هذا التفسير تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرّق الوسوسة إليهم سيأتى ردّه فى عبارة الشهاب لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: ٥٣] علة لتمكين الشيطان منه، وذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحقّ والمبطل فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ المشركين وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعنى الفريقين، فوضع الظاهر موضع ضميرهم، قضاء عليهم بالظلم لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ عن الحق، أو عن الرسول والمؤمنين. (انتهى كلام البيضاوي) .
قال الشهاب: قوله «سبق لسانه سهوا» هذا غير صحيح؛ لأنه ﷺ محفوظ عن السهو بما يخالف الدين والشرع؛ لأن التكلم بما هو كفر سهوا أو نسيانا لا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وإذا سها ﷺ في صلاة ونحوها كان تشريعا، حتى قال بعض العلماء: إن سجدة السهو في حقه ﷺ سجدة شكر، وقول البيضاوى في عبارته المتقدمة: «وهو مردود عند المحققين» ، قال الشيخ زادة:
يعنى أن جماعة من المفسرين وإن قالوا إن هذه الايات نزلت تسلية له ﵊ في اغتمامه بما سبق لسانه سهوا من حديث الغرانيق، إلا أنّ رؤساء أهل السنة والجماعة ردّوا هذا القول، وقالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا عليه بالقران العظيم والسنة والمعقول:
أما القران فمنه قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ [الحاقة: ٤٤] أى النبى ﷺ بأن كلّف نفسه أن يقول مرة في الدهر كذبا عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ أى التى لم نقلها، أو قلناها ولم نأذن له فيه، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أي: بالقوة والقدرة، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ أى نياط القلب، وهو يتصل من الرأس، إذا انقطع مات صاحبه.
ومنه أيضا قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. [يونس: ١٥] ومنه قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤] . فلو أنه ﵊ قرأ عقيب هذه الاية قوله: [تلك الغرانيق العلي] لما ظهر صدق الله تعالى في جميع ذلك، وذلك لا يقول به مسلم.
وأما السنة: فهو أنه روى عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال:
هذا من وضع الزنادقة، وصنّف فيه كتابا.
стр. 177
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: «هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وإن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضا فقد روى البخارى في صحيحه «أنه ﷺ قرأ سورة النجم وسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن» وليس فيه حديث الغرانيق.
وأما المعقول: فما ذكره الإمام النسفى في تفسيره بقوله: «والصحيح المعتمد عليه أن النبى ﷺ لم يتكلم بها، فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أوجه:
إما أن يجرى ذلك على لسانه عمدا باختياره، وهذا لا يجوز؛ لأنه كفر، وهو ﷺ جاء داعيا إلى الإيمان ناهيا عن الكفر طاعنا في الأصنام، فكيف يمدحها ويعظّمها باختياره؟!.
وإما أن يجرى الشيطان ذلك على لسانه ﷺ جبرا بحيث لم يقدر على الامتناع عنه، وهذا أيضا لا يجوز؛ لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره ﷺ لقوله ﵎: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: ٤٢] وقوله تعالى حكاية عن الشيطان وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فكيف يقدر على ذلك في حقه ﷺ ؟!.
وإما أن يقع ذلك على لسانه ﷺ سهوا وغفلة من غير قصد، وهو أيضا مردود؛ لأنه ﷺ كان أعقل الخلق وأعلمهم، فكيف تجوز عليه هذه الغافلة؟! خصوصا في حالة تبليغ الوحي، ولو جاز ذلك لبطل الاعتماد على قوله والثقة به، لقيام احتمال الغلط والخطأ في كل واحد من الأحكام والشرائع، فلما بطلت هذه الوجوه كلها لم يبق إلا احتمال واحد، وهو أنه ﵊ وقف وسكت عند قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) [النجم: ٢٠] والشيطان حاضر عنده، فتكلّم الشيطان بهذه الكلمات متصلا بقراءته ﷺ ، ووقع عند بعضهم أنه ﷺ هو الذى تكلم بهذا، وتكون هذه إلقاء في قراءة النبى ﷺ ، وكان الشيطان يتكلم في زمن الوحي، كما ذكر أنه ظهر في صورة شيخ نجدى على المشركين الذين اجتمعوا في دار الندوة على قضية المكر بالنبى ﷺ ، وتكلم في شوّارهم «١» ، واستصوب رأى بعضهم وخطّأ اخرين، وذكر أيضا أنه نادى يوم أحد أن محمدا
стр. 178
قد قتل، وقال يوم بدر لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: ٤٨] .
وهذا الاحتمال غير مستحيل عقلا وشرعا، فتنة من الله وابتلاء لعباده، لكنه إنما يجوز في غير مقام تبليغ الوحى وأداء الرسالة له، لأننا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، ولجوّزنا في كل ما بلّغه إلينا عن الله تعالى أن ينضم إليه غيره بخلط الشيطان، فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة موضوعة، غاية ما في الباب أن جمعا من المفسرين ﵏ ذكروها، لكنهم ما بلغوا في الكثرة حدّ التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية والمتواترة، فلذلك قال البيضاوى في تفسير الاية: «ألقى الشيطان في تشهّيه ما يوجب اشتغاله في الدنيا، ولم يقل ما يوافق تشهيه من الكلام» .
ثم قال البيضاوي: «وإن صحّ فالظاهر أن مبنى الصحة أن يتكلم به الشيطان عند سكوته ﵊ عند قوله تعالى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. فإنه أقرب الاحتمالات المذكورة إلى الصحة؛ فيكون المعنى: ما من رسول ولا نبى قبلك إلا مكّنا الشيطان أن يلقى في قراءتهم مثل ما ألقى في قراءتك عند ما تمنيت، فلا تهتم بذلك؛ فإنا نجعل ذلك لإضلال قوم وهداية اخرين، والتمييز بين الثابت على الإيمان والمتزلزل عنه» انتهى كلام البيضاوي.
وعبارة العلّامة الشهاب الخفاجى في قوله «وهو مردود عند المحققين وإن صحّ ... » قد ذكرنا فيها ما قاله الشيخ زادة، وقال الشهاب الخفاجى فيها قوله:
«وهو مردود عند المحققين، وإن صح ... » إشارة إلى عدم صحته: رواية ودارية:
أما الأوّل (عدم صحته دارية) ؛ فلما قاله القاضى عياض: إنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة بسند صحيح معتمد عليه. وبالغ بعضهم فقال:
إنه من وضع الزنادقة، وأكثر المحدّثين على عدم صحّته.
وأما الثانى (عدم صحته رواية) فلما مرّ، فعلى تقدير صحته يكون خرج مخرج الكلام الوارد على زعمهم أو على الإنكار لا غير، أو المراد بالغرانيق:
الملائكة، وإجماله للابتلاء به.
وأما كونه ابتلاء من الله ليختبر به الناس، كما ذكره البيضاوى رحمه الله تعالى، فلا يليق به؛ لأنه إن كان بسهو منه فقد علمت أنه محفوظ عن مثله، وإن كان بتكلم الشيطان وإسماعه لهم، فكذلك لما يلزمه من عدم الوثوق بالوحي» انتهى كلام الشهاب.
стр. 179
قال الشيخ زاده عند قوله فيما تقدم «وقيل تَمَنَّى قرأ، كقول حسان ... » إلخ.
«إن التمنّى في اللغة بمعنيين: تمنّى القلب، والقراءة، قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨] ، أى إلا قراءة، لأن الأمى لا يعلم القران من المصحف، وإنما يعلمه قراءة، وقال رواة اللغة: الأمنية القراءة، واحتجوا عليه ببيت حسان رضى الله عنه: * تمنّى كتاب الله أوّل ليلة*
وقيل: الأولى في تأويل الاية أن يقال: التمنى بمعنى القراءة، فقوله تعالى: أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] أى عند تلاوته القران في قلوب المشركين ما يجادلون به الرسول ﷺ ، ويحاجّون به ويوقعون به شبهة في قلوب أتباعه ليمنعوهم عن اتّباعه كقولهم عند سماع قول الرسول ﷺ : «حرّم عليكم الميتة» إنه يحل ذبيحة نفسه ويحرّم ذبيحة الله تعالى. فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فى قلوب المشركين بإنزال قوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١] وقوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١١٨] فبيّن به أنّ ما أحلّ هذا بذكر اسم الله عليه، وحرّم الاخر بعدم ذكر اسم الله عليه، وكقولهم عند سماع إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] : إنّ عيسى ﵊ والملائكة عبدوا من دون الله تعالى مع أنه تعالى لا يخزيهم يوم القيامة، فنسخ قولهم هذا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] فبين الله تعالى استثناء عيسى والملائكة من قوله: وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك لأن «ما» لغير العاقل، وأن المراد الأصنام فقط، انتهى (عبارة الشيخ زاده) .
وهذا زبدة ما قيل في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ.. إلى اخره.
وقد سبق أنّ من جملة المنكرين قصة ما في «النجم» القاضى عياض، فإنه قال: [هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به المفسرون والمؤرخون] «١» . انتهى.
ولا ينظر لردّ ابن حجر على القاضى عياض بأنه لا فائدة فيما قاله، ولا
стр. 180
يعوّل على كلامه، لا سيما مع قول البيهقي: «إن رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم» ، ومع قول النووى نقلا عن البيهقى ونصه: «وأما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله ﷺ ما جرى على لسانه من الثناء على الهتهم فباطل لا يصح منه شيء، لا من جهة النقل ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه ﷺ ، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك، ولا يلزم عدم الوثوق بالوحي.
* وقال الفخر الرازي: «هذه القصة باطلة موضوعة لا يجوز القول بها، قال الله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤] والشيطان لا يجتريء أن ينطق بشيء من الوحي.
* وفي كتاب «الإبريز» للعارف بالله تعالى سيدى عبد العزيز الدباغ ما يفيد تصحيح «١» قول القاضى عياض من أن حديث الغرانيق لا أصل له، ورد قول ابن حجر المحتاج للتأويلات في تفسيره الاية، ثم فسّرها صاحب الإبريز بتفسير بديع وأقرب للعقول، وعبارته: «إن الله تعالى ما أرسل من رسول ولا بعث نبيّا من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته، ويحبه لهم ويرغّب فيه، ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم عليه أشد المعالجة، ومن جملتهم في ذلك نبينا ﷺ الذى قال له الرب سبحانه فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦] ، وقال تعالى وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣] . إلى غير ذلك من الايات المتضمّنة لهذا المعنى، ثم الأمة تختلف كما قال تعالى:
وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة: ٢٥٣] ، فأما من كفر فألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضا لا يخلو من وساوس القادحة؛ لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب المتعلقات، إذا تقرر هذا فمعنى تمنّي: أنه يتمنى الإيمان لأمته، ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في
стр. 181
قلوب أمة الدعوة من الوساوس لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم، ويحكم الايات الدالة على الواحدانية والرسالة، ويبقى ذلك في قلوب المنافقين والكافرين، ليفتتنوا به.
فخرج من هذا أن الوساوس تلقى أوّلا في قلوب الفريقين معا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين وتدوم على الكافرين.
وهذا التفسير من أبدع ما يسمع؛ لأنه يوفى بثلاثة أمور: العموم الذى في أولها، والتعليل الذى في اخرها، ويعطى الرسالة حقها» . انتهى كلام صاحب الإبريز «١» .
ومنه يفهم أن إلقاء الوسوسة إنما هو في المتمنّى للأمة من أنبيائهم لهم، وهو إيمانهم وطاعتهم وتوفيقهم مما هو وصفهم، وليست الوسوسة متوجهة على الأنبياء المعصومين، الذين خاتمهم وأكملهم ﷺ ؛ فإنّ من عرف ما يجب للرسل وما يستحيل عليهم وما يجوز لهم علم وجوب العصمة واستحالة ضدها.
* وبيان ذلك: أنه يجب في حقّهم الأمانة، والصدق، والتبليغ، والفطانة: فأما الأمانة:
فهى عصمة ظواهرهم وبواطنهم من التلبّس بمنهيّ عنه، ولو نهي كراهة أو خلاف الأولي؛ فهم محفوظون من منهيات الظاهر ومن منهيات الباطن، كالحسد والكبر والرياء وغير ذلك، والمراد المنهيّ عنه ولو صورة، فيشمل ما قبل النبوة، ولو في حال الصغر حتّى أن المباح أو المكروه إذا وقع منهم كان صورة للتشريع، فيصير واجبا أو مندوبا في حقهم؛ فأفعالهم دائرة بين الواجب والمندوب، بل ومن الأولياء الذين هم أتباعهم من يصل منهم لمقام تصير حركاته وسكناته طاعات بالنيات، فقد ثبت أنّه ﷺ توضأ مرة أو مرتين وشرب قائما.
وأما المحرّم: فلم يقع منهم إجماعا، وما أوهم المعصية فمؤوّل من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين «٢» ولا يجوز النطق به في غير مورده إلا في مقام البيان. ودليل وجوب الأمانة لهم أنهم لو خانوا بفعل محرم أو مكروه أو
стр. 182
خلاف الأولى لكنّا مأمورين به؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعهم في أقوالهم وأفعالهم، وهو تعالى لا يأمر بمحرم ولا مكروه إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [الأعراف: ٢٨] .
وأما الصدق: فهو مطابقة خبرهم للواقع في دعوى الرسالة والأحكام الشرعية والأخبار العادية؛ لأنهم لو لم يصدقوا لما كان معنى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة منزلة قوله تعالى: «صدق عبدى في كل ما يبلغ عني» ، وأيضا صدقهم في الأخبار العادية دليله داخل في دليل الأمانة.
وأما التبليغ فهو: تأدية ما أتوا به مما أمروا بتبليغه للخلق بخلاف ما أمروا بكتمانه، وما خيّروا فيه. ودليله: أنهم لو كتموا شيئا مما أمروا بتبليغه للخلق لكنا مأمورين بكتمان العلم؛ لأن الله تعالى أمرنا بالاقتداء بهم، وكاتم العلم ملعون «١» .
ولو جاز عليهم الكتمان لكتم رئيسهم الأعظم ﷺ قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: ٣٧] . وأصحّ محامله ما نقله من يعوّل عليه في التفسير عن علي بن الحسين من أن الله تعالى كان أعلم نبيّه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال ﷺ : «أمسك عليك زوجك واتق الله» ، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنّه سيتزوجها، والله مبد ذلك بطلاق زيد لها وتزويجها ﷺ ، ومعنى الخشية: استحياؤه ﷺ من النّاس أن يقولوا: تزوّج زوجة ابنه، أى من تبناه، فعاتبه الله تعالى على هذا الاستحياء، لعلوّ مقامه.
وما قيل من أنه ﷺ تعلّق قلبه بها وأخفاه، فلا يلتفت إليه، وإن جلّ ناقلوه؛ فإنّ أدنى الأولياء لا يصدر عنه مثل هذا الأمر، فما بالك به ﷺ «٢» ؟!.
стр. 183
وأما الفطانة فهي: التيقظ لإلزام الخصوم وإبطال دعاواهم الباطلة، ودليلها الايات كقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ [الأنعام: ٨٣] ، والإشارة ب «تلك» عائدة على ما احتج به على قومه من قوله فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام: ٧٦] إلى قوله وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢] . وكاية قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [هود: ٣٢] . وكاية وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:
١٢٥] أى بطريق تشتمل على نوع من الإرفاق بهم، ومن لم يكن فطنا لا تمكنه الحجة ولا المجادلة، وما ثبت لبعضهم من الكمال ثبت لغيره؛ فتثبت الفطانة لجميعهم.
ويستحيل في حقهم ضدّ هذه الصفات الأربعة؛ فضدّ الأمانة الخيانة، وضد الصدق الكذب، وضد التبليغ كتمان شيء مما أمروا به، وضد الفطانة الغافلة.
* وأما الجائز في حقهم فهو سائر الأعراض البشرية التى لا تؤدى إلى نقص في مراتبهم العلية؛ كالأكل والشرب والنوم، وما يكون من توابع الصحة أو مما لا يستغنى عنه كالجماع للنساء حلالا، سواء كان بالنكاح أو بالملك، فيجوز لهم الوطء بالنكاح لما عدا الكتابية والمجوسية، ونحوهما، وما عدا نكاح الأمة ولو مسلمة؛ لأنها إنما تنكح لخوف العنت، ولعدم المهر، وكلّ منهما منتف؛ أما الأوّل فللعصمة، وأما الثانى فلأنه يجوز للنبى أن يتزوج بدون مهر. ويعلم من تقييد النكاح بالحلال أنهم لا يطأون صائمات صوما مشروعا، ولا معتكفات كذلك، ولا حائضات ولا نفساء ولا محرمات بحج ولا عمرة.
ولا يجوز الاحتلام كما صححه النووي؛ لأنه من الشيطان، وقد ورد: «ما احتلم قط» .
وأما جواز وطئهم لملك، فيكون للأمة الكتابية معلّلا بأنه ﷺ شريف عن أن يضع نطفته في رحم غير مسلمة، وبأنها تكره صحبته، وأما الأمة المسلمة بالملك فجائز باتفاق.
ويجوز عليهم المرض غير المنفّر، والإغماء غير الطويل، بخلاف الجنون قليله وكثيره، وأما سحر لبيد ابن الأعصم له ﷺ في مشط سنة سبع من الهجرة بإغراء اليهود لبيد على ذلك بإعطائهم دنانير جعلتها له في مقابلة ذلك، فلم يؤثّر هذا السحر إلا في بعض جوارحه ﷺ لا في عقله، فلم يكن قادحا في منصبه النبوي، وأما ما في بعض الروايات من أنه ﷺ صار يخيل إليه أن يفعل
стр. 184
الشيء ولا يفعله، فقال أبو بكر بن العربي: «لا أصل له» «١» .
وأما السهو فممتنع عليهم في الأخبار البلاغية، كقولهم: الجنة أعدّت للمتقين، وعذاب القبر حق، وغير البلاغية: كقام زيد وقعد عمرو، وهكذا، وجائز عليهم السهو في الأفعال البلاغية وغيرها كالسهو في الصلاة للتشريع، لكن لم يكن سهوهم ناشئا عن اشتغالهم بغير ربهم، ولذلك قال بعض الشعراء:
يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو عن كل قلب غافل لا هى
قد غاب عن كل شيء سرّه فسها ... عمّا سوى الله، فالتعظيم لله
ومن السهو الفعلى حديث ذى اليدين لمّا قال له: «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟» حين سلّم من ركعتين، فقال: «كلّ ذلك لم يكن» . فقال ذو اليدين:
بل بعض ذلك كان» فقوله ﷺ «كل ذلك لم يكن» لم يخل عن مطابقة الخبر للواقع بحسب اعتقاده ﷺ ، وقول ذى اليدين: «بل بعض ذلك كان» فيه مطابقة الخبر للواقع بحسب ما راه، وكل ذلك للتشريع وتعريف سجود السهو.
وأما النسيان فهو ممتنع في البلاغيات قبل تبليغها قولية كانت أو فعلية؛ فالقولية كالجنة أعدت للمتقين، والفعلية كصلاة الضحي، إذ أمر بها ليقتدى به فيها، فلا يجوز نسيان كل منهما قبل تبليغ الأولى بالقول، والثانية بالفعل، وأما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر من الله «٢» .
وأما نسيان الشيطان فيستحيل عليهم؛ إذ ليس للشيطان عليهم سبيل، وقول يوشع: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [الكهف: ٦٣] فكان قبل نبوته وعلمه بحال نفسه، وإلا فهو رحماني.
وبالجملة فيجوز على ظواهر الأنبياء ما يجوز على البشر، مما لا يؤدى إلى نقص، وأما بواطنهم فمنزهة عن ذلك، متعلقة بربهم؛ هذا تحقيق المقام، فالتأويل
стр. 185
اللائق بمقامهم هو الجدير بالقبول والمطابق للحق عند المحققين في فن الكلام من المتكلمين، كالإمام شرف الدين التلمساني، وكالإمام السنوسى المغترف من بحر الله.
وقد سبق الكلام على أنّ مدح أصنام المشركين لا ذكر له في سورة «والنجم» ، وأن هذا إلقاء من الشيطان في قلوبهم ليجادلوا به.
* وأما الهجرة الثانية:
فإنه لما تبيّن للمشركين عدم ذكر الهتهم، غضبوا ورجعوا إلى العداوة أشد من الأوّل، فلما بلغ ذلك القادمين حين دنوهم من مكة، وكانوا قد خرجوا في رجب إلى الحبشة، وأقاموا بها شعبان ورمضان، وقدموا في شوّال كما سبق، لم يدخل أحد منهم إلا بجوار مجير أو مستخفيا، إلا عبد الله بن مسعود، فإنه دخل بدون جوار أحد، ثم خرج وهاجر.
وممن دخل في الجوار عثمان بن مظعون؛ فإنه دخل بجوار الوليد بن المغيرة، وكان قد اشتد الحال على من قدم مكة ولم يدخل في الجوار، حتى أن عشائره تفعل به الأذى الشديد، فلما وجد عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة، قال:
والله إنّ غدوّى ورواحى امنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابى وأهل دينى يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيا بني، لنقص كبير في نفسي» .
فمشى إلى الوليد فقال: يا أبا عبد شمس، وفت ذمّتك، وقد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخي، لعله اذاك أحد من قومى وأنت في ذمتى فأكفيك ذلك؟
قال: لا والله ما اعترض لى أحد، ولا اذاني، ولكنى أرضى بجوار الله ، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: انطلق إلى المسجد فاردد لى جوارى علانية كما أجرتك علانية. فانطلقا حتّى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، فقال عثمان: صدق، قد وجدته وفيّا كريم الجوار، ولكنى لا أستجير بغير الله ، قد رددت عليه جواره. فقال الوليد:
أشهدكم أنّى بريء من جواره إلا أن يشاء. ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم، فقال لبيد: * ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل* فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد:
стр. 186
* وكلّ نعيم لا محالة زائل* فقال عثمان: كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذيكم جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟! فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه، فمن سفاهته فارق ديننا، فلا تجدنّ في نفسك من قوله. فردّ عليه عثمان، فقام ذلك الرجل فلطم عينه، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عمّا أصابها لغنية؛ ولقد كنت في ذمّة منيعة فخرجت منها، وكنت عن الذى لقيت غنيّا.
فقال عثمان رضى الله عنه: بل كنت إلى الذى لقيت فقيرا، والله إن عينى الصحيحة التى لم تلطم لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله ، ولى فيمن هو أحب إليّ منكم أسوة، وإنى لفى جوار من هو أعزّ منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إن شئت إلى جوارك فعده. فقال: لا.
وصار الأمر يشتد على أصحاب رسول الله ﷺ القادمين لقصد مكة من الهجرة الأولى وغيرهم، وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديدا، فأذن لهم رسول الله ﷺ في الهجرة إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فخرج ابن مسعود ومعه عدد كثير من الناس، فكانت خرجتهم الثانية أعظم مشقة، ولقوا من قريش تعنيفا شديدا، ونالوهم بالأذي، واشتدّ على قريش ما بلغهم عن النجاشى من حسن جواره للمهاجرين، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة، ولست معنا؟ فقال ﷺ : أنتم مهاجرون إلى الله وإليّ، لكم هاتان الهجرتان جميعا، قال عثمان: فحسبنا يا رسول الله.
وبهذه الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، كانت عدة من بأرض الحبشة من المهاجرين مائة نفس وواحدا، إن حسب عمار بن ياسر فيهم؛ الذكور منهم ثلاثة وثمانون، والإناث ثمان عشرة.
وخرج أبو بكر رضى الله عنه مهاجرا إلى الحبشة حتّى بلغ موضعا يقال له:
«برك الغماد» (بفتح الباء وكسرها، والغماد بكسر الغين المعجمة وضمها: محل فى أقاصى هجر أو باليمن، ويقال: هو مدينة الحبشة) . ثم رجع أبو بكر في جوار سيد القارة (اسم قبيلة، ومنهم مسعود بن ربيعة القاري) مالك بن الدغنة.
فلما رأت قريش استقرار المهاجرين في الحبشة وأمنهم أرسلوا فيهم إلى النجاشى عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة بهدايا وتحف من بلادهم،
стр. 187
والتمسوا منه ردّ من هاجر إلى بلاده من المسلمين، فأبى ذلك وردّهما خائبين.
ثم بعد ذلك وقع من الحبشة تعصّب على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا له: إنّ هؤلاء لهم دين غير ديننا. فأرسل وراءهم وقال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقالوا: نؤمن به ونصدّقه فيما جاء به، فقال للحبشة: ما تقولون في نبيهم؟ فلم يؤمنوا به، فقال النجاشى لهم: هؤلاء يؤمنون بنبيكم وأنتم لا تؤمنون بنبيهم! فأنتم الان ظلمة، فكلّ منكم على دينه، ولا أحد منكم يعارض هؤلاء» .
فاستمروا في بلاده مدة، وعادوا إلى أوطانهم. وكان إسلامه في سنة سبع من الهجرة، ويدلّ على صحة إسلامه أنه لما توفى في رجب سنة تسع من الهجرة قال النبي ﷺ «مات اليوم رجل صالح، فصلّوا على أخيكم أصحمة» «١» فصلّى عليه النبى ﷺ وأصحابه صلاة الغائب، ولما صلّى عليه رسول الله ﷺ طعن المنافقون في ذلك، فنزلت هذه الاية وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ (١٩٩) [ال عمران: ١٩٩] إلى اخرها، قال ابن جريج: وقال اخرون: نزلت في عبد الله بن سلام. وسيأتى بيان ما صنعه النجاشى من كلام المهاجرين وغير ذلك مما يتعلق به في الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة من الهجرة، عند ذكر قدوم جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه من الحبشة، وذلك الفصل المذكور من الباب الثالث.
ولما رأت قريش عزة النبى ﷺ بمن معه، وعزة أصحابه بالحبشة، وإسلام عمر بن الخطاب، وإسلام عمه حمزة رضى الله عنهم، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على معاداة بنى هاشم وبنى المطلب: ألاينا كحوهم ولا يبايعوهم، ويقطعوا عنهم الأسواق، ولا يقبلوا منهم صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتّى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل. وكان اجتماعهم وتحالفهم في خيف بنى كنانة (بالأبطح) ويسمّى محسبا، بأعلى مكة عند المقابر، وكتبوا بذلك صحيفة بخط منصور بن عكرمة، وقيل بخط بغيض بن عامر، وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة الشريفة هلال المحرم سنة سبع من مبعثه ﷺ ، فانحاز الهاشميون إلى أبى طالب مسلمهم وكافرهم، حتى أنّ كافرهم فعل ذلك حمية على عادة
стр. 188
الجاهلية، فدخلوا معه في شعبه، وخرج من بنى هاشم أبو لهب بن عبد العزى ابن عبد المطلب إلى قريش مظاهرا إليهم، وكانت امرأته أم جميل بنت حرب (أخت أبى سفيان) على رأيه في عداوة رسول الله ﷺ (كانت تحمل الشوك فتضعه في طريقه ﷺ ، فسمّاها الله تعالى حمالة الحطب) . وأقام بنو هاشم في الشعب ومعهم رسول الله ﷺ نحو ثلاث سنين، وكان بنو هاشم محصورين في الشعب لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى جاهدوا، وكان لا يصل إليهم ممن أراد صلتهم إلا سرا، هذا، ورسول الله ﷺ مقبل على شأنه من الدعاء إلى الله، والوحي عليه يتتابع.
ثم إن النبى ﷺ أخبر عمه أبا طالب بأن الله سلط الأرضة على الصحيفة فلم تدع فيها غير اسم الله تعالى الذى كانت قريش تستفتح به كتابها، وهو لفظ:
«باسمك اللهم» ، ونفت منها الظلم وقطع الرحم. فانطلق أبو طالب في عصابة حتى أتوا المسجد، فلما رأتهم قريش ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلّموا رسول الله ﷺ ، فقال أبو طالب: إنما أتيت في أمر هو نصف «١» فيما بيننا وبينكم:
إنّ ابن أخي أخبرنى بأمر «٢» فإن كان الحديث كما يقول فلا والله لا نسلمه حتّى نموت عن اخرنا، وإن كان الذى يقول باطلا دفعنا لكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم. وأخبرهم الخبر، فقالوا: قد رضينا الذى تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما قال، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا. ثم مشى في نقض الصحيفة قوم من قريش، وأخرجوا بنى هاشم وبنى المطلب من الشعب، وذلك في السنة العاشرة من مبعثه ﷺ .
ثم قدم الطفيل بن عمرو الدوسي «٣» وكان شريفا في قومه، فأسلم، ثم استأذن
стр. 189
النبيّ ﷺ ورجع إلى قومه، فأسلم منهم على يده ناس قليل، فرجع إلى النبى ﷺ فشكا ذلك إليه وسأله أن يدعو عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسا» ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم. قال الطفيل: فلم أزل أدعوهم حتّى مضى الخندق، ثم قدمت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين.
وقدم عليه ﷺ عشرون رجلا من نصارى نجران (مدينة بالحجاز، من شق اليمن معروفة، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب، وهو أوّل من نزلها) وقال في النهاية: (موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن) حين بلغهم خبر من هاجر من المسلمين إلى الحبشة، فوجدوه ﷺ في المسجد، فجلسوا إليه وسألوه وكلموه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ينظرون إليهم، فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ كما أرادوا، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله تعالى، وتلا عليهم القران، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به، وعرفوا منه ما هو موصوف به في كتابهم. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش، فقالوا لهم: خيّبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون (أى تنظرون) الأخبار لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتّى فارقتم دينكم فصدّقتموه بما قال! لا نعلم ركبا أحمق منكم.
فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه. ويقال:
نزل فيهم قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله: لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: ٥٢: ٥٥] . ونزل قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة: ٨٣] . وكان من القادمين على رسول الله ﷺ أميرهم العاقب عبد المسيح (من كندة) . ثم خرج ﷺ إلى الطائف.
قال الحافظ ابن عبد البرّ وغيره: أوّل موروث في الإسلام عديّ بن نضلة، وأوّل وارث نعمان بن عدي، وكان عدى قد هاجر إلى أرض الحبشة فمات بها، فورثه ابنه نعمان، واستعمله عمر على ميسان، ولم يستعمل من قومه غيره، فراود امرأته على الخروج فأبت، فكتب إليها يقول:
стр. 190
فمن مبلغ الحسناء أنّ حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنّتنى دهاقين قرية ... وصنّاجة تحذو على كل ميسم
إذا كنت ندمانى فبالأكبر اسقنى ... ولا تسقنى بالأصغر المتثلم
لعلّ أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
[والحنتم واحدة الحناتم: وهو في الأصل جرار مدهونة خضر، كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة، ثم اتّسع فيها، فقيل للخزف كله حنتم، والصنّاجة: الة لهو، وهى الطبل المعروف المذكور، فى قول الحريري: * أحسنت بالعيش يا صنّاجة الجيش*] .
فبلغ ذلك «١» عمر رضى الله عنه فكتب إليه يقول: بسم الله الرحمن الرحيم حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ [غافر: ١] . أما بعد.. فقد بلغنى قولك: «لعل أمير المؤمنين يسوؤه..»
إلى اخره. وأيم الله لقد ساءني» . ثم عزله.
فلما قدم عليه سأله، فقال: ما كان من هذا شيء، وما كان إلا فضل شعر وجدته، وما شربتها قط. فقال عمر: أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي عملا أبدا.
فنزل البصرة ولم يزل يغزو مع المسلمين حتّى مات، وشعره فصيح تستشهد به أهل اللغة على «ندمان» بمعنى «نديم» . وهذه الحادثة مصداق قوله تعالى:
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ... [الشعراء: ٢٢٤] . قال الشاعر:
«يقولون ما لا يفعلون» مذمّة ... من الله مذموم بها الشعراء
وما ذاك فيهم واحده بل زيادة ... يقولون ما لا يفعل الأمراء
стр. 191
الفصل الثالث فى خروجه ﷺ إلى الطائف قبل هجرته إلى المدينة المشرّفة
لما توفى عمه أبو طالب في السنة العاشرة من البعثة، بعد ما خرج من الحصار بالشعب بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوما، وله بضع وثمانون سنة، نالت قريش من النبى ﷺ ما لم تكن نالته في حياته، فهاجر إلى الطائف «١» فى شوال سنة عشر من البعثة، وهو مكروب مشوّش الخاطر مما لقى من قريش، ومن قرابته وعترته، خصوصا من أبى لهب وزوجته حمالة الحطب من الهجو والسب والتكذيب، فكانت تتجاذبه قريش وتقول له: أنت الذى جعلت الالهة إلها واحدا!!
فخرج إلى الطائف مع مولاه زيد بن حارثة يلتمس من ثقيف الإسلام، رجاء أن يسلموا، وأن يناصروه على الإسلام ويقوموا معه على من خالفه من قومه؛ لأنهم كانوا أخواله، فلم يجد منهم ذلك.
ومن خروجه ﷺ إلى الطائف عند ضيق صدره وتعب خاطره جعل الله الطائف مستأنسا لأهل الإسلام ممن بمكة إلى يوم القيامة.
ولما انتهى ﷺ إلى الطائف عمد إلى سادات ثقيف وأشرافهم، وكانوا إخوة ثلاثة أولاد عمرو بن عمير ابن عوف الثقفي، وهم: عبد ياليل واسمه كنانة، وعبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام، ولم يعرف لهما إسلام، وحبيب، قال الذهبي: وفي صحبته نظر «١» . وجلس ﷺ إليهم وكلمهم فيما جاءهم به من نصرة الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فلم يجيبوه إلى شيء من ذلك، فقام ﷺ من عندهم وقد أيس، وقال لهم: اكتموا عليّ، وكره أن يبلغ قومه ذلك فيشتد أمرهم عليه، وقالوا له: «اخرج من بلدنا والحق بمنجاتك من الأرض» ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويرمونه بالحجارة، حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فلما دخل الحائط رجعوا عنه. فلما راه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا
стр. 192
يقال له «عدّاس» معدود في الصحابة، مات قبل الخروج إلى بدر، فقالا: خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. فأقبل عداس بالطبق حتّى وضعه بين يدى رسول الله ﷺ ثم قال له:
كل. فلما وضع رسول الله ﷺ فيه يده الشريفة، قال: بسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، وقال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له ﷺ : من أيّ البلاد أنت؟ وما دينك يا عداس؟ فقال: نصراني، وأنا من أهل نينوي، فقال ﷺ : أنت من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال عداس:
وما يدريك ما يونس بن متّي؟ فإني خرجت والله من نينوى وما فيها عشرة يعرفون ما متّي! فمن أين عرفت ابن متى وأنت أمّي وفي أمة أميّة؟ فقال رسول الله ﷺ : ذلك أخي، كان نبيّا وأنا نبى أميّ. فقام عداس وأكبّ على رسول الله ﷺ يقبّل رأسه ويديه وقدميه، فقال أحد الأخوين عتبة وشيبة للاخر: أمّا غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس قال له أحدهما: ويلك، ما لك تقبّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟! فقال: يا سيدى ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أعلمنى بأمر لا يعلمه إلا نبي، فقال: ويحك يا عداس ليصرفنك عن دينك وليفتننك عن نصرانيتك؛ فإنه رجل خدّاع، ودينك خير من دينه!
فأقام ﷺ بالطائف عشرة أيام وشهرا، لا يدع أحدا من أشرافهم (أى زيادة على عبد ياليل وأخويه) إلا جاء إليه وكلّمه، فلم يجبه أحد، ثم ذهب إلى نخلة «١» وهى موضع على ليلة من مكة، أقام بها أياما.
وحضر إليه سبعة من جن نصيبين «٢» ، وهى مدينة بالشام بوادى نخلة (موضع على ليلة من مكة) وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القران استمعوا له، فحين رجعوا إلى قومهم قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) [الجن: ١، ٢] فأوحى الله إلى نبيه ﷺ ما قالوه لقومهم.
стр. 193
وعن ابن مسعود أنه ﷺ قال: أمرت أن أتلو القران على الجن؛ فمن يذهب؟
فسكتوا، ثم قال الثانية فسكتوا، ثم قال الثالثة، فقلت: أنا أذهب معك يا رسول الله، قال: فانطلق حتّى إذا جاء الحجون عند شعب ابن أبي ذئب خطّ عليّ خطّا، فقال «لا تجاوزه» ، ثم مضى إلى الحجون، فانحدروا عليه أمثال الحجل «١» ، كأنهم رجال الزطّ، [قال ابن الأثير في النهاية: «والزط قوم من السودان والهنود، كأن وجوههم المكاكي، يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفهن] حتى غشوه، فغاب عن بصرى، فقمت، فأومأ إليّ بيده أن اجلس، ثم تلا القران، فلم يزل صوته يرتفع ولصقوا بالأرض حتّى صرت لا أراهم، فلما عاد إليّ قال:
أردت أن تأتينى؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: «ما كان ذلك لك؛ هؤلاء الجن أتوا يستمعون القران ثم ولّوا إلى قومهم منذرين، فسألونى الزاد فزوّدتهم العظم والبعر، فلا يستطيبنّ أحدكم بعظم ولا بعر» .
وذكر في كتاب «القرى لقاصد أم القرّي» أن بأعلى مكة مسجدا يقال له مسجد الجن ومسجد البيعة أيضا يقال: إن الجن بايعوا رسول الله ﷺ هناك.
ولما أراد الدخول إلى مكة قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل على قريش وهم السبب في خروجك لتستنصر فلم تنصر؟! فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه. فسار رسول الله ﷺ إلى حراء «٢» ثم بعث إلى الأخنس بن شريق «٣» رضى الله عنه ليجيره، وكان ذلك قبل إسلامه، وليدخل ﷺ مكة في جواره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير.
فبعث ﷺ إلى مطعم بن عدى الذى مات على دين قومه قبل بدر بنحو سبعة أشهر يقول له: إنى داخل مكة في جوارك. فأجابه إلى ذلك، فدخل ﷺ مكة، ثم تسلح المطعم بن عدى وأهل بيته وخرجوا حتّى أتوا المسجد، فقام المطعم بن عدى على راحلته ونادي: يا معشر قريش إنى قد أجرت محمدا فلا يؤذيه أحد
стр. 194
منكم. ثم بعث إلى رسول الله ﷺ : أن ادخل. فدخل ﷺ المسجد وطاف بالبيت وصلّى عنده، ثم انصرف إلى منزله، والمطعم بن عدى وولده مطيفون به ﷺ ، وأقبل أبو سفيان على المطعم فقال: إذن قد أجرّنا من أجرت.
ولا بدع في دخوله ﷺ في أمان مشرك؛ لأن حكمة الحكيم القادر قد تخفي، وهذا السياق يدل على أن قريشا كانوا أزمعوا على عدم دخوله ﷺ لسبب ذهابه إلى الطائف ودعائه أهله.
ولما بعث الله رسوله ﷺ ، وأنزل عليه الوحى وأمره بإظهار دينه وأيّده بالمعجزات الظاهرات والايات الباهرات، أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس من إيلياء «١» ، وقد فشا الإسلام في قريش وفي القبائل كلها. وكان الإسراء به ﷺ والمعراج ليلة سبع وعشرين من رجب، وقال بعضهم: إنهما كانا يوم الاثنين، فهما موافقان للمولد والمبعث والهجرة والوفادة؛ لأنه ﷺ ولد يوم الاثنين، وبعث يوم الاثنين، وهاجر من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفى يوم الإثنين.
стр. 195
الفصل الرابع في الإسراء به ﷺ ليلا من المسجد الحرام وعروجه من المسجد الأقصي إلى السموات العلى
ولما بلغ ﷺ إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر (قبل الهجرة بسنة) أسرى به من حجر مكة المعظّم ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو أوّل القبلتين، وثانى المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشدّ الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر «١» بعد الموطنين إلا عليه؛ فقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى ﷺ قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصي» «٢» ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى السماوات العلي، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام «٣» .
قال الماوردى: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم، إلا فى قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٤٩] ، فإنه أراد به الكعبة، ولم يرد في أحاديث المعراج الثابتة أنه ﷺ عرج به إلى العرش تلك الليلة، بل لم يرد في حديث أنه ﷺ جاوز سدرة المنتهى، بل انتهى إليها.
وقد سئل الشيخ رضى الدين القزوينى ﵀ عن وطء النبى ﷺ العرش بنعله، وقول الرب ﷻ «لقد شرف العرش بنعلك يا محمد» هل ثبت ذلك أم لا؟ «٤» فأجاب بما نصه: «أما حديث وطء النبى ﷺ العرش بنعله فليس بصحيح، وليس بثابت، بل وصول النبى ﷺ إلى ذروة العرش لم يثبت في خبر صحيح ولا حسن ولا ثابت أصلا، وإنما صحّ في الأخبار انتهاؤه إلى سدرة
стр. 196
المنتهى فحسب، وأما إلى ما وراءها فلم يصحّ، وإنما ورد ذلك في أخبار ضعيفة أو منكرة» .
قال النجم الغيطى ﵀: «وقد رأيت بخط بعض المحدّثين- بعد نقله كلام الشيخ رضى الدين ﵀: هو الصواب، وقد وردت قصة الإسراء والمعراج مطوّلة ومختصرة عن نحو أربعين صحابيّا، وليس في حديث أحد منهم أنه ﷺ كان تلك الليلة في رجله نعله، وإنما وقع ذلك في نظم بعض القصّاص الجهلة» إلى أن قال: «وهذا باطل لم يذكر في شيء من الأحاديث بعد الاستقراء التام، ولم يرد في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف، أنه رقى العرش، وما وقع في بعض الأحاديث التى افتراها بعضهم لا يلتفت إليه، ولا أعلم خبرا ورد فيه أنه ﷺ رأى العرش إلا ما رواه ابن أبي الدنيا عن ابن أبي المخارق أن النبى ﷺ قال: «مررت ليلة أسرى بى برجل مغيّب في نور العرش، قلت: من هذا، أملك؟ قيل: لا، قلت؟ نبي؟ قيل: لا، قلت: من هو؟ قيل: هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطبا من ذكر الله وقلبه معلق بالمساجد ولم يستسبّ لوالديه» «١» ، وهو خبر مرسل لا تقوم به الحجة في هذا الباب، وما ذكر في السؤال (يعنى المتقدم من أنه ﷺ رقى العرش بنعله) فقاتل الله من وضعه؛ ما أعدم حياءه وأدبه، وما أجرأه على اختلاق الكذب على سيد المتأدبين ورأس العارفين ﷺ .
[شقّ صدره] : وحدّث ﷺ عن ليلة أسرى به كما رواه البخارى ومسلم وغيرهما، فقال: «بينما أنا في الحطيم «٢» (وربما قال في الحجر) مضطجع، (وفي رواية: بين النائم واليقظان) إذ أتانى ات، قال: فسمعته يقول: فشقّ ما بين هذه إلى هذه (يعنى من ثغرة نحره إلى عانته) فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيمانا فغسل قلبى ثم حشي» . والحديث فيه اختصار، والأصل: فاستخرج قلبه ثم شق واستخرج منه علقة، وقيل: «هذا حظ الشيطان منك» . ثم غسل بماء زمزم، كما يدل عليه حديث اخر، وفي رواية «علقتين سوداوين» وفي لفظ: «مضغة» .
стр. 197
وقد اختلف في تفسير الحكمة، فقيل: هى العلم المشتمل على معرفة الله تعالى مع نقاء البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده، والحكيم من حاز ذلك.
قال الإمام النووى في شرح مسلم: «وليس في هذا ما يوهم جواز استعمال الذهب لنا؛ فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، ولأنه كان قبل تحريم أوانى الذهب والفضة، والتحريم إنما وقع بالمدينة، كما نبه عليه الحافظ ابن حجر» .
قال الشيخ محمد بن أبى جمرة: «الحكمة في شق صدره مع القدرة على أن يمتليء قلبه ﷺ إيمانا وحكمة بغير شق: الزيادة في قوة اليقين؛ لأنه أعطى برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمن معه من جميع المخاوف العاديّة، فلذلك كان أشجع الناس حالا ومقالا، ولذلك وصف بقوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) [النجم: ١٧] ، اهـ. وكل هذه الأمور يجب الإيمان بها، والقدرة «١» صالحة لذلك، وقد انخرقت العادات لكثير من أولياء الله تعالى المتطفلين على جناب هذا السيد العظيم المحبوب الأكبر، فكيف به ﵊؟
وقد سئل الإمام تقى الدين السبكى ﵀ عن العلقة السوداء التى أخرجت من قلبه ﷺ حين شقّ فؤاده، وقول الملائكة «هذا حظ الشيطان منك» ، فأجاب ﵀ بأن تلك العلقة خلقها الله تعالى في قلوب البشر، قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلبه ﷺ ، فلم يبق فيه مكان لأن يلقى الشيطان فيه شيئا، وهذا معنى الحديث. قيل له: فلم خلق الله تعالى هذا القابل «٢» فى هذه الذات الشريفة، وكان يمكنه ألايخلقه الله تعالى فيه؟ فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنساني، ولا بد منه، ونزعه كرامة ربانية طرأت.
وقال غيره: لو خلق نبيه ﷺ سليما منها لم يكن للادميين اطّلاع على
стр. 198
حقيقته، فأظهره الله تعالى على يد جبريل ﵇ ليتحققوا كمال باطنه بإخباره ﷺ عمّا شاهده في نفسه، كما برز لهم مكمل الظاهر. انتهي.
وفي غسل قلبه بماء زمزم دون غيره أنه أفضل المياه بعد النابع من أصابعه الشريفة، ويليه: ماء الكوثر، ثم نيل مصر، ثم باقى الأنهر، ونظم السبكى ذلك بقوله:
وأفضل المياه ماء قد نبع ... بين أصابع النبيّ المتّبع
يليه ماء زمزم فالكوثر ... فنيل مصر، ثم باقى الأنهر
وقيل: لأن ماء زمزم يقوّى القلب، ويسكن الرّوع.
وقال الحافظ الزين العراقي: ولذلك غسل قلبه ﵇ ليلة الإسراء ليقوى على رؤية الملكوت، وقيل: لأنه لما كان ماء زمزم أصل حياة أبيه إسماعيل ﷺ ، وقد ربّي عليها ونما عليه قلبه وجسده، وصار هو صاحبه وصاحب البلدة المباركة، ناسب أن يكون ولده الصادق المصدوق كذلك، ولما فيه من الإشارة إلى اختصاصه بذلك؛ فإنه قد صارت الولاية إليه في الفتح «١» ، فجعل السقاية للعباس ولولده، وحجابة البيت لعثمان بن شيبة وعقبه إلى يوم القيامة.
روى الطبراني من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام طعم وشفاء سقم» وصحّحه ابن حبان، وروى مرسلا من حديثه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ :
«ماء زمزم لما شرب له» ورجاله ثقات.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: «كنا نسميها، (يعنى زمزم) ، «شباعة» «٢» ، ونجدها نعم العون على العيال» .
وروى فيه «إنه شراب الأبرار» كما عند الأزرقي، وكان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم، كما رواه في الحلية، وقال عباد بن
стр. 199
عبد الله بن الزبير: لما حجّ معاوية حججنا معه، فلما طاف بالبيت صلّى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا، فقال: انزع لى منها دلوا يا غلام، قال: فنزع له منه دلوا فأتى به فشرب وصبّ على وجهه ورأسه، وهو يقول: «زمزم شفاء، وهى لما شرب له» قال الحافظ: إسناده حسن، وهو أحسن من كل إسناد وقفت عليه لهذا الحديث، وقد جرّبه جماعة من العلماء والأئمة فوجدوه صحيحا.
وأما ما يذكر على بعض الألسنة من أن فضيلته ما دام في محله فإذا نقل تغيّر، فقال الحافظ السخاوي: إنه شيء لا أصل له؛ فقد كتب النبى ﷺ إلى سهيل بن عمرو: «إن جاءك كتابى ليلا فلا تصبحن، أو نهارا فلا تمسين حتّى تبعث إليّ بماء زمزم» ، فبعث له بمزادتين، وكان حينئذ بالمدينة قبل أن تفتح مكة.
وحملته عائشة رضى الله عنها في القوارير، وقالت: حمله رسول الله ﷺ في الأداوى والقرب، وكان يصبّ منه على المرضى ويسقيهم، وكذا حمله الحسن والحسين رضى الله عنهما، ونقله جائز بإتفاق الأئمة الأربعة «١» .
وفي ماء زمزم خواص منها: أنه لا يرفع ولا يغور إذا رفعت المياه وغارت قبل يوم القيامة، ومنها أنه يذهب الصداع ويبرد الحمّي.
قال القسطلاني: «وقد وقع في شق صدره الشريف من الخوارق ما يدهش السامع؛ فسبيلك الإيمان والتسليم من غير أن تتكلف إلى التوفيق بين المنقول والمعقول، للتبرّى مما يتوهم أنه محال من: شق البطن، وإخراج القلب المؤديين إلى الموت لا محالة، ونحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق، إلا في الأمر المحال على القدرة» . انتهي.
* ثم بعد طهارة باطنه وظاهره بالوضوء، لمناسبة شهود الحضرة القدسية، أتى بالبراق مسرجا ملجما، (وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، وهو مأخوذ من البرق لسرعة سيره، أرسله الله تعالى من الجنة إجلالا وتعظيما، على عادة الملوك إذا استدعوا عظيما بعثوا إليه النجيب «٢» مهيّا مع أعز خواصهم للحضور، فهو من عالم الغيب: لا
стр. 200
يوصف بذكورة ولا أنوثة، كالملائكة) فحمل عليه فانطلق به جبريل ﵇ حتّى أتى السماء الدنيا فاستفتح «١» ، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل:
ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به فنعم المجيء جاء ... » «٢» الحديث بطوله، ورأى الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم وصلّى بهم.
واختلف في صلاته) ليلة الإسراء بالأنبياء، قيل: قبل عروجه، وقيل: بعده، والأوّل استظهره ابن حجر، وصحّح «٣» الثانى ابن كثير، قال بعضهم: ولا مانع من أنه ﷺ صلّى بهم قبل العروج وبعده. وكانت صلاته بهم ركعتين، والظاهر أنها كانت فريضة «٤» ؛ لأنها كانت بأذان وإقامة، وهل كانت بالفاتحة أو غيرها؟
لم يثبت ذلك. وفي «الإتقان» (٥) ما يفيد أنه قرأ فيها بأم القران.
قال النووي: واختلف في هذه الصلاة، فقيل: إنها اللغوية، وهى الدعاء والذكر، وقيل: الصلاة المعهودة، وهذا أصح؛ لأن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية قبل اللغوية، وإنما يحمل على اللغوية إذا تعذّر حمله على الشرعية، ولم يتعذر هنا، فوجب الحمل على الصلاة الشرعية. وهل صلّى بأرواحهم متشكلة بصور أجسادهم، أو هى وأجسادهم؟ احتمالان. وفي الحديث ما يدلّ لكل منهما.
وأما ما راه في السماوات؛ فأرواحهم متشكلة بصور أجسادهم إلا عيسى وإدريس، وصلّى أيضا بالملائكة عند سدرة المنتهي، ورأى من ايات ربه الكبري، ثم دنا فتدلّي، فكان قاب قوسين أو أدني، فأوحى إلى عبده ما أوحي.
قال أبو بكر: سألت رسول الله ﷺ عن قوله فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
(١٠) [النجم: ١٠] ؟ قال: «فقال الله : «لولا أنى أحب العتاب لم أحاسب أمتك» . قال: وذكر عن أمتى خصالا:
أولها: قال: لم أكلفهم عمل الغد، وهم يطلبون منى رزق الغد.
стр. 201
وثانيها، قال: لا أدفع أرزاقهم إلى غيرهم، وهم يدفعون عملهم إلى غيري.
وثالثها، قال: إنهم يأكلون رزقي، ويشكرون غيري، ويحرنون «١» معي، ويصالحون خلقي.
ورابعها، قال: أنا المعزّ، وهم يطلبون العزّ من سواي.
وخامسها قال: إنّى خلقت النار لكل كافر، وهم يجتهدون أن يوقعوا أنفسهم فيها» .
وفرض الله عليه وعلى أمته تلك الليلة كل يوم وليلة خمسين صلاة في أوّل الأمر، فما زال يراجع حتّى صارت خمسا في الفعل وخمسين في الأجر.
والحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء: أنه ﷺ لما عرج به إلى السماء، رأى تلك الليلة تعبّد الملائكة؛ منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالى له ولأمته تلك العبادات في ركعة واحدة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص.
وفي اختصاص فرضها في السماء دون سائر الشرائع فإنها فرضت في الأرض، فللتنبيه على مزيتها على غيرها من الفرائض. وفي فرضها تلك الليلة (كما قال السهيلي) التنبيه على فضلها حيث لم تفرض إلا في الحضرة المقدّسة المطهّرة، ولذلك كانت الطهارة من شأنها ومن شرائطها، والتنبيه على أنها مناجاة الرب ، وأن الله ﵎ يقبل بوجهه على المصلى يناجيه ويقول: حمدنى عبدي، أثنى عليّ عبدي، إلى اخر سورة الفاتحة، وهو المشاكل لفرضها عليه فوق السماء السابعة حين سمع كلام الرب ، وناداه. ولم يعرج به حتّى طهّر ظاهره وباطنه بماء زمزم، كما يتطهر المصلى للصلاة، وأخرج عن الدنيا بجسده كما يخرج المصلى عن الدنيا بقلبه، ويحرم عليه كل شيء إلا مناجاة ربه وتوجهه إلى قبلته في ذلك الحين، وهو بيت المقدس، ورفع إلى السماء كما يرفع المصلّى يديه إشارة إلى القبلة العليا، وهو البيت المعمور وإلى جهة عرش من يناجيه ويصلى له .
стр. 202
* قال بعض المفسرين: الأفعال التى كلّفنا الله بها على قسمين:
منها ما يعقل معناه ووجه حكمته فيه؛ كالصلاة والصوم والزكاة؛ فإن الصلاة تضرّع محض، وتواضع وتذلل للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة.
ومنها ما لا يعقل معناه ولا يعرف وجه الحكمة فيه كأفعال الحج؛ فإنّا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمى الجمار، والسعى بين الصفا والمروة والرّمل.
ثم اتّفق المحققون على أنه كما يحسن منه تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأوّل، فكذا يحسن منه الأمر بالنوع الثاني؛ لأن الإطاعة في النوع الأوّل لا تدل على كمال الانقياد؛ لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، بخلاف الطاعة في النوع الثاني؛ فإنها لا تدل إلا على كمال الانقياد، وكمال نهاية التسليم؛ لأنه لمّا لم يعرف منه وجه المصلحة إليه لم يكن وجه إتيانها إلا محض الانقياد والتسليم، وهذا معنى قولهم: يجب علينا الإيمان والتصديق بكل ما جاءت به الرسل وإن لم نفهم حكمته، كذلك يجب علينا الإيمان والتصديق بكلام الأئمة وإن لم نفهم علّته حتّى يأتينا عن الشارع ما يخالفه.
ومن شعائر الإسلام الصلوات، والجماعات، وقراءة القران. والمساجد والمحاريب في زماننا أكثر؛ إذ النبى ﷺ خرج من الدنيا والإسلام لم يبلغ غير جزيرة العرب.
* ولما أصبحّ ﷺ قصّ على قريش ما رأي، فقال له المطعم بن عدي: «كلّ أمرك قبل اليوم كان أمما (يعنى خفيفا) ، أنا أشهد أنك كاذب؛ نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدا شهرا ومنحدرا شهرا وتزعم أنك أتيته في ليلة! واللات والعزّى لا أصدّقك» .
فقال أبو بكر رضى الله عنه: «يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك، جبهته وكذبته، وأنا أشهد أنه صادق» .
فقالوا: «يا محمد صف لنا بيت المقدس، كيف بناؤه؟ وكيف هيئته؟ وكيف قربه من الجبل؟ (وفي القوم من سافر إليه) ، فذهب ينعت لهم: بناؤه كذا،
стр. 203
وهيأته كذا، وقربه من الجبل كذا. وسألوه أمارة، فأخبرهم بالعير وأنهم يقدمون يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتّى كادت الشمس أن تغرب، فدعا ﷺ الله، فحبس الشمس، وكان كما وصف ﷺ . واختلف في حبس الشمس، فقيل وقوفها عن السير (عن الحركة) بالكلية، وقيل بطء حركتها. (وقيل غير ذلك) .
فما زال ينعت لهم حتّى التبس عليه النعت، فكرب كربا ما كرب مثله، فجيء بالمسجد وهو ينظر إليه حتّى وضع دون دار عقيل أو عقال، فقالوا له: كم للمسجد من باب؟ ولم يكن عدّها، فجعل ينظر إليها ويعدّها بابا بابا، وأبو بكر رضى الله عنه يقول: «صدقت، صدقت، أشهد أنك رسول الله» ، فقال القوم: أما النعت فو الله لقد أصاب، ثم قالوا لأبى بكر: أتصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: «نعم، إنى لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة» . فلذلك سمى أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه.
وحكمة تخصيص الإسراء إلى المسجد الأقصي: أن قريشا تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفونه، مع علمهم أنه ﷺ لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع.
* وقد اختلف الناس في كيفية الإسراء: فالأكثرون من طوائف المسلمين متفقون على أنه بجسده ﷺ ، والأقلّون قالوا بروحه، فالإسراء بالروح محكي عن حذيفة وعائشة ومعاوية رضى الله عنهم، فقد قالوا: إن ذلك كله كان رؤيا، وهناك قول ثالث: إن الإسراء كان بجسده إلى بيت المقدس، وبروحه من بيت المقدس إلى السموات السبع.
والصحيح عند الجمهور أن الإسراء والمعراج كانا يقظة لا رؤيا؛ لأنه قد صح أن قريشا كذّبته، وارتدّ جماعة ممن كان أسلم، وسألوه أمارة فأخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء؛ فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتّى كادت الشمس أن تغرب، فدعا الله تعالى فحبس الشمس حتّى قدموا كما وصف. وكذلك تجلّى البيت المقدس له ونظره إليه وإخبار قريش، فهذا يدل على أن ذلك كله لم يكن رؤيا، ولو قال رسول الله ﷺ «رأيت رؤيا» لما كذّب ولا أنكر ذلك على غيره، فضلا عن إنكاره عليه، لأن احاد الناس يرون في منامهم أنهم ارتقوا إلى السموات، وليس ذلك بعجيب.
стр. 204
وأيضا الظاهر من قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ أنه يقظة؛ فإن العبد (كما في المحكم) «١» الإنسان: حرّا كان أو عبدا لأنه مملوك لربه، وهو في الأصل صفة، لكنه استعمل استعمال الأسماء، والمراد به هنا محمد ﷺ ، ففى قوله بِعَبْدِهِ دليل على أن الإسراء كان بروحه وجسده، لا بروحه فقط؛ إذ العبد اسم للجسد والروح. وتعجّب قريش من ذلك لاستحالتهم إياه مدفوع «٢» كما قال أهل الهيئة «٣» إن الفلك الأعظم في مقدار ما يتلفظ الإنسان بلفظة واحدة يقطع ألفا واثنين وثلاثين فرسخا، وكما قاله البيضاوى بما ثبت في الهندسة أنّ ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضعها الأعلى في أقل من ثانية «٤» وهى جزء من ستين جزا من الدقيقة.
وقد برهن في كتاب «الإحكام» أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض، فالله قادر على كل الممكنات، فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي، أو فيما يحمله، والتعجب من لوازم المعجزات. اهـ.
قال محشّيه «٥» : وأيضا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحانى من فوق العرش إلى مركز العالم. فإن كان معراجه ﷺ في ليلة واحدة ممتنعا، كان نزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعا، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقول بثبوت المعراج متفرع على نحو تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أن القائلين بامتناع صعود حركة جسمانية سريعة إلى هذا الحدّ يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل فى لحظة واحدة من العرش إلى مكة، وإن كان ذلك باطلا كان ما ذكر أيضا
стр. 205
باطلا. فإن قالوا: نحن لا نقول إن جبريل جسم ينفصل من مكان إلى مكان، وإنما نقول: المراد من نزوله هو زوال الحجب الجسمانية عن روحه ﷺ حتّى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل، قلنا: تفسير الوحى بهذا الوجه هو قول الحكماء «١» .
وأما جمهور المفسرين فيقرون بأن جبريل جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأملاك إلى مكة، وإذا كان كذلك كان الإلزام المذكور قويا، وهذا تقرير ما ذهب إليه الأكثرون من المسلمين، وإن ذهب الأقلّون إلى أنه ﵊ ما أسرى إلا بروحه. انتهي.
فقد ذهب أهل التحقيق أنه تعالى أسرى بروح محمد ﷺ وجسده من مكة إلى المسجد الأقصي. انتهي.
قال بعضهم في هذا المعنى مخاطبا له ﷺ :
أسرى إلى الأقصى بجسمك يقظة ... لا في المنام فيقبل التأويلا
إذ أنكرته قريش قبل ولم تكن ... لترى المهول من المنام مهولا
وقال اخر:
ألم تر أنّ الله أسرى بعبده ... إلى المسجد الأقصى من البيت ذى الحجر
وطاف به الكونين في ليلة السري ... وعلّمه ذو مرّة كلّ ما يجرى
دنا فتدلّى قاب قوسين فاتلها ... وعلّمه ما لم يكن قبله يدرى
خليل، ولم يعلم كليم، ولم ينل ... مسيح، ولا خلق إلى منتهى الحشر
وقوله: «وعلّمه ما لم يكن قبله يدرى خليل» إلى اخره إشارة إلى أنّ معراجهم لم يكن كمعراجه مشتملا على تعليم كتعليمه؛ وذلك لأن المعراج كان لستة من الأنبياء: خليفة الله تعالى ادم أبو البشر، وإدريس، وإبراهيم، وموسي، وعيسي،
стр. 206
وصفوتهم نبينا ﷺ فمعراج ادم كان إلى الجنة، ومعراج إدريس إلى السماء السادسة، ومعراج إبراهيم إلى ملكوت السموات والأرض، ومعراج موسى إلى الطور، ومعراج عيسى إلى سماء الدنيا، ومعراج المصطفى ﷺ إلى العرش، وقد اشتركت الستة في أصل المعراج، ولكن «ما كلّ بيضاء شحمة» «١» .
وفي الخبر عنه ﷺ «أعطيت تفاحة ليلة المعراج فأكلتها فصارت ماء في ظهري، فلما رجعت واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فإذا هي: حورية إنسية سماوية أرضية» .
وفي وقوع الإسراء ليلا فوائد. منها: ليزداد الذين آمنوا إيمانا بالغيب، ويفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، ومنها أنه وقت الخلوة والاختصاص عرفا؛ فإن بين جليس الملك نهارا وجليسه ليلا فرقا واضحا، ولله درّ القائل:
الليل لى ولأحبابى أنادمهم ... قد اصطفيتهم كى يسمعوا ويعوا
وقول الاخر:
قلت: يا سيدى أتوثر الليل ... عن بهجة النهار المنير
قال: لا أستطيع تغيير رسمى ... هكذا الرسم في طلوع البدور
إنما زرت في الظلام لكيما ... يشرق الليل من أشعة نورى
ولأنه وقت الصلاة التى كانت مفروضة عليه، فى قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ، وليكون أبلغ للمؤمن في الإيمان بالغيب- كما تقدم- وفتنة للكافر.
وقال بعض أهل الإشارات: لما محا الله اية الليل وجعل اية النهار مبصرة انكسر الليل، فجبر «٢» بأن أسرى فيه بمحمد ﷺ .
قال ابن دحية: «أكرم نبينا محمد ﷺ بأمور، منها: انشقاق القمر «٣» ، وإيمان
стр. 207
الجن به، وخروجه إلى الغار ليلا» . والليل أصل، ولهذا كان أوّل الشهر، وسواده يجمع ضوء البصر، ويستلذ فيه بالسمر، وكان ﷺ أكثر أسفاره ليلا، وقال:
«عليكم بالدلجة؛ فإنّ الأرض تطوى بالليل» «١» ، والليل وقت الاجتهاد للعبادة، فلما كانت عبادته ليلا أكرم بالإسراء فيه، وليكون أجر المصدّق به أكثر ليدخل فيمن امن بالغيب دون من عاينه نهارا، وصحّ أنه ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حتّى يبقى الثلث الأخير، فيقول: من يدعونى فأستجيب له؟ ومن يسألنى فأعطيه؟ ومن يستغفرنى فأغفر له؟» الحديث. وهذه الخصوصية لم تجعل للنهار، نبّه بها ﷺ لما في ذلك الوقت من الليل من سعة الرحمة ومضاعفة الأجر، ولإبطال كلام الفلاسفة: «إن الظلمة من شأنها الإهانة والشر» .
وقد ذكر ﷺ بعد عوده الأنبياء الذين راهم في بيت المقدس والسماء، وذكر الجنة والنار، وسدرة المنتهي، والأنهار الأربعة، وفرض الصلوات الخمس، وأنه رأى ربه بعيني رأسه بلا كيف ولا أين ولا زمان.
[مسألة رؤية الله] :
ولنذكر هنا مسألة الرؤية على وجه الاختصار فنقول:
أجمع العلماء على أن رؤية الله تعالى بالأبصار يقظة في الدنيا جائزة عقلا؛ إذ كل موجود رؤيته جائزة، وليس ثمة دليل قاطع على استحالتها شرعا؛ فرؤية النبى ﷺ الله ليلة المعراج ببصره جائزة عقلا، بمعنى أن العقل إذا خلّى ونفسه لم يحكم بامتناع رؤيته تعالى بالبصر. ورؤية الله تعالى في الدنيا من خصوصياته ﷺ ، مستحيلة شرعا على غيره، وإنما اختلاف الصحابة في وقوعها لا في إمكانها وجوازها، ومما يدلّ على جوازها في الدنيا، سؤال موسى ﵇ إياها، إذ لا يجوز على نبى جهل شىء مما يجوز لربه أو يمتنع
стр. 208
عليه أو يجب له. وكيفية الخلاف في وقوعها: كما حكاه عنه القشيرى، وهو قول عائشة رضى الله عنها بإنكار رؤيته ﷺ ربه ليلة الإسراء حين قالت لمسروق* وكان متكئا عندها: «يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله، فقال: ما هن؟ فقالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، فجلس، وقال: انظرينى يا أم المؤمنين ولا تعجلينى، ألم يقل الله وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣] ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣] ؟ فقالت أنا أوّل هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التى خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض، ثم قالت: أولم تسمع أن الله تعالى يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣] أولم تسمع أن الله يقول: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشورى: ٥١] إلى قوله:
عَلِيٌّ حَكِيمٌ. قالت: ومن زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: ٦٧] قالت: «ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول:
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥] كما رواه مسلم، ووافقها أبو هريرة وجماعة، وهو المشهور عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه.
والذى جزم به صاحبه «التحرير» ، كما نقله عنه النووى وأقرّه: إثبات رؤيته ﷺ ريّه ببصره، قال: والحجج في هذه المسألة، وإن كانت كثيرة، ولكنّا لا نتمسك إلا بالأقوى منها، وهو حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما:
стр. 209
«أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ ؟!» وعند الطبراني من حديثه: انظر محمد إلى ربه. قال عكرمة فقلت له: نظر محمد إلى ربه؟ فقال: قد جعل الكلام لموسى، والخلة لإبراهيم، والنظر لمحمد ﷺ » . وأخرجه البيهقى بلفظ: «إن الله اصطفى إبراهيم بالخلّة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا بالرؤية» .
وعن عكرمة «سئل ابن عباس: هل رأى محمد ربه» ؟ قال: نعم» . وقد روى بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنس. قال: رأى محمد ﷺ ربّه» .
والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة، والرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة، وراسله: هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فأخبره أنه راه، فالعقيدة على مذهب ابن عباس رضى الله تعالى عنه.
وأما ما قاله الإمام مالك رضى الله عنه من أن الله لم ير في الدنيا؛ لأنه باق، والباقى لا يرى بالفانى، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رأوا الباقى بالباقى، ومقتضاه أنه يقول بعدم رؤيته لأحد في الدنيا، فيكون مذهبه مذهب من قال: إن محمدا لم ير ربّه، فقد تأوله بعض المتأخرين بقوله:
هو كلام حسن مليح، ليس فيه دلالة على استحالة الرؤية في الدنيا إلا من حيث ضعف القوة الباصرة، فإذا قوّى الله من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية في أى وقت كان، فلا مانع من ذلك، وهو الحق، فيجوز أن يقال: إن الله تعالى أودع البصر الشريف قوة أقدر بها على رؤيته تعالى، كما كان ﷺ يرى جبريل، والصحابة عنده لا يرونه: للقوة التى أمدّه «١» الله بها دونهم..
قال الحافظ ابن حجر: ووقع في صحيح مسلم ما يؤيد التفرقة في الرؤية بين الدنيا والآخرة في حديث مرفوع، فيه: «واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتّى تموتوا» .
стр. 210
وأخرجه أيضا ابن خزيمة من طرفين، وهذا ظاهر في انتفاء الرؤية عنه ﷺ ، والجواب عن ذلك ممن أثبتها له ﷺ في الدنيا ما قاله ابن حجر: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، يعنى أن النبى ﷺ نفاها عن غيره.
وأما ما تمسكت به عائشة رضى الله عنها، فقد أجاب عنه صاحب «التحرير» ، كما نقله عنه النووى وأقره من قوله بعد نقله حديث ابن عباس وأنس السابقين، ولا يقدح في هذا حديث عائشة؛ لأن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبى ﷺ يقول: لم أر ربى، وإنما ذكرت ما ذكرت متأوّلة لقول الله تعالى:
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشورى: ٥١] ، ولقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] ، والصحابى إذا قال قولا خالفه غيره من الصحابة لم يكن قوله حجة اتفاقا، وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها؛ فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن، وإنما تتلّقى بالسماع، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد، وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس، ثم إن ابن عباس أثبت شيا نفاه غيره، والمثبت مقدّم على النافى.
هذا كلام صاحب التحرير.
قال النووى: «والحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربّه بعينى رأسه ليلة الإسراء، لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم، وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ ، وهذا مما لا ينبغى أن يشك فيه «١» .
ثم إن عائشة رضى الله تعالى عنها لم تنف الرؤية بحديث عن رسول
стр. 211
الله ﷺ ، ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الايات، فأما احتجاجها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فجوابه ظاهر؛ فإن الإدراك هو الإحاطة، والله تعالى لا يحاط به، وإذا ورد النص بنفى الإحاطة لا يلزم منه نفى الرؤية بغير إحاطة، وأما احتجاجها بقوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ الاية، فالجواب عنه من أوجه:
أحدها: أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام.
الثانى: أنه عامّ مخصوص بما تقدّم من الأدلة.
الثالث: ما قاله بعض العلماء: إن المراد بالوحى الكلام من غير واسطة، وإن كان مذهب الجمهور أن المراد بالوحى هنا الإلهام، أو الرؤيا في المنام، وأما قوله تعالى: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١] فقال الواحدى وغيره: معناه غير مجاهر لهم بالكلام، بل يسمعون كلامه من حيث لا يرونه، وليس المراد أن هناك حجابا يفصل موضعا من موضع، ويدلّ على تحديد المحجوب، فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، حيث لم ير المتكلم.
وما قدّمناه من أنه ﷺ رأى ربه بعينى رأسه هو قول أنس وعكرمة والحسن والربيع وجماعة من المفسرين.
وقال ابن عباس وأبو ذر وإبراهيم التيمى: راه بقلبه.
قال ابن عطية: وعلى هذا رأى ربّه بقلبه رؤية صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرا حتّى رأى ربه رؤية صحيحة.
أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: «نظر محمد إلى ربه مرتين؛ مرة ببصره ومرة بفؤاده، وعليه فلابن عباس مذهب كون الرؤية بالبصر وبالفؤاد.
وما قاله ابن عطية في الرؤية بالفؤاد أقرّه النووى وارتضاه ابن حجر، ثم
стр. 212
قال: وليس المراد برؤية الفؤاد مجرد حصول العلم؛ لأنه ﷺ كان عالما بالله على الدوام، فليس المراد بالرؤية المعرفة؛ لأن غيره ﷺ من الأولياء إذا أطلقوا الرؤية والمشاهدة وأسندوا ذلك لأنفسهم إنما يريدون بها المعرفة فقط، فقال بعضهم:
دنا ليلة الإسراء ممن أحبّه ... وثانيه روح القدس والناس هجّد
دنوّ اصطفاء لا دنوّ مسافة ... وإن كان في حالاته ليس يبعد
وقال أيضا:
نجىّ لربّ العالمين مقرّب ... حبيب فيدنو كل حين ويستدنى
نأى ليلة الإسراء عنّا ترقيا ... فكان دنوا قاب قوسين أو أدنى
فقلنا له عن صحة ألف اية ... وهل تنكر الأزهار في الروضة الغنا
ولم تثبت الرؤية في الدنيا لغيره ﷺ ، حتى لموسى ﵇، كما قال:
ولو قابلت لفظة «لن ترانى» ... ب «ما كذب الفؤاد» فهمت معنى
خلافا لمن قال غير ذلك:
والحاصل في أنه «على القول بوقوع الرؤية في الدنيا» لم تحصل لبشر غير نبينا ﷺ ، ومن ادّعاها في الدنيا يقظة فهو ضال بإطباق العلماء، بل قيل بتكفيره. وقد نقل جماعة الإجماع على أنها لا تحصل للأولياء في الدنيا، والصواب أنه مختلف فيها وأن المنع أرجح قولى الأشعرى، وذهب ابن الصلاح وغيره إلى تكذيب مدّعيها يقظة في الدنيا، فإن صح عن أحد من المعتبرين وقوع ذلك يؤوّل بأن تقلبات الأحوال تجعل الغائب كالمشاهد، حتى إذا كثر اشتغال السرّ بشيء واستحضاره له صار كأنه حاضر بين يديه، كما هو معلوم بالوجدان لكل أحد، وعليه يحمل ما نقل عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه كان يطوف حول البيت فسلّم عليه إنسان فلم يردّ عليه، فشكاه إلى عمر رضى الله عنه، فقال: «كنا نرى الله في ذلك المكان» ، وهذا يدل على أنه قد تتفق في زمان دون زمان، ومكان دون زمان، ومكان دون مكان، وسيأتى قريبا لذلك بعض تحقيق.
стр. 213
ولم يستدل القوم بايتى النجم لاحتمالهما رؤية وجبريل، وقد وردت الاثار بمستند كلّ من الاحتمالين في الايتين، وإنما الراجح كما قاله بعض المتأخرين:
أن الرؤية بالبصر وأن المرثى هو الله تعالى لا جبريل «١» ، وقد ذهب جماعة إلى الوقف في هذه المسألة ولم يجزموا بنفى ولا إثبات لتعارض الأدلة، ورجّحة أبو العباس القرطبى في «المفهم» «٢» وعزاه لجماعة من المحققين، وقوّاه بأنه ليس فى الباب دليل قاطع، وغالب ما ساتدل به الطائفتان ظواهر متعارضة قابلة للتأويل.
قال القرطبى: وليست المسألة من العلميات «٣» حتى يكتفى فيها بالأدلّة الظنية، وإنما هى من المعتقدات التى يطلب فيها الدليل القطعى.
وردّه السبكى في «السيف المسلول» بأنه ليس من شرط جميع مسائل الاعتقاد الثبوت بالدليل القطعى، بل متى كان حديثا صحيحا، ولو ظاهرا، وهو من رواية الاحاد جاز أن يعتمد عليه في بعض تلك المسائل، حيث لم يكن من مسائل الاعتقاد التى يشترط فيها القطع، على أنّا لسنا مكلفين بذلك «٤» .
وقد اختلف في رؤيته في المنام، ومعظم المثبتين للرؤية في الدنيا على جوازها من غير كيفية وجهة، ونقل عن القاضى عباس اتفاق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام، وصحتها إن ادّعاه من هو أهله، كولىّ يوثق به، ويكون ذلك تخصيصا للعموميات، كقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وأما إن ادعاه من ليس من أهله كالعاصى والمقصّر، فإنا نكذبه، ومع ذلك فالرؤية المنامية ليست من قبيل المشاهدة البصرية الحقيقة، وإنما هى من قبيل نوع مشاهدة بالقلب دون العين، وهى أيضا غير الرؤية القلبية التى في اليقظة؛ فرؤيته ﷺ لربه ليلة الإسراء كانت يقظة بصرية أو قلبية، يعنى رؤية صحيحة،
стр. 214
حيث جعل الله تعالى بصره ﷺ في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرا حتّى رأى ربه رؤية صحيحة كما سبق، لا في جهة ولا بانحصار، منزها عن صفات الحوادث. والمحققون على أنه راه بعينه وبقلبه، وإسراؤه ومعراجه ﷺ كان يقظة أيضا على الصحيح كما قيل:
أعلمت من ركب البراق عتيما ... وتلاء جبريل الأمين نديما
حتى سعا فوق السماء قدوما ... ودنا فكلّم ربّه تكليما
أم من على الرسل الكرام تقدّما ... ونوى الصلاة بهم، وكبّر محرما
وسرى إلى ذى العرش فرّدا بعد ما ... بلغ الأمين «١» مكانه المعلوما
أم من كتاب القوس اية قربه ... بعلوّه ودنوه من ربه
ورأى الإله بعينه وبقلبه ... وحوى من الغيب الخفىّ علوما
ولذلك لما أفحم قريشا بالدلائل القوية التى تفيد اليقين، من وصف بيت المقدس، ووصف العير التى مرّ بها في طريقه، وأنها تصل إليهم وقت كذا، فكان كما أخبر، لم يجدوا طريقة إلا أن رموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد.
ولوقوع الإسراء ليلا فوائد، منها: ليزيد الذين آمنوا إيمانا بالغيب. ويفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، وقد قال تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ [الإسراء: ٦٠] أى التى شاهدتها ليلة الإسراء إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أى امتحانا واختبارا، لأنه لما ذكر لهم قصة الإسراء كذّبوه، وكفر به كثير ممن كان قد امن به، وازداد المخلصون إيمانا، فلهذا السبب كانت امتحانا. والمراد «بالرؤية» فى الاية الرؤية البصرية، حيث أن الإسراء كان في اليقظة بجسمه الشريف، وأنه وقع ذلك ليلا وكان خارقا للعادة أشبه الرؤيا المنامية، فعبّر عنه بالرؤيا مجازا، وأدلّ دليلّ على أن الرؤيا كانت بصرية، قوله تعالى: فِتْنَةٌ
стр. 215
النَّاسَ كما ذهب إليه ابن عباس والمحققون وأرباب البصائر، إذ لو كانت منامية لما حصل افتتان كما سبق، إذ العاقل لا يستبعد الرؤيا المنامية، ولا ينازع، ولا يستعظم ذلك خصوصا مع إنسان لم يعهد عليه إلا الصدق من صغره إلى كبره ﷺ .
* وأما رؤية المؤمنين للنبى ﷺ في الدنيا، فقد ورد: «من رانى في المنام فقد رانى حقا؛ فإن الشيطان لا يتمثل بى» رواه الإمام أحمد، والبخارى، والترمذى عن أنس، وهو متواتر، وفي رواية: «من رانى فقد رأى الحق؛ فإن الشيطان لا يتزيابى» رواه الإمام أحمد، والبخارى، ومسلم عن أبى قتادة ﷺ .
وفي رواية: «من رانى في المنام فسيرانى في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بى» رواه البخارى ومسلم، وأبو داود عن أبى هريرة.
أى أن رؤيته ﷺ في المنام حق، ولو راه الرائى على غير صفته الحقيقية التى هو عليها، خلافا للحكيم الترمذى؛ لأن إدراكه على صفته الأصلية إدراك لذاته، وإدراكه على غير صفته الأصلية إدراك لمثاله. وعدم تمثّل الشيطان به لئلا يجعل ذلك وسيلة للكذب عليه في النوم، وقوله «فسيرانى في اليقظة» أى فى الآخرة رؤية خاصة بصفة القرب والشفاعة، وفيه بشرى بموته على الإيمان، وهذا عامّ في أهل الطاعة، محتمل في أهل العصيان، فقد تخرق لهم العادة إغراء.
وقولنا فيما تقدم «رؤية خاصة» أى وإلا فجميع أمته يرونه في الآخرة، أو هذا قبل موته ﷺ ، أى من راه في المنام فسيوفقه الله تعالى للهجرة إليه ويراه بعينى رأسه، أو فسيراه في الدنيا حقيقة كرامة له، كما وقع لكثير من الأولياء وسألوه فأرشدهم.
وردّ هذا بأنه يلزم بقاء الصحبة، وبأن جمعا ممن رأوه مناما لم يروه يقظة، وخبره لا يتخلّف، وأجيب بأن شرط الصحبة أن يراه في عالم الدنيا قبل موته، وبأن من لم يبلغ درجة الولاية يراه قرب موته عند الاحتضار، ورؤيته في