[النحل: ٦٧] ، وكانت الخمر والميسر مما يستطاب عندهم، بيّن الله في هذه الاية «١» أن الخمر والميسر غير داخلين في جملة الطيبات والحلال، بل هما من جملة المحرمات.
وروى أبو ميسرة أن عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الاية التى في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ، فدعي عمر فقرئت عليه، ثم قال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا، فنزلت الاية التى في النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ الاية. فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال:
«اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا» . فنزلت الاية التى في المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: قد انتهينا. أخرجه الترمذى من طريقين، وقال رواية عن أبى ميسرة: هذا أصح، وأخرجه أبو داود والنسائي.
وروى مصعب بن سعد عن أبيّ قال: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا- وذلك قبل أن تحرّم الخمر- حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم، فقال سعد بن أبى وقاص: المهاجرون خير منكم، فأخذ رجل من الأنصار لحي «٢» جمل فضرب رأس سعد فشجه شجة موضحة «٣» ، فأتى سعد لرسول الله ﷺ فأخبره، فنزلت هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
وقال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى ثملوا وعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ولحيته، فيقول: فعل بى هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فأنزل الله تحريم الخمر في هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
стр. 317
وقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ لفظة استفهام «١» ، ومعناه الأمر، أى انتهوا، وهذا من أبلغ ما ينهى به؛ لأنه تعالى ذم الخمر والميسر وأظهر قبحهما للمخاطبين، كأنه قيل: قد تلى عليكم فيها من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم منتهون مع هذه الأمور؟ أم أنتم على ما كنتم عليه، كأنكم لم توعظوا، أولم تنزجروا؟
وفي هذه الاية دليل على تحريم شرب الخمر؛ لأن الله تعالى قرن شرب الخمر والميسر بعبادة الأصنام، وعدّد أنواع المفاسد الحاصلة بهما، ووعد بالفلاح عند اجتنابهما، وقال في اخر الاية: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ومعناه الأمر.
وقال بعضهم: الحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب: أن القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم به كثيرا، فعلم الله تعالى أنه لو منعهم دفعة واحدة لشقّ عليهم، فاستعمل في التحريم هذا التدريج والرفق.
غزوة بنى النضير:
وسبب تلك الغزوة- على بنى النضير- أنه ﷺ ذهب إليهم ليستعين بهم في دية رجلين من بنى كلاب بن ربيعة- موادعين له- كان عمرو بن أمية الضمرى قتلهما غلطا في رجوعه من بئر معونة، ظانا أنهما حربيان، وكان النبى ﷺ عقد لهما أمانا، ولم يشعر به ضمرة، وكان ﷺ قد تعاهد مع بنى النضير على ترك القتال، وعلى أن يعينوه في الديات، فحضر إليهم، وكان معه من أصحابه جماعة دون العشرة، منهم أبو بكر، وعمر، وأسيد بن حضير، فأجلسوهم بجانب دار من بيوتهم، وأرادوا الغدر به ﷺ ، وأمروا أن يصعد رجل إلى الجدار ويلقى عليه رحّي، فلما علم ذلك انصرف عنهم إلى المدينة حيث كان ذلك منهم نقضا للعهد، وأرسل إليهم أن اخرجوا من بلدي؛ لأن ضياعهم كانت من أعمال المدينة، فأبوا الخروج وأذنوا بالمحاربة، فتجهّز إليهم وغزاهم وحاصرهم في ربيع الأوّل، وبعد مضيّ ليال من الحصار سألوه ﷺ أن يجليهم
стр. 318
إلى خيبر على أنّ لهم ثلث ما حملت الإبل من أموالهم، إلا السلاح، ولرسول الله ﷺ نخلهم وأرضهم، فأجابهم إليه، فخرجوا ومعهم الدفوف والمزامير تجلدا، فمضى من بنى النضير إلى خيبر ناس، وناس إلى الشام، وبقيت أموالهم فيئا لرسول الله ﷺ خالصة له دون المسلمين؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، يقسّمها كيف شاء وحيث شاء، إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة فذكرا فقرا فأعطاهما منه شيئا.
ويروى أن النبى ﷺ لما ظهر على أموال بنى النضير، قال للأنصار: «إن إخوانكم من المهاجرين ليست لهم أموال، فإن شئتم قسّمت هذه الأموال بينكم وبينهم جميعا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم، فقسمت هذه فيهم» ، قال السعدان (سعد بن معاذ وسعد بن عبادة) : «بل اقسم هذه فيهم، واقسم لهم من أموالنا ما شئت» فقال بقية الأنصار مثل ذلك تبعا للسعدين، ففرح ﷺ ، وقال: «اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» «١» . فأنزل الله فيهم قوله تعالى:
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ «٢» ، أى فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون، فلهذا قسم ﷺ الأموال على المهاجرين بحسب ما اقتضته المصلحة، فعيّن لأبى بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وصهيب، وأبى سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ضياعا معروفة، ومن الأنصار أعطى سهل بن حنيف، وأبا دجانة شيئا لفقرهما.
وفي بنى النضير نزلت سورة الحشر «٣» التى سمّاها ابن عباس- رضى الله عنه- «سورة النضير» كما رواه سعد بن جبير.
وفي سنة أربع قصرت الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر، وهذا مبنيّ على أن هذه الصلاة أربعة تامة، ثم قصرت في السفر، وقيل إنها فرضت في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وهو قول ابن عباس- رضى الله عنه- قال:
فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين- رواه مسلم وغيره- كذا في «المواهب اللدنية» .
стр. 319
وفي الوفا «١» : «الذى عليه الأكثر: أن الصلاة نزلت بتمامها من بدء الأمر» والله أعلم، وقد سبق التنويه إلى ذلك في مبعثه ﷺ .
وفي هذه السنة الرابعة نزلت اية التيمم: وهى قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [المائدة: ٦] ، قال في معالم التنزيل «٢» : «وكان بدء التيمم ما روى عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء ونزل الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ ، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبى بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة برسول الله ﷺ وبالناس معه؟! فجاء أبو بكر- رضى الله عنه- ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذى قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء! فقالت عائشة: فعاتبنى أبو بكر، ثم قال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعننى بيده، فلا يمنعنى من التحرك إلّا مكان رسول الله ﷺ على فخذي. فنام رسول الله ﷺ حتّى أصبح على غير ماء، فأنزل الله اية التيمم، فتيمّموا، فقال أسيد بن حضير- وهو أحد النقباء وكان رئيسا في الجاهلية والإسلام-: «ما هى بأوّل بركتكم يا ال أبى بكر» . قالت عائشة: فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد تحته، وقولها: فبعثنا البعير: أي أثرناه.
والتيمم من خصائص هذه الأمة لتسهل عليهم أسباب العبادة، ويدل على ذلك ما روى عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «فضّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت الأرض كلها لنا مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» أخرجه مسلم «٣» .
стр. 320
* [الرّجم] : وفي السنة الرابعة (فى ذى القعدة) كان رجم اليهوديين اللذين زنيا، ونزل قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) [المائدة: ٤٧] . وفي العمدة: عن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- قال:
إن اليهود جاؤا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله ابن سلام: كذبتم إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على اية الرجم، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها اية الرجم، فقالوا:
صدقت يا محمد، فأمر بهما النبى ﷺ فرجما، قال: فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة!. والذى وضع يده على اية الرجم: عبد الله بن صوريا.
واختلف العلماء في أن الإسلام هل هو شرط في الإحصان «١» أم لا، فذهب الشافعى إلى أنه ليس شرطا، فإذا حكم الحاكم على الذمى المحصن رجمه.
ومذهب أبى حنيفة أن الإسلام شرط في الإحصان، واستدل الشافعى بهذا الحديث، ورجم النبى ﷺ اليهوديين. واعتذر السادة الحنفية عنه بأن قالوا:
رجمهما بحكم التوراة، فإنه سألهم عن ذلك، وإن ذلك عند قدوم النبى ﷺ المدينة، وقالوا: إن حدّ الزنا نزل بعد ذلك، فكان ذلك الحديث منسوخا، وهذا يحتاج إلى تحقيق التاريخ، أعنى القول بالنسخ، وقوله: «فرأيت الرجل يحنى على المرأة الجيد» فى الرواية «يجنأ» بفتح المثناة تحت وسكون الجيم وفتح النون والهمز، أى يميل، ومنه الجنأ، وفي كلام بعضهم ما يشعر بأن اللفظة بالحاء المهملة، يقال: حنى الرجل يحنى حنوّا: إذا أكبّ على الشئ. فتحصّل من هذا أن السادة الحنفية يشترطون في الرجم الإسلام، وقد استدلوا على ذلك بما في البخارى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: «أتى رسول الله ﷺ رجل من الناس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله إنى زنيت. فأعرض عنه النبى ﷺ ، فتنحّى لشقّ وجهه الذى أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إنى زنيت، فأعرض عنه حتّى ثنّى ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبى
стр. 321
صلّى الله عليه وسلّم، فقال: أبك جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنت؟ قال: نعم يا رسول ﷺ ، قال: اذهبوا به فارجموه. أ. هـ.
والرجل: «ما عز بن مالك- رضى الله عنه» .
ويروى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلّي، فلما أدلفته الحجارة «بالدال المهملة والفاء، أي:
أجعته وأوهنته) هرب، فأدركناه بالحرّة، فرجمناه.
ويستدل للرجم أيضا بما روى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهني، أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله تعالى. فقال الخصم الاخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله تعالى، وائذن لي. فقال رسول الله ﷺ : قل، قال: إن ابنى كان عسيفا* على هذا فزنى بامرأته، وإنى أخبرت أن على ابنى الرّجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن ما على ابنى جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى: أما الوليدة والغنم فردّ عليك، وأما ابنك فإن عليه جلد مائة وتغريب عام، ثم قال لرجل من أسلم: أغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا إليها، فاعترفت فرجمت. قوله «إلا قضيت بيننا بكتاب الله» - تطلق هذه اللفظة على القران خاصة، وقد يطلق كتاب الله على حكم الله مطلقا، والأولى حمل هذه اللفظة على هذا؛ لأنه ذكر فيه التغريب، وليس ذلك منصوصا فى كتاب الله، إلا أن يوجّه ذلك بواسطة أمر الله بطاعة الرسول واتباعه «١» ، وفي قوله: «ائذن لى» حسن الأدب في المخاطبة للأكابر، وقوله: «كان عسيفا» أى أجيرا، وقوله: «فافتديت منه» أى من الرجم، وقوله: ردّ عليك، أى مردود عليك، أطلق اسم المصدر على اسم المفعول.
стр. 322
وقال في «التبيين» : وجه الرجم لأنه ﷺ أمر برجم الغامدية وماعزا وكانا محصنين، وأخرج ماعزا إلى الحرّة، وقيل إلى البقيع ففرّ إلى الحرّة فرجم بالحجارة حتّى مات.
ومما رواه الجماعة أنه ﵊ رجم المرأة التى زنى بها العسيف، وقال ﵊ «لا يحلّ دم امرئ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل النفس بغير حق» «١» .
وقال عمر- رضى الله عنه- وهو على المنبر: مما أنزل في القران: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة» وسيأتى قوم ينكرون ذلك، ولولا أن الناس يقولون: إن عمر زاد في كتاب الله لكتبتهما في حاشية المصحف.
وعليه إجماع الصحابة- رضى الله عنهم- فوصل إلينا إجماعهم بالتواتر، ولا معنى لإنكار الخوارج الرجم؛ لأنهم ينكرون القطع برجم النبى ﷺ ، فيكون مكابرة وعنادا.
وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ عام في المحصن وغيره، إلا أنها نسخت في المحصن بما ذكر، فبقيت معمولا بها في غيره، ويزاد على المائة لغير المحصن بالسّنّة: تغريب عام، والرقيق على النصف مما ذكر، ولا رجم عليه؛ لأنه لا يتنصّف. وفي «البحر الرائق» قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ انتسخ في حق المحصن، فبقى في حق غيره معمولا به، ويكفينا في تعيين الناسخ القطع برجم النبى ﷺ ، فيكون من نسخ الكتاب بالسّنّة الفعلية لأنه ﷺ رجم ما عزا، وكان قد أحصن، وثبوت الرجم عن رسول الله ﷺ متواتر المعنى.
стр. 323
وفي هذه السنة في جمادى الأولى كانت غزوة ذات الرقاع «١» :
وقال النووى في «الروضة» إنها كانت لعشر خلون من المحرم سنة خمس، والرقاع بكسر الراء جبل سمّيت به؛ لأن فيه بقعا حمرا وسودا، أو لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، أو لأنّ صلاة الخوف كانت بها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، أو لأنها نقرت فيها أقدام الصحابة، وسقطت أظفارهم، حتى كانوا يلفّون على أرجلهم الخرق، ويقال للخرق رقاع، وتسمى غزوة الأعاجيب؛ لما وقع فيها من الأمور العجيبة، وغزوة بنى محارب، وبنى ثعلبة؛ وذلك أنه لما بلغه ﷺ أن بنى محارب وبنى ثعلبة جمعوا جموعا من غطفان لمحاربته، خرج في أربعمائة من أصحابه- رضى الله عنهم- فغزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة، ولما بلغ ﷺ نجدا، لم يجد بها أحدا غير نسوة، فأخذهن، وفيهن جارية وضيئة. ثم لقي جمعا من غطفان، فتقارب الجمعان، ولم يكن بينهما حرب حيث خاف المسلمون أن يغير المشركون عليهم وهم غافلون، حتى صلّى النبى ﷺ بالناس صلاة الخوف، وكانت أوّل صلاة للخوف «٢» ، فهمّ بهم المشركون، فقال قائلهم:
دعوهم؛ فإن لهم صلاة التى هى الظهر»
وهى أحب إليهم من أبنائهم، فنزل جبريل- ﵇ عليه ﷺ فأخبره، فصلّى صلاة العصر (صلاة الخوف) ؛ صلّى بطائفة ركعتين وبالاخرى أخريين، ونزل بها القران، وهى قوله
стр. 324
تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ.. [النساء: ١٠٢] ، وكفى الله المؤمنين شرهم بعد أن تعرّض لهم من المشركين من يقتلهم فلم يقدروا، فمن ذلك أنه جاء رجل من غطفان وهو غورث- بالغين المعجمة والثاء المثلاثة- فقال: يا محمد أريد أن أنظر إلى سيفك هذا، وكان محلّى بفضة، فدفعه إليه فاستلّه وهمّ به، فكبته الله، ثم قال: يا محمد أما تخافني؟ فقال له: لا، ما أخاف منك. ثم ردّ سيفه إليه، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة: ١١] ، والمفسرون على أن هذه الحادثة كانت في غزوة «أنمار» المتقدمة، ولا مانع من تعدد النزول لتعدد الأسباب، كما استظهره بعضهم.
ورجع ﷺ إلى المدينة، وكانت مدة غيبته خمس عشرة ليلة.
* وفي هذه السنة كانت غزوة بدر الموعد: وتسمى غزوة بدر الصغرى، ويقال الصفراء بالفاء، وبدر الثانية والثالثة.
وسميت «بدر الموعد» لأن أبا سفيان نادى يوم أحد: «الموعد بيننا وبينكم بدر العام المقبل» ، فخرج ﷺ ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه، فأقاموا ببدر ثمانية أيام، مدة الموسم، وكان أبو سفيان قد خرج من مكة في ألفين من قريش، حتى نزل خارج مكة، وقد قام به رعب من النبى ﷺ ، فجمع قريشا، وقال لهم: إنه لا يصلح هذا العام المجدب لقتال محمد، فارجعوا. ورجعوا، وباع المسلمون ما كان معهم من التجارة وربحوا ربحا كثيرا، وفيه نزل: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ [ال عمران: ١٧٤] ، وانصرف ﷺ إلى المدينة.
* وفيها ولد الحسين- رضى الله عنه «١» .
* وفي هذه السنة كانت «غزوة الخندق» ويقال لها: «غزوة الأحزاب» :
وهى الغزوة التى ابتلى الله تعالى فيها عباده المؤمنين، وثبّت الإيمان في قلوب أوليائه المتقين، وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق والشقاق المعاندين، ولم
стр. 325
تكن هذه الغزوة في شوال أو في ذى القعدة من السنة الخامسة كما ذكره أرباب السير، بل حقق النووى في «الروضة» أن الأصح أنها كانت في الرابعة، ويقوّيه أن ابن عمر رضى الله عنه يقول: «ردّنى رسول الله ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، ثم أجازنى يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة» ، فليس بينهما إلا سنة واحدة. وغزوة أحد كانت سنة ثلاث، فتكون غزوة الخندق سنة أربع، فهى قبل غزوة دومة الجندل.
قال الحافظ بن حجر: ولا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكون ابن عمر- رضى الله تعالى عنه- فى أحد كان أوّل ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب التى هى «غزوة الخندق» قد استكمل الخمسة عشر، وحينئذ يكون بين أحد والخندق سنتان، كما هو الواقع لا سنة واحدة، فعلى ذلك لا مانع أنها كانت في الخامسة.
وسبب هذه الغزوة أنه لما وقع إجلاء بنى النضير من أماكنهم، سار منهم جمع من كبرائهم، منهم سيدهم حييّ بن أخطب- أبو صفية أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها- وعظيمهم سلّام بن مشكم، ورئيسهم كنانة بن أبى الحقيق، وهودة بن قيس، إلى أن قدموا مكة على قريش يدعونهم ويحرّضونهم ليحزّبوا الأحزاب على حرب رسول الله ﷺ ، وكانت الأحزاب عشرة الاف، وكان المدبر لأمرها والقائم بشأنها أبو سفيان، وأنزل الله تعالى في ذلك صدر سورة الأحزاب.
فلما بلغه ﷺ ما أجمعوا عليه ندب الناس وأخبرهم خبر عدوّهم، وشاورهم في أمرهم، وقال لهم: هل ننزل من المدينة أو نكون فيها؟ فأشار عليه سلمان الفارسى- رضى الله تعالى عنه- بالخندق، حيث قال: «يا رسول الله إنّا كنا بأرض فارس إذا تخوّفنا الخيل، خندقنا عليهم» ، فأمر ﷺ بحفر الخندق حول المدينة، وعند ذلك ركب رسول الله ﷺ فرسا له ومعه عدة من المهاجرين والأنصار، وأمرهم بالجدّ، ووعدهم النصر إن هم صبروا. فعمل الخندق من مكايد الفرس، لا من مكايد العرب، ولما نظر المشركون إلى الخندق، قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
وفي أمره ﷺ بحفر الخندق حول المدينة بمعرفة سلمان الفارسي، وفي التماس عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- من أبى لؤلؤة غلام المغيرة أن
стр. 326
يعمل له رحى تطحن بالريح، دلالة على استحباب حصول الإسلام على أدوات الأشياء النافعة الموجودة بالممالك الأجنبية كما هو جار الان بالبلاد الإسلامية الراغبة في تجديد المنافع للحرب والسلم.
وعمل ﷺ بنفسه في حفر الخندق، ولما بدأ ﷺ قال:
بسم الله وبه بدينا «١» ... ولو عبدنا غيره شقينا
يا حبّذا ربّا وحبّ دينا
وقال ﷺ متمثلا بقول ابن رواحة وهو ينقل التراب وقد وارى الغبار عن جلدة بطنه الشريف:
لا همّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا «٢»
يمدّ بها صوته مكررا لها: «أبينا أبينا» .
وروى أن حفر الخندق كان في زمان عسرة ومجاعة، حتى إن الأصحاب- رضى الله عنهم- كانوا يشدّون على بطونهم الحجر من الجهد والجوع الذى بهم، ولبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون زادا، وعن أبى طلحة: «شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه حجرين. ذكره الترمذى في الشمائل، ولهذا أشار صاحب البردة بقوله:
وشدّ من سغب أحشاءه وطوى ... تحت الحجارة كشحا مترف الادم
وهذا منه ﷺ تعليم للأمة للصبر على الجوع، وإلا ففى الحقيقة هو مطعم شبع من فيض مولاه؛ لأنه كان يطعم ويسقى من ربه، وإنما العادات الظاهرية قد تجرى مجراها، ولو في حق الأنبياء، حتى إنه ﷺ في الصوم كان يصير
стр. 327
كالطاعم الريّان، مكرمة له ﷺ ، وإذا حصل له في النادر إذاقة جوع، فإنما كان ذلك على وجه الابتلاء الذى كان يحصل لإخوانه من الأنبياء والمرسلين؛ تعظيما لثوابهم، وإظهارا لجواز الأعراض البشرية عليهم: صلوات الله وسلامه عليهم.
وعن أنس- رضى الله عنه- خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهمّ لا خير إلا خير الاخره ... فبارك في الأنصار والمهاجره
وفي رواية: فأكرم الأنصار والمهاجرة «١» .
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
وفي رواية: «ما حيينا أبدا» .
ولما خطّ رسول الله ﷺ الخندق، قطع لكلّ عشرة أربعين ذراعا، فاختصم المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون:
سلمان منّا ونحن أحق به، وقال الأنصار: سلمان منا ونحن أحق به، فقال رسول الله ﷺ : «سلمان منا أهل البيت» «٢» . ولذلك يشير بعضهم:
لقد رقى سلمان بعد رقّه ... منزلة شامخة البنيان
وكيف لا والمصطفى قد عدّه ... من أهل بيته العظيم الشان
وإنما وقع التخاصم في سلمان- رضى الله عنه- لأنه كان رجلا قويا، يعمل عمل عشرة رجال، وفي رواية: كان يحفر كل يوم خمسة أذرع من الخندق فى عمقها أيضا خمسة أذرع، فعانه «٣» قيس بن صعصعة فصرع وتعطّل من
стр. 328
العمل، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فأمر أن يتوضأ قيس لسلمان ويجمع وضوؤه فى ظرف ويغتسل سلمان بتلك الغسالة ويكفى الإناء خلف ظهره، ففعل، فنشط فى الحال كما ينشط البعير من العقال «١» .
وهو أوّل مشهد شهده سلمان الفارسى مع رسول الله ﷺ .
ومكث ﷺ في عمل الخندق خمسة عشر يوما، وجعل النساء والذرارى في الاطام، وعلى حصن بعض النساء حسان بن ثابت الأنصارى- رضى الله تعالى عنه- وكان من دأبه ألايقتحم المخاوف؛ إما لمانع حسّي، كأن تكون يداه لا تطيقان حمل القناة ومسك عنان الجواد؛ لأنه كان معدّا للتحريض على القتال بحماس شعره الذى هو أحدّ من الات النضال، وكانت وظيفته هجاء المشركين وتأييد الدين، ومع ذلك لم ينسبه أحد من أعدائه إلى الجبن «٢» ، ولم يهجه به، كما قلت:
حسّان كان هماما ... بطعنة الشّعر يوجع
وكيف يجبن شهم ... وسط الحروب يشجّع
فكان عليه مدار عظيم في الحروب وقوة الإسلام، وإن لم يخض في بحر المعامع، ولا كان له فيها اقتحام، ومما يدل على ذلك أنه في بعض الليالى وهو مع النساء اتفق أن يهوديا جعل يطوف بذلك الحصن، فقالت صفية لحسان: لا امن هذا اليهودى أن يدلّ على عورة الحصن، فيأتون إلينا، فانزل فاقتله. فقال حسان- رضى الله عنه-: يا بنت عبد المطلب قد عرفت ما أنا بصاحب هذا، (أى ليس دأبى الحرب) . فلما أيست منه أخذت عمودا ونزلت ففتحت باب الحصن وأتته من خلف فضربته بالعمود حتّى قتلته وصعدت الحصن فقالت: يا حسان انزل إليه فاسلبه؛ فإنه لم يمنعنى من سلبه إلا أنه رجل. فقال: يا ابنة عبد
стр. 329
المطلب ما لى بسلبه حاجة» يعنى أنه لم يقتله، فليس سلبه له، لا أنه جبن عن سلب قتيل كل إنسان يستطيع أن يسلب ما عليه. فمن سمع هذه الحكاية نسبه إلى الجبن الذى لا يليق بحال الصحابة- رضوان الله عليهم- مع أن هذا لا ينتج عن جبنه، وإنما لا يدل على شجاعته، وليست الشجاعة في الحروب صفة لكل إنسان.
وعرض الغلمان وهو يحفر الخندق وكانوا بأجمعهم- من بلغ ومن لم يبلغ- يعملون فيه، فلما التحم الأمر: أمر من لم يبلغ خمس عشرة سنة أن يرجع إلى أهله، وأجاز من بلغ خمس عشرة سنة، فممّن أجازه: عبد الله بن عمر بن الخطاب- رضى الله عنهما- وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب- رضى الله عنهم- وشبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، فصارت كالحصن، وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة- رضى الله عنهما.
ولما فرغ منه ﷺ أقبلت قريش ومن معها من بنى قريظة وقبائل العرب المشركين، واشتدّ البلاء حتّى ظن المؤمنون كلّ الظن، وأقام رسول الله ﷺ والمشركون بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب، إلا الرمى بالنبل والحصار، وكان جماعة من المنافقين مثل أوس القيظي، ومتابعيه ينفرون جيش الإسلام، ويقولون: ارجعوا إلى منازلكم، واعتلّوا بأن منازلكم عورة خالية عن المحافظة، فإنها خارج المدينة، ونحن نخاف أن يظفر بها جيش العدو، وكما أخبر عنه قوله تعالى: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (١٣) [الأحزاب: ١٣] ، وكان المشركون يتناوبون الحرب، لكن الله تعالى لم يمكنهم عبور الخندق؛ فإن شجعان الصحابة كانوا يمنعونهم بالنبال والأحجار، وكان النبى ﷺ بنفسه في الليالى يحرس بعض مواضع.
ثم نصر الله نبيه على المشركين، واختلفت كلمتهم، وهبّت ريح الصبا عاصفة في ليال شديدة البرد كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب: ٩] ، فجعلت الريح تقطع أطناب خيامهم وتكفئ قدورهم وتقلبهم على بعض أمتعتهم ولا
стр. 330
تجاوز عسكرهم، وسفت عليهم التراب ورمتهم بالحصا، وانقلبوا خاسئين، فكان نصره ﷺ بالصبا، وكان إهلاك عاد بالدبور «١» ، (وهى الريح الغربية) . ووقع بينهم الاختلاف، فرحلت قريش مع أبى سفيان، ورحلت غطفان وهم يقولون:
الرحيل الرحيل، لا مقام لكم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «الان نغزوهم ولا يغزونا» وكان كذلك حتّى فتح مكة.
* وظهرت للنبى ﷺ في حفر الخندق معجزات، منها:
١- أن كدية (أى صخرة) اشتدّت عليهم، فدعا بماء وتفل فيه ونضحه عليها فانهالت تحت المساحي «٢» .
روى البيهقى وغيره أنه ﷺ لما خطّ الخندق، وقطع لكل عشر أربعين ذراعا، وأخذوا يحفرون، وظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول، فوجّهوا سلمان إلى رسول الله ﷺ يخبره، فجاءه وأخذ المعول فضربها ضربة فصدعها، وبرق منها بريق أضاء ما بين لابتيها (أى لابتيّ المدينة) فكأن بها مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبّر وكبر المسلمون، وقال: «أضاءت لى منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب» أى في بياضها وصفرتها وانضمام بعضها إلى بعض.
[واللابتان: حرّتان يكتنفانها، والحرّة: كل أرض ذات حجارة سوداء كأنها محترقة من الحر] .
ثم ضرب الثانية، فقال: «أضاءت لى منها القصور الحمر من أرض الروم» .
ثم ضرب الثالثة، فقال: «أضاءت لى قصور صنعاء، وأخبرنى جبريل أن أمتى ظاهرة على كلها» أى الأراضى التى أضاءت «فأبشروا» فقال المنافقون: ألا تعجبون من محمد يمنيكم أيها المؤمنون ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب «٣» (أى المدينة) قصور الحيرة، وأنها تفتح لكم، وإنكم إنما تحفرون الخندق
стр. 331
من الفرق! أى الخوف» فنزل قوله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (١٢) [الأحزاب: ١٢] .
٢- ومنها أن بنت بشير بن سعد أتت بقليل تمر إلى أبيها وخالها عبد الله بن رواحة، فمرت برسول الله ﷺ فدعاها، وقال: هات ما معك يا بنية، فصبّته على كفّيه فما امتلأتا، ثم دعا بثوب فبسط له وبدّد ذلك التمر عليه، ثم قال لإنسان:
اصرخ في أهل الخندق، أن هلمّوا إلى الغداء. فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر «١» أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
ومنها ما رواه جابر، قال: كانت عندى شويهة غير سمينة، فأمرت امرأتى أن تخبز قرص شعير، وأن تشوى تلك الشاة لرسول الله ﷺ ، وكنا نعمل في الخندق نهارا وننصرف إذا أمسينا، فلما انصرفنا من الخندق قلت: يا رسول الله صنعت لك شويهة ومعها شئ من خبز الشعير، وأنا أحب أن تنصرف إلى منزلي. فأمر رسول الله ﷺ من يصرخ في الناس معه: إلى بيت جابر. وأقبل رسول الله ﷺ والناس معه، فقدّم له ذلك، فبرّك وسمّى الله، ثم أكل، وتواردها الناس كلما صدر قوم جاء قوم حتّى صدر أهل الخندق عنها «٢» .
وقال سلمان الفارسي: «كنت قريبا من رسول الله ﷺ ، وأنا أعمل في الخندق، فتغلظ عليّ الموضع الذى كنت أعمل فيه، فلما رأى رسول الله ﷺ شدّة المكان أخذ المعول وضرب بيديه ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب أخرى فلمعت برقة أخرى، ثم ضرب أخرى فلمعت برقة أخرى، قال: فقلت بأبى أنت وأمي، ما هذا الذى لمع تحت المعول؟ فقال: أرأيت ذلك يا سلمان؟ فقلت: نعم، فقال: أما الأولي: فإن الله فتح بها عليّ اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح بها عليّ الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح بها عليّ المشرق» .
* وفرغ رسول الله ﷺ من عمل الخندق، وأقبلت قريش في أحابيشها أى (حلفائها) ومن تبعها من كنانة في عشرة الاف، وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل نجد، وكان بنو قريظة وكبيرهم كعب بن أسيد قد عاهدوه ﷺ ، فما زال
стр. 332
عليهم أصحابهم من اليهود حتّى نقضوا العهد، وصاروا مع الأحزاب، فعظم الخطب حتّى ظن المؤمنون كل الظن كما سبق، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى قضاء الحاجة» . كما قال تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (١١) [الأحزاب: ١٠، ١١] .
وقال ابن عباس: كان الذين جاؤهم من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم قريش وغطفان أ. هـ.
والمراد من فوقهم: من جهة المدينة، ومن أسفل منهم: من جانب أسفل الوادي.
وأقام المشركون بضعا وعشرين ليلة، ورسول الله مقابلهم، وليس بينهم قتال غير المراماة بالنبل والحصار كما سبق، ثم خرج عمرو بن عبد ودّ- من ولد لؤى بن غالب- يريد المبارزة، فبرز إليه عليّ- رضى الله عنه- فقال عمرو:
يا ابن أخي، والله ما أحبّ أن أقتلك، فقال علي: لكننى والله أحب أن أقتلك.
فحمي عمرو، ونزل من على فرسه وسلّ سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو عليّ مغضبا، ثم التقيا، فاستقبله عليّ بدرقته فضربه فقدّها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجّه، وضربه عليّ على حبل عاتقه فسقط وأثار العجاج «١» ، وسمع النبيّ ﷺ التكبير، فعرف أن عليا قتله، وانكشفت الغبرة، وإذ علا عليّ صدر عمرو يذبحه، ثم أهبّ الله ريح الصبا، إلى اخر ما سبق ذكره.
ثم أقبل عليّ ووجهه يتهلل، ولم يكن في العرب درع مثل درع عمرو، فخرجت خيولهم منهزمة، وألقى عكرمة بن أبى جهل رمحه يومئذ، وهو منهزم عن عمرو، وخرج في إثرهم الزبير وعمر فناوشوهم ساعة، وحمل الزبير على رجل منهم «٢» فشقه نصفين، وقطع سرجه حتّى وصل إلى كاهل الفرس، فقيل له: ما رأينا مثل سيفك! فقال: ما هو السيف، إنه الساعد. ثم اتفق الكفار على أن يحملوا جميعا ولم يتخلف منهم أحد، فوافوا رسول الله عند طلوع الشمس وأحدقوا
стр. 333
بالخندق من كل وجه، ووجّهوا نحو خيمته كتيبة عظيمة فيها خالد بن الوليد، فقاتلوهم يومئذ إلى هويّ «١» الليل حتّى كشفهم الله وتفرقوا، وشغل المصطفى عن العصرين «٢» والعشاءين، فأقام لكلّ إقامة، وقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قلوبهم نارا» «٣» . ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا، وتفرّق الأحزاب بتخذيل نعيم بن مسعود الأشجعى الذى أتى إلى رسول الله ﷺ مسلما، ولم يعلم قومه، وأمره ﷺ بالتخذيل، حيث قال له: «خذّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة «٤» (بفتح الحاء وسكون الدال أى ينقضى أمرها بالمخادعة) .
وقال ضرار بن الخطاب بن مرداس، أخو بنى محارب بن فهر في يوم الخندق، يمدح قومه، ويعتذر عن الهزيمة:
ومشفقة تظن بنا الظنونا ... وقد قدنا عرندسة طحونا «٥»
كأنّ زهاءها أحد إذا ما ... بدت أركانه للناظرينا
ترى الأبدان فيها مسبغات ... على الأبطال واليلب «٦» الحصينا
وجردا كالقداح مسوّمات ... نؤمّ بها الغواة الخاطئينا
كأنهم إذا صالوا وصلنا ... بباب الخندقين مصافحونا
أناس لا ترى فيهم رشيدا ... وقد قالوا: ألسنا راشدينا؟
وأحجرناهم شهرا كريشا «٧» ... وكنّا فوقهم كالقاهرينا
نراوحهم ونغدو كل يوم ... عليهم في السلاح مدجّجينا
стр. 334
بأيدينا صوارم مرهفات ... نقدّ بها المفارق والشئونا «١»
كأن وميضهنّ معريّات ... إذا لاحت بأيدي مصلتينا
وميض عقيقة «٢» لمعت بليل ... تري فيها العقائق مستبينا
فلولا خندق كانوا لديه ... لدمّرنا عليهم أجمعينا
ولكن حال دونهم وكانوا ... به من خوفنا متعوّذينا
فإن نرحل فإنّا قد تركنا ... لدي أبياتكم سعدا رهينا
إذا جنّ الظلام سمعت نوحا «٣» ... علي سعد يرجّعن «٤» الحنينا
وسوف نزوركم عمّا قريب ... كما زرناكم متوازرينا
بجمع من كنانة غير عزل ... كأسد الغاب قد حمت العرينا
فأجابه كعب بن مالك- ﵁ فقال:
وسائلة تسائل ما لقينا ... ولو شهدت رأتنا صابرينا
صبرنا لا نري لله عدلا «٥» ... علي ما نابنا متوكلينا
وكان لنا النبيّ وزير صدق ... به تعلو البريّة أجمعينا
نقاتل معشرا ظلموا وعقّوا ... وكانوا بالعداوة مرصدينا
نعاجلهم إذا نهضوا إلينا ... بضرب يجعل المتسرّعينا
ترانا في فضافض سابغات ... كغدران* الملا متسربلينا
وفي أيماننا بيض خفاف ... بها نشفي مراح «٦» الشاغبينا
بباب الخندقين كأنّ أسدا ... شوابكهن «٧» تحمين العرينا
стр. 335
فوارسنا إذا بكروا وراحوا ... علي الأعداء شوسا معلمينا
لننصر أحمدا والله حتي ... نكون عباد صدق مخلصينا
ويعلم أهل مكة حين ساروا ... وأحزاب أتوا متحزّبينا
بأنّ الله ليس له شريك ... وأنّ الله مولي المؤمنينا
فإمّا تقتلوا سعدا سفاها ... فإنّ الله خير القادرينا
سيدخله جنانا طيبات ... تكون مقامة للصالحينا
كما قد ردّكم فلا «١» شريدا ... بغيظكم خزايا خائبينا
خزايا لم تنالوا ثمّ خيرا ... وكدّتم أن تكونوا دامرينا»
بريح عاصف هبّت عليكم ... فكنتم تحتها متكمّهينا «٣»
وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم الخندق وبنى قريظة «حم حم لا ينصرون» كذا في سيرة ابن هشام.
* وفي شهر ذى القعدة وصدر* ذى الحجة من هذه السنة كانت غزوة بنى قريظة «٤» : وهم قوم من اليهود بالمدينة من حلفاء الأوس، وسيد الأوس حينئذ سعد بن معاذ- رضى الله تعالى عنه-.
لما رجع ﷺ من الخندق، وكان وقت الظهيرة ودخل بيت عائشة- رضى الله تعالى عنها- فبينما هو يغتسل، ودعا بالمجمرة ليتبخر، أتاه جبريل ﵉ بعد صلاة الظهر، فقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: ما وضعت ملائكة الله السلاح منذ نزل بك العدوّ «٥» ؛ إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة، فإني عامد إليهم بمن معى من
стр. 336
الملائكة، فمزلزل بهم الحصون، فقال ﷺ : إن في أصحابى جهدا فلو أنظرتهم أياما. فقال جبريل ﵇: انهض إليهم، فو الله لأدقّنهم كدقّ البيض على الصفا، (وكان جبريل على فرس أبلق) ، فقال: ولأدخلنّ فرسى هذا عليهم في حصونهم، ثم لأضعضعنّها. فأدبر جبريل ﵇ ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم وهم طائفة من الأنصار، فأبرز «١» رسول الله ﷺ بلالا فأذّن في الناس: «من كان سميعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بنى قريظة» ، وأعطى ﷺ الراية عليّ بن أبى طالب، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ونادى مناد بأمره ﷺ : «يا خيل الله اركبي» «٢» .
ثم سار إليهم ﷺ وقد لبس سلاحه وركب فرسه، والناس حوله قد لبسوا السلاح، وركبوا الخيل، وهم ثلاثة الاف، والخيل ستة وثلاثون فرسا، له ﷺ منها ثلاثة، وقدّم ﷺ عليّ بن أبى طالب كرم الله وجهه برايته إلى بنى قريظة، ومر ﷺ بنفر من بنى النجار قد لبسوا السلاح، فقال: هل مرّ بكم أحد؟ قالوا: نعم دحية الكلبى مر على فرس أبيض عليه اللأمة، وأمرنا بحمل السلاح، وقال لنا:
رسول الله ﷺ يطلع عليكم الان، فلبسنا سلاحنا وصففنا. فقال ﷺ : ذلك جبريل ﵇ بعث إلى بنى قريظة ليزلزل حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم، فلما دنا عليّ بن أبى طالب- رضى الله عنه- من الحصن ومعه نفر من المهاجرين والأنصار، وغرز اللواء عند أصل الحصن، سمع من بنى قريظة مقالة قبيحة في حق النبى ﷺ ، فسكت المسلمون، وقالوا: السيف بيننا وبينكم، فلمّا رأى عليّ- رضى الله عنه- رسول الله ﷺ مقبلا، أسلم اللواء لأبى قتادة الأنصاري، ورجع إليه ﷺ فقال: يا رسول الله، لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأجانب، قال: لعلك سمعت منهم أذي؟ فقال: نعم يا رسول الله، قال: لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا. فكان كما قال ﷺ ، وحاصر رسول الله ﷺ بنى قريظة خمسا وعشرين ليلة، وقيل دون ذلك، وكان طعام الصحابة- رضى الله عنهم التمر، يرسل به إليهم سعد بن عبادة- رضى الله عنه- فلا زال يحاصرهم
стр. 337
حتى جهداهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فلما أيقنوا أنه ﷺ غير منصرف عنهم حتّى يقاتلهم، قال كبيرهم «كعب بن أسيد» : يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وأنا عارض عليكم خلالا ثلاثا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟ قال: «نتابع هذا الرجل ونصدّقه، فو الله لقد تبين لكم أنه نبيّ مرسل، وأنه الذى تجدونه في كتابكم، فإذا امنتم به أمنتم على أموالكم ودمائكم ونسائكم وأبنائكم، وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب، حيث لم يكن هذا النبى من بنى إسرائيل» . وكان يهود بنى قريظة يدرسون ذكر رسول الله ﷺ في كتبهم، وأنّ دار هجرته المدينة، بل كان هذا غير خاص ببنى قريظة؛ إذ غيرهم كان كذلك، فقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «كانت يهود بنى قريظة، وبنى النضير، وفدك، وخيبر، يجدون في كتبهم صفة النبى ﷺ قبل أن يبعث، وأن دار هجرته المدينة» .
قال كعب: فإن أبيتم عليّ هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين* السيوف، ولم نترك وراءنا ثقلا حتّى يحكم الله بينا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا يخشى عليه، وإن نظفر فلعمرى لنجدن النساء والأبناء. قالوا: «نقتل هذه المساكين» ؟ فما خير العيش بعدهم» ؟ قال كعب: فإن أبيتم عليّ هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وأن عسى أن يكون محمد وأصحابه قد آمنوا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرّة (أى غفلة) . فقالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن يحدث فيه من كان قبلنا؟ وقال لهم عمرو بن سعد: قد خالفتم محمدا فيما عاهدتموه عليه، ولم أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية وأعطوا الجزية، فو الله ما أدرى أيقبلها أم لا، قالوا: نحن لا نقر للعرب بخراج في رقابنا يأخذونه، القتل خير من ذلك، قال: فإني برئ منكم.
وبعد الحصار أرسلوا بنباش بن قيس إلى رسول الله ﷺ أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير، من أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة «أى الدرع» ، فأبى ﷺ ، فأرسلوه ثانيا بأنه لا حاجة لهم بشئ من الأموال، لا من الحلقة ولا من
стр. 338
غيرها، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فعاد نباش إليهم بذلك، ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة، وهو رفاعة بن المنذر، لنستشيره في أمرنا؛ لأنه كان من حلفاء الأوس وبنو قريظة (منهم) «١» وكان مناصحا لهم؛ لأن ماله وولده وعياله كانت في بنى قريظة، فأرسله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وأسرع إليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه من شدّة المحاصرة وتشتيت مالهم، وقام كعب بن أسيد، فقال لأبى لبابة: قد عرفت ما بيننا، وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا، ومحمد لا يفارق حصننا حتّى ننزل على حكمه، فلو زال عنا لحقنا بالشام أو خيبر، ولم نطأ له أرضا، ولم نكثر عليه جمعا أبدا، ما تري؟ قد اخترناك على غيرك، أننزل على حكم محمد؟ قال: نعم فانزلوا، وأشار بيده إلى حلقه إشارة إلى الذبح، ومعناه لا تفعلوا لئلا يذبحكم، قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماى من مكانهما حتّى عرفت أنى خنت الله ورسوله؛ لأن في قولى تنفيرا لهم عن الانقياد له ﷺ .
ومن ثم أنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [الأنفال: ٢٧] الاية، وقيل: (وهذا أثبت) «٢» أنه نزل في ذلك: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً [التوبة: ١٠٢] ، وسالت عين أبى لبابة بالدموع، وانطلق على وجهه، فلم يأت رسول الله ﷺ ، وربط نفسه إلى عمود بالمسجد يقال له:
«اسطوانة التوبة» كان أكثر نفله ﷺ عنده، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ مما صنعت. وعاهد الله ألايطأ أرض بنى قريظة أبدا ولا يرى في بلد خان الله ورسوله فيه أبدا. فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره، وكان قد استبطأه، قال: أما لو جاءنى لاستغفرت له، وأما بعد أن فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه حتّى يتوب الله عليه، فنزلت توبته، فتولى النبى إطلاقه بيده بعد أن أقام مرتبطا بالجذع ست ليال لا يحلّ إلا للصلاة.
ثم إن بنى قريظة نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فأمر بهم فكتّفوا وجعلوا ناحية بين الستمائة والسبعمائة، وأخرج النساء والذرارى من الحصون، وجعلوا
стр. 339
ناحية، وكانوا ألفا، واستعمل عليهم عبد الله ابن سلام، فتواثبت الأوس، وقالوا: يا رسول الله موالينا وحلفاؤنا، وقد فعلت في موالى إخواننا بالأمس ما قد فعلت، (يعنون بنى قينقاع) ، لأنهم كانوا حلفاء الخزرج، ومن الخزرج عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكانوا قد نزلوا علي حكم رسول الله ﷺ فكلّمه فيهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فوهبهم له، على أن يجلوا، (فطلبت) «١» الأوس من رسول الله ﷺ أن يهب لهم بنى قريظة كما وهب بنى قينقاع لإخوانهم من الخزرج، فلما كلمته الأوس أبى أن يفعل ببنى قريظة ما فعل ببنى قينقاع، ثم قال لهم: أما ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: نختار حكم سعد بن معاذ- رضى الله عنه- فرضى بذلك رسول الله ﷺ ، وأذن لسعد بن معاذ، وليس إذنه ﷺ لسعد بن معاذ في ذلك لكونه لا يجوز له ﷺ الحكم بينه وبين محاربه، بل هو جائز له؛ فإنّ من خصائصه ﷺ أن يحكم لنفسه، فلأن يحكم بينه وبين محاربه من باب أولي، ومعنى الحكم بينه وبين محاربه أن يقول للمحارب:
أترك قتالك على التزام كذا وكذا، أو على ما يقتضيه رأى فلان، ويحكم به فيك، ومن هذا القبيل تحكيم سعد بن معاذ في بنى قريظة بأمر النبى ﷺ ، فالتحكم في المحاربين من خصائص الإمام الأعظم «٢» ، ومن حقوقه؛ فلا يجوز لأحد أن يفتات عليه، ولا أن يفعله بغير إذنه، فالحكم في الحقيقة حقه ﷺ ، وقد ردّه إلى سعد وفوّض له فيه. وكان سعد بن معاذ- رضى الله عنه- حين أصابه السهم بالخندق وضع في خيمة في المسجد تداوى فيها الجرحى من أصحابه، فأتاه قوم فحملوه على حمار وساروا به وهم يقولون: «يا أبا عمرو أحسن في مواليك؛ فإن رسول الله ﷺ إنما ولّاك ذلك لتحسن فيهم، فقد رأيت عبد الله بن أبيّ ابن سلول وما صنع في حلفائه» ، كل ذلك وسعد بن معاذ ساكت، فلما أكثروا عليه قال- رضى الله عنه: «لقد ان لسعد ألاتأخذه في الله لومة لائم» ، فقال بعضهم:
стр. 340
«وا قوماه» ، فأتى سعد على حمار، فلما دنا قريبا من باب المسجد، وانتهى رضى الله عنه إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين وهم حوله جلوس، قال رسول الله ﷺ للأنصار: قوموا إلى سيدكم «١» ، فقاموا صفين، كل رجل منهم يحيّى سعدا، حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: احكم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحقّ بالحكم، قال ﷺ : قد أمرك الله أن تحكم فيهم، فقال سعد لبنى قريظة: أترضون بحكمي؟
قالوا: نعم، فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه أنّ الحكم ما حكم به سعد، قال سعد:
فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسّم الأموال، وتسبي الذرارى والنساء، فقال رسول الله ﷺ لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات» «٢» .
وما أحسن قول من قال:
ليت دهري حاكم لي ... في عدوّي ليغيظه
وهو قد يحكم يوما ... حكم سعد في قريظة
وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: دمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطع الجلد، فحسمه* رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده فنزف، فلما رأى ذلك قال: «اللهم لا تخرج نفسى حتّى تقرّ عينى من بنى قريظة» ، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة حتّى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه، فحكم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم ليستعين بهم المسلمون، فقال رسول الله ﷺ : «أصبت حكم الله فيهم» ، فلما فرغ منهم انفتق عرقه فمات رضى الله عنه، كما سيأتى قريبا. وينسب لحسان بن ثابت في رثائه قوله:
لقد سجمت «٣» من دمع عينى عبرة ... وحقّ لعيني أن تفيض علي سعد
قتيل ثوى في معرك فجعت به ... عيون ذراري «٤» الدّمع دائمة الوجد
على ملّة الرحمن «٥» وارث جنّة ... مع الشهدا، وفدها أكرم الوفد
فإن تك قد ودّعتنا وتركتنا ... وأمسيت في غبراء مظلمة اللّحد
стр. 341
فأنت الذى يا سعد بتّ بمشهد ... كريما وأثواب المكارم والحمد
بحكمك في حيّى قريظة والذي ... قضى الله فيهم ما قضيت على عمد
فوافق حكم الله حكمك فيهم ... ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد
فإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى ... شروا هذه الدنيا بجنّاتها الخلد
فنعم مصير الصادقين إذا دعوا ... إلى الله يوما للوجاهة والقصد
ثم أمر ﷺ أن يجمع ما وجد في حصونهم، فقسّمه ﷺ ، فجعل للفارس ثلاثة أسهم: سهما له، وسهمين لفرسه، وللراجل سهما؛ وكانت خيل المسلمين يومئذ ستة وثلاثين فرسا، ووقع في سهم النبى ﷺ من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن حذافة- من بنى عمرو بن قريظة- ويقال ريحانة بنت شمعون، فلم تزل في ملكه حتّى مات رسول الله ﷺ . وأمر بالأسارى أن يكونوا في دار زيد بن أسامة رضى الله عنه- والذرية في دار ابنة الحارث النجّارية؛ لأن تلك الدار كانت معدودة لنزول الوفود من العرب، وأمر بالمتاع أن يحمل، وترك المواشى هناك ترعى الشجر، ثم غدا ﷺ سائرا إلى المدينة، ثم خرج إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، أى حفر فيها حفائر، ثم أمر بقتل كلّ من أنبت- أى بلغ- فجاؤا إليه أرسالا تضرب أعناقهم ويلقون في تلك الخنادق، وقتلت فيهم امرأة واحدة، وهى بنانة امرأة الحكم القرظي، وكانت طرحت على خلاد بن سويد بن الصامت رحى من فوق الحائط، فاستشهد واحده في هذه الغزوة، فقال رسول الله ﷺ : «له أجر شهيدين» وقتلها به قصاصا، لا لكونها كانت في قتال المشركين.
ومما يستشهد به الفقهاء في كتب الفقه «١» فى قتال المشركين، على أن المرأة لا تقتل- كما قاله اليافعى- قول أبى الخطاب عمر بن أبى ربيعة القرشى المخزومي:
إنّ من أكبر الكبائر عندي ... قتل بيضاء خودة عطبول
كتب القتل والقتال علينا ... وعلي الغانيات جرّ الذيول
стр. 342
ثم أتى بكعب بن أسد: سيد بنى قريظة، فقال له كعب- بعد أن عرض عليه الإسلام-: «لولا أن تعايرنى يهود بالجزع من السيف لاتبّعتك» ، فأمر ﷺ بضرب عنقه.
وكان المتولى لقتل بنى قريظة عليّ بن أبى طالب، والزبير بن العوّام- رضى الله تعالى عنهما- وينسب لحسان بن ثابت قوله:
لقد لقيت قريظة ما أساها «١» ... وما وجدت لذلّ من نصير
غداة أتاهم يهوي إليهم ... رسول الله كالقمر المنير
له خيل مجنّبة تغادي ... بفرسان عليها كالصقور
تركناهم وما ظفروا بشئ ... دماؤهم عليهم كالغدير
فهم صرعي يحوم الطير فيهم ... كذاك يدان ذو العند الفجور
فأنذر مثلها نصحا قريشا ... من الرحمن إن قبلت نذيري
وقوله:
لقد لقيت قريظة ما أساها ... وحلّ بحصنها ذلّ ذليل
وسعد كان أنذرهم بنصح ... بأنّ إلهكم ربّ جليل
فما برحوا بنقض العهد حتي ... غزاهم «٢» في بلادهم الرسول
أحاط بحصنهم منّا صفوف ... له من حرّ وقعهم صليل*
ولما انقضى شأن بنى قريظة، قال رسول الله ﷺ : «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» فكان كذلك.
وانفجر جرح سعد بن معاذ الذى في يده، وسال الدم، واحتضنه ﷺ ، فجعلت
стр. 343
الدماء تسيل على رسول الله ﷺ ، وحمل إلى منزله، فمات سعد منه ولم يعلم «١» ﷺ بموته، فأتى جبريل فقال: يا محمد، من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء واهتزّ له العرش فرحا به؟ فقام رسول الله ﷺ سريعا إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات، ولما دفن سعد- رضى الله عنه- وشيّعه النبى ﷺ ومن معه من الصحابة والملائكة، سبّح ﷺ وسبّح الناس معه، فقالوا: يا رسول الله: لم سبّحت؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتّى فرّجه الله عنه، وسئل ﷺ عن ذلك، فقال: كان يقصّر في الطهور من البول بعض التقصير.
* ثم بعث رسول الله ﷺ بسبايا بنى قريظة إلى نجد أو الشام لتباع ويشترى بها سلاح.
ونهى رسول الله ﷺ أن يفرّق بين الأم وولدها في السبايا من بنى قريظة، وقال: لا يفرّق بين أمّ وولدها حتّى يبلغ. فكانت أمّ الولد تباع من المشركين هى وولدها، وهو محمل قوله ﷺ : «من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» «٢» .
* وفي هذه السنة الرابعة في صفر قدم عليه ﷺ قوم من عضل والقارة (عضل بفتح المهملة والمعجمة بعدها لام: بطن من بنى الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ينسبون إلى عضل بن الديش، والقارة بالقاف وتخفيف الراء: بطن من الهون أيضا ينسبون إلى الديش المذكور، وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء فيها حجارة، كأنهم نزلوا عندها فسمّوا بها، كذا في المواهب اللدنية) وطلبوا منه أن يبعث معهم من يفقّه قومهم في الدين، فبعث معهم ستة، وهم: ثابت بن أبى الأفلح، وخبيب بن عدي، ومرثد بن أبى مرثد الغنوي، وخالد بن البكير الليثي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وأمّر عليهم مرثد بن أبى مرثد، فلما وصلوا إلى الرجيع (ماء لهذيل على أربعة عشر ميلا من عسفان) غدروا بهم وقاتلوهم، فقتل ثلاثة وأسر ثلاثة، وهم: زيد،
стр. 344
وخبيب، وعبد الله بن طارق، فأخذوهم إلى مكة، فهرب عبد الله بن طارق في الطريق، وقاتل إلى أن قتلوه بالحجارة، فلما وصلوا إلى مكة في ذى القعدة حبسوا كلّ واحد منهما حتّى تخرج الأشهر الحرم، ولما انسلخ الأشهر الحرم أخرجوا خبيبا وزيدا من الحرم إلى التنعيم ليقتلوهما في الحلّ، واجتمع خبيب وزيد في الطريق فتواصوا بالصبر والثبات على ما يلحقهما من المكاره، قال لهم خبيب:
دعونى أصلّي ركعتين، فتركوه، فصلّى ركعتين، وقال: والله لولا أن تحسبوا أنّ ما بى من جزع لزدت. وعند موسى بن عقبة أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم وقال: «اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا (يعنى متفرقين) «١» ولا تبق منهم أحدا» . فلم يحل الحول، ومنهم أحد حيّ، ثم أنشأ خبيب يقول:
فلست أبالي حين أقتل مسلما ... علي أيّ شقّ كان في الله مضجعى
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك علي أوصال شلو* ممزّع
إلي الله أشكو غربتى بعد كربتى ... وما أرصد الأحزاب لى عند مصرعى
[الأوصال: جمع وصل، وهو العضو. والشلو: بكسر الشين المعجمة الجسد، ويطلق على العضو، لكن المراد بها هنا الجسد] .
قال أبو هريرة: «كان خبيب أوّل من سنّ الركعتين عند القتل لكلّ مسلم قتل صبرا» ، لأنه فعلهما في حياته ﷺ ، فاستحسن ذلك من فعله وقرّرهما، واستحسنه المسلمون، فبقى سنة. والصلاة خير ما ختم به عمل العبد.
* وفي هذه السنة أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت بتعلّم «٢» السريانية، وسيأتى ذلك موضحا في تراجمة النبى- ﵊.
* وفي هذه السنة الرابعة، وقيل في الخامسة نزلت اية الحجاب، والمراد بالاية الطائفة من القران نزل فيها الأمر بالستر، وهى قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٣] ، أى «الزمن بيوتكن» وَلا تَبَرَّجْنَ قيل: هو التكسّر والتبختر،
стр. 345
وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قيل إن الجاهلية الأولي: بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقيل: هى زمن داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، كانت المرأة تلبس قميصا من الدروع غير مخيط من الجانبين، فيرى خلفها منه، وقيل: الجاهلية الأولى ما قبل الإسلام، والجاهلية الاخرى يفعلون مثل فعلهم اخر الزمان، وقيل: قد تذكر الأولى ولا تستلزم أخرى كقوله تعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) [النجم: ٥٠] ، ولم تكن لهم أخرى، ونزل فيها أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب: ٥٣] ، قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الاية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول الله ﷺ ، قال أنس بن مالك رضى الله عنه: كنت ابن عشر سنين مقدم رسول الله) المدينة، فخدمته عشر سنين، وتوفى رسول الله ﷺ وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أوّل ما نزل في مبتنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، حين أصبح النبيّ بها عروسا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقى رهط عند النبى ﷺ فأطالوا المكث، فقام رسول الله ﷺ وخرج وخرجت معه، لكى يخرجوا، فمشى النبى ﷺ ومشيت حتّى جاء عتبة حجرة عائشة- رضى الله تعالى عنها- وظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع النبى ﷺ ورجعت معه، حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة، وظنّ أنهم خرجوا فرجع ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب النبى ﷺ بينى وبينه الستر، ونزلت اية الحجاب.
قال أبو عثمان (واسمه الجعد) عن أنس قال: فدخل- يعنى النبى ﷺ البيت وأرخى الستر، وإنى لفى الحجرة وهو يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:
٥٣] ، وهذا أدب من الله أدّب به الثقلاء. قال ابن عباس: نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك «١» ، يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله ﷺ يتأذى بهم فنزلت الاية:
стр. 346
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلى قوله: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ أى سألتم نساء النبى ﷺ حاجة فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أى من وراء ستر يستركم عنهن، فبعد اية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر* امرأة من نساء رسول الله ﷺ :
متنقبة كانت أو غير متنقبة، ونزل فيها أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩] ، والجلابيب جمع جلباب، وهى الملاءة التى تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقيل: هى كل ما يستتر به من كساء وغيره، قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤسهن ووجوههن بالجلابيب، إلا عينا، ليعلم أنهنّ حرائر، وهو قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب: ٥٩] ، أى لا يتعرّض لهن، بخلاف الإماء فلا يغطّين وجوههن، وكان المنافقون يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيتبعون المرأة، فإن سكتت اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء، ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة؛ لأن زى الكل واحد، تخرج الحرة والأمة فى درع وخمار، فشكون ذلك لأزواجهن، فذكروا ذلك للنبى ﷺ ، فنزل: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ... الاية، ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء «١» بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ..... قال أنس: «مرّت بعمر بن الخطاب
стр. 347
جارية متقنعة، فعلاها بالدرّة، وقال: (يا لكاع أتتشبهين بالحرائر؟! ألقى القناع) ولكاع كلمة تقال لمن يستحقر به مثل: العبد، والأمة، والقليل العقل، مثل قولك:
يا خسيس «١» .
* وفي هذه السنة توفيت فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف- أم على ابن أبى طالب رضى الله عنه- أسلمت وتوفيت مسلمة بالمدينة.
стр. 348
الفصل الخامس فى ظواهر السنة الخامسة وما فيها من الغزوات
* قد سبق أن غزوة ذات الرقاع، ولو ذكرت في ظواهر سنة أربع، إلا أنه كما تقدم صحّح بعضهم أنها كانت في سنة خمس.
* وفي هذه السنة كانت غزوة دومة الجندل «١» :
(بضم الدال المهملة وبعدها واو ساكنة فميم مفتوحة فهاء) مضاف إلى الجندل (بفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة، اخره لام) بلد بين الحجاز والشأم، وهو أوّل غزوات الشأم، علي عشر مراحل»
من المدينة، وعشرين من الكوفة، وثمان من دمشق، واثنتى عشرة من مصر، سميت بدومى بن إسماعيل، كان نزلها، وكانت بعد غزوة ذات الرقاع بشهرين وأربعة أيام، بناء علي ما صحح النووي من أن ذات الرقاع كانت في سنة خمسة، وصاحب دومة الجندل يسمى «أكيدر» ، ويقال: إن منزل أكيدر كان أولا في دومة الحيرة، وكان يزور أخواله من كلب، فخرج معهم للصيد فرفعت له مدينة متهدمة لم يبق إلا حيطانها مبنية بالجندل، فأعاد بناءها وغرس الزيتون وغيره فيها، وسمّوها دومة الجندل للفرق بينها وبين دومة الحيرة، وكان «أكيدر» يتردد بينهما.
ويزعم بعضهم أن تحكيم الحكمين بين على ومعاوية كان بدومة الجندل.
وسببها أنه ﷺ بلغه أن بها جمعا كثيرا يظلمون من مرّ بهم، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فندب الناس واستخلف علي المدينة سبّاع بن عرفطة- بضم العين المهملة- الغفاري، وخرج إليها لخمس ليال بقين من ربيع الأوّل وفي ألف، يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بني عذرة يقال له «مذكور»
стр. 349
رضى الله عنه، فلما دنا منهم جاء إليهم الخبر فتفرقوا، فهجم علي مشاتهم ورعاتهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب، ونزل رسول الله ﷺ بساحاتهم فلم يلق بها أحدا، وبعث السرايا فرجعت ولم تلق منهم أحدا، ورجعت كل سرية بإبل، وأخذ محمد بن مسلمة رجلا منهم وجاء به إلي النبى ﷺ ، فسأله رسول الله ﷺ عنهم، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم. فعرض ﷺ عليه الإسلام فأسلم.
ورجع ﷺ إلى المدينة ولم يلق حربا.
* وفي رجوعه وادع- أى صالح- عيينة بن حصن، واسمه حذيفة الفزاري: أن يرعى بمحل بينه وبين المدينة ستة وثلاثون ميلا؛ لأن أرضه كانت أجدبت، ولما سمن حافره وخفّه وانتقل إلى أرضه، عدا علي لقاح رسول الله ﷺ بالغابة، وقيل له «عيينة» لأنه أصابته لقوة «١» فجحظت عيناه، فسمى عيينة، وعيينة هذا أسلم بعد الفتح وشهد حنينا والطائف، وكان من المؤلّفة «٢» ، ودخل علي النبى ﷺ بغير إذن وأساء الأدب فصبر النبى ﷺ علي جفوته، وقال فيه ﷺ : «إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه» «٣» ، وقيل إن ذلك إنما قيل في مخرمة بن نوفل، ولا مانع من تعدد ذلك. وقد ارتد عيينة بعد ذلك في زمن الصدّيق رضى الله عنه، فإنه لحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ وامن به، فلما هرب طليحة أسره خالد بن الوليد رضى الله عنه، وأرسل به إلى الصدّيق في وثاق، فلما دخل المدينة صار أولاد المدينة ينخسونه بالحديد، ويضربونه، ويقولون: أي عدوّ الله كفرت بالله بعد إيمانك، فيقول: والله ما كنت امنت. فمنّ عليه الصديق، فأسلم، ولم يزل مظهرا للإسلام.
* وفي غيبته ﷺ في هذه الغزوة ماتت أم سعد بن عبادة (عمرة بنت مسعود) من المبايعات، وكان ابنها رضى الله عنه معه ﷺ . ولما قدم ﷺ المدينة صلّى
стр. 350
علي قبرها، وذلك بعد شهر، وقال له سعد: يا رسول الله أتصدّق عنها؟ قال:
نعم، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: الماء. فحفر بئرا، وقال: هذه لأم سعد رضى الله عنها «١» .
* وفي هذه السنة غزوة بنى لحيان بن هذيل بن مدركه:
(بكسر اللام وفتحها) قبيلة من هذيل، لما وقعت وقعة عاصم بن ثابت وخبيب بن عدى وغيرهما من الصحابة الذين قتلتهم هذيل، وجد «٢» النبى وجدا شديدا على أصحابه المقتولين بالرجيع، وأراد أن ينتقم منهم، فأمر أصحابه بالتهيؤ، وخرج رسول الله ﷺ في جمادى الأولى من السنة الخامسة لستة أشهر من فتح بني قريظة، فقصد بنى لحيان يطالب بثأر عاصم بن ثابت وخبيب بن غدى (أهل الرجيع «٣» ) ، وذلك إثر رجوعه من «دومة الجندل» ، فسلك علي طريق الشأم أولا ليصيب من القوم غرّة، وعسكر في مائتى رجل، ومعهم عشرون فرسا، ثم أخذ ذات اليسار إلي صخيرات «٤» اليمام ثم رجع إلي طريق مكة وأجدّ السير حتي نزل غران «٥» (بضم المعجمة وفتح الراء وهي منازل بنى لحيان، وهو واد بين امج «٦» وعسفان، وبينه وبين عسفان خمسة أميال) حيث كان مصاب أصحاب الرجيع، واستغفر لهم، وأقام هناك يوما أو يومين يبعث السرايا في كل ناحية، فوجد بنى لحيان قد حذروا وتمنّعوا في رؤس الجبال،
стр. 351
وفاتته الغرّة فيهم، فخرج في مائتى راكب إلى المدينة، ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عن المدينة أربع عشرة ليلة.
قال جابر رضى الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ حين وجه إلى المدينة يقول:
«ايبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر (أي مشقته) ، وكابة المنقلب (أي حزن المنقلب) ، وسوء المنظر في الأهل والمال» .
ومنها خرج لغزوة الغابة المعروفة ب «غزوة ذي قرد» «١» .
واستعمل في غزوة بنى لحيان علي المدينة ابن أم مكتوم.
وبعض أهل السير جعل غزوة «بنى لحيان» في شهر ربيع الأوّل سنة ست، والصحيح أنها كانت في جمادى الأولى من السنة الخامسة، علي رأس ستة أشهر من «فتح بنى قريظة» .
* وفي هذه السنة لما رجع ﷺ من بنى لحيان، وقف علي الأبواء وزار قبر أمه «٢» .
* وفيها فكّ رسول الله ﷺ سلمان الفارسى رضى الله عنه عن الرق، وكان إسلامه في السنة الأولى من الهجرة.
* وفيها انخسف القمر في جمادى الآخرة، فصلّى بهم النبى ﷺ صلاة الخسوف حتّى انجلي القمر.
стр. 352
الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة كانت غزوة «الغابة» وتعرف بذى قرد:
والغابة: الشجر الملتف، وذى قرد بفتح القاف والراء، وبالدال المهملة، وقيل:
بضم القاف وفتح الثاني: موضع علي ميلين من المدينة علي طريق خيبر.
كانت هذه الغزوة في السنة السادسة من الهجرة، بعد غزوة بنى لحيان.
وقال البخارى: كانت قبل خيبر بثلاثة أيام، وفي مسلم نحوه، ولكن إجماع أهل السير علي خلافهما «١» . وهى الغزوة التى أغار فيها عيينة بن حصن في خيل من غطفان وفزارة علي لقاح رسول الله ﷺ بالغابة قبل خيبر، وكانت اللقاح عشرين لقحة، واللقحة: ذات اللبن القريبة من الولادة، وكان أوّل من علم بهم سلمة بن الأكوع الأسلمى رضى الله تعالى عنه؛ فإنه غدا يريد الغابة متوشحا قوسه، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس لطلحة يقوده، فلقى غلاما لعبد الرحمن بن عوف، فأخبره أن عيينة بن حصن قد أغار علي لقاح رسول الله ﷺ في أربعين فارسا من غطفان، فخرج سلمة يقتفى أثر القوم كالسّبع، وكان يسبق الفرس جريا، حتى لحق بهم، فجعل يردهم بالنبل، ويقول إذا رمي:
خذها وأنا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرّضّع
(أى يوم هلاك اللئام)
فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا، وكانت إذا دخلت الخيل في بعض مضايق الجبل يعلو سلمة الجبل ويرميهم بالحجارة، حتى خففوا رحلهم بإلقاء كثير من الرماح والبرد «٢» .
стр. 353
ولما بلغ رسول الله ﷺ صياح ابن الأكوع صرخ بالمدينة: «الفزع الفزع! يا خيل الله اركبي» .
فنادى ﷺ بذلك، كما نادي في غزوة بنى قريظة.
وأوّل من انتهى إلى رسول الله ﷺ من الفرسان المقداد بن الأسود رضى الله عنه، وعقد ﷺ لهذا الأمير لواء في رمحه، ثم قال له: اخرج في طلب القوم، ثم عباد بن بشر، وسعد بن زيد رضى الله عنهما، ثم تلاحقت به الفرسان، وأمّر عليهم سعد بن زيد، وكان شعارهم (أي علامتهم التي يعرفون بها في ظلمة الليل، أو عند الاختلاط) : «يا منصور أمت» تفاؤلا بأنّ يحصل لهم النصر بعد موت عدوهم، واستخلف علي المدينة ابن أم مكتوم.
وأقبل ﷺ في المسلمين حتّى نزل بالجبل من ذى قرد، بناحية خيبر، وكان ابن الأكوع قد استنقذ من غطفان أكثر اللقاح، فنحر بلال رضى الله عنه ناقته حينئذ، وقسم ﷺ في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونه، وكانوا خمسمائة، وبعث سعد بن عبادة رضى الله تعالى عنه بأحمال تمر، وبعشر من الجزر، فوافت رسول الله ﷺ بذى قرد، فقال: «اللهم ارحم سعدا، وال سعد، نعم المرء سعد بن عبادة» .
فقالت الأنصار: هو سيدنا وابن سيدنا، من بيت يطعمون في المحل «١» ويحملون الكلّ ويحملون «٢» عن العشيرة، فقال ﷺ : «خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين» «٣» . ورجع ﷺ وهو علي ناقته العضباء، وهي «القصوي» ، وهى «الجدعاء» ، ولم يكن بها عضب، ولا جدع، مردفا سلمة ابن الأكوع رضى الله عنه، وأعطى ﷺ سلمة بن الأكوع سهمي الراجل والفارس جميعا مع كونه راكبا، وهذا استدل به من يقول: إن للإمام أن يفاضل فى الغنيمة، وهو مذهب الإمام أبى حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد.
стр. 354
وعند الإمام مالك والإمام الشافعى رضى الله عنهما: لا يجوز، ولعله لعدم صحة ذلك عندهما «١» .
وروي عن سلمة قال: قلت يا رسول الله ابعث معى فوارس لندرك القوم.
فقال لى رسول الله ﷺ ، بعد أن ضحك: «إذا ملكت فأسجح» (بهمزة قطع، ثم سين مهملة، ثم جيم مكسورة، ثم حاء مهملة- أى فارفق وأحسن- من السجاحة وهى السهولة) .
* وفي هذه السنة كانت غزوة بنى المصطلق ويقال لها المريسيع: (بميم مضمومة، فراء مهملة مفتوحة، فمثناة تحتية ساكنة، فسين مهملة مكسورة، فمثناة تحتية ساكنة، واخره عين مهملة) اسم ماء من مياههم.
والمصطلق: بطن من خزاعة، وهم بنو جذيمة، وجذيمة هو المصطلق.
وسببها أنه ﷺ بلغه أن الحارث بن ضرار سيد بنى المصطلق وقائدهم رضى الله عنه- فإنه أسلم- قد جمع لحرب رسول الله ﷺ من قدر عليه من قومه، ومن العرب، فدعاهم إلى حرب المصطفي، فأجابوه وتهيأوا للسير معه، فبعث المصطفى بريدة بن الحصيب- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- يعلم علم ذلك، فلقى الحارث بن أبى ضرار وكلّمه، ورجع إلي المصطفى فأخبره بذلك، فأسرع الخروج إليهم حتي لقيهم علي ماء من مياههم يقال له: «المريسيع» «٢» ، واستخلف علي المدينة زيد بن حارثة، وكان معه من أفراسه: لزاز، والظرب، ولما وصل إليهم عرض عليهم الإسلام فأبوا وحاربوا، فاستأصلهم قتلا وأسرا ونهبا «٣» واستاق إبلهم وشياههم، وكانت الإبل ألفين، والشياه خمسة الاف، واستعمل عليهم مولاه شقران- بضم الشين المعجمة، وكان حبشيا، واسمه صالح، وكان السبى مائتى أهل بيت.
стр. 355
* وفي هذه الغزوة كانت قصة حديث الإفك في عائشة رضى الله عنها، وهي مشهورة في كتب السير والتفاسير، ويروى عن الزهرى عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قد أقبل من سفره حتّى إذا كان قريبا من المدينة، وكان معه عائشة رضى الله تعالى عنها في سفره ذلك، فقال فيها أهل الإفك ما قالوا، وقد برّأ الله عائشة أم المؤمنين في كتابه الكريم في عدة ايات أولها: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ إلي قوله: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: من ١١: ٢٦] .
قال أبو الفرج بن الجوزي: كان النبى ﷺ قد تزوج أوّل نسائه خديجة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم أم حبيبة، ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية، ثم صفية، ثم ميمونة، فلما كان في واجب القسمة يحتاج إلى مراعاة الوقت، وخاطره الكريم ﷺ لا يحتمل، جاءه التخفيف بقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ [الأحزاب: ٥١] ولم يكن عنده ﷺ اثر من عائشة رضى الله عنها، ولا أعلى منزلة «١» منها ا. هـ.
وجعله عائشة بعد خديجة بدون فاصل هو أحد الأقوال؛ فإن بعضهم يقول:
إنه تزوج بسودة بن زمعة رضى الله عنها، ودخل عليها في مكة، وعقد عقده بعائشة رضى الله عنها بمكة، ولم يدخل بها إلا في المدينة «٢» فلعل القائل بأنها بعد خديجة في العقد لا في الدخول، وحسبك من فضل عائشة رضى الله عنها أمور من أعظمها أنه قد أنزل الله القران الحكيم ببراءتها وتشريفها ا. هـ.
وكان رسول الله ﷺ استشار الصحابة في ذلك فقال علي: «غيرها من النساء كثير» «٣» وقال عمر: من زوّجكها يا رسول الله؟ قال: الله، قال: أفتظن أن ربك