وفاتته الغرّة فيهم، فخرج في مائتى راكب إلى المدينة، ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عن المدينة أربع عشرة ليلة.
قال جابر رضى الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ حين وجه إلى المدينة يقول:
«ايبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر (أي مشقته) ، وكابة المنقلب (أي حزن المنقلب) ، وسوء المنظر في الأهل والمال» .
ومنها خرج لغزوة الغابة المعروفة ب «غزوة ذي قرد» «١» .
واستعمل في غزوة بنى لحيان علي المدينة ابن أم مكتوم.
وبعض أهل السير جعل غزوة «بنى لحيان» في شهر ربيع الأوّل سنة ست، والصحيح أنها كانت في جمادى الأولى من السنة الخامسة، علي رأس ستة أشهر من «فتح بنى قريظة» .
* وفي هذه السنة لما رجع ﷺ من بنى لحيان، وقف علي الأبواء وزار قبر أمه «٢» .
* وفيها فكّ رسول الله ﷺ سلمان الفارسى رضى الله عنه عن الرق، وكان إسلامه في السنة الأولى من الهجرة.
* وفيها انخسف القمر في جمادى الآخرة، فصلّى بهم النبى ﷺ صلاة الخسوف حتّى انجلي القمر.
стр. 352
الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة كانت غزوة «الغابة» وتعرف بذى قرد:
والغابة: الشجر الملتف، وذى قرد بفتح القاف والراء، وبالدال المهملة، وقيل:
بضم القاف وفتح الثاني: موضع علي ميلين من المدينة علي طريق خيبر.
كانت هذه الغزوة في السنة السادسة من الهجرة، بعد غزوة بنى لحيان.
وقال البخارى: كانت قبل خيبر بثلاثة أيام، وفي مسلم نحوه، ولكن إجماع أهل السير علي خلافهما «١» . وهى الغزوة التى أغار فيها عيينة بن حصن في خيل من غطفان وفزارة علي لقاح رسول الله ﷺ بالغابة قبل خيبر، وكانت اللقاح عشرين لقحة، واللقحة: ذات اللبن القريبة من الولادة، وكان أوّل من علم بهم سلمة بن الأكوع الأسلمى رضى الله تعالى عنه؛ فإنه غدا يريد الغابة متوشحا قوسه، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس لطلحة يقوده، فلقى غلاما لعبد الرحمن بن عوف، فأخبره أن عيينة بن حصن قد أغار علي لقاح رسول الله ﷺ في أربعين فارسا من غطفان، فخرج سلمة يقتفى أثر القوم كالسّبع، وكان يسبق الفرس جريا، حتى لحق بهم، فجعل يردهم بالنبل، ويقول إذا رمي:
خذها وأنا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرّضّع
(أى يوم هلاك اللئام)
فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا، وكانت إذا دخلت الخيل في بعض مضايق الجبل يعلو سلمة الجبل ويرميهم بالحجارة، حتى خففوا رحلهم بإلقاء كثير من الرماح والبرد «٢» .
стр. 353
ولما بلغ رسول الله ﷺ صياح ابن الأكوع صرخ بالمدينة: «الفزع الفزع! يا خيل الله اركبي» .
فنادى ﷺ بذلك، كما نادي في غزوة بنى قريظة.
وأوّل من انتهى إلى رسول الله ﷺ من الفرسان المقداد بن الأسود رضى الله عنه، وعقد ﷺ لهذا الأمير لواء في رمحه، ثم قال له: اخرج في طلب القوم، ثم عباد بن بشر، وسعد بن زيد رضى الله عنهما، ثم تلاحقت به الفرسان، وأمّر عليهم سعد بن زيد، وكان شعارهم (أي علامتهم التي يعرفون بها في ظلمة الليل، أو عند الاختلاط) : «يا منصور أمت» تفاؤلا بأنّ يحصل لهم النصر بعد موت عدوهم، واستخلف علي المدينة ابن أم مكتوم.
وأقبل ﷺ في المسلمين حتّى نزل بالجبل من ذى قرد، بناحية خيبر، وكان ابن الأكوع قد استنقذ من غطفان أكثر اللقاح، فنحر بلال رضى الله عنه ناقته حينئذ، وقسم ﷺ في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونه، وكانوا خمسمائة، وبعث سعد بن عبادة رضى الله تعالى عنه بأحمال تمر، وبعشر من الجزر، فوافت رسول الله ﷺ بذى قرد، فقال: «اللهم ارحم سعدا، وال سعد، نعم المرء سعد بن عبادة» .
فقالت الأنصار: هو سيدنا وابن سيدنا، من بيت يطعمون في المحل «١» ويحملون الكلّ ويحملون «٢» عن العشيرة، فقال ﷺ : «خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين» «٣» . ورجع ﷺ وهو علي ناقته العضباء، وهي «القصوي» ، وهى «الجدعاء» ، ولم يكن بها عضب، ولا جدع، مردفا سلمة ابن الأكوع رضى الله عنه، وأعطى ﷺ سلمة بن الأكوع سهمي الراجل والفارس جميعا مع كونه راكبا، وهذا استدل به من يقول: إن للإمام أن يفاضل فى الغنيمة، وهو مذهب الإمام أبى حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد.
стр. 354
وعند الإمام مالك والإمام الشافعى رضى الله عنهما: لا يجوز، ولعله لعدم صحة ذلك عندهما «١» .
وروي عن سلمة قال: قلت يا رسول الله ابعث معى فوارس لندرك القوم.
فقال لى رسول الله ﷺ ، بعد أن ضحك: «إذا ملكت فأسجح» (بهمزة قطع، ثم سين مهملة، ثم جيم مكسورة، ثم حاء مهملة- أى فارفق وأحسن- من السجاحة وهى السهولة) .
* وفي هذه السنة كانت غزوة بنى المصطلق ويقال لها المريسيع: (بميم مضمومة، فراء مهملة مفتوحة، فمثناة تحتية ساكنة، فسين مهملة مكسورة، فمثناة تحتية ساكنة، واخره عين مهملة) اسم ماء من مياههم.
والمصطلق: بطن من خزاعة، وهم بنو جذيمة، وجذيمة هو المصطلق.
وسببها أنه ﷺ بلغه أن الحارث بن ضرار سيد بنى المصطلق وقائدهم رضى الله عنه- فإنه أسلم- قد جمع لحرب رسول الله ﷺ من قدر عليه من قومه، ومن العرب، فدعاهم إلى حرب المصطفي، فأجابوه وتهيأوا للسير معه، فبعث المصطفى بريدة بن الحصيب- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- يعلم علم ذلك، فلقى الحارث بن أبى ضرار وكلّمه، ورجع إلي المصطفى فأخبره بذلك، فأسرع الخروج إليهم حتي لقيهم علي ماء من مياههم يقال له: «المريسيع» «٢» ، واستخلف علي المدينة زيد بن حارثة، وكان معه من أفراسه: لزاز، والظرب، ولما وصل إليهم عرض عليهم الإسلام فأبوا وحاربوا، فاستأصلهم قتلا وأسرا ونهبا «٣» واستاق إبلهم وشياههم، وكانت الإبل ألفين، والشياه خمسة الاف، واستعمل عليهم مولاه شقران- بضم الشين المعجمة، وكان حبشيا، واسمه صالح، وكان السبى مائتى أهل بيت.
стр. 355
* وفي هذه الغزوة كانت قصة حديث الإفك في عائشة رضى الله عنها، وهي مشهورة في كتب السير والتفاسير، ويروى عن الزهرى عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قد أقبل من سفره حتّى إذا كان قريبا من المدينة، وكان معه عائشة رضى الله تعالى عنها في سفره ذلك، فقال فيها أهل الإفك ما قالوا، وقد برّأ الله عائشة أم المؤمنين في كتابه الكريم في عدة ايات أولها: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ إلي قوله: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: من ١١: ٢٦] .
قال أبو الفرج بن الجوزي: كان النبى ﷺ قد تزوج أوّل نسائه خديجة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم أم حبيبة، ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية، ثم صفية، ثم ميمونة، فلما كان في واجب القسمة يحتاج إلى مراعاة الوقت، وخاطره الكريم ﷺ لا يحتمل، جاءه التخفيف بقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ [الأحزاب: ٥١] ولم يكن عنده ﷺ اثر من عائشة رضى الله عنها، ولا أعلى منزلة «١» منها ا. هـ.
وجعله عائشة بعد خديجة بدون فاصل هو أحد الأقوال؛ فإن بعضهم يقول:
إنه تزوج بسودة بن زمعة رضى الله عنها، ودخل عليها في مكة، وعقد عقده بعائشة رضى الله عنها بمكة، ولم يدخل بها إلا في المدينة «٢» فلعل القائل بأنها بعد خديجة في العقد لا في الدخول، وحسبك من فضل عائشة رضى الله عنها أمور من أعظمها أنه قد أنزل الله القران الحكيم ببراءتها وتشريفها ا. هـ.
وكان رسول الله ﷺ استشار الصحابة في ذلك فقال علي: «غيرها من النساء كثير» «٣» وقال عمر: من زوّجكها يا رسول الله؟ قال: الله، قال: أفتظن أن ربك
стр. 356
دلس «١» عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! فنزلت الاية كذلك. وأما أهل الإفك وهم: مسطح بن عباد بن عبد المطلب وحسان بن ثابت وعبد الله بن أبيّ ابن سلول: فجلدهم ﷺ ثمانين إلا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين فلم يجلده.
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ أن قوما أنكروا أن يكون حسّان خاض فى الإفك أو جلد فيه، روى عن عائشة أنها برّأته من ذلك. وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول هو المقصود بمن تولى كبره فله عذاب عظيم في الآخرة، وهو أشد أهل الإفك إيذاء للنبى ﷺ ، بدليل أن النبى ﷺ لما صعد المنبر قال: «يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه في أهلى (يعنى عبد الله بن أبى بن سلول) فو الله ما علمت علي أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا (أي صفوان بن المعطّل صاحب الناقة) ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلى إلا معي» . فقام أسيد بن حضير (وهو ابن عم سعد بن معاذ) فقال: أعذرك يا رسول الله منه؛ إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه. فقام سعد بن عبادة (وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن أخذته الحمية) فقال لأسيد بن حضير: كذبت، والله لا تقدر علي قتله. فقام أسيد بن حضير، وقال: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان؛ الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ علي المنبر، فلم يزل يخفضهم حتي سكتوا، فالمراجعة لرسول الله ﷺ وقعت بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة سيد الخزرج، كما ذكره ابن إسحاق عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله وغيره.
وأما ما قيل من أن المراجعة في ذلك كانت بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فهو وهم نبّه عليه ابن خالدون في السيرة، واستدل علي ذلك بأن سعد بن معاذ مات بعد فتح بني قريظة بلا شك في أثناء السنة الرابعة، وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة بعد عشرين شهرا من موت سعد بن معاذ، والملاحاة بين الرجلين (أى المنازعة والمخاصمة) كانت بعد غزوة بنى المصطلق بأزيد من خمسين ليلة اهـ.
стр. 357
* وفي هذه الغزوة قتل رجل من الأنصار رجلا من المسلمين خطأ يظنه كافرا، والقتيل هشام من بني ليث بن بكر، وكان أخوه مقيس مشركا، فقدم المدينة، وأظهر الإسلام طالبا دية أخيه، فأمر له رسول الله ﷺ بها، وأقام قليلا، ثم عدا علي قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدّا، ومن قوله:
حللت به وتري وأدركت ثورتي ... وكنت إلي الأوثان أوّل راجع
وهو ممن أهدر النبى ﷺ دمه يوم فتح مكة.
* وفي هذه الغزوة أيضا ازدحم جهجاه الغفارى- أجير عمر رضى الله عنه- وسنان الجهنى- حليف الأنصار- علي الماء وتقاتلا، فصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين، وصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، فغضب عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم، فقال ابن أبي بن سلول: «أو قد فعلوها، قد كاثرونا في بلادنا، أما والله، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ» (يعنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله ﷺ ، ثم قال لمن حضر من قومه: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم علي أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا عنكم، فأخبر زيد بن أرقم ذو الأذن الواعية- وهو غلام حديث السن النّبيّ ﷺ بذلك، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله مر به عبد الله بن بشير فليقتله، فقال ﷺ : كيف يا عمر يتحدث الناس إذن أن محمدا يقتل أصحابه «١» ، ثم أمر بالرحيل في وقت لم يكن ليرحل فيه، ليقطع ما الناس فيه، فلقيه أسيد بن حضير وقال: يا رسول الله رحت في ساعة منكرة لم تكن لتروح فيها، (فإنه ﷺ كان لا يرحل إلا إن برد الوقت) فقال له رسول الله ﷺ : ما بلغك ما قال عبد الله بن أبيّ بن سلول!؟
فقال: وماذا قال؟ فأخبره بمقاله، وأرسل رسول الله ﷺ إلي عبد الله بن أبيّ فأتاه، فقال: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ فحلف عبد الله أنه لم يقل ذلك.
стр. 358
روى أن رسول الله ﷺ قال لزيد بن أرقم: لعلك غضبت عليه؟ قال: لا، قال:
فلعله أخطأ سمعك؟ قال: لا، قال: فلعله شبّه عليك؟ قال: لا، فنزلت اية لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ [المنافقون: ٨] لتصديق زيد بن أرقم، فبادر أبو بكر وعمر إلى زيد رضى الله تعالى عنهم ليبشّراه، فسبق أبو بكر فأقسم عمر ألايبادره بعدها إلي شىء، وقال أسيد: أنت والله تخرجه إن شئت، أنت العزيز وهو الذليل، وبلغ ابن عبد الله بن أبيّ بن سلول- وكان حسن الإسلام، واسمه أيضا عبد الله، وكان تبرّأ من أبيه عند نزول سورة المنافقين- مقالة أبيه، فاعترض أباه عند المدينة، وقال: والله لا تدخل حتّى يأذن لك رسول الله ﷺ ، فأذن له، وحينئذ دخل، وقال: يا رسول الله، بلغنى أنك تريد قتل أبى عبد الله لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرنى به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبرّ بوالديه مني، وإنى أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعنى نفسى أن أنظر إلي قاتل أبى عبد الله بن أبيّ يمشى في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر وأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ : «نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا» .
* وكانت في جملة السبى برّة بنت الحارث بن ضرار: سيد بني المصطلق، وقعت في سهم ثابت بن قيس، وابن عم له، فجعل ثابت لابن عمه نخلات له بالمدينة في حصّته من برة، وكاتبها علي تسع أواق من ذهب، فدخلت عليه ﷺ وأخبرته بإسلامها، وقالت له: إنى برة بنت الحارث سيد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت، ووقعت في سهم ثابت بن قيس، وابن عم له، وخلّصنى ثابت من ابن عمه بنخلات في المدينة، وكاتبنى على مال لا طاقة لى به، وإنى رجوتك فأعنّى في مكاتبتي. فقال رسول الله ﷺ : أو خير لك من ذلك؟ قالت:
ما هو؟ قال: أؤدى عنك كتابتك، وأتزوجك؟ قالت: نعم يا رسول الله. فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت بن قيس رضى الله عنه فطلبها منه، فقال ثابت: هي لك يا رسول الله، وأدّى ما كان كاتبها عليه وأعتقها، وتزوجها وهي ابنة عشرين سنة، وسماها «جويرية» ، وكان اسمها «برة» كما سبق، وكذلك ميمونة، وزينب بنت جحش، كان اسم منهما «برة» فغيّره ﷺ ، وكذا كان اسم بنت أم سلمة «برة» فسماها «زينب» وكانت من أفقه نساء زمانها، كذا ذكره أبو عمر.
وسبب ذلك لما في «برة» من تزكية النفس.
стр. 359
ويذكر أن عليّا كرّم الله وجهه هو الذى أسرها، ولا مانع من أن يكون عليّ رضى الله عنه أسرها، ثم وقعت في سهم ثابت بن قيس وابن عمه رضى الله عنهما عند القسمة؛ لأنه لم يثبت في هذه الغزوة أنه ﷺ جعل الأسرى لمن أسرهم، كما وقع في غزوة بدر.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كانت «جويرية» امرأة على وجهها ملاحة، فجاءت تسأل رسول الله ﷺ في كتابتها، فلما قامت على باب الخباء كرهت دخولها علي النبى ﷺ (وإنما كرهت ذلك لما جبلت عليه النساء من الغيرة) وعرفت أن رسول الله سيرى منها مثل الذى رأيت، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث «١» ، وكان من أمرى ما لا يخفي عليك، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وإني كاتبته علي نفسي، فجئت أسألك في كتابتي، قال رسول الله ﷺ : فهل لك فيما هو خير من ذلك؟ فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدى عنك كتابتك وأتزوجك؟ قالت: قد فعلت ... قالت: فتسامع الناس (يعنى أن رسول الله ﷺ تزوّج جويرية) فأرسلوا ما في أيديهم من السبي، فأعتقوهم، وقالوا: أصهار رسول الله لا ينبغي أن تسترق، قالت: فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة علي قومها منها، وأعتق بسببها مائة أهل بيت من بيت بني المصطلق «٢» - خرّجه بهذا السياق أبو داود.
وعن جويرية رضى الله عنها قالت: لما أعتقنى رسول الله ﷺ وتزوجني، والله ما كلمته في قومى حتّى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلا بجارية من بنات عمى تخبرني الخبر، فحمدت الله .
وقد حدّث يزيد بن رومان أن رسول الله ﷺ بعث إلى بنى المصطلق بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبى معيط لأخذ صدقاتهم، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم «٣» هابهم، فرجع إلي رسول الله ﷺ فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله
стр. 360
ومنعوه من أخذ صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم، حتى همّ رسول الله ﷺ بأن يغفروهم، فبينماهم علي ذلك إذ قدم وفدهم علي رسول الله ﷺ ، فقالوا:
يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثه إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدّي إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله ﷺ أنّا خرجنا إليه لنقتله، والله ما جئنا لذلك، فأنزل الله فيه وفيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ [الحجرات: ٦] إلي اخر الاية. وكان شعار المسلمين: يا منصور أمت.
* وفي هذه السنة كسفت الشمس.
وأما ما قيل من أنّ اية التيمم نزلت في غزاة بني المصطلق، فقد قال النووى في الروضة: ان اية التيمم نزلت في سنة أربع.
* وفي هذه السنة كانت غزوة الحديبية:
وتخفف وتشدّد، وهى بئر قريب من مكة، بينها وبين المدينة تسع مراحل، سمي المكان باسمها، وقيل شجرة، وقيل قرية بقرب مكة علي سبعة أميال من مكة.
وسبب هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ رأى في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة بيده وطافوا واعتمروا وحلق بعضهم، وقصّر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، فأخبر أصحابه أنه معتمر، فخرج من المدينة في ذى القعدة سنة ست لا يريد حربا بالمهاجرين والأنصار في ألف وأربعمائة، ليأمن أهل مكة ومن حولهم من حربه، وساق الهدي وأحرم بالعمرة من ذى الحليفة ولبّي، فاقتدى به جمهور أصحابه، واستعمل ﷺ علي المدينة الشريفة ابن أم مكتوم، وقيل أبا رهم كلثوم بن الحصين، وقيل استخلف أبا رهم مع ابن أم مكتوم جميعا، فكان ابن أم مكتوم علي الصلاة، وكان أبو رهم حافظا للمدينة. وسار حتي وصل إلى ثنية المرار «١» مهبط الحديبية من أسفل مكة، وأمر
стр. 361
بالنزول، فقالوا: ننزل علي غير ماء! ووقع من معجزاته ﷺ نبع الماء في ذلك المكان حتّى صدر الناس عنه، وتأهبت قريش للقتال، وبعثوا رسولهم «عروة بن مسعود الثقفي» سيد أهل الطائف رضى الله عنه- فإنه أسلم بعد ذلك- إلي النبى ﷺ ، وقال: إن قريشا لبسوا جلود النمور (أى أظهروا العداوة والحقد) وقد نزلوا بذي طوي «١» وعاهدوا الله ألاتدخل عليهم مكة عنوة أبدا» . ثم جعل عروة يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه، وهذه عادة العرب: أن الرجل يتناول لحية من يكلمه خصوصا عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كأنه ﷺ إنما لم يمنعه من ذلك استمالة وتأليفا له، وكان المغيرة بن شعبة قائما علي رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف، وعليه المغفر، وكلما أهوى عروة بيده إلي لحية النبى ﷺ ضرب يده بنصل السيف، ويقول «كفّ يدك عن مس لحية رسول الله قبل ألاتصل إليك» فإنه لا ينبغى لمشرك ذلك، وإنما فعل ذلك المغيرة رضى الله عنه إجلالا لرسول الله ﷺ ، ولم ينظر لما هو عادة العرب، فلما أكثر عليه غضب عروة، وقال: «ويحك ما أفظّك وأغلظك» ، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. ثم قام عروة من عنده وهو يرى ما يصنع أصحابه: لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا سقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدّون النظر إليه تعظيما له، فرجع عروة إلي قريش، وقال لهم: إنى جئت كسرى وقيصر في ملكهما، فو الله ما رأيت ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه.
وورد أيضا في حديث الحديبية أنه لما نزل ﷺ علي الركية «٢» جاءه بديل بن ورقاء الخزاعى في نفر من قومه من أهل تهامة، فقال: «تركت كعب بن لؤى وعامر بن لؤى نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل «٣» وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت» .
стр. 362
[والعوذ: جمع عائذ الناقة ذات اللبن، والمطافيل: ذوات الأطفال الصغار جمع مطفل أى أنهم حضروا مع الإبل، وهى كانت جلّ أموال العرب ليتزوّدوا بذلك، ولا يرجعون خوف الجوع، أو العوذ المطافيل: النساء معهن أطفالهن، أى أنهم خرجوا بنسائهم معهنّ أولادهن لإرادة طول المقام، ليكون أدعى لعدم الفرار] .
ولما قال بديل بن ورقاء لرسول الله ﷺ : هم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، قال له النبى ﷺ : لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤا ماددتهم مدّة ويخلّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد حموا، وإن هم أبوا فو الذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتي تنفرد سالفتى (وهى أعلي العنق) أو لينفذنّ الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليبعثه إلى أبى سفيان وأشراف قريش يعلمهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا ومعظّما لهذا البيت، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا علي نفسي، وما بمكة من بني عدى بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عدوانى إياها وغلظتى عليها، ولكن أدلّك علي رجل أعزّ بها مني: عثمان بن عفان؛ فإن بنى عمه يمنعونه. فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان رضى الله عنه، فبعثه إلي أبى سفيان وأشراف قريش ليعلمهم بذلك، فخرج عثمان بن عفان رضى الله عنه إلي مكة، ودخل مكة من الصحابة عشرة أيضا بإذن رسول الله ﷺ ليزوروا أهاليهم، فلما وصل إليهم عثمان عرّفهم ذلك، وهم يردّون عليه: «إن محمدا لا يدخل علينا أبدا» فلما فرغ عثمان من تبليغ رسالة رسول الله ﷺ ، قالوا له: إن أحببت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعله حتي يطوف رسول الله ﷺ ، فغضبت قريش، وأمسكوه وحبسوه ثلاثة أيام.
ولما احتبس عثمان، بلغ رسول الله ﷺ أن عثمان رضى الله عنه قد قتل، وقتلوا معه العشرة رجال الذين دخلوا مكة أيضا، فحزن النبى ﷺ والمسلمون من سماع هذا الخبر حزنا شديدا، فقال النبى ﷺ حين بلغه ذلك: لا نبرح حتّى نناجز القوم، (أى نقاتلهم) ودعا النبي ﷺ إلي بيعة الرضوان، فبايعهم علي أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا عنهم، وأنه إما الفتح وإما الشهادة. ولم يتخلف أحد، إلا الجد بن قيس، اختفى بإبط ناقته يستتر بها من الناس، وكان سيد بنى مسلمة (بكسر
стр. 363
اللام) فى الجاهلية، وقد قال ﷺ لبنى مسلمة: من سيدكم؟ قالوا: «الجد بن قيس، على بخل فيه» قال: «وأي داء أدوأ من البخل» ؟ ثم قال ﷺ : سيدكم عمرو بن الجموح. وكان ﷺ جالسا تحت سمرة أو سدرة (وسمرة بفتح السين المهملة وضم الميم بعدها راء مفتوحة مهملة واخرها هاء: شجر الطلح) »
وكان عدد المبايعين ألفا وثلاثمائة، وسميت هذه البيعة بيعة الرضوان؛ لأن الله تعالى ذكر في سورة الفتح الذين صدرت عنهم هذه البيعة، بقوله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: ١٨] . ثم أتى رسول الله ﷺ الخبر بأن ما ذكر من أمر عثمان باطل، فبايع عنه ﷺ ، ووضع يده اليمنى علي يده اليسري، وقال: «اللهم إنّ هذه عن عثمان؛ فإنه في حاجتك وحاجة رسولك» «٢» وكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.
وكان محمد بن مسلمة رضى الله عنه علي حرس رسول الله ﷺ ، فبعثت قريش أربعين (وقيل خمسين رجلا) عليهم مكرز بن حفص ليطوفوا بعسكر رسول الله ﷺ رجاء أن يصيبوا منهم أحدا أو يجدوا منهم غرّة- أي غفلة- فأخذهم محمد بن مسلمة إلا مكرزا فإنه أفلت، وأتى بهم إلي رسول الله ﷺ فحبسوا، وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم حتي رموا المسلمين بالنبل والحجارة، فأسر المسلمون منهم اثني عشر رجلا، وعند ذلك بعثت قريش إلى رسول الله ﷺ جمعا فيهم سهيل بن عمرو، فلما راه النبى ﷺ قال لأصحابه:
سهل أمركم، فقال سهيل: يا محمد إن الذى كان من حبس أصحابك عثمان والعشرة رجال، وما كان من قتال من قاتلك، فإنه لم يكن من رأى ذوي رأينا، بل كنا كارهين له حين بلغنا، وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أولا وثانيا. فقال رسول الله ﷺ : إنى غير مرسلهم حتي ترسلوا أصحابي. فقالوا: نفعل. فبعث سهيلا ومن معه إلى قريش بذلك، فبعثوا بمن كان عندهم، وهو عثمان رضى الله عنه والعشرة رجال رضى الله عنهم، فأرسل رسول الله ﷺ أصحابهم. اهـ.
стр. 364
ولما علمت قريش بهذه البيعة خافوا، وأشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع ويعود من قابل فيقيم ثلاثا معه سلاح الراكب- السيوف في القرب «١» والقوس- فبعثوا سهيل بن عمرو ثانيا ومعه مكرز بن حفص وحويطب بن عبد العزّى إلي رسول الله ﷺ ليصالحه، على أن يرجع في عامه هذا؛ لئلا تتحدث العرب بأنه دخل عنوة، وأنه يعود من قابل، فلما انتهى سهيل بن عمرو إلي رسول الله ﷺ جثا علي ركبتيه بين يديه ﷺ والمسلمون حوله، وتكلّم فأطال، ثم تراجعا «٢» ، ومن جملة ذلك أن النبى ﷺ قال له: تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف، فقال: له سهيل: «والله لا تتحدث بنا أننا أخذنا ضغطة (بالضم أي بالشدة والإكراه) ولكن ذلك من العام القابل» . ثم التأم الأمر بينهما علي الصلح علي ترك القتال، إلى اخر ما يأتي، ولم يبق إلا الكتاب بذلك، وعند ذلك وثب عمر حتي أتي أبا بكر فقال: أليس رسول الله؟ قال: بلى قال: ألسنا بالمسلمين وهم بالمشركين؟ قال:
بلي، قال: فعلام نعطى الدنيّة (بفتح الدال وكسر النون وتشديد الياء: النقيصة والخصلة المذمومة) في ديننا؟ قال: يا عمر، الزم فأنا أشهد أنه رسول الله، قال:
وأنا، ثم أتى رسول الله فقال له ذلك، فقال: أنا عبد الله ورسوله لن أخاف أمره، ولن يضيّعني. فأجاب النبى إلى ذلك، فقال سهيل: هات اكتب بيننا وبينكم كتاب صلح، فدعا النبى ﷺ الكاتب، فقال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، اكتب باسمك اللهم، فقال المسلمون: لا تكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبى ﷺ : اكتب باسمك اللهم، فكتب، ثم قال: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» ، فقال سهيل:
لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله، فقال النبى ﷺ : «إنى لرسول الله، وإن كذّبتموني، وأنا محمد بن عبد الله، اكتب محمد بن عبد الله» .
وفي رواية: كان الكاتب علي بن أبي طالب، وكان قد كتب محمد رسول الله، فقال رسول الله ﷺ لعليّ: امح رسول الله واكتب مكانه محمد بن عبد الله،
стр. 365
فقال علي: لا والله لا أمحوك أبدا، فقال النبى ﷺ : فأرنيه، فأراه إياه، فأخذ الكتاب بيده الكريمة ومحا «رسول الله» وكتب مكانه «محمد بن عبد الله» ، وكانت هذه معجزة لرسول الله ﷺ حيث كتب بيده الشريفة ولم يكن يكتب.
وأقبل بوجهه ﷺ علي عليّ بعد ما كتب في كتاب الصلح محمد بن عبد الله، فقال: «يا على سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة» . ثم قال رسول الله بصلّى الله عليه وسلّم لعليّ:
اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، وعلي أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليه، وإن كان مسلما، وإن جاء قريش ممن مع محمد لم يردّوه عليه، وأنّ من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهداهم دخل فيه، وأنك ترجع عنّا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل، خرجنا عنها فدخلتها أنت وأصحابك فأقمت فيها ثلاثا مع سلاح الراكب السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها» . وأشهدوا في ذلك الكتاب علي الصلح رجالا من المسلمين: أبا بكر، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبى طالب وهو كاتب الصحيفة- وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وأبا عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، ورجالا من قريش: حويطب بن عبد العزّي، ومكرز بن حفص.
ولما بلغ هذا الشرط أنّ من أتى محمدا من قريش ردّه إليهم وإن كان مسلما، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، تعجب المسلمون من هذا الشرط، فقالوا: سبحان الله، كيف نردّ من أتانا مسلما!! وقالوا: يا رسول الله، أتكتب هذا، قال: «نعم؟! إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا» .
ونسخ الكتاب نسختين، فوضعت إحداهما عند رسول الله ﷺ ، وأخذ الاخرى سهيل بن عمرو، ولما فرغ من كتاب القضية وثب من كان هناك من خزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، وقال بنو بكر: نحن ندخل في عقد قريش وعهداهم.
وقد كان للنبى ﷺ علم أنّ هذا الصلح سبب لأمن الناس وظهور الإسلام، وأن الله يجعل فيه فرجا للمسلمين، وهو أعلم بما علّمه ربه، وإن كان أمر هذا الصلح
стр. 366
قد عظم علي المسلمين، حتي كادوا يهلكون، لمّا رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع من غير فتح، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ لما خرجوا من المدينة لا يشكّون في فتح مكة للرؤيا التي راها النبي ﷺ ، وهذه الشروط الصعبة التي انضم إليها أمره ﷺ لعليّ رضى الله تعالى عنه في كتب الصحيفة أن يمحو لفظ رسول الله، ولم يمحه، ومحاه النبى ﷺ وكتب بدله «ابن عبد الله» بيده، فكان هذا من الخطب الجسيم الذى يوقع الريب في القلوب الضعيفة، حتى لمن لا يفهم الأسرار في الأزمان الحديثة، والحال أنها واردة وثابتة بالأحاديث الصحيحة، فما يقع في الوهم من أن هذه الكتابة قادحة في المعجزة باطل؛ لأن الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف ولا قوانين الخط وأشكالها بقيت الأمية علي ما كانت عليه، وكانت هذه الكتابة الخاصة من إحدى المعجزات وتمامها، كما كان من المعجزات في كتابة شروط الصلح إخباره ﷺ عليّا أنه سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة، وهو إشارة منه ﷺ لما سيقع بين علي ومعاوية رضى الله عنهما؛ فإنهما في حرب صفّين وقعت بينهما المصالحة علي ترك القتال إلى رأس الحول، وصحّ ذلك وظهر يوم التحكيم لما قال حكم أهل الشأم حين كتب في الصلح: «هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين علي بن أبى طالب» : «لو عرفنا أنك أمير المؤمنين ما خالفناك، كما سيأتى مبينا في خلافته.
وأما ما ورد من أنه رضى الله تعالى عنه في عام الحديبية، وفي غزوة بني المصطلق قاتل الجن، وأن جبريل قال يوم غزوة أحد وهو صاعد إلي السماء: «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي» فهذا من الموضوع- كما ذكره ابن تيمية «١» - يعني أنه موضوع لم يرد من طريق يعتدّ به، وإن كان المدح في عليّ لا يستكثر عليه وذلك للإجماع علي شجاعته وكرامته، والمراد بالفتي: الشجاع السيد، وفي الحديث: أن ملكا يقال له رضوان نادي يوم بدر من السماء: «لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار» وقال النبي ﷺ : أنا الفتى ابن الفتي، أخو الفتي، ابن الفتى ﷺ يعنى إبراهيم، وأخو الفتى يريد عليا كرّم الله وجهه» انتهى.
стр. 367
وقد علمت ما في هذا الكلام، وإن كان معناه لا يستكثر على عليّ رضى الله عنه.
* وأتى أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيده من مكة في أثناء الكتاب، وكان قد أسلم، فقال سهيل بن عمرو: هذا أوّل ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، فردّه ﷺ إلى أبيه، وعظم ذلك علي المسلمين، وأخبر النبيّ ﷺ أبا جندل:
أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا، إننا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا واصطلحنا، وأعطيناهم علي ذلك وأعطونا عهد الله، وإنّا لا نغدر بهم.
ولما تمّ الصلح وكتابه أمر رسول الله ﷺ أن ينحروا ويحلقوا، فتوقفوا، فغضب حتي شكا إلي زوجته أمّ سلمة، فقالت: يا رسول الله، لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت علي نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح، ولكن اخرج وانحر واحلق فإنهم تابعوك. فخرج ونحر وحلق رأسه حينئذ، وكان الحالق له ﷺ خراش بن أمية الخزاعى رضى الله عنه، فلما راه الناس نحر وحلق فعلوا مثله. وقسم لحوم الهدايا في الفقراء الذي حضروا الحديبية، وبعث النبى ﷺ عشرين بدنة مع ناجية «١» حتي نحروها بمروة «٢» وقسّموا لحومها علي فقراء مكة، قال ابن عباس: حلق رجال يوم الحديبية وقصّر اخرون، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اغفر للمحلّقين» وفي معالم التنزيل قال:
«يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم اغفر للمحلّقين، قالوا: والمقصرين، وفي الثالثة أو الرابعة قال: والمقصرين» قالوا: لم ظاهرت (أى أظهرت) الترحم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لأنهم لم يشكّوا (أي لم يرجوا أن يطوفوا بالبيت بخلاف المقصرين، أى لأن الظاهر من حالهم أنهم أخّروا بقية شعورهم رجاء أن يحلقوها بعد طوافهم بالبيت) .
وكان صلح الحديبية فتحا قريبا، أمن الناس بعضهم بعضا، ورضا من الله
стр. 368
تعالى، قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:
١٨] كما سبق، وعن جابر أنهم كانوا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، فبايعوه ﷺ وعمر اخذ بيده تحت الشجرة (وهى سمرة) غير الجدّ بن قيس اختفى تحت بطن بعيره. زادوا في رواية: وقيل عدد المبايعين خمس عشرة مائة فأكثر، وقيل غير ذلك. قال أهل السير: أقام النبى ﷺ عشرين يوما بالحديبية، ثم رجع ﷺ إلى المدينة، وما فتح من قبله فتح أعظم من هذا الفتح، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضا، التقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام أحدا إلا دخل فيه، فلقد دخل في مدة سنتين فى الإسلام مثل ما كان قبل ذلك، أو أكثر، ببركة مهادنته ﷺ .
ولما رجع ﷺ إلي المدينة حتّى إذا كان بين مكة والمدينة (بكراع الغميم) نزل إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* إلي اخرها، وسمّى فتحا لأنه كان مقدمة لفتوح كثيرة تتسع بها دائرة الإسلام، ولما نزلت قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه:
«أنزلت عليّ سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس» «١» .
ثم إن أبا بصير «عتبة بن أسد بن حارثة» هرب ولحق بالنبى ﷺ ، وكان قد أسلم وحبسه قومه بمكة، وهو ثقفى، من حلفاء بنى زهرة، فبعث إليه الأزهر بن عبد عوف وعم عبد الرحمن بن عوف، والأخنس بن شريق سيد بني زهرة كتابا مع رجل من بني عامر بن لؤي، ومعه مولي لهم بطلب أبى بصير، فأسلمه النبى ﷺ ، فاحتملاه، فلما نزلوا بذى الحليفة أخذ أبو بصير السيف من أحد الرجلين، ثم ضرب به العامرى فقتله، وفرّ الاخر، وأتى أبو بصير إلي النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، قد وفت ذمتك حيث رددتنى إليهم، وأطلقنى الله منهم، فقال النبي ﷺ : «ويلمه (أى ويل أمه) مسعر حرب، لو كان له رجال» ففطن أبو بصير من لحن هذا القول أنه سيرده، وخرج إلى سيف «٢» البحر علي طريق
стр. 369
قريش الذى كانوا يأخذونه إلي الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله ﷺ : «ويلمه مسعر حرب لو كان معه رجال» ، فخرجوا إلى أبي بصير، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم، وذكر موسى بن عقبة أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو الذي ردّ إلي قريش بالحديبية مكرها يوم الصلح والقضية هو الذي انفلت في سبعين راكبا، أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير، ونزلوا معه، وكرهوا أن يقدموا علي رسول الله ﷺ في تلك المدة التي هى زمن الهدنة، خوف أن يردّهم إلي أهليهم حكم الشروط. واجتمع إلى أبى جندل أناس من غفار وأسلم وجهينة، وطوائف من العرب حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، وهم مسلمون، فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير، فقطعوا مادة قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمرّ بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وقال فى ذلك أبو جندل:
أبلغ قريشا عن أبي جندل ... أنّا بذي المروة بالساحل
في معشر تخفق أيمانهم ... بالبيض فيها والقنا الذابل
يأبون أن تبقي لهم رفقة ... من بعد إسلامهم الواصل
أو يجعل الله لهم مخرجا ... والحقّ لا يغلب بالباطل
فيسلم المرء بإسلامه ... أو يقتل المرء ولا يأتل
فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلي رسول الله ﷺ يسألونه ويتضرعون إليه ويناشدونه بالله والرّحم أن يرسل إلى أبي بصير «١» وأبي جندل «٢» بن
стр. 370
سهيل، ومن معهم فيقدمون عليه، وقالوا: إنّا أسقطنا هذا الواحد من الشروط، فمن أتى محمدا فهو امن.
وقيل: قالوا من خرج منا إليك فأمسك في غير حرج؛ فإنّ هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره. فلما كان ذلك من أمرهم، علم الذين كانوا أشاروا علي رسول الله ﷺ أن يمنع أبا جندل من أبيه يوم الصلح والقضية أنّ طاعة رسول الله ﷺ خير فيما أحبوا وفيما كرهوا، وأن رأيه أفضل من رأيهم، «١» وعلموا بعد ذلك أن مصالحته ﷺ كانت أولي، لأنها كانت سببا لكثرة المسلمين؛ فإن المشركين لما أمنوا القتال اختلطوا بالمسلمين فأثّر فيهم الإسلام، فأسلم كثير منهم.
وكتب رسول الله ﷺ يأمر أبا بصير أن يقدم عليه بالمدينة هو وأبو جندل الذى كان اجتمع به مع رفاقه، ويأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يتعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش، فلما قدم كتاب رسول الله ﷺ على أبى بصير، وكان حينئذ مشرفا علي الموت، مات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا. وقدم على رسول الله ﷺ أناس من أصحاب أبى جندل، ورجع سائرهم إلي أهليهم، وأمنت عيران قريش، وظاهر بعض الروايات يدلّ على أن قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ- نزلت في قصة أبى بصير.
ولم يزل أبو جندل مع رسول الله ﷺ ، وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذاك، وشهد الفتح، ورجع مع رسول الله ﷺ ، وقدم أبوه سهيل بن عمرو المدينة أوّل إمارة عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، فمكث بها شهرا، ثم خرج إلي الشام يجاهد، وخرج معه ولده أبو جندل، فلم يزالا مجاهدين حتي ماتا هناك رضى الله تعالى عنهما.
وهاجرت في مدة الصلح أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وجاء فيها
стр. 371
أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتي قدما على رسول الله ﷺ يسألانه أن يردّها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش بالحديبية، فلم يفعل، وقال: أبى الله ذلك، وأنزل الله فيه علي رسوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة: ١٠] الاية، وكان الامتحان أن تستحلف المرأة المهاجرة أنها ما هاجرت ناشزا ولا هاجرت إلا لله ورسوله، فكان في الاية بيان أن ذلك الرد في الرجال لا في النساء؛ لأن المسلمة لا تحل للكافر، فلما تعذّر ردّهن لورود النهى عنه، لزم ردّ مهورهن، فأمر النبى ﷺ ألاترجع المؤمنات إلي الكفار لشرف الإسلام، وألاتكون كافرة في نكاح مسلم لقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ «١» فمنع الله من ردّ النساء، وفسخ ذلك الشرط المكتتب، وحرّم الله حينئذ علي المسلمين إمساك الكوافر في عصمتهم، فطلّق الأصحاب كلّ امرأة مشركة في نكاحهم، وطلّق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين له مشركتين بمكة، وعن ابن عباس: يعنى من كانت له امرأة بمكة فلا يعدّها من نسائه؛ لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه.
وفي غزوة الحديبية صار صلح مصر للروم حيث غلبت الروم فارسا، وأخرجوهم من الشام «٢» .
* وفي هذه السنة ماتت أم رومان بنت عامر بن عويمر، أم عائشة ﵄، كانت أسلمت قديما، وكانت أولا تحت عبد الله بن سخبرة، فولدت له الطفيل، وهو أخو عائشة لأمها، ثم مات عنها فتزوجها أبو بكر، فولدت له عبد الرحمن وعائشة.
* وفي السنة السادسة فرض الحج- علي ما عليه الجمهور- وقيل كان قبل الهجرة، حكاه إمام الحرمين في النهاية، وقيل غير ذلك.
стр. 372
* وفي هذه السنة نزل حكم الظّهار، وذلك أن أوس بن الصامت غضب على زوجته خوله بنت ثعلبة ذات يوم، وقال لها «أنت عليّ كظهر أمى» ، (وكان ذلك أوّل ظهار في الإسلام، وكان الظهار طلاقا في الجاهلية) ، ثم ندم على ما قاله: فأتت خولة النبى ﷺ وعائشة تغسل رأسه، فقالت: يا رسول الله: إن زوجى أوس بن الصامت تزوجنى وأنا ذات مال وأهل، فلما أكل مالي وذهب شبابى وتفرّق أهلى، ظاهر منى. فقال ﷺ : حرمت عليه. فبكت وصاحت، وقالت: أشكو إلى الله فقرى وفاقتى ووجدى وصبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا. فقال ﷺ : ما أراك إلا حرّمت عليه.
فجعلت ترفع صوتها باكية، وتقول: اللهم إنى أشكو إليك. فبينما هى على تلك الحالة إذ تغيّر وجه رسول الله ﷺ للوحى، فنزل جبريل ﵇ بهذه الايات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١] ، فدعا رسول الله ﷺ أوس بن الصامت، فتلا عليه الايات المذكورة، فقالت عائشة: تبارك الله الذى وسع علمه كل شىء إنى كنت أسمع كلام خولة ويخفى عليّ بعضه، وهى تحاور رسول الله ﷺ ، فما برحت حتّى نزل جبريل بهذه الايات. فقال رسول الله ﷺ لأوس: أعتق رقبة، فقال: ما لى بهذا قدرة، قال: صم شهرين متتابعين، قال: إنى إذا لم اكل في اليوم مرتين كلّ بصرى، قال: فأطعم ستين مسكينا، قال: لا أجد إلا أن تعيننى منك بعون وصلة. فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعا، وكانوا يرون أن عند أوس مثلها، وذلك لستين مسكينا، لكل مسكين نصف صاع، وهذا أوّل ظهار في الإسلام.
* وفي رمضان هذه السنة استسقى رسول الله ﷺ لما أجدب الناس، فمطروا فقال ﷺ : «أصبح الناس مؤمنا بالله وكافرا بالكواكب» قاله مغلطاى.
واستسقى في موضع المصلّى، وصلّى صلاة الاستسقاء:
روى أنه قحط الناس على عهد رسول الله ﷺ فأتاه المسلمون، وقالوا: يا
стр. 373
رسول الله قحط المطر، ويبس الشجر، وهلكت المواشى، وأسنت الناس «١» فاستسق لنا ربك. فخرج رسول الله ﷺ والناس معه، يمشى ويمشون بالسكينة والوقار، حتى أتوا المصلى، فتقدم وصلّى بهم ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، وكان ﷺ يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [سورة الأعلى] وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ... [سورة الغاشية] ، فلما قضى صلاته استقبل الناس بوجهه، وقلب رداءه لكى ينقلب القحط إلى الخصب، ثم جثا على ركبتيه، ورفع يديه، وكبّر تكبيرة قبل أن يستسقى، ثم قال: «اللهم اسقنا، وأغثنا غيثا مغيثا، وحياء ربيعا، وجدا طبقا غدقا مغدقا، عاما هنيئا مريئا، مريعا مرتعا، وابلا شاملا، مسبلا مجللا، دائما ودرا، نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، غيثا اللهم تحيى به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا صالحا للحاضر والباد، اللهم أنزل في أرضنا زينتها، وأنزل عليها سكينتها. اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا تحيى به بلدة ميتا، واسقه مما خلقت أنعاما وأناسى كثيرا» .
فما برحوا حتّى أقبل قزع «٢» من السحاب، فالتأم بعضه إلى بعض، ثم أمطرت سبعة أيام بلياليهن، لا تقلع عن المدينة، فأتاه المسلمون وقالوا: يا رسول الله قد غرقت الأرض، وتهدّمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله تعالى أن يصرفها عنا. فضحك رسول الله ﷺ ، وهو على المنبر حتّى بدت نواجذه، تعجبا لسرعة ملالة بنى ادم، ثم رفع يديه، ثم قال: «حوالينا ولا علينا، اللهم على رؤس الظراب، ومنابت الشجر، وبطون الأودية وظهور الاكام» ، فتصدعت عن المدينة حتّى كانت مثل ترس عليها، كالفسطاط «٣» تمطر مراعيها، ولا تمطر فيها قطرة.
стр. 374
وفي رواية: لما صارت المدينة كالفسطاط، وضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه، ثم قال: «لله أبو طالب؛ لو كان حيّا لقرّت عيناه، من الذى ينشدنا قوله؟» .
فقام علي بن أبى طالب رضى الله عنه فقال: يا رسول الله كأنك أردت:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال «١» اليتامى عصمة للأرامل
فقال رسول الله ﷺ : أجل.
стр. 375
الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة من الهجرة كانت غزوة خيبر «١» ، فى منتصف المحرم:
و «خيبر» بلد بينها وبين المدينة ثمانية برد، ذات حصون، أعظمها يسمى القموص «٢» لما قدم رسول الله ﷺ من الحديبية مكث بالمدينة ذا الحجة وبعض المحرم «٣» ، ثم خرج إليها غازيا، فدفع اللواء إلى على، وسار، فلما أشرف قال لأصحابه: قفوا، ثم قال: «اللهم ربّ السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا بسم الله» .
ونزلوا على خيبر ليلا، فلم يصح لهم تلك الليلة ديك، وكان ﷺ إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتّى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإلا أغار، فبات لم يسمع أذانا، فلما أصبحوا خرجوا إلى أعمالهم بمساحيهم ومكايلهم لعدم علمهم، فلما رأوه ﷺ عادوا وقالوا «محمد والخميس» (أى الجيش سمى به لأنه خمسة أخماس: ميمنة وميسرة ومقدمة، ومؤخرة، وقلب) فقال النبى ﷺ : «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المئذرين» ، وبهذا استدلّ على أن إيراد ايات القران على سبيل الاقتباس والاستشهاد لا بقصد التلاوة والقراءة جائز فيما يحسن ويجمل، لا في المدح ولغو الحديث، وبه قال النووى في شرح مسلم: وقد جاء لهذا نظائر كثيرة، كما ورد في فتح مكة أنه ﷺ جعل يطعن في
стр. 376
الأصنام ويقول- جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا- كما سيأتى، وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: «امنت بالذى خلقك فسواك فعدلك» ومما يدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: «كنت عند أبى فى وصيته، وهى: بسم الله الرحمن الرحيم ... هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبى قحافة، عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر ويتّقى الفاجر، ويصدق الكاذب، إنى استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذلك ظنى فيه، ورجائى فيه، وإن يجر ويبدّل فلا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون» .
وروى أن عثمان بن عفان يوم الدار أشرف من داره على الناس، وقد أحاطوا به فقال: وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٩] ، يا قوم لا تقتلونى، كنتم هكذا، (وشبك بين أصابعه) » . فكلّ هذا كغزوة خيبر، وحديث فتح مكة يدل على جواز الاقتباس. انتهى.
وفرّق ﷺ الرايات- ولم تكن الرايات إلا بخيبر، وإنما كانت الألوية- وكانت رايته يومئذ سوداء تسمى العقاب، لكون لون العقاب أسود، ثم حاصرهم وضيّق عليهم وأخذ الأموال، وفتح الحصون حصنا حصنا حتّى انتهى إلى حصنهم «الوطيح» والسلالم، وكان اخر الحصون افتتاحا، وكان حصارهم بضع عشرة ليلة، وأخذ سبايا منهم صفية بنت كبيرهم حيىّ بن أخطب، اصطفاها ﷺ لنفسه وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وبهذا أخذ الإمام أحمد رضى الله عنه حكم مذهبه، وهو من مفردات مذهبه وقال غيره: إن هذا من خواصه ﷺ ، وكانت صفية رأت في المنام وهى عروس- بكنانة بن أبى الربيع بن أبى الحقيق- أن قمرا وقع في حجرها، فذكرته لزوجها فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز محمدا، ولطمها. وعرّس ﷺ بها في الطريق في قبة، فبات أبو أيوب الأنصارى متوشحا بالسيف يحرسه، فلما أصبح راه النبى ﷺ فقال:
стр. 377
ما لك؟ قال: خفت عليك من امرأة قتلت أباها وزوجها وقومها، وهى حديثة عهد.
وكانت الراية مع أبى بكر رضى الله تعالى عنه، فكان يقاتل قتالا شديدا، ثم أخذها عمر فقاتل قتالا شديدا، فقال ﷺ : «أما والله لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرّارا غير فرّار، يأخذها عنوة» «١» فتطاول المهاجرون والأنصار إليها، يرجو كل واحد أن يكون هو صاحب ذلك، وكان علي بن أبى طالب رضى الله عنه قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه، فلما أصبحوا جاء عليّ فتفل النبىّ ﷺ في عينيه «٢» فما اشتكى رمدا بعدها، ثم أعطاه الراية وعليه حلّة حمراء فنهض بها وأتى خيبرا، فأشرف عليه رجل من يهودها، وقال: من أنت؟ قال: علي بن أبى طالب، فقال اليهودى: غلبتم يا معشر اليهود. فخرج «مرحب» صاحب الحصن من الحصن، ولم يكن في أهل خيبر أشجع من مرحب، وعليه يمانى، وعلى رأسه بيضة «٣» ، وله رمح سنانه ثلاثة أسنان، ونادى: من يبارز؟ وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنّى مرحب ... شاكى السلاح بطل مجرّب
أطعن أحيانا، وحينا أضرب ... إذا الحروب أقبلت تلهّب
إنّ حماى للحمى لا يقرب
فخرج على كرم الله وجهه، وهو يقول:
أنا الذى سمّتنى أمى حيدره ... أكيلكم بالسيف كيل السندزه
ليث بغابات شديد القسورة
[والسندرة: مكيال معلوم، ومعلوم أن حيدرة اسم من أسماء الأسد، وهو أشجعها أشار بذلك إلى أن أمه فاطمة لما ولدته سمّته باسم أبيها، وكان أبو
стр. 378
طالب حينئذ غائبا، فلما قدم سماه عليا، ولذلك قال عليّ رضى الله عنه يوم خيبر: أنا الذى سمتنى ... إلى اخره، فغلب عليه ما سماه أبوه] .
فاختلفا بضربتين، فسبقه على رضى الله عنه فقدّ البيضة والمغفر ورأسه، فسقط عدو الله ميتا.
وكان فتح خيبر في شهر صفر، على يد على رضى الله عنه بعد حصار بضع عشرة ليلة. وإلى ذلك يشير بعضهم:
وشادن «١» أبصرته مقبلا ... فقلت من وجدى به: مرحبا
قدّ فؤادى في الهوى قدّه «٢» ... قدّ عليّ في الوغى مرحبا
وفتح المسلمون حصون خيبر كلها عنوة، إلا حصن «الوطيح» «٣» وجصن «سلالم» «٤» - بضمّ السين المهملة- فإنهما فتحا صلحا، وكان أعظم حصون خيبر حصن «القموص» «٥» كصبور من حصون الكتيبة «٦» «الثلاثة» ، وكان منيعا حاصره المسلمون عشرين ليلة ثم فتحه الله على يد عليّ رضى الله عنه ومنه سبيت صفية رضى الله عنها، وقيل: إن اسمها قبل أن تسبى زينب، فلما صارت من الصفى سميت صفية، والصفىّ ما كان يصطفيه ﷺ لنفسه من الغنيمة قبل أن تقسم، وكان في الجاهلية لأمير الجيش ربع الغنيمة، ومن ثم قيل له: المرباع «٧» .
стр. 379
قال السهيلى ﵀: «كانت أموال النبى ﷺ من ثلاثة أوجه: الصفى»
، والهدية، وخمس الخمس» هذا كلامه. ولا يخفى أنه يزاد على ذلك «الفىء» .
وباقى حصون الكتيبة الثلاثة هو حصن «الوطيح» وحصن «سلالم» المتقدمين.
وشهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء من النساء المسلمات، فرضخ لهنّ ﵊ من الفىء، ولم يضرب لهنّ بسهم «٢» ، وقيل «٣» ضرب لهن أيضا بسهم كامل، وكانت قد خرجت معهم عشرون امرأة.
وفي حديث ابن أبي الصلت عن امرأة غفارية سمّاها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من غفار، وهو يسير إلى خيبر فقلنا: يا رسول الله، قد أردنا الخروج معك لنداوى الجرحى ونعين المسلمين ما استطعنا، فقال: على بركة الله، قالت: فخرجنا معه، فلما افتتح خيبر رضخ لنا من الفىء.
واستشهد بخيبر من المسلمين نحو من عشرين رجلا، منهم عامر بن الأكوع عم سلمة بن الأكوع- وقد كان رسول الله ﷺ قال له في مسيره إلى خيبر:
انزل يا ابن الأكوع فاحد «٤» لنا من هنيهاتك «٥» ، فنزل يرتجز برسول الله ﷺ ، فقال:
والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
وقتل عامر بن الأكوع رضى الله عنه بسيف نفسه، رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما* شديدا، فمات منه.
стр. 380
* وفي غزوة خيبر أهديت للنبى ﷺ الشاة المسمومة، فأخذ منها قطعة وأكلها، وأكل القوم، فقال: «ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة» ، فمات بشر بن البراء، وكان بشر قد أساغ تلك اللقمة والمصطفى ﷺ لم يسغها لكنها أثرت في فمه ولهواته قبل أن ينطق الله له ذراعها بالتحذير مما دسّ فيها من السم القاتل من ساعته، ودعا ﷺ باليهودية فاعترفت، ثم قال لها: «ما حملك على ما صنعت؟ قالت: إن كنت نبيا لم يضرّك الذى صنعت، وإن كنت ملكا أرحت الناس منك، فقال: «ما كان الله ليسلطك على ذلك» ، ولم يعاقبها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية رحمه الله تعالى بقوله:
ثم سمّت اليهودية الشا ... ة وكم سام الشّقوة الأشقياء
فأذاع الذراع ما فيه من ش ... رّ بنطق إخفاؤه إبداء
وبخلق من النّبىّ كريم ... لم تقاصص بجرحها العجماء
[أى ثم جعلت اليهودية السمّ القاتل في الشاة، ومرات كثيرة يطلب الشقوة ويتحلّى بها الاشقياء، الذين لا خلاق لهم، فأخبر ذلك الذراع النبىّ ﷺ بالنطق بما فيه من سم، وإخفاء ذلك النطق عن الحاضرين إبداء وإظهار له ﷺ ، وبسبب ما تحلى به ﷺ من كمال الحلم والعفو، لم تقاصص تلك المرأة بجرحها، أى بجرح سمّها، لأن السم يجرح الباطن، كما يجرح الحديد الظاهر] .
وما قيل: إنه أمر بها فقتلت به قصاصا، لعله هو عين ما يروى عن ابن عباس أنه دفعها إلى أولياء بشر بن البراء، بهذا يفسّر قول ابن إسحاق «أجمع أهل الحديث أن رسول الله ﷺ قتل اليهودية التى سمّته» وقال النبى ﷺ في مرض موته: «إن أكلة خيبر لم تزل تعاودنى، وهذا زمان انقطاع أبهرى» «١» [والأبهر عرق في الظهر وقيل: هو عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق بعده حياة، وقيل: الأبهر «٢» عرق منشؤه من الرأس، ويمتد إلى القدم، وله
стр. 381
شرايين تتصل بأكثر أطراف البدن؛ فالذى في الرأس منه يسمى «النأمة» «١» .
وقولهم: أسكت الله نأمته أى حياته، ويمتد إلى الحلق ويسمّى فيه الوريد «٢» ، ويمتد إلى الصدر فيسمى الأبهر، ويمتد إلى الظهر فيسمى الوتين «٣» والفؤاد معلق به، ويمتد إلى الفخذين فيسمّى النّسا «٤» ويمتد إلى الساق فيسمّى الصافن «٥» .
ولم يكتب ليهود خيبر كتابا بإسقاط الجزية عنهم، وإنما ساقاهم النبى ﷺ على النصف من ثمارهم، ويخرجهم متى شاء.
ثم في زمن خلافة القائم بأمر الله، ظهر يهودى رئيس الرؤساء ببغداد، وأظهر كتابا فيه أن رسول الله ﷺ أمر بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة رضى الله عنهم، منهم: علي بن أبى طالب رضى الله عنه، فحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، ووقع الناس منه في حيرة، فعرضه على الحافظ أبى بكر «٦» خطيب بغداد، فتأمله وقال: إن هذا مزوّر، فقيل له: من أين ذلك؟ فقال: فيه شهادة معاوية رضى الله عنه، وهو أسلم عام الفتح سنة ثمان من الهجرة، وفتوح خيبر سنة سبع من الهجرة، ولم يكن مسلما في ذلك الوقت، ولا حضر ما جرى، وفيه شهادة سعد بن معاذ رضى الله عنه، ومات سعد يوم بنى قريظة بسهم أصابه، ذلك قبل فتح خيبر بسنتين «٧» . انتهى.
* وفي هذه السنة فتح «فدك» «٨» ، وهى قرية بينها وبين مدينة النبى ﷺ مرحلتان، وقيل ثلاث مراحل. قال أهل السير: لما أتى النبىّ ﷺ حوالى خيبر،
стр. 382
بعث محيصة بن مسعود الحارثى إلى فدك، يدعو أهلها إلى الإسلام، فدعاهم إليه، فخوّفهم أنّ رسول الله ﷺ جاء إلى حربهم كما أتى إلى حرب أهل خيبر، وقالوا: «إن عامرا وياسرا وحارثا وسيد اليهود مرحبا في حصن نطاه معهم ألف مقاتل، وما نظن أن يقاومهم محمد» ، فمكث محيصة فيهم يومين، ولما رأى ألاميل لهم في الصلح، أراد أن يرجع، فقالوا له: اصبر نستشير أكابر قومنا ونبعث معك من يصالح محمدا، وبينما هم في ذلك الرأى إذ أتاهم خبر حصن «الناعم» أن رسول الله ﷺ فتحه، فوقع في قلوبهم خوف عظيم، فأرسلوا جماعة من يهود فدك إلى النبى ﷺ حتّى يصالحوه، فبعد القيل والقال الكثير، استقر الأمر على أن يعطوا النبى ﷺ نصف أرض فدك، ولهم نصفها، فرضى النبى ﷺ ، فصالحهم على ذلك. وكانوا يعملون على ذلك حتّى أخرجهم عمر وأهل خيبر إلى الشام، واشترى منهم حصّتهم «النصف» بمال بيت المال، كما سيأتى فكان خيبر للمسلمين، وفدك خالصة له؛ لأنها فتحت بغير إيجاف (أى تحريك وإتعاب في السير) ولا ركاب فلم يقسمها ووضعها حيث أمره الله، وانصرف ﷺ عن خيبر إلى وادى القرى فحاصرها وافتتحها عنوة، وقسمها.
وأصاب بها غلامه مدعما» سهم غرب (بفتح الراء والإضافة، وبتسكين الراء بلا إضافة: وهو الذى لا يعرف راميه) فقتله. وقال ﷺ فيه لما شهد له أناس بالجنة: «كلا إن الشملة التى أخذها يوم خيبر من المغانم قبل القسم لتشتعل عليه نارا» ، فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﷺ فقال ﷺ : «شراك من نار أو شراكان من نار» .
وعن أبى حميد الساعدى، قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من أسد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدى لى، فقال النبى ﷺ : فهلا جلس فى بيت أمه أو في بيت أبيه فينظر أيهدّى إليه أم لا، فو الذى نفسى بيده لا يأخذ منها أحد شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، وإن كان شاة جاء بها تيعر (بفتح المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية بعدها مهملة مفتوحة، ويجوز كسرها) أى لها صوت شديد- ثم رفع يديه حتّى رؤيت صفرة إبطيه، ثم قال: «اللهم هل بلّغت، اللهم هل بلغت» .
وروى أن النبى ﷺ أمر فروة بن عمرو البياضى أن يجمع غنائم خيبر في
стр. 383
حصن «نطاه» ، فجمع، وكان في أثناء الغنائم صحائف متعددة من التوراة، فجاءت يهود تطلبها، فأمر النبى ﷺ بدفعها إليهم، ويوم جمع غنائم خيبر وأخذ سباياهم أمر النبى ﷺ مناديا ينادى: أنّ من امن بالله واليوم الاخر «أن لا يصيب أحد امرأة من السبى غير حامل حتّى يستبرئها» (أى حتّى تحيض) .
وفي لفظ: أمر رسول الله ﷺ مناديه ينادى: «أنّ من امن بالله واليوم الاخر لا يسق بمائة زرع الغير «١» ، ولا يطأ امرأة حتّى تنقضى عدتها (أى حتّى تحيض) » «٢» .
ولم يزل يهود خيبر وأهل فدك على شروطهم بعد الفتح إلى أن أجلاهم عمر رضى الله عنه منها، ومن غيرها من بلاد العرب، وهى الحجاز- مكة والمدينة واليمامة وطرقها وقراها كالطائف لمكة وخيبر للمدينة- حيث بلغه أن النبى «٣» قال في مرضه الذى مات فيه: «لا يجتمعن دينان بأرض العرب» «٣» ، وفي رواية «بجزيرة العرب» ا. هـ.
والعرب أفضل الأجناس، وأعزهم نفسا، وأكرمهم أخلاقا، وأرقهم طباعا، وأكثرهم وفاء، وأجمعهم للخلال الكريمة، وأبعدهم عن الأخلاق الذميمة، وهم بحور الكرم والوفاء.
قال الأصمعى: وخصّت العرب بإطعام الطعام والأنفة من الضيم.
وقال المأمون: فضّلت العرب على سائر الأجناس يالسؤدد، ولو لم يكن فيهم إلا أنهم لا يصلحون للاسترقاق لكفى.
وأرق العرب طبعا: قريش، وأهل الحرمين.
وقال: اختصت العرب من بين الأنام بثلاث: العمائم تاجها، والسيوف سياجها، والشعر ديوانها. وإنما قيل الشعر ديوان العرب؛ لأنهم كانوا يرجعون
стр. 384
إليه عند اختلافهم في الأسباب والحروب ولأنه مستودع علومهم، وحافظ ادابهم، ومعدن أخبارهم، ولهذا قيل:
الشعر يحفظ ما أودى الزمان به ... والشعر أفخر ما ينبى عن الكرم
لولا مقال زهير «١» فى قصائده ... ما كنت تعرف جودا كان من هرم «٢»
وفي الحديث عنه ﷺ : «العمائم تيجان، فإذا وضعوها وضع الله عزتهم» «٣» .
ومن أعزّ العرب نفسا وأشرفهم همما الأنصار، وهم الأوس والخزرج، أبناء قيلة، لم يؤدوا إتاوة قط في الجاهلية إلى أحد من الملوك، وكتب إليهم تبّع أبو كرب يدعوهم إلى طاعته ويتوعدهم إن لم ينقادوا له، فكتبوا إليه:
العبد تبّع كم يوم قتالنا ... ومكانه بالمنزل المتذلل
إنّا أناس لا ننام بأرضنا ... عض الرسول هنا لأم «٤» المرسل
فلما دنا لقتالهم كانوا يقاتلونه نهارا ويخرجون إليه القرى ليلا، فندم على «٥» قتالهم، ورحل عنهم. وحسب الأنصار من الفضل ما يروى أنهم لما رأوا رسول الله ﷺ في مرض موته يزداد وجعا طافوا بالمسجد، فأشفقوا من موته ﷺ ، فدخل عليه الفضل فأخبره بذلك، ثم دخل عليّ رضى الله عنه فأخبره بذلك، ثم دخل عليه العباس فأخبره ذلك، فخرج ﷺ متوكئا على عليّ والفضل، والعباس أمامه، والنبى ﷺ معصوب الرأس يخطّ برجليه حتّى جلس على أسفل مرقاة من المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وخطب خطبة ختمها بقوله:
«وأوصيكم بالأنصار خيرا؛ فإنهم الذين تبوّؤا الدار والإيمان من قبلكم، يحبون من هاجر إليهم، ألم يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسعوا لكم في الدنيا؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟» أ. هـ.
وبالجملة فكلّ واحد من العرب يرى في نفسه العزة، وأنه سيّد حيّه وقبيلته،
стр. 385
وأكرمها، لا سيما رؤساؤهم الذين هم فيهم كالملوك، قال الشاعر:
وإذا سألت عن الكرام وجدتنى ... كالشمس لا تخفى بكل مكان
(رجع) ثم سار ﷺ إلى المدينة، وكان قد كتب إلى النجاشى يطلب منه بقية المهاجرين، ويخطب أمّ حبيبة- رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية ابن عبد شمس- فزوّجها للنبى ﷺ ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بالحبشة، وأصدقها النجاشىّ عن النبى أربعمائة دينار، وبعثها مع شرحبيل بن حسنة في سنة سبع، وكلّم رسول الله ﷺ المسلمين أن يدخلوا الذين حضروا من الحبشة في سهامهم من مغنم خيبر، ففعلوا، فما أحسن زواج الحضرة النبوية بهذه الكريمة الزكية على يد هذا الملك الموفق، والتابعى «١» الذى طلع بدره على سنية الإيمان وأشرق، فقد فاق هذا الملك النجاشى بما له من حميد الخلال نجاشى كافور الخال، الذى هو ملك الجمال.
وعلى ذكر الكافور فيحسن إيراد هذا الخبر المأثور، وهو: أنه لما جرح بعض الصحابة في بعض الغزوات، فعولج أن ينقطع دمه فلم ينقطع، فقال حسان:
ائتونى بكافور، فجىء له به، فلما وضعه على الجرح انقطع دمه، فقال له ﷺ :
ممّ أخذت هذا؟ قال: من قول امرئ القيس:
فكّرت ليلة وصلها في هجرها ... فجرت مدافع مقلتى كالعندم
فظفقت أمسح مقلتى بخدّها ... إذ عادة الكافور إمساك الدم
فقال ﷺ : «إنّ من الشعر لحكمة» «٢» .
* وفي هذه السنة كتب رسول الله ﷺ إلى جبلة بن الأيهم [اخر ملوك غسان] ودعاه إلى الإسلام، قال: فلما وصل إليه الكتاب أسلم وكتب جواب
стр. 386
كتاب رسول الله ﷺ ، وأعلمه بإسلامه، وأرسل الهدية، وكان ثابتا على إسلامه إلى زمان عمر بن الخطاب، وفي خلافته قدم مكة للحج، وحين كان يطوف فى المطاف وطىء رجل من فزارة إزاره فانحلّ، فلطم الفزارى لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه، فشكا الفزارى إلى عمر واستغاثه، فطلب عمر جبلة وحكم بأحد الأمرين: إما العفو وإما القصاص، قال جبلة: أتقتصّ له منّى سواء وأنا ملك وهو سوقى!! قال عمر: الإسلام سوّى بينكما لا فضل لك عليه إلا بالتقوى، قال: فإن كنت أنا وهذا الرجل سواء في هذا الدين فأنتصّر «١» ، قال عمر: إذا أضرب عنقك، قال: فأمهلنى إليه حتّى انظر في أمرى، فلما كان الليل ركب في بنى عمه وهرب إلى قسطنطينية وتنصّر هناك ومات مرتدا.
وبعض أهل الإسلام على أن جبلة عاد إلى الإسلام ومات مسلما.
* وفي هذه السنة اتخذ رسول الله ﷺ الخاتم؛ ثبت في صحاح الأحاديث أن النبى ﷺ لما أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشى وغيرهم من الملوك إلى الإسلام، قيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم، أو مختوما، فصاغ النبى ﷺ خاتما من ذهب، واقتدى به ذوو اليسار من أصحابه، فصنعوا خواتيم من ذهب، فلما لبس رسول الله ﷺ خاتمه، لبسوا أيضا خواتيمهم، فجاء جبريل ﵇ من الغد، وقال: «لبس الذهب حرام لذكور أمتك» فطرح النبى ﷺ خاتمه فطرح أصحابه أيضا خواتيمهم، ثم اتخذ رسول الله ﷺ خاتما حلقة وفصّه من فضة «٢» ، ونقش فيه «محمد رسول الله» فى ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. واقتدى به أصحابه فاتخذوا خواتيمهم من فضة.
стр. 387
وفي هذه السنة بعث ﷺ رسله إلى الملوك، وقيل: كان إرسال الرسل في اخر سنة ست، وجمع بعضهم بين القولين بأن إرسال الرسل كان في السنة السادسة، ووصولهم إلى المرسل إليهم كان في السنة السابعة، وقد سبق الكلام على بعث الرسل إلى الملوك في الفصل الرابع عشر من الباب الأوّل من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل من هذا التاريخ، وسيأتى ذلك في الفصل الرابع من الباب السادس.
* وفي هذه السنة- فى ذى القعدة في الشهر الذى صدّه المشركون- كانت عمرة القضاء، ويقال لها عمرة القضية. لأن رسول الله ﷺ قاضى قريشا أى صالحهم عليها، ومن ثمّ قيل لها: «عمرة الصلح» ويقال لها عمرة «القصاص» ؛ قال السهيلى ﵀ وهذا الاسم أولى لقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ «١» قال الحافظ ابن حجر ﵀: فتحصّل من أسمائها أربعة: «القضاء» ، و «القضية» ، و «الصلح» و «القصاص» لأنها كانت في شهر ذى القعدة من السنة السابعة، وهو الشهر الذى صده فيه المشركون عن البيت منها سنة ست، وليست قضاء عن العمرة التى صدّ عن البيت فيها، فإنها لم تكن فسدت بصدّهم له عن البيت، بل كانت عمرة تامة معدودة في عمرة ﷺ التى اعتمرها ﷺ بعد الهجرة، وهى أربعة: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، لما قسم غنائم حنين، والعمرة التى قرنها مع حجة فى حجة الوداع، بناء على ما هو الراجح من أنه كان قارنا، وكلها في ذى القعدة إلا التى كانت مع حجه.
وخرج ﷺ قاصدا مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية من أن يدخل مكة في العام القابل معه سلاح المسافر، ولا يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام، وأمر أصحابه أن يستمروا قضاء لعمرتهم التى صدهم المشركون عنها بالحديبية، وألايتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم أحد، إلا من استشهد منهم بخيبر ومن مات. وخرج معه ﷺ قوم من المسلمين عمارا غير الذين شهدوا الحديبية، وكانوا في عمرة القضاء ألفين، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفارى، وقيل غيره، وساق ستين بدنة وقلّدها [أى جعل في عنق كل بعير قطعة جلد ليعلم أنها هدى] وجعل عليها ناجية بن جندب، وحمل رسول الله ﷺ
стр. 388
السلاح والدروع والرماح، وقاد مائة فرس عليها محمد بن مسلمة رضى الله عنه، وعلى السلاح بشير «١» بن سعد، فلما انتهى إلى ذى الحليفة قدّم الخيل أمامه، فقيل: يا رسول الله حملت السلاح وقد شرطوا ألاتدخلها عليهم بسلاح إلا بسلاح المسافر!! [السيوف في القرب] فقال رسول الله ﷺ : لا يدخل عليهم الحرم بالسلاح، ولكن يكون قريبا منّا، فإن هاجنا الهيج من القوم كان السلاح قريبا منه. ثم إن قريشا بعثت مكرز بن حفص في نفر من قريش إليه ﷺ ، فقالوا: «والله يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر وتدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت عليهم ألاتدخل إلا بسلاح المسافرا» [السيوف في القرب] فقال ﷺ : إنى لا أدخل عليه بسلاح، فقال مكرز: هو الذى تعرف به: البر والوفاء، ثم رجع مكرر إلى مكة سريعا، وقال: إن محمدا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذى شرط لكم.
فلما اتصل خروجه لقريش خرج كبراؤهم من مكة حتّى لا يروه ﷺ يطوف بالبيت هو وأصحابه عداوة وبغضا وحسدا لرسول الله ﷺ فدخل رسول الله ﷺ مكة راكبا ناقته القصوى، وأصحابه محدقون به قد توشحوا السيوف، يلبّون، ثم دخل من الثنية، وهى تنية كداء بفتح أوله والمد (وهى طلعة الحجون التى بأعلى مكة ينحدر منها إلى المقابر على درب المعلاة) على طريق الأبطح ومنى، وعبد الله بن رواحة اخذ بزمام راحلته، وهو يمشى بين يديه ويقول:
خلوا بنى الكفّار عن سبيله ... خلّوا؛ فكلّ الخير في رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله ... بأنّ خير القتل في سبيله
فاليوم نضربكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله
وجعل ﷺ السلاح في بطن بأجج (كيسمع وينصر ويضرب: موضع قريب من الحرم) وتخلّف عنده جمع من المسلمين من أصحابه، عليهم أوس بن
стр. 389
خولى، وقعد جمع من المشركين بجبل «قعيقعان» «١» ينظرون إليه ﷺ وإلى أصحابه وهم يطوفون بالبيت، وقد قال كفار قريش: إن المهاجرين أوهنتهم حمى يثرب، ثم قال ﷺ : «رحم الله امرا أراهم من نفسه قوة» فأمر أصحابه أن يرسلوا الأشواط الثلاثة، أى ليروا المشركين أن لهم قوة، فعند ذلك قال بعضهم لبعض: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد أوهنتهم؛ إنهم لينفرون نفر الظبى؟!
وإنما لم يأمرهم ﷺ بالرمل في الأشواط كلها رفقا بهم، واضطبع ﷺ بأن جعل وسط ردائه تحت عضده الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، ففعلت الصحابة رضى الله عنهم كذلك، وهذا أوّل رمل واضطباع في الإسلام، فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست سنّة عليهم، وأن رسول الله ﷺ إنما صنعها لهذا الحى من قريش، للذي بلغه عنهم حتّى حجّ حجة الوداع، فلزمها، فدلّ على أنها سنّة. ثم طاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدى عند المروة، قال: «هذا المنحر، وكلّ فجاج مكة منحر» فنحر عند المروة وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون.
وأقام ﷺ ثلاثة أيام، فلما تمت الثلاثة التى هى أمد الصلح، جاءه حويطب بن عبد العزى ومعه سهيل بن عمرو رضى الله عنهما- فإنهما أسلما بعد ذلك- إلى رسول الله ﷺ يدعوانه إلى الخروج هو وأصحابه من مكة، فقالوا: نناشدك الله والعقد إلا ما خرجت من أرضنا، فقد مضت الثلاث. فخرج رسول الله ﷺ هو وأصحابه من مكة، وكان ﷺ تزوّج ميمونة بنت الحارث الهلالية رضى الله عنها، وكان اسمها برّة، فسمّاها رسول الله ﷺ ميمونة، وهى أخت أم الفضل زوج العباس رضى الله عنها، وأخت أسماء بنت عميس لأمها- زوج حمزة رضى الله عنه- وكان تزوّجه بها ﷺ قبل أن يحرم بالعمرة وقيل: بعد أن حلّ منها، وقيل:
وهو محرم. وبنى بها في عوده من مكة بمحل يقال له «سرف» ككتف، بقرب التنعيم، على ثلاثة أميال من مكة، واتفق فيما بعد أنها ماتت بسرف ودفنت فيه، وفي بعض السير أنها لما اعتلّت بمكة قالت: أخرجونى من مكة لأن رسول الله ﷺ أخبرنى أنى لا أموت بها، فحملوها حتّى أتوا بها سرف، إلى الشجرة التى بنى بها رسول الله ﷺ تحتها، فى موضع القبة، فماتت هناك سنة ثمان وثلاثين، وهناك عند قبرها سقاية.
стр. 390
وفيها تحريم الحمر الأهلية، والنهى عن أكل كل ذى ناب من السباع، وفيها النهى عن متعة النساء بالضم والكسر، وهى أن يتزوج امرأة ليتمتاع بها مدة ثم يخلى سبيلها، وتحصل الفرقة بانقضاء الأجل بغير طلاق، ثم حلّلها يوم حنين، ثم حرّمها تحريما مؤبدا «١» .
وفيها جاءته مارية القبطية بنت شمعون، أهداها له المقوقس ملك مصر وإسكندرية وأختها سيرين مع هدية من ذهب وقدح من قوارير، فكان رسول الله ﷺ يشرب فيه، وهدية من عسل من بنها العسل، فدعا رسول الله ﷺ لعسل بنها بالبركة، وبغلته دلدل- بضم الدالين، ولم يكن في العرب غيرها، وهى أوّل بغلة رؤيت في الإسلام وكانت بيضاء، وقيل شهباء، أهداها له أيضا المقوقس، وكان يركبها في السفر، وعاشت بعده حتّى كبرت وسقطت أضراسها، وكان يحشّ لها الشعير، وقيل: كانت ذكرا لا أنثى، وكل ذلك مع حاطب بن أبى بلتعة.
* وفي هذه السنة أيضا كان تزوّجه بأمّ حبيبة.
وفيها أسلم أبو هريرة، وعلى أشهر الأقوال اسمه «عبد شمس بن عامر» ، فسمّى فى الإسلام عبد الله»
، وقيل له: لم كنوك بأبى هريرة؟ قال: كنت أرعى غنم قومى، وكانت لى هريرة صغيرة ألعب بها، فكنونى بأبى هريرة، وكان النبى ﷺ يكنيه أبا هرّ، وكان أحفظ أصحابه لأخبار رسول الله ﷺ واثاره، ولم يشتغل بالبيع ولا بالغرس، ولزم رسول الله ﷺ ثلاث سنين مختارا للعدم والفقر، ومروياته في كتب الأحاديث خمسة الاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا.
* وفي هذه السنة قدم جعفر بن أبى طالب وأصحابه من الحبشة، وكان قد خرج في أثر المهاجرين، الهجرة الأولى التى كان أميرها عثمان بن عفان رضى الله عنه، فهاجر جعفر بن أبى طالب مع أصحابه وزوجته أسماء بنت عميس، فتتابع المسلمون إلى بلاد الحبشة، منهم من هاجر بأهله، ومنهم من هاجر بنفسه، ثم بلغ المهاجرين أن المشركين قد لانوا لرسول الله ﷺ ، فرجعوا إلى مكة، ثم