مثلك فى أمانتك وطهارتك ووفائك، فلو كلّمناها فيك فوكلتك ببعض أمرها وتجارتها.
فقال رسول الله ﷺ : افعل يا عمّ ما رأيت. فسعى أبو طالب إليها فكلّمها في توكيل النبى ﷺ ببعض تجارتها، فسارعت إلى ذلك ورغبت فيه، ووجّهته إلى الشام ومعه غلام لها قيّم يقال له «ميسرة» ، فلما فرغ مما توجّه إليه، وقدم مكة أخبرها ميسرة بأمانته وطهارته ويمن طائره، وما يقول أهل الكتاب فيه، وما ظهر له من البركة وكثرة الأرباح وسهولة الأمور، وكانت خديجة امرأة حازمة عاقلة برزة «٤» مرغوبا فيها لشرفها ويسارها، فدسّت إلى رسول الله ﷺ من عرض عليه أن يتزوجها، فرغب في ذلك.
стр. 139
الفصل الثالث فى زواجه بخديجة بنت خويلد رضى الله تعالى عنها وما رزقه الله من الذرية منها
ولما كانت خديجة رضى الله تعالى عنها رئيسة شريفة، وهى يومئذ من أزكى قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا، كان كلّ من قومها حريصا على الزواج بها لو يقدر عليه، إلا أنها اجتمعت به ﷺ وقالت له: «يا ابن العم إنى قد رغبت فيك لقرابتى منك وشرفك في قومك وأمانتك فيهم وحسن خلقك وصدق حديثك، فاخطبنى من عمى عمرو بن أسد (وكان شيخا كبيرا) . فذكر ﷺ ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن عبد المطلب حتّى دخل على عمرو بن أسد فخطبها إليه، فقبل، فأمرت بشاة فذبحت واتخذت طعاما ودعت عمّها عمرا، وبعثت إلى رسول الله ﷺ فأتى ومعه حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب، ورؤساء مضر، فأكلوا، فخطب أبو طالب فقال: «الحمد (الذى جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضيء (أى أصل) معدّ، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وشوكة حرمه، وجعل لنا بيتا محفوظا وحرما امنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح، وإن كان في المال قلّ، فالمال ظلّ زائل وأمر حائل، ومحمد ممن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما اجله وعاجله كذا من مالي، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم» . فتروجها رسول الله ﷺ .
وقال في المنتقي: «فلما أتم أبو طالب خطبته تكلم ورقة بن نوفل «١» فقال:
«الحمد لله الذى جعلنا كما ذكرت، وفضّلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يردّ أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليّ معاشر قريش، بأنّى قد زوّجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربعمائة
стр. 140
دينار» .
ثم سكت ورقة وتكلّم أبو طالب، وقال: قد أحببت أن يشركك عمها. فقال عمها: اشهدوا عليّ يا معشر قريش أنى قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد، وشهد على ذلك صناديد قريش» .
وقال في السمط الثمين: «وأصدقها رسول الله ﷺ عشرين بكرة، ويمكن الجمع بتقويم الثمن بذلك، أو أنّ أحد الشيئين مهر والاخر هدية من عمه لخديجة رضى الله تعالى عنها، أو أنه ﷺ زاد ذلك في صداقها على صداق أبى طالب، فكان الكل صداقا اهـ.
وهذه الخطب بهذه المثابة تدل على أن قريشا في ذلك الزمن كانت على حظ وافر من التأنس، ولها نصيب جسيم من المهابة.
ولما تزوج خديجة رسول الله ﷺ نحر جزورا أو جزورين وأطعم الناس، وهى أول وليمة أولها ﷺ .
وقال في المنتقي: «فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن بالدفوف.
وعاشت خديجة بعد النكاح أربعا وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية أيام؛ خمس عشر سنة قبل الوحي، والباقية بعده، وكانت وفاتها في السنة العاشرة من النبوة، وكان تزوّجه بها بعد قدومه من الشام بشهرين وأيام، وكان سنّه ﷺ يومئذ نحو خمس وعشرين سنة، وسنها أربعون سنة، فكان زواجها بأشرف العرب على الإطلاق، زواج كفاءة جليلة وحسن تراض ووفاق، وولدت له ﷺ ، وبقي الخلف منهما ما تكون منه المجد في الافاق.
[أولاده من خديجة] :
ولما تزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ قبل الإسلام، ولدت منه القاسم ابن رسول الله ﷺ ، وبه كان يكني، وقد مشى وهو ابن سنتين.
وهل يجوز أن يكنى غيره ﷺ بأبى القاسم أو لا؟ خلاف. وإليه أشار بعضهم بقوله:
في كنية بقاسم خلف وقع ... فالشافعى مطلقا لها منع
ومالك جوّز، والنّهى حمل ... على الحياة، والنواوىّ جعل
هذا هو الأقرب، أما الرافعى ... منع من سمّى محمدا، فع
стр. 141
وقد روى الشيخان عن أنس رضى الله عنه: كان رسول الله ﷺ يمشى بالبقيع، فسمع قائلا يقول: يا أبا القاسم، فردّ رأسه «١» إليه، فقال الرجل: يا رسول الله إنى لم أعنك إنما دعوت فلانا. فقال رسول الله ﷺ : «تسمّوا باسمى ولا تكنوا بكنيتي، فإني جعلت قاسما أقسم بينكم» «٢» ويكنى أيضا بأبى إبراهيم، وأبى الأرامل، ذكره ابن دحية، وأبى المؤمنين من قراءة أبيّ بن كعب النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [وهو أب لهم] «٣» [الأحزاب: ٦] .
وولدت له أيضا زينب، وهى أكبر بناته ﷺ ، تزوجها أبو العاص بن الربيع، واسمه لقيط بن الربيع، وهو ابن خالتها، وأمه هالة بنت خويلد بن أسد، وكان تزويجه إياها قبل الإسلام، فلما أكرم الله رسوله ﷺ بالرسالة أسلمت خديجة «٤» كما سيأتى وبناته، وصدّقته زينب، وثبت أبو العاص على دين قريش، وكان من معدودى قريش ورجال مكة مالا وأمانة وتجارة، فمشت إليه وجوه قريش، فقالوا:
اردد على محمد بنته، ونحن نزوّجك أية امرأة أحببت من قريش، فقال: لا، والله إذن لا أفارق صاحبتى فإنها خير صاحبة. وكانت هاجرت قبله وتركته على شركه. وقد أسلم أبو العاص بعد أمور طويلة، فردّ رسول الله ﷺ زينب عليه
стр. 142
بنكاح جديد، ويقال بل ردّها بالنكاح الأوّل بعد سنتين، وقيل قبل انقضاء العدة، وكان ذلك في المحرم سنة سبع من الهجرة.
ولما أسلم أبو العاص أتى مكة ثم رجع إلى المدينة، فكان بها، فلما فتحت مكة أقام بها ولم يقاتل مع النبى ﷺ ، وتوفى سنة اثنتى عشرة، وأوصى إلى الزبير ابن العوام وهو ابن خاله. وكان لأبى العاص بن الربيع من زينب: عليّ وأمامة؛ فأما عليّ فمات وهو غلام، ولم يعقب، وأما أمامة فتزوجها علي بن أبى طالب بعد وفاة فاطمة رضى الله تعالى عنها فولدت له محمدا الأوسط «١» ، وقتل رضى الله عنه وهى عنده، فحملها ابن همها عبد الرحمن بن محمد إلى المدينة، وكتب معاوية رضى الله عنه إلى مروان بن الحكم يأمره أن يخطبها عليه، ففعل، فجعلت أمرها إلى المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وهو الذى كان الحسين بن علي استخلفه على الكوفة حين سار إلى المدائن، فأشهد المغيرة عليها برضاها بكل ما يصنع، فلما استوثق منها قال: «قد تزوجتها وأصدقتها أربعمائة دينار» فكتب مروان بذلك إلى معاوية، فكتب إليه: هى أملك بنفسها فدعها وما اختارت «٢» . ثم إنه بعد ذلك سيّر المغيرة إلى الصفراء فمات وماتت بالصفراء، وولدت للمغيرة ولدا اسمه يحيى كان يكنى به ولم يعقب، وتوفيت زينب بنت رسول الله ﷺ سنة ثمان من الهجرة بالمدينة، وصلّى عليها رسول الله ﷺ ، ونزل في قبرها ومعه أبو العاص، وجعل لها نعشا، فكانت أوّل من اتّخذ لها النعش، والتى أشارت باتخاذه أسماء بنت عميس، رأته بالحبشة وهى مع زوجها جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه.
* وولدت خديجة لرسول الله ﷺ رقيّة (وهى أكبر بناته بعد زينب) ، تزوجها عتبة بن أبى لهب، فلما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ قالت أمه (أم جميل) حَمَّالَةَ الْحَطَبِ: «هجانا محمد» ، وعزمت على ابنها عتبة أن يطلّق رقية، وعزم عليه أبوه أيضا، ففعل. فزوّجها رسول الله ﷺ من عثمان بن عفان
стр. 143
بمكة، فولدت له بأرض الحبشة عبد الله، وبه كان يكني، مات عبد الله سنة أربع في جمادى الأولى وهو ابن ست سنين، نقر عينه ديك فورم وجهه، فمرض من ذلك ومات، وصلّى عليه النبى ﷺ وقبره أبوه، ولمّا مات عبد الله ابن عثمان وضعه رسول الله ﷺ في حجره ودمعت عليه عيناه، وقال: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» «١» ، وتوفيت رقية في أيام بدر، وهى عند عثمان، ودفنت بالبقيع، وصلّى عليها عثمان وغسلتها أم أيمن، ولم يحضرها رسول الله ﷺ لكونه كان غائبا ببدر، ولما عزّى بها قال: «الحمد لله دفن البنات من المكرمات» .
* وولدت خديجة رضى الله تعالى عنها لرسول الله ﷺ : أم كلثوم، ولا يعرف لها اسم، وإنما تعرف بكنيتها، تزوجها عتيبة بن أبى لهب، فلما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أمر ابنه بفراقها ففعل، فلما توفيت رقية زوّج رسول الله ﷺ أم كلثوم من عثمان أيضا، فلم تزل عنده حتّى توفيت في سنة تسع، وصلّى عليها أبوها) ، ولم تلد من عثمان، فبكى عثمان، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ قال: انقطاع صهرى منك يا رسول الله، فقال: «كلا إنه لا يقطع الصهر الموت إنما يقطعه الطلاق، ولو كانت عندنا ثالثة لزوّجناك» «٢» .
* وولدت خديجة لرسول الله ﷺ : فاطمة، وهى أصغر بناته، ولدت قبل النبوة بخمس سنين «٣» أيام بناء البيت، وتوفيت بعده ﵇ بستة أشهر، وتلقّب بالبتول من البتل: وهو القطع لانقطاعها عن نساء الأمة، فضلا ودينا وحسبا ونسبا، وتلقب أيضا بالزهراء «٤» ، وسمّاها رسول الله ﷺ فاطمة بإلهام من الله تعالى؛ لأن الله تعالى «فطمها وذريتها من النار» «٥» وكانت أحبّ أولاده ﷺ ،
стр. 144
فكانت إذا دخلت عليه ﷺ قام لها إجلالا، والأحاديث في فضلها كثيرة، ولما بلغت خمس عشرة سنة تزوجها علي بن أبى طالب بالمدينة، فولدت له:
الحسن والحسين رضى الله عنهما ومحسن، درج «١» صغيرا، وولدت له من البنات: زينب، وأم كلثوم، ورقية. وسيأتى الكلام عليهن.
وقد اختص ولداها السبطان بمزايا لا توجد في غيرهما، فنسبوا إليه ﷺ خصوصية لهم، فلم تكن الأشرفية المطلقة إلا لعقب الحسن والحسين فقط؛ لاختصاص ذريتهما بشرف النسب، وقد انقرض نسبه ﷺ إلا من فاطمة رضى الله عنها، طاب أصلها أمّا وأبا، وانتشر نسله الشريف منها من جهة السبطين، ويقال لأولهما حسنى، وللثانى حسيني، وانعقد الإجماع بأن المراد بال البيت في الاية الشريفة: على وفاطمة والحسن والحسين وذريتهما، وهم أهل العباءة.
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود (المرط بالكسر كساء من صوف أو خز والجمع مروط وربما أطلق على ما نسج من الشعر، قال بعضهم وهو خاص بالإزار والخمار) فجاء الحسن، فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: ٣٣] وقال:
«اللهمّ هؤلاء أهل بيتى وخاصتى أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا «٢» ثم قال: أنا حرب لمن حاربهم وسلّم لمن سالمهم، وعدوّ لمن عاداهم «٣» » .
وهذه الاية دلّت على منبع فضائل أهل البيت النبوي؛ لاشتمالها على غرر من ماثرهم والاعتناء بشأنهم، حيث ابتدئت بإنما المفيدة لحصر إرادته تعالى في
стр. 145
إذهاب الرجس أى الإثم عنهم، وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة، وتحريمهم علي النار الذى هو فائدة ذلك التطهير وغايته؛ إذ منه الإلهام والإنابة إلى الله وإدامة الأعمال الصالحة، ومن ثمّ لما ذهبت عنهم الخلافة الظاهرة لكونها صارت ملكا عضوضا ولم تتم للحسن، عوّضوا عنها الخلافة الباطنة، وهى القطبية، فلم يكن قطب إلا منهم في كل زمان، وهو المختار خلافا للمرسي.
ومن تطهيرهم أيضا تحريم الصدقة عليهم فرضا بالإجماع. ونفلا على قول للإمام مالك؛ لأنها أوساخ الناس، مع كونها تنبئ عن ذل الاخذ وعز المأخوذ منه، وعوّضوا عنها خمس الخمس من الفيء والغنيمة المنبىء عن عز الاخذ وذل المأخوذ منه، فاختصوا بمشاركته ﷺ في تحريم الصدقات، ولما أخذ الحسن ابن علي رضى الله عنهما تمرة من تمر الصدقة ووضعه في فيه قال له النبى ﷺ : «كخّ كخ ارم بها أما علمت أنّا لا نأكل الصدقة» «١» وفي رواية «إنّ ال محمد لا يأكلون الصدقة» وحكمة ختم الاية «٢» به المبالغة في وصولهم لأعلاه، ودلت هذه الاية أيضا على نبوته ﷺ ، وعلى فضل أهل الكساء رضى الله تعالى عنهم.
وقد قيل في ذلك:
إنّ النبيّ محمدا ووصيّه ... وابنيه وابنته البتول الطاهره
أهل العباءة إنّني بولائهم ... أرجو السلامة والنّجا في الاخره
وقال غيره:
هم القوم من أصفاهم الودّ مخلصا ... تمسّك في أخراه بالسبب الأقوي
هم القوم فاقوا العالمين مناقبا ... محاسنها تحكى واياتها تروي
موالاتهم فرض، وحبّهم هدي ... وطاعتهم حزم، وودّهم تقوي
فلا خفاء أن من انتسب إلى رسول الله ﷺ بأم أو أب ففيه سريان لحمه ودمه الكريمين، فالمنتمى إليه هو بعضه في وجوب الإجلال والتعظيم والتعزيز