الله ﷺ ، ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الايات، فأما احتجاجها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فجوابه ظاهر؛ فإن الإدراك هو الإحاطة، والله تعالى لا يحاط به، وإذا ورد النص بنفى الإحاطة لا يلزم منه نفى الرؤية بغير إحاطة، وأما احتجاجها بقوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ الاية، فالجواب عنه من أوجه:
أحدها: أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام.
الثانى: أنه عامّ مخصوص بما تقدّم من الأدلة.
الثالث: ما قاله بعض العلماء: إن المراد بالوحى الكلام من غير واسطة، وإن كان مذهب الجمهور أن المراد بالوحى هنا الإلهام، أو الرؤيا في المنام، وأما قوله تعالى: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١] فقال الواحدى وغيره: معناه غير مجاهر لهم بالكلام، بل يسمعون كلامه من حيث لا يرونه، وليس المراد أن هناك حجابا يفصل موضعا من موضع، ويدلّ على تحديد المحجوب، فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، حيث لم ير المتكلم.
وما قدّمناه من أنه ﷺ رأى ربه بعينى رأسه هو قول أنس وعكرمة والحسن والربيع وجماعة من المفسرين.
وقال ابن عباس وأبو ذر وإبراهيم التيمى: راه بقلبه.
قال ابن عطية: وعلى هذا رأى ربّه بقلبه رؤية صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرا حتّى رأى ربه رؤية صحيحة.
أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: «نظر محمد إلى ربه مرتين؛ مرة ببصره ومرة بفؤاده، وعليه فلابن عباس مذهب كون الرؤية بالبصر وبالفؤاد.
وما قاله ابن عطية في الرؤية بالفؤاد أقرّه النووى وارتضاه ابن حجر، ثم
стр. 212
قال: وليس المراد برؤية الفؤاد مجرد حصول العلم؛ لأنه ﷺ كان عالما بالله على الدوام، فليس المراد بالرؤية المعرفة؛ لأن غيره ﷺ من الأولياء إذا أطلقوا الرؤية والمشاهدة وأسندوا ذلك لأنفسهم إنما يريدون بها المعرفة فقط، فقال بعضهم:
دنا ليلة الإسراء ممن أحبّه ... وثانيه روح القدس والناس هجّد
دنوّ اصطفاء لا دنوّ مسافة ... وإن كان في حالاته ليس يبعد
وقال أيضا:
نجىّ لربّ العالمين مقرّب ... حبيب فيدنو كل حين ويستدنى
نأى ليلة الإسراء عنّا ترقيا ... فكان دنوا قاب قوسين أو أدنى
فقلنا له عن صحة ألف اية ... وهل تنكر الأزهار في الروضة الغنا
ولم تثبت الرؤية في الدنيا لغيره ﷺ ، حتى لموسى ﵇، كما قال:
ولو قابلت لفظة «لن ترانى» ... ب «ما كذب الفؤاد» فهمت معنى
خلافا لمن قال غير ذلك:
والحاصل في أنه «على القول بوقوع الرؤية في الدنيا» لم تحصل لبشر غير نبينا ﷺ ، ومن ادّعاها في الدنيا يقظة فهو ضال بإطباق العلماء، بل قيل بتكفيره. وقد نقل جماعة الإجماع على أنها لا تحصل للأولياء في الدنيا، والصواب أنه مختلف فيها وأن المنع أرجح قولى الأشعرى، وذهب ابن الصلاح وغيره إلى تكذيب مدّعيها يقظة في الدنيا، فإن صح عن أحد من المعتبرين وقوع ذلك يؤوّل بأن تقلبات الأحوال تجعل الغائب كالمشاهد، حتى إذا كثر اشتغال السرّ بشيء واستحضاره له صار كأنه حاضر بين يديه، كما هو معلوم بالوجدان لكل أحد، وعليه يحمل ما نقل عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه كان يطوف حول البيت فسلّم عليه إنسان فلم يردّ عليه، فشكاه إلى عمر رضى الله عنه، فقال: «كنا نرى الله في ذلك المكان» ، وهذا يدل على أنه قد تتفق في زمان دون زمان، ومكان دون زمان، ومكان دون مكان، وسيأتى قريبا لذلك بعض تحقيق.
стр. 213
ولم يستدل القوم بايتى النجم لاحتمالهما رؤية وجبريل، وقد وردت الاثار بمستند كلّ من الاحتمالين في الايتين، وإنما الراجح كما قاله بعض المتأخرين:
أن الرؤية بالبصر وأن المرثى هو الله تعالى لا جبريل «١» ، وقد ذهب جماعة إلى الوقف في هذه المسألة ولم يجزموا بنفى ولا إثبات لتعارض الأدلة، ورجّحة أبو العباس القرطبى في «المفهم» «٢» وعزاه لجماعة من المحققين، وقوّاه بأنه ليس فى الباب دليل قاطع، وغالب ما ساتدل به الطائفتان ظواهر متعارضة قابلة للتأويل.
قال القرطبى: وليست المسألة من العلميات «٣» حتى يكتفى فيها بالأدلّة الظنية، وإنما هى من المعتقدات التى يطلب فيها الدليل القطعى.
وردّه السبكى في «السيف المسلول» بأنه ليس من شرط جميع مسائل الاعتقاد الثبوت بالدليل القطعى، بل متى كان حديثا صحيحا، ولو ظاهرا، وهو من رواية الاحاد جاز أن يعتمد عليه في بعض تلك المسائل، حيث لم يكن من مسائل الاعتقاد التى يشترط فيها القطع، على أنّا لسنا مكلفين بذلك «٤» .
وقد اختلف في رؤيته في المنام، ومعظم المثبتين للرؤية في الدنيا على جوازها من غير كيفية وجهة، ونقل عن القاضى عباس اتفاق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام، وصحتها إن ادّعاه من هو أهله، كولىّ يوثق به، ويكون ذلك تخصيصا للعموميات، كقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وأما إن ادعاه من ليس من أهله كالعاصى والمقصّر، فإنا نكذبه، ومع ذلك فالرؤية المنامية ليست من قبيل المشاهدة البصرية الحقيقة، وإنما هى من قبيل نوع مشاهدة بالقلب دون العين، وهى أيضا غير الرؤية القلبية التى في اليقظة؛ فرؤيته ﷺ لربه ليلة الإسراء كانت يقظة بصرية أو قلبية، يعنى رؤية صحيحة،
стр. 214
حيث جعل الله تعالى بصره ﷺ في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرا حتّى رأى ربه رؤية صحيحة كما سبق، لا في جهة ولا بانحصار، منزها عن صفات الحوادث. والمحققون على أنه راه بعينه وبقلبه، وإسراؤه ومعراجه ﷺ كان يقظة أيضا على الصحيح كما قيل:
أعلمت من ركب البراق عتيما ... وتلاء جبريل الأمين نديما
حتى سعا فوق السماء قدوما ... ودنا فكلّم ربّه تكليما
أم من على الرسل الكرام تقدّما ... ونوى الصلاة بهم، وكبّر محرما
وسرى إلى ذى العرش فرّدا بعد ما ... بلغ الأمين «١» مكانه المعلوما
أم من كتاب القوس اية قربه ... بعلوّه ودنوه من ربه
ورأى الإله بعينه وبقلبه ... وحوى من الغيب الخفىّ علوما
ولذلك لما أفحم قريشا بالدلائل القوية التى تفيد اليقين، من وصف بيت المقدس، ووصف العير التى مرّ بها في طريقه، وأنها تصل إليهم وقت كذا، فكان كما أخبر، لم يجدوا طريقة إلا أن رموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد.
ولوقوع الإسراء ليلا فوائد، منها: ليزيد الذين آمنوا إيمانا بالغيب. ويفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، وقد قال تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ [الإسراء: ٦٠] أى التى شاهدتها ليلة الإسراء إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أى امتحانا واختبارا، لأنه لما ذكر لهم قصة الإسراء كذّبوه، وكفر به كثير ممن كان قد امن به، وازداد المخلصون إيمانا، فلهذا السبب كانت امتحانا. والمراد «بالرؤية» فى الاية الرؤية البصرية، حيث أن الإسراء كان في اليقظة بجسمه الشريف، وأنه وقع ذلك ليلا وكان خارقا للعادة أشبه الرؤيا المنامية، فعبّر عنه بالرؤيا مجازا، وأدلّ دليلّ على أن الرؤيا كانت بصرية، قوله تعالى: فِتْنَةٌ
стр. 215
النَّاسَ كما ذهب إليه ابن عباس والمحققون وأرباب البصائر، إذ لو كانت منامية لما حصل افتتان كما سبق، إذ العاقل لا يستبعد الرؤيا المنامية، ولا ينازع، ولا يستعظم ذلك خصوصا مع إنسان لم يعهد عليه إلا الصدق من صغره إلى كبره ﷺ .
* وأما رؤية المؤمنين للنبى ﷺ في الدنيا، فقد ورد: «من رانى في المنام فقد رانى حقا؛ فإن الشيطان لا يتمثل بى» رواه الإمام أحمد، والبخارى، والترمذى عن أنس، وهو متواتر، وفي رواية: «من رانى فقد رأى الحق؛ فإن الشيطان لا يتزيابى» رواه الإمام أحمد، والبخارى، ومسلم عن أبى قتادة ﷺ .
وفي رواية: «من رانى في المنام فسيرانى في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بى» رواه البخارى ومسلم، وأبو داود عن أبى هريرة.
أى أن رؤيته ﷺ في المنام حق، ولو راه الرائى على غير صفته الحقيقية التى هو عليها، خلافا للحكيم الترمذى؛ لأن إدراكه على صفته الأصلية إدراك لذاته، وإدراكه على غير صفته الأصلية إدراك لمثاله. وعدم تمثّل الشيطان به لئلا يجعل ذلك وسيلة للكذب عليه في النوم، وقوله «فسيرانى في اليقظة» أى فى الآخرة رؤية خاصة بصفة القرب والشفاعة، وفيه بشرى بموته على الإيمان، وهذا عامّ في أهل الطاعة، محتمل في أهل العصيان، فقد تخرق لهم العادة إغراء.
وقولنا فيما تقدم «رؤية خاصة» أى وإلا فجميع أمته يرونه في الآخرة، أو هذا قبل موته ﷺ ، أى من راه في المنام فسيوفقه الله تعالى للهجرة إليه ويراه بعينى رأسه، أو فسيراه في الدنيا حقيقة كرامة له، كما وقع لكثير من الأولياء وسألوه فأرشدهم.
وردّ هذا بأنه يلزم بقاء الصحبة، وبأن جمعا ممن رأوه مناما لم يروه يقظة، وخبره لا يتخلّف، وأجيب بأن شرط الصحبة أن يراه في عالم الدنيا قبل موته، وبأن من لم يبلغ درجة الولاية يراه قرب موته عند الاحتضار، ورؤيته في
стр. 216
اليقظة نصّ جمع من الأئمة على إمكانها ووقوعها، وقيل المرثىّ مثاله لا حقيقة جسده الشريف.
ثم اعلم أن الرائين للنبى ﷺ مختلفون في الدنوّ منه والبعد؛ فمنهم من يدنو منه حتّى لا يبقى بينه وبينه حجاب، ومنهم من يراه على بعد بعد رفع الحجاب رفعا غير تام، وهذا الدنوّ معنّوى لا حسّى، بحيث إن النبى ﷺ ينتقل إلى الرائى بأن يجىء إليه راجلا أو راكبا أو نحو ذلك؛ إذ لا دليل عليه. انتهى.
وقد رفع سؤالّ للعلامة كمال الدين بن أبى شريف صورته: «رؤيا النبى ﷺ فى النوم هل هى صحيحة؟ ولو كانت على أى خال من الأحوال، حتى لو رؤى على لون أسمر أو رؤى بلا لحية أو نحو ذلك؟ أم كيف الحال؟ وهل يشترط لصحة الرؤيا شىء أم لا؟ وما معنى قوله ﷺ «من رانى فقد رانى حقا فإن الشيطان لا يتمثل بى» «١» أو كما قال؟ وما حكم الله في ذلك؟.
فأجاب ﵀ بأن قوله ﷺ «من رانى في المنام فقد رانى حقا فإن الشيطان لا يتمثل بى» ورد في الصحيحين وغيرهما من رواية غير واحد «٢» من الصحابة، بألفاظ المعنى، ويتعلق البحث فيه بقوله ﷺ «من رانى في المنام» هل هو قاض بمن راه ﷺ بحليته وصفته؟ أو هو كمن راه على أى صفة راه؟
ويقول ﷺ «فقد رانى» هل هو على ظاهره؟ بمعنى فقد رأى ذاتى حقيقة، أو هو مؤوّل؟ فذهب جمع منهم ابن سيرين إمام أهل التعبير إلى اختصاصه بمن راه ﷺ على صفته. ثم من هؤلاء من ضيّق فقال على صفته التى توفى عليها، حتى راعى عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته ﷺ . ومنهم من اكتفى بما تصدق عليه صفته ﷺ في وقت من أوقاته، كحال شبابه، أو رجولته، أو كهولته، أو ما بعد ذلك؛ فهؤلاء يشترط عندهم في رؤياه ﷺ أن يرى على
стр. 217
صفته، على اختلاف قولهم في المراد بالصفة، وذهب اخرون منهم القاضى أبو بكر الباقلانى إلى أنه لا يختص بذلك، وإلى أن المعنى في قوله: «فقد رانى» على التأويل، فقال القاضى أبو بكر المذكور كما نقله عنه الماوردى وغيره: يعنى «فقد رانى» فرؤياه حق ليست أضغاث أحلام، ولا من شبهات الشيطان بل مما له تعبير صحيح، أى وليس المعنى أنه رأى ذاته حقيقة، قال:
فقد يراه الرائى على خلاف صفته المعروفة، كمن راه أبيض اللحية، وقد يراه شخصان في زمن واحد في مكانين مختلفين، فيراه أحدهما بمنزله، وهو بالمشرق، والاخر بمنزله وهو بالمغرب، وعلى هذا التأويل مشى الغزالي أيضا، فقال: ليس معناه: فقد رأى جسمى وبدنى، قال: بل المرئىّ مثال حقيقة روحه المقدسة التى هى محمل النبوة، لا نفس روحه ولا شخصه. وذهب طائفة إلى أن الحديث على ظاهره من أن المرئى حقيقة ذاته، إذ لا مانع من ذلك، والعقل لا يحيله «١» ليحتاج إلى تأويله؛ إذ الرؤية أمر يخلقه الله تعالى في الحىّ، ولا يتوقف على مقابلة، ولا تحديق بصر، ولا كون المرئى ظاهرا، بل الشرط كونه موجودا فقط، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على بقاء جسمه الشريف، وأنه لا يبلى؛ ففى حديث أوس بن أوس عند أبى داود والنسائى، وغيرهما أن النبى ﷺ قال: إن الله حرّم على الأرض أجساد الأنبياء» ، وعند أبى داود من حديث أبى هريرة أنه ﷺ قال: «ما من أحد يسلم عليّ إلّا ردّ الله علىّ روحى حتّى أردّ ﵇» .
وقد نصر القرطبىّ مذهب القاضى الباقلانى، وشنّع على القول برؤية الذات الشريفة حقيقة بأنه يلزم عليه أمور منها: أنه لا يراه أحد على غير صفته التى مات عليها، وألايراه رائيان في ان واحد في مكانين متباعدين، مع أن ذلك واقع لا مانع منه عقلا ولا عادة، وقد أجيب من طرف القاتل عن ؤيته على غير صفته وفي مكانين مختلفين بأن ذلك من غلط الرائى، وأن كلا من الصفة
стр. 218
والمكان متخيّل غير مرئى، وذلك التخيل بحسب حال الرائى، يستدل به على التعبير بالنسبة إليه.
وقد نصر النووى في شرح مسلم القول بأن الرؤية للذات حقيقة، وحكى مذهب القاضى أبى بكر الباقلانى أولا، ثم حكى مذهب القائل بأن الرؤية للذات غلى ظاهرها، ثم حكى عن القاضى عياض أنه يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا راه على صفته المعروفة له في حياته، فإن رؤى على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة، ثم قال النووى: وهذا الذى قاله القاضى ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة، ثم قال النووى: سواء على صفته المعروفة أو غيرها، كما ذكره البارزى، انتهى كلام النووى.
وقد تعقّبه العلامة ابن حجر في «فتح البارى» بأن الذى قاله القاضى توسّط حسن يمكن الجمع بينه وبين ما قاله البارزى، بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة، لكن إذا كانت على غير صورته كان النقص؛ لتخيله الصفة على غير ما هى عليه، ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير. أهـ.
* وبمناسبة ليلة الإسراء وليلة القدر ونحوهما، ذكر العلماء اختلافا في التفضيل بين الليل والنهار، وممن ذهب إلى تفضيل الليل «النيسابورى» لوجوه: أحدها أن الليل راحة والنهار تعب، وأيضا فالليل حظ الفراش والنهار حظ المعاش، ولأن الله تعالى سمّى ليلة القدر خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وليس في الأيام مثلها. وقيل: النهار أفضل لأنه نور نافع للمعاد والمعاش.
قال الحافظ السيوطى ﵀: وقد وقفت على تأليف في التفضيل بين الليل والنهار لأبى الحسين بن فارس اللغوى صاحب المجمل، فذكر فيه وجوها فى تفضيل هذا ووجوها في تفضيل هذا، فمما ذكره في تفضيل الليل: أن الله تعالى ذكر فيه سورة مسماة بسورة الليل، ولم ينزل في النهار سورة تسمى بسورة النهار، وأن الله تعالى قدّم ذكره على النهار في أكثر الايات، كقوله وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [الليل: ١، ٢] وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
стр. 219
آيَتَيْنِ [الإسراء: ١٢] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً [يونس: ٦٧] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً [القصص: ٧١] ، وأن الله خلقه قبل النهار، وأن ليالى الشهر سابقة على أيامه وأن في الليالى ليلة خيرا من ألف شهر، وليس في الأيام مثلها، وأن في كل ليلة إجابة وليس ذلك في النهار إلا في يوم الجمعة خاصة، وأنه وقت الخلوة والاختصاص عرفا، فإن بين جليس الملك نهارا وجليسه ليلا فرقا واضحا، وأن النهار فيه أوقات تكره فيها الصلاة» «١» وليس في شىء من ساعات الليل وقت كراهة، والصلاة من أشرف العبادات، وأن فيه التهجد والاستغفار بالأسحار، وهما أفضل من صلاة النهار واستغفاره، وأنه أصحّ لتلاوة الذكر، قال الله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل: ٦] وقال:
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ [الزمر: ٩] . وأن الإسراء وقع بالليل، قال الله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: ١] ، وقال الله تعالى:
وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس: ٣، ٤] .
وقال أهل العلم: فى الليل تنقطع الأشغال، وتجمّ الأذهان، ويصحّ النظر، وتؤلّف الحكم، وتدرّ الخواطر، ويتّسع مجال القلب. ومؤلفو الكتب يختارونه على النهار؛ لأن القلب بالنهار طائر وبالليل ساكن، وكذلك مدبر والملوك، وقديما كان يقال: الليل نهار الأريب.
وقال القائل:
ولم أر مثل الليل جنّة «٢» فاتك ... إذا همّ أمضى «٣» ، أو غنيمة ناسك
وعارضه صاحب النهار بأن الله قدّم ذكره في قوله وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣)
стр. 220
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس: ٣، ٤] وبأن التقديم لا يدل على فضيلة، فقد قدّم الله الموت على الحياة، والجنّ على الإنس، والأعمى والأصمّ على البصير والسميع، فى قوله: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الملك: ٢] ، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] ، مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ [هود: ٢٤] ، والمتأخر مما ذكر أفضل من المتقدم قطعا، وبأن النور قبل الظلمة، قال الله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥] ، وبأن الناس والشعراء ما زالوا يذمّون الليل ويشكونه كقول امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليل كانّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
وقد استعاذوا بالله من الأبهمين، ويقال الأعميين: السيل والليل. وبالليل تدبّ الهوام وتثور السباع وتنتشر اللصوص وتشن الغارات وترتكب المعاصى، ولذلك قيل «الليل أخفى للويل» .
وقد قال ﷺ «أقلّوا الخروج إذا هدأت الرّجل؛ فإن لله دوابّ ينشرها «١» وقد شبه الله تعالى به وجوه أعدائه، فقال كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [يونس: ٢٧] ، وكان الحسن يقول: ما خلق الله خلقا أشد سوادا من الليل. وقال تعالى: وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ [الفلق: ٣] . قيل: هو الليل إذا أظلم وتقول العرب للمكثار: حاطب ليل؛ لما يخشى عليه من نهش الهوام.
ونهى النبى ﷺ عن صوم الليل، وأمر بغلق الأبواب وكفّ الصبيان بالليل.
стр. 221
وافتخرت العرب بالأيام دون الليالى، فقالوا «يوم ذى قار» ويوم كذا.
والأسبوع أيامه مسمّاة دون الليل، وإنما تذكر بالإضافة إلى الأيام، فيقال: ليلة الأحد، وليلة كذا، وليس المضاف كالمضاف إليه. والأيام النبيهة أكثر من الليالى كيوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، والأيام المعلومات، والمعدودات، وليس في الليل إلا ليلة القدر، وليلة نصف شعبان. وقال ﷺ :
«اللهم بارك لأمتى في بكورها» «١» ولم يقل ذلك في شىء من الليالى. هذا ما ذكره الحافظ السيوطى ببعض رسائله.
* وأما أفضلية ليلة الإسراء على ليلة القدر فقد قال أبو أمامة بن النقاش ﵀: «إن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر في حق النبى ﷺ ، وليلة القدر أفضل في حق الأمة لأنها لهم خير من عمل أكثر من ثمانين سنة ممن كان قبلهم، وأما ليلة الإسراء فلم يأت في أرجحية العمل فيها حديث صحيح ولا ضعيف» ، والمأخوذ من كلام البلقينى ﵀ أن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، ولعل الحكمة في ذلك كما قاله في «الاصطفاء» «٢» اشتمالها على رؤيته سبحانه التى هى أفضل من كل شىء، ولذا لم يجعلها ثوابا من عمل من الأعمال مطلقا، بل منّ بها على عباده المؤمنين يوم القيامة تفضلا منه تعالى، وهذا مما يؤيد القول بتفضيل الليل على النهار، وظواهر كلامهم أن الخلاف بين الليلة المعينة التى أسرى فيها بالنبى ﷺ ، وبين ليلة القدر التى أنزل فيها القران.
وأما الليلة المعينة التى أسرى به ﷺ فيها وليلة القدر في كل عام فينبغى أن يكون فيها قول أبى أمامة بن النقاش السابق، وأما نظائر الليلة المعينة في كل عام فلا شك في أن ليلة القدر أفضل منها، كما لا يخفى، وبالجملة فما أحسن قول ابن الفارض:
وخير الليالى ليلة القدر إن دنت ... كما أنّ أيام اللقا يوم جمعة
стр. 222
فالأزمان متكافئة في حدّ ذاتها، والفضل إنما هو بالخصوصيات المنسوبة إليها؛ فقد ذهب العز بن عبد السلام إلى أن التفضيل إنما هو بين العقلاء، ولا يجرى في غيرهم من الأماكن والأزمان إلا باعتبار ما يقع فيها من الأعمال والعبادات، لا في ذواتها.
ومذهب غيره أن التفضيل يكون بالذات: كتفضيل العلم على الظن، وبالصفة: كتفضيل القادر على العاجز، وبالطاعة: كتفضيل الولىّ عى غيره من المؤمنين، وبالثواب: كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، وبما حل فيه: كتفضيل مزاره ﷺ على سائر البقاع، وبالإضافة: كبيت الله، وحزب الله، وبالانتساب: كزوجاته ﷺ وزريته، وبالثمرة والجدوى: كتفضيل الرسالة على النبوة، وبتفاوت الثمرة وتحققها: كما في العلوم المدوّنة، وبما يفيضه الله تعالى على الأماكن والأزمان بفيضه وكرمه: كاختصاص عرفة بالوقوف. فلا عبرة بمذهب من سوّى بين الأعيان والأزمان والأماكن، وزعم أنه لا مزية لشىء، وإنما هو مجرد ترجيح بلا مرجّح؛ فإن قوله باطل، ويكفى في فساده أنه يقتضى أنّ ذوات الرسل كذوات أعدائهم، وأن البيت الحرام كغيره من البيوت، والحجر الأسود كغيره من الأحجار من غير فرق، ولا قائل بذلك، بل التفضيل له معان وأسباب، ومن هذا يعلم أيضا أن التفضيل بين العقلاء ليس بكثرة الثواب والعمل فقط، وهو الحق، فالتفضيل للأنبياء بقرب المنزلة من الله وعلوّ المرتبة وكثرة الخصائص والمعجزات، كخاصة الإسراء لنبينا ﷺ وإضافته إليه في قوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ قال أبو سلمان القاسم الأنصاري:
لما وصل رسول الله ﷺ إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعارج، أوحى الله إليه: بم أشرّفك؟ فقال: يا رب بنسبتى إلى نفسك بالعبودية، فأنزل الله تعالى فيه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ولذلك قيل:
يا قوم قلبى عند أسماء ... يعرفه السامع والرائى
لا تدعنى إلّا بيا عبدها ... فإنّه اشرف أسمائى
стр. 223
وقال الشيخ أحمد الغزالى:
وهان عليّ اللوم في حبّ حبّها ... وقول الأعادى: إنه لخليع
أصمّ إذا نوديت باسمى، وإنّنى ... إذا قيل لى يا عبدها لسميع
وقال القاضى عياض:
ومما زادنى شرفّا وتيها ... وكدت بأخمصى أطأ الثريا
دخولى تحت قولك «يا عبادى» ... وأن صيّرت أحمد لى نبيّا
وقال اخر
وكنت قديما أطلب الوصل منهم ... فلمّا أتانى العلم وارتفع الجهل
تيقنت أنّ العبد لا طلبا له ... فإن وصلوا فضل وإن هجروا عدل
وإن أحسنوا لم يحسنوا غير وصفهم ... وإن بخلوا فالبخل من أجلهم يحلو
ثم أقام ﵊ بعد الإسراء بمكة على الأذى صابرا، وعلى نصح الأمة مثابرا، يوافى موسم الحج فيعرض نفسه الشريفة حتّى بايعه بمنى الأنصار، على أن يؤوه إذا أتاهم، وينصروه على الكفار. ثم أذن له في الهجرة إلى المدينة، ثم في القتال، فقابل ذلك بالقبول والامتثال، وأقام بالمدينة عشر سنين كوامل، وفيها أنزل بقية القران، وشرع غالب الأحكام التى بهرت الأواخر والأوائل.
стр. 224
الباب الثالث فى هجرته ﷺ إلى المدينة وما ترتب على ذلك من المظاهر الإسلامية والظواهر التعليمية. وفيه فصول
الفصل الأوّل فى الأسباب الباعثة علي هذه الهجرة والتمهيد لها
قد أخفى ﷺ رسالته ثلاث سنين، كما تقدم في الفصل الأوّل من الباب الثاني، ثم أعلن بها في الرابعة، ودعا إلى الإسلام عشر سنين، يوافى الموسم كل عام يتبع الحجاج في منازلهم بمنى والموقف، ويسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويسأل عن منازلهم، ويأتى إليهم في أسواق المواسم، وهى: عكاظ، ومجنة، وذو المجاز. وقد تقدم الكلام على سوق عكاظ في الفصل الثالث من الباب الثانى من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل، وأن العرب كانت إذا حجّت تقيم بعكاظ شهر شوال، ثم تجيء إلى سوق مجنة تقيم فيه عشرين يوما من ذى القعدة، ثم تجيء سوق ذى المجاز فتقيم به إلى أيام الحج.
وكان ﷺ يدعوهم إلى أن يمنعوه ويناصروه حتّى يبلّغ رسالة ربه، فكان يقول بمني: يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وكان وراءه أبو لهب يقول: يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين ابائكم.
وقد عرض على بنى حنيفة، وبنى عامر بن صعصعة المبايعة، فقال له رجل منهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال: الأمر إلى الله يضعه حيث شاء، فقال له ذلك الرجل:
أنقاتل العرب دونك، فإذا أظفرك الله كان الأمر لغيرنا!! لا حاجة لنا بأمرك.
стр. 225
وأبوا عليه. فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم، وكان فيهم شيخ أدركه السن، حتى لا يقدر أن يوافى معهم الموسم، فقدموا عليه، سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، أحد بن عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج إلى بلادنا. فوضع الشيخ يده على رأسه، ثم قال:
يا بنى عامر، هل لها من تلاف؟ هل لها من مطّلب؟ والذى نفسى بيده ما يدّعى النبوة كاذبا أحد من بنى إسماعيل قط، وإنها لحق، وإن رأيكم غاب عنكم.
وقد بشّر بظهوره وهجرته [من ملوك حمير الملك الحارث الرايش أبو التبابعة فى أبيات يقول فيها:
أنا الملك المتوّج ذو العطايا ... جلبت الخيل من أوطان شام
لنوطنها البلاد إلى بلاد ... تداولها الملوك من ال رام
لأنّا الأغلبون إذا بطشنا ... وأنّا المنقمون لكل دام
وأنّا يوم نغضب أو نسامي ... تكاد الأرض ترجف بالأنام
ولن ترضى تقرّ بمن عليها ... ويشرق وجهها بعد الظلام
وفينا الملك والأملاك منّا ... ونحن الأكرمون بنو الكرام
أبونا يعرب، وبه نسامي ... فنقهر من يفاخر أو يسامي
فإن أهلك فقد أمّلت ملكا ... لكم يبقى إلى وقت التّهامي «١»
ويملك بعدنا منّا ملوك ... يديمون الأنام بغير دام
ويخرج بعدهم رجل عظيم ... نبيّ لا يرخّص في الحرام
يفارق أهله، وله كتاب ... يوافق خطّه رجع الكلام «٢»
وأحمد اسمه، يا ليت أنّي ... أؤخّر بعد مخرجه بعام
ويخلف بعده خلفاء برّ ... وتملك بعده أولاد عام
стр. 226
[قوله أولاد عام: أي أولاد عامر، وهو سبأ الأكبر] فبينما كان ﷺ في بعض المواسم، عند عقبة الجمرة سنة إحدى عشرة من النبوة، إذ لقى رهطا من الخزرج، وكانوا ستة، وقيل ثمانية، اراد الله بهم خيرا، فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: نفر من الخزرج، قال: أفمن موالى يهود «١» ؟ قالوا: لا، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلي. فجلسوا معه ﷺ ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، ورأوا أمارات الصدق عليه ﷺ ، فقال بعضهم لبعض:
والله إنه للنبى الذى يوعدكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه. فأجابوه وصدّقوه وأسلموا، وقالوا له: إنّا تركنا قومنا الأوس والخزرج بينهم من العدواة والشر ما بينهم، فإنّ الله يجمعهم عليك، فلا رجل أعز منك. وكان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت بينهم الحروب، فمكثوا على المحاربة والمقاتلة نحو عشرين ومائة سنة «٢» .
ولما آمنوا به ﷺ وصدّقوه، قالوا: إنا نشير عليك أن تمكث على حالك بسم الله حتي نرجع إلي قومنا، فنذكر لهم شأنك وندعوهم إلى الله ورسوله ﷺ ، ولعل الله يصلح ذات بينهم، ونواعدك الموسم من العام المقبل. فرضى بذلك رسول الله ﷺ . ويسمّى هذا ابتداء إسلام الأنصار؛ فإنهم أجابوه وانصرفوا راجعين إلى بلدهم من غير مبايعة، ويقال: «هم أهل العقبة «٣» الأولي» فلما كان العام المقبل قدم من الأوس والخزرج اثنا عشر رجلا، فاجتمعوا به ﷺ عند العقبة أيضا، منهم خمسة من أهل العقبة الأولى، فبايعهم وعاهداهم، وهذه المبايعة في
стр. 227
الحقيقة يقال لها: العقبة الأولي، وإن كانت هي الثانية، فلما انصرفوا راجعين إلي بلادهم بعث رسول الله ﷺ معهم ابن أم مكتوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضى الله عنها، وكذلك بعث مصعب بن عمير رضى الله تعالى عنه، يعلّمان من أسلم منهم القران، ومن أراد أن يسلم الإسلام، ويفقّهانهم في الدين، ويدعوان من لم يسلم منهم إلى الإسلام، وكان مصعب يؤمّ الأوس والخزرج، وجمّع بهم أوّل جمعة جمعت في الإسلام حين بلغ المسلمون منهم أربعين رجلا، بإرساله ﷺ إليه بالتجميع قبل قدومه ﷺ المدينة، وتسمية الأنصار إياها بيوم الجمعة لاجتماعهم فيه، هداية من الله تعالى، وإلا فكانت تسمى في الجاهلية يوم العروبة، أي الرحمة، ولم يجمّع ﷺ بمكة، مع فرض الجمعة وهو بها؛ لعدم التمكن من فعلها هناك، ولم يأمر بها مصعبا عند إرساله إلى المدينة لعدم وجود شرطها من العدد المذكور حينئذ. وفشا الإسلام بالأنصار، وأسلم سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج.
وفي سنة اثنتى عشرة من النبوة أسرى بالنبى ﷺ ، وقيل سنة إحدى عشرة من النبوة كما سبق.
وهناك عقبة ثالثة، وهو: أنه خرج جماعة من الأنصار المسلمين إلي الموسم مع حجاج قومهم غير المسلمين، حتي إذا قدموا على مكة فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق «١» ، فلما مضى ثلث الليل اجتمعوا في الشّعب، وهم ثلاثة وتسعون رجلا وامرأتان: أمّ عمارة إحدى بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي، فجاءهم النبى ﷺ ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو علي دين قومه، إلا أنه أحب أن يظهر على أمر ابن أخيه ويتوثّق به، فلما جلس كان أوّل متكلم، فقال: «يا معشر الخزرج، إن محمدا منّا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا، فمن هو علي مثل ما رأينا فيه فهو في عزّ قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبي الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك، وإن كنتم ترون
стр. 228
أنكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الان فدعوه؛ فإنه في عز ومنعة في قومه وبلده. فقالوا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتلا رسول الله ﷺ القران، ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم» . فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: والذى بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا «١» ، فبايعوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا «٢» ، وإنّا قاطعوها (يعنى اليهود) ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلي قومك وتدعنا؟. فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدم الدم والهدم الهدم «٣» أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتمم وأسالم من سالمتم، أخرجوا إليّ منكم اثنى عشر نقيبا، يكونون علي قومهم بما فيهم» ، فأخرجوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، وانتهت البيعة في العقبة.
فهذه بيعة العقبة الثالثة التى هى في الحقيقة بيعة ثانية؛ لأن الأولى لم تكن بيعة كما تقدم، ولعل من عدّ البيعات ثلاثا اعتبر أن العقبة الأولى التي اجتمع فيها الخمسة من الخزرج كانت بيعة سكوتية؛ لأنها كالبيعتين الأخيرتين، لم يصدر مما حصل فيها مخالفة حيث إن أهل الأولى عادوا في العقبة الثانية وبايعوا مع من حضر معهم من الأنصار علي نصرته ﷺ على عدوه والإيمان بما جاء به، وهذا من أعظم درجات الإيمان، فبهذا استحق أهل العقبة الأولى الستة فضل المبايعة، وعدّت مبايعة العقبات ثلاثا.
قيل: أحسن أصحاب رسول الله ﷺ ظنّهم بالله، وبايعوا نبيهم ﷺ علي
стр. 229
الموت، فعوجلوا بالأمن والسلامة من الفوت، ولهذا قيل: ليس في خصال الخير وإن جلّت، ولا في أنواع البر وإن عظمت أعلى من حسن الظن بالله تعالى.
الهجرة إلى المدينة:
* ولما تمّ أمر البيعة بين النبى ﷺ وبين أهل المدينة، وبقى أصحابه في ضنك من إيذاء المشركين، شكوا إلى رسول الله ﷺ ، ثم استأذنوه في الهجرة، فمكث أياما وخرج إلى أصحابه وهو مسرور، وقال: قد أخبرت بدار هجرتكم، ألا وهو يثرب، فمن أراد منكم الخروج فليخرج. فصار القوم يتجهزون ويترافقون، ثم صاروا يرحلون من مكة أرسالا (أى قطائع) سرا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه أعلن بالهجرة ولم يمنعه أحد من المشركين ولا قصده بسوء. فلما قدموا المدينة أنزلهم الأنصار في دورهم وواسوهم، ولم يبق بمكة إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلي رضى الله عنهما، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذنه في الخروج، فيقول له:
«لا تعجل؛ لعل الله أن يجعل لك صاحبا» ، فرجا أبو بكر أن يكون ذلك الصاحب، وترصّد رفاقته وانتظر صحبته ﷺ .
وورد في حق أبى بكر حديث عن النبى ﷺ أنه قال: «رحم الله أبا بكر، زوّجنى ابنته، وحملنى إلى دار الهجرة، وصحبنى في الغار، وأعتق بلالا من ماله، وما نفعنى مال في الإسلام ما نفعنى مال أبى بكر» «١» .
ولما قدم الأنصار المدينة أظهروا الإسلام إظهارا كليّا.
стр. 230
[التامر على الرسول ﷺ في دار الندوة] :
ثم لما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيع وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج شيعته وأصحابه «١» من المهاجرين إليهم تحدّوا خروجه ﷺ ، فاجتمعت قريش في دار الندوة للمشاورة في إخراجه أو حبسه أو قتله، وهي دار قصى بن كلاب، وهو أوّل من بناها، وكانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها، ومنعوا الناس من الدخول إليهم، لئلا يدخل أحد من بنى هاشم، فيطّلع علي حالهم، فلما قعدوا للتشاور تزيّا* لهم إبليس بصورة شيخ نجدى متطيلس» «٢» فوقف علي الباب، فلمّا رأوه قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا منى رأيا ونصحا قالوا: ادخل.
فدخل، وكان قد اجتمع فيها أشراف قريش من كل قبيلة.
فزعم ابن دريد في «الوشاح» «٣» أنهم كانوا خمسة عشر رجلا، وقال ابن دحية فى «مولده» : إنهم كانوا مائة رجل. ثم شرعوا في الكلام فقال بعضهم: إن هذا الرجل- يعني محمدا ﷺ قد كان من أمره ما كان، وإنّا لا نأمن منه الوثوب علينا بمن اتبعه، فأجمعوا فيه رأيا، فقال بعضهم: رأيى أن تحبسوه في بيت وتشدّوا وثاقه، وتسدّوا بابه، غير كوّة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتربصوا به ريب المنون حتي يهلك فيه، كما هلك من الشعراء من كان قبله، كزهير والنابغة. فصرخ الشيخ النجدى (عدو الله ورسوله) فقال: بئس الرأي؛ والله لو حبستموه لخرج أمره من وراء الباب إلى أصحابه فوثبوا وانتزعوه من أيديكم،
стр. 231
قالوا: صدق الشيخ، وقال بعضهم: رأيي أن تحملوه علي جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضرّكم ما صنع، واسترحتم. فقال الشيخ: والله ما هذا لكم برأي؛ ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال مما يأتى به، فو الله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حى من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتّى يبايعوه، ثم يسير بهم حتّى يطأكم بهم. فقالوا: صدق الشيخ، فقال أبو جهل: أرى أن يعطى خمسة رجال من خمس قبائل سيفا فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في هذه البطون، فلا يقدر بنو هاشم على حرب قومهم جميعا، فصوّب الشيخ النجدى قول أبى جهل. فتفرقوا على رأيه مجمعين على قتله، فأخبر جبريل بذلك رسول الله ﷺ ، وكان مما أنزل عليه في ذلك اليوم وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الاية ٣ سورة الأنفال] وقوله أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الاية ٣٠ سورة الطور] .
* ولما استقر رأي قريش بعد المشاورة على قتله ﷺ ، أتاه جبريل وأخبره بذلك، وقال: لا تبت هذه الليلة علي فراشك الذى كنت تبيت عليه، وقال له: إن الله يأمرك بالهجرة إلى المدينة، ثم سأل جبريل عمّن يهاجر معه، قال: «أبو بكر الصدّيق» ، فمن ذلك سمّاه الله صديقا، وقد سبق أن سبب تسميته صدّيقا في المعراج بقوله لرسول الله ﷺ : «صدقت في كل ما تخبر به» ، فلعل هذا سببا ثانيا لتأكيد التسمية بالصدّيق وتحقيقها. فلما كان الليل اجتمعوا علي بابه يرصدونه حتي ينام، فيثبوا، أى ينهضوا ويقوموا عليه، وهو إذ ذاك داخل الدار، فأمر ﵊ عليا فنام مكانه، وغطّى ببرد أخضر، وكان أول من شرى نفسه، ونزل فيه قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [الاية: ٢٠٧ سورة البقرة] .
وذكر الغزالى في «الإحياء» بأن الله تعالى أمر جبريل وميكائيل أن يهبطا إلى
стр. 232
الأرض ويحفظاه من عدوه، فنزلا، فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه.
وأنشد علي بن أبى طالب رضى الله عنه قصة مبيته على فراش رسول الله ﷺ فقال:
وقيت بنفسى خير من وطئ الثرى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به ... فنجّاه ذو الطّول الإله من المكر
وبات رسول الله في الغار امنا ... موقّى وفي حفظ الإله وفي ستر
وبتّ أراعيهم وما يثبتوننى ... وقد وطّنت نفسى عن القتل والأسر
وخرج رسول الله ﷺ فرصدوا له، وقد أخذ الله على أبصارهم، فلم يره أحد، ونثر عيي رؤسهم كلهم ترابا في يده وهو يتلو يس إلى قوله تعالى:
فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ٩] كما قيل:
وقريش إذ عزم الرحيل مهاجرا ... ملأوا المسالك راصدا ومشاجرا
فمضى لحاجته ولم ير حاجرا ... والقوم يقظى والبصائر نوّم
نثر التراب علي رؤوس الحسّد ... وسري وقد وقفوا له بالمرصد
قولوا لأعمى العين مغلول اليد ... أنف الشّقي ببعض أحمد مرغم
ثم انصرف حيث أراد، فأتاهم ات ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هنا؟ قالوا: محمدا، قال: قد خيّبكم الله، والله قد خرج محمد عليكم ما ترك منكم رجلا إلا وضع عليه ترابا وانطلق لحاجته، فما ترون ما بكم!» فوضع كل رجل يده علي رأسه فإذا عليه تراب.
فقال أبو بكر: الصحبة بأبى أنت وأمى يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ :
стр. 233
نعم. فجهزت أسماء بنت أبى بكر وال أبى بكر «١» جهاز السفر أحسن جهاز، وصنعن لهم «٢» سفرة (أى زادا في جراب) ، وكان في السفرة أى في الزاد شاة مطبوخة، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به فم الجراب المشتمل علي الزاد، وأبقت الاخرى نطاقا لها، فبذلك سميت ذات النطاقين، كما روى في صحيح مسلم عن أسماء بنت أبى بكر الصدّيق زوّج الزبير بن العوام من كبار الصحابة، روي عنها ابناها عبد الله وعروة وجماعة، أسلمت قديما بمكة وهاجرت إلي المدينة، وتوفيت بمكة بعد ابنها عبد الله بيسير سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وقد جاوزت المائة.
ويروى أنها قالت للحجّاج: بلغنى أنك تعيّر ابنى عبد الله بن الزبير بابن ذات النطاقين! أنا والله ذات النطاقين؛ أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وأما الاخر فنطاق المرأة التى لا تستغنى عنه عند أشغالها.
وفي حديث أم إسماعيل: «أول ما اتخذ الناس النّطق من قبل: أم اسماعيل اتخذت منطقا» المنطق: النطاق، وجمعه مناطق، وهو أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تشدّ وسطها بشئ وترفع وسط ثوبها وترسله علي الأسفل عند معاناة الأشغال؛ لئلا تعثر في ذيلها، ومنه سميت أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنها «ذات النطاقين» ؛ لأنها كانت تطارق نطاقا فوق نطاق، وقيل: كان لها نطاقان تلبس أحدهما وتجعل في الاخر الزاد إلى النبى ﷺ وأبى بكر وهما في الغار، وقيل: شقت نطاقها نصفين فاستعملت أحدهما وجعلت الاخر شدادا لزادهما.
стр. 234
وخرج رسول الله ﷺ من مكة ووقف علي الحزورة «١» ونظر إلي بيت الله الحرام، وقال حين خروجه من أم القري: «والله إنك لأحبّ أرض الله إليّ وإنك خير بقعة علي وجه الأرض وأحبّها إلى الله تعالى، ولولا أهلك أخرجونى لما خرجت منك» «٢» .
وقال ﷺ : «إن خير بلدة علي وجه الأرض وأحبّها إلى الله مكة» .
وسميت أمّ القري «٣» لأنها قبلة أهل الدنيا، فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعا، وأيضا الناس يجتمعون إليها للحج والتجارة كما يجتمع الأولاد للأم، وقيل:
لأن الكعبة أوّل بيت وضع للناس. وما أحسن ما قاله بعض الشعراء:
لا تنكرنّ لأهل مكة قسوة ... والبيت فيهم والحطيم وزمزم
اذوا رسول الله وهو نبيّهم ... حتى حمته أهل طيبة منهم
خاف الإله على الذى قد جاءه ... سلبا فلا يأتيه إلّا محرم
أى خاف الله أن يسلب أهل مكة القادم إلى الحرم، فصار يقصد مكة الناس بالإحرام.
وأما حديث: «اللهم كما أخرجتنى من أحب البقاع إليّ، فأسكنّى أحبّ البقاع إليك» «٤» فلم يصح عنه ﷺ ؛ لأن مكة أفضل من غيرها بوجوه:
стр. 235
منها أنه تعالى أوجب قصدها للحج والعمرة الواجبين، وقصد المدينة سنّة، وإن فضّلت بإقامة النبى ﷺ بعد النبوة فمكة أفضل؛ لأنه أقام بها ثلاث عشرة أو خمس عشرة، وبالمدينة عشرا، فإن فضّلت بكثرة الطارقين فمكة أفضل؛ لكثرة من طرقها من الأولياء والصالحين والأنبياء والمرسلين، فما من نبي إلا حجّها؛ وهى متبوّأ إبراهيم وإسماعيل، ومولد سيد المرسلين، وليست المدينة كذلك، وإن ذهب إلي تفضيلها علي مكة الإمام مالك. ولو صحّ الحديث السابق فهو مجاز لوصف المكان بما يقع فيه، كبلد امن، أو خائف، فوصف بأنه محبوب لما فيه مما يحبه الله من إقامة الرسول به إلي القيامة، وتكميل إرشاد الأمة والدين به، وأحسن من هذا أن يكون المعنى: كما أخرجتنى من أحب البقاع إليّ في أمر معاشى فأسكنّى الأحب إليك في أمر معادي، وهو ظاهر؛ فإنه لم يزل في زيادة من دينه وبلوغ أمره إلى إلي أن تكامل، وبشّر بذلك في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... [المائدة: ٣] الاية.
وسيأتى قريبا بيان ذلك على وجه أوضح.
стр. 236
الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه: صدّيقه رضى الله تعالى عنه وهو ابتداء التاريخ الإسلامى
لما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ علي ما ذكر، أمر أصحابه فهاجروا إلي المدينة، وبقي هو وأبو بكر وعليّ، فخرج هو وأبو بكر مستخفيين من قريش، فلما فقدت قريش رسول الله ﷺ طلبوه بمكة، أعلاها وأسفلها، فلم يجدوه، فشقّ عليهم خروجه، وجعلوا مائة ناقة لمن يردّه. ولما خرج أبو بكر مع رسول الله ﷺ متوجها إلي الغار جعل طورا يمشى أمامه وطورا يمشى خلفه، وطورا عن يمينه، وطورا عن شماله، فقال ﵊: ما هذا يا أبا بكر؟ فقال: يا رسول الله أذكر الرصد فأحب أن أكون أمامك، وأتخوّف الطلب فأحب أن أكون خلفك، وأحفظ الطريق يمينا وشمالا، فقال: لا بأس عليك يا أبا بكر؛ الله معنا.
وكان رسول الله ﷺ غير لابس شيئا في رجليه، فحفي*؛ لأنه لم يتعوّد الحفاء، فحمله أبو بكر رضى الله تعالى عنه على كاهله حتّى انتهي إلى الغار، فلما أراد النبى ﷺ أن يدخل، قال أبو بكر: والذى بعثك بالحق نبيّا لا تدخله حتي أدخله فأسبره «١» قبلك. فدخل أبو بكر رضى الله عنه، فجعل يلتمس الغار بيده في ظلمة الليل مخافة أن يكون فيه شئ يؤذى رسول الله ﷺ ، فلمّا لم ير فيه شيئا دخل ﷺ الغار، وجعل رأسه في حجره «٢» ونام، ورأى أبو بكر رضى الله عنه جحرا فألقمه عقبه، فلدغ أبو بكر رضى الله عنه في رجله، فلم يتحرّك، فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ ، فقال: ما هذا؟ قال له: لدغت، فتفل
стр. 237
عليه ﷺ فذهب ما يجده. وباتا في الغار، وأمر الله العنكبوت فنسجت على فم الغار، وأمر حمامتين فعشّشتا وباضتا. وما أحسن ما قيل:
وخافت عليك العنكبوت من العدا ... فأرخت بباب الغار مكرا بها سترا
ووافقها في الذّبّ عنك حمائم ... أتين سراعا فابتنين به وكرا
فلمّا أتي الكفّار طرن خديعة ... فحيّا الحيا «١» تلك الخديعة والمكرا
وأقبل فتيان قريش بسهامهم وسيوفهم، ومعهم من يقصّ الأثر، حتي انتهى إلى الغار فقال لهم: إلي هنا انتهى أثره، فما أدرى بعد ذلك أصعد إلى السماء أم غاص في الأرض! فقال لهم قائل: ادخلوا الغار، فقال أميّة بن خلف: ما تنظرون إلى الغار، وإن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد؟ فسمع رسول الله ﷺ حديثهم، فقال ﷺ : «اللهمّ اعم بصرهم» فجعلوا يترددون حول الغار، لا يرون أحدا، ويقولون: لو دخلا هذا الغار تكسّر بيض الحمام وتفسّخ بيت العنكبوت. فعلما أن الله تعالى حمي حماها بالحمام، وصرف عنهما كيد الأعداء بالعنكبوت، ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك.
روى ابن وهب أنّ حمام مكة أظلت النبى ﷺ يوم فتحها، فدعا لها بالبركة.
ونهى عن قتل العنكبوت. وقال: «هى جند من جنود الله» .
إلّا أن البيوت تطهّر من نسجها لأنه يورث الفقر «٢» .
стр. 238
وإلى ذلك يشير صاحب البردة بقوله:
وما حوى الغار من خير ومثن كرم ... وكلّ طرف من الكفار عنه عمى
فالصدّق في الغار والصدّيق لم يرما ... وهم يقولون ما بالغار من أرم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من الأطم
وقيل في هذا المعنى:
والعنكبوت أجادت حوك حلّتها ... فما تخال خلال النسج من خلل
وما أحسن قول ابن النقيب:
ودودة القزّ إن نسجت حريرا ... يجمل لبسه في كل شئ
فإنّ العنكبوت أجلّ منها ... بما نسجت على رأس النبى «١»
وروى لما اطّلع المشركون فوق الغار، وأشفق أبو بكر رضى الله عنه على رسول الله ﷺ ، وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله، فقال ﵊: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» ؟!. وقال حسان ابن ثابت:
وثانى اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدوّ به إذ صاعد الجبلا
وكان حبّ رسول الله- قد علموا- ... من الخلائق لم يعدل به بدلا
стр. 239
قال أبو بكر- كما في الصحيحين-: «نظرت إلى أقدام المشركين من الغار على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصارنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» . وكان مكثه ﷺ وأبى بكر في الغار ثلاث ليال، وقيل بضع عشرة يوما*، وروى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه لما رأى القافة**- جمع القائف- قال: إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، قال ﷺ : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أى بالمعونة والنصرة فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ أى علي أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه، لا علي رسول الله ﷺ لأن السكينة لا تفارقه؛ وهى أمنة تسكن عندها القلوب، وَأَيَّدَهُ أي رسول الله ﷺ بِجُنُودٍ أى ملائكة يصرفون أبصار الكفار عنه.
وروى عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبى بكر: «أنت صاحبى في الغار، وصاحبى على الحوض» «١» .
قال الحسن بن الفضيل: من قال إن أبا بكر رضى الله عنه لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر؛ لإنكار نص القران، وفي سائر «٢» الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا لا كافرا.
قال بعض النقاد ما معناه: ولما غار الحقّ تعالى علي نبيّه وصاحبه من أعدائهما، أدخلهما غار الحفظ والأمان، وأذهب عنهما الهموم بجميل رعايته والأحزان، كما صرّح بذلك القران: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ [التوبة: ٤٠] فكشف في تلك الخلوة لصدّيقه الحجاب، ودعا له بالبركة من عقبه إلى يوم الحساب، وكان الله معهما في هاتيك الخلوة، والمتجلّى عليهما في تلك الجلوة «٣» ، فصحبهما اسم الجلالة لفظا ومعنى؛ فإنه من حيث اللفظ يقال رسول رسول الله، وخليفة رسول الله، ولم يكن ذلك إلا للصدّيق رضى الله عنه، ومن حيث المعنى
стр. 240
فإنه معهما بالإمداد والإسعاد. واستأجر رسول الله ﷺ هو وأبو بكر رضى الله عنه عبد الله بن أريقط دليلا، وهو علي دين كفار قريش، ولم يعرف له إسلام، فدفعا إليه راحلتهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فساروا علي طريق السواحل، ونزل ﷺ بقديد «١» علي أم معبد: عاتكة بنت خالد، فمسح ضرع شاة مجهودة، وشرب من لبنها، وسقى أصحابه، واستمرت تلك البركة فيها، فلما جاء زوجها أكتم بن الجون، ورأي ما بالشاة من اللبن، سألها فقالت: «رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، متبلّج الوجه، حسن الخلق» ، وصارت تصفه بأوصافه إلي أن قالت: له رفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر يبادرون إلى أمره، فقال: والله هذا صاحب قريش. ثم هاجرت بعد ذلك هى وزوجها، فأسلما، وكان أهلها يؤرخون بيوم نزول الرجل المبارك، ولمّا مرّت قريش سألوها عنه ووصفوه.
فقالت: ما أدرى ما تقولون، قد ضافنى حالب الحائل «٢» ، فقالوا: ذاك الذي نريد.
وبعد أن خرج من مكة سمع صوت لا يرى صاحبه:
جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتى أم معبد
هما نزلا بالهدى واهتديا به ... وقد فاز من أمسى رفيق محمد
فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمة من محمد
فيال قصى «٣» ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد
ليهن بنى كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... به من صريح ضرّة الشّاة مزيد
فغادرها رهنا لديها لحالب ... تزوّدها في مصدر ثم مورد
فعرف الناس توجهه إلى المدينة.
стр. 241
ولما سمع حسان بن ثابت قال في جوابه هذه الأبيات:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدّس من يسرى إليهم ويغتدى
ترحّل عن قوم فزالت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مدّد
هداهم به بعد الضلالة ربّهم ... وأرشدهم: من يتبع الحقّ يرشد
وهل يستوى ضلال قوم تسفّهوا ... همّى وهداة يهتدون بمهتد
لقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلّت عليهم باعد
نبىّ يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ثم تعرّض للنبى ﷺ وأبي بكر رضى الله عنه سراقة بن مالك المدلجي، وعلم أنهما اللذان جعلت فيهما قريش ما جعلت لمن أتى بهما، فركب فرسه وتبعهما بزعمه، فبكى أبو بكر وقال: «يا رسول الله أتينا «١» ، قال: كلا» فلما دنا سراقة صاح وقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ : يمنعنى العزيز الجبار، الواحد القهار. ودعا رسول الله ﷺ بدعوات، وقال: «اللهم اكفنا أمر سراقة بما شئت وكيف شئت» فساخت* قوائم فرسه، فطلب الأمان، وقال:
أعلم أن قد دعوتما عليّ فادعوا لي، ولكما أن أردّ الناس عنكما ولا أضرّكما. قال سراقة: فوقفا لي، ثم ركبت فرسى حتّى جئتهما، قال: فوقع في نفسى حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فأخبرتهما بما يريد الناس منهما، وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يقبلا. وأنشد بعضهم لأبى بكر رضى الله عنه قصيدة مطلعها:
قال النبىّ ولم يجزع بوقر بى ... ونحن في سدف من ظلمة الغار
«لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا............... ............... ...
إلي اخر القصيدة المذكورة في بعض السير.
стр. 242
قال: ومع أن مثل هذه القصيدة الساقطة لا يسمح الذوق السليم بنسبتها إلي أبى بكر رضى الله تعالى عنه- علي فرض كونه يقول الشعر- فقد ذكر ابن عبد البر في ترجمة الصدّيق رضى الله عنه ما لفظه:
روى سفيان بن حسين عن الزهرى قال: سألنى عبد الملك بن مروان، قال:
رأيت هذه الأبيات التي تروى عن أبى بكر رضى الله عنه؟ فقلت له: حدثنى عروة عن عائشة رضى الله عنها أن أبا بكر لم يقل شعرا في الإسلام حتي مات. انتهي.
فحينئذ يحتمل أن تكون هذه الأبيات نظمت علي لسانه، وأنه أنشدها، كما قيل فيما نسب إليه من قوله بعض أبيات، منها قوله:
كلّ امرئ مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: «إن أبا بكر لم يقل شعرا في الإسلام، أى ولا في الجاهلية» كما في رواية عنها، أي لم ينشئ الشعر حتي مات. وأما ما روى عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أنه قال: كان أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه إذا رأى النبى ﷺ يقول:
أمين مصطفى بالخير يدعو ... كضوء البدر زايله الظلام «١»
فمحمول علي أنها لم تسمع ذلك منه، علي فرض أنه من إنشائه، وكذلك ما ذكره صاحب «الينبوع» «٢» في قوله: ليس عمل الشعر رذيلة؛ فقد كان الصدّيق وعمر وعلى رضوان الله عليهم يقولون الشعر، وعليّ كرم الله وجهه أشعر من أبى بكر وعمر، ولو أنه بظاهره مناف لقول عائشة، إلا أنه يحمل على الإنشاد كثرة وقلة، فإن عليا رضى الله عنه دوّن باسمه ديوان، ولا مانع أن يكون كله مما تمثل به إن لم يثبت عنه إنشاد الشعر» .
ولما بلغ أبا جهل أمر سراقة أنشد يقول:
стр. 243
بنى مدلج أنّى أخال سفيهكم ... سراقة يستغوى بنصر محمد
عليكم به ألايفرّق جمعكم ... فيصبح شتّى بعد عزّ وسؤدد
فأجابه سراقة:
أبا حكم «١» : واللات لو كنت شاهدا ... بأمر جوادى حيث ساخت قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدا ... نبى وبرهان، فمن ذا يكاتمه
عليك بكفّ الناس عنه فإننى ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه
بأمر تودّ النّضر فيه بأنه ... لو أنّ جميع الناس طرّا تسالمه
وأسلم سراقة عند رسول الله ﷺ حين انصرف من حنين والطائف، وكان شاعرا مجيدا رضى الله عنه.
فلما بلغ خروج النبى ﷺ حييّ بن ضمرة الجعدى قال: «لا عذر لى في مقامى بمكة» وكان مريضا، فأمر أهله فخرجوا به إلى التنعيم «٢» فمات، فأنزل الله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠] .
فلمّا رأى ذلك من كان بمكة ممن يطيق الخروج خرجوا؛ فطلبهم أبو سفيان وغيره من المشركين، فردّوهم وسجنوهم، فافتتن منهم ناس، وأقام عليّ رضى الله عنه بعد مخرجه ﵊ بمكة ثلاثة أيام حتّى أدّى ما كان عنده من الودائع، وأدركه بقباء، وقد نزل على كلثوم بن الهدم (وقيل سعد بن خيثمة) يوم الاثنين سابع، وقيل ثامن ربيع، وكانت مدّة مقام عليّ هناك مع النبى ﷺ ليلة أو ليلتين.
مبدأ التأريخ الإسلامى:
وأمر ﵊ بالتأريخ من الهجرة لدولة الإسلام، قال ابن
стр. 244
الجزار: ويعرف بعام الإذن، وقيل: إن عمر رضى الله عنه أوّل من أرّخ وجعله من المحرّم، وقيل: يعلى بن أمية إذ كان باليمن، وقيل بل أرّخ بوفاته ﷺ «١» .
ومن فوائد التأريخ معرفة الاجال وحلولها، وأوقات التواليف، ووفيات الشيوخ، ومواليدهم، والرواة عنهم، فيعرف بذلك كذب الكذّابين وصدق الصادقين، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢] .
وأخرج البخارى في «الأدب» ، والحاكم عن ميمون بن مهران قال: رفع إلى عمر صكّ محله شعبان، فقال: أيّ شعبان: الذى نحن فيه، أو الذى مضي، أو الذى هو ات؟ ثم قال أصحاب النبى ﷺ : ضعوا للناس شيئا يعرفونه من التاريخ، فقال بعضهم: اكتبوا على تاريخ الروم، فقال: إن الروم يطول تاريخهم يكتبون من ذى القرنين، فقال: اكتبوا على تاريخ فارس، فقال: إن فارس كلما قام ملك طبع من كان قبله.
فاجتمع رأيهم أن الهجرة كانت عشر سنين، فكتبوا التاريخ من هجرة النبى ﷺ .
* وكانت الأنصار لمّا بلغهم خروج النبى ﷺ يخرجون كل يوم لتلقّيه، فإذا اشتدّت الهاجرة (ويقال الهجير، وهو اشتداد الحر نصف النهار، وهو المراد بالعليّا، والهاجرة السفلى هى التى بعد الضحى وقبل الزوال) رجعوا. فلما كان يوم قدومه فعلوا ذلك، فراه رجل من يهود، فنادى بأعلى صوته: «يا بنى قيلة هذا جدّكم- أى حظكم ومطلوبكم- قد أقبل» فخرج إليه بنو قيلة، وهم الأنصار: الأوس والخزرج بسلاحهم، فتلقوه ونصروه على أعدائه واووه، وواسوه، واووا أصحابه وواسوهم، وهم الذين قال ﵎
стр. 245
فيهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ. [الحشر:
٩] الاية.
وقال ﷺ في حقهم: «اية الإيمان حبّ الأنصار، واية النفاق بغض الأنصار» «١» .
وقال ﷺ للأنصار: «أنتم شعار والناس دثار» «٢» [والشعار: الثوب الذى يلى الجسد، والدثار الثوب الذى يكون فوق ذلك الثوب، فهم ألصق به وأقرب إليه ﷺ من غيرهم. والأنصار لقب إسلامى لهم لنصرتهم النبى ﷺ ، وإنما كانوا يسمّون أولا: أولاد قيلة، والأوس والخزرج.] إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة الواردة في فضلهم وفضل المهاجرين الذين اثروا رضوان الله ورضوان رسوله ﷺ على حظوظ أنفسهم، فتركوا بلادهم ومهادهم، وهاجروا مع المصطفى من مكة إلى المدينة التى هى مهاجره.
وقال حسان رضى الله عنه في مدح الأنصار:
سمّاهم الله أنصارا بنصرهم ... دين الهدى وعوان الحرب تستعر
وسارعوا في سبيل الله واقترفوا ... للنائبات، وما خافوا وما جروا
وكان خروج النبى ﷺ من مكة يوم الاثنين، ومعه أبو بكر الصديق رضى الله عنه، وله ﷺ من العمر ثلاث وخمسون سنة، فأقام بقباء (موضع بالمدينة فى بنى عمرو بن عوف على فرسخ من المسجد النبوي) أربعة أيام: يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسّس مسجد قباء «٣» الذى نزل فيه:
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ... [التوبة: ١٠٨] الاية. وهو أوّل مسجد صلّى فيه ﷺ جماعة ظاهرا، وأوّل مسجد بنى لجماعة المسلمين عامة، وإن كان قد تقدّم بناء غيره من المساجد، لكن لخصوص الذى بناه. ثم خرج ﷺ من «قباء» ضحى يوم الجمعة، فأدركته صلاة الجمعة في الطريق، فى بنى
стр. 246
سالم بن عوف، فصلّاها في مسجدهم الذى في بطن وادى «نونا» (بنون مضمومة وأخرى بعدها ألف ممدودة، وهو مسجد صغير مبنى بحجارة قدر نضف القامة) بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة، فكانت هذه الجمعة أوّل جمعة صلّاها بالمدينة وخطب بها، وهى أوّل خطبة خطبها في الإسلام.
وكان ﷺ يخطب قائما، وكان إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول «صبّحكم ومسّاكم» «١» ، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرا عظيما، ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» «٢» ويقرن بين إصبعيه: السبابة والوسطى ويقول: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» «٣» .
وكان إذا قام أخذ عصا فتوكأ عليها، وكان أحيانا يتوكأ على قوس، ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف. وعند الإمام أحمد وغيره من حديث سعد بن عائذ وسعد القرظ مؤذن رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا. وفي وفي حديث عائشة رضى الله عنها، قالت: «كان لرسول الله [ثوبان يلبسهما يوم الجمعة، فإذا انصرف من الجمعة طواهما ورفعهما» .
وفي حديث عمرو بن أمية عند النسائى قال: كأنى أنظر إلى رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه. ومن جملة خطبته ﷺ : «فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإنها تجزئ: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة» .
ثم توجه بعد صلاة الجمعة على راحلته متوجّها إلى المدينة، فلما أشرف عليها قال: «هذه طابة أسكننيها ربّي، تنفى خبث أهلها كما ينفى الكير خبث الحديد، من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله ، وعليه لعنة الله
стр. 247
والملائكة والناس، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» «١» .
وكيف لا تطيب بالحبيب حسّا ومعنّي، وهى معمورة أيضا بالطيبين ملائكة وإنسا وجنا، ولا يدخلها ببركته الطاعون، ولم يصب ﵊ قط بالطاعون، ولا بذات الجنب، ولا جنّ نبيّ، ولا سلب، ولا احتلم، ولا تثاءب؛ لأن هذا من الشيطان، وقد عصمهم الله من ذلك، ولا تسمى مدينته الشريفة العلية فى الإسلام يثرب، كما كانت تسمى في الجاهلية لكراهة لفظ التثريب، الذى كالتعنيف والتعبير والاستقصاء في اللوم، ومنه- التثريب عليكم- قال ﷺ «يقولون يثرب، وهى المدينة» «٢» .
قال النووى في شرح مسلم: يعنى أن بعض الناس من المنافقين وغيرهم يسمونها يثرب، وإنما اسمها المدينة. انتهي.
ومع ذلك فمادحوه كثيرا ما يذكرون يثرب في مديحهم، كقول سيدى عبد الرحيم البرعي:
يا ساكن القبر المنير بيثرب ... يا منتهى أملى وغاية مطلبى
فلعل قرائن المديح يحسن معها هذا التعبير، والعبرة في مثل هذا بالنية. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت؛ فإني أشفع لمن يموت بها» «٢» ، لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه تعالى
стр. 248
ذوب الملح في الماء» «١» .
وكان ﵊ كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم يقولون: يا رسول الله هلم إلينا، إلى القوة والمنعة. فيقول رسول الله ﷺ : «خلّوا سبيل الناقة فإنها مأمورة من قبل الله تعالى» وقد أرخى زمامها وما يحرّكها، وهى تنظر يمينا وشمالا، حتى إذا أتت دار مالك بن النجار بركت حيث مسجده الشريف الان، ثم سارت وهو ﷺ عليها، ومشت حتّى بركت على باب أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه، من بنى مالك بن النجار، من كبار الصحابة، شهد بدرا والمشاهد، ثم قامت ومشت والتفتت خلفها، ثم رجعت إلى منزلها أوّل مرة بمحلّ باب المسجد، وبركت فيه، ثم تجلجلت (بجيمين) أى تحركت وألقت عنقها بالأرض وصوّتت من غير أن تفتح فاها، فنزل عنها رسول الله ﷺ ، وقال: «هذا المنزل إن شاء الله تعالى، اللهم أنزلنا منزلا مباركا» .
ولما بركت الناقة على باب أبى أيوب خرج جوار من بنى النجار يضربن بالدفوف يقلن:
نحن جوار من بنى النجار ... يا حبذا محمد من جار
فقال ﷺ : أتحببنني؟ قلن: نعم يا رسول الله، فقال ﵊: «الله أعلم أنّ قلبى يحبكم» ، وفي هذا دليل لسماع الغناء على الدف من المرأة لغير العرس «٢» . وسيأتى بسط الكلام على السماع في اخر فصل في الكتاب.
стр. 249
قال البيهقى ﵀: ولهذا يذكره بعضهم عند مقدمه ﷺ المدينة من مكة «١» لا أنه عند مقدمه المدينة من تبوك.
هذا كلامه، ولا مانع من تعدد ذلك.
واحتمل أبو أيوب (خالد بن زيد الأنصارى رضى الله عنه) رحله بإذنه ﷺ ، وأدخله بيته ومعه زيد بن حارثة، وكانت دار بنى النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها، وهم أخوال عبد المطلب جدّ النبى ﷺ ، وأراده قوم في النزول عليهم، فقال: «المرء مع رحله» فأقام ﷺ عند أبى أيوب حتّى بنى مسجده ومساكنه، وكان بناؤه من اخر ربيع الأوّل إلى شهر صفر من السنة القابلة، أى وذلك اثنا عشر شهرا، وقيل: مكث ببيت أبى أيوب سبعة أشهر، وكان قبله يصلى حيث أدركته الصلاة، وبناه هو والمهاجرون والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين، وكان موضع المسجد مربدا- أى محلا لتجفيف التمر- لسهل وسهيل ابنى عمرو (يتيمين في حجر أسعد بن زرارة أو معاذ بن عفراء) فدعا الغلامين فساومهما المريد ليتخذه مسجدا فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتّى ابتاعه منهما بعشرة دنانير أدّاها من مال أبى بكر الصديق رضى الله عنه، ولعل إطلاق اليتم عليهما باعتبار ما كان ان صدور البيع منهما، وقيل: بل كان الموضع لبنى النجار، وكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل، فأراد النبى ﷺ أن يشتريه من بنى النجار، فقال لهم: «ثامنونى حائطكم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسوّيت، وبالنخل فقطع، فصفّوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتاه* حجارة، ثم بناه باللّبن، وسقفه بالجريد، وجعل عمده من خشب النخل «٢» .
[مسألة: الرسول ﷺ والشّعر]
وكان ﷺ ينقل اللّبن** معهم في ردائه حتّى اغبرّ صدره الشريف، وصار يقول:
هذا الجمال لا جمال خيبر ... هذا أبرّ- ربّنا- وأطهر
стр. 250
أى هذا المحمول من الطين أبرّ وأطهر يا ربّنا، لا ما يحمل من خيبر من نحو التمر والزبيب. وعمل فيه المسلمون. والمحرّم عليه ﷺ من الشعر إنما هو إنشاؤه:
(أى الإتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه) وهذا هو المعنىّ بقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [يس: ٦٩] فإن فرض وقوع الكلام موزونا منه ﷺ لا يكون ذلك شعرا متعارفا؛ لعدم قصد وزنه، فليس من الممنوع منه، والغالب عليه ﷺ أنه إذا أنشد بيتا من الشعر متمثلا أو مسندا لقائله، لا يأتى به موزونا.
وعن عائشة رضى الله عنها لمّا قيل لها: هل كان رسول الله ﷺ يأتى بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه الشعر، غير أنه كان يتمثّل ويجعل أوّله اخره، واخره أوّله، أى غالبا، كأن يقول: * ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار* ويقول: * كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا*
أى وذلك قول سحيم عبد بنى الحسحاس، شاعر مشهور مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام:
* كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا*
ولما غيّر ذلك رسول الله ﷺ قال له الصدّيق رضى الله عنه: إنما قال الشاعر كذا، فأعاد ﷺ كالأوّل، فقال الصدّيق: أشهد أنّك رسول الله (وما علّمناه الشعر) .
وقد قيل له ﷺ : من أشعر الناس؟ قال: الذى يقول:
ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها وإن لم تطّيّب طيبا
الأصل: [وجدت بها طيبا وإن لم تطّيّب] وعن الخليل: كان الشعر أحبّ إليه ﷺ من كثير من الكلام، وهذا لا يخالف قول عائشة رضى الله عنها: «كان أبغض الحديث إليه ﷺ الشعر» ، لأن المراد بالشعر الذى يحبه ما كان مشتملا على حكمة أو وصف جميل من مكارم الأخلاق، والذى يبغضه ما كان مشتملا على ما فيه هجنة أو هجو، ونحو ذلك، ومن ثم قيل: «الشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح» .
وقد كان له ﷺ شعراء مثل: عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن