ثم أمر رسول الله ﷺ بأبى جهل أن يلتمس في القتلي، وقال: إن خفي عليكم انظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت يوما وهو على مائدة لعبد الله بن جدعان، ونحن غلمان، وكنت أسنّ منه، فدفعته فوقع على ركبتيه، فجحش جحشا على إحديهما (أى خدش خدشا لم يزل أثره به) فحمل عبد الله بن مسعود رأس أبى جهل بن هشام إليه ﷺ ، فسجد شكرا لله تعالى؛ لراحة المسلمين من هذا الفاجر، وكان يكنى أبا الحكم فكناه النبى ﷺ أبا جهل، وهو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وأمه أسماء بنت مخرمة «١» بن نهشل.
استطراد: كان المغيرة بن عبد الله بن المعرض: الملقّب بالأقيشر، تزوّج بابنة عم له يقال لها الرباب، على أربعة الاف درهم، فأتى قومه فسألهم فلم يعطوه شيئا، فأتى ابن رأس البغل، وهو دهقان الصين وكان مجوسيا فسأله فأعطاه الصداق كاملا، فقال:
كفانى المجوسيّ بمهر الرّباب ... فدى للمجوسى خال وعم
شهدت عليك بطيب الأروم ... فإنك بحر جواد خضم
وإنك سيد أهل الجحيم ... إذا ما ترديت في من ظلم
تجاور هامان في قعرها ... وفرعون والمكتنى بالحكم «٢»
فقال المجوسي: ويحك سألت قومك فلم يعطوك شيئا، وجئتنى فأعطيتك فجزيتنى هذا القول! فقال: أما ترضى أن جعلتك مع الملوك وفوق أبى جهل!.
واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا؛ ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون، وانهزم الباقون، وغنم ﵊ متاعهم، وكان من جملة الأسري: العباس عمّ رسول الله ﷺ .
стр. 282
ولما انقضى القتال أمر النبيّ ﷺ بسحب القتلى إلى القليب «١» ، وكانوا أربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش*، فقذفوا فيه، ثم وقف رسول الله ﷺ فقال:
يا أهل القليب، بئس عشيرة النبى كنتم لنبيكم، كذّبتمونى وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى واوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الناس، يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربّكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدنى ربى حقا. فقال له أصحابه:
أتكلّم قوما موتي؟ قال: لقد علموا أنّ ما وعدهم ربهم حق» .
وعاد النبى ﷺ إلى المدينة، وكانت غيبته تسعة عشر يوما، وأرسل زيد بن حارثة بشيرا، فوصل إلى المدينة وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية بنت النبى ﵊، وكان عثمان تخلّف في المدينة بأمره ﷺ لسببها.
وفيها «٢» هلك أبو لهب.
وكانت وقعة بدر المذكورة صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، فى السنة الثانية من الهجرة.
مقتل النضر ورثاء أخته له: لما وصل رسول الله ﷺ إلى الصفراء راجعا من بدر، وأمر عليا بضرب عنق النضر بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى القرشى العبدري، وكان شديد العداوة للنبى ﷺ ، وإذا تلا ﷺ قرانا، يقول لقريش: ما يأتيكم محمد إلا بأساطير الأولين. فلما قتل النضر أنشدت أخته النبيّ ﷺ واسمها قتيلة- هذه الأبيات:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة ... من صبح غادية وأنت موفق
أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تعنق
منّى إليه وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق
هل يسمعنّى النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت لا ينطق
ظلّت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق
قسرا يقاد إلى المنية متبعا ... رسف المقيد وهو عان موثق
стр. 283
أمحمّد، ولأنت صنو نجيبة ... في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
فالنضر أقرب من تركت* وسيلة ... وأحقّهم إن كان عتق يعتق
أو كنت قابل فدية فليفدين ... بأعز ما يغلى به من ينفق
ذكر أنه ﷺ قال: «لو سمعت شعرها قبل ذلك لما قتلته» .
وقيل: إن الذى أمر بقتله المقداد بن الأسود، وقال بعضهم: إن الزبير بن بكار قال: سمعت بعض أهل العلم يغمز في أبيات قتيلة بنت الحارث، ويقول إنها مصنوعة. أ. هـ.
وقال بعضهم: الصحيح أن قتيلة ابنة النضر هى جدة الثريا ابنة علي بن عبد الله بن الحارث الموصوفة بالجمال، وهى صاحبة عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم- الشاعر المشهور- لم يكن في قريش أشعر منه، وكان يتغزّل في شعره بالثريا المذكورة، فتزوجها سهيل بن عبد الرحمن الزهري، ونقلها إلى قصره، فقال عمر المذكور في زواجهما، مورّيا بالثريا وسهيل النجمين المعروفين ببيتين يضرب بهما المثل في تعذّر الاجتماع:
أيّها المنكح الثّريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان؟!
هى شامّيّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يماني
ثم بعد قتل النضر بن الحارث أمر بضرب عنق عقبة بن أبى معيط بن أمية.
ثم بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة بشيرا لأهل العالية- محلّ قريب من المدينة على عدّة أميال- وزيد بن حارثة بشيرا لأهل السافلة بما فتح الله على رسوله ﷺ والمسلمين، فجعل عبد الله بن رواحة يقول في أهل العالية: يا معشر الأنصار، أبشروا بسلامة رسول الله ﷺ وقتل المشركين وأسرهم، ونادى زيد بن حارثة في أهل السافلة بمثل ذلك، ويقولون: قتل فلان وفلان، وأسر فلان وفلان من أشراف قريش.
стр. 284
وصار عدوّ الله كعب بن الأشرف «١» يكذّبهما ويقول: إن كان محمد قتل هؤلاء القوم، فبطن الأرض خير من ظهرها.
[إسلام عمير بن وهب] :
قال ابن إسحاق: وجلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أمية بعد مصاب قريش في بدر تجاه الكعبة، فتذاكرا قومهما وما نزل بهم من القتل والأسر، وكان عمير بن وهب ممن يؤذى رسول الله ﷺ وأصحابه بمكة قبل الهجرة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فقال صفوان: والله ما في الحياة بعد اليوم خير، فقال له عمير: صدقت، أما والله لولا دين عليّ ليس له عندى قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتّى أعمل الحيلة وأقتله وأفتكّ ابنى من أيديهم. وكان عمير شجاعا، وكان صفوان ذا مال كثير، فانتهز الفرصة صفوان، وقال له: أمّا دينك فعليّ قضاؤه، وأما عيالك فهم مع عيالى أواسيهم ما بقوا، ولا يكون في يدى شئ فيحرمون منه. فعاهده عمير على ذلك، وقال: اكتم شأنى وشأنك، فقال صفوان: أكتم ذلك. ثم إن عميرا شحذ سيفه وسمّمه، وانطلق حتّى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- فى نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، وما أكرمهم الله تعالى فيه، وما فعل بأعدائهم، ويشكرون الله تعالى، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد ناقته متوشحا سيفه، فقال: هذا عدو الله عمير ابن وهب ما جاء إلا بشرّ. ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ المسجد فقال: يا نبيّ الله، هذا عدو الله عمير بن وهب، قد جاء متوشحا سيفه، قال: أدخله عليّ.
فأقبل عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- إلى عمير، فأخذ بحمائل سيفه، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا إلى رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث؛ فإنه غير مأمون. ثم دخل على رسول الله ﷺ ، فلما راه رسول الله ﷺ وعمر اخذ بحمائل سيفه في عنقه، قال:
أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا عمير، وقال للنبى ﷺ : أنعم صباحا- وكانت
стр. 285
هذه تحية العرب في الجاهلية- فقال رسول الله ﷺ : أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير؛ أكرمنا بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذى عندكم، قال: فما للسيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا، قال: أصدقنى يا عمير، ما الذى جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال: يا عمير قعدت أنت وصفوان بن أمية تجاه الكعبة فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين عليّ وعيال لى لخرجت حتّى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلنى له، والله تعالى حائل بينك وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذّبك بما يأتى من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يعلمه أحد ولم يحضره إلا أنا وصفوان، وو الله إنى لأعلم أنه ما أتاك إلا من الله تعالى، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق. ثم شهد شهادة الحق- رضى الله تعالى عنه- فقال رسول الله ﷺ : فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القران وأطلقوا له أسيره، ففعلوا ذلك، ثم قال: يا رسول الله إنى كنت جاهدا في إطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله تعالى- إلى الإسلام- لعل الله يهداهم؟ فأذن له رسول الله ﷺ .
فلحق «١» بمكة وأظهر الإسلام، وأسلم ولده أيضا- رضى الله تعالى عنهما.
قال ابن إسحاق: وأسلم بعد فك الأسر جماعة منهم: أبو وداعة السهمي، وعبد الله بن خلف الجمحي، ووهب بن عمير الجمحي، وقيس بن السائب المخزومي، وأسلم السائب بن عبيد، وهو الأب الخامس للإمام الشافعى- رضى الله عنه- وكان صاحب راية بنى هاشم يوم بدر من كفار قريش، وكان صاحب الراية أبو سفيان، لكن لغيبته في العير حملها السائب لشرفه، وأما الأب الرابع، فهو شافع بن السائب الذى ينسب إليه الإمام الشافعى رضى الله عنه، لقى النبيّ ﷺ وهو مترعرع فأسلم.
فإن الإمام الشافعى- رضى الله عنه- هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد
стр. 286
مناف جد النبى ﷺ ، فيجتمع الإمام الشافعى- رضى الله تعالى عنه- مع النبى ﷺ في جد الإمام الشافعى التاسع الذى هو جد النبى ﷺ الثالث، وهو عبد مناف.
ولما قدم ﵊ المدينة وكانت وقعة بدر، وأسر فيها من أسر من أهل مكة، قال ﵊ لأهل بدر: «إن بكم عيلة «١» ، فلا يفلت منهم- يعنى الأسارى- أحد إلا بفداء أو ضربة عنق» ، وقال: «استوصوا بهم خيرا» . وكان فداؤهم أربعين أوقية عن كل إنسان، إلا العباس عم النبى ﷺ ؛ فإن فداءه كان مائة أوقية، فكان من لا مال له من الأسارى يقبل منه أن يعلّم عشرة من غلمان أهل المدينة الكتابة، فإذا حذقوه كان فداءه، فيومئذ تعلّم زيد بن ثابت الكتابة في جماعة من الأنصار. ومن هنا تعلم أن النبى ﷺ كان حريصا على تعليم «٢» الكتابة التى هى التمدن الأوّلى للنوع البشري، وسيأتى بيان الوظائف والتعليمات التى كانت جارية في عهده ﷺ .
وقد منّ النبى ﷺ على نفر من أسراء بدر، وخلّى سبيلهم من غير شيء، ولما طلب ﷺ من العباس أن يفدى نفسه، قال: علام يؤخذ منى الفداء، وقد كنت أسلمت أنا وأم الفضل وبقية ال بيتي، ولكن القوم أكرهونى على الخروج؟ فقال النبى ﷺ : كان ظاهر أمرك أنك كنت علينا، ولكنّ الله تعالى يجزيك عما أخذ منك. وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) «٣»
стр. 287
[الأنفال: ٧٠] ، وقد أعطى الله العباس خيرا مما أخذ منه، وفي هذه الاية بشرى عظيمة للعباس؛ إذ أخذ أكثر مما أعطي، وغفر له ما أخطأ، ولما نزلت قال العباس: يا رسول الله وددت أنك أخذت منى أضعافا.
وفي البخارى أنه أتي بمال من البحرين (أى خراجها وهو أوّل خراج حمل إلى النبى ﷺ وكان مائة ألف، فأمر بصبه في المسجد. وكان أكثر مال أتى به:
فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس فسأله، فقال: خذ، فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مرّ بعضهم يرفعه إليّ، فقال: لا، فقال:
ازفعه أنت عليّ، فقال: لا. فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال كالأوّل، فقال: لا. ثم نثر منه، ثم احتمله، فأتبعه ﷺ بصره عجبا من حرصه.
وذكر السهمى في «الفضائل» أن أبا رافع لما بشّر النبى) بإسلام العباس أعتقه.
ولما فدى العباس نفسه، ورجع إلى مكة وأظهر إسلامه، وجمع أمواله، هاجر إلى المدينة، ولازمه ﷺ في غزواته، كان ﷺ يكرمه ويعظمه «١» ، ووصفه ﵊ فقال: «أجود الناس كفا، وأحناه عليهم» ، وروى السهمى من حديث ابن عباس أنه ﵊ قال: «ألا أبشرك يا عم؟ قال:
стр. 288
بلى بأبى أنت وأمي، فقال ﵊: «إن من ذريتك الأصفياء، وعترتك الخلفاء» «١» .
وكان الذى أسر العباس أبو اليسر، واسمه كعب بن عمرو، وكان قصيرا دميما، وكان العباس عظيم الخلق طويل القامة من مقبّلى الظعن- يعنى أنه كان يدرك فم الظعينة وهى راكبة على البعير، وهو على قدميه في الأرض.
وفي مسند البزار: قيل للعباس: كيف أسرك أبو اليسر ولو أخذته بكفك لوسعته؟! فقال: ما هو إلا أن لقيته فظهر في عينى كالخندمة- والخندمة جبل حول مكة- وذكر أبو عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «لقد أعانك عليه ملك كريم» .
ولما فدى العباس نفسه وابن أخيه عقيل بن أبى طالب قال لرسول الله ﷺ :
لقد تركتنى أتكفف قريشا فقيرا معدما، فقال له رسول الله ﷺ : فأين ما دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: ما أدرى ما يصيا بني، فإن حدث بى حادث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم؟ فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي؟ قال: أخبرنى به ربي، فقال العباس: أشهد أنك صادق، وأشهد ألاإله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم يطّلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابا في أمرك، فأما إذ أخبرتنى بذلك فلا ريب. ا. هـ.
وأم الفضل هذه «لبابة الكبري» بنت الحارث الهلالية، أخت ميمونة زوج النبى ﷺ ، وأختها «لبابة الصغري» أم خالد بن الوليد، وولدت أم الفضل للعباس سبعة نجباء: عبد الله بن عباس صاحب التفسير الذى قال فيه ﵊: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» . وإخوته الستة: عبيد الله، وعبد الرحمن، والفضل، وقثم، ومعبد، وكثير، (واختلف في كثير فقيل: إن أمه رومية) ، وأختهم أم حبيب.
стр. 289
وفي أم الفضل يقول الشاعر:
ما ولدت نجيبة من فحل ... بجبل نعرفه وسهل
كسبعة من بطن أمّ الفضل ... أكرم بها من كهلة وكهل
عمّ النبيّ المصطفى ذى الفضل ... وخاتم الرسل وخير الرسل
وكان له أيضا سوى هؤلاء ثلاثة من غير أم الفضل: عون، والحارث، وتمام، وكان أصغرهم تمام، وأمه رومية تسمى «سبا» ويقال شقيقه «كثير» المتقدم الذكر، وكان العباس يحمل «تماما» هذا ويقول:
تمّوا بتمّام فصاروا عشره ... يا رب فاجعلهم كراما برره
واجعل لهم ذكرا وأنم الثمره
وقد أجاب الله دعاء العباس في بنيه الأكياس، كانوا كما أراد أبوهم واشتهي، كلهم له رواية ونهى. ومع ذلك فيقال: ما رؤيت قبور أشد تباعدا بعضها من بعض من قبور بنى العباس بن عبد المطلب؛ ولدتهم أمهم أم الفضل في دار واحدة، استشهد الفضل بأجنادين، ومات معبد وعبد الرحمن بإفريقية، وتوفى عبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقثم بسمرقند، وكثير وأمه سبأ المذكورة أخذته الذبحة بينبع- رضى الله عنهم أجمعين.
وخرّج محمد بن يزيد في «الكامل» أن العباس كان إلى منكب عبد المطلب، وكان عبد الله بن عباس إلى منكب العباس، وكان علي بن عبد الله إلى منكب أبيه عبد الله. وطاف عليّ هذا بالبيت، وهناك عجوز قديمة، وعليّ قد فرع «١» الناس كأنه راكب والناس مشاة، فقالت: من هذا الذى فرع الناس؟ فقيل: هو علي بن عبد الله ابن العباس، فقالت: لا إله إلا الله، إن الناس ليرذلون «٢» ؛ عهدى بالعباس وهو يطوف بالبيت كأنه قرطاس أبيض. انتهى.
стр. 290
وقال بعضهم: أدرك الإسلام من العرب عشرة أنفار طوال جدّا، منهم عبادة ابن الصامت.
ومن جملة الأسارى أيضا نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، تأخر إسلامه إلى غام الخندق، وقيل: بل أسلم حين أسر، وذلك أن رسول الله ﷺ قال له: افد نفسك بأرماحك التى بجدّة، قال: والله ما علم أحد أن لى بجدة أرماحا غير الله، أشهد أنك رسول الله. ثم شهد معه حنينا، وأعانه عند الخروج إليها بثلاثة الاف رمح، فقال رسول الله ﷺ : كأنى أنظر إلى أرماحك هذه تقصف ظهور المشركين.
توفى نوفل بالمدينة سنة خمس عشرة، وصلّى عليه عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنهما.
وقيل: إن العباس أسلم قبل وقعة بدر، وكان يخفى إسلامه لمّا طلب منه ﷺ أن يفدى نفسه، قال: علام يؤخذ منى الفداء وقد كنت أسلمت أنا وأم الفضل وبقية ال بيتي، ولكن القوم أكرهونى على الخروج «١» ؟!، وقال النبى ﷺ : كان ظاهر أمرك أنك كنت علينا، ولكنّ الله تعالى يجزيك على ما أخذ منك، وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً، [الأنفال: الاية ٧٠] ولما نزلت قال العباس: يا رسول الله لوددت أنك كنت أخذت منى أضعافا، والمأخوذ منه مائة أوقية من الذهب، كما سبق انفا.
وقد منّ النبى ﷺ على نفر من أسراء بدر، وخلّى سبيلهم من غير شئ، وفدى نفرا كالعباس- رضى الله تعالى عنه-. ولما فدى العباس نفسه رجع إلى مكة وأظهر إسلامه، وجمع أمواله وهاجر إلى المدينة، ولازمه ﷺ في غزواته، وكان النبى ﷺ يعظمه، وكانت الصحابة تعظمه وتقدمه وتشاوره وتأخذ برأيه، ولما قيل له: أيّما أكبر أنت أو النبى ﷺ ؟ قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله «٢» .
قال ابن إسحاق: ولما بلغ النجاشىّ نصرة النبى ﷺ ببدر فرح فرحا شديدا، قال جعفر بن أبى طالب- رضى الله عنه- وكان جعفر إذ ذاك بأرض الحبشة:
فأرسل إليّ النجاشى وإلى أصحابى ذات يوم، فدخلنا عنده فوجدناه جالسا على
стр. 291
التراب لابسا أثوابا خلقة، فقال: إنّى أبشّركم بما يسرّكم، إنه قد جاءنا من نحو أرضكم عين لي، فأخبرنى أن رسول الله ﷺ مع أعدائه بمحلّ يقال له بدر، فكانت النصرة لرسول الله ﷺ ، فقال له جعفر: ما لك جالس على التراب وعليك هذه الثياب؟ قال: «إنا نجد فيما أنزل الله تعالى على عيسى ﵇ أن حقا على عباد الله تعالى أن يحدثوا له تواضعا إذا أحدث لهم نعمة» قال: ولما أوقع الله تعالى بالمشركين يوم بدر، واستأصل رؤساءهم قالوا: إنّ ثأرنا بأرض الحبشة، فلنرسل إلى ملكها ليدفع إلينا من عنده من أتباع محمد فنقتلهم بمن قتل منا.
فأرسلوا عمرو بن العاص، وعبد الله ابن ربيعة- رضى الله تعالى عنهما، (فإنهما أسلما بعد ذلك) ، ومعهما طائفة من كفار قريش إلى النجاشى ليدفع إليهما من عنده من المسلمين، وأرسلوا معهما هدايا وتحفا للنجاشي، فلما وصلا إليه ردّهما خائبين، ولما بلغ ﷺ ذلك بعث إلى النجاشى عمرو بن أمية الضمرى رضى الله تعالى عنه- بكتاب يوصيه فيه على المسلمين الذين عنده بالحبشة.
وقد سبق التنويه إلى ذلك (فى الفصل الثانى من الباب الثانى في الهجرتين إلى الحبشة) .
وسيأتى الكلام على ذلك في قدوم جعفر من الحبشة في غزوة خيبر.
ويقال: إن عمرو بن العاص أسلم حينئذ على يد النجاشي، ولهذا يلغز، ويقال:
من هو الصحابى الذى أسلم على يد تابعي؟ ومنشأ هذا ما قاله بعض أهل السير حكاية عن عمرو بن العاص عن نفسه من أنه قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق، جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله إنى أرى أمر محمد يعلو الأمور علوّا منكرا، وإنى قد رأيت أمرا، فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي، قلت: فاجمعوا ما نهدى له، وكان أحب
стр. 292
ما يهدى إليه من أرضنا الادم»
، فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتّى قدمنا عليه، فو الله إنّا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه، قال: فدخل إليه ثم خرج من عنده، قال:
فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري، لو قد دخلت على النجاشى وسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي، أهديت إليّ من بلادك شيئا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدما كثيرا، قال: ثم قرّبته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت: أيها الملك، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدوّ لنا فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب، ثم مدّ يده فضرب به أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لى الأرض لدخلت فيها فرقا «٢» منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألنى أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى ﵇ لتقتله؟! قال: قلت: أيها الملك، أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعنى واتّبعه؛ فإنه والله لعلى الحق، وليظهرنّ على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: قلت: أفتبايعنى له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابى وقد حال رأيى عما كان عليه، وكتمت أصحابى إسلامي، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ ، لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام الميسم «٣» ، وإن الرجل لنبيّ، أذهب والله أسلم، فحتى متى؟ قال: قلت:
والله ما جئت إلّا لأسلم، قال: فقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ ، فتقدّم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله إنى أبايعك على أن يغفر لى ما
стр. 293
تقدّم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر، قال: فقال رسول الله ﷺ : يا عمرو، بايع فإن الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها. قال: فبايعته ثم انصرفت ا. هـ.
قال ابن إسحاق: وحدثنى من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة كان معهما، أسلم حين أسلما.
واختلفت الصحابة فيما يفعل بالأساري؛ فمنهم من أشار بقتلهم، ومنهم من أشار بفدائهم.
قال في المواهب: وقد استقر الحكم في الأسارى عند الجمهور من العلماء: أن الإمام يخيّر فيهم، إن شاء قتل، كما فعل النبى ﷺ ببنى قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسارى بدر، وإن شاء استرقّ من أسر، وإن شاء من وأطلق من غير شيء، وهذا مذهب الشافعى وطائفة من العلماء.
ولما أقبل رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، وخرج من مضيق الصفراء «١» ، قسم النقل (أى الغنيمة) وكانت إبلا وأفراسا ومتاعا، وسلاحا وأنطاعا، وثيابا وأدما كثيرا، كان قد حمله المشركون للتجارة في صحبة قريش، ونادى النبى ﷺ «من قتل قتيلا فله سلبه» «٢» ، وأنزل الله تعالى في أصحاب بدر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... [الأنفال: ١] الاية. وأوّل من حل له أكل الغنائم واتخذها حرفة:
رسول الله ﷺ ، وكانت الأنبياء من قبل يجاهدون ويقاتلون ويسترقون الأرقاء، ولكن ما كانت الغنائم يحل أكلها لهم، وإذا غنموا من أموال المجاهدة شيئا كانت تنزل نار فتحرقه، وكان ذلك علامة قبولهم.
وفي الطبراني بسند جيد عن أبى هريرة- رضى الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «اطّلع الله على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» أو
стр. 294
قال: «فقد وجبت لكم الجنة» .
ويضرب بأهل بدر المثل في عدم المؤاخذة، قال بعض الشعراء:
يا بدر أهلك جاروا ... وعلّموك التّجرّي
وقبّحوا لك وصلي ... وحسّنوا لك هجري
فليصنعوا كيف شاؤا ... فإنّهم أهل بدر
وقال ابن الفارض:
فليصنع القوم ما شاؤا لأنفسهم ... هم أهل بدر، فلا يخشون من حرج
[غريب الاتفاق] وأوّل أبيات الشاعر السابق فيها من المحسّنات البديعية- غير التلميح- نوع يقال له: «غريب الاتفاق» لا سيما إذا كان المخاطب اسمه «بدر» ، وهو أن يتفق للشاعر أو الناثر وقعة أو نكتة يستخرجها من الكلام، أو من الوقائع، وهو عزيز الوقوع، وإن حصل للشاعر أو الناثر في ذلك قران سعد، سارت الركبان بقوله، كما اتفق لابن أبى حصينة المصرى في حسام الدين لؤلؤ صاحب الملك الناصر يوسف حين غزا الفرنج الذين قصدوا الحجاز من بحر القلزم، وظفر الحاجب بهم، فقال ابن أبي حصينة يخاطب الفرنج:
عدوّكم لؤلؤ والبحر مسكنه ... والدرّ في البحر لا يخشى من الغير
ومنه قول الصفيّ الحلّى في بديعيته:
ومن غدا اسم أمّه نعتا لأمّته ... فتلك امنة من سائر النّقم
ومنه قول ابن الساعاتي، وقد قصد الملك الناصر يوسف- المتقدم ذكره- «بيت يعقوب» من حصون الشأم مخاطبا للإفرنج:
* دعوا بيت يعقوب فقد جاء يوسف*
ومن غريب الاتفاق ما قيل من أن المأمون صنع تابوتا بديعا، يحمله حسان الغلمان على أكتافهم، ويطوفون به في خلال البستان، والمأمون جالس فيه، ومعه جوارى أبيه هارون الرشيد وجدّه موسى الهادي، فدعا الشعراء ذات يوم ليقولوا في ذلك شيئا، فأنشدوا ما عندهم إلا أبا نواس، فسأله المأمون، فتلا قوله
стр. 295
تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ [البقرة: ٢٤٨] فلمّح بالسكينة لهيبة الخليفة المأمون، وبالبقية للجواري، وبموسى وهارون لأبيه وجدّه، وهذا وإن كان من غريب الاتفاق إلا أنه لا يخلو عن التهور والخروج عن اللائق «١» .
والمراد بأهل بدر في الحديث: الذين حضروا وقعتها مع النبى ﷺ ، استشهدوا فيها أم لا؛ لأنهم ارتقوا إلى مقام يقتضى الإنعام عليهم بمغفرة ذنوبهم السابقة واللاحقة، فلا يؤاخذهم بها لبذلهم مهجهم في الله ونصرهم دينه، والمراد إظهار العناية بهم لا الترخيص لهم في كل فعل، والخطاب لقوم منهم على أنهم لا يقارفون ذنبا، وإن قارفوه لم يصرّوا، وقال القرطبي: «هذا خطاب إكرام وتشريف، تضمّن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا لأن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء وقوعه، ولقد أظهر الله تعالى صدق رسوله ﷺ في كل ما أخبر عنه بشئ من ذلك؛ فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، وإن قدر صدور شئ من أحدهم بادر إلى التوبة» .
والشهداء ثلاثة أقسام:
الأوّل: شهيد في حكم الدنيا والآخرة في ترك الغسل والصلاة عليه، وهو من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا.
والثاني: شهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من قاتل رياء وسمعة وقتل، فلا يغسل ولا يصلى عليه.
والثالث: شهيد في الآخرة فقط وهو المطعون والمبطون والغريق والحريق والمحموم وطالب العلم إذا مات على طلبه، والمرأة تموت بسبب الولادة، ومن قتله مسلم أو ذمّيّ أو باغ في غير القتال، فكل هؤلاء يغسلون ويصلّى عليهم، وهم شهداء في الدار الآخرة لا في الدنيا، قاله الإمام الرافعى لأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان غسّلا، وهما شهيدان بالإجماع.
стр. 296
استطراد لمناسبة: قال عمر بن عبد العزيز: كان أبى إذا خطب ونال من عليّ يلجلج في كلامه، فقلت: يا أبت إنك تمضى في خطبتك، فإذا أتيت إلى ذكر عليّ عرفت منك تقصيرها، قال: أو فطنت لذلك؟ قلت: نعم، قال: يا بنى إن الذين حولنا لو يعلمون من عليّ ما نعلم لتفرّقوا عنّا إلى أولاده.
فلما ولى عمر الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكبه في هذا الأمر العظيم لأجله، فكتب بتركه، وقرأ عوضه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... [النحل: ٩٠] فحل هذا الأمر عند الناس محلا عظيما، وأكثروا مدحه حتّى قال كثير في أبياته في حق عمر بن عبد العزيز:
وليت ولم تشتم عليا ولم تخف ... بريّا، ولم تتبع مقالة مجرم
وقيل: إنه قال: إن سبب محبتى عليا أنى كنت بالمدينة أتعلم العلم، وكنت ألزم عبيد الله بن عبد الله ابن مسعود، فبلغه عنى شىء من ذلك، أى في سب بنى أمية لعلي، فأتيته يوما وهو يصلى فأطال الصلاة، فقعدت أنتظر فراغه، فلما فرغ التفت إليّ وقال: متى علمت أن الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضى عنهم؟! قلت: ولم أسمع بذلك، قال: فما الذى بلغنى عنك في علي؟ فقلت: «معذرة إلى الله وإليك، والله لا أعود» ، فما سمع بعد ذلك يذكر عليّا إلا بخير. أ. هـ.
ولا مانع أن يقال: إنه لحسن سريرته السرية، وسيرة عدله العمرية، لما رأى الحق للإمام عليّ أبطل من نفسه مثلبة سبّه على المنابر، وهذا ما يقضى به حسن الظن في حق هذا الخليفة الموصوف بالعدل في الباطن والظاهر، بدليل استبدال ذلك بالاية الشريفة وهى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ، فمن جملة ذلك الأمر بعدم السب والنهى عنه، إذ هو من الفحشاء والمنكر، لا سيما وأن الغالب في الخلفاء والسلاطين والملوك إنما يأمرون بما يأمرون به من تلقاء أنفسهم، كأمر الخليفة المعتضد العباسى بسب معاوية على المنابر، كما حكاه ابن جرير عنه، وإن صح أنه أمسك عن ذلك بعد أن أنشأ كتابا ليقرأ على المنبر فيه مثالب معاوية ومعايبه، حيث قيل له: إن أهل بيت عليّ منهم الخارجون عليك في كل ناحية؛ فإذا سمعوا سبّ معاوية مال إليهم كثير من الناس، وخرجوا عن طاعة العباسية، فيكون عمر بن عبد العزيز
стр. 297
بادر بإزالة المنكر من بداية الأمر به، بدون أن ينتظر نصح ناصح، وهذا بفضله أكمل.
روى أنه لما سئل عن على ومعاوية، قال: «دماؤهم قد طهّر الله منها سيوفنا، أفلا نطهّر من الخوض فيها ألسنتنا؟!» .
* وفي منتصف شوال من هذه السنة الثانية، كانت غزوة بنى قينقاع (بفتح القاف وإسكان الياء وتثليث النون) بطن من يهود المدينة لهم شجاعة وصبر، وكانوا حلفاء عبادة بن الصامت- رضى الله تعالى عنه- وعبد الله بن أبى بن سلول الخزرجى المنافق، وحلفاء للخزرج، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغى والحسد، ونبذوا العهد الذى كان ﷺ عاهداهم به وعاهد بنى قريظة والنضير: أن لا يحاربوه ويظاهروا عليه عدوّه، وقيل: على ألايكونوا معه ولا عليه، وقيل:
على أن ينصروه ﷺ على من دهمه من عدوه. فكانوا أوّل من غدر من يهود، وتبرأ عبادة بن الصامت من حلفهم، وتشبث به عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وفيه نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: ٥١] ، فجمعهم ﷺ ، وقال لهم: «يا معشر يهود احذروا من الله أن ينزل عليكم مثل ما نزل بقريش من النقمة (أى ببدر) ، أسلموا فإنكم قد عرفتم أنى مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله تعالى إليكم» ، فقالوا: يا محمد إنك تظننا مثل قومك، ولا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت لهم فرصة، إنّا والله لو حاربناك لتعلمنّ أنك لم تقاتل مثلنا. وقد قالوا ذلك لأنهم كانوا أشجع اليهود وأكثرهم أموالا وأشدّهم بغيا، فأنزل الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ
[ال عمران: ١٢] ، فبينما هم على بغيهم ومجاهرتهم بكفرهم، إذ جاءت امرأة كانت تحت رجل من الأنصار إلى سوق بنى قينقاع، فجلست عند صائغ منهم في أمر حليّ لها، فجاء رجل من بنى قينقاع فجلس من ورائها وهى لا تشعر، فحلّ درعها إلى ظهرها بشوكة، فلما قامت تكشّفت، فضحكوا منها، فقام إليه رجل من المسلمين فاتبعه فقتله، فقتل اليهود المسلم، ونبذوا العهد إلى رسول الله ﷺ ، فنزل فيهم: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً [الأنفال: ٥٨] ، فتحصّنوا في حصونهم، فسار إليهم رسول الله ﷺ ولواؤه كان أبيض بيد حمزة بن عبد المطلب رضى
стр. 298
الله تعالى عنه- وحاصرهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا سبعمائة نفس: أربعمائة حاسر «١» ، وثلاثمائة دارع «٢» ، فسألوا رسول الله ﷺ أن يخلى سبيلهم وأن يجلوا من المدينة، وأن لهم نساءهم والذرية، وله ﷺ الأموال والسلاح، فخمّست «٣» أموالهم، وأمر ﷺ أن يجلوا من المدينة، ووكل بإجلائهم عبادة بن الصامت رضى الله تعالى عنه، وطلبوا أن يمهلهم فوق الثلاث فقال: «ولا ساعة واحدة» ، وتولّى إخراجهم بنفسه. وذهبوا إلى أذرعات- بلدة بالشام- ولم يدر الحول عليهم حتّى هلكوا أجمعين بدعوته ﷺ ، حيث قال لابن أبيّ بن سلول: «لا بارك الله لك فيهم» . ووجد ﷺ في منازلهم سلاحا كثيرا، وأخذ ﷺ من سلاحهم ثلاث قسي، منها القوس «الكتوم» التى لا يسمع لها صوت إذا رمى بها، وهى التى رمى بها ﷺ يوم أحد، وأخذ ﷺ درعين منهما الدرع المسماة «بالسغدية» بسين مهملة وغين معجمة، ويقال:
إنها درع داود التى لبسها حين قتل جالوت، وأخذ ﷺ ثلاثة أرماح وثلاثة أسياف، وقبض رسول الله ﷺ أموالهم، وكانوا صاغة لا أرض لهم، وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة أبا لبابة.
* وفي هذه السنة: الثانية من الهجرة كانت غزوة السويق:
لما أصاب قريشا «٤» فى بدر ما أصابهم، نذر أبو سفيان ألايمس النساء والطيب حتّى يغزو محمدا، ويثار منه ومن أصحابه بمن أصيب من المشركين يوم بدر، فخرج في مائتى راكب من قريش لوفاء نذره، حتى نزل بمحل بينه وبين المدينة نحو بريد «٥» ، ثم أتى لبنى النضير، وهم حيّ من يهود خيبر ينسبون إلى هارون بن عمران «٦» ، تحت الليل «٧» فأتى حيىّ بن أخطب، وهو من رؤساء
стр. 299
بنى النضير- وهو أبو صفية أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها- ليخبره من أخبار رسول الله ﷺ بما أحبّ معرفته، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له؛ لأنه خافه، وجاء إلى سلّام بن مشكم سيد بنى النضير، وصاحب كنزهم (أى المال الذى كانوا يجمعونه ويدخرونه للنوائب وما يعرض لهم، وكان حليّا يعيرونه لأهل مكة) «١» فاستأذن عليه، فأذن له واجتمع به وسقاه خمرا، فلما كان السحر خرج أبو سفيان ومن معه فلقي رجلا من الأنصار في حرث له، فقتله وقتل أجيرا كان معه، وحرق حرثهما، ورأى أنّ يمينه قد حلّت فمضى هاربا، وقد خاف الطلب. وبلغ رسول الله ﷺ خبره، فخرج رسول الله ﷺ في مائتين من المهاجرين والأنصار في طلبهم، وكان خروجه لخمس من ذى الحجة من السنة الثانية من الهجرة، وجعل أبو سفيان وأصحابه يخففون للهرب، فيلقون جرب السويق من قمح أو شعير مطحون، وهو عامة أزوادهم، فيأخذه المسلمون، ولم يلحقوا بهم. وانصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، وكانت غيبته خمسة أيام، ولإلقاء السويق من رحالهم لتخفيفها وأخذ المسلمين لذلك، سميت غزوة السويق، ولم يلق فيها كيدا.
* وفي هذه السنة مات عثمان بن مظعون رضى الله تعالى عنه.
* وفيها أيضا هلك أمية بن أبى الصلت- من رؤساء الكفار- قرأ الكتب «٢» ، واطّلع على البعثة، فكفر حسدا؛ لأنه رجا أن يكون هو المبعوث، ونزل في حقه قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [الأعراف: ١٧٥] ، وكان سافر إلى الشام ورجع عقيب وقعة بدر السابقة، فمرّ بالقليب وفيه قتلى
стр. 300
بدر، وكان ممن في القليب عتبة وشيبة ابنا خالي أمية، فجدع أذني ناقته، وقال قصيدة:
هلّا بكيت على الكرا ... م بنى الكرام أولى الممادح
كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح
يبكين حزنى مستكي ... نات يرحن مع الروائح
أمثالهن الباكي ... ات المعولات من النوائح
ماذا ببدر والعقن ... قل من مرازبة جحاجح «١»
شمط وشبّان بهالي ... ل مناوير دحادح «٢»
أن قد تغيّر بطن مكّ ... ة فهى موحشة الأباطح «٣»
وهى قصيدة نهى رسول الله ﷺ عن روايتها؛ لأن أمية كان يحرض قريشا بعد وقعة بدر على المسلمين. ومع ذلك فله أشعار يفهم منها ميله إلى اعتقاد أن دين الإسلام حق، فمن ذلك قوله:
كلّ دين يوم القيامة عند ... الله إلا دين الحنيفة زور
ولما أنشد لدى النبى ﷺ قوله:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبّحنا ربّى ومسّانا
ربّ الحنيفة لم تنفد خزائنها ... مملوءة طبق الافاق سلطانا
ألا نبيّ لنا يأتى فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس محيانا
بينا يربّوننا اباؤنا هلكوا ... وبينما نقتنى الأولاد أفنانا
وقد علمنا لو أنّ العلم ينفعنا ... أن سوف يلحق أخرانا بأولانا
قال النبى ﷺ «إن كاد أمية ليسلم» «٤» . ويروى أن أمية بن أبى الصلت-
стр. 301
واسم أبى الصلت: عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفى- لما مرض مرضه الذى مات فيه جعل يقول: «قد دنا أجلى وهذه المرضة منيتي، وأنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلنى في محمد» . ولما دنت وفاته أغمى عليه قليلا حتّى ظن من حضره من أهله أنه قد قضي، ثم أفاق وهو يقول: «لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، لا برئ فأعتذر، ولا قوى فأنتصر» . ثم إنه بقى يحدّث من حضره ساعة، ثم أغمى عليه ثانيا، حتى يئسوا من حياته، وأفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما.
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا ... وأيّ عبد لك لا ألمّا
ثم أقبل على القوم فقال: «قد جاء وقتي، فكونوا في أهبتي» . وحدثهم قليلا حتى يئس القوم منه.
وكان أمية يتعبد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وإنه لما غشي عليه وأفاق قال:
كلّ عيش وإن تطاول دهرا ... صائر أمره إلى أن يزولا
ليتنى كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا «١»
إنّ يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الوليد يوما ثقيلا
اجعل الموت نصب عينك واحذر ... غولة الدهر إنّ للدهر غولا
ثم قضى نحبه، ولم يؤمن بالنبى ﷺ ، وذكر عن سهل أن النبى ﷺ لما سمع قول أمية:
لك الحمد والنعماء والفضل ربّنا ... فلا شيء أعلى منك حمدا وأمجدا
قال: «امن شعره وكفر قلبه» . وكفر قلبه: عدم إيمانه بالنبى ﷺ ، وما سلف ذكره- من عدّه ممن امن به ﷺ «كقس بن ساعدة» فالقصد منه اعتقاد نبوته ﷺ قبل مبعثه، لا الإذعان بعد المبعث، حيث حمله على عدم الإيمان الحسد والحمية الجاهلية وغلبة الشقاء.
стр. 302
وكان خليفة رسول الله ﷺ في غيبته أبا لبابة، كما في غزوة بنى قينقاع.
وفي هذه السنة الثانية من الهجرة كانت وقعة «ذى قار» «١» بين بكر بن وائل وبين جيش كسرى أبرويز، والغلبة على الهرمزان، وانهزمت الفرس، وقتل الهرمزان.
وسبب هذه الوقعة المشهورة في أيام العرب «بيوم ذى قار» أن كسرى أبرويز غضب على النعمان بن المنذر وحبسه، فهلك في الحبس، وكان النعمان قد أودع حلقته- وهى السلاح والدرع- عند هانئ بن مسعود البكري، فأرسل أبرويز يطلبها من هانئ المذكور، فقال: «هذه أمانة، والحرّ لا يسلم أمانته» ، وكان أبرويز لما أمسك النعمان قد جعل موضعه في ملك الحيرة: إياس بن قبيصة الطائي، فاستشار أبرويز إياسا المذكور، فقال إياس: المصلحة التغافل عن هانئ بن مسعود المذكور حتّى يطمئن ونتبعه فندركه. فقال أبرويز: إنه من أخوالك ولا تألوه تصحا، فقال إياس: رأي الملك أفضل. فبعث أبرويز الهرمزان في ألفين من الأعاجم وبعث ألفا من «بهرا» (قبيلة) ، فلما بلغ بكر بن وائل خبرهم أتوا مكانا من «بطن ذى قار» فنزلوه، فوصلت إليهم الأعاجم واقتتلوا ساعة، وانهزمت الأعاجم هزيمة قبيحة، وأكثرت العرب الأشعار في ذكر هذا اليوم، وقيل: إن هذه الوقعة كانت في سنة أربعين من مولد النبى ﷺ ، ولم تكن في عام وقعة بدر، وهذا القول هو الأقوى والأصح.
وفي هذه السنة كانت غزوة «قرقرة الكدر» «٢» :
стр. 303
وهى أرض مما يلى جادّة العراق إلى مكة، بها طيور في ألوانها كدرة، عرف بها ذلك الموضع.
سببها: وذلك أنه ﷺ بلغه أن قوما من بنى سليم وغطفان يريدون الإغارة على المدينة، فسار إليهم في مائتين من أصحابه، وحمل اللواء عليّ بن أبى طالب- رضى الله تعالى عنه- فوصل إلى ذلك الموضع فلم يجد به أحدا منهم، وأرسل نفرا من أصحابه إلى أعلى الوادي، واستقبلهم في بطن الوادي، فوجد خمسمائة بعير مع رعاة لهم، فخمّس «١» الإبل، فخصّ كلّ واحد بعيران، ورجع إلى المدينة.
وقيل: كانت هذه الغزوة في المحرم سنة ثلاث، ويمكن أن يجمع بين القولين بأنها ابتدأت في أواخر شهر ذى الحجة، وبقيت إلى أوّل المحرم سنة ثلاث.
وفي هذه السنة ولد عبد الله بن الزبير.
وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم.
стр. 304
الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة وما فيها من الغزوات
وفي هذه السنة الثالثة من الهجرة كانت غزوة إمرّ «١» :
ويقال لها غزوة «غطفان» «٢» وغزوة «أنمار» . و «إمر» بكسر الهمزة وفتح الميم وتشديد الراء: اسم ماء. وذلك أنه ﷺ بلغه أن رجلا يقال له «دعثور» (بضم الدال وسكون العين ثم ثاء مضمومة) ابن الحارث الغطفانى (من بنى محارب) جمع جمعا من ثعلبة ومحارب بموضع من ديار غطفان، يسمى ب «ذى إمر» باسم الماء الذى فيه، يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فخرج إليهم ﷺ في أربعمائة وخمسين رجلا من أصحابه، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، فى السنة الثالثة من الهجرة، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، فلما سمعوا بمسير رسول الله ﷺ هربوا في رؤوس الجبال. وفي هذا المحل أصاب رسول الله ﷺ المطر الكثير، فبل ثيابه وثياب أصحابه، فنزع ﷺ ثوبيه ونشرهما على الشجرة ليجفا، واضطجع بمرأى من المشركين، فبعث المشركون دعثورا الذى هو سيد القوم وأشجعهم المجمّع لهم، قالوا له: قد انفرد محمّد، فعليك به. فجاء ومعه سيفه حتّى قام على رأس رسول الله ﷺ ، ثم قال: من يمنعك منى اليوم؟
فقال ﷺ : الله. ودفعه جبريل في صدره فوقع على ظهره، فوقع السيف من يده، فأخذ السيف رسول الله ﷺ ، وقال: من يمنعك منى اليوم يا دعثور؟ قال:
لا أحد، كن خير اخذ. فتركه وعفا عنه، فقال: أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أجمّع الناس لحربك أبدا. فدفع له النبى ﷺ سيفه، فقال دعثور: والله إنك لخير مني، ثم أتى قومه فجعل يدعوهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنه رأى رجلا طويلا دفعه في صدره، فوقع على ظهره، فقال: علمت أنه ملك، فأسلمت، فنزلت هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... الاية [المائدة: ١١] ، ثم أقبل رسول
стр. 305
الله ﷺ إلى المدينة، ولم يلق حربا، وكانت مدة غيبته إحدى عشرة ليلة.
وفي هذه السنة (فى شهر رمضان) ولد الحسن بن علي رضى الله عنهما، وكانوا قد سموه حربا، فسماه النبى ﷺ الحسن، وحنّكه «١» بتمر.
وفيها قتل محمد بن مسلمة الأنصارى كعب بن الأشرف اليهودي.
وفيها تزوج النبى ﷺ حفصة بنت عمر- رضى الله عنهما- وذلك أن عثمان ابن عفان خطب حفصة بنت عمر منه بعد وفاة رقية، فردّه عمر، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فقال: يا عمر؛ أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خير له منك؟ قال: نعم يا نبى الله، قال: «تزوّجنى ابنتك وأزوّج عثمان ابنتي» . فكان ذلك؛ حيث تزوج ﷺ بحفصة، وتزوج عثمان بأم كلثوم.
* وفي هذه السنة كانت غزوة بحران:
(بفتح الباء المواحدة، وقيل بضمها، ثم حاء مهملة ساكنة، وهو موضع بالحجاز بينه وبين المدينة ثلاثة برد) وتسمى هذه الغزوة بغزوة بنى سليم.
[سببها] : لما بلغه ﷺ أن بحران اجتمع فيه كثير من بنى سليم، خرج في ثلاثمائة من أصحابه، لستّ خلون من جمادى الأولى من السنة الثالثة من الهجرة، أحثّ السير حتّى بلغ بحران، وكان قبل أن يصل إلى ذلك بليلة لقي رجلا من بنى سليم، فأخبره أنّ القوم تفرّقوا، فحبسه إلى أن وصل، فوجدهم كذلك قد تفرقوا ورجعوا إلى مياههم، فأقام ﷺ ولم يلق حربا، وكانت غيبته عشر ليال، وكان قد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم.
* وفي هذه السنة كانت غزوة أحد:
وكانت في شوال سنة ثلاث من الهجرة باتفاق الجمهور، وأحد (بضمتين ومهملتين) جبل من جبال المدينة، على نحو ميلين منها، يقصد لزيارة مشهد سيدنا حمزة ومن معه من الشهداء، ويقال: إنه أفضل الجبال.
لما أصاب قريشا «٢» يوم بدر ما أصابها، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن
стр. 306
أبى جهل وصفوان بن أمية رضى الله تعالى عنهم (فإنهم أسلموا بعد ذلك) ورجال اخرون «١» من أشراف قريش إلى أبى سفيان- رضى الله تعالى عنه- (فإنه أسلم بعد ذلك أيضا) وإلى من كان له تجارة في تلك العير التى كان سببها وقعة بدر، وكانت تلك العير موقوفة في دار الندوة لم تعط لأربابها، فقالوا: إن محمدا قد وتركم (أى قتل رجالكم ولم تدركوا دماءهم) وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا عمن أصابه منا، وقالوا: نحن طيّبوا النفوس أن تجهزوا بأرباح تلك العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: وأنا أول من يجيب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فجمع لأهل العير رؤس أموالهم، وكانت خمسين ألف دينار، وأخرجوا أرباحها، وكان الربح لكل دينار دينارا، وقيل نصف دينار، وأنزل الله في تلك الحادثة اية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال: ٣٦] ، وتجهّزت قريش ومن والاهم من قبائل كنانة وتهامة، وكان عددهم ثلاثة الاف، فيهم سبعمائة دارع ومائتا فارس، وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وساروا من مكة حتى نزلوا بذى الحليفة «٢» مقابل المدينة، يوم الأربعاء لأربع مضين من شوال، وذو الحليفة هو ميقات أهل المدينة الذى يحرمون منه.
وقد أخرج أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: «رأيت كأنى في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر، فأوّلت أن الدرع المدينة فإن شئتم أقمنا بالمدينة؛ فإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها» ، فقالوا: «والله ما دخلت علينا في الجاهلية، أفتدخل علينا في الإسلام!» قال: فشأنكم إذا. فذهبوا. فلبس رسول الله ﷺ لأمته، فقالوا: ما صنعنا؟ رددنا على رسول الله ﷺ رأيه! فجاؤا فقالوا: شأنك يا رسول الله، قال: «الان!! ليس لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» .
وأخرج أحمد والبزار والطبراني والبيهقى في دلائل النبوّة عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: لمّا جاء المشركون يوم أحد، كان رأي رسول الله ﷺ
стр. 307
أن يقيم بالمدينة، يقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا: «لتخرج بنا يا رسول الله نقاتلهم بأحد» ، ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصابه أهل بدر، فما زالوا برسول الله ﷺ حتّى لبس أداته، ثم ندموا، فقالوا: يا رسول الله: أقم، فالرأى رأيك. فقال: «فما ينبغى لنبى أن يضع أداته إذا لبسها حتّى يحكم الله بينه وبين عدوه» أ. هـ.
واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم.
وخرج ﷺ في ألف من الصحابة، وصار بين المدينة وأحد، ونزل الشّعب من أحد، وجعل ظهره إلى أحد، ثم كانت الوقعة يوم السبت لسبع مضين من شوال، ويقال عدّة أصحابه ﷺ تسعمائة، وفيهم مائة دارع، ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين؛ فرس لرسول الله ﷺ وفرس لأبى بردة، ولواء رسول الله ﷺ مع مصعب بن عمير (من بنى عبد الدار) ، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبى جهل، ولواؤهم مع بنى عبد الدار. وجعل ﷺ الرماة (وهم خمسون) وراءه. فالتقى الناس ودنا بعضهم من بعض، وقامت هند بنت عتبة زوج أبى سفيان رضى الله تعالى عنها (فإنها أسلمت بعد ذلك) وأمّ حكيم بنت طارق زوج عكرمة- رضى الله تعالى عنها- فى النسوة المصاحبات لجيش المشركين يضربن بالدفوف خلف الرجال، يحرّضن المشركين على القتال لحرب المسلمين، ويقلن:
نحن بنات طارق ... نمشى على النّمارق
إن تقتلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق
فراق غير مالق
يردن: نحن بنات الكوكب، وإنه لا ينال. ويقال إن رملة بنت طارق، وأم حكيم بنت طارق قالتا ذلك، وقاله النساء معهن. وكان النبى ﷺ إذا سمع قولهن هذا قال: «اللهم إنى بك أجول وأصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل» .
واستمر القتل في أصحاب لواء المشركين، ورأى النساء برجالهن أمرا عظيما، حتى ولولن وتركن ما كنّ فيه، وانهزم المشركون، حتى انهزمت هند بنت عتبة وصواحبها متحيرات ما دونهن مانع ولا دافع، حتى لو شاء المسلمون لأخذوهن.
стр. 308
ودخل المسلمون عسكر المشركين.
وقاتل حمزة عمّ النبى ﷺ يومئذ قتالا شديدا، وقتل أرطاة حامل لواء المشركين- إلى أن قتل؛ ضربه وحشي عبد جبير بن مطعم، وكان حبشيا، بحربة فقتله، وكان حمزة مشغولا عنه بقتال سباع بن عبد العزّي، وفي قتل وحشيّ حمزة، يقول حسان:
ما لشهيد بين أرماحكم ... شلّت يدا وحشيّ من قاتل
وقتل أيضا مصعب بن عمير حامل لوائه ﷺ ، فظنّ قاتله أنه رسول الله ﷺ ، فقال لقريش: إنى قتلت محمدا، وشاع ذلك، وانتهى النضر بن أنس إلى جماعة من الصحابة، وقد دهشوا وقالوا: قتل رسول الله ﷺ ، فقال: فما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. فاجتهدوا في القتال، ثم إن كعب ابن مالك الشاعر عرف رسول الله ﷺ ، فنادى بأعلى صوته يبشر الناس، ورسول الله ﷺ يقول له: أنصت؛ فاجتمع عليه المسلمون، ونهضوا معه نحو الشعب، فيهم أبو بكر وعمر وعلى والزبير والحارث بن الصمة الأنصاري، وغيرهم، وأدركه أبيّ بن خلف في الشعب، فتناول ﷺ الحربة من الحارث بن الصمّة، وطعنه بها في عنقه، فكرّ أبيّ بن خلف منهزما، وقال له المشركون: ما بك من بأس؟ فقال: «والله لو بصق عليّ لقتلني» فمات بسرف «١» وهم قافلون، وقال المصطفى ﷺ «اشتدّ غضب الله على رجل قتل نبيا أو قتله نبي» «٢» فمات عدو الله في مرجعهم إلى مكة.
وكان أبو عزة الجمحيّ- أحد رؤساء حزب المشركين- وقع أسيرا في بدر، فمنّ عليه رسول الله ﷺ وأحلفه ألايكثر عليه جمعا، وأرسله بغير فدية، فلما كانت غزوة أحد طلبه رؤساء قريش ليتوجه معهم للحرب فامتنع من النفوذ لما وجّهوه إليه، وقال: إن بلاء محمد عندى حسن، أطلقنى يوم بدر. فلم يزالوا به
стр. 309
حتى خرج معهم، فأسر يوم أحد فضرب عنقه. وكان معاوية بن المغيرة بن أبى العاص الذى جدع أنف حمزة، ومثّل به، فيمن مثّل، قد انهزم يوم أحد، فمضى على وجهه فبات قريبا من المدينة، فلما أصبح دخلها، فأتى منزل عثمان بن عفان بن أبى العاص فضرب بابه، فقالت له امرأته أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ : ليس هو ههنا، فقال: ابعثى إليه؛ فإن له عندى ثمن بعير ابتعته منذ عام الأوّل، وقد جئته به. فأرسلت إليه وهو عند رسول الله ﷺ ، فلما جاء قال لمعاوية: أهلكتنى ونفسك، ما جاء بك؟ قال: يا ابن عم لم يكن أحد أقرب إليّ ولا أمسّ رحما بى منك، فجئتك لتجيرني، فأدخله عثمان داره وصيّره في ناحية منها، ثم خرج إلى رسول الله ﷺ ليأخذ له منه أمانا، فسمع رسول الله ﷺ أن معاوية بالمدينة، وقد أصبح بها، وقال: اطلبوه، فقال بعضهم: «ما كان ليعدو منزل عثمان، فاطلبوه به» فدخلوا منزل عثمان فأشارت أم كلثوم إلى الموضع الذى صيّره عثمان فيه، فاستخرجوه من تحت دارة لهم، فانطلقوا به إلى النبى ﷺ ، فقال عثمان حين راه: والذى بعثك بالحق ما جئت إلا لأطلب له الأمان، فهبه لي، فوهبه له، وأجّله ثلاثا، وأقسم لئن وجد بعدها بشئ من أرض المدينة وما حولها ليقتلن، وخرج عثمان فجهّزه واشترى له بعيرا، وقال: ارتحل. وسار رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد، وأقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار النبى ﷺ ، ويأتى بها قريشا، فلما كان اليوم الرابع قال ﷺ : «إن معاوية قد أصبح قريبا لم ينفد، فاطلبوه واقتلوه» . وأصابوه على ثمانية أميال من المدينة، وقد أخطأ الطريق، فأدركوه، وكان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة وعمّار بن ياسر، فرمياه بالنبل حتّى مات. ومعاوية هذا أبو عائشة بنت معاوية أم عبد الملك بن مروان.
ولما قتل مصعب أعطى النبي ﷺ الراية لعلى بن أبى طالب، وانهزم المشركون، فطمعت الرماة في الغنيمة، وفارقوا المكان الذى أمرهم النبى ﷺ بملازمته، فأتى خالد مع خيل المشركين من خلف، وصرخ ابن قميئة: إن محمدا قتل، وانكشف المسلمون وأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء المسلمين، وصليّ رسول الله ﷺ الظهر يومئذ قاعدا، وكان عدة الشهداء منهم سبعين رجلا، وعدة قتلى المشركين اثنان وعشرون رجلا، ووصل العدو إلى رسول الله ﷺ ، وأصابته حجارتهم حتّى وقع، وأصيبت رباعيته وشجّ في وجهه وكلمات
стр. 310
شفتاه. والذى كسر رباعيته عتبة بن أبى وقاص، والذى شجّ وجهه عبد الله بن شهاب الزهري في جبهته، وجعل الدم يسيل على وجهه الشريف وهو يقول:
«كيف تفلح أمة خضّبت وجه نبيها! اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» وإلى ذلك أشار من قال:
وأهلك قومه في الأرض نوح ... بدعوة «لا تذر ربّي» فأفني
ودعوة أحمد ربّ اهد قومي ... فهم لا يعلمون كما علمنا
فنزل في ذلك قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) [ال عمران: ١٢٨] وضرب بالسيف على شقه الأيمن فجرح وجنته، ودخلت حلقتان من المغفر «١» فى وجهه الشريف من الشّجّة، ونزع أبو عبيدة (عامر بن الجراح) إحدى الحلقتين من وجهه ﷺ فسقطت ثنية»
أبى عبيدة الواحدة، ثم نزع الاخرى فسقطت ثنيته الاخري. ومثّلت هند وصواحبها بالقتلى من الصحابة؛ فجدعن الاذان والأنوف، وبقرت هند عن كبد حمزة ولاكتها «٣» ، وصعد زوجها أبو سفيان فوق الجبل وصرخ بأعلى صوته «الحرب سجال يوم بيوم: يوم أحد بيوم بدر، اعل هبل» أى زد علوّا، فقال ﷺ : قم يا عمر فأجبه، فقال: «الله أعلى وأجل: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» .
وفي الصحيح: أن أبا سفيان قال: «لنا العزّى ولا عزّى لكم» فقال النبي: قولوا له: «الله مولانا ولا مولى لكم» .
ثم نادى أبو سفيان عند منصرفه. «إن موعدكم بدر العام المقبل» فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «قل: نعم بيننا وبينكم موعد» ثم التمس رسول الله ﷺ عمه حمزة فوجده وقد بقر بطنه، وجدع أنفه وأذناه، فقال: لئن أظهرنى الله على قريش لأمثّلن بثلاثين منهم «٤» ، فلما رأى المسلمون حزنه وغيظه
стр. 311
على ما فعل بعمه، قالوا: لنمثلن بهم إن أظهرنا الله عليهم مثلة ما يمثّل بها أحد، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦] ، فكفّر عن يمينه، ونهى عن المثلة.
وروى ابن شاذان عن ابن مسعود: «ما رأينا المصطفى باكيا قط أشد من بكائه على حمزة، وصعد في القبلة، ثم وقف على جنازته وبكى حتّى كاد يغشى عليه، يقول: «يا حمزة يا عم، يا أسد الله وأسد رسوله، يا حمزة يا فاعل الخيرات، يا حمزة يا كاشف الكربات» «١» . وليس هذا نوح ولا تعدّد* بشمائل، بل إخبار بفضائله وشمائله.
ثم أمر فسجّي ببرده، ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلّى عليهم وعليه، وهذا دليل لأبى حنيفة؛ فإنه يرى الصلاة على الشهيد، خلافا للشافعى وأحمد رحمهم الله تعالى.
ثم أمر بحمزة فدفن، واحتمل أناس من المسلمين إلى المدينة فدفنوا بها، ثم نهاهم ﷺ عن مثل ذلك، وقال: «ادفنوهم حيث صرعوا» ، ويقال دفن معه «٢» فى قبره عبد الرحمن بن جحش.
وأصيبت عين قتادة فردّها رسول الله ﷺ بيده، فكانت بعد ذلك أحسن عينيه، وكانت إصابتها بسهم خرجت بحدقتها على وجنته، وهو يقى السهام بوجهه عن وجه رسول الله ﷺ . واستشهد أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك، وقد أبلى بلاء حسنا، وفيه نزلت: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ...
[الأحزاب: ٢٣ وما بعدها] .
ونزل في شهداء أحد- كما رواه الحاكم- (وكانوا سبعين رجلا؛ أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعثمان بن شاس، وعبد الله ابن جحش، وسائرهم من الأنصار) قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
стр. 312
سَبِيلِ اللَّهِ أى لأجل دينه، والخطاب للنبى ﷺ ، أو لكل أحد أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «١» أى من ثمار الجنة.
قال البيضاوي: وقيل نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا: ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين.
قال القاضى زكريا: وهو غلط، إنما نزل فيهم اية البقرة «٢» .
وعن عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت للنبى ﷺ : هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشدّ ما لقيته يوم العقبة، إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل، فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب «٣» فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثنى ربك إليك لتأمرنى بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» . فقال النبى ﷺ : «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله واحده لا يشرك به» متفق عليه «٤» .
стр. 313
فكان دأبه ﷺ الصفح الجميل، وكان يجعله شكرا للنصر والظفر، كما قال عند فتح مكة لأهلها، وكانوا قد أخرجوه منها، وهى أحب البقاع إليه: «أقول لكم كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» .
وكان ممن استشهد في أحد: سعد بن الربيع، وأخذ ميراثه أخوه، وكان لسعد بنتان، وكانت امرأته حاملا، وكانت المواريث على مواريث الجاهلية، ولم تكن الفروض نزلت، فنزلت على رسول الله ﷺ حينئذ، فدعا أخا سعد، فقال: أعط ابنتى أخيك ثلثي الميراث، وادفع إلى زوجته الثمن، والباقى لك» ولم يورّث الحمل يومئذ، ثم ورّث بعد ذلك.
قال النووى في «الروضة» : إن تحريم الخمر كان بعد غزوة أحد، وذكر أرباب السير أنه كان في حصار بنى النضير، فى ربيع الأوّل سنة أربع، ولم يباشر ﷺ القتال في غزوة من الغزوات إلّا في أحد.
ولم يقاتل معه ﷺ من الملائكة إلا في بدر، وإلا في حنين «١» ، قيل: وأحد.
ولم يرم ﷺ بالحصباء في وجوه القوم في شئ من الغزوات، إلا في هذه الثلاث، على خلاف في الثالثة.
ولم يجرح: أي لم يصبه ﷺ جراحة في غزوة من الغزوات إلّا في أحد.
ولم ينصب ﷺ المنجنيق في غزوة من الغزوات إلا في غزوة الطائف، وفيه أنه نصبه على بعض حصون خيبر، ولم يتحصن بالخندق في غزوة إلا في غزوة الأحزاب «٢» .
стр. 314
وفي هذه السنة (الثالثة من الهجرة) كانت غزوة حمراء الأسد:
وهو جبل بناحية العقيق، بينه وبين المدينة ثمانية أميال، وذلك أنه لما كان صبيحة «١» يوم أحد، وهو سادس عشر شوال من هذه السنة، أذّن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج لطلب العدوّ، وألايخرج إلا من حضر معه بالأمس، فخرج، وخرجوا على ما بهم من الجهد والجراح- حتى كان بأسيد بن حضير تسع جراحات، يريد أن يداويها، فلما سمع النداء ترك المداواة سمعا وطاعة لله ورسوله- وسار ﵊ متجلدا مرهبا للعدو، وانتهى إلى حمراء الأسد، وكان المشركون قد صاروا إليها من أحد، ودفع لواءه وهو معقود لم يحلّ، إلى عليّ، أو إلى أبى بكر، إظهارا للقوة وإرهابا للعدو، وأقام بها ثلاثا، ومر برسول الله ﷺ بحمراء الأسد: سعيد بن أبى معبد الخزاعى سائرا إلى مكة، ولقي أبا سفيان وكفار قريش بالروحاء، فأخبرهم بخروج رسول الله ﷺ في طلبهم، فقالوا: «لقد أجمعنا الكرّة على المسلمين لنستأصل بقيتهم» ، فقال سعيد الخزاعي:
«إنى أنهاكم عن ذلك، فلا ترجعوا إلى المدينة» . فثبط عزم أبى سفيان عن الرجعة، وأكبر عليهم خروج رسول الله ﷺ ، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا سراعا على ظفر منهم، حيث لم يأمنوا أن تكون الدّولة «٢» للمسلمين، حتى أتوا مكة، فلما بلغ النبيّ ﷺ ذلك قال- حسبنا الله ونعم الوكيل- فأنزل الله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ... [ال عمران:
١٧٢: ١٧٤] الاية. وكان خليفته على المدينة ابن أم مكتوم.
стр. 315
الفصل الرابع في ظواهر السنة الرابعة من الهجرة وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة كانت غزوة بنى النضير: ونقل عن النووى في «الروضة» أن غزوة بنى النضير كانت سنة ثلاث، وأن تحريم الخمر كان بعد غزوة أحد «١» ، وكلامه يميل إلى أن تحريم الخمر كان سنة ثلاث، ورجّح الدمياطى أيضا في سيرته أن التحريم كان في السنة الثالثة.
والقول بأن التحريم كان في السنة الرابعة مشهور، وهناك قول اخر راجح، وهو: أنها كانت في غزوة الحديبية سنة ست من الهجرة، بدليل أنّ أنسا كان ساقيا لها، ولما ورد النهي عن ذلك أراقها، ولو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك، ويرجحه قولهم: إن تحريم الخمر كان قبل الفتح، وربما يجمع بين الأقوال بما رواه أحمد عن أبى هريرة أنها حرّمت ثلاث مرات، قال: «قدم المصطفى ﷺ المدينة وهم يشربونها، ويأكلون «٢» الميسر، فسألوه عنهما، فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... [البقرة: ٢١٩] ، قال الناس: ما حرّم علينا إنما قال «فيهما إثم كبير ومنافع للناس» . وكانوا يشربون الخمر حتّى صلّى يوما رجل من المهاجرين، وأمّ أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله تعالى الاية التى في النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] ، فكان الناس يشربونها في وقت دون وقت، ثم نزلت الاية التى في المائدة، بالتأكيد، وهى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠، ٩١] ، إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قالوا: انتهينا ربّنا.
قال المفسرون: لما أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: ٨٧] ، وقوله: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً [المائدة:
٨٨] ، وقوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
стр. 316
[النحل: ٦٧] ، وكانت الخمر والميسر مما يستطاب عندهم، بيّن الله في هذه الاية «١» أن الخمر والميسر غير داخلين في جملة الطيبات والحلال، بل هما من جملة المحرمات.
وروى أبو ميسرة أن عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الاية التى في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ، فدعي عمر فقرئت عليه، ثم قال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا، فنزلت الاية التى في النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ الاية. فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال:
«اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا» . فنزلت الاية التى في المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: قد انتهينا. أخرجه الترمذى من طريقين، وقال رواية عن أبى ميسرة: هذا أصح، وأخرجه أبو داود والنسائي.
وروى مصعب بن سعد عن أبيّ قال: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا- وذلك قبل أن تحرّم الخمر- حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم، فقال سعد بن أبى وقاص: المهاجرون خير منكم، فأخذ رجل من الأنصار لحي «٢» جمل فضرب رأس سعد فشجه شجة موضحة «٣» ، فأتى سعد لرسول الله ﷺ فأخبره، فنزلت هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
وقال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى ثملوا وعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ولحيته، فيقول: فعل بى هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فأنزل الله تحريم الخمر في هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
стр. 317
وقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ لفظة استفهام «١» ، ومعناه الأمر، أى انتهوا، وهذا من أبلغ ما ينهى به؛ لأنه تعالى ذم الخمر والميسر وأظهر قبحهما للمخاطبين، كأنه قيل: قد تلى عليكم فيها من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم منتهون مع هذه الأمور؟ أم أنتم على ما كنتم عليه، كأنكم لم توعظوا، أولم تنزجروا؟
وفي هذه الاية دليل على تحريم شرب الخمر؛ لأن الله تعالى قرن شرب الخمر والميسر بعبادة الأصنام، وعدّد أنواع المفاسد الحاصلة بهما، ووعد بالفلاح عند اجتنابهما، وقال في اخر الاية: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ومعناه الأمر.
وقال بعضهم: الحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب: أن القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم به كثيرا، فعلم الله تعالى أنه لو منعهم دفعة واحدة لشقّ عليهم، فاستعمل في التحريم هذا التدريج والرفق.
غزوة بنى النضير:
وسبب تلك الغزوة- على بنى النضير- أنه ﷺ ذهب إليهم ليستعين بهم في دية رجلين من بنى كلاب بن ربيعة- موادعين له- كان عمرو بن أمية الضمرى قتلهما غلطا في رجوعه من بئر معونة، ظانا أنهما حربيان، وكان النبى ﷺ عقد لهما أمانا، ولم يشعر به ضمرة، وكان ﷺ قد تعاهد مع بنى النضير على ترك القتال، وعلى أن يعينوه في الديات، فحضر إليهم، وكان معه من أصحابه جماعة دون العشرة، منهم أبو بكر، وعمر، وأسيد بن حضير، فأجلسوهم بجانب دار من بيوتهم، وأرادوا الغدر به ﷺ ، وأمروا أن يصعد رجل إلى الجدار ويلقى عليه رحّي، فلما علم ذلك انصرف عنهم إلى المدينة حيث كان ذلك منهم نقضا للعهد، وأرسل إليهم أن اخرجوا من بلدي؛ لأن ضياعهم كانت من أعمال المدينة، فأبوا الخروج وأذنوا بالمحاربة، فتجهّز إليهم وغزاهم وحاصرهم في ربيع الأوّل، وبعد مضيّ ليال من الحصار سألوه ﷺ أن يجليهم
стр. 318
إلى خيبر على أنّ لهم ثلث ما حملت الإبل من أموالهم، إلا السلاح، ولرسول الله ﷺ نخلهم وأرضهم، فأجابهم إليه، فخرجوا ومعهم الدفوف والمزامير تجلدا، فمضى من بنى النضير إلى خيبر ناس، وناس إلى الشام، وبقيت أموالهم فيئا لرسول الله ﷺ خالصة له دون المسلمين؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، يقسّمها كيف شاء وحيث شاء، إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة فذكرا فقرا فأعطاهما منه شيئا.
ويروى أن النبى ﷺ لما ظهر على أموال بنى النضير، قال للأنصار: «إن إخوانكم من المهاجرين ليست لهم أموال، فإن شئتم قسّمت هذه الأموال بينكم وبينهم جميعا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم، فقسمت هذه فيهم» ، قال السعدان (سعد بن معاذ وسعد بن عبادة) : «بل اقسم هذه فيهم، واقسم لهم من أموالنا ما شئت» فقال بقية الأنصار مثل ذلك تبعا للسعدين، ففرح ﷺ ، وقال: «اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» «١» . فأنزل الله فيهم قوله تعالى:
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ «٢» ، أى فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون، فلهذا قسم ﷺ الأموال على المهاجرين بحسب ما اقتضته المصلحة، فعيّن لأبى بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وصهيب، وأبى سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ضياعا معروفة، ومن الأنصار أعطى سهل بن حنيف، وأبا دجانة شيئا لفقرهما.
وفي بنى النضير نزلت سورة الحشر «٣» التى سمّاها ابن عباس- رضى الله عنه- «سورة النضير» كما رواه سعد بن جبير.
وفي سنة أربع قصرت الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر، وهذا مبنيّ على أن هذه الصلاة أربعة تامة، ثم قصرت في السفر، وقيل إنها فرضت في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وهو قول ابن عباس- رضى الله عنه- قال:
فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين- رواه مسلم وغيره- كذا في «المواهب اللدنية» .
стр. 319
وفي الوفا «١» : «الذى عليه الأكثر: أن الصلاة نزلت بتمامها من بدء الأمر» والله أعلم، وقد سبق التنويه إلى ذلك في مبعثه ﷺ .
وفي هذه السنة الرابعة نزلت اية التيمم: وهى قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [المائدة: ٦] ، قال في معالم التنزيل «٢» : «وكان بدء التيمم ما روى عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء ونزل الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ ، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبى بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة برسول الله ﷺ وبالناس معه؟! فجاء أبو بكر- رضى الله عنه- ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذى قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء! فقالت عائشة: فعاتبنى أبو بكر، ثم قال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعننى بيده، فلا يمنعنى من التحرك إلّا مكان رسول الله ﷺ على فخذي. فنام رسول الله ﷺ حتّى أصبح على غير ماء، فأنزل الله اية التيمم، فتيمّموا، فقال أسيد بن حضير- وهو أحد النقباء وكان رئيسا في الجاهلية والإسلام-: «ما هى بأوّل بركتكم يا ال أبى بكر» . قالت عائشة: فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد تحته، وقولها: فبعثنا البعير: أي أثرناه.
والتيمم من خصائص هذه الأمة لتسهل عليهم أسباب العبادة، ويدل على ذلك ما روى عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «فضّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت الأرض كلها لنا مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» أخرجه مسلم «٣» .
стр. 320
* [الرّجم] : وفي السنة الرابعة (فى ذى القعدة) كان رجم اليهوديين اللذين زنيا، ونزل قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) [المائدة: ٤٧] . وفي العمدة: عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- قال:
إن اليهود جاؤا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله ابن سلام: كذبتم إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على اية الرجم، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها اية الرجم، فقالوا:
صدقت يا محمد، فأمر بهما النبى ﷺ فرجما، قال: فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة!. والذى وضع يده على اية الرجم: عبد الله بن صوريا.
واختلف العلماء في أن الإسلام هل هو شرط في الإحصان «١» أم لا، فذهب الشافعى إلى أنه ليس شرطا، فإذا حكم الحاكم على الذمى المحصن رجمه.
ومذهب أبى حنيفة أن الإسلام شرط في الإحصان، واستدل الشافعى بهذا الحديث، ورجم النبى ﷺ اليهوديين. واعتذر السادة الحنفية عنه بأن قالوا:
رجمهما بحكم التوراة، فإنه سألهم عن ذلك، وإن ذلك عند قدوم النبى ﷺ المدينة، وقالوا: إن حدّ الزنا نزل بعد ذلك، فكان ذلك الحديث منسوخا، وهذا يحتاج إلى تحقيق التاريخ، أعنى القول بالنسخ، وقوله: «فرأيت الرجل يحنى على المرأة الجيد» فى الرواية «يجنأ» بفتح المثناة تحت وسكون الجيم وفتح النون والهمز، أى يميل، ومنه الجنأ، وفي كلام بعضهم ما يشعر بأن اللفظة بالحاء المهملة، يقال: حنى الرجل يحنى حنوّا: إذا أكبّ على الشئ. فتحصّل من هذا أن السادة الحنفية يشترطون في الرجم الإسلام، وقد استدلوا على ذلك بما في البخارى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: «أتى رسول الله ﷺ رجل من الناس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله إنى زنيت. فأعرض عنه النبى ﷺ ، فتنحّى لشقّ وجهه الذى أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إنى زنيت، فأعرض عنه حتّى ثنّى ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبى