كتاب رسول الله ﷺ ، وأعلمه بإسلامه، وأرسل الهدية، وكان ثابتا على إسلامه إلى زمان عمر بن الخطاب، وفي خلافته قدم مكة للحج، وحين كان يطوف فى المطاف وطىء رجل من فزارة إزاره فانحلّ، فلطم الفزارى لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه، فشكا الفزارى إلى عمر واستغاثه، فطلب عمر جبلة وحكم بأحد الأمرين: إما العفو وإما القصاص، قال جبلة: أتقتصّ له منّى سواء وأنا ملك وهو سوقى!! قال عمر: الإسلام سوّى بينكما لا فضل لك عليه إلا بالتقوى، قال: فإن كنت أنا وهذا الرجل سواء في هذا الدين فأنتصّر «١» ، قال عمر: إذا أضرب عنقك، قال: فأمهلنى إليه حتّى انظر في أمرى، فلما كان الليل ركب في بنى عمه وهرب إلى قسطنطينية وتنصّر هناك ومات مرتدا.
وبعض أهل الإسلام على أن جبلة عاد إلى الإسلام ومات مسلما.
* وفي هذه السنة اتخذ رسول الله ﷺ الخاتم؛ ثبت في صحاح الأحاديث أن النبى ﷺ لما أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشى وغيرهم من الملوك إلى الإسلام، قيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم، أو مختوما، فصاغ النبى ﷺ خاتما من ذهب، واقتدى به ذوو اليسار من أصحابه، فصنعوا خواتيم من ذهب، فلما لبس رسول الله ﷺ خاتمه، لبسوا أيضا خواتيمهم، فجاء جبريل ﵇ من الغد، وقال: «لبس الذهب حرام لذكور أمتك» فطرح النبى ﷺ خاتمه فطرح أصحابه أيضا خواتيمهم، ثم اتخذ رسول الله ﷺ خاتما حلقة وفصّه من فضة «٢» ، ونقش فيه «محمد رسول الله» فى ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. واقتدى به أصحابه فاتخذوا خواتيمهم من فضة.
стр. 387
وفي هذه السنة بعث ﷺ رسله إلى الملوك، وقيل: كان إرسال الرسل في اخر سنة ست، وجمع بعضهم بين القولين بأن إرسال الرسل كان في السنة السادسة، ووصولهم إلى المرسل إليهم كان في السنة السابعة، وقد سبق الكلام على بعث الرسل إلى الملوك في الفصل الرابع عشر من الباب الأوّل من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل من هذا التاريخ، وسيأتى ذلك في الفصل الرابع من الباب السادس.
* وفي هذه السنة- فى ذى القعدة في الشهر الذى صدّه المشركون- كانت عمرة القضاء، ويقال لها عمرة القضية. لأن رسول الله ﷺ قاضى قريشا أى صالحهم عليها، ومن ثمّ قيل لها: «عمرة الصلح» ويقال لها عمرة «القصاص» ؛ قال السهيلى ﵀ وهذا الاسم أولى لقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ «١» قال الحافظ ابن حجر ﵀: فتحصّل من أسمائها أربعة: «القضاء» ، و «القضية» ، و «الصلح» و «القصاص» لأنها كانت في شهر ذى القعدة من السنة السابعة، وهو الشهر الذى صده فيه المشركون عن البيت منها سنة ست، وليست قضاء عن العمرة التى صدّ عن البيت فيها، فإنها لم تكن فسدت بصدّهم له عن البيت، بل كانت عمرة تامة معدودة في عمرة ﷺ التى اعتمرها ﷺ بعد الهجرة، وهى أربعة: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، لما قسم غنائم حنين، والعمرة التى قرنها مع حجة فى حجة الوداع، بناء على ما هو الراجح من أنه كان قارنا، وكلها في ذى القعدة إلا التى كانت مع حجه.
وخرج ﷺ قاصدا مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية من أن يدخل مكة في العام القابل معه سلاح المسافر، ولا يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام، وأمر أصحابه أن يستمروا قضاء لعمرتهم التى صدهم المشركون عنها بالحديبية، وألايتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم أحد، إلا من استشهد منهم بخيبر ومن مات. وخرج معه ﷺ قوم من المسلمين عمارا غير الذين شهدوا الحديبية، وكانوا في عمرة القضاء ألفين، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفارى، وقيل غيره، وساق ستين بدنة وقلّدها [أى جعل في عنق كل بعير قطعة جلد ليعلم أنها هدى] وجعل عليها ناجية بن جندب، وحمل رسول الله ﷺ
стр. 388
السلاح والدروع والرماح، وقاد مائة فرس عليها محمد بن مسلمة رضى الله عنه، وعلى السلاح بشير «١» بن سعد، فلما انتهى إلى ذى الحليفة قدّم الخيل أمامه، فقيل: يا رسول الله حملت السلاح وقد شرطوا ألاتدخلها عليهم بسلاح إلا بسلاح المسافر!! [السيوف في القرب] فقال رسول الله ﷺ : لا يدخل عليهم الحرم بالسلاح، ولكن يكون قريبا منّا، فإن هاجنا الهيج من القوم كان السلاح قريبا منه. ثم إن قريشا بعثت مكرز بن حفص في نفر من قريش إليه ﷺ ، فقالوا: «والله يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر وتدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت عليهم ألاتدخل إلا بسلاح المسافرا» [السيوف في القرب] فقال ﷺ : إنى لا أدخل عليه بسلاح، فقال مكرز: هو الذى تعرف به: البر والوفاء، ثم رجع مكرر إلى مكة سريعا، وقال: إن محمدا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذى شرط لكم.
فلما اتصل خروجه لقريش خرج كبراؤهم من مكة حتّى لا يروه ﷺ يطوف بالبيت هو وأصحابه عداوة وبغضا وحسدا لرسول الله ﷺ فدخل رسول الله ﷺ مكة راكبا ناقته القصوى، وأصحابه محدقون به قد توشحوا السيوف، يلبّون، ثم دخل من الثنية، وهى تنية كداء بفتح أوله والمد (وهى طلعة الحجون التى بأعلى مكة ينحدر منها إلى المقابر على درب المعلاة) على طريق الأبطح ومنى، وعبد الله بن رواحة اخذ بزمام راحلته، وهو يمشى بين يديه ويقول:
خلوا بنى الكفّار عن سبيله ... خلّوا؛ فكلّ الخير في رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله ... بأنّ خير القتل في سبيله
فاليوم نضربكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله
وجعل ﷺ السلاح في بطن بأجج (كيسمع وينصر ويضرب: موضع قريب من الحرم) وتخلّف عنده جمع من المسلمين من أصحابه، عليهم أوس بن
стр. 389
خولى، وقعد جمع من المشركين بجبل «قعيقعان» «١» ينظرون إليه ﷺ وإلى أصحابه وهم يطوفون بالبيت، وقد قال كفار قريش: إن المهاجرين أوهنتهم حمى يثرب، ثم قال ﷺ : «رحم الله امرا أراهم من نفسه قوة» فأمر أصحابه أن يرسلوا الأشواط الثلاثة، أى ليروا المشركين أن لهم قوة، فعند ذلك قال بعضهم لبعض: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد أوهنتهم؛ إنهم لينفرون نفر الظبى؟!
وإنما لم يأمرهم ﷺ بالرمل في الأشواط كلها رفقا بهم، واضطبع ﷺ بأن جعل وسط ردائه تحت عضده الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، ففعلت الصحابة رضى الله عنهم كذلك، وهذا أوّل رمل واضطباع في الإسلام، فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست سنّة عليهم، وأن رسول الله ﷺ إنما صنعها لهذا الحى من قريش، للذي بلغه عنهم حتّى حجّ حجة الوداع، فلزمها، فدلّ على أنها سنّة. ثم طاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدى عند المروة، قال: «هذا المنحر، وكلّ فجاج مكة منحر» فنحر عند المروة وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون.
وأقام ﷺ ثلاثة أيام، فلما تمت الثلاثة التى هى أمد الصلح، جاءه حويطب بن عبد العزى ومعه سهيل بن عمرو رضى الله عنهما- فإنهما أسلما بعد ذلك- إلى رسول الله ﷺ يدعوانه إلى الخروج هو وأصحابه من مكة، فقالوا: نناشدك الله والعقد إلا ما خرجت من أرضنا، فقد مضت الثلاث. فخرج رسول الله ﷺ هو وأصحابه من مكة، وكان ﷺ تزوّج ميمونة بنت الحارث الهلالية رضى الله عنها، وكان اسمها برّة، فسمّاها رسول الله ﷺ ميمونة، وهى أخت أم الفضل زوج العباس رضى الله عنها، وأخت أسماء بنت عميس لأمها- زوج حمزة رضى الله عنه- وكان تزوّجه بها ﷺ قبل أن يحرم بالعمرة وقيل: بعد أن حلّ منها، وقيل:
وهو محرم. وبنى بها في عوده من مكة بمحل يقال له «سرف» ككتف، بقرب التنعيم، على ثلاثة أميال من مكة، واتفق فيما بعد أنها ماتت بسرف ودفنت فيه، وفي بعض السير أنها لما اعتلّت بمكة قالت: أخرجونى من مكة لأن رسول الله ﷺ أخبرنى أنى لا أموت بها، فحملوها حتّى أتوا بها سرف، إلى الشجرة التى بنى بها رسول الله ﷺ تحتها، فى موضع القبة، فماتت هناك سنة ثمان وثلاثين، وهناك عند قبرها سقاية.
стр. 390
وفيها تحريم الحمر الأهلية، والنهى عن أكل كل ذى ناب من السباع، وفيها النهى عن متعة النساء بالضم والكسر، وهى أن يتزوج امرأة ليتمتاع بها مدة ثم يخلى سبيلها، وتحصل الفرقة بانقضاء الأجل بغير طلاق، ثم حلّلها يوم حنين، ثم حرّمها تحريما مؤبدا «١» .
وفيها جاءته مارية القبطية بنت شمعون، أهداها له المقوقس ملك مصر وإسكندرية وأختها سيرين مع هدية من ذهب وقدح من قوارير، فكان رسول الله ﷺ يشرب فيه، وهدية من عسل من بنها العسل، فدعا رسول الله ﷺ لعسل بنها بالبركة، وبغلته دلدل- بضم الدالين، ولم يكن في العرب غيرها، وهى أوّل بغلة رؤيت في الإسلام وكانت بيضاء، وقيل شهباء، أهداها له أيضا المقوقس، وكان يركبها في السفر، وعاشت بعده حتّى كبرت وسقطت أضراسها، وكان يحشّ لها الشعير، وقيل: كانت ذكرا لا أنثى، وكل ذلك مع حاطب بن أبى بلتعة.
* وفي هذه السنة أيضا كان تزوّجه بأمّ حبيبة.
وفيها أسلم أبو هريرة، وعلى أشهر الأقوال اسمه «عبد شمس بن عامر» ، فسمّى فى الإسلام عبد الله»
، وقيل له: لم كنوك بأبى هريرة؟ قال: كنت أرعى غنم قومى، وكانت لى هريرة صغيرة ألعب بها، فكنونى بأبى هريرة، وكان النبى ﷺ يكنيه أبا هرّ، وكان أحفظ أصحابه لأخبار رسول الله ﷺ واثاره، ولم يشتغل بالبيع ولا بالغرس، ولزم رسول الله ﷺ ثلاث سنين مختارا للعدم والفقر، ومروياته في كتب الأحاديث خمسة الاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا.
* وفي هذه السنة قدم جعفر بن أبى طالب وأصحابه من الحبشة، وكان قد خرج في أثر المهاجرين، الهجرة الأولى التى كان أميرها عثمان بن عفان رضى الله عنه، فهاجر جعفر بن أبى طالب مع أصحابه وزوجته أسماء بنت عميس، فتتابع المسلمون إلى بلاد الحبشة، منهم من هاجر بأهله، ومنهم من هاجر بنفسه، ثم بلغ المهاجرين أن المشركين قد لانوا لرسول الله ﷺ ، فرجعوا إلى مكة، ثم
стр. 391
بلغهم أنهم عادوا له بالشرّ، فرجعوا إلى الحبشة، ولم يدخل أحد منهم مكة إلا ابن مسعود فإنه دخل ثم خرج ومعه عدد كثير من المسلمين، وهذه هى الهجرة الثانية كما سبق التنويه إلى ذلك في الفصل الثانى في الهجرتين إلى الحبشة من الباب الثانى، وقد سبق أن المهاجرين يزيدون على مائة نفس. أحسن النجاشىّ جوارهم، ومكثوا امنين على دينهم، يعبدون الله كما يحبون، فلما هاجر ﷺ إلى المدينة جمعت قريش مالا من كل ما يستطرف من متاع مكة، وأهدوه إلى النجاشى وبطارقته جميعا، وبعثوا به عمرو بن العاص وعمارة بن أبى معيط، فقدما على النجاشى والمهاجرون عنده بخير دار وأحسن جوار، فلما دخلا عليه سجدا له وقرّبا هداياهم إليه، فقبلها منهما، وقالا له: إن قومنا يحذرونك من هؤلاء الذين قدموا عليك؛ لأنهم قوم رجل خرج فينا يزعم أنه رسول الله، ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء، وقد كنا ضيّقنا عليهم فجاؤوا إليك؛ ليفسدوا عليك دينك وملكك فادفعهم إلينا لنكفيكهم. فغضب النجاشى عند ذلك، وقال: «والله لا أسلمهم إليكما حيث اختارونى على من سواى، حتى أدعوهم وأسألهم عمّا يقولون، فإن وجدت أنهم على خلاف ما تقولون أحسنت جوارهم ما جاورونى» . فأرسل إليهم ليجمعهم، فدخلوا عليه في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه وصاحبه عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس عنده، فلما انتهوا إليه قالوا لهم: اسجدوا للملك، فلم يسجدوا له، فلما سألهم النجاشى عن ذلك قالوا: ما نسجد إلا للذى خلقك وملّكك، وقد علّمنا نبيّنا الصادق تحية أهل الجنة، وهى: السلام. فعرف النجاشى أن ذلك حق، وأنه في التوراة والإنجيل، فقال: اختاروا من يتكلم عنكم، فقال جعفر: أنا أستأذن وأتكلم. فأذن له فقال جعفر للنجاشى: سل هذين الرجلين (يعنى عمرا وصاحبه) : أعبيد نحن أم أحرار؟ فقالا: بل أحرار كرام، فقال جعفر: سلهما هل أهرقتا دماء بغير حق فيقتص منا؟ فقال عمرو: لا، ولا قطرة، فقال جعفر:
سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤه؟ فقال النجاشى: إن كان قنطارا فعلىّ قضاؤه، فقال عمرو: ولا قيراط، فقال النجاشى: فما تطلبون منهم؟
قال عمرو: كنا وإياهم على دين واحد، وأمر واحد، على دين ابائنا، فتركوا ذلك واتبعوا غيره، فبعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من ابائهم وأعمامهم وعشائرهم لتدفعهم إلينا، فهم أعلم بما عابوا عليهم وعاينوه منهم. فقال النجاشى لجعفر وأصحابه: ما هذا الدين الذى اتبعتموه وفارقتم فيه دين قومكم، فلم تدخلوا في
стр. 392
ديتى ولا في دين أحد من الأمم؟ فقال جعفر: أيها الملك أمّا ما كنّا عليه فهو دين الشيطان؛ لأننا كنا قوما جاهلية، نكفر بالله ونأكل الميتة، ونأتى الفاحشة، ونقطع الأرحام، ونسىء الجار، ويأكل القوىّ منا الضعيف، وأما الدين الذى تحوّلنا إليه فدين الإسلام؛ فإن الله بعث إلينا رسولا منا، نعرف صدقه وأمانته وعفافه، وهو الذى بشّر به عيسى ابن مريم ﵇ فقال: (ومبشرا برسول يأتى من بعدي اسمه أحمد) ، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة، (وعدّد إليهم أمور الإسلام) ، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، وأن نخلع ما كنا نعبد نحن واباؤنا دونه من عبادة الأصنام من الحجارة والأوثان، فصدّقناه وآمنّا به، ومعه كتاب كريم مثل كتابكم الذى أنزل على عيسى بن مريم ﵇. فقال النجاشى: «تكلمات بأمر عظيم، فعلى رسلك» ، ثم أمر بضرب الناقوس، فاجتمع إليه كل قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده، قال لهم: أنشدكم الله الذى أنزل الإنجيل على عيسى؛ هل تجدون بين عيسى وبين القيامة نبيا مرسلا؟ فقالوا: اللهمّ نعم، قد بشّرنا عيسى ابن مريم ﵇، وقال: من امن به فقد امن بى، ومن كفر به فقد كفر بى. فقال النجاشى: ماذا يقول لكم هذا الرجل؟ وما يأمركم به؟ وما ينهاكم عنه؟ قالوا: يقرأ علينا كتاب الله ، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، وصلة الرّحم، وبرّ اليتيم، وكفّ الأذى، والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل اليتيم وقذف المحصنات، فحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله ، وأن نستحلّ من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشق علينا ذلك، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، فأعجب النجاشى قوله، ثم قال له: هل عندك مما جاء به عن الله من شىء؟ قال جعفر: نعم، فقال النجاشى: اقرأه عليّ. فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت عين النجاشى وأصحابه من الدمع، وقالوا: زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف، فقال النجاشى: إن هذا الكلام والذى أنزل على عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة. ثم أقبل على جعفر وأصحابه، وقال: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، وأنا أشهد أنه رسول الله الذى بشّر به
стр. 393
عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتّى أقبّل أعتابه، أمكثوا في أرضى ما شئتم. وأمر لهم بكسوة وطعام، وقال لعمرو بن العاص وصاحبه: انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكما أبدا، ولا أكاد. فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لاتينهم غدا ولأعيبنّهم عنده بما استأصل به خفارتهم «١» ، فقال له صاحبه- وكان اتقى الرجلين-: لا تفعل؛ فإنهم أرحامنا، وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن المسيح ابن مريم عبد، فلما كان الغد غدا إليه فقال له:
أيها الملك، إنهم يقولون في المسيح قولا عظيما، فأرسل إليهم واسألهم. فأرسل إليهم، فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ [﵊] فقال له جعفر: نقول فيه الذى جاءنا به نبينا محمد ﷺ ، هو عبد الله وروحه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. ثم قرأ عليهم صدرا من سورة مريم فبكى النجاشى حتّى اخضلت لحيته بدموعه، وبكا «٢» أساقفته حتّى اخضلت مصاحفهم «٣» حين سمعوا ما تلى عليهم، وقال: والله يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد فيما يقولون عن ابن مريم. ثم قال لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضى (والسيوم: الامنون) من سبّكم أو اذاكم غرم، ثم من سبكم أو اذاكم غرّم [ثلاث مرات] وقال: أبشروا ولا تخافوا، فلا دهونة «٤» اليوم على حزب إبراهيم، فقال عمرو: يا نجاشى: ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط، وصاحبهم الذى جاؤا من عنده ومن اتبعهم، فقال عمرو: بل نحن حزب إبراهيم، فاختصم الفريقان في إبراهيم، [فأنزل الله تعالى في ذلك اليوم على رسول الله ﷺ وهو بالمدينة قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [ال عمران: ٦٨] ، فقال النجاشى: إنما هديتكم لى رشوة فاقبضوها، فو الله ما أخذ الله منى الرشوة حين ملّكنى. فخرجا من عنده خائبين مردودا عليهما ما جاا به، وأقام جعفر وأصحابه ثم في خير دار وأحسن جوار.
ويفهم من فيض عين النجاشى وأصحابه بالدموع حين سمع قراءة جعفر رضى
стр. 394
الله عنه سورا من القران، أن له ولأصحابه معرفة بالعربية الفصيحة، فلعلّ بلاد هذا النجاشي المتملّك عليها هى الأراضى المجاورة لأرض اليمن، ويبعد أن تكون هذه السور ترجمت لهم من العربية بلسانهم، لأن الترجمة لا تؤثر في قلوبهم، حتى تفيض دموعهم، ويدلّ عليه فيض دموع الحبشة القادمين مع جعفر رضى الله عنه، لما تلا عليهم سورة يس، وقد تقدم في غزوة بدر أنّ غضب النجاشى على عمرو وأصحابه كان بحضور عمرو بن أمية الضمرى، وأن عمرو بن العاص طلب من النجاشى قتله! والخطب سهل؛ فلعل الواقعة تعددت، وبالجملة فالنتيجة واحدة: وهى أنه لم يقبل من عمرو بن العاص صرفا ولا عدلا في استجارة أصحابه ﷺ .
وروت أمّ سلمة- رضى الله عنها- إذ نزل بالنجاشى من ينازعه في ملكه، قالت أم سلمة رضى الله عنها: فو الله ما علمنا حزنا قط أشد حزن حزناه عند ذلك تحرزا أن يظهر ذلك على النجاشى، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشى يعرفه، قالت: وسار النجاشى وبينهما ما عرض النيل «١» ، قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من يخرج حتّى يحضر وقعة القوم؟ فقال الزبير بن العوام: أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتّى خرج إليهم وحضرهم، ودعونا الله للنجاشى بالظهور على عدوه، والتمكن له في بلده، فظهر واستوثق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ .
* وفي سنة ست من الهجرة بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضّمرى- بفتح الضاد وسكون الميم- إلى النجاشى بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، وكتب فيه ما صورته:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة؛ أما بعد فإني أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أنّ عيسى ابن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة المطهّرة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق ادم بيده ونفخه، وإنى أدعوك إلى الله واحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن
стр. 395
تتبعنى وتؤمن بى وبالذى جاءنى؛ فإني رسول الله، وقد بعثت إليكم ابن عمى جعفرا، ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤك فأقرهم «١» ودع التحيّر؛ فإني أدعوك وجنودك إلى الله تعالى، وقد بلّغت ونصحت، فاقبل نصيحتى. والسلام على من اتبع الهدى» .
فلما وصل إليه الكتاب أخذه ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره وجلس على الأرض تواضعا وقرأه، وقال: «أشهد بالله أنه النبى الأمى الذى ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار «٢» كبشارة عيسى براكب الجمل «٣» » .
فأسلم وحسن إسلامه، وكتب إلى رسول الله ﷺ بإجابته وتصديقه وإسلامه على يد جعفر كتابا صورته:
«بسم الله الرحمن الرحيم.. إلى محمد رسول الله ﷺ من النجاشى أصحمة بن أبحر: سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا الله الذى هدانى للإسلام ... أما بعد ... فقد بلغنى كتابك يا رسول الله، فما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت «ثفروقا» «٤» ، وقد عرفت ما بعثت به إلينا، وقد قرّبنا ابن عمك وأصحابه، وإنى أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبى الله ابنى أريحا، وإن شئت أن اتيك بنفسى فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته» .
[تنبيه] فتحصّل من ذلك أن النجاشى هذا هو أصحمة الذى هاجر إليه المسلمون في رجب سنة خمس من النبوة، وكتب إليه النبى ﷺ كتابا يدعوه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية الضمرى سنة ست من الهجرة، وأسلم على يد جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وتوفى في رجب سنة تسع من الهجرة، ونعاه النبى ﷺ يوم توفى، وصلّى عليه بالمدينة، وأما النجاشى الذى ولى بعده وكتب إليه النبى ﷺ يدعوه إلى الإسلام فكان كافرا لم يعرف إسلامه ولا اسمه، وقد خلط بعضهم ولم يميز بينهما.
стр. 396
ولما خرج جعفر رضى الله عنه من الحبشة لرسول الله ﷺ ، بعث النجاشى أريحا ابنه في ستين رجلا من الحبشة إلى رسول الله ﷺ ، فركبوا سفينة في أثر جعفر وأصحابه، حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، والحكمة في ذلك- والله أعلم- لو أنهم جاؤا إلى رسول الله ﷺ ، ووصلوا إليه، ربما كان الكفار والمنافقون يقولون: «إن محمدا ما به ملكة (أى قوة وسلطان) واشتد أزره بملك الحبشة وأصحابه» ، فأراد الله تعالى أن يظهر للناس كافة أن قوة رسول الله ﷺ من قبله ، لئلا يشك في ذلك أحد أن قوته من ملك أو سلطان أو وزراء أو أعوان كما هو مصرّح به في بعض الكتب المعتبرة. ووافى جعفر وأولاده الثلاثة عبد الله، ومحمد، وعون، ومن دخل في الإسلام هناك على رسول الله ﷺ في خيبر، فى سفينتين، وفيهم سبعون رجلا من الحبشة، عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمان من أهل الشام، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة يس إلى اخرها، فبكوا حين سمعوا القران، وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فأنزل الله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى [المائدة: ٨٢] ، يعنى وفد النجاشى الذين قدموا مع جعفر ابن أبى طالب، وكانوا من أهل الصوامع، وأما قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ «١» الاية.
قال ابن عباس رضى الله عنهما (فى رواية عطاء) : يريد النجاشى وأصحابه، قرأ عليهم جعفر بالحبشة كهيعص [سورة مريم] ما زالوا يبكون حتّى فرغ جعفر من القراءة. كذا في تفسير البغوى رحمه الله تعالى.
ولما أقبل عليه ﷺ جعفر رضى الله عنه، قام ﷺ إلى جعفر وقبّله بين عينيه، وقال: ما أدرى بأيهما أسرّ بقدم جعفر أم بفتح خيبر؟.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما لما قدم جعفر رضى الله عنه من أرض الحبشة، اعتنقه النبىّ ﷺ وقبّله بين عينيه. وجعل ذلك أصلا لاستحباب المعانقة، وقال بعضهم إنها مكروهة، وحديث جعفر يحتمل أن يكون قبل النهى عنها، ولم يجب بذلك الإمام مالك رضى الله عنه؛ فإنه لما قدم سفيان بن عيينة رضى الله
стр. 397
عنه فصافحه الإمام مالك، وقال: لولا أنها بدعة لعانقتك، فقال له سفيان: قد عانق من هو خير منك ومنى؛ النبى ﷺ ، قال الإمام مالك: تعنى جعفر بن أبى طالب؟، قال نعم: قال: ذاك حبيب خاص، ليس بعام، أى فذلك من خصوصياته، فقال له سفيان: أتأذن لى أن أحدثك بحديثك؟ قال: نعم. فقال:
حدثنى فلان عن فلان عن ابن عباس رضى الله عنهما، وذكر الحديث المتقدم عنه.
وأما المصافحة فقد جاء أن أهل اليمن لما قدموا المدينة صافحوا الناس بالسلام، فقال النبى ﷺ : إن أهل اليمن قد سنّوا لكم المصافحة، وقال: من تمام محبتكم المصافحة «١» .
ولما رأى جعفر رسول الله ﷺ حجل، أى مشى على رجل واحدة، إعظاما لرسول الله ﷺ ؛ لأن الحبشة يفعلون ذلك للتعظيم، وكان رسول الله ﷺ يقول له:
«أشبهت خلقى وخلقى» ، وفي لفظ «جعفر أشبه الناس بى خلقا وخلقا» وكان ﷺ يسميه «أبا المساكين» لأنه رضى الله عنه كان يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويحدّثثهم ويحدثونه، وذكر بعضهم أنه لما قال له ﷺ : «أشبهت خلقى وخلقى» رقص من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر عليه ﷺ رقصه. وجعل ذلك أصلا لجواز رقص الصوفية عند ما يجدونه من لذة المواجدة في مجالس الذكر والسماع «٢» .
стр. 398
الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة قدم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة فأسلموا.
* وفيها (فى جمادى الأولى) غزوة مؤتة «١» وهى قرية من قرى البلقاء بالشام قبل الكرك، وهى أولى الغزوات بين المسلمين والروم، وكانت الروم والعرب المتنصرة في نحو مائة ألف.
وسبب هذه الغزوة أنه أرسل ﷺ الحارث بن عمير إلى ملك بصرى بكتابه، فعرض له بمؤتة عمرو بن شرحبيل الغسانى فقتله، ولم يقتل له ﷺ رسول غيره، فبعث ﷺ ثلاثة الاف، وأمر عليهم زيد بن حارثة مولاه، وقال: «إن أصيب فأميركم جعفر بن أبى طالب، فإن أصيب فأميركم عبد الله بن رواحة الأنصارى، فإن أصيب فسيفتح الله على يدى رجل من المسلمين» وأشار بيده إلى خالد بن الوليد «٢» . فلما التقوا مع الروم أخذ الراية زيد بن حارثة، حتى استشهد، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتّى قطعت يده اليمنى، فأخذها بشماله فقاتل حتّى قطعت شماله، فحضن الراية وقاتل حتّى قتل رضى الله عنه، وسمّى «ذا الجناحين» لأنه ﷺ قال: «إن له جناحين يطير بهما حيث شاء من الجنة» .
ويحكى أنه وجد في مقدّمه أربعة وخمسون ما بين طعنة رمح وضربة سيف، وقتل في السنة الثامنة من الهجرة، وهو ابن نحو من أربعين سنة، وكان أسنّ، من أخيه علي بن أبى طالب رضى الله عنه، ودخلت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تبكى وتقول: واعمّاه، فقال النبى ﷺ : «على مثل جعفر فلتبك البواكى» «٣» ، ثم انصرف إلى أهله، وقال: «اتخذوا لال جعفر طعاما فقد شغلوا عن أنفسهم» وضمّ عبد الله بن جعفر إليه ومسح رأسه وعيناه تدمعان، وقال: «اللهم اخلف جعفرا في
стр. 399
ذريته بأحسن ما خلفت به أحدا من عبادك الصالحين» وكان لجعفر من الولد:
عبد الله الجواد، وعون، ومحمد، استشهدوا بصفين، وقيل: إنهم قتلوا بالطفّ مع الحسين ﵇، وحمل ابن زياد رؤوسهم مع رأس الحسين إلى يزيد بن معاوية، ولم يكن لعون عقب.
ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة الأنصارى، فاستشهد، وفي أثناء استشهاد هؤلاء الصحابة الكرام كان ﷺ جالسا على المنبر وقد كشف الله له معتركهم، فكان يخبر باستشهاد كل واحد منهم ويصلى عليه، ويأمر أصحابه بالاستغفار له.
وفي «الصفوة» عن محمد بن جعفر قال: «فلما تجهّز الناس وتهيأوا للخروج إلى مؤتة، قال للمسلمين: «صحبكم الله ودفع عنكم السوء وردّكم مسالمين غانمين» فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم وتهيّئوا لحربهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع نحو مائة ألف، وقدّم الطلائع أمامه، ولما نزلوا «معان» «١» من أرض الشام بلغهم أن هرقل قد نزل «ماب» من أرض «البلقاء» «٢» فى مائة ألف من الروم، وانضمت إليه المستعربة من: لخم، وجذام، والقين، وبلى، وبهراء، ووائل، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على «معان» ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، إما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا فنمضى له. فشجعهم عبد الله بن رواحة فقال:
والله يا قوم إن الذى تكرهونه للذي خرجتم له تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدة ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به؛ فانطلقوا فإنما هى إحدى الحسنيين؛ إما الظهور وإما الشهادة، قال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضوا لوجوههم.
وفي «الاكتفاء» : ثم مضى الناس حتّى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء، يقال لها «مشارف» «٣» ، وانحاز المسلمون إلى «مؤتة» التى سميت الغزوة باسمها، فالتقى الناس عندها فتعبّى لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له: قطبة بن قتادة،
стр. 400
وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عبادة بن مالك، ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد براية رسول الله ﷺ حتّى شاط «١» فى رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل حتّى إذا لحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عرقبها «٢» ، ثم قاتل القوم حتّى قتل رضى الله تعالى عنه، وهو يقول:
يا حبّذا الجنة واقترابها ... طيّبة وبارد ضرابها
والروم روم، قد دنا عذابها ... علىّ إذ لاقيتها ضرابها
وقد سبق ذكر هذه الغزوة عند الكلام على قيصر هرقل- فى الفصل الرابع عشر من الباب الأوّل من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل من هذا التاريخ.
* وفي هذه السنة- على ما في أسد الغابة- أو السابعة، أو التاسعة من الهجرة، اتخذ المنبر لرسول الله ﷺ من أثل الغابة، وفي رواية: من طرفاء الغابة، للخطبة، وهى الكلام المنثور المسجع، وهو أوّل منبر عمل في الإسلام.
* وفيها كان مولد إبراهيم ابن النبى ﷺ ، وهو ثالث أولاده.
* وفيها وفاة زينب بنته ﷺ ، وهى أكبر بناته ﷺ .
* وفي هذه السنة كان نقض الصلح، وغزوة فتح مكة الذى هو أعظم الفتوح الإسلامية؛ لأن الله أعز دينه ورسوله وجنده وحرمه وبلده وبيته، واستبشر به أهل السماء، وضرب أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الدهر ضياء وابتهاجا، وأزال الله به الشرور، وزاد به المصطفى السرور، وذلك أن بنى بكر بن عبد مناف اعتدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له «الوتير» «٣» وكان في صلح الحديبية أنه «٤» لا يتعرض لمن دخل في عقد قريش، ولا يتعرضون لمن دخل في عقده، يعنى اصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف
стр. 401
بعضهم عن بعض، وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهداهم دخل فيه، وكانت خزاعة ممن دخل في عهد النبى ﷺ وعقده، وبنو بكر ممن دخل في عهد قريش وعقدهم، وكانت بينهم حروب في الجاهلية، فكلمات بنى بكر أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح، فواعدوهم ووافوهم متنكرين، فبيّتوا خزاعة، أى جاؤا ليلا بغتة فقتلوا منهم عشرين، ثم ندمت قريش على ما فعلوا، وعلموا أن هذا نقض للعهد الذى بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وخرج عمرو بن سالم الخزاعى في طائفة من قومه، حتى قدموا عليه ﷺ المدينة مستغيثين، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عمرو على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، وأنشده أبياتا، وهى:
لاهم إنّى ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فوالدا كنّا وكنت الولدا ... وواحدا كنت وكنّا العددا
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وزعموا أن لست تدعو أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا
هم بيّتونا بالوتير هجّدا ... وقتلونا ركّعا وسجّدا
فانصر هداك الله نصرا أبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فلما سأله بهذه الأبيات أن ينصره، قال له ﷺ : «نصرت يا عمرو بن سالم» ودمعت عيناه ﷺ ، وقال «لا ينصرنى الله إن لم انصر بنى كعب مما أنصر به نفسى» ، وبنو كعب هم خزاعة. ثم قدم بديل بن ورقاء الخزاعى في نفر من خزاعة عليه ﷺ فأخبروه بما أصيب منهم، ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان رسول الله ﷺ قال للناس: «كأنكم بأبى سفيان، وقد جاء ليشدّد في العقد ويزيد في المدة، وقد وهبوا الذى صنعوا» فلما لقى أبو سفيان بديلا، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ فظن أنه رسول الله، قال:
سرت إلى خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادى، قال: أو ما أتيت محمدا؟ قال: لا. فلما راح بديل مكة، قال أبو سفيان: لئن كان بالمدينة لقد علف بها. فعمد إلى منزل ناقته، فأخذ من بعرها ففتّه، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا، ثم خرج أبو سفيان حتّى قدم المدينة ليجدّد العهد،
стр. 402
فدخل على ابنته أم حبيبة (أم المؤمنين زوج النبى ﷺ فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية ما أدرى، أرغبت بى عن هذا الفراش، أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، وما أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ، قال: والله لقد أصابك بعدي يا بنية شرّ. ثم خرج وأتى النبى ﷺ فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبى بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى على رضوان الله عليهم على أن يكلموا رسول الله ﷺ في أمره، وتشفّع بهم، فلم يفعلوا، ثم قال لفاطمة أن تأمر ابنها الحسين (وهو غلام يدب بين يدى أبويه) حتى يجير له، فأبت، فقال لعلى كرم الله وجهه: يا أبا الحسن، إنى أرى الأمور قد اشتدت عليّ فانصحنى، فقال: والله لا أعلم شيئا يغنى عنك، ولكنك سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس (أى اطلب الأمان) ثم الحق بأرضك، قال له: أو ترى ذلك يغنى عنى شيئا؟ قال: لا والله، ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: يا أيها الناس إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ فقص ما جرى له مع أبى بكر وعمر وعلى، وأنه قد أجار بين الناس، فقالوا: هل أجاز محمد ذلك؟ قال: لا، قالوا:
والله إن الرجل (يعنون عليا) أراد اللعب بك، فما يغنى عنّا ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.
ثم أمر ﷺ بالجهاز، وأمر أهله أن يجهّزوه، ولم يعلموا به أحدا، ثم أعلم الناس بأنه يريد مكة، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتّى نبغتهم فى بلادهم» (أى نأخذهم بغتة أى على حين غفلة من قبل أن يعلموا به) ، فكتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى أهل مكة، وبعثه مع سارة مولاة بنى هاشم، يعلمهم بذلك، فأطلع الله رسوله على ذلك، وأرسل عليا والزبير، وأخذا منها الكتاب، فقال لحاطب: ما حملك على هذا؟ فقال: والله إنى مؤمن، ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ صحبتك، ولكن لى بين أظهرهم أهل وولد، وليس لى عشيرة، فصانعتهم، فقال عمر: دعنى يا رسول الله أضرب عنقه فإنه منافق، فقال ﷺ : «إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ففاضت عينا عمر، فأنزل الله في حاطب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ
стр. 403
أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١] الاية، وبعث رسول الله ﷺ إلى من حوله من الأعراب فجلبهم، وهم: أسلم، وغفار ومزينة، وجهينة، وأشجع، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه بالطريق، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وقد أهدر ﷺ دم سارة حاملة كتاب حاطب بعد الفتح.
ثم خرج رسول الله ﷺ من المدينة لعشرة مضت من رمضان ومعه المهاجرون والأنصار، عامدا إلى مكة، فكان جيشه عشرة الاف، فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان «بالكديد» «١» وهو الماء الذى بين قديد «٢» وعسفان «٣» أفطر، فلم يزل مضطرا حتّى انسلخ الشهر، وبلغ ذلك قريشا، فخرج أبو سفيان ابن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس رضى الله عنه أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه، فخرج بعياله مهاجرا، فلقى رسول الله ﷺ بالحجة «٤» وقيل بذى الحليفة، ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلى النبى ﷺ بعد أن استأمن له، فأسلم معه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء.
وفي رواية عروة: لما دخل أبو سفيان مع العباس على رسول الله ﷺ صبيحة أسلم، قال أبو سفيان يا محمد إنى قد استنصرت إلهى واستنصرت أنت إلهك، فو الله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت عليّ فلو كان إلهى محقّا وإلهك مبطلا لظهرت عليك» . فشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وممن أسلم يومئذ معاوية بن أبى سفيان وأخوه يزيد، وأمه هند بنت عتبة، وكان معاوية يقول: إنه أسلم يوم الحديبية، فكتم إسلامه عن أبيه وأمه، وقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيئا يكون في قومه،
стр. 404
فقال ﷺ : «من دخل دار أبى سفيان فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن أغلق عليه بابه فهو امن» فلما ذهب أبو سفيان لينصرف قال رسول الله ﷺ :
احبسه يا عباس بمضيق الوادى، حتى تمر به جنود الله تعالى فيراها، قال:
فخرجت به حتّى حبسته حيث أمرنى رسول الله ﷺ ، ومرّت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة كبّرت ثلاثا عند محاذاته، قال: من هؤلاء يا عباس؟
فأقول: سليم، فيقول: ما لى ولسليم، ثم تمر مرت القبيلة فيقول: من هؤلاء فأقول:
مزينة، فيقول: ما لى ولمزينة، ثم مرت بنو غفار- بكسر الغين المعجمة- ثم أسلم، ثم بنو كعب، ثم جهينة، ثم كنانة، ثم أشجع، لا تمر قبيلة إلا سألنى عنها فإذا أخبرته، فيقول: ما لى ولبنى فلان؟ حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء. - وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها، والعرب تطلق الخضرة على السواد، كما تطلق السواد على الخضرة «١» - المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، لأن فيها ألفى دارع «٢» ، فلما رأى ذلك أبو سفيان قال: سبحان الله، من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، قلت: ويحك يا أبا سفيان إنها النبوّة. قال:
فنعم إذا، فقلت: الحق الان بقومك فحذّرهم. فخرج سريعا حتّى إذا جاءهم، فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به.
قالوا: فمه؟ قال: فمن دخل دار أبى سفيان فهو امن، قالوا: ويحك وما تغنى دارك عنّا شيئا، قال: فمن أغلق عليه بابه فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن ألقى السلاح فهو امن. فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، واستثنى ﷺ جماعة أمر بقتلهم، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، وبهذا استدلّ على أن مكة فتحت صلحا لا عنوة، وبه قال الإمام الشافعى.
وفي بعض السير: لقى رسول الله ﷺ ببعض الطرق بالأيواء أبا سفيان بن عمه الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة- ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب- فأعرض عنهما ﷺ ، فجاء إليه أبو سفيان وعبد الله بن أمية من
стр. 405
قبل وجهه، فقال ﷺ : «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» وقبل منهما إسلامهما، فأنشده أبو سفيان معتذرا إليه بأبيات، فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: «أنت طردتنى كلّ مطّرد» . وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامه؛ فقيل: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياء منه، وكان ﷺ يحبه ويشهد له بالجنة، ويقول: أرجو أن يكون خلفا من حمزة «١» ، وقال ﷺ لأبى سفيان بن الحارث حين جاء مسلما بعد أن كان عدوا له كثير الهجاء:
«كلّ الصيد في جوف الفرا «٢» » (وهو بفتح الفاء حمار الوحش، والمعنى أن حمار الوحش من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه، كما أنك من أعظم أهلى وأمسّهم رحما بى، ومن أكرم من يأتينى وكلّ دونك) وكان أبو سفيان يشبه رسول الله ﷺ من جملة من يشبهونه، وهم ستة، والباقى: جعفر بن أبى طالب، والحسن بن على، وقثم بن العباس، والسائب بن عبيد بن عبد الله بن نوفل بن هشام بن عبد المطلب بن عبد مناف، وعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
ثم أمر ﷺ أن تركز راية سعد بن عباد بالحجون «٣» لما بلغه أنه قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الكعبة» فقال: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة» ، فمن هنا يعلم أنه ﷺ كما سعى في العمار الحسى سابقا، سعى في العمار المعنوى لاحقا. ونعم ما قال سادة الأوّل: أوّل الفكر اخر العمل، فالساعى في التعمير يستحيل أن يكون سببا في التدمير، لا سيما البشير النذير، أو ليس أنه ﷺ كان في بناء قريش للكعبة يشتغل في بنائها بنفسه معهم،
стр. 406
وأنه لما اختير حكما حين اختصمت القبائل في رفع الحجر إلى موضعه، كان هو الاخذ بالثوب وواضعه بالركن، والامر للإصلاح بأخذ كل قبيلة طرفا من الثوب ورفعه إلى ما يحاذى موضعه، والمتناول للحجر من الثوب، والواضع له بيده الشريفة في محله، فحقّ على من يرفع بنيانها أن يرفع شأنها.
ثم أمر ﷺ أن يدخل الزبير ببعض الناس من كداء»
، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ببعض الناس من ثنية كدّى «٢» وأمر عليّا أن يأخذ الراية منه فيدخل بها لما بلغه من قول سعد: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء في بعض الناس، وكل هؤلاء الجنود لم يقاتلوا؛ لأن النبى نهى عن القتل، إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعة من قريش فرموه بالنبل ومنعوه من الدخول فقاتلهم خالد وقتل من المشركين ثمانية وعشرين رجلا، فلما علم النبى ﷺ بذلك قال: ألم أنهكم عن القتال؟ فقالوا له:
إن خالدا قوتل فقاتل. وقتل من المسلمين رجلان، ودخل النبى ﷺ مكة من كداء وهو على ناقته يقرأ سورة الفتح ويرجّع «٣» .
وكان دخوله ﷺ مكة يوم الاثنين، ووضع الحجر يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ونزلت عليه سورة المائدة يوم الاثنين.
وعن عائشة رضى الله عنها: كان لواؤه يوم فتح مكة أبيض، ورايته سوداء تسمّى العقاب، وهى التى كانت بخيبر.
وعنها رضى الله تعالى عنها أنها قالت: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح من كداء [بفتح الكاف والمدّ والتنوين: جبل بأعلى مكة] وهذا هو المعروف، خلافا لمن قال: إنه دخل من أسفل مكّة، وهى ثنية كدّى [بضم الكاف والقصر والتنوين] وعند الخروج خرج ﷺ من هذه، وبهذا استدل على أنه يستحب
стр. 407
دخول مكة من الأولى والخروج منها من الثانية، واغتسل ﷺ لدخول مكة، وبه استدل على استحباب الغسل لداخل مكة ولو حلالا، وكان شعار المهاجرين «يا بنى عبد الرحمن» وشعار الخزرج «يا بنى عبد الله» وشعار الأوس «يا بنى عبيد الله» أى شعارهم الذى يعرف به بعضهم بعضا في ظلمة الليل، عند اختلاط الحرب، لو وجد.
وبعث النبى ﷺ السرايا إلى الإصنام التى حول مكة فكسرها، ونادى مناديه بمكة: «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره» ، وكذلك إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام، ولم يأمرهم بقتال، وكانت بنو جذيمة قد قتلوا في الجاهلية عوفا أبا عبد الرحمن، وعم خالد- كانا أقبلا من اليمن- وأخذوا ما معهما، وكان من السرايا التى بعثها ﷺ تدعو إلى الإسلام سرية مع خالد بن الوليد، فنزل على ماء لبنى جذيمة فأقبلوا بالسلاح، فقال لهم خالد:
ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا، فوضعوه، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فأمر بهم خالد فكتفوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل «١» منهم، فلما بلغ النبى ﷺ ذلك رفع يديه إلى السماء حتّى بان بياض إبطيه، وقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» [مرتين] ثم أمر عليا رضى الله عنه أن يؤدى لهم الدماء والأموال، ففعل «٢» ذلك، ثم سألهم: هل بقى لكم دم أو مال؟ قالوا: لا، وكان قد فضل مع عليّ قليل مال، فدفعه إليهم زيادة تطيبا لقلوبهم، فأعجب النبى ﷺ ذلك.
وأنكر عبد الرحمن بن عوف على خالد فعله «٣» ، فقال خالد: ثأرت أباك،
стр. 408
فقال عبد الرحمن: بل ثأرت عمك الفاكه، وفعلت فعل الجاهلية في الإسلام.
وبلغ رسول الله ﷺ خصامهما، فقال: «يا خالد دع عنك أصحابى، فو الله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله تعالى ما أدركت غدوة أحدهم ولا روحته» .
وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، ودخل النبى ﷺ مكة وملكها عنوة بالسيف، وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه، وهو الصحيح من مذهب أحمد رضى الله عنه، وقال أبو حنيفة والشافعى رضى الله تعالى عنهما إنها فتحت صلحا «١» .
ولما دخل ﷺ مكة وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما مشدودة بالرصاص، لكل حى من أحياء العرب صنم، وكان هبل أعظمها، وهو على باب الكعبة، فلما طاف جعل يشير بقضيب في يده إليها ويقول: - جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا- فما أشار لصنم إلا وقع لوجهه، وفي ذلك قال تميم الخزاعى:
ففى الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا
ثم أمر ﷺ بهبل فكسر، وهو واقف عليه.
وروى أن الزبير بن العوام قال لأبى سفيان: إن هبل الذى كنت تفتخر به يوم أحد قد كسر، قال: دعنى ولا توبّخنى، لو كان مع إله محمد إله اخر لكان الأمر غير ذلك.
ويقال: إن رسول الله ﷺ لما دخل مكة يوم الفتح كان بها من الأصنام ثلاثمائة وستون صنما حول الكعبة، منها إساف ونائلة، فكسّرا مع الأصنام.
وفي ذلك يقول فضالة الليثى:
لو رأيت محمدا وجنوده ... بالفتح يوم تكسّر الأصنام
لرأيت نور الله أصبح بيّنا ... والشّرك يغشى وجهه الإظلام
وكان عليه ﷺ لما دخل مكة عمامة سوداء، فوقف على باب الكعبة، وقال:
لا إله إلا الله واحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده» ، ثم ذكر ﷺ خطبة بيّن فيها جملة من الأحكام، منها: ألايقتل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل ملّتين مختلفتين، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على
стр. 409
خالتها، والبينّة على المدعى واليمين على من أنكر، ولا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة ليال إلا مع ذى محرم، ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح، (أى من النوافل) ، ولا يصام يوم الأضحى ولا يوم الفطر.
ثم قال: يا معشر قريش إنّ الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالاباء، الناس من ادم، وادم من تراب ثم تلا هذه الاية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا الاية، ثم قال: يا معشر قريش، فاجتمع به المشركون في المسجد الحرام ايسين من أرزاقهم، فجاء رسول الله ﷺ حتّى دخل المسجد الحرام، وأحاط جيشه بالمسجد، ودخل معه خواصه، وفتح له باب الكعبة حتّى دخل وصلّى بها، وأقام الخواص حول رسول الله ﷺ وأيديهم على مقابض سيوفهم، وهم ينتظرون أمره بوضع السيف في أعدائهم، فخرج رسول الله ﷺ ، وقام على عتبة الباب، وأقبلت قريش وهم منكسو رؤسهم خوفا وحزنا، فقال: «يا أهل مكة بئس العشير كنتم لنبيكم، كذّبتمونى وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى واوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الناس، والان قد أظهرنى الله عليكم كما ترون، فما ترونى فاعلا بكم؟ فقام سهيل بن عمرو- وهو كان من رؤساء قريش- وقال: يا محمد أنت أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت؛ إن عذّبتنا فبجرم عظيم، وإن عفوت عنا فبحلم قديم.
فتبسم رسول الله ﷺ في وجوههم، وقال: «بل أقول مثل ما قال أخي يوسف ﵇: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم» اذهبوا فأنتم الطلقاء» «١» فأعتقهم ﷺ جميعا ولم يسب ذراريهم، وكان الله قد أمكنه منهم، فكانوا له فيئا، فبذلك سمى أهل مكة الطلقاء، أى الذين أطلقوا فلم يسترقوا، ولم يؤسروا، والطليق هو الأسير إذا أطلق.
وروى أن عائشة رضى الله عنها نذرت إن فتح الله مكة على رسول الله ﷺ تصلّى في البيت ركعتين، فلما فتحت مكة وحجّ رسول الله ﷺ حجة الوداع سألت النبى ﷺ أن يفتح لها باب الكعبة ليلا لتوفى
стр. 410
نذرها، فجاء عثمان بن طلحة رضى الله عنه بالمفتاح إلى رسول الله ﷺ ، وقال: يا رسول الله، إنها لم تفتح ليلا قط، قال: فلا تفتحها. ثم أخذ رسول الله ﷺ بيدها وأدخلها الحجر، وقال: «صلّى هاهنا؛ فإن الحطيم (أى الحجر) من البيت، إلا أن قومك قصرت بهم النفقة (أى الحلال) فأخرجوه من البيت، ولولا حدثان قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة، وأظهرت قواعد الخليل، وأدخلت الحطيم في البيت، وألصقت العتبة على الأرض، ولئن عشت إلى قابل لأفعلن ذلك» ولم يعش ﷺ ، ولم تتفرغ الخلفاء لذلك «١» .
ولما اطمأن الناس خرج رسول الله ﷺ إلى الطواف؛ فطاف بالبيت سبعا على راحلته، واستلم الركن، ودخل الكعبة ورأى فيه الشخوص على صور الملائكة، وصورة إبراهيم وفي يده الأزلام يستقسم بها، فقال ﷺ : «قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم والأزلام؟! ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين» ثم أمر بتلك الصور فطمست، وصلّى في البيت، ثم جلس على الصفا فاجتمع الناس لبيعته على الإسلام، فكان يبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله، فبايع الرجال، ثم النساء «٢» .
روى أن النبى ﷺ عهد إلى أمرائه حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألايقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أحد عشر رجلا وست نسوة، فإنه أمر بقتلهم أينما ثقفوا من الحل والحرم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة.
أما الرجال الأحد عشر: فأحدهم عبد الله بن خطل (رجل من بنى تميم بن غالب بن فهر، وقد كان قدم بالمدينة قبل فتح مكة وأسلم، وكان اسمه عبد
стр. 411
العزّي، فغيّر النبى ﷺ اسمه وسمّاه عبد الله) .
والثانى عبد الله بن سعد بن أبى سرح، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، فبالغ عثمان في شفاعته، ثم قال بعد ما أعرض عنه النبى ﷺ مرارا: يا رسول الله أمّنته ﷺ فصمت طويلا، ثم أمّنه، فأسلم، وقال ﷺ : إنما صمتّ ليقوم أحدكم فيقتله، فقالوا: هلّا أو مأت إلينا؟ فقال: إن الأنبياء لا تكون لهم خائنة الأعين ﷺ وكان أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فكان يبدّل القران، ثم ارتدّ وهرب إلى مكة، ثم أسلم يوم الفتح وعاش إلى خلافة عثمان، وولّاه مصر «١» ﷺ والثالث: عكرمة بن أبى جهل، استأمنت له زوجته أمّ حكيم، وجاء عكرمة حتى وقف بحذاء رسول الله ﷺ ، وقال: يا محمد إن هذه أخبرتنى أنّك أمّنتني، فقال رسول الله ﷺ : «صدقت فإنك امن» ، فقال عكرمة: أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له وأنك عبد الله ورسوله ﷺ
والرابع الحويرث بن نفيل، كان يؤذى رسول الله ﷺ ويهجوه، فقتله عليّ رضى الله عنه ﷺ
والخامس: المقيس- بكسر الميم وسكون القاف وفتح المثناة التحتية واخره سين مهملة- هو ابن صبابة الكندى- بالصاد المهملة المضمومة وبالمواحدتين- وجرمه أن أخاه هشام بن صبابة، قدم المدينة وأسلم، وكان مع النبى ﷺ في غزوة المريسيع، فظن أنصارى من بنى عمرو بن عوف أنه مشرك فقتله خطأ؛ فقدم مقيس المدينة يطلب دم أخيه ﷺ فأمر النبى ﷺ الأنصارى بالدية، فعقل ديته، فأسلم مقيس، وبعد ما أخذ الدية قتل الأنصارى وارتد ورجع إلى مكة مشركا ﷺ
والسادس: هبّار بن الأسود، وكان كثيرا ما يؤذى رسول الله ﷺ يوم بدر،
стр. 412
فعرض هبار مع جماعة لطريق زينب ومنعها، وضرب زينب «١» بالرمح فسقطت عن ناقتها، وكانت حاملا، فألقت حملها ومرضت وماتت بهذا المرض، فغضب عليه النبى ﷺ غضبا شديدا، وأهدر دمه؛ ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة جاء هبار رافعا صوته؛ وقال: «يا محمد أنا جئت مقرّا بالإسلام، وقد كنت قبل هذا مخذولا ضالا؛ والان قد هدانى الله للإسلام، وأنا أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله» واعتذر إليه معترفا بذنبه، مظهرا لخجالته، فقبل النبى ﷺ إسلامه، وقال: «يا هبار عفوت عنك، والإسلام يجبّ ما كان قبله» .
والسابع صفوان بن أمية، ولما علم أن النبى ﷺ أهدر دمه يوم فتح مكة هرب مع عبد له اسمه يسار إلى جدة يريد أن يركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب الجمحي: يا نبيّ الله إن صفوان بن أمية سيد قومي، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمّنه عليك، فقال: هو امن، قال: يا رسول الله: أعطنى شيئا يعرف به أمانك، فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التى دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتّى أدركه بجدة، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان فداك أبى وأمّي، واذكر الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول الله ﷺ فرجع معه حتى وقف به على رسول الله ﷺ ، فقال صفوان: هذا يزعم أنك أمّنتني؟ قال:
صدق، قال: فاجعلنى في أمرى بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر ﷺ فلما خرج النبى ﷺ إلى حنين وهوازن، واستعار منه النبى ﷺ مائة درع، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ فقال النبى ﷺ : «بل عارية مضمونة» ﷺ وحين قفل النبى ﷺ من الطائف إلى الجعرّانة مرّ مع صفوان على شعب مملوء من الإبل والغنم وسائر أنعام الغنيمة، وكان صفوان يحدّ النظر إلى تلك الأموال، ولم يرفع بصره منها، وكان النبى يلاحظه، فقال: يا أبا وهب، أتعجبك هذه؟
قال: نعم، قال: وهبتها لك كلها، فقال صفوان: ما طابت نفس أحد بمثل هذا، إلا نفس نبى ﷺ فأسلم هناك.
والثامن: حارث بن طلاطلة- وهو من جملة مؤذى النبى ﷺ وفي يوم فتح مكة قتله علي بن أبى طالب.
والتاسع: كعب بن زهير بن أبى سلمى المزنى الشاعر، صاحب- بانت سعاد-
стр. 413
القصيدة المشهورة، وكان يهجو النبىّ ﷺ ، فجاء وهو جالس في المسجد فدخل وأسلم، وأنشأ قصيدته التي أوّلها:
بانت سعاد فقلبى اليوم متبول ... ...... [فلما بلغ إلي قوله:]
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهنّد من سيوف الله مسلول
أنبئت أنّ رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
قال النبي ﷺ : «اسمعوا ما يقول» ، وقيل: فرح النبي «١» ﷺ وكساه بردته جائزة له: فلما كان زمن معاوية أرسل إلى كعب: أن بعنا بردة النبى ﷺ ، فقال: ما كنت لأوثر ثوب رسول الله ﷺ أحدا، فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم ونقل الملك المؤيد أبو الفدا إسماعيل صاحب حماة في تاريخه أنه اشتراها بأربعين ألف درهم، ثم توارثها الخلفاء الأمويون والعباسيون، حتى أخذها «التتر» انتهى.
والصحيح أن هناك بردتين: بردة كعب بن زهير، وهى التى اشتراها معاوية، وفقدت بزوال بنى أمية، والثانية هى التى أهداها ﷺ لأهل أيلة في غزوة تبوك، وكتب لهم أمانا، واشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار، ولعلها هى التى أخذها التتر، وإلا فقد كانت عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوسا وركوبا، وكانت على المقتدر حين قتل وتلوّثت بالدم.
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عن عروة بن الزبير رضى الله عنه أن ثوب رسول الله ﷺ الذى كان يخرج فيه للوفد، رداء حضرمي، طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر ﷺ انتهى.
ولعل هذا هو الموجود في الخزينة الخديوية المصرية «٢» .
وكان إسلام كعب في السنة التاسعة.
стр. 414
والعاشر: وحشىّ بن حرب، قاتل حمزة، وكان كثير من المسلمين حريصا على قتله، ويوم فتح مكة هرب إلى الطائف وأقام هناك إلى زمان قدوم وفد الطائف إلى النبى ﷺ ، فجاء معهم ودخل عليه، وقال: أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال النبى ﷺ : أنت وحشي؟ قال: نعم، قال: أأنت قتلت حمزة؟ قال: قد كان من الأمر ما بلغك يا رسول الله، قال: اجلس واحك لى كيف قتلته، ولمّا قصّ عليه قصة قتله، قال: أما تستطيع أن تغيّب وجهك عني!
وكان وحشى بعد ذلك إذا رأى النبى ﷺ يفرّ منه ويختفى.
والحادى عشر: عبد الله بن الزبعري، وكان من شعراء العرب، وكان يهجو أصحاب النبى ﷺ ويحرّض المشركين على قتالهم، ويوم الفتح لما سمع أن النبى ﷺ أهدر دمه هرب إلى نجران وسكنها، وبعد مدة وقع الإسلام في قلبه، فأتى النبيّ ﷺ ، فلما راه من بعيد قال: هذا ابن الزبعري، ولما دنا منه قال: السلام عليك يا رسول الله، أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
* وأما النساء الست اللاتى أهدر النبى ﷺ دماءهن يوم الفتح .
فإحداهن هند بنت عتبة، وهى امرأة أبى سفيان.
روى أن رسول الله ﷺ لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر جالس أسفل منه يبايعهن بأمره، ويبلغهن عنه، فجاءت هند ابنة عتبة- امرأة أبى سفيان- وهى متنكرة خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها لما صنعت بحمزة في كونها مثّلت به ومضغت كبده، فقال رسول الله ﷺ : أبايعكن على ألاتشركن بالله شيئا، فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا، فقال رسول الله ﷺ : ولا يسرقن، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أصبت من ماله هناة؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت فهو لك حلال، فضحك النبى ﷺ وعرفها، وقال لها: وإنك لهند؟ فقالت: نعم فاعف عما سلف يا نبى الله، فقال: عفا الله عنك، فقال: ولا يزنين، فقالت: أتزنى الحرة؟! فقال: ولا يقتلن أولادهن، فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا، فأنتم وهم أعلم (وكان ابنها حنظلة بن أبى سفيان قد قتل يوم بدر) ، فضحك عمر رضى الله عنه حتّى استلقي، وتبسم ﷺ ؛ ولما قال ﷺ : ولا يأتين ببهتان يفترينه، قالت:
стр. 415
والله إن إتيان البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. ولما قال:
ولا تعصيننى في معروف؛ قالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في معروف، فلما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور.
الثانية والثالثة «قريبة» بالقاف والمواحدة مصغرا، «والفرتنا» بالفاء المفتوحة والراء المهملة الساكنة والمثناة الفوقية والنون- كذا صحّحه القسطلانى في المواهب اللدنية، وهما قينتان «١» أى مغنيتان لابن خطل؛ وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ، فأمر بقتلهما مع ابن خطل- فأما «قريبة» فقتلت مصلوبة؛ وأما «فرتنا» ففرت حتّى استؤمن لها من رسول الله ﷺ فأمّنها؛ فامنت.
الرابعة: مولاة بنى خطل: وقتلت يوم الفتح.
الخامسة: مولاة بنى عبد المطلب: وقيل مولاة عمرو بن صيفى بن هاشم.
السادسة: سارة: وهى التى حملت كتاب حاطب بن أبى بلتعة من المدينة ذاهبة إلى مكة إلى قريش؛ وأعطاها عشرة دنانير علي أن توصّل الكتاب إلى أهل مكة؛ وكتب في الكتاب: «من حاطب بن أبى بلتعة إلي أهل مكة؛ اعلموا أن رسول الله ﷺ يريدكم؛ فخذوا حذركم» .
وكانت تؤذى رسول الله ﷺ بمكة؛ وتغيبت يوم الفتح حتّى استؤمن لها؛ فعاشت حتّى أوطأها رجل فرسا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها، وفي فتح البارى في شرح صحيح البخاري: أنها أسلمت.
* وأذّن بلال الظّهر على الكعبة، فقالت جويرية بنت أبى جهل: لقد أكرم الله أبى حين لم يشهد نهيق بلال على ظهر الكعبة. وقال الحارث بن هشام: ليتنى متّ قبل هذا. وقال خالد بن أسيد: لقد أكرم الله أبى فلم ير هذا اليوم. فخرج عليهم ﷺ ثم ذكر لهم ما قالوه؛ فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله؛ ما اطّلع على هذا أحد فنقول أخبرك. فقام على رضى الله عنه- ومفتاح الكعبة في يده- فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية. فقال ﷺ : أين عثمان بن
стр. 416
طلحة؟ فدعاه؛ فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان؛ إن الله استأمنكم على بيته؛ فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف.
وفي رمضان هذه السنة يوم الفتح أسلم أبو قحافة؛ والد أبى بكر رضى الله عنهما.
روى أن أبا بكر لما جاء إلى النبى ﷺ بأبيه أبى قحافة ليسلم، قال له النبى ﷺ : لم عنّيت الشيخ، ألا تركته حتّى أكون أنا اتيه في منزله؟! فقال أبو بكر:
بأبى أنت وأمي؛ هو أولى أن يأتي رسول الله ﷺ وكانت امرأة أبى قحافة أم الخير- أم أبى بكر- قد أسلمت قديما في السنة السادسة من النبوة، واسم أبى قحافة عثمان بن عامر؛ توفى في السنة الرابعة عشرة من الهجرة، فى خلافة عمر، بعد وفاة أبى بكر رضى الله عنه بسنة، وكان ابن سبع وتسعين سنة.
قال ابن هشام: وبلغنى أن النبيّ ﷺ حين افتتح مكة ودخلها، قام على الصفا يدعو وقد أحدقت الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون أن رسول الله ﷺ إذا فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتي أخبروه، فقال ﷺ : «معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم» .
قال ابن إسحاق، وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة الاف، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان.
واستقرض ﷺ من ثلاثة نفر من قريش: أخذ من صفوان بن أمية رضى الله عنه خمسين ألف درهم، ومن عبد الله بن أبى ربيعة أربعين ألف درهم، ومن حويطب بن عبد العزّي أربعين ألف درهم، فرّقها ﷺ في أصحابه من أهل الضعف، ثم وفّاها مما غنمه من هوازن، وقال: «إنما جزاء السلف الحمد والأداء» «١» .
وأقام رسول الله ﷺ بمكة حين فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة؛ ثم خرج إلى هوازن وثقيف، وقد نزلوا حنينا «٢» .
стр. 417
عن أبى هريرة رضى الله عنه أن خزاعة قتلت رجلا من بنى ليث، عام الفتح بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﷺ خطيبا بعد الظهر، مسندا ظهره الشريف إلى الكعبة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس: إنّ الله قد حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا لأحد يكون بعدي، وإنما أحلت لى ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتى هذه، فلا ينفّر صيدها، ولا يختلى خلاؤها، ولا يعضّد شجرها، ولا تحلّ ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يود أو يقتد، فقال العباس بن عبد المطلب رضى الله تعالى عنه: إلا الإذخر: لصاغتنا ولسقف بيوتنا، قال ﷺ :
إلا الإذخر «١» ثم ودي «٢» رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذى قتلته خزاعة، وهو ابن الأقرع الهذلى- من بنى بكر- فإنه دخل مكة وهو على شركه، فعرفته خزاعة فأحاطوا به، فطعنه منهم خراش بمشقص في بطنه حتي قتله، فلامه ﷺ ، وقال:
«لو كنت قاتلا مسلما بكافر لقتلت خراش «٣» » -[والمشقص: ما طال من النصال وعرض]- قال ابن هشام: وبلغنى أنه أوّل قتيل وداه النبى ﷺ .
وسرقت امرأة، فأراد ﷺ قطع يدها، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد بن حارثة رضى الله عنهم، يستشفعون به، فلما كلّمه أسامة فيها تلوّن وجهه ﷺ ، وقال:
«أتكلمنى في حدّ من حدود الله تعالى؟!» فقال أسامة: استغفر لى يا رسول الله.
ثم قام ﷺ خطيبا، فأثنى علي الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإنّ ما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف
стр. 418
أقاموا عليه الحد، والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها «١» » .
ثم أمر رسول الله ﷺ بالمرأة فقطعت يدها «٢» .
ثم قام أبو شاه- رجل من أهل اليمن- فقال: اكتبوا إليّ يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا إلي أبى شاه. [قال الأوزاعي: يعنى الخطبة التى سمعها من رسول الله ﷺ ] .
* وفي هذه السنة كانت غزوة حنين، وهي: غزوة هوازن.
وحنين اسم واد بقرب الطائف- بينه وبين مكة ثلاث ليال- وتسمّى غزوة «أوطاس» «٣» وهو واد لهوازن.
وسبب غزوة حنين أنه لما فتحت مكة تجمعت هوازن بخيولهم وأموالهم لحرب رسول الله ﷺ ، ومقدّمهم مالك بن عوف النضري، وانضمت إليهم ثقيف، وهم أهل الطائف، وبنو سعد بن بكر، وهم الذين كان النبى ﷺ مرتضعا عندهم «٤» ، وحضر بنو جشم، وفيهم دريد بن الصمة، وقد جاوز المائة لرأيه، وقال رجزا:
يا ليتني فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع
فلما سمع النبى ﷺ باجتماعهم، خرج من مكة لست خلون من شوال سنة ثمان من الهجرة، وكان يقصر الصلاة بمكة من يوم فتحها إلى خروجه هذا، وخرج معه اثنا عشر ألفا؛ ألفان من أهل مكة، والعشرة الاف التى كانت معه وفتح الله بها مكة، وانتهى إلى حنين، والمشركون بأوطاس، وقال رجل من
стр. 419
المسلمين- لمّا رأى كثرة جيش المسلمين-: لن يغلب هؤلاء من قلة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً [التوبة: ٢٥] فلما التقوا انهزم المسلمون، لا يلوى أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، واستمر ﷺ ثابتا، وتراجع المسلمون «١» واقتتلوا قتالا شديدا، وقال النبى ﷺ لبغلته الدلدل «البدى البدي» فوضعت بطنها على الأرض، وأخذ حفنة من تراب فرمى بها في وجه المشركين، وقال: «شاهت الوجوه» (أى خضعت وذلت) فلم تبق عين إلا دخل فيها من ذاك التراب، فكانت الهزيمة عليهم، ونصر الله المسلمين، وأنزل الله تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧] وقال ﵊: «أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب» «٢» وهذا يدل على كمال شجاعته وتمام صولته وقوته ﷺ ؛ إذ في هذا اليوم الشديد اختار ركوب البغلة التى ليس لها كرّ ولا فرّ، كما يكون للفرس، ومع ذلك توجّه نحو العدو واحده، ولم يخف صفته ونسبه، وما هذا كله إلا لوثوقه بالله وتوكله عليه، وليس قوله ﷺ : «أنا النبى لا كذب» إلى اخره من الشعر؛ لأن شرطه، كما تقدّم في بناء المسجد الشريف، أن يكون عن قصد ورويّة، وإنما قال ﷺ : أنا ابن عبد المطلب، ولم يقل أنا ابن عبد الله؛ لأن العرب كانت تنسبه ﷺ إلى جده عبد المطلب لشهرته، ولموت عبد الله فى حياته، فليس من الافتخار بالاباء الذى هو من عمل الجاهلية، كما تقدّم في قوله ﷺ : «أنا ابن العواتك» «٣» .
واستشهد من المسلمين أربعة، وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا، وأفضى المسلمون في القتال إلى الذرية، فنهاهم عن ذلك، ونادى مناديه: «من قتل قتيلا فله سلبه» «٤» .
стр. 420
ولما فرغ ﷺ من حنين بعث عبيدا [أبا عامر الأشعري] لغزوة أوطاس لطلب دريد بن الصمة وأصحابه، فهزمهم وقتلهم، واستشهد أبو عامر رضى الله عنه بعد قتله جماعة منهم، وكان في السبى الشيماء أخته ﷺ من الرضاعة، واسمها «حذافة» ، وإنما غلب لقبها، فلا تعرف في قومها إلا به «١» .
ولما هزم رسول الله ﷺ هوازن، وأمر بطلبهم، قال لجيشه: «إن قدرتم على بجاد- رجل من بنى سعد- فلا يفلتنّ منكم» ، فأخذته الخيل وضمّوه إلى الشيماء بنت الحارث (ويكني أبا ذؤيب كما يكنى بأبى كبشة) أخت النبي ﷺ ، وأتبعوهم فى السباق، وتعبت الشيماء بتعبهم، فجعلت تقول: والله أخت صاحبكم، فلم يصدّقوها، فأخذها طائفة من الأنصار، وكانوا أشدّ الناس على هوازن، فأتوا بها إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا محمد إنى أختك، فقال رسول الله ﷺ : وما علامة ذلك؟ فأرته عضة بإبهامها، وقالت: هذه عضضتنيها وأنا متوركة بوادى السدر ونحن يومئذ نرعى بهم أبيك وأبي، وأمك وأمي، وتذكّر يا رسول الله حلابى لك عنز أبيك. فعرف رسول الله العلامة فوثب قائما فبسط رداءه، ثم قال: اجلسى عليه، ورحّب بها، ودمعت عيناه، وسألها عن أمه وأبيه فأخبرته بموتهما «٢» ثم قال: إن أحببت فأقيمى عندنا محبّبة مكرّمة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك وصلتك ورجعت إلى قومك» قالت: بل أرجع إلى قومى. فأسلمت وأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثة أعبد وجارية، وأمر لها ببعير أو بعيرين، وسألها من بقى منهم، فأخبرته بأخيها وأختها وبعمها، وأخبرته بقوم سألها عنهم، ثم قال: «ارجعى إلى الجعرانة تكونين مع قومك، فإني أمضى إلى الطائف» . فرجعت إلى الجعرانة،
стр. 421
ووافاها رسول الله ﷺ بالجعرانة، فأعطاها نعما وشاء، وكلّمته في بجاد: أن يهبه لها ويعفو عنه، ففعل ﷺ .
وقد سبق بعض ذلك في الفصل الأوّل من الباب الأوّل من المقالة الخامسة من الجزء الثانى.
* وورد في الحديث النبوى أنه ﷺ خرج وهو محتضن أحد ابنى ابنته رضى الله عنها وهو يقول: «إنكم لتجبّنون وتبخلّون، وتجهّلون، وإنكم لمن ريحان الله، وإنّ اخر وطأة «١» وطئها الله بوج «٢» » انتهى.
قال العلماء: إن هذا الحديث من خفيّ التعريض وغامضه؛ فإن «وج» واد من الطائف، و «حنين» واد قبله، فأراد رسول الله ﷺ غزاة حنين؛ لأن غزوة حنين اخر غزوة أوقع بها رسول الله ﷺ مع المشركين، وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة، أى قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدوّ ولا قتال، ووجه عطف هذا الكلام، وهو قوله ﷺ «وأن اخر وطأة وطئها الله بوج» على ما قبله من الحديث، وهو التأسف على مفارقة أولاده لقرب وفاته؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته كانت في ربيع الأوّل من سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال:
وإنكم لمن ريحان الله أى من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانع عن قوله: «وأنا مفارقكم عن قريب» على سبيل التعريض بقوله «وإن اخر وطأة وطئها الله بوج» إشارة لما أراده وقصده من قرب وفاته، بحصول الغزوة المؤزرة.
* وفيها توفيت زينب. وفيها غلا السعر، فقالوا: سعّر لنا» .
стр. 422
وفيها ولد إبراهيم ابن النبى ﵊.
وفيها مات حاتم الطائي، وكان شاعرا مجيدا يضرب بجوده المثل.
وقيل: مما ورد أن الذين تأسّف عليهم النبى ﷺ في زمن الفترة كانوا أربعة:
الأوّل: الملك أنوشروان لعدله، والثاني: أبو طالب عم النبى ﷺ لبرّه، والثالث:
حاتم الطائى لكرمه، والرابع: امرؤ القيس لشعره «١» .
ففى غزوة حنين وسرية أوطاس وقع من إعلاء كلمة الله وإظهار شوكة الإسلام ما لا مزيد عليه، ونال فيها كثير من المسلمين أجر الشهادة، وانهزمت ثقيف إلى الطائف، وكان هذا سبب غزوة الطائف.
وفي هذه السنة كانت غزوة الطائف: والطائف بليدة كثيرة الفواكه، وهي أبرد مكان بالحجاز، وربما جمد الماء في ذروة الجبل التى هى على ظهره، وأكثر ثمرها الزبيب، وهى طيبة الهواء ينتجع إليها أغنياء مكة أيام الصيف لذلك.
وسبب هذه الغزوة أنه لما انهزمت ثقيف من حنين إلى الطائف، وأغلقوا مدينتهم، سار النبيّ ﷺ وحاصرهم نيفا وعشرين يوما، وقاتلهم بالمنجنيق، ودخل نفر من المسلمين تحت دبابة (بدال مهملة وباءين مواحدتين بينهما ألف لينة اخره هاء: الة تتخذ للحروب، فتدفع في أصل الحصن، فينقبون وهم في جوفها) ودنوا إلى سور الطائف، فصبّوا عليهم سلك الحديد المحمى ورموهم بالنبل، فأصابوا منهم قوما، وأمر ﷺ بقطع أعنابهم، ثم رحل عنهم ونزل
стр. 423
بالجعرانة، واجتمعت فيها الغنائم، وأتى إليه بعض هوازن ودخلوا عليه يستعطفونه، وقالوا: قد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، وإنّ فيمن أصبتهم الأمهات والأخوات، والعمات والخالات (يريدون: عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك لأن مرضعته ﷺ من هوازن) ونرجو عطفك. فقال ﷺ :
«إنّ أحسن الحديث أصدقه؛ أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبى وإما المال» ، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، اردد علينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا ولا نتكلم في شاة ولا بعير. فردّ عليهم نصيبه ونصيب بني عبد المطلب، قائلا: «أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنّا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في نسائنا وأبنائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم، فلمّا صلّى رسول الله ﷺ الظهر قاموا إليه فتكلموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ بعد أن أثنى على الله بما هو أهله: «أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاؤا تائبين، وإنى رأيت أن أردّ إليهم سبيهم فمن أحبّ أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظّ حتّى نعطيه إياه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل، هؤلاء القوم جاؤا مسلمين، وقد خيّرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده من النساء سبى وطابت نفسه أن يردّه فليردّه» ، قال الناس: رضينا وسلّمنا. فردّوا عليهم نساءهم وأبناءهم، ثم لحق مالك بن عوف مقدّم هوازن برسول الله ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه، واستعمله في قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل، وكانت عدة السبى الذى أطلقه ستة الاف.
وروى أن رسول الله ﷺ لما عرض عليه سبى هوازن، كان ممن عرض عليه بنت حاتم الطائي، فقالت: يا رسول الله أنا بنت من كان يحمل الكلّ (أى الشيء الذى يحصل منه التعب) ويكسب المعدوم (أى يعطيه له تبرعا) ويعين على نوائب الزمان، أنا بنت حاتم الطائي، فمنّ عليها ﷺ وردّ لها مالها: وقال:
«أكرموا عزيز قوم ذلّ، وغني قوم افتقر» ، فقالت: يا رسول الله وصويحباتي؟
فقال: «وصويحباتك، كريمة بنت كريم» فقالت: يا رسول الله أتأذن لى أن أدعو لك بدعوات؟ فأذن لها، وقال لأصحابه: أنصتوا وعوا، فقالت: «شكرتك يد افتقرت بعد غني، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلبت نعمة عن كريم إلّا وجعلت
стр. 424
سبيا لردّها، وحسبك هذا في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف» وقد سبق التنويه إلى ذلك في الفصل الثانى من الباب الخامس من المقالة الخامسة من الجزء الثانى من هذا التاريخ.
قال القاضى محمد بن سلامة القضاعى في كتاب «الأنباء» : كان بها من السبايا ستة الاف، ومن الإبل والغنم ما لا يدرى عدده، واستعمل أبا الجهم بن حذيفة بن غانم القرشى على النفل (أى الغنيمة) يوم حنين.
وذكر ابن الأثير في «الكامل» في أخبار يوم حنين أن رسول الله ﷺ أمر بالسبايا والأموال فجمعت إلى الجعرانة (وهى ما بين الطائف ومكة) وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي، انتهى.
وبالجعرانة قسّم رسول الله ﷺ هذه الغنائم.
وقيل: كانت عدّة الإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، ومن الفضة أربعة الاف أوقيه، وأعطى المؤلّفة قلوبهم مثل: أبي سفيان وابنيه (يزيد ومعاوية) وسهل بن عمرو، وعكرمة بن أبى جهل، والحارث بن هشام (أخا أبى جهل) ، وصفوان بن أمية، وغيرهم من قريش، وكذلك أعطى الأقرع ابن حابس التميمي، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف مقدّم هوازن، فأعطى لكل واحد من الأشراف مائة من الإبل، وأعطى الاخرين أربعين أربعين، وأعطى العباس بن مرداس السلمي أباعر لم يرضها، وقال في ذلك أبياتا:
أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لم يرفع
أى ومن تخفضه بعدم الإعطاء لا يرتفع بعد ذلك، والعبيد بضم العين اسم فرسه.
ويروى أن النبى ﷺ قال: «اقطعوا عنّى لسانه «١» » فأعطى حتّى رضي،
стр. 425
ومدح النبى ﷺ فقال:
رأيتك يا خير البريّة كلّها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد حودنا ... عن الحق لمّا أصبح الحق مظلما
فمن مبلغ عنى النّبىّ محمدا ... وكل امرئ يجزى بما كان قدّما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه ... وكان قديما ركنه قد تهدّما
تعالى علوّا فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما
ويقال إنه أنشد هذه الأبيات وامتدح بها النبى ﷺ فأعطاه خلّة قطع بها لسانه، أى بقية من الغنيمة.
ولما فرّق رسول الله ﷺ الغنائم ولم يعط الأنصار من ذلك شيئا، وجدوا في أنفسهم «١» ، فدعاهم ﷺ فقال: إن قريشا حديثو عهد بالجاهلية، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ قالوا: بلي، قال رسول الله ﷺ : «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار «٢» ، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» «٣» .
ويومئذ قال ذو الخويصرة «من تميم» : لم تعدل هذه القسمة، ولا أريد بها وجه الله، فقال ﷺ : «سيخرج من ضئضيء (أى أصل) هذا الرجل قوم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرميّة، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم» فخرج منه حرقوص بن زهير البجلى المعروف بذى الثدية؛ لأن في رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض أوّل من بويع من الخوارج بالإمامة، وأوّل مارق من الدين.
والخوارج قوم يكفّرون مرتكب الكبيرة، ويحكمون بحبوط عمل مرتكبها،