سالم بن عوف، فصلّاها في مسجدهم الذى في بطن وادى «نونا» (بنون مضمومة وأخرى بعدها ألف ممدودة، وهو مسجد صغير مبنى بحجارة قدر نضف القامة) بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة، فكانت هذه الجمعة أوّل جمعة صلّاها بالمدينة وخطب بها، وهى أوّل خطبة خطبها في الإسلام.
وكان ﷺ يخطب قائما، وكان إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول «صبّحكم ومسّاكم» «١» ، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرا عظيما، ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» «٢» ويقرن بين إصبعيه: السبابة والوسطى ويقول: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» «٣» .
وكان إذا قام أخذ عصا فتوكأ عليها، وكان أحيانا يتوكأ على قوس، ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف. وعند الإمام أحمد وغيره من حديث سعد بن عائذ وسعد القرظ مؤذن رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا. وفي وفي حديث عائشة رضى الله عنها، قالت: «كان لرسول الله [ثوبان يلبسهما يوم الجمعة، فإذا انصرف من الجمعة طواهما ورفعهما» .
وفي حديث عمرو بن أمية عند النسائى قال: كأنى أنظر إلى رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه. ومن جملة خطبته ﷺ : «فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإنها تجزئ: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة» .
ثم توجه بعد صلاة الجمعة على راحلته متوجّها إلى المدينة، فلما أشرف عليها قال: «هذه طابة أسكننيها ربّي، تنفى خبث أهلها كما ينفى الكير خبث الحديد، من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله ، وعليه لعنة الله
стр. 247
والملائكة والناس، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» «١» .
وكيف لا تطيب بالحبيب حسّا ومعنّي، وهى معمورة أيضا بالطيبين ملائكة وإنسا وجنا، ولا يدخلها ببركته الطاعون، ولم يصب ﵊ قط بالطاعون، ولا بذات الجنب، ولا جنّ نبيّ، ولا سلب، ولا احتلم، ولا تثاءب؛ لأن هذا من الشيطان، وقد عصمهم الله من ذلك، ولا تسمى مدينته الشريفة العلية فى الإسلام يثرب، كما كانت تسمى في الجاهلية لكراهة لفظ التثريب، الذى كالتعنيف والتعبير والاستقصاء في اللوم، ومنه- التثريب عليكم- قال ﷺ «يقولون يثرب، وهى المدينة» «٢» .
قال النووى في شرح مسلم: يعنى أن بعض الناس من المنافقين وغيرهم يسمونها يثرب، وإنما اسمها المدينة. انتهي.
ومع ذلك فمادحوه كثيرا ما يذكرون يثرب في مديحهم، كقول سيدى عبد الرحيم البرعي:
يا ساكن القبر المنير بيثرب ... يا منتهى أملى وغاية مطلبى
فلعل قرائن المديح يحسن معها هذا التعبير، والعبرة في مثل هذا بالنية. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت؛ فإني أشفع لمن يموت بها» «٢» ، لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه تعالى
стр. 248
ذوب الملح في الماء» «١» .
وكان ﵊ كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم يقولون: يا رسول الله هلم إلينا، إلى القوة والمنعة. فيقول رسول الله ﷺ : «خلّوا سبيل الناقة فإنها مأمورة من قبل الله تعالى» وقد أرخى زمامها وما يحرّكها، وهى تنظر يمينا وشمالا، حتى إذا أتت دار مالك بن النجار بركت حيث مسجده الشريف الان، ثم سارت وهو ﷺ عليها، ومشت حتّى بركت على باب أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه، من بنى مالك بن النجار، من كبار الصحابة، شهد بدرا والمشاهد، ثم قامت ومشت والتفتت خلفها، ثم رجعت إلى منزلها أوّل مرة بمحلّ باب المسجد، وبركت فيه، ثم تجلجلت (بجيمين) أى تحركت وألقت عنقها بالأرض وصوّتت من غير أن تفتح فاها، فنزل عنها رسول الله ﷺ ، وقال: «هذا المنزل إن شاء الله تعالى، اللهم أنزلنا منزلا مباركا» .
ولما بركت الناقة على باب أبى أيوب خرج جوار من بنى النجار يضربن بالدفوف يقلن:
نحن جوار من بنى النجار ... يا حبذا محمد من جار
فقال ﷺ : أتحببنني؟ قلن: نعم يا رسول الله، فقال ﵊: «الله أعلم أنّ قلبى يحبكم» ، وفي هذا دليل لسماع الغناء على الدف من المرأة لغير العرس «٢» . وسيأتى بسط الكلام على السماع في اخر فصل في الكتاب.
стр. 249
قال البيهقى ﵀: ولهذا يذكره بعضهم عند مقدمه ﷺ المدينة من مكة «١» لا أنه عند مقدمه المدينة من تبوك.
هذا كلامه، ولا مانع من تعدد ذلك.
واحتمل أبو أيوب (خالد بن زيد الأنصارى رضى الله عنه) رحله بإذنه ﷺ ، وأدخله بيته ومعه زيد بن حارثة، وكانت دار بنى النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها، وهم أخوال عبد المطلب جدّ النبى ﷺ ، وأراده قوم في النزول عليهم، فقال: «المرء مع رحله» فأقام ﷺ عند أبى أيوب حتّى بنى مسجده ومساكنه، وكان بناؤه من اخر ربيع الأوّل إلى شهر صفر من السنة القابلة، أى وذلك اثنا عشر شهرا، وقيل: مكث ببيت أبى أيوب سبعة أشهر، وكان قبله يصلى حيث أدركته الصلاة، وبناه هو والمهاجرون والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين، وكان موضع المسجد مربدا- أى محلا لتجفيف التمر- لسهل وسهيل ابنى عمرو (يتيمين في حجر أسعد بن زرارة أو معاذ بن عفراء) فدعا الغلامين فساومهما المريد ليتخذه مسجدا فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتّى ابتاعه منهما بعشرة دنانير أدّاها من مال أبى بكر الصديق رضى الله عنه، ولعل إطلاق اليتم عليهما باعتبار ما كان ان صدور البيع منهما، وقيل: بل كان الموضع لبنى النجار، وكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل، فأراد النبى ﷺ أن يشتريه من بنى النجار، فقال لهم: «ثامنونى حائطكم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسوّيت، وبالنخل فقطع، فصفّوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتاه* حجارة، ثم بناه باللّبن، وسقفه بالجريد، وجعل عمده من خشب النخل «٢» .
[مسألة: الرسول ﷺ والشّعر]
وكان ﷺ ينقل اللّبن** معهم في ردائه حتّى اغبرّ صدره الشريف، وصار يقول:
هذا الجمال لا جمال خيبر ... هذا أبرّ- ربّنا- وأطهر
стр. 250
أى هذا المحمول من الطين أبرّ وأطهر يا ربّنا، لا ما يحمل من خيبر من نحو التمر والزبيب. وعمل فيه المسلمون. والمحرّم عليه ﷺ من الشعر إنما هو إنشاؤه:
(أى الإتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه) وهذا هو المعنىّ بقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [يس: ٦٩] فإن فرض وقوع الكلام موزونا منه ﷺ لا يكون ذلك شعرا متعارفا؛ لعدم قصد وزنه، فليس من الممنوع منه، والغالب عليه ﷺ أنه إذا أنشد بيتا من الشعر متمثلا أو مسندا لقائله، لا يأتى به موزونا.
وعن عائشة رضى الله عنها لمّا قيل لها: هل كان رسول الله ﷺ يأتى بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه الشعر، غير أنه كان يتمثّل ويجعل أوّله اخره، واخره أوّله، أى غالبا، كأن يقول: * ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار* ويقول: * كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا*
أى وذلك قول سحيم عبد بنى الحسحاس، شاعر مشهور مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام:
* كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا*
ولما غيّر ذلك رسول الله ﷺ قال له الصدّيق رضى الله عنه: إنما قال الشاعر كذا، فأعاد ﷺ كالأوّل، فقال الصدّيق: أشهد أنّك رسول الله (وما علّمناه الشعر) .
وقد قيل له ﷺ : من أشعر الناس؟ قال: الذى يقول:
ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها وإن لم تطّيّب طيبا
الأصل: [وجدت بها طيبا وإن لم تطّيّب] وعن الخليل: كان الشعر أحبّ إليه ﷺ من كثير من الكلام، وهذا لا يخالف قول عائشة رضى الله عنها: «كان أبغض الحديث إليه ﷺ الشعر» ، لأن المراد بالشعر الذى يحبه ما كان مشتملا على حكمة أو وصف جميل من مكارم الأخلاق، والذى يبغضه ما كان مشتملا على ما فيه هجنة أو هجو، ونحو ذلك، ومن ثم قيل: «الشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح» .
وقد كان له ﷺ شعراء مثل: عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن
стр. 251
ثابت، وفي الجامع الصغير: «الشعر بمنزلة الكلام؛ فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» .
وقد كان ﷺ يسمع الشعر ويستنشده، فقد ذكر بعضهم أنه ﷺ كان يستنشد الخنساء (أخت صخر لأمه) ، ويعجبه شعرها، فكانت تنشده وهو يقول: «هيه يا خناس» ، ويوميء بيده. وكذلك سمع الشعر من النابغة الجعدى حين دخل عليه، وأنشده:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل «١» إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد القوم أصدرا «٢»
فقال له النبى ﷺ : «لا فضّ الله فاك» .
وسماعه ﷺ قصيدة كعب بن زهير، وإجازته عليه بالبردة الشريفة أدلّ دليل على عدم كراهته للشعر المباح.
وقال بعضهم: أجمع أهل العلم بأنه لم تكن امرأة قبل الخنساء ولا بعدها أشعر منها، ومن شعرها في أخيها المذكور:
أعينيّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر النّدي
طويل النجاد عظيم الرّماد ... وساد عشيرته أمردا
وللجلال السيوطى كتاب سمّاه: «نزهة الجلساء في أشعار الخنساء» .
وقال ابن عباس رضى الله عنهما: «إذا خفى عليكم شيء من غريب القران فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر ديوان العرب» ، وفي كلام عمر رضى الله عنه:
«أفضل صناعات الرجل نعم الأبيات من الشعر يقدّمها في صدر حاجته، فيستعطف بها قلب الكريم، ويستميل بها لؤم اللئيم» .
стр. 252
وفي كتاب «تحقيق النصرة» للزين المراغي: قيل: وضع ﷺ رداءه وهو في يثرب، فوضع الناس أرديتهم وهم يقولون:
لئن قعدنا والنبيّ يعمل ... ذاك إذن للعمل المضلّل
واخرون يقولون:
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا
* ومن يرى عن التراب حائدا*
ويروى عن عثمان بن مظعون رضى الله عنه أنه كان رجلا متنظفا- أى مترفّها- فكان إذا حمل اللبنة يجافى بها عن ثوبه لئلا يصيبه التراب، فإن أصابه شيء من التراب، نفضه، فنظر إليه علي بن أبى طالب رضى الله عنه، وأنشد يقول: - أي مباسطة مع عثمان بن مظعون، لا طعنا فيه-:
* لا يستوى من يعمر المساجدا* يدأب فيها إلخ......*
وكان عثمان هذا ممن حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال: «لا أشرب شرابا يذهب عقلى ويضحك بى من هو أدنى منّي» .
وجعل ﷺ قبلة المسجد لبيت المقدس إلى أن حوّلت في السنة الثانية، وجعل طوله مما يلى القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه، وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة، وجعل له أربعة أبواب من جهتي المشرق والمغرب؛ فمن جهة المشرق باب جبريل، وباب النساء، ومن جهة المغرب باب السلام وباب الرحمة، وبنى بيتين إلى جنبه باللبن، وسقفهما بجذوع النخل والجريد.
ثم تحوّل ﵊ من دار أبى أيوب إلى مساكنه التى بناها.
هجرة بقايا المسلمين من مكة:
وبعث النبيّ ﷺ زيد بن حارثة وأبا رافع ببعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة،
стр. 253
فقدما بفاطمة، وأم كلثوم، وسودة بنت زمعة، وأسامة بن زيد «١» ، وأم بركة المكناة «أم أيمن» ، وخرج عبد الله بن أبى بكر رضى الله تعالى عنه معهم بعيال أبيه، وأمّا علي بن أبى طالب رضى الله عنه فكان أقام بعد خروج النبى ﵊ بثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء، قال علي بن أبى طالب رضى الله عنه، كما أخرجه عنه ابن عساكر: «ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة تقلد سيفه وتنكّب قوسه، وانتضى في يده سهما، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاب سبعا، ثم صلّى ركعتين عند المقام، ثم أتى خلفهم، وقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه، ويؤتّم ولده، وترمّل زوجته، فليلقنى وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد؛ لأنهم كانوا يردّون من أراد الهجرة ويسجنونه. وكان صحيح الإيمان يجتهد في اللحاق بالنبى ﷺ ، كما وقع ليحيى بن ضمرة الجندعى لما بلغه خروج النبى ﷺ قال: لا عذر لى في مقامى بمكة، وكان مريضا، فأمر أهله فخرجوا به إلى التنعيم، فمات، فأنزل الله تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠] وأوّل كلمة سمعت منه ﷺ لما قدم المدينة: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» «٢» .
وكان ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جذع نخلة، وفي لفظ «يسند ظهره إليه إذا تكلم يوم الجمعة أو حدث أمر يريد أن يكلّم الناس فيه» فقال له الناس: يا رسول الله، قد كثر الناس (يعنى المسلمين) وإنهم يحبون أن يروك فلو اتخذت منبرا لقدر قيامك تقوم عليه فيراك الناس، قال: نعم، قال: من يجعل لنا هذا المنبر؟
فقام إليه رجل، فقال: أنا، قال: تجعله؟ قال: نعم (ولم يقل إن شاء الله) ، قال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله؟ قال: نعم (ولم يقل إن شاء الله) ، قال: ما
стр. 254
اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟
فقام إليه رجل، فقال: أنا، فقال: تجعله؟ قال: نعم، إن شاء الله، قال: ما اسمك؟
قال: باقوم، وكان قبطيا، قال: اجعله. فجعله، فصنع له المنبر ثلاث درجات بينه وبين الحائط ممر «١» الشاة. فلما كان أيام معاوية جعل المنبر ست درجات، وحوّله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذ.
وحنين الجذع الذى كان يخطب عليه ﷺ حديث متواتر، رواه من أصحاب رسول الله ﷺ الجمع الكثير، وإلى حنين الجذع أشار الإمام السبكى في تائيته بقوله:
وحنّ إليك الجذع حين تركته ... حنين الثّكالي عند فقد الأحبّة
وأشرقت المدينة بقدومه ﷺ فيها، وسرى السرور بحلوله ﷺ .
قال أنس بن مالك رضى الله عنه: لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شيء.
وعن البراء بن عازب قال: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء كفرحهم برسول الله ﷺ ، وصعدت ذوات الخدور على الأسطحة لقدومه «٢» ﷺ يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع «٣»
وجب الشّكر علينا ... ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
стр. 255
وسمّيت «ثنية الوداع» لأن المسافر من المدينة كان يشيّع إليها، ويودّع عندها قديما، وهى موضع بين مكة والمدينة. وقال ﷺ : «اللهم حبّب لنا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، اللهم بارك لنا في صاعها ومدّها «١» » .
والبركة حاصلة لها؛ لأنها النموّ والزيادة في نفس المكيل بحيث يكفى المدّ بها ما لا يكفى في غيرها، وهذا محسوس لمن سكنها. ولمسلم: «اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين» . وله أيضا:
«اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإنه دعا لمكة، وأنا أدعو للمدينة بمثل ما دعاك لمكة» .
وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: كان ﷺ يؤتى بأول التمر فيقول:
«اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارها، وفي مدّنا، وفي صاعنا بركة مع بركة. ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان» .
وجاء: «إنّ الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها «٢» (ويأرز بكسر الراء أى ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض) وفي رواية «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، يأرز كما تأرز «٣» الحية إلى جحرها» .
ومكة أفضل من المدينة؛ لأن مكة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة، وهذا قول الجمهور، وعند الإمام الشافعى مكة أفضل من المدينة، وحكى عن مالك ومطرف وابن حبيب- من أصحابه- لكن
стр. 256
المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة، وقد رجع عن هذا القول أكثر المصنفين من المالكية، واستثنى القاضى عياض البقعة التى دفن فيها النبى ﷺ ، فحكى الاتفاق على أنها أفضل بقاع الأرض. وأنشد بعضهم:
جزم الجميع بأنّ خير الأرض ما ... قد حاط ذات المصطفي وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت ... كالنفس حين زكت زكا مأواها
وزاد بعضهم بعد هذين البيتين:
وبهذه ظهرت مزيّة طيبة ... فغدت وكلّ الفضل في مغناها
حتي لقد خصّت بروضة جنة ... الله شرّفها بها وحباها
ما بين قبر للنبىّ ومنبر ... حيّا الإله رسوله وسقاها
ورجّح بعضهم المدينة؛ لأن ميل كل نفس حيث حلّ حبيبها «١» كما قال بعضهم:
عليّ لربع العامرية وقفة ... ليملي عليّ الشوق والدمع كاتب
ومن مذهبي حبّ الديار لأهلها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب
ولما هاجر ﷺ وأكثر اليهود يستقبلون بيت المقدس، وأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، فرحت اليهود، فاستقبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، وكان يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فنزلت الاية، قَدْ نَرى
стр. 257
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٤٤] .
[فرق اليهود] :
ثم إن اليهود افترقوا فرقا كثيرة، ولكن المشهور من فرقهم ثلاث: الربّانيون، والقراؤون، والسامريون، وهؤلاء مجمعون على نبوة موسى وهارون ويوشع ﵈، وعلى التوراة وأحكامها، وإن كان فيها تحريف الكلم عن مواضعه، لكنهم يستخرجون منها ستمائة وثلاث عشرة فريضة يتعبدون بها. وينفرد الربّانيون والقرّاؤون عن السامرة بنبوّات أنبياء غير الثلاثة المذكورة، وينقلون عنهم تسعة عشر كتابا، ويضيفونها إلى خمسة أسفار التوراة، ويعبرون عن الأربعة وعشرين كتابا بالنبوات، وهى على مراتب:
الأولى: التوراة، وهى خمسة أسفار .
الأوّل: يذكر فيه بدء الخليقة والتاريخ من ادم إلى يوسف ﵉.
والثاني: يذكر فيه استخدام المصريين لبنى إسرائيل، وظهور موسى ﵇ وهلاك فرعون، ونصب قبة الزمان، وأحوال التيه، وإمامة هارون ﵇، ونزول العشر كلمات، وسماع القوم كلام الله .
والثالث: يذكر فيه تعليم القرابين بالإجمال.
والرابع: يذكر فيه عدد القوم، وتقسيم الأرض عليهم بالقرعة، وأحوال الرسل الذين بعثهم موسى ﵇ إلى الشام، وأخبار المنّ والسلوى والغمام.
والخامس: إعادة أحكام التوراة بتفصيل المجمل، وذكر وفاة هارون، ثم موسي، وخلافة يوشع عليه وعليهما السلام.
المرتبة الثانية: أربعة أسفار: تدعى الأولي:
أولها: ليوشع ﵇، يذكر فيه ارتفاع المنّ وأكلهم الغلال بعد تقريب القربان، ومحاربة يوشع الكنعانيين، وفتحه البلاد، وتقسيمها بالقرعة، ووفاته.
وثانيها: يعرف بسفر الحكّام، فيه أخبار قضاة بنى إسرائيل في البيت الأوّل.
وثالثها: لشمويل ﵇، فيه نبوّته وملك طالوت وقتل داود جالوت.
ورابعها: يعرف بسفر الملوك، فيه أخبار ملك داود وسليمان عليهما السلام
стр. 258
وغيرهما، وانقسام الملك بين الأسباط، والملاحم، والجلاء الأوّل، ومجيء بختنصر وخراب بيت المقدس.
المرتبة الثالثة: أربعة أسفار تدعى: الأخيرة:
فأوّلها: لشعيا ﵇ يذكر فيه توبيخ الله تعالى لبنى إسرائيل، والإنذار بما يقع، وبشرى الصابرين، وإشارة إلى البيت الثاني، والخلاص على يد كورش الملك.
وثانيها: لأرميا ﵇، يذكر فيه خراب البيت بالتصريح، والهبوط إلي مصر.
وثالثها: لحزقيل ﵇، ويذكر فيه حكم طبيعية وفلكية ومرموزة، وشكل بيت المقدس، وأخبار يأجوج ومأجوج.
ورابعها: اثنا عشر سفرا: فيها إنذارات بجراد، وزلازل وغيرها، وإشارة إلى المنتظر والمحشر، ونبوة يونس ﵇، وغرقه وابتلاع الحوت له، وتوبة قومه، ومجئ عدوّه، وصلاة حبقوق، ونبوّة زكريا ﵇، وإشارات إلى اليوم العظيم، وبشارة بورود الخضر ﵇.
المرتبة الرابعة: تدعى: الكتب، وهى أحد عشر سفرا:
أولها: تاريخ من ادم إلى البيت الثاني، ونسب الأسباط وقبائل العالم.
وثانيها: مزامير داود ﵇، وعدّتها مائة وخمسون مزمورا، ما بين طلبات وأدعية عن موسى ﵇ وغيره.
وثالثها: قصة أيوب ﵇، وفيه مباحث كلامية.
ورابعها: أمثال حكمية عن سليمان ﵇.
وخامسها: أخبار الحكام قبل الملوك.
وسادسها: نشائد عبرانية لسليمان ﵇: مخاطبات بين النفس والعقل.
وسابعها: يدعى جامع الحكمة لسليمان ﵇، فيه الحث علي طلب الذات العقلية الباقية، وتحقير الجسمية الفانية، وتعظيم الله تعالى والتخويف منه.
стр. 259
وثامنها: يدعى النّواح لأرميا ﵇، وفيه خمس مقالات، علي حروف المعجم، وندب على البيت.
وتاسعها: فيه ملك ذي النون.
وعاشرها: لدانيال ﵇، فيه تفسير منامات بختنصّر وولده، ورموز علي ما يقع في الممالك، وحال البعث والنشور.
والحادى عشر: لعزير ﵇؛ فيه صفة عود القوم من أرض بابل إلي البيت الثاني وبناؤه.
وينفرد الربانيون بشروح لفرائض التوراة وتفريعات عليها، ينقلونها عن موسي ﵇.
ولله درّ ابن سهل الإسرائيلى الأسلمى حيث يقول:
تسلّيت عن موسى بحبّ محمّد ... هديت، ولولا الله ما كنت أهتدي
وما عن قلي قد كان ذاك وإنما ... شريعة موسي عطّلت بمحمد
* ثم لما استقر ﷺ بالمدينة، وأظهرت أحبار اليهود العداوة للنبى ﷺ بغيا وحسدا، وانضم إلى اليهود جماعة من الأوس والخزرج منافقون منهم «عبد الله بن أبيّ بن سلول» رئيس المنافقين، واجتمع عليه أصحابه) وقاموا بنصرته، وصارت المدينة لهم دار إسلام، شرع الله جهاد الأعداء، ومن هذا الوقت ظهرت الغزوات.
стр. 260
الفصل الثالث في ذكر الظواهر الحادثة بعد الهجرة إجمالا
[الإذن بالقتال:] ولما مكث ﷺ بضع عشرة سنة يدعو إلي الله بغير قتال، صابرا على إيذاء العرب بمكة، واليهود بالمدينة له ولأصحابه؛ لأمر الله له بالصبر، ووعده له بالفتح، أذن له بالقتال لكن لمن قاتله بقوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج: ٣٩] ... الاية ولما نزلت أخبر ﷺ بقوله «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله» المراد مع «محمد رسول الله» ، وقد يكتفى بالجزء الأوّل عن كلمتى الشهادة، أي عن التعبير بجميعهما؛ لأنه صار شعارا لجميعهما، فحيث قيل «كلمة الشهادة» ، أو «كلمة الإخلاص» أو «قول لا إله إلا الله» فهو «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ، وفي لفظ: «حتى يشهدوا ألاإله إلا الله وأنى محمد رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم علي الله تعالى» ، قيل. وما حقها؟ قال: «زنا بعد إحصان، وكفر بعد إسلام، أو قتل نفس» «١» .
وهي الكلمة العالية والشريعة الغالبة، من استمسك بها فقد سلم، ومن اعتصم بعصمتها فقد عصم، لقوله ﷺ : «فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ... » هذا توقيع العصمة الدنيوية، وأما توقيع العصمة الاخروية ف «من قال لا إله إلا الله دخل حصني، ومن دخل حصنى أمن من عذابي» «٢» .
والأمر الذى أخبر عنه) هو قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩] .
قال بعضهم: وهي أوّل اية نزلت في شأن القتال.
وظاهر هذا السياق يقتضى أن الاية فيها الأمر له ﷺ بالقتال المذكور، وقد
стр. 261
يتوقف في ذلك، ولعله أمر بذلك بغير الاية المذكورة؛ لأن الاية ظاهرها الإباحة، والمباح ليس مأمورا به، ثم أبيح الابتداء بالقتال حتّى لمن لم يقاتل، لكن في غير الأشهر الحرم التى هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] .
ثم أمر به وجوبا بعد فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة مطلقا من غير تقييد بشرط ولا زمان، بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] أي جميعا في أي زمن، فعلم أن القتال كان قبل الهجرة وبعدها إلي صفر من السنة الثانية محرّما؛ لأنه ﷺ كان في أثناء ذلك مأمورا بالتبليغ، وكان التبليغ إنذارا بلا قتال؛ لأنه نهى عنه، قيل في نيف وسبعين اية، ثم صار مأذونا في قتال من قاتل، ثم أبيح قتال من لم يبدأ بالقتال في غير الأشهر الحرم، ثم أمر بالقتال مطلقا لمن قاتل ومن لم يقاتل في أىّ زمن، سواء في الأشهر الحرم وغيرها، وقيل: إن القتال في الحالة الثانية كان مأمورا به، لا مباحا، كالحالة الأولي.
ثم استقر أمر الكفار مع ﷺ بعد نزول «براءة» * علي ثلاثة أقسام:
الأوّل: محاربون له ﷺ ، وهؤلاء المحاربون إذا كانوا ببلادهم يجب قتالهم علي الكفاية في كل عام مرة، أي يكفى ذلك في إسقاط الحرج كإحياء الكعبة، واستدل لذلك بقوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢] أي فهّلا نفر، وقيل: فرض كفاية «١» فى حق الأنصار، وفرض عين «٢» في حق المهاجرين.
الثاني: أهل عهد، وهم المؤمّنون من غير عقد الجزية، أى الذين صالحهم ووادعهم على ألايحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوّه، وهم على كفرهم، امنون علي دمائهم وأموالهم وأنفسهم؛ لأنه ﷺ قال: «من ظلم معاهدا أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» «٣» .
стр. 262
الثالث: أهل ذمة، وهم من عقدت لهم الجزية.
وهناك قسم اخر، وهو: من دخل في الإسلام تقيّة من القتل، وهم المنافقون، وكان ﷺ يأمر أن تقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، فكان معرضا عنهم، إلا فيما يتعلق بشعائر الإسلام الظاهرة، كالصلاة؛ فلا يخالف ما رواه الشيخان: «لقد هممت أن امر بالصلاة فتقام، ثم امر رجلا فيصلّى بالناس، ثم أنطلق ومعي رجال معهم حزم من حطب إلي قوم لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار» . فإن هذا الحديث ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة، ولا يصلّون أصلا، بدليل السياق؛ لأن صدر الحديث: «أثقل الصلاة علي المنافقين صلاة العشاء والفجر، (أي جماعتهما) ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت ... إلى اخره» «١» .
وكان الجهاد في عهده ﷺ فرض عين، وقيل فرض كفاية، وكان إذا غزا بنفسه يجب على كل أحد الخروج معه لقوله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة: ١٢٠] ، ومن ثمّ وقع لمن تخلّف عنه في غزوة تبوك ما وقع. وقد غزا ﷺ بنفسه.
وأما بعده «٢» ﷺ فللكفار حالان مذكوران في كتب الفقه.
стр. 263
الباب الرابع فى تفاصيل الظواهر التى حدثت بعد هجرته ﵊ إلى وفاته ﷺ ، وفيه فصول
الفصل الأوّل فى ظواهر السنة الأولى من الهجرة وما فيها من الغزوات
قدم رسول الله ﷺ المدينة لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأولي، ظهر يوم الاثنين، فنزل قباء، وأقام بها الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسّس مسجد قباء الذي نزل فيه: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [التوبة: ١٠٨] . وخرج من قباء يوم الجمعة، فما مر علي دار من دور الأنصار إلا قالوا: «هلمّ يا رسول الله إلى العدد والعدّة» ، ويعترضون ناقته، فيقول: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة» ثم سارت حتي انتهت إلي موضع مسجده؛ فبني مسجده الشريف ومساكنه كما سبقت الإشارة إلي ذلك انفا، فلم يزد فيه أبو بكر في أيام خلافته شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه علي بنائه في عهده ﵊. ثم غيّره عثمان بن عفان في خلافته، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جدرانه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة منقوشة أيضا، وسقفه بالسّاج «١» . ثم لما صارت الخلافة إلي الوليد بن عبد الملك الذي عمّر جامع دمشق: استعمل علي المدينة عمر بن عبد العزيز، وكتب إليه في سنة سبع وثمانين من الهجرة يأمره بعمارة مسجده ﷺ ، وبإدخال بيوت أزواجه فيه، حتي تصير مساحة المسجد مائتى ذراع «٢» في مائتي ذراع، فأجابه أهل المدينة إلى ذلك، ففعل عمر بن عبد العزيز كذلك.
стр. 264
وقد عمّر المسجد الشريف جماعة من ملوك الإسلام، وقد احترق هذا المسجد في زمن الملك الأشرف قايتباى الظاهرى، فعمّره ووضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة، وعمل فيه منبرا، وسقّفه وذهّب سقفه.
ثم في سنة ست وثمانين وثمانمائة، وقعت صاعقة بالليل علي منارة المسجد النبوي، احترق منها سقوف المسجد الشريف النبوي، وجميع ما فيه من المصاحف والكتب، وغير ذلك، ولم يبق سوي الجدران، ووردت الأخبار بذلك إلي السلطان المذكور، فجدّد عمارته، فجاءت في غاية الحسن.
ولمّا تمت العمارة التي صرف عليها أكثر من مائة ألف دينار، أرسل إلى المدينة المنورة خزانة كتب، وجعل مقرها بمدرسته التى عمرها هناك، وأرسل عدة مصاحف وأوقف عليها ما يلزم وقفه، والمدرسة باقية عامرة، علي يسار الداخل للحرم النبوي، وينزل بها أمير الحاج المصري. وقد اعترض أهل الزيغ والشقاق، ومن في قلبه مرض ونفاق بحلول هذه الحادثة بالحرم الشريف، وإن لم يصب الحجرة الشريفة ما يخلّ بالمقام المنيف، فكان الردّ على المنافقين، وعصبة الضّلال الفاسقين، بأنه ليس في هذا أدنى نقص في حقه ﷺ ، وأنّ حرمه لم يزل عند الله تعالى، وعند أهل الإيمان في أعلى درجات المقام الأعظم، وإنما لمّا مال من مال من أهل طيبة عن سنته، رماهم الله تعالى بهذا الأمر، فتلقاها عنهم ﷺ بمسجده؛ لكمال رحمته بهم ورأفته.
قال الشريف السمهودي: وفي ذلك عبرة تامة، وموعظة عامة، أبرزها الله تعالى للإنذار فخص بها النذير الأعظم ﷺ ، وقد ثبت أن أعمال أمته تعرض عليه «١» فلما ساءت الأعمال المعروضة، ناسب ذلك الإنذار بإظهار النار المجازى بها يوم القيامة والعرض، قال الله تعالى: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً [الإسراء: ٥٩] وقال تعالى: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:
١٦] . وقال الشاعر في هذا المعنى:
стр. 265
لم يحترق حرم النبي لريبة ... يخشي عليه ولا هنالك عار
لكنّما أيدي الروافض لامست ... ذاك البناء، فطهّرته النار
* وفي هذه السنة دخل بعائشة رضى الله تعالى عنها بعد ثمانية أشهر من الهجرة، وهي بنت تسع، وتوفي عنها وهي بنت ثماني عشرة سنة، وكان قد عقد عليها قبل الهجرة بعد وفاة خديجة.
[المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار]
وفيها اخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا، من كل طائفة خمسة وأربعون، وقيل مائة، فاتخذ ﷺ عليّا أخا له «١» واخى بين أبى بكر وخارجة بن زيد الأنصاري، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ الأنصاري، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك الأنصاري، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع الأنصاري، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت الأنصاري، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك الأنصاري، وبين سعيد بن زيد وأبيّ بن كعب الأنصاري.
وأوّل مولود للمهاجرين بعد الهجرة عبد الله بن الزبير، وأوّل مولود للأنصار النعمان بن بشير رضى الله تعالى عنهم أجمعين.
وكان المقصود من المؤاخاة أن يكون بعضهم معظما لبعض، مهتما بشأنه، مخصوصا بمعاونته ومناصرته ومواساته، حتى يكونوا يدا واحدة علي الأعداء بالنسبة للهيئة الاجتماعية، وأن يكون حبّ كلّ أحد لأخيه جاريا مجرى حبه لنفسه، حتى قال بعضهم: إن هذه المؤاخاة كان فيها حكم التوارث، وإنهم كانوا كذلك إلي أن نزل بعد غزوة بدر وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [اخر سورة الأنفال] . وقبل الهجرة اخى ﷺ بين المهاجرين بلا توارث. فالمؤاخاة وقعت مرتين.
* وفي هذه السنة الأولى من الهجرة كانت غزوة الأبواء، وهي أوّل غزواته ﵊، ثم غزوة بواط، ثم غزوة العشيرة، موضع بناحية ينبع، وكانت بعد بواط بأيام قلائل، وقيل: إن هذه الغزوات كانت في السنة الثانية.
стр. 266
وغزوة الأبواء تسمي غزوة ودّان، بفتح الواو وتشديد الدال المهملة اخره نون «١» ، وذلك أنه ﷺ خرج غازيا حتي بلغ «ودّان» وهي قرية كبيرة بينها وبين الأبواء نحو ثمانية أميال، و «الأبواء» قرية بين مكة والمدينة، وكان خروجه ﷺ بالمهاجرين يتعرض عير قريش، ويريد بني ضمرة، وكان عدد من معه سبعين رجلا من أصحابه، وفي هذه الغزوة صالح بنى ضمرة، فعقد الصلح مع سيدهم حينئذ، وهو مجدى بن عمرو الجهني، علي ألايغزوهم ولا يغزونه، ولا يكثروا عليه جمعا، ولا يعينوا عليه عدوا، وكتب بينه وبينهم كتابا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم:
«هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لبني ضمرة بأنهم امنون علي أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصرة علي من رامهم، إلا أن يحاربوا في دين الله ما بلّ بحر صوفة (أى ما بقى فيه ما يبل الصوفة) ، وأن النبى ﷺ إذا دعاهم لنصره أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله (أي أمانهما) » انتهي.
وكان لواؤه أبيض مكتوبا عليه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ، وكان اللواء مع عمه حمزة، واستعمل علي المدينة سعد بن عبادة، وانصرف إلي المدينة، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة.
هذا ما قاله بعض أهل السير.
والصحيح: أنها كانت في الثانى عشر من شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة.
* وأما غزوة بواط «٢» (بضم المواحدة وفتحها وتخفيف الواو اخرها طاء مهملة) فالصحيح أيضا أنها كانت في شهر ربيع الأوّل، وقيل في ربيع الاخر من السنة الثانية. وبواط جبل بالينبع. وسبب هذه الغزوة أن النبى ﷺ بلغه أن عير قريش نحو ألفين وخمسمائة بعير، ومائة رجل من قريش، معهم أمية بن خلف، ذاهبة إلى مكة، فخرج ﷺ لاعتراضها في مائتين من أصحابه، وحمل
стр. 267
اللواء- وهو العلم الذى يحمل في الحرب، يعرف به موضع أمير الجيش، وكان أبيض- سعد بن أبي وقاص واستعمل علي المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، وقيل سعد بن معاذ، فانتهى إلى بواط فلم يلق كيدا أى حربا، فرجع إلى المدينة بدون حرب.
* وأما غزوة العشيرة- بالعين المهملة والشين المعجمة وبالمهملة أيضا، على صيغة التصغير، موطن ببطن الينبع (وهو منزل الحاجّ المصري) - لبنى مدلج، فكانت علي الصحيح في جمادى الأولى سنة اثنين، لقصد إدراك عير قريش المتوجّهة إلي الشام، وذلك أن قريشا جمعت أموالها في تلك العير، ولم يبق بمكة قرشى ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في تلك العير، إلا حويطب بن عبد العزي. ويقال: إن في تلك العير خمسين ألف دينار، وألف بعير، وكان قائدها أبا سفيان، وكان معه سبعة وعشرون رجلا، وقيل: تسعة وثلاثون رجلا منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وهي العير التي خرج إليها رسول الله ﷺ حين رجعت من الشام، وكانت سببا لوقعة بدر الكبري، خرج ﷺ في مائتين من المهاجرين خاصة، حتي بلغ العشيرة- بالتصغير- (وأما التى بغير تصغير العشيرة فهي غزوة تبوك) واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وحمل اللواء عمّه حمزة بن عبد المطلب؛ وكان اللواء أبيض، خرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها «١» ، فوجدوا العير قد مضت قبل ذلك بأيام، ورجع ولم يلق حربا، ووادع ﷺ فيها بنى مدلج، وكنّي فيها عليّا بأبى تراب حين وجده نائما هو وعمار بن ياسر وقد علق به التراب الذي سفّته عليه الريح، فأيقظه ﵊ برجله، وقال له: «قم أبا تراب» فلما قام قال له: «ألا أخبرك بأشقى الناس أجمعين: عاقر الناقة، والذى يضربك علي هذا» ووضع يده علي قرن رأسه «فيخضب هذه» ووضع يده على لحيته.
وفي السنة الأولى من الهجرة وادع ﷺ يهود، وعاهداهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم.
стр. 268
الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة تحويل القبلة من صخرة بيت المقدس إلي المسجد الحرام.
وعن ابن عباس أنه قال: «أول ما نسخ من القران القبلة» ، وذلك أنه ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلي الكعبة، فلما هاجروا إلي المدينة أمره الله تعالى أن يصلى نحو صخرة بيت المقدس، ليكون أقرب إلي تصديق اليهود إياه إذا صلي إلي قبلتهم، مع ما يجدون من نعته في التوراة، وصلّى بعد الهجرة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا إلي بيت المقدس، وكان يحبّ أن يوجّه إلي الكعبة؛ لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم ﵇، فأنزل الله قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤] .
وروى الليث عن يونس عن الزهرى قال: «لم يبعث الله منذ هبط ادم إلى الأرض نبيا إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس» . وقد سبق التنويه إلى ذلك قريبا. فلما حوّلت القبلة كان النبى ﵊ في مسجد القبلتين، في بني سلمة، فكان يصلى فيه الظهر إلي بيت المقدس، وقد صلّى بأصحابه ركعتين من الظهر، فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب «١» ، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فوقع نصفها إلي بيت المقدس ونصفها إلي الكعبة، فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين.
وفيها «في شعبان» فرض صوم رمضان، وأمر الناس بإخراج زكاة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثي، وصاع من تمر أو من زبيب أو من بر، وقال: «أغنوهم- يعنى المساكين- عن ذلك السؤال في هذا اليوم» «٢» .
قال ابن حجر: «وثواب الصوم الناقص كالكامل «٣» فى الفضل المرتب علي رمضان من غير نظر لأيامه، أمّا ما يترتب علي صوم الثلاثين من ثواب واجبه
стр. 269
(أي فرضه) ومندوبه عند سحوره وفطوره، فهو زيادة يفوق بها الناقص، وكأن حكمته أنه ﵊ لم يكمل له رمضان إلا سنة واحدة، والبقية ناقصة: زيادة طمأننية نفوسهم علي مساواة الناقص للكامل» .
وقوله: «من غير نظر لأيامه» ، تعقّبه ابن قاسم بقوله: قد يقال الفضل المرتب علي رمضان ليس إلا مجموع الفضل المرتب على أيامه، وأجيب بمنع الحصر، وأن لرمضان فضلا من حيث هو، بقطع النظر عن مجموع أيامه، كما هو في مغفرة الذنوب لمن صامه إيمانا واحتسابا «١» ، والدخول من باب الجنة المعد لصائمه، وغير ذلك مما ورد أنه يكرم به صوّام رمضان، وهذا لا فرق فيه بين كونه ناقصا أو تاما.
وأما الثواب المرتّب علي كل يوم بخصوصه فأمر اخر؛ فلا مانع أن يثبت للكامل بسببه ما لا يثبت للناقص.
وقوله: «وكأن حكمته إلخ» قال الشوبري: كذا وقع لابن حجر هنا، ووقع له في محلين اخرين أنه قال: لم يصم شهرا كاملا إلا سنتين، وجرى عليه المنذرى في سننه، وقال: فما وقع له هنا غلط، سببه اعتماده علي حفظه، انتهي.
أقول: لا يلزم أنّ ما هنا غلط، بل يحتمل أن ما قال المنذرى مقالة لم يعرج عليها لشيء ظهر له، ثم رأيت العلّامة الأجهورى استوعب ما ذكر فقال:
وفرض الصيام ثاني الهجرة ... فصام تسعة نبيّ الرّحمة
أربعة تسع وعشرون، وما ... زاد علي ذا بالكمال اتّسما
كذا لبعضهم، وقال الهيتمي ... ما صام كاملا سوي شهر اعلم
وللدميري أنّه شهران ... وناقص سواه خذ بياني
* وفي هذه السنة أري عبد الله بن زيد صورة الأذان في النوم، وورد الوحى
стр. 270
بذلك، والذي قاله النووى في الروضة: إن الأذان شرع في السنة الأولى من الهجرة.
وقيل: كان ذلك- أي الأذان- فى السنة الثانية عند ما شاور ﵊ أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة؛ إذ كان اجتماعهم بمنادى «الصلاة جامعة» . والأذان علي المنائر من خصائص هذه الأمة، وليس لمن سواهم منائر يؤذنون عليها، بل ولا هذا الأذان المخصوص.
وفيها تزوج عليّ فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وقال: «إن الله تعالى عقد على فاطمة لعليّ في السماء» «١» فنزل الوحي بذلك.
* ولما قدم ﷺ من غزوة العشيرة لم يقم بالمدينة إلا ليال* حتي غزا غزوة «سفوان» فى السنة الثانية، ويقال لها غزوة «بدر الأولي» فخرج خلف كرز بن جابر الفهرى وقد أغار (قبل أن يسلم) علي سرح المدينة (أى على النعم والمواشى التى تسرح بالغداة) ، فسعى رسول الله ﷺ في طلبه حتّى بلغ وادى سفوان من ناحية بدر، ولذا قيل لها «بدر الأولي» ، وفاته كرز بن جابر ولم يدركه. وكان ﷺ قد استعمل علي المدينة زيد بن حارثة، وحمل علي بن أبى طالب رضى الله عنه اللواء وكان أبيض.
وفي هذه السنة أيضا بعث عبد الله بن جحش في ثمانية أنفس إلى «نخلة» بين مكة والطائف؛ ليتعرفوا أخبار قريش، فمرّ بهم عير لقريش فغنموها وأسروا اثنين، وحضروا بذلك إليه ﷺ ، وهي أوّل غنيمة غنمها المسلمون.
* وفي سنة اثنتين من الهجرة كانت غزوة بدر الكبري، وبدر اسم للوادى أو لغيره، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وعدة المشركين ألف رجل معهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وهي أفضل غزواته ﷺ ؛ لأنهم بذلوا في نصرته الأرواح والأجسام، وقاموا علي قدم الإخلاص، فاستحقوا مزيد
стр. 271
الإكرام، وظفروا بالشهادة الكبرى والمنزلة الرفيعة في الدنيا والاخرى، ونطق بفضلها أشرف الكتاب، فكان الدعاء بذكرهم يستجاب، وعدّت تلاوة أسمائهم لتدفع كل مهمة، رضى الله عنهم وعن جميع الأمة. وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل ويقرب منها إلا غزوة الحديبية، حيث كانت بيعة الرضوان. ويقال لها: بدر القتال «١» ، وبدر الفرقان «٢» ؛ لأن الله تعالى فرّق فيها بين الحق والباطل، وأظهر الله بها الدين من يومئذ، وقتل فيها صناديد قريش، وذلك أن العير التي خرج ﷺ في طلبها حتّى بلغ العشيرة ووجدها سبقته بأيام، لم يزل مترقبا قفولها من الشام، فلما سمع برجوعها من الشام دعا المسلمين، وقال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها» فانتدب ناس للإجابة واخرون لم يجيبوا لظنهم أن رسول الله ﷺ لم يلق حربا، ولم يحتفل لها رسول الله ﷺ ولا اهتم بها، بل قال: «من كان ظهره حاضرا فليركب معنا» .
فكان أبو سفيان حين دنا بالعير من أرض الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقى من الركبان تخوّفا من رسول الله ﷺ ، فبلغه أن رسول الله ﷺ قد استنفر أصحابه للعير، وأنه تركه مقيما ينتظر رجوع العير، فخاف خوفا شديدا، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى بعشرين مثقالا ليستنفر قريشا، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لعيرهم هو وأصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، وقال:
«يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة [أى أدركوا اللطيمة، وهى العير التى تحمل الطيب والبزّ*] أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها» . فتجهز الناس سراعا حيث أقام أشراف قريش يحضّون الناس علي الخروج، ولم يتخلف من أشرافهم إلا أبو لهب، وبعث مكانه العاص بن هاشم ابن المغيرة، استأجره بأربعة الاف درهم كانت له عليه دينا أفلس بها، وكانوا خمسين وتسعمائة، وقيل ألفا، وقادوا مائة فرس عليها مائة درع سوى دروع
стр. 272
المشاة، ومعهم القينات* يضربن بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين، وخرج رسول الله ﷺ من المدينة في ثلاثمائة رجل وثلاثة عشر؛ من المهاجرين سبعة وسبعون، وباقيهم من الأنصار، وما فيهم سوى فارسين: المقداد بن عمرو الكندي، والزبير بن العوام، ونزل ﷺ في بدر، وبنى له عريش، وجلس فيه ومعه أبو بكر رضى الله عنه.
وكان ﷺ قد بعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد يتحسسان خبر العير، فرجعا بخبر العير إلى المدينة، على ظن أنه ﷺ بالمدينة، فلما علما أنه ببدر خرجا إليه، فلقياه منصرفا من بدر، وأسهم «١» لكل منهما، ولو لم يحضرا القتال.
ودفع ﷺ اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير، وكان أمامه ﷺ رايتان سوداوتان، إحداهما مع علي بن أبى طالب، ويقال لها: «العقاب» ، والاخرى مع بعض الأنصار، قيل هو سعد بن معاذ، وقيل الحباب بن المنذر. ولبس ﷺ درعه «ذات الفضول» وتقلد سيفه «العضب» . ولما سار وادى دفران «٢» (بكسر الفاء وهو واد قريب من الصفراء) أتاه الخبر عن سفر قريش ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبى ﷺ أصحابه، وأخبرهم الخبر وقال لهم: إن القوم قد خرجوا من مكة مسرعين، فماذا تقولون؟ فقال طائفة منهم: العير أحبّ إلينا من لقاء العدو، فهلّا ذكرت لنا القتال حتّى نتأهب له إذ خرجنا للعير! فعند ذلك تغيّر وجه رسول الله ﷺ ، قال بعضهم: وهذا سبب نزول قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ [الأنفال: ٥] فعند ذلك قام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن الأسود، فقال: «يا رسول الله امض لما أمرك الله به، فنحن معك، فو الله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسي: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون» ولكنا نقول: إنا معكما مقاتلون» ، فلما سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك تابعوهم، فأشرق عند ذلك وجهه ﷺ ، ثم قال:
стр. 273
اشيروا عليّ، فقال عمر: يا رسول الله إنها قريش، والله ما ذلّت منذ عزّت، ولا امنت منذ كفرت، والله لتقاتلنّك، فتأهّب لذلك أهبته، وأعدّ لذلك عدّته. ثم استشارهم ثالثا، فقال: أشيروا عليّ أيها الناس، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم؛ لأنهم أكثر الناس عددا، فقال له سعد بن معاذ «سيد الأوس» : لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله؟ فقال: أجل، قال: فقد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، وإنى أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمرنا فأمرنا تبع لأمرك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك؛ والذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنّا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، فنحن عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك» فسرّ النبى ﷺ وأشرق وجهه بقول سعد، ونشّطه ذلك، وقال: «أبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم (والطائفتان: العير، ونفير قريش، والعير:
هو المعبر عنه في الاية بغير ذات الشوكة، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، وأما الشوكة فهى في النفير لعددهم وعدتهم، فقوله تعالى وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال: ٧] يعنى تتمنون أن يكون لكم العير؛ لأنها الطائفة التى لا شوكة لها، أى لا حدّة لها ولا شدة، ولا تريدون الطائفة الاخري، ولكن الله يريد الطائفة الاخرى وهى نفير قريش الذى يريد حماية تلك العير، وهى المرادة من قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ [الأنفال: ٧] الاية، ومعنى إحقاق الحق: تنجيز الوعد من النصر والظفر بالأعداء، ومعنى إحقاق الحق الثاني: تقوية القران والدين، ونصرة هذه الشريعة؛ لأن الذى وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا لعزة الدين وقوته، ولهذا السبب قرنه بقوله وَيُبْطِلَ الْباطِلَ [الأنفال: ٨] الذى هو الشرك، وذلك في مقابلة الحق الذى هو الدّين والإيمان، فقد أعلمه الله تعالى بعد وعده بالظفر بالطائفة الثانية، وأراه مصارعهم، فعلم القوم أنهم ملاقو القتال، وأنّ العير لا تحصل لهم.
стр. 274
ثم ارتحل رسول الله ﷺ حتّى نزل قريبا من بدر، فلمّا أمسى بعث عليّا بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون الخبر، فأصابوا راوية «١» لقريش معها غلام لبنى الحجاج وغلام لبنى العاص، فأتوا بهما رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي، فقالوا: لمن أنتما؟ وظنوا أنهما لأبى سفيان، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فضربوهما، فلما أوجعوهما ضربا، قالا: نحن لأبى سفيان، فتركوهما. فلما فرغ رسول الله ﷺ من صلاته قال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنهما لقريش، أخبرانى عن قريش» . قالا: هم وراء هذا الكثيب الذى يرى بالعدوة القصوى- أى جانب الوادى المرتفع- فقال لهما رسول الله: كم القوم؟ قالا: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندري. وجهد النبى ﷺ أن يخبراه كم هم، فأبيا. قال: كم ينحرون من الجزر كل يوم؟ قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا، فقال ﷺ : «القوم ما بين التسعمائة والألف» ، أي لكل جزور مائة، ثم قال لهما: «فمن فهيم من أشراف قريش؟» فعدّا له من فيهم من الأشراف، وهم كثير، وفيهم أبو جهل، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال:
«هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها- أى أشرافها وعظماءها-» ثم بعث ﷺ عديّا وبسبس رضى الله عنهما، إلى بدر يتحسسان الأخبار (التحسس للأخبار بالحاء المهملة: أن يفحص الشخص عن الأخبار بنفسه، وبالجيم: أن يفحص عنها بغيره» وجاء: «تحسّسوا ولا تجسسوا» «٢» ) قبل وصوله ﷺ ، وقبل وصول قريش إليها أيضا، فنزلا قريبا من بدر، عند تل هناك، ثم أخذا شنّا لهما يستقيان فيه، وكان مجدى بن عمرو على الماء، وإذا جاريتان تتخاصمان وتمسك إحداهما الاخرى على الماء، والممسكة الملزمة تقول لصاحبتها: إنما يأتى العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم وأقضيك الذى لك. فقال مجدى بن عمرو الذى على الماء: صدقت، ثم خلّص بينهما. فلما سمع بذلك عدى وبسبس، جلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتّى أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بما سمعا. ثم إن أبا سفيان
стр. 275
تقدم على العير حذرا حتّى ورد الماء، فلقى ذلك الرجل الذى على الماء، فقال له: هل أحسست أحدا؟ قال: ما رأيت أحدا أنكره، إلا أنى قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما شيئا ففتته، فإذا فيه كسيرات النوي، فقال: «والله علائف يثرب» . فرجع إلى أصحابه سريعا فصرف وجه عيره عن الطريق، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتّى أسرع، فلما علم أنه قد أحرز عيره أرسل إلى نفير قريش، وكان قد بلغه مجيئهم ليحرزوا العير، وكانوا حينئذ بالجحفة، [فقال أبو سفيان] «١» : «إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجّاها الله تعالى فارجعوا» ، فقال أبو جهل: «والله لا نرجع حتّى نحضر بدرا فنقيم عليه ثلاثة أيام، فلا بد أن ننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان- أى تضرب بالدفوف- وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها» . وأراد بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل، وقال: «لا تفارقنا هذه العصابة حتّى نرجع» ، ثم لم يزالوا سائرين حتّى نزلوا بالعدوة القصوي، قريبا من الماء، ونزل رسول الله ﷺ بعيدا من الماء بينه وبين الماء مسافة، فظميء المسلمون وأصابهم ضيق شديد، وأجنب «٢» غالبهم، فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا، وكان الوادى لينا كثير التراب، تدخل فيه الأقدام، فأمطرت السماء ببركة النبى ﷺ وأصحابه، وتلبدت الأرض، وزال غبارها وشدتها، وشربوا وملأوا الأسقية، وسقوا الركائب، واغتسلوا من الجنابة، وطابت نفوسهم، فذلك قوله تعالى وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:
١١] ، وأصاب قريشا «٣» منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا منه ويصلوا إلى الماء، فكان المطر نعمة وقوة للمؤمنين، وبلاء ونقمة للمشركين. وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس شديد، وبات النبى ﷺ من بينهم يصلّى تحت شجرة، وقد حصل النعاس لهم، وهو دليل على الطمأنينة، فلما أن طلع الفجر نادى رسول الله ﷺ «الصلاة عباد الله» ، فجاء الناس من تحت الشجر والجحف، «٤»
стр. 276
فصلى بهم رسول الله ﷺ ، وحرّض على القتال في خطبة خطبها، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد: فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه ... » إلى أن قال « ... وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرّج الله به الهمّ وينجى به من الغم» .
ولما رأى رسول الله ﷺ قريشا وقد أقبلت بالدروع الساترة، والجموع الوافرة، والأسلحة البارقة، قال: «اللهم إن هذه قريش قد أقبلت بخيلائها (أى بكبرها وعجبها وفخرها) تجادلك، وتخالف أمرك، وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى به، أنجزه اللهم، أمرتنى بالثبات ووعدتنى إحدى الطائفتين، وإنك لا تخلف الميعاد» .
وكان من حكمة الله تعالى أن جعل المسلمين قبل أن يلتحم القتال في أعين المشركين قليلا استدراجا لهم ليقدموا، ولما التحم القتال جعلهم في أعين المشركين كثيرا ليحصل لهم الرعب، وجعل الله المشركين عند التحام القتال في أعين المسلمين قليلا، ليقوي جانبهم على مقاتلتهم، وأنزل الله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: ٤٤] ومن ثمّ قال الله تعالى:
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [ال عمران: ١٣] وحين رأى المسلمون نار القتال قد شّبت عجّوا «١» بالدعاء إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى عند ذلك: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: ٩] (أى متتابعين) ، فكان جبريل ﵇ في خمسمائة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر رضى الله عنه، وميكائيل ﵇ في خمسمائة على الميسرة، وفيها عليّ رضى الله عنه، فى صور الرجال، عليهم عمائم بيض وثياب بيض، قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم، وعلى جبريل ﵇ عمامة صفراء أرسلها من خلفه.
وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فأمدّه الله تعالى بالملائكة؛ ألف مع جبريل وألف مع ميكائيل، وقيل أيضا: أمدّه بألف مع إسرافيل فزيد في الوعد بثلاثة الاف لقوله تعالى: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [ال عمران: ١٢٥] فوقع الوعد
стр. 277
بإكمالهم خمسة الاف، وكان ذلك معلّقا على شرط، وهو الصبر والتقوى عن حوز الغنائم، فلم يصبروا، ففات الإمداد مما زاد على الثلاثة الاف، وقيل: كان الإمداد يوم بدر بالخمسة الاف، وإنما كان الملائكة شركاء لهم في بعض الفعل، ليكون الفعل منسوبا للنبى ﷺ ولأصحابه، وأن الملائكة مدد على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب التى أجراها الله تعالى في عباده، وإلا فجبريل واحده قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، وليهابهم العدوّ بعد ذلك، فاتضح أن الملائكة قاتلت يوم بدر، ولم تكن لتكثير السواد فقط «١» .
وعند ابتداء الحرب نادى منادى قريش: يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا، فقال النبى ﷺ : «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي» ، أو قال: «قوموا يا بنى هاشم، فقاتلوا» ، فلما قدم عبيدة ابن الحارث وحمزة وعلى دنوا منهم، وقالوا: من أنتم؟ لأن هؤلاء الثلاثة كانوا ملتبسين لا يعرفون من السلاح، قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة ابن الحارث: عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة: شيبة، وبارز عليّ الوليد، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وأما على فلم يمهل أن قتل الوليد، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما طعن صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بسيفيهما على عتبة فذفّفا «٢» عليه، واحتملا صاحبهما فجرّاه إلى أصحابه، وأضجعوه إلى جنب موقعه ﷺ ، فأفرشه رسول الله ﷺ قدمه الشريف، فوضع خدّه عليها، فقال له عبيدة: ألست شهيدا يا رسول الله؟ فقال له رسول الله ﷺ : أشهد أنك شهيد.
قيل: هذه أوّل مبارزة وقعت في الإسلام. وفي الصحيحين عن أبى ذرّ أنه كان يقسم قسما أن اية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩] نزلت في حمزة وصاحبيه يوم بدر.
стр. 278
ثم تزاحم الناس ودنا بعضهم من بعض، وقد كان عدّل رسول الله ﷺ صفوف أصحابه بقدح في يده (أى سهم) ، فمرّ بسواد بن غزية (حليف بنى النجار) وهو خارج من الصف فطعنه «١» ﷺ بالقدح في بطنه، وقال: استو يا سواد، فقال: يا رسول الله أوجعتنى وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدنى من نفسك (أى مكّنّى من القصاص من نفسك) فكشف رسول الله ﷺ عن نفسه، وقال: استقد: أي اقتصّ، فاعتنقه وقبّل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟
فقال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون اخر العهد بك أن يمسّ جلدى جلدك» «٢» ، فدعا له ﷺ بخير.
ثم لما عدّل الصفوف، قال لهم: «إن دنا القوم منكم فادفعوهم عنكم بالنبل، واستبقوا نبلكم: لا ترموهم على بعد، (لأن النبل مع البعد يخطيء) ولا تسلّوا السيوف حتّى يغشوكم» ثم رجع ﷺ إلى العريش يناشد ربّه ما وعده به من النصر، ويقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض» وأبو بكر يقول: «دع بعض مناشدتك ربك؛ إن الله منجز لك ما وعدك» فكان المصطفى فى مقام الخوف، وهو هنا أعلي، والصدّيق في مقام الرجاء، وهو هنا دونه.
ولما اصطفّ الناس للقتال رمى قطبة بن عامر حجرا بين الصفين، وقال: لا أفرّ إن فرّ هذا الحجر.
وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» ، فقال عمير بن الحمام «٣» - بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم- ابن الجموح الأنصاري: بخ بخ (كلمة تقال لتعظيم الأمر
стр. 279
والتعجب منه مع التنوين وعدمه) فقال رسول الله ﷺ : ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها؟ قال: فإنك من أهلها. قال: فأخرج تمرات من جعبته فجعل يأكل منهن، ثم قال: «لئن أنا حييت حتى اكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة» ، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل.
وكان رسول الله ﷺ اخى بينه وبين عبيدة بن الحرث المطلبي، فقتلا يوم بذر جميعا.
وقال ابن إسحاق: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: لا يقاتل أحد في هذا اليوم فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر: إلا دخل الجنة؟ وكان عمير واقفا في الصف بيده تمرات يأكلهن، فسمع ذلك فقال: «بخ بخ، ما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء» وألقى التمرات من يده وأخذ السيف وقاتل القوم وهو يقول:
ركضا إلى الله بغير زاد ... إلا التّقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد ... إنّ التّقى من أعظم السّداد
وخير ما قاد إلى الرشاد ... وكلّ حيّ فإلى نفاد
وبعد تعديل الصفوف كان أوّل من خرج من المسلمين «مهجع» - بكسر الميم وإسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة- مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر بن الحضرمى بسهم أرسله إليه، فقيل: إنه أوّل من يدعى من شهداء هذه الأمة، وإنه ﷺ قال يومئذ: «مهجع سيد الشهداء «١» » .
وقاتل في ذلك اليوم المؤمنون، ثم أخذ رسول الله ﷺ حفنة من الحصباء ناولها له عليّ رضى الله عنه، فاستقبل بها قريشا، ثم قال: «شاهت وجوه القوم» أى قبحت وذلّت- ثم نفخهم بها فلم يبق من المشركين رجل إلا ملئت عينه
стр. 280
وأنفه وفمه، فلا يدرى أين يتوجه، يعالج التراب لينزعه من عينه، وقال لأصحابه: «شدّوا عليهم» فكانت الهزيمة على المشركين، وردفهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وأنزل الله (تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال:
١٧] .
وقد ورد عن عمر رضى الله عنه أنه لما كان يوم بدر، وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله ﷺ في اثارهم مصلتا السيف يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥] .
وكان من جملة من خرج مع المشركين يوم بدر: عبد الرحمن بن أبى بكر، وكان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، فسماه النبى ﷺ عبد الرحمن، وكان من أشجع قريش، وأسنّ ولد أبيه، فلما أسلم في هدنة الحديبية وهاجر إلى المدينة قال لأبيه: لقد هدفت «١» لى يوم بدر مرارا فأعرضت عنك، فقال أبو بكر: لو هدفت لى لم أعرض عنك.
وكان حرسه ﷺ ببدر: سعد بن معاذ، وذكوان بن عبد الله، ويوم أحد حرسه:
محمد بن مسلمة الأنصاري. وحرسه يوم الخندق: الزبير بن العوام، وسعد ابن أبى وقاص، وعباد بن بشر. وحرسه ليلة خيبر: أبو أيوب الأنصارى. وحرسه بلال بوادى القرى «٢» ، فلما أنزل الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:
٦٧] ترك الحرس.
وفي يوم بدر قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه وكان مشركا، وأنزل الله تعالى:
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... الاية [المجادلة: ٢٢] .
وقال رسول الله ﷺ : «من له علم بنوفل بن خويلد؟ فقال علي: أنا قتلته. فكبّر رسول الله ﷺ وقال: الحمد لله الذى أجاب دعوتى فيه» ؛ فإنه لما التقى الصفان نادى نوفل بصوت رفيع: يا معشر قريش: اليوم يوم الرفعة والعلا، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اكفنى نوفل بن خويلد» .
стр. 281
ثم أمر رسول الله ﷺ بأبى جهل أن يلتمس في القتلي، وقال: إن خفي عليكم انظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت يوما وهو على مائدة لعبد الله بن جدعان، ونحن غلمان، وكنت أسنّ منه، فدفعته فوقع على ركبتيه، فجحش جحشا على إحديهما (أى خدش خدشا لم يزل أثره به) فحمل عبد الله بن مسعود رأس أبى جهل بن هشام إليه ﷺ ، فسجد شكرا لله تعالى؛ لراحة المسلمين من هذا الفاجر، وكان يكنى أبا الحكم فكناه النبى ﷺ أبا جهل، وهو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وأمه أسماء بنت مخرمة «١» بن نهشل.
استطراد: كان المغيرة بن عبد الله بن المعرض: الملقّب بالأقيشر، تزوّج بابنة عم له يقال لها الرباب، على أربعة الاف درهم، فأتى قومه فسألهم فلم يعطوه شيئا، فأتى ابن رأس البغل، وهو دهقان الصين وكان مجوسيا فسأله فأعطاه الصداق كاملا، فقال:
كفانى المجوسيّ بمهر الرّباب ... فدى للمجوسى خال وعم
شهدت عليك بطيب الأروم ... فإنك بحر جواد خضم
وإنك سيد أهل الجحيم ... إذا ما ترديت في من ظلم
تجاور هامان في قعرها ... وفرعون والمكتنى بالحكم «٢»
فقال المجوسي: ويحك سألت قومك فلم يعطوك شيئا، وجئتنى فأعطيتك فجزيتنى هذا القول! فقال: أما ترضى أن جعلتك مع الملوك وفوق أبى جهل!.
واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا؛ ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون، وانهزم الباقون، وغنم ﵊ متاعهم، وكان من جملة الأسري: العباس عمّ رسول الله ﷺ .
стр. 282
ولما انقضى القتال أمر النبيّ ﷺ بسحب القتلى إلى القليب «١» ، وكانوا أربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش*، فقذفوا فيه، ثم وقف رسول الله ﷺ فقال:
يا أهل القليب، بئس عشيرة النبى كنتم لنبيكم، كذّبتمونى وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى واوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الناس، يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربّكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدنى ربى حقا. فقال له أصحابه:
أتكلّم قوما موتي؟ قال: لقد علموا أنّ ما وعدهم ربهم حق» .
وعاد النبى ﷺ إلى المدينة، وكانت غيبته تسعة عشر يوما، وأرسل زيد بن حارثة بشيرا، فوصل إلى المدينة وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية بنت النبى ﵊، وكان عثمان تخلّف في المدينة بأمره ﷺ لسببها.
وفيها «٢» هلك أبو لهب.
وكانت وقعة بدر المذكورة صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، فى السنة الثانية من الهجرة.
مقتل النضر ورثاء أخته له: لما وصل رسول الله ﷺ إلى الصفراء راجعا من بدر، وأمر عليا بضرب عنق النضر بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى القرشى العبدري، وكان شديد العداوة للنبى ﷺ ، وإذا تلا ﷺ قرانا، يقول لقريش: ما يأتيكم محمد إلا بأساطير الأولين. فلما قتل النضر أنشدت أخته النبيّ ﷺ واسمها قتيلة- هذه الأبيات:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة ... من صبح غادية وأنت موفق
أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تعنق
منّى إليه وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق
هل يسمعنّى النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت لا ينطق
ظلّت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق
قسرا يقاد إلى المنية متبعا ... رسف المقيد وهو عان موثق
стр. 283
أمحمّد، ولأنت صنو نجيبة ... في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
فالنضر أقرب من تركت* وسيلة ... وأحقّهم إن كان عتق يعتق
أو كنت قابل فدية فليفدين ... بأعز ما يغلى به من ينفق
ذكر أنه ﷺ قال: «لو سمعت شعرها قبل ذلك لما قتلته» .
وقيل: إن الذى أمر بقتله المقداد بن الأسود، وقال بعضهم: إن الزبير بن بكار قال: سمعت بعض أهل العلم يغمز في أبيات قتيلة بنت الحارث، ويقول إنها مصنوعة. أ. هـ.
وقال بعضهم: الصحيح أن قتيلة ابنة النضر هى جدة الثريا ابنة علي بن عبد الله بن الحارث الموصوفة بالجمال، وهى صاحبة عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم- الشاعر المشهور- لم يكن في قريش أشعر منه، وكان يتغزّل في شعره بالثريا المذكورة، فتزوجها سهيل بن عبد الرحمن الزهري، ونقلها إلى قصره، فقال عمر المذكور في زواجهما، مورّيا بالثريا وسهيل النجمين المعروفين ببيتين يضرب بهما المثل في تعذّر الاجتماع:
أيّها المنكح الثّريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان؟!
هى شامّيّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يماني
ثم بعد قتل النضر بن الحارث أمر بضرب عنق عقبة بن أبى معيط بن أمية.
ثم بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة بشيرا لأهل العالية- محلّ قريب من المدينة على عدّة أميال- وزيد بن حارثة بشيرا لأهل السافلة بما فتح الله على رسوله ﷺ والمسلمين، فجعل عبد الله بن رواحة يقول في أهل العالية: يا معشر الأنصار، أبشروا بسلامة رسول الله ﷺ وقتل المشركين وأسرهم، ونادى زيد بن حارثة في أهل السافلة بمثل ذلك، ويقولون: قتل فلان وفلان، وأسر فلان وفلان من أشراف قريش.
стр. 284
وصار عدوّ الله كعب بن الأشرف «١» يكذّبهما ويقول: إن كان محمد قتل هؤلاء القوم، فبطن الأرض خير من ظهرها.
[إسلام عمير بن وهب] :
قال ابن إسحاق: وجلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أمية بعد مصاب قريش في بدر تجاه الكعبة، فتذاكرا قومهما وما نزل بهم من القتل والأسر، وكان عمير بن وهب ممن يؤذى رسول الله ﷺ وأصحابه بمكة قبل الهجرة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فقال صفوان: والله ما في الحياة بعد اليوم خير، فقال له عمير: صدقت، أما والله لولا دين عليّ ليس له عندى قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتّى أعمل الحيلة وأقتله وأفتكّ ابنى من أيديهم. وكان عمير شجاعا، وكان صفوان ذا مال كثير، فانتهز الفرصة صفوان، وقال له: أمّا دينك فعليّ قضاؤه، وأما عيالك فهم مع عيالى أواسيهم ما بقوا، ولا يكون في يدى شئ فيحرمون منه. فعاهده عمير على ذلك، وقال: اكتم شأنى وشأنك، فقال صفوان: أكتم ذلك. ثم إن عميرا شحذ سيفه وسمّمه، وانطلق حتّى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- فى نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، وما أكرمهم الله تعالى فيه، وما فعل بأعدائهم، ويشكرون الله تعالى، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد ناقته متوشحا سيفه، فقال: هذا عدو الله عمير ابن وهب ما جاء إلا بشرّ. ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ المسجد فقال: يا نبيّ الله، هذا عدو الله عمير بن وهب، قد جاء متوشحا سيفه، قال: أدخله عليّ.
فأقبل عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- إلى عمير، فأخذ بحمائل سيفه، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا إلى رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث؛ فإنه غير مأمون. ثم دخل على رسول الله ﷺ ، فلما راه رسول الله ﷺ وعمر اخذ بحمائل سيفه في عنقه، قال:
أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا عمير، وقال للنبى ﷺ : أنعم صباحا- وكانت
стр. 285
هذه تحية العرب في الجاهلية- فقال رسول الله ﷺ : أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير؛ أكرمنا بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذى عندكم، قال: فما للسيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا، قال: أصدقنى يا عمير، ما الذى جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال: يا عمير قعدت أنت وصفوان بن أمية تجاه الكعبة فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين عليّ وعيال لى لخرجت حتّى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلنى له، والله تعالى حائل بينك وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذّبك بما يأتى من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يعلمه أحد ولم يحضره إلا أنا وصفوان، وو الله إنى لأعلم أنه ما أتاك إلا من الله تعالى، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق. ثم شهد شهادة الحق- رضى الله تعالى عنه- فقال رسول الله ﷺ : فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القران وأطلقوا له أسيره، ففعلوا ذلك، ثم قال: يا رسول الله إنى كنت جاهدا في إطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله تعالى- إلى الإسلام- لعل الله يهداهم؟ فأذن له رسول الله ﷺ .
فلحق «١» بمكة وأظهر الإسلام، وأسلم ولده أيضا- رضى الله تعالى عنهما.
قال ابن إسحاق: وأسلم بعد فك الأسر جماعة منهم: أبو وداعة السهمي، وعبد الله بن خلف الجمحي، ووهب بن عمير الجمحي، وقيس بن السائب المخزومي، وأسلم السائب بن عبيد، وهو الأب الخامس للإمام الشافعى- رضى الله عنه- وكان صاحب راية بنى هاشم يوم بدر من كفار قريش، وكان صاحب الراية أبو سفيان، لكن لغيبته في العير حملها السائب لشرفه، وأما الأب الرابع، فهو شافع بن السائب الذى ينسب إليه الإمام الشافعى رضى الله عنه، لقى النبيّ ﷺ وهو مترعرع فأسلم.
فإن الإمام الشافعى- رضى الله عنه- هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد