وقد روى الشيخان عن أنس رضى الله عنه: كان رسول الله ﷺ يمشى بالبقيع، فسمع قائلا يقول: يا أبا القاسم، فردّ رأسه «١» إليه، فقال الرجل: يا رسول الله إنى لم أعنك إنما دعوت فلانا. فقال رسول الله ﷺ : «تسمّوا باسمى ولا تكنوا بكنيتي، فإني جعلت قاسما أقسم بينكم» «٢» ويكنى أيضا بأبى إبراهيم، وأبى الأرامل، ذكره ابن دحية، وأبى المؤمنين من قراءة أبيّ بن كعب النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [وهو أب لهم] «٣» [الأحزاب: ٦] .
وولدت له أيضا زينب، وهى أكبر بناته ﷺ ، تزوجها أبو العاص بن الربيع، واسمه لقيط بن الربيع، وهو ابن خالتها، وأمه هالة بنت خويلد بن أسد، وكان تزويجه إياها قبل الإسلام، فلما أكرم الله رسوله ﷺ بالرسالة أسلمت خديجة «٤» كما سيأتى وبناته، وصدّقته زينب، وثبت أبو العاص على دين قريش، وكان من معدودى قريش ورجال مكة مالا وأمانة وتجارة، فمشت إليه وجوه قريش، فقالوا:
اردد على محمد بنته، ونحن نزوّجك أية امرأة أحببت من قريش، فقال: لا، والله إذن لا أفارق صاحبتى فإنها خير صاحبة. وكانت هاجرت قبله وتركته على شركه. وقد أسلم أبو العاص بعد أمور طويلة، فردّ رسول الله ﷺ زينب عليه
стр. 142
بنكاح جديد، ويقال بل ردّها بالنكاح الأوّل بعد سنتين، وقيل قبل انقضاء العدة، وكان ذلك في المحرم سنة سبع من الهجرة.
ولما أسلم أبو العاص أتى مكة ثم رجع إلى المدينة، فكان بها، فلما فتحت مكة أقام بها ولم يقاتل مع النبى ﷺ ، وتوفى سنة اثنتى عشرة، وأوصى إلى الزبير ابن العوام وهو ابن خاله. وكان لأبى العاص بن الربيع من زينب: عليّ وأمامة؛ فأما عليّ فمات وهو غلام، ولم يعقب، وأما أمامة فتزوجها علي بن أبى طالب بعد وفاة فاطمة رضى الله تعالى عنها فولدت له محمدا الأوسط «١» ، وقتل رضى الله عنه وهى عنده، فحملها ابن همها عبد الرحمن بن محمد إلى المدينة، وكتب معاوية رضى الله عنه إلى مروان بن الحكم يأمره أن يخطبها عليه، ففعل، فجعلت أمرها إلى المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وهو الذى كان الحسين بن علي استخلفه على الكوفة حين سار إلى المدائن، فأشهد المغيرة عليها برضاها بكل ما يصنع، فلما استوثق منها قال: «قد تزوجتها وأصدقتها أربعمائة دينار» فكتب مروان بذلك إلى معاوية، فكتب إليه: هى أملك بنفسها فدعها وما اختارت «٢» . ثم إنه بعد ذلك سيّر المغيرة إلى الصفراء فمات وماتت بالصفراء، وولدت للمغيرة ولدا اسمه يحيى كان يكنى به ولم يعقب، وتوفيت زينب بنت رسول الله ﷺ سنة ثمان من الهجرة بالمدينة، وصلّى عليها رسول الله ﷺ ، ونزل في قبرها ومعه أبو العاص، وجعل لها نعشا، فكانت أوّل من اتّخذ لها النعش، والتى أشارت باتخاذه أسماء بنت عميس، رأته بالحبشة وهى مع زوجها جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه.
* وولدت خديجة لرسول الله ﷺ رقيّة (وهى أكبر بناته بعد زينب) ، تزوجها عتبة بن أبى لهب، فلما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ قالت أمه (أم جميل) حَمَّالَةَ الْحَطَبِ: «هجانا محمد» ، وعزمت على ابنها عتبة أن يطلّق رقية، وعزم عليه أبوه أيضا، ففعل. فزوّجها رسول الله ﷺ من عثمان بن عفان
стр. 143
بمكة، فولدت له بأرض الحبشة عبد الله، وبه كان يكني، مات عبد الله سنة أربع في جمادى الأولى وهو ابن ست سنين، نقر عينه ديك فورم وجهه، فمرض من ذلك ومات، وصلّى عليه النبى ﷺ وقبره أبوه، ولمّا مات عبد الله ابن عثمان وضعه رسول الله ﷺ في حجره ودمعت عليه عيناه، وقال: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» «١» ، وتوفيت رقية في أيام بدر، وهى عند عثمان، ودفنت بالبقيع، وصلّى عليها عثمان وغسلتها أم أيمن، ولم يحضرها رسول الله ﷺ لكونه كان غائبا ببدر، ولما عزّى بها قال: «الحمد لله دفن البنات من المكرمات» .
* وولدت خديجة رضى الله تعالى عنها لرسول الله ﷺ : أم كلثوم، ولا يعرف لها اسم، وإنما تعرف بكنيتها، تزوجها عتيبة بن أبى لهب، فلما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أمر ابنه بفراقها ففعل، فلما توفيت رقية زوّج رسول الله ﷺ أم كلثوم من عثمان أيضا، فلم تزل عنده حتّى توفيت في سنة تسع، وصلّى عليها أبوها) ، ولم تلد من عثمان، فبكى عثمان، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ قال: انقطاع صهرى منك يا رسول الله، فقال: «كلا إنه لا يقطع الصهر الموت إنما يقطعه الطلاق، ولو كانت عندنا ثالثة لزوّجناك» «٢» .
* وولدت خديجة لرسول الله ﷺ : فاطمة، وهى أصغر بناته، ولدت قبل النبوة بخمس سنين «٣» أيام بناء البيت، وتوفيت بعده ﵇ بستة أشهر، وتلقّب بالبتول من البتل: وهو القطع لانقطاعها عن نساء الأمة، فضلا ودينا وحسبا ونسبا، وتلقب أيضا بالزهراء «٤» ، وسمّاها رسول الله ﷺ فاطمة بإلهام من الله تعالى؛ لأن الله تعالى «فطمها وذريتها من النار» «٥» وكانت أحبّ أولاده ﷺ ،
стр. 144
فكانت إذا دخلت عليه ﷺ قام لها إجلالا، والأحاديث في فضلها كثيرة، ولما بلغت خمس عشرة سنة تزوجها علي بن أبى طالب بالمدينة، فولدت له:
الحسن والحسين رضى الله عنهما ومحسن، درج «١» صغيرا، وولدت له من البنات: زينب، وأم كلثوم، ورقية. وسيأتى الكلام عليهن.
وقد اختص ولداها السبطان بمزايا لا توجد في غيرهما، فنسبوا إليه ﷺ خصوصية لهم، فلم تكن الأشرفية المطلقة إلا لعقب الحسن والحسين فقط؛ لاختصاص ذريتهما بشرف النسب، وقد انقرض نسبه ﷺ إلا من فاطمة رضى الله عنها، طاب أصلها أمّا وأبا، وانتشر نسله الشريف منها من جهة السبطين، ويقال لأولهما حسنى، وللثانى حسيني، وانعقد الإجماع بأن المراد بال البيت في الاية الشريفة: على وفاطمة والحسن والحسين وذريتهما، وهم أهل العباءة.
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود (المرط بالكسر كساء من صوف أو خز والجمع مروط وربما أطلق على ما نسج من الشعر، قال بعضهم وهو خاص بالإزار والخمار) فجاء الحسن، فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: ٣٣] وقال:
«اللهمّ هؤلاء أهل بيتى وخاصتى أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا «٢» ثم قال: أنا حرب لمن حاربهم وسلّم لمن سالمهم، وعدوّ لمن عاداهم «٣» » .
وهذه الاية دلّت على منبع فضائل أهل البيت النبوي؛ لاشتمالها على غرر من ماثرهم والاعتناء بشأنهم، حيث ابتدئت بإنما المفيدة لحصر إرادته تعالى في
стр. 145
إذهاب الرجس أى الإثم عنهم، وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة، وتحريمهم علي النار الذى هو فائدة ذلك التطهير وغايته؛ إذ منه الإلهام والإنابة إلى الله وإدامة الأعمال الصالحة، ومن ثمّ لما ذهبت عنهم الخلافة الظاهرة لكونها صارت ملكا عضوضا ولم تتم للحسن، عوّضوا عنها الخلافة الباطنة، وهى القطبية، فلم يكن قطب إلا منهم في كل زمان، وهو المختار خلافا للمرسي.
ومن تطهيرهم أيضا تحريم الصدقة عليهم فرضا بالإجماع. ونفلا على قول للإمام مالك؛ لأنها أوساخ الناس، مع كونها تنبئ عن ذل الاخذ وعز المأخوذ منه، وعوّضوا عنها خمس الخمس من الفيء والغنيمة المنبىء عن عز الاخذ وذل المأخوذ منه، فاختصوا بمشاركته ﷺ في تحريم الصدقات، ولما أخذ الحسن ابن علي رضى الله عنهما تمرة من تمر الصدقة ووضعه في فيه قال له النبى ﷺ : «كخّ كخ ارم بها أما علمت أنّا لا نأكل الصدقة» «١» وفي رواية «إنّ ال محمد لا يأكلون الصدقة» وحكمة ختم الاية «٢» به المبالغة في وصولهم لأعلاه، ودلت هذه الاية أيضا على نبوته ﷺ ، وعلى فضل أهل الكساء رضى الله تعالى عنهم.
وقد قيل في ذلك:
إنّ النبيّ محمدا ووصيّه ... وابنيه وابنته البتول الطاهره
أهل العباءة إنّني بولائهم ... أرجو السلامة والنّجا في الاخره
وقال غيره:
هم القوم من أصفاهم الودّ مخلصا ... تمسّك في أخراه بالسبب الأقوي
هم القوم فاقوا العالمين مناقبا ... محاسنها تحكى واياتها تروي
موالاتهم فرض، وحبّهم هدي ... وطاعتهم حزم، وودّهم تقوي
فلا خفاء أن من انتسب إلى رسول الله ﷺ بأم أو أب ففيه سريان لحمه ودمه الكريمين، فالمنتمى إليه هو بعضه في وجوب الإجلال والتعظيم والتعزيز
стр. 146
والتوقير والبر والنصيحة؛ فبعضه ﷺ كجميعه، كما قيل في مدح شريف:
هو بعض النبي والله قد صا ... غ جميع النبىّ والبعض طهرا
وتوضيح ذلك أن فاطمة رضى الله عنها بضعته ﷺ ، وأولادها بضعة منها، فهم بضعة من تلك البضعة، فيكونون بضعة بواسطة تلك البضعة، وهكذا بنوهم وبنو بنيهم وهلم جرا، فكل من يوجد منهم في كل زمان بضعة منه بالواسطة؛ فأقيم وجودهم مقام وجوده ﷺ ، وفي هذا من مزيد الكرامة والتشريف ما لا يخفي، وحرمته ﷺ ميتا كحرمته حيا، وقد قال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشوري: ٢٣] أى أن تودوا قرابتي.
ويطلق أهل البيت إطلاقا اخر على كل حسنى وحسيني، وعلويّ من ذرية محمد ابن الحنفية أو غيره من أولاد علي بن أبى طالب أو جعفر، أو عقيلىّ أو عباسيّ فيطلق عليه اسم الشريف، ولذلك تجد تاريخ الحافظ الذهبى مشحونا في التراجم بذلك، يقول: الشريف العباسى، الشريف العقيلي، الشريف الجعفرى، الشريف الزينبي، فلما ولى الخلافة الفاطميون بمصر قصروا اسم الشريف على ذرية الحسن والحسين فقط؛ لكونهم علويين، فاستمر بذلك إلى الان.
قال الحافظ ابن حجر في كتاب «الألقاب» : «الشريف ببغداد لقب لكل عباسي، وبمصر لقب لكل علوي» . اهـ.
قال العلامة الصبّان: «ولا شك أن المصطلح القديم أولي؛ وهو إطلاقه على كل علوى وجعفرى وعقيلى وعباسى كما صنعه الذهبي، وكما أشار إليه الماوردي، ومثله قول ابن مالك في الألفية:
* واله المستكملين الشّرفا*
وقد يقال على اصطلاح أهل مصر: الشرف أنواع: عامّ: لجميع أهل البيت، وخاصّ: بالذرية فيدخل فيه الزينبيون وجميع أولاد بناته، وأخصّ منه: وهو شرف النسبة، وهذا مختص بذرية الحسن والحسين.» انتهي.
وبالجملة فيجب تعظيم الجميع؛ لأنهم جميعا قربى وأشراف بالمصطلح العام.
وقد أراد بعض العلماء أن يقبّل يد بعض كبار الأشراف، فمنعه من ذلك، فأنشده:
стр. 147
أتمنعني اللثم من راحة ... نماها إلى الهاشمي الكرام
كأنّي إذا أنا قبّلتها ... لثمت يديه ﵇
وحسب أهل البيت من الكرامة قوله ﷺ : «وعدنى ربى في أهل بيتي: من أقرّ منهم بالواحدانية، ولى بالبلاغ: ألايعذّبه» «١» .
ومن الاثار الواردة عن سيدنا الحسين بن علي رضى الله عنهما أنه قال:
«الزموا مودتنا أهل البيت؛ فإنّ من لقى الله وهو يودّنا دخل الجنة بشفاعتنا» .
ولنا أبيات في ذلك وهي:
انتمائي لكم بصفو صفاتي ... يا ال بيت الزهراء أزهي صفاتي
جدّكم في الوجود شمس وأنتم ... أنجم زهر غير منكسفات
أنتم بضعة النبيّ نشأتم ... عن صفيّ من بضعة مصطفاة
سيّد الكونين أصلا وفرعا ... في شعاب علي العلي مشرفات
أبطحيّ، لولاه ما فاح من م ... كة عرف التعريف في عرفات
لا ولا كان أهل بدر بدورا ... يتبوأن في علي الغرفات
لسواكم ما رمت قطّ التفاتا ... وإليكم صرفت كلّ التفاتى
حاش لله أن أضام وأنتم ... ملجأ اللائذين كهف العفاة
ويقينى أرجو به أن يقينى ... من عظيم الأهوال والافات
كم مجير منكم حمي مستجيرا ... وأغاث الملهوف بالمرهفات
كم لكم بالنّوال دنيا وأخرى ... من أياد علي الوري عاطفات
بخلوص المديح أرجو خلاصى ... من مساوي أيامي السالفات
إن نظمتم رفاعة في ولاكم ... حاز أمنا من سطوة المرجفات
فأمانى من حادثات زمانى ... انتمائي لكم بصفو صفاتى
стр. 148
ومن خصوصيات السيدة فاطمة رضى الله تعالى عنها أنه يحرم التزوج عليها؛ مخافة إيذائها بالغيرة التى هى من طبع النساء، للأحاديث الدالة على تحريم النكاح عليها حتّى تأذن، ولقوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣] وليس ذلك شاملا لجميع بناته ﷺ بل هو خاصّ كما استصوبه الحافظ ابن حجر بفاطمة الزهراء؛ لأنها أصيبت بأمها وأخواتها واحدة واحدة، ولم يبق لها من تستأنس به ممن يخفّف عنها ألم الغيرة «١» . وتوفيت رضى الله عنها في ثالث رمضان ولها من العمر تسع وعشرون سنة، بعد وفاته ﷺ بستة أشهر، وصلّى عليها العباس رضى الله عنه «٢» .
* وولدت السيدة فاطمة رضى الله عنها زينب وأمّ كلثوم ورقيّة.
فأما زينب فقد تزوجها ابن عمها عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فولدت له عليا وعونا الأكبر وعباسا ومحمدا، وأمّ كلثوم.
وأما أم كلثوم فإنه تزوجها عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فولدت له زيدا ورقية، ولم يعقبا، وقتل عمر بن الخطاب عنها، ثم تزوجها بعده ابن عمها عون ابن جعفر بن أبى طالب فمات عنها، ثم تزوجها بعده أخوه محمد فمات عنها، ثم تزوجها بعده أخوه عبد الله فماتت عنده، ولم تلد لأحد من الثلاثة شيئا،
стр. 149
وتوفيت أم كلثوم وابنها زيد في يوم واحد «١» وصلّى عليهما عبد الله بن عمر رضى الله عنهما.
وأما رقية فماتت قبل البلوغ.
وولدت السيدة خديجة لرسول الله ﷺ : عبد الله، وهو الملقب بالطيّب والطاهر، سمى بهذين الاسمين لأنه ولد بعد المبعث وتوفى بمكة؛ فقال العاص بن وائل:
قد انقطع ولد محمد فهو أبتر، فأنزل الله : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ٣] وانكسفت الشمس* يوم موته، فقالوا: كسفت لموته، فقال ﵊: «إن الشمس والقمر ايتان من ايات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة» «٢» وسبب ذلك أنه إذا أراد الله أن يرى عباده اية يخوّفهم بها أظهر لهم شيئا من عظمته وسلطانه. ولما مات بكى عليه ﷺ ، وقال: «البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان» «٣» ، وقال: «من لا يرحم لا يرحم» «٤» . ورأى ﷺ خللا في قبر إبراهيم فقال: «إن الله يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه» ٥ «٥» .
стр. 150
فهؤلاء أولاده ﷺ ، كلهم من خديجة الكبرى أم المؤمنين رضى الله عنها.
وأما ابنه إبراهيم فمن مارية بنت شمعون القبطية «١» . ومات جميع أولاده ﷺ في حياته إلا فاطمة فبعده بستة أشهر، ولم يكن له ﷺ أولاد من غيرهما، وقيل: إن عائشة أسقطت سقطا ولم يثبت. توفى إبراهيم صغيرا مرضعا، وكان مولده في ذى الحجة سنة ثمان من الهجرة بالعالية، وهى مال من أموال بنى النضير كان لرسول الله ﷺ . وعقّ عنه رسول الله ﷺ بشاة، وفي رواية بكبشين يوم سابعه، وحلق رأسه وتصدّق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض، وسمّاه يومئذ، ودفعه رسول الله ﷺ إلى أم بردة خولة بنت المنذر زوج البراء بن أوس أحد بنى النجار، فكانت ترضعه. والعقيقة هذه إحدى الولائم.
الثانية: وليمة العرس. الثالثة: الخرس (بضم الخاء المعجمة ويقال بالصاد المهملة) طعام الولادة وهى غير العقيقة. الرابعة: الإعذار (بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة) للختان. الخامسة: الوكيرة «٢» لبناء الدار. السادسة:
النقيعة للمسافر «٣» من النقع، وهو الغبار، وقيل: إن المسافر يصنع الطعام، وقيل يصنعه له غيره، السابعة: الوضيمة «٤» بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة: طعام عند المأتم. الثامنة: المأدبة بضم الدال وفتحها (طعام يتخذ ضيافة بلا سبب) ونظمها العلّامة بهرام المالكى ﵀ فقال:
ثمانية أسماء أطعمه أتت ... عن العرب نقلا لا تري بقياس
وليمة عرس، ثم إعذار خاتن، ... نقيعة سفر، ثم خرس نفاس
ومأدبة في دعوة، ووكيرة ... لأجل بناء محكم بأساس
عقيقة مولود، كذاك حذاقه «٥» ... إذا حذقه حاذي وقيت من الباس
стр. 151
لكنه جعل الحذاق بدل الوضيمة، فهى حينئذ تسعة، وزيد أيضا الإملاك:
للعقد، والعتيرة: ذبيحة لأوّل شهر رجب، وعلى هذا فأسماء الأطعمة أحد عشر.
وذيّل الشمس التتائى بالثلاثة:
وتاسعة الإملاك للعقد قد أتت ... عتيرة ذبح للأصبّ مواسي
وحادية للعشر فعل وضيمة ... بميت حماك الله شرّ أناس
وقد ورد في حديث أنس عن البيهقي: أنه ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوةّ، فلو كان ما ذبحه جده في سابع ولادته ﷺ عقيقة، لم يعيدها النبى ﷺ ويعق عن نفسه؟ وأجيب عنه بأن ما فعله النبى ﷺ بعد النبوّة ليس إعادة للعقيقة، وإنما هو إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان ﷺ يصلّى على نفسه كذلك. والجواب المشهور أن ما فعله جده عبد المطلب من العقيقة لم يقع عنه؛ لأن ذلك كان قبل الشرع، فلا يتعلق به حكم، والعقيقة التى فعلها ﷺ عنه بعد النبوّة- على تقدير صحتها- كانت بعد الشرع؛ فهي المشروعة والواقعة عنه؛ لأنه بعد ولادته لم يقع عنه عقيقة مشروعة، على أن ما ورد من أنه ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوّة إنما هو حديث منكر كما قاله بعضهم.
وقد نظم بعضهم عدة أولاد النبى ﷺ بقوله:
فأوّل ولد المصطفي القاسم الذي ... به كنية المختار فافهم وحصّلا
وزينب تتلوه، رقيّة بعدها ... وفاطمة الزهراء جاءت علي الولا
كذا أم كلثوم تعدّ، وبعدها ... في الاسلام عبد الله جاء مكمّلا
وكلّهم كانوا أتوا من خديجة ... وقد جاء إبراهيم في طيبة تلا
وتوفيت السيدة خديجة رضى الله تعالى عنها في سنة عشر من المبعث «١» قبل الهجرة بثلاث سنين، وبعد مضى عشر سنين من مبعثه ﷺ ، ودفنت بالحجون، وهى ابنة خمس وستين سنة وستة أشهر، وللنبى ﷺ عند وفاتها تسع وأربعون
стр. 152
سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما، وذلك قبل موت أبى طالب بثلاثة أيام، فعظمت المصيبة على رسول الله ﷺ بموتهما، وقال «ما نالتنى قريش بشيء أكرهه حتّى مات أبو طالب» «١» وذلك أن قريشا وصلوا من إيذائه بعد موت أبى طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته. وكان ﵊ يسمى ذلك العام عام الحزن. ونزل رسول الله ﷺ في قبر السيدة خديجة.
وكانت خديجة قبل رسول الله ﷺ عند أبى هالة هند بن زرارة بن النباش فولدت له هند بن أبى هالة، سمى باسم أبيه، ثم خلف عليها بعده عتيق بن عائذ ابن عبد الله، فطلقها، فتزوجها النبى ﷺ كما تقدّم «٢» ، وكانت مسمّاة لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤى وهو ابن عم خديجة لأنها بنت خويلد بن أسد، فاثر الله بها نبيّه ﷺ ، وكانت خديجة ولدت لعتيق السابق ذكره جارية فتزوجها صيفى بن أمية، فولدت له محمدا؛ فيقال لبنى محمد بن صيفى بالمدينة بنو الطاهرة. قالت عائشة رضى الله عنها: «إنّى لأغار على خديجة وإن كنت بعدها؛ لما كنت أسمع من ذكر رسول الله ﷺ لها، ولقد سمعته يقول «كانت خديجة خير نساء العالمين» «٣» وقال «إن لخديجة بيتا في الجنة من قصب (أى قصب اللؤلؤ) لا صخب فيه ولا نصب (الصخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصوم، ولا نصب: أي لا تعب) وإنّى لأعرف فصلها رحمها الله» «٤» .
стр. 153
* قال بعض الصوفية: إن أربعة من النساء أحببن أربعا من الأنبياء ﵈ فوجدن بذلك المغفرة:
أولاهنّ خديجة بنت خويلد: أحبت رسول الله ﷺ فوجدت بذلك المغفرة والقربة والإسلام والنجاة من عبادة الأصنام، وكانت أوّل امرأة أسلمت من نساء عصرها، وبشّرها جبريل بقصرها.
والثانية: اسية بنت مزاحم: أحبت موسى الكليم، فأوردها حبّه جنة النعيم، وبنى الله لها بيتا في الجنة وأعظم لها المنّة.
والثالثة بلقيس: أحبت سليمان بن داود ﵉، فكان حبها إياه سببا لدخولها في الإسلام، وكانت تعبد الشمس من دون الخالق، حتى بانت لها الحقائق، ووصل إليها كتاب كريم إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) [النمل: ٣٠، ٣١] ولما صحّ عندها ما يدعو إليه سليمان من الإيمان خالفت رأي قومها الظالمين، وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[النمل: ٤٤] .
والرابعة: زليخا، أحبت يوسف الصدّيق فبانت لها أبواب التحقيق، وال أمرها أن دعاها إلى الإسلام فأسلمت بين يديه، ودخلت في حظيرة أنسه، فكان دخولها فى الملة سببا للدنوّ والوصلة.
* وكان ﷺ محترما في قومه، معظما في عشيرته، رئيس قبيلته، وأرادوا تجديد بناء الكعبة؛ لكونها كانت قصيرة البناء، فأرادوا رفعها وسقفها، فهدمتها قريش ثم بنوها، فلمّا وصلوا في البناء إلى الموضع الذى يوضع فيه الحجر الأسود اختلفوا في وضعه، وقالت كل قبيلة: نحن أحق بوضعه، حتى هموا بالقتال، ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا انقطع الخلاف بينهم برضا قريش بحكمه، وكان قد بلغ خمسا وثلاثين سنة، وذلك أنهم اجتمعوا وتشاوروا، فقال أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو ابن مخزوم، وكان يومئذ أسنّ قريش: يا معشر قريش اجعلوا بينكم حكما فيما تختلفون فيه أوّل من يدخل من باب الحرم ليقضى بينكم. ففعلوا، فكان أوّل داخل رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، هذا محمد، رضيناه، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال ﷺ : «هلمّوا إليّ ثوبا» فأتى به، فأخذ الحجر فوضعه فيه بيده، ثم قال: «لتأخذ
стр. 154
كل قبيلة بطرف من الثوب، ثم ارفعوه جميعا» ، ففعلوا ذلك، فلما بلغوا به موضعه وضعه النبى ﷺ بيده الشريفة، ثم بنى عليه حتّى أتموا بناء الكعبة، فأرضى الكلّ صلوات الله عليه. وكانت قريش تسمّى رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحى «الأمين» ، وفي الجامع الصغير عن الطبراني عن أبى رافع أن النبى ﷺ قال: «أما والله إنّى لأمين في السماء وأمين في الأرض» .
وكان بناء الكعبة قبل الهجرة بثمانى عشرة سنة، وفي قضية التحكيم قال هبيرة بن وهب المخزومي:
تشاجرت الأحياء في فصل خطّة ... جرت بينهم بالنّحس من بعد أسعد
تلاقوا بها بالبعض بعد مودة ... وأوقد نارا بينهم شرّ موقد
فلما رأينا الأمر قد جدّ جدّه ... ولم يبق شيء غير سلّ المهنّد
رضينا وقلنا العدل أوّل طالع ... يجئ من البطحاء من غير موعد
ففاجأنا هذا الأمين محمد ... فقلنا رضينا بالأمين محمّد
بخير قريش كلّها أمس شيمة ... وفي اليوم مع ما يحدث الله في غد
فجاء بأمر لم ير الناس مثله ... أعمّ وأرضي في العواقب والبد
أخذنا بأطراف الرداء وكلّنا ... له حصّة من رفعها قبضة اليد
فقال ارفعوا حتّى إذا ما علت به ... أكفّهم وافى به غير مسند
وكلّ رضينا فعله وصنيعه ... فأعظم به من رأى هاد ومهتدى
وتلك يد منه علينا عظيمة ... يروح بها هذا الزمان ويغتدى
وكانت كسوة الكعبة في زمن الجاهلية المسوح والأنطاع؛ فإنّ أوّل من كساها الأنطاع تبّع الحميري؛ ثم كساها الثياب الحبرة، وفي رواية: كساها الوصائل، وهى برود حمر فيها خطوط خضر تعمل باليمن، وكانت قريش تشترك في كسوة الكعبة، حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة، فقال لقريش: أنا أكسو الكعبة سنة واحدي، وجميع قرش سنة، واستمر يفعل ذلك إلى أن مات، فسمّته قريش
стр. 155
العدل «١» لأنه عدل قريشا واحده في كسوة الكعبة، ويقال لبنيه بنو العدل. وكانت كسوتها لا تنزع، فكان كلما تجدّد كسوة تجعل فوق، فاستمر ذلك إلى زمنه ﷺ ، ثم كساها النبى ﷺ الثياب اليمانية، وكساها أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم القباطي «٢» ، وكساها معاوية رضى الله عنه الديباج يوم عاشوراء، والقباطي في اخر رمضان، وكساها المأمون الديباج الأحمر والديباج الأبيض والقباطى أيضا، فكانت تكسى الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطى يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان.
قال بعضهم: وهكذا كانت تكسى في زمن المتوكّل العباسي، ثم في زمن الناصر العباسي، كسيت السواد من الحرير، واستمر ذلك إلى الان في كل سنة، وكانت كسوتها من غلة قريتين «٣» يقال لهما «بسوس» و «سندبيس» «٤» من قرى القاهرة بإرصاد الملك الصالح بن الناصر محمد بن قلاوون في سنة سبعمائة وإحدى وخمسين، إلى أن صارت الكسوة من القاهرة المعزية، على طرف الخزينة المصرية الخديوية. وقد سئل الإمام البلقيني: هل يجوز كسوة الكعبة بالحرير المنسوج بالذهب؟ ويجوز دورانها في المحمل الشريف؟ فأجاب بجواز ذلك، قال: لما فيه من التعظيم لكسوتها الفاخرة، التى يرجى لمن يكسوها الخلع السنية في الدنيا والآخرة، ويجوز إظهارها في دوران المحمل الشريف؛ فإن في ذلك من التفخيم المناسب للحمل المنيف ما يليق بالحال. هذا كلامه.
وأوّل من حلّى بابها بالذهب جدّه ﷺ : عبد المطلب؛ فإنه لما حفر بئر زمزم وجد فيها الأسياف والغزالين من الذهب، فضرب الأسياف بابا، وجعل في ذلك الباب الغزالين، فكان أوّل ذهب حلّيت به الكعبة، وقد سبق ذلك في حفر زمزم فى الفصل الأوّل من الباب الأوّل.
وأوّل من ذهّب الكعبة في الإسلام عبد الملك بن مروان، وقيل عبد الله بن
стр. 156
الزبير رضى الله عنهما، جعل على أساطينها صفائح الذهب، وجعل مفاتيحها من الذهب، وجعل الوليد بن عبد الملك الذهب علي الميزاب، يقال إنه أرسل لعامله على مكة ستة وثلاثين ألف دينار، يضرب منها على باب الكعبة وعلى الميزاب، وعلى الأساطين التى داخلها، وعلى أركانها من داخل.
وذكر أن الأمين بن هارون بن الرشيد أرسل إلى عامله بمكة ثمانية عشر ألف دينار، ليضربها صفائح الذهب على باب الكعبة، فقلع منها ما كان على الباب من الصفائح، وزاد عليها ذلك، وجعل مساميرها وحلقتى الباب والعتبة من الذهب، وأن أم المقتدر (الخليفة العباسي) أمرت غلامها لؤلؤا أن يلبس جميع أسطوانات البيت ذهبا، ففعل، وقد سبق التنويه إلى ذلك في الفصل الثانى من الباب الثالث من المقالة الرابعة من كتابنا «أنوار توفيق الجليل» «١» .
ولما بلغ ﷺ الأربعين وأرسل بخصوصه إلى الإنس والجن أجمعين أتاه جبريل من الله بالوحي، وهو بغار حراء (الجبل المشهور بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها) الذى كان يخلو فيه للمجاورة والعبادة، وخاطبه بالرسالة الاتية بالشريعة المطهرة والحنيفية السمحة إلى كافة الخلق، فكان ذلك سببا لإسعادهم، وموجبا لصلاح معاشهم ومعادهم، وكان ذلك على فترة من الرسل؛ ليس للناس شرائع ولا أحكام، ولا علم بالتوحيد، ولا أمر شرعى يحفظ دماءهم وأموالهم، فجاءت شريعته جامعة للأحكام والحكم التى لا تحصي، والنعم التى لا تستقصي، فيا له من بعث محا الضلالة والوعث «٢» .
стр. 157
الباب الثانى فى مبعثه ﷺ ، ودعائه الناس إلى الدين الحق. وهجرة المسلمين* إلى الحبشة، وخروجه إلى الطائف
الفصل الأوّل فى رسالته ﷺ على رأس الأربعين إلى كافة الناس بشيرا ونذيرا
كان ﷺ له الرياسة المؤثلة على قومه الذين أصابوا الملك وأطاعتهم العرب واجتمع لهم ما لم يجتمع لغيرهم من مناصب الشرف في ذلك الوقت، وهي:
الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، والقيادة. فالحجابة هي: سدانة البيت الشريف، أى تولية مفتاح بيت الله تعالى. والسقاية: إسقاء الحجيج كلهم الماء العذب، وكان نادرا بمكة يجلب إليها من الخارج ليسقى الحجّاج منه، بل وينتبذ لهم التمر والزبيب للشراب أيضا. والرفادة هي: إطعام الطعام لسائر الحجاج، فكانت تمدّ لهم الأسمطة في أيام الحج. والندوة هي: المشورة، وكان يجتمع فيها من قريش ومن غيرهم من سنّه أربعون سنة فلا يعقد عقد نكاح الرجل من قريش إلا فيها. وأما اللواء: فراية معقودة على رمح ينصبونه علامة لاجتماع الجيش لحرب الأعداء، فيجتمعون تحت هذه الراية ويقاتلون عندها. والقيادة.
إمارة الجيش ورياسة الحرب.
فكان ﷺ شهير الاسم شريف النعت في مكة المشرّفة التى هى أم القري «١» ، وكان له ﷺ محاسن سنية؛ كقضائه حين حكّموه في بناء الكعبة، وكإعانته ﷺ على إبطال ما كان نواه عثمان بن حويرث لمّا تنصّر وأراد أن يجعل الكعبة تحت
стр. 158
ولاء الروم؛ فببركته ﷺ وبتوسطه في المنع خاب سعي الحويرث.
ومن محاسنه أيضا ومكارم أخلاقه كفالته ابن عمه عليّ بن أبى طالب.
ومنها فديته زيدا القضاعى بن حارثة بن شرحبيل الذى وقع أسيرا عند أعدائه، فاشتراه ﷺ وأعتقه، فظهر لقريش حكمه وكرمه، وأنه فاق في ذلك اباءه وأجداده.
قريش خيار بني ادم ... وخير قريش بنو هاشم
وخير بني هاشم كلهم ... نبيّ الإله أبو القاسم
وكان ﷺ أمّيا لا يكتب ولا يقرأ، وفي وجوده بهذه الصفة تنبيه على أنّ كمال علمه مع حالة الأمية من معجزاته، ونسبته إلى الأم كأنه على حاله التى ولد عليها، لا يعرف كتابة ولا قراءة، وفي الحديث: «إنّا أمّة أميّة لا نحسب ولا نكتب» «١» .
وكانت الأمية في حقه ﷺ معجزة، وإن كانت في حقّ غيره غير ممدوحة، قال القاضى عياض: «لأن معجزته العظمى القران العظيم، إنما هى متعلقة بطريقة المعارف والعلوم، مع ما منح ﷺ وفضّل به من ذلك، ووجود مثل ذلك ممن لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولم يلقّن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجز للبشر؛ فليس فيه إذ ذاك نقيصة؛ إذ المطلوب من القراءة والكتابة المعرفة، وإنما هى الة وواسطة موصّلة إليها، غير مرادة في نفسها، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن الواسطة» .
وقال أيضا: «إنّ من وصفه ﷺ بالأمية أو نحوها من اليتم وما جرى عليه من الأذي؛ فإن قصد بذلك مقصده من التعظيم والدلالة على نبوته ونحو ذلك كان حسنا، ومن أراد ذلك على غير وجهه، وعلم منه سوء مقصده لحق بالسّابّ، فيقتل أو يؤدّب بحسب حاله» . انتهي.
стр. 159
وكان ﷺ يختلى في كل سنة شهرا عن* أهل بيته في غار حراء «١» بقرب مكة، فيتعبد فيه الليالى ذوات العدد، غريقا في بحار الأفكار ملازما للصمت اناء الليل وأطراف النهار، حتى أتاه الوحى على رأس الأربعين سنة في محل العبادة بالنبوة، فأوّل ما بديء به من الوحى الرؤيا الصادقة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، فكانت تلك المنامات الصادقة مقدّمات للوحي، قيل مدتها ستة أشهر، ابتداؤها شهر ربيع الأوّل، ثم فجأه جبريل وهو بالغار المذكور فى شهر رمضان، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطّه «٢» حتى بلغ منه الجهد، ثم قال له: اقرأ «٣» ، فقال: ما أنا بقاريء، فغطّه كذلك، ثم أعاد جبريل فقال له: اقرأ، وأعاد محمد ﷺ فقال: ما أنا بقاريء، فقال له جبريل بعد المرة الثالثة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فقرأها.
و «ما» فى قوله «ما أنا بقاريء» نافية في الكل، أو الأولى للامتناع، والثانية للإخبار بالنفى المحض، والثالثة استفهامية، وكرر عليه الغطّ ليقبل بكلّيته ويتم توجهه لما سيلقى عليه. ولما عاد إلى خديجة وأخبرها الخبر «٤» قالت: «والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرّحم وتقرى الضيف وتحمل الكلّ وتعين على نوائب الدهر» ثم انطلقت به حتّى أتت ابن عمها ورقة بن نوفل فأخبرته خبر ما رأي، فقال له ورقة: هذا الناموس الذى أنزله الله على موسي، يا ليتنى فيها جذعا، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجيّ هم؟ قال:
стр. 160
نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي.
وفتر الوحى نحو ثلاث سنين «١» .
وإنما كان بدء الوحى بالرؤيا الصادقة لئلّا يفجأ الملك ويأتيه بصريح النبوّة بغتة فلا تقبلها القوى البشرية، فبديء بأول تباشير النبوة وخصال الكرامة تأنيسا وتمرينا له. فلما تمرن على ذلك في المنام جاءه الملك في اليقظة بصريح النبوة والكلام، ثم بعد ذلك فتر الوحي نحو ثلاث سنين فيما جزم به ابن إسحاق، وقيل سنتين ونصفا «٢» ليذهب عنه ما وجده من الرّوع وليزيد تشوّقه إلى العود، ومن ثم حزن لذلك حزنا شديدا.
* ثم نزل عليه جبريل بعد ذلك بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ.. وتتابع الوحي، فهى أوّل ما نزل عليه بعد فترة الوحي «٣» ، ونزولها ابتداء رسالته ﷺ ، فهى متأخرة عن نبوته بثلاث سنين، وقيل مقارنة لنبوته، وأما اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فهى أوّل ما نزل مطلقا، والقول بأن أوّل ما نزل مطلقا يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ باطل كما قاله النووي. وظهر من نزول اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أولا ونزول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ بعد فترة الوحى أن نبوته ﷺ كانت متقدمة على رسالته، كما صرّح به أبو عمر وغيره «٤» ، وعلى ذلك يحمل قول صاحب جامع الأصول:
стр. 161
الصحيح عند أهل العلم بالأثر أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة، فكان فى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ نبوته، وفي يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ رسالته بالنذارة والبشارة والتشريع، والاقتصار على الإنذار في هذه السورة مع أنه ﷺ بعث مبشّرا أيضا؛ لأن ذلك كان في أوّل الإسلام؛ فتعلّق الإنذار محقق، فلما أطاع من أطاع أنزل الله قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً فانقطعت الفترة بدعوته ﷺ عموم الناس للإيمان «١» .
* ثم أوّل شيء فرض الله عليه من شرائع الإسلام بعد الإنذار بالتوحيد والبراءة من الأوثان: الصلاة. أتاه جبريل فعلّمه الوضوء والصلاة ركعتين، ثم فارقه.
وعاد النبى ﷺ إلى خديجة فأخبرها، فغشي عليها من الفرح، ثم أخذ بيدها وعلّمها الوضوء فتوضأت، ثم قام فصلّى ركعتين وصلّت معه، فكان ذلك أوّل فرضها ركعتين، ثم إن الله تعالى أقرّها في السفر وأتمّها في الحضر، قال النووي: أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم فرض الله من قيام الليل ما ذكر في أوّل سورة المّزمّل بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ثم نسخه بما في اخرها بقوله فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ إذ المراد صلّوا ما تيسر لكم، وفرض عليه ركعتين بالغداة* وركعتين بالعشيّ، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة. انتهي.
* وقد اختلف العلماء في أوّل من أسلم: والصحيح: خديجة، ثم أبو بكر، ثم على
стр. 162
وكان عمره إحدى عشرة سنة، ثم زيد بن حارثة. قال الثعلبي: إجماع العلماء أن أوّل من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالى زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ، وكان قد تبناه وصار يقال له: زيد بن محمد، ولم يذكر في القران أحد من الصحابة باسمه إلا هو، كما أنه لم يذكر امرأة باسمها في القران إلا مريم. وأوّل من أسلم من العبيد الباقين على الرق: بلال المؤذن، فأول فائز بالإسلام من الرجال الصدّيق على التحقيق، وإن قال شيخ الإسلام السراج عمر البلقينى وتبعه الحافظ العراقي: إن أول من امن به من الرجال ورقة بن نوفل؛ لنزول الوحى على النبي ﷺ في حياته، وإيمانه بالنبى وتصديقه برسالته صريحا «١» أى بعدها بناء على أنهما متقارنان، أو قبلها لعلمه من الكتب القديمة كما جاء في أحاديث قصة بدء الوحى وغيرها في الصحيح وغيره، وإن مشى على ذلك أيضا جماعة من الأئمة، وعدّوه في الصحابة.
واتسع الإسلام بعد أن أسلم أبو بكر: فأسلم عثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، فهؤلاء الخمسة دعاهم أبو بكر فأجابوا، ثم أسلم أبو عبيدة (عامر بن الجراح) ، وعبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزي، وهو ابن عم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعمّار بن ياسر، فهؤلاء هم الذين سبقوا الناس إلى الإسلام.
وأوّل ما وجب الإنذار والدعاء إلى الله بالتوحيد بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ، أقام ﷺ بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله سرّا- لعدم الأمر بالإعلان، وكان لا يظهر دعوته إلا لمن يثق به، وتبعه ناس عامّة ضعفاء من الرجال والنساء، كما يشير إلى ذلك حديث: «إن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» «٢» حتى أنه ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه
стр. 163
علي بن أبى طالب مستخفيا من عمه أبى طالب، ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصلّيان الصلوات، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله ﷺ : يا ابن أخي ما هذا الدين الذى أراك تدين به؟ قال «أي عمّ هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم، بعثنى الله رسولا إلى العباد، وأنت أي عمّ أحقّ من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدي، وأحقّ من أجابنى إليه وأعاننى عليه» ، فقال أبو طالب: «أى ابن أخي، إنى لا أستطيع أن أفارق دين ابائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت» .
كفالته عليّا:
وكان مما أنعم الله به على عليّ بن أبى طالب رضى الله عنه وأراده من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله ﷺ للعباس، وكان من أيسر بنى هاشم: يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفّف من عياله؛ اخذ من بنيه رجلا وتأخذ رجلا فنكفيهما عنه» ، قال العباس:
نعم. فانطلقا حتّى أتيا أبا طالب فقالا له: إنّا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لى عقيلا فاصنعا ما شئتما، ويقال: «عقيلا وطالبا» ، وكان لأبى طالب: عليّ، وجعفر، وعقيل، وطالب، وكان عليّ أصغر من جعفر بعشر سنين، وجعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، وعقيل أصغر من طالب بعشر سنين. أسلم منهم عليّ وجعفر وعقيل، ومات طالب على دين قومه. فأخذ رسول الله ﷺ عليّا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل عليّ مع رسول الله ﷺ حتّى بعثه الله نبيا فاتّبعه وامن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتّى أسلم واستغنى عنه.
* واختلف العلماء في مقامه بمكة بعد أن أوحى إليه؛ فقيل عشر سنين، وقيل ثلاث عشرة سنة وهو الصحيح، ولعل الذى قال عشر سنين أراد بعد إظهار الدعوة؛ فإنه بقى ثلاث سنين يسرّها، ثم نزل عليه ﷺ بعد ذلك الأمر بالإعلان، وذلك في قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فأعلن ﷺ بالدعوة، وجاهره قومه بالعداوة واشتد الأذى عليه وعلى المسلمين حتّى أذن
стр. 164
لهم في الهجرة إلى الحبشة كما سيأتي.
ولما نزل قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] دعا عليّا فقال: اصنع لنا صاعا من طعام، واجعل لنا عليه رجل شاة، واملأ لنا عسّا (أي قدحا عظيما) من لبن، واجمع لى بنى المطلب حتّى أكلّمهم وأبلغهم ما أمرت به» ففعل، ودعاهم، وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس، وأحضر عليّ الطعام فأكلوا حتّى شبعوا، قال عليّ:
لقد كان الرجل الواحد منهم ليأكل جميع ما شبعوا كلهم منه «١» ، فلما فرغوا من الأكل وأراد النبى ﷺ أن يتكلم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: «سحركم محمد صاحبكم» ، فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله ﷺ . ثم قال: يا عليّ قد رأيت كيف سبقنى هذا الرجل إلى الكلام فاصنع لنا في غد كما صنعت اليوم واجمعهم ثانيا. فصنع عليّ في الغد كذلك، فلما أكلوا وشربوا اللبن، قال لهم ﷺ : «ما أعلم إنسانا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرنى الله أن أدعوكم عليه، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر ويكون أخى ووصيّى وخليفتى فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعا، قال علي: فقلت وإنى أحدثهم سنا، وأرمضهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم «٢» ساقا: أنا يا نبى الله أكون وزيرك عليهم، قال: فأخذ برقبتى ثم قال: «إن هذا أخي ووصيّى وخليفتى فيكم فاسمعوا وأطيعوا» ، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبى طالب: قد أمرك أن تسمع لعلّى وتطيع.
واستمرّ ﷺ على ما أمره الله تعالى لم يبعد عنه قومه، ولم يردّوا عليه، حتى سبّ الهتهم وعابها، ونسب قومه واباءهم إلى الكفر والضلال، فأجمعوا على عداوته إلا من عصمه الله بالإسلام. وذبّ عنه عمّه أبو طالب، فجاء أبا طالب رجال من أشراف قريش فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد عاب ديننا وسفّه أحلامنا «٣» وضلّل «٤» اباءنا؛ فانهه عنا أو خلّ بيننا وبينه. فردّهم أبو طالب ردّا حثيثا. واستمر ﷺ على ما هو عليه، فعظم عليهم، وأتوا أبا طالب ثانيا، وقالوا:
стр. 165
إن لم تنهه وإلا نازلناك وإياه حتّى يهلك أحد الفريقين. فعظم عليه، وقال لرسول الله ﷺ : يا ابن أخي إن قومك قالوا لى كذا وكذا. فظنّ ﷺ أنّ عمّه خاذله، فقال:
«يا عمّ لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في شمالى ما تركت هذا الأمر» ، ثم استعبر «١» فبكي، وقام ﷺ ، فناداه أبو طالب: أقبل يا ابن أخي وقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا.
فأخذت كل قبيلة تعذّب كلّ من أسلم منها؛ فمن لا عشيرة له تمنعه يعذبونه بأنواع التعذيب، ويقال له: «لا تزال هكذا حتّى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزّي» ومن المسلمين من مات من تعذيب المشركين، وكان بعض المشركين يؤذى رسول الله ﷺ بقولهم: إنّ ما جاء به من الايات سحر يؤثر، ومن قول البشر، وأساطير الأولين.
ومنع الله رسوله بعمّه أبى طالب، ومع ذلك فلا زال أذاهم شديدا عليه ﷺ حتى أسلم عمّه حمزة، فقلّ أذاهم، وكان إسلامه سنة خمس من النبوة، قبل إسلام عمر بن الخطاب بثلاثة أيام. وفي «المواهب اللدنية» «٢» قال حمزة حين أسلم:
خمدت الله حين هدى فؤادي ... إلي الإسلام والدين الحنيف
لدين جاء من ربّ عزيز ... خبير بالعباد بهم لطيف
إذا تليت رسائله علينا ... تحدّر دمع ذى اللّب الحصيف
رسائل جاء أحمد من هداها ... بايات مبيّنة الحروف
وأحمد مصطفى فينا مطاع ... فلا تغشوه بالقول العنيف
فلا والله نسلمه لقوم ... ولمّا نقض فيهم بالسيوف
وفي هذه السنة أعز الله الإسلام أيضا بإسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه كما سيأتى.
стр. 166
وسبب إسلام حمزة أن النبى ﷺ كان عند الصفا، فمرّ به أبو جهل بن هشام، فشتم النبيّ ﷺ فلم يكلمه، وكان حمزة في القنص*، وكان على دين قومه، فلما حضر أنبأته مولاة لعبد الله بن جدعان بشتم أبى جهل لابن أخيه ﷺ ، فغضب حمزة وقصد البيت ليطوف به وهو متوشح قوسه، فوجد أبا جهل بن هشام قاعدا مع جماعة، فضربه حمزة بالقوس فشجه، ثم قال: «أتشتم محمدا؟! أنا على دينه» . فكان إسلامه ببركته ﷺ ، فقامت رجال من بنى مخزوم لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوه فإني سببت ابن أخيه سبّا قبيحا. ودام حمزة على إسلامه، وعلمت قريش أن النبى ﷺ قد عزّ وامتنع بإسلام حمزة، فكفّوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه، وبقيت عداوتهم له، وكانوا يسمونه صابئا؛ لكونه خرج عن دين قومه؛ لأن الصابيء عند العرب من مال عن دين قومه إلى غيره.
حكى ابن الجوزى في بعض مجالس وعظه فقال: «ما خلق الله رئيسا في الخير إلا وله مقابل من أهل الشر: خلق الله ادم وإبليس، والخليل والنمروذ «١» ، وموسى وفرعون، ومحمدا ﷺ وأبا جهل، وهكذا أبدا» .
وكانت كنية أبى جهل أبا الحكم، فكناه النبى ﷺ أبا جهل، وهو عمرو بن هشام، وقد قال ﷺ : «إن لكل أمة فرعونا، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل» «٢» .
ويحكى بمناسبة ذلك أن السلطان محمود الأوّل «٣» الغازى ذهب إلى قطب الأقطاب أبى الحسن الخرقاني «٤» ليزوره، فقال: حدّثنا حديثا عن أبى يزيد (٥) لنسمعه منك، فقال الشيخ: كان أبو يزيد رجلا من أبصره نجا، ومن نظر إليه اهتدي، فقال السلطان محمود: أهو أعظم من حضرة محمد ﷺ ؟! فقد كان أبو
стр. 167
جهل وغيره من الكفار يبصرونه وينظرون إليه، كمال النظر، ولم ينجوا، بل ماتوا على الكفر؟! فأجابه الشيخ- قدّس سرّه- بأنّ هؤلاء كانوا لا يبصرون تلك الحضرة، بل كانوا يبصرون محمد بن عبد الله، وينظرون إليه بالنظر إلى أنه رجل من بنى ادم، حتى لو كانوا أبصروه بوصف كونه محمدا رسول الله لفازوا بالسعادات ونجوا من الشبهات وتنحوا عن الضلالات، ومصداق ذلك قوله جل ذكره: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف: ١٩٨] وتحقيق ذلك أن الجثة الإنسانية والصورة البشرية الجسمانية يشترك فيها الأنبياء والأولياء والعلماء، وتستوى فيها الخاصة والعامة، وإنما الذى يناط به مراتب الرجال، ويظهر تفاوت الأقدار هو المعانى والكمالات الحاصلة للإنسان، مع تفاوتها وتكثّرها المتعلقة بالقرب الإلهي، ولا يعرف صاحب هذه الأوصاف إلا الكاملون، فمن غرق في بحار الضلالات وانغمس في تيه الجهالات كيف يعرف كنه المتصف بصفات الكمالات؟!
فكيف يدرك في الدنيا حقيقته ... قوم نيام تسلّوا عنه بالحلم!
[اهـ.]
* [اشتداد الأذى عليه ﷺ ] :
فغير الاستمرار على الإيذاء لجسمه الشريف تعرضوا دائما لرميه بالسحر والكهانة والجنون، بعد ما سبق منهم قبل النبوة أنهم كانوا ينظرون إليه نظر كمال وإجلال، حتى سموه بالأمين قبل النبوة، واشتهر عندهم بهذا العنوان، ولم يجربوا عليه بعد إشهاره بذلك خللا ولا نقصا؛ فتناقض أمرهم فيه، واختل اعتقادهم بعد النبوة لعمى بصيرتهم، ورجعوا وصفوه بالجنون مثلا، ولم يكن لهم شبهة في ذلك إلا ما رأوه منه عند نزول الوحى من الاستغراق لتلقّيه، ومن خمرة الوجه وكثرة الغطيط، فعميت قلوبهم عن إدراك الفرق بين حالة نزول الملك وحالة الجنون، مما لا يخفى على أدنى عاقل، فكانوا ينظرونه كأنه رجل من بنى ادم، ولا يلتفتون إلى أمانته ولا إلى وصف النبوة.
فالمبالغة في أذى قريش للمسلمين هى التى أوجبت الهجرة إلى الحبشة مرتين، كما أن المبالغة- خصوصا في إيذائه- ﷺ هى التى أوجبت الخروج إلى الطائف ثم الهجرة إلى المدينة.
стр. 168
الفصل الثانى فى الهجرتين إلى الحبشة
* الهجرة الأولى إلى الحبشة: ولما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء والتعذيب في الإسلام، والفتنة، ورأى ما هو فيه من العافية من الله تعالى، ثمّ من عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، أذن ﷺ لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة في رجب سنة خمس من النبوة، وقال لهم: «إن بها ملكا لا يظلم الناس ببلاده، فتحوّزوا «١» عنده حتّى يأتيكم الله بفرج منه» .
وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش، فخرجوا متسللين سرا وعدّتهم اثنا عشر رجلا وأربع نسوة، وكان فيهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، فنزلوا بسفينتين للتجارة كانتا مسافرتين لذلك، حتى وصلوا للنجاشى ملك الحبشة، فكانت هذه هى أوّل هجرة في الإسلام. وكان قد خرج أثر المهاجرين جعفر بن أبى طالب مع أصحابه وزوجته أسماء بنت عميس، فتتابع المسلمون إلى الحبشة؛ فمنهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه، ولهذا صحّ للمسلمين قديما وحديثا الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام، ومن ديار الفسق إلى ديار الطاعة «٢» ؛ فعلى المسلم أن ينتقل إلى الأرض التى يخفّ فيها الفسق أو الكفر إذا لم يجد دارا محضة لأهل الإسلام والتقوي، ويشهد لذلك هجرة المسلمين من مكة، وهى إذ ذاك دار كفر وجاهلية إلى أرض الحبشة، وهى دار كفر وأهل كتاب.
стр. 169
وإنما تجب المهاجرة من أرض البدعة ما لم يتمكن المقيم بها من وظيفة حسنة كالإرشاد والهداية، فالمقام بهذا القصد أولي؛ لأن الخروج سلامة، والمقام كرامة، ولهذا لم يهاجر إلى الحبشة إلا البعض ممن حسنت هجرته، لا سيما المستضعفين «١» .
* وفي أثناء مكث المهاجرين بالحبشة في الهجرة الأولى أسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه سنة خمس من النبوة بعد إسلام حمزة رضى الله عنه بثلاثة أيام. قال ابن عباس: لما أسلم عمر بن الخطاب قال جبريل للنبى ﷺ : يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر، فإن المشركين قالوا: قد انتصف القوم اليوم منا، وأنزل الله تعالى على المصطفى ﷺ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤] وكان أمر المسلمين قبله على غاية من الخفاء، وبعده على غاية من الظهور.
وسبب إسلامه أنه وجد مع أخته بعض ايات من القران من سورة الأنبياء، وكانت خبّأتها عنه، فسلبها من يدها غصبا، فقرأها، فحلت في قلبه محل الإعجاب، وأفحمه لفظها ومعناها، فذهب إلى النبى ﷺ وأسلم على يديه، وكان ذلك إجابة لدعوة النبى ﷺ بقوله: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك:
عمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» (اسم أبى جهل) فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب، فكان عز الإسلام بعمر بن الخطاب.
وذكر الدار قطنى أن عائشة قالت: إنما قال النبى ﷺ : «اللهم أعزّ عمر بالإسلام» لأن الإسلام يعزّ ولا يعز، وكان دعاؤه ﷺ بذلك يوم الأربعاء، فأسلم عمر يوم الخميس، وكان عمر لا يرام ما وراء ظهره، فامتنع به وبحمزة الصحابة.
وفي البخاري: «لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا: صبأ عمر، فبينما هو في داره خائفا إذ جاءه العاص بن وائل، وقال له: ما لك؟ قال: زعم قومى أنّهم يقتلوننى إن أسلمت، قال: أمنت؛ لا سبيل إليك. فخرج العاص فلقى الناس
стр. 170
قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد عمر بن الخطاب الذى صبأ، فقال: لا سبيل إليه فأنا له جار» ، فكرّ الناس وتصدّعوا عنه» *.
وكان ابن مسعود يقول: ما كنّا نقدر أن نصلّى عند الكعبة حتّى أسلم عمر رضى الله عنه. وقال أيضا: كان إسلامه فتحا، وهجرته نصرا، وإمامته رحمة.
وروى ابن شريح بن عبيد عنه أنه قال: خرجت أتعرّض رسول الله ﷺ فوجدته قد سبقنى إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة «الحاقة» فجعلت أعجب من تأليف القران، قال: فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش. قال: فلما قرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ قال: قلت كاهن، كأنه علم ما فى نفسى فقرأ: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) [الحاقة: ٤٢، ٤٣] إلى اخر السورة، فوقع الإسلام في قلبى كل موقع» . ولعل واقعة سماع القران تعددت قبل إسلامه.
[مسألة الغرانيق وما سمّوه الايات الشيطانية] :
ولما قرأ ﷺ سورة «والنجم» (وكان يرتل قراءته) فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٣٠) [سورة النجم ١٩: ٢٠] ارتصده الشيطان فى سكتة من سكتاته، فألقى عندها: [تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي] محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنّها من قول النبى ﷺ ، وأشاعها، فوقعت في قلب كل مشرك بمكة، وذلت منها ألسنتهم وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى ديننا. فلما بلغ رسول الله ﷺ اخر سورة النجم «١» سجد وسجد معه كل مشرك غير الوليد بن المغيرة، كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، ملأ كفه ترابا سجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما في السجود بسجود النبى ﷺ ، وعجب المسلمون بسجود المشركين معهم، ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان، كما قاله موسى بن عقبة، وأما المشركون فاطمأنوا إلى رسول الله
стр. 171
وأصحابه، وفشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتّى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، ثم بعد مكثهم هناك دون ثلاثة أشهر رجع كثير منهم عند ما بلغهم عن المشركين بسجودهم مع رسول الله ﷺ عند قراءته سورة «والنجم» ، وظنوا إسلامهم.
ولما بلغ رسول الله ﷺ تلك الكلمة التى فشت في الناس ساءه ذلك؛ فأنزل الله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أى قرأ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] (أى قراءته) كما قال الفراء. ويؤيده ما رواه ابن جرير:
«وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته، بحيث يظن السامعون أنه من قراءة النبى ﷺ » . وعلّقه البخارى في صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى: إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] قال: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه «١» فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج:
٥٢] وَاللَّهُ عَلِيمٌ بإلقاء الشيطان ما ذكر، حَكِيمٌ فى تمكينه منه، يفعل ما يشاء» .
ويؤيد ذلك ما سبق في الفصل الأوّل من هذا الباب من أن كفار قريش لما كانوا يطوفون بالكعبة كانوا يقولون: «واللات والعزّى ومناة الثالثة الاخري، فإنهن غرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي» ، فكانت هذه العبارة مركوزة في أذهانهم، هاجسة في خواطرهم، يخيّل لهم سماعها، وأن الشيطان نطق بها عند انقطاع نفس النبى ﷺ في التلاوة، فحاكى بها صوته.
واللّات والعزّى ومناة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها، وقيل غير ذلك. والغرانيق هى في الأصل: الذكور من طير الماء الأبيض الطويل العنق، وقيل أسود كالكركي، وقيل: إنه الكركي، ويتجوّز به عن الشاب الناعم، والمراد بها الأصنام، حيث كانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من الله وتشفع لم، فشبّهت بالطيور التى تعلو في السماء وترتفع.
والفرق بين الصنم والوثن أن الصنم الصورة بلا جثة، والوثن كل ما له جثة
стр. 172
معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الادمي، تعمل وتنصب وتعبد، ومنهم من لم يفرّق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة.
وقد اختلف المفسرون في المراد بالنجم على أقوال: أحدها: أنه الجملة من القران إذا نزلت، وكلما نزل منه شيء في وقت فهو نجم. ثانيها: أنه عنى بالنجم الثّريّا «١» ، والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة، فلا يذكرونه في الإطلاق إلا لها، قائلهم:
طلع النّجم عشيا ... ابتغي الراعى كسيا
وقال أيضا:
طلع النجم غديّه ... ابتغي الراعى شكيّه
يعنى الثريا، وهى تطلع العشا في الثلث الأخير من فصل الخريف، قبل الشتاء بشهر، وذلك مباديء قوة البرد، لأن اخر كلّ فصل شبيه بالذى بعده، فلهذا طلب الراعى الكساء، وتطلع بالغداة في الصيف وقت أوان اللبن، فلهذا طلب الشّكية: تصغير شكوة، وهى جلد الرضيع يتخذ للبن، أصغر من الوطب، الذى هو جلد الجذع.
وفي الحديث: «ما طلع النجم قطّ وفي الأرض من العاهة شيء إلا ارتفع» رواه الإمام أحمد.
قال ابن دريد: الثريّا سبعة أنجم؛ ستة أنجم منها ظاهرة، وواحد خفيّ، يمتحن الناس به أبصارهم.
وعلى قول ابن دريد قول الشاعر:
خليليّ إنّى للثريّا لحاسد ... وإنّي على ريب الزمان لواجد
أيبقي جميعا شملها «٢» وهى سبعة ... وأفقد من أحببته، وهو واحد
وذكر القاضى عياض في «الشفاء» أنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجما.
стр. 173
وذكر السهيلي: أنه ﷺ كان يرى فيها اثنى عشر نجما، والقول بأن المراد بالنجم الثريا قاله ابن عباس ومجاهد في رواية عنهما، واختاره ابن جرير والزمخشري، وقال السمين: إنه الصحيح. اهـ.
وهى أشبه شيء بعنقود العنب. ومن شعر سيدى عبد العزيز الديرينى ﵀:
وصغّرت ثرية لكثره ... والخصب في طلوعها واليسره
وقال ابن قتيبه في كتاب «الأنواء» : جاءت، أى الثريا، مصغرة لاجتماعها ولم يتكلم بها إلا كذلك، وأصلها من الثروة، وهى كثرة العدد، وهى ستة أنجم ظاهرة، فى خلالها نجوم كثيرة خفية، ويسمونها نجما وأنواء.
ومع ما قيل في هذه الاية وهى قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «١» [الحج: ٥٢] وأنه حين قرأ سورة «النجم»
стр. 174
وبلغ فيها وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته فألقى عندها [تلك الغرانيق العلي، وإن شفاعتهن لترتجي] محاكيا نغمته إلى اخره، فقد ردّ بعضهم هذا كله وقال: إنه موضوع وضعه الزنادقة، ولا أصل له؛ لأن الشيطان لا يلقى على الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شيئا؛ حيث هم معصومون. وحلّ هذه المسألة يفهم مما كتبه البيضاوى والشهاب الخفاجى والشيخ زاده في هذا المحل، يعنى قوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ؛ فإنه يفهم من كلام البيضاوى أنه هيأ في نفسه ما يهواه أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أى في تشهّيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا، كما قال ﵊: «إنه ليغانّ على قلبى فأستغفر الله سبعين مرة» «١» قال الشهاب: حديث صحيح، والغين قريب من الغيم لفظا، والمعنى أنه يعرض لقلبى أن يغشاه بعض أمور من أمور الدنيا والخواطر البشرية مما يلزم للتبليغ، لكنها لإشغالها عن ذكر الله يعدّها كذنوب، فيفزع إلى الاستغفار منها، و (سبعين) للتكثير لا للتخصيص.
(انتهى كلام الشهاب) .
стр. 175
قال البيضاوى في قوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ: «فيبطله ويذهب به، بعصمته عن الركون إليه، والإرشاد إلى ما يريحه» . (انتهى كلام البيضاوي) .
فقوله (بعصمته عن الركون إليه) إلى اخره هو محل الإشارة إلى الجواب كما يفهم بالتأمل ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ قال البيضاوي: ثم يثبّت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس حَكِيمٌ بما يفعله بهم، قال البيضاوي: «حدّث نفسه بزوال المسكنة فنزلت، وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقرّبهم إليه، واستمر به ذلك حتّى كان في ناديهم، ونزلت عليه سورة «والنجم» فأخذ يقرأها فلما بلغ وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم:
٢٠] وسوس إليه الشيطان حتّى سبق لسانه سهوا إلى أن قال: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي» ، ففرح به المشركون حتّى تابعوه بالسجود لمّا سجد في اخرها أى اخر سورة النجم، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد، ثم نبّأه جبريل ﵇، فاغتمّ لذلك، فعزّاه أى سلاه الله بهذه الاية.
وهو (أى ما ذكر من قوله سبق لسانه سهوا وقوله تلك الغرانيق.. إلخ) مردود عند سائر المحققين «١» . وإن صحّ فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه، وقيل: تَمَنَّى أى قرأ؛ كقول حسان رضى الله عنه:
تمنّي كتاب الله أوّل ليلة ... تمنّي داود الزبور علي رسل
[الرّسل: الترتيل في القراءة بتؤدة وسكينة من غير سرعة، وضمير «تمني» فى البيت لعثمان رضى الله عنه، وأمنيته: قراءته] .
وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته بحيث يظن السامعون أنه من قراءة النبى ﷺ .
وقد ردّ أيضا بأنه يخلّ بالوقوف على القران، ولا يندفع بقوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: ٥٢] لأنه أيضا يحتمله، وبأن الاية على
стр. 176
هذا التفسير تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرّق الوسوسة إليهم سيأتى ردّه فى عبارة الشهاب لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: ٥٣] علة لتمكين الشيطان منه، وذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحقّ والمبطل فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ المشركين وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعنى الفريقين، فوضع الظاهر موضع ضميرهم، قضاء عليهم بالظلم لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ عن الحق، أو عن الرسول والمؤمنين. (انتهى كلام البيضاوي) .
قال الشهاب: قوله «سبق لسانه سهوا» هذا غير صحيح؛ لأنه ﷺ محفوظ عن السهو بما يخالف الدين والشرع؛ لأن التكلم بما هو كفر سهوا أو نسيانا لا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وإذا سها ﷺ في صلاة ونحوها كان تشريعا، حتى قال بعض العلماء: إن سجدة السهو في حقه ﷺ سجدة شكر، وقول البيضاوى في عبارته المتقدمة: «وهو مردود عند المحققين» ، قال الشيخ زادة:
يعنى أن جماعة من المفسرين وإن قالوا إن هذه الايات نزلت تسلية له ﵊ في اغتمامه بما سبق لسانه سهوا من حديث الغرانيق، إلا أنّ رؤساء أهل السنة والجماعة ردّوا هذا القول، وقالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا عليه بالقران العظيم والسنة والمعقول:
أما القران فمنه قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ [الحاقة: ٤٤] أى النبى ﷺ بأن كلّف نفسه أن يقول مرة في الدهر كذبا عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ أى التى لم نقلها، أو قلناها ولم نأذن له فيه، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أي: بالقوة والقدرة، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ أى نياط القلب، وهو يتصل من الرأس، إذا انقطع مات صاحبه.
ومنه أيضا قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. [يونس: ١٥] ومنه قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤] . فلو أنه ﵊ قرأ عقيب هذه الاية قوله: [تلك الغرانيق العلي] لما ظهر صدق الله تعالى في جميع ذلك، وذلك لا يقول به مسلم.
وأما السنة: فهو أنه روى عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال:
هذا من وضع الزنادقة، وصنّف فيه كتابا.
стр. 177
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: «هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وإن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضا فقد روى البخارى في صحيحه «أنه ﷺ قرأ سورة النجم وسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن» وليس فيه حديث الغرانيق.
وأما المعقول: فما ذكره الإمام النسفى في تفسيره بقوله: «والصحيح المعتمد عليه أن النبى ﷺ لم يتكلم بها، فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أوجه:
إما أن يجرى ذلك على لسانه عمدا باختياره، وهذا لا يجوز؛ لأنه كفر، وهو ﷺ جاء داعيا إلى الإيمان ناهيا عن الكفر طاعنا في الأصنام، فكيف يمدحها ويعظّمها باختياره؟!.
وإما أن يجرى الشيطان ذلك على لسانه ﷺ جبرا بحيث لم يقدر على الامتناع عنه، وهذا أيضا لا يجوز؛ لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره ﷺ لقوله ﵎: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: ٤٢] وقوله تعالى حكاية عن الشيطان وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فكيف يقدر على ذلك في حقه ﷺ ؟!.
وإما أن يقع ذلك على لسانه ﷺ سهوا وغفلة من غير قصد، وهو أيضا مردود؛ لأنه ﷺ كان أعقل الخلق وأعلمهم، فكيف تجوز عليه هذه الغافلة؟! خصوصا في حالة تبليغ الوحي، ولو جاز ذلك لبطل الاعتماد على قوله والثقة به، لقيام احتمال الغلط والخطأ في كل واحد من الأحكام والشرائع، فلما بطلت هذه الوجوه كلها لم يبق إلا احتمال واحد، وهو أنه ﵊ وقف وسكت عند قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) [النجم: ٢٠] والشيطان حاضر عنده، فتكلّم الشيطان بهذه الكلمات متصلا بقراءته ﷺ ، ووقع عند بعضهم أنه ﷺ هو الذى تكلم بهذا، وتكون هذه إلقاء في قراءة النبى ﷺ ، وكان الشيطان يتكلم في زمن الوحي، كما ذكر أنه ظهر في صورة شيخ نجدى على المشركين الذين اجتمعوا في دار الندوة على قضية المكر بالنبى ﷺ ، وتكلم في شوّارهم «١» ، واستصوب رأى بعضهم وخطّأ اخرين، وذكر أيضا أنه نادى يوم أحد أن محمدا
стр. 178
قد قتل، وقال يوم بدر لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: ٤٨] .
وهذا الاحتمال غير مستحيل عقلا وشرعا، فتنة من الله وابتلاء لعباده، لكنه إنما يجوز في غير مقام تبليغ الوحى وأداء الرسالة له، لأننا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، ولجوّزنا في كل ما بلّغه إلينا عن الله تعالى أن ينضم إليه غيره بخلط الشيطان، فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة موضوعة، غاية ما في الباب أن جمعا من المفسرين ﵏ ذكروها، لكنهم ما بلغوا في الكثرة حدّ التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية والمتواترة، فلذلك قال البيضاوى في تفسير الاية: «ألقى الشيطان في تشهّيه ما يوجب اشتغاله في الدنيا، ولم يقل ما يوافق تشهيه من الكلام» .
ثم قال البيضاوي: «وإن صحّ فالظاهر أن مبنى الصحة أن يتكلم به الشيطان عند سكوته ﵊ عند قوله تعالى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. فإنه أقرب الاحتمالات المذكورة إلى الصحة؛ فيكون المعنى: ما من رسول ولا نبى قبلك إلا مكّنا الشيطان أن يلقى في قراءتهم مثل ما ألقى في قراءتك عند ما تمنيت، فلا تهتم بذلك؛ فإنا نجعل ذلك لإضلال قوم وهداية اخرين، والتمييز بين الثابت على الإيمان والمتزلزل عنه» انتهى كلام البيضاوي.
وعبارة العلّامة الشهاب الخفاجى في قوله «وهو مردود عند المحققين وإن صحّ ... » قد ذكرنا فيها ما قاله الشيخ زادة، وقال الشهاب الخفاجى فيها قوله:
«وهو مردود عند المحققين، وإن صح ... » إشارة إلى عدم صحته: رواية ودارية:
أما الأوّل (عدم صحته دارية) ؛ فلما قاله القاضى عياض: إنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة بسند صحيح معتمد عليه. وبالغ بعضهم فقال:
إنه من وضع الزنادقة، وأكثر المحدّثين على عدم صحّته.
وأما الثانى (عدم صحته رواية) فلما مرّ، فعلى تقدير صحته يكون خرج مخرج الكلام الوارد على زعمهم أو على الإنكار لا غير، أو المراد بالغرانيق:
الملائكة، وإجماله للابتلاء به.
وأما كونه ابتلاء من الله ليختبر به الناس، كما ذكره البيضاوى رحمه الله تعالى، فلا يليق به؛ لأنه إن كان بسهو منه فقد علمت أنه محفوظ عن مثله، وإن كان بتكلم الشيطان وإسماعه لهم، فكذلك لما يلزمه من عدم الوثوق بالوحي» انتهى كلام الشهاب.
стр. 179
قال الشيخ زاده عند قوله فيما تقدم «وقيل تَمَنَّى قرأ، كقول حسان ... » إلخ.
«إن التمنّى في اللغة بمعنيين: تمنّى القلب، والقراءة، قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨] ، أى إلا قراءة، لأن الأمى لا يعلم القران من المصحف، وإنما يعلمه قراءة، وقال رواة اللغة: الأمنية القراءة، واحتجوا عليه ببيت حسان رضى الله عنه: * تمنّى كتاب الله أوّل ليلة*
وقيل: الأولى في تأويل الاية أن يقال: التمنى بمعنى القراءة، فقوله تعالى: أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] أى عند تلاوته القران في قلوب المشركين ما يجادلون به الرسول ﷺ ، ويحاجّون به ويوقعون به شبهة في قلوب أتباعه ليمنعوهم عن اتّباعه كقولهم عند سماع قول الرسول ﷺ : «حرّم عليكم الميتة» إنه يحل ذبيحة نفسه ويحرّم ذبيحة الله تعالى. فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فى قلوب المشركين بإنزال قوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١] وقوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١١٨] فبيّن به أنّ ما أحلّ هذا بذكر اسم الله عليه، وحرّم الاخر بعدم ذكر اسم الله عليه، وكقولهم عند سماع إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] : إنّ عيسى ﵊ والملائكة عبدوا من دون الله تعالى مع أنه تعالى لا يخزيهم يوم القيامة، فنسخ قولهم هذا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] فبين الله تعالى استثناء عيسى والملائكة من قوله: وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك لأن «ما» لغير العاقل، وأن المراد الأصنام فقط، انتهى (عبارة الشيخ زاده) .
وهذا زبدة ما قيل في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ.. إلى اخره.
وقد سبق أنّ من جملة المنكرين قصة ما في «النجم» القاضى عياض، فإنه قال: [هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به المفسرون والمؤرخون] «١» . انتهى.
ولا ينظر لردّ ابن حجر على القاضى عياض بأنه لا فائدة فيما قاله، ولا
стр. 180
يعوّل على كلامه، لا سيما مع قول البيهقي: «إن رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم» ، ومع قول النووى نقلا عن البيهقى ونصه: «وأما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله ﷺ ما جرى على لسانه من الثناء على الهتهم فباطل لا يصح منه شيء، لا من جهة النقل ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه ﷺ ، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك، ولا يلزم عدم الوثوق بالوحي.
* وقال الفخر الرازي: «هذه القصة باطلة موضوعة لا يجوز القول بها، قال الله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤] والشيطان لا يجتريء أن ينطق بشيء من الوحي.
* وفي كتاب «الإبريز» للعارف بالله تعالى سيدى عبد العزيز الدباغ ما يفيد تصحيح «١» قول القاضى عياض من أن حديث الغرانيق لا أصل له، ورد قول ابن حجر المحتاج للتأويلات في تفسيره الاية، ثم فسّرها صاحب الإبريز بتفسير بديع وأقرب للعقول، وعبارته: «إن الله تعالى ما أرسل من رسول ولا بعث نبيّا من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته، ويحبه لهم ويرغّب فيه، ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم عليه أشد المعالجة، ومن جملتهم في ذلك نبينا ﷺ الذى قال له الرب سبحانه فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦] ، وقال تعالى وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣] . إلى غير ذلك من الايات المتضمّنة لهذا المعنى، ثم الأمة تختلف كما قال تعالى:
وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة: ٢٥٣] ، فأما من كفر فألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضا لا يخلو من وساوس القادحة؛ لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب المتعلقات، إذا تقرر هذا فمعنى تمنّي: أنه يتمنى الإيمان لأمته، ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في