ووافاها رسول الله ﷺ بالجعرانة، فأعطاها نعما وشاء، وكلّمته في بجاد: أن يهبه لها ويعفو عنه، ففعل ﷺ .
وقد سبق بعض ذلك في الفصل الأوّل من الباب الأوّل من المقالة الخامسة من الجزء الثانى.
* وورد في الحديث النبوى أنه ﷺ خرج وهو محتضن أحد ابنى ابنته رضى الله عنها وهو يقول: «إنكم لتجبّنون وتبخلّون، وتجهّلون، وإنكم لمن ريحان الله، وإنّ اخر وطأة «١» وطئها الله بوج «٢» » انتهى.
قال العلماء: إن هذا الحديث من خفيّ التعريض وغامضه؛ فإن «وج» واد من الطائف، و «حنين» واد قبله، فأراد رسول الله ﷺ غزاة حنين؛ لأن غزوة حنين اخر غزوة أوقع بها رسول الله ﷺ مع المشركين، وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة، أى قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدوّ ولا قتال، ووجه عطف هذا الكلام، وهو قوله ﷺ «وأن اخر وطأة وطئها الله بوج» على ما قبله من الحديث، وهو التأسف على مفارقة أولاده لقرب وفاته؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته كانت في ربيع الأوّل من سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال:
وإنكم لمن ريحان الله أى من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانع عن قوله: «وأنا مفارقكم عن قريب» على سبيل التعريض بقوله «وإن اخر وطأة وطئها الله بوج» إشارة لما أراده وقصده من قرب وفاته، بحصول الغزوة المؤزرة.
* وفيها توفيت زينب. وفيها غلا السعر، فقالوا: سعّر لنا» .
стр. 422
وفيها ولد إبراهيم ابن النبى ﵊.
وفيها مات حاتم الطائي، وكان شاعرا مجيدا يضرب بجوده المثل.
وقيل: مما ورد أن الذين تأسّف عليهم النبى ﷺ في زمن الفترة كانوا أربعة:
الأوّل: الملك أنوشروان لعدله، والثاني: أبو طالب عم النبى ﷺ لبرّه، والثالث:
حاتم الطائى لكرمه، والرابع: امرؤ القيس لشعره «١» .
ففى غزوة حنين وسرية أوطاس وقع من إعلاء كلمة الله وإظهار شوكة الإسلام ما لا مزيد عليه، ونال فيها كثير من المسلمين أجر الشهادة، وانهزمت ثقيف إلى الطائف، وكان هذا سبب غزوة الطائف.
وفي هذه السنة كانت غزوة الطائف: والطائف بليدة كثيرة الفواكه، وهي أبرد مكان بالحجاز، وربما جمد الماء في ذروة الجبل التى هى على ظهره، وأكثر ثمرها الزبيب، وهى طيبة الهواء ينتجع إليها أغنياء مكة أيام الصيف لذلك.
وسبب هذه الغزوة أنه لما انهزمت ثقيف من حنين إلى الطائف، وأغلقوا مدينتهم، سار النبيّ ﷺ وحاصرهم نيفا وعشرين يوما، وقاتلهم بالمنجنيق، ودخل نفر من المسلمين تحت دبابة (بدال مهملة وباءين مواحدتين بينهما ألف لينة اخره هاء: الة تتخذ للحروب، فتدفع في أصل الحصن، فينقبون وهم في جوفها) ودنوا إلى سور الطائف، فصبّوا عليهم سلك الحديد المحمى ورموهم بالنبل، فأصابوا منهم قوما، وأمر ﷺ بقطع أعنابهم، ثم رحل عنهم ونزل
стр. 423
بالجعرانة، واجتمعت فيها الغنائم، وأتى إليه بعض هوازن ودخلوا عليه يستعطفونه، وقالوا: قد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، وإنّ فيمن أصبتهم الأمهات والأخوات، والعمات والخالات (يريدون: عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك لأن مرضعته ﷺ من هوازن) ونرجو عطفك. فقال ﷺ :
«إنّ أحسن الحديث أصدقه؛ أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبى وإما المال» ، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، اردد علينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا ولا نتكلم في شاة ولا بعير. فردّ عليهم نصيبه ونصيب بني عبد المطلب، قائلا: «أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنّا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في نسائنا وأبنائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم، فلمّا صلّى رسول الله ﷺ الظهر قاموا إليه فتكلموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ بعد أن أثنى على الله بما هو أهله: «أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاؤا تائبين، وإنى رأيت أن أردّ إليهم سبيهم فمن أحبّ أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظّ حتّى نعطيه إياه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل، هؤلاء القوم جاؤا مسلمين، وقد خيّرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده من النساء سبى وطابت نفسه أن يردّه فليردّه» ، قال الناس: رضينا وسلّمنا. فردّوا عليهم نساءهم وأبناءهم، ثم لحق مالك بن عوف مقدّم هوازن برسول الله ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه، واستعمله في قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل، وكانت عدة السبى الذى أطلقه ستة الاف.
وروى أن رسول الله ﷺ لما عرض عليه سبى هوازن، كان ممن عرض عليه بنت حاتم الطائي، فقالت: يا رسول الله أنا بنت من كان يحمل الكلّ (أى الشيء الذى يحصل منه التعب) ويكسب المعدوم (أى يعطيه له تبرعا) ويعين على نوائب الزمان، أنا بنت حاتم الطائي، فمنّ عليها ﷺ وردّ لها مالها: وقال:
«أكرموا عزيز قوم ذلّ، وغني قوم افتقر» ، فقالت: يا رسول الله وصويحباتي؟
فقال: «وصويحباتك، كريمة بنت كريم» فقالت: يا رسول الله أتأذن لى أن أدعو لك بدعوات؟ فأذن لها، وقال لأصحابه: أنصتوا وعوا، فقالت: «شكرتك يد افتقرت بعد غني، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلبت نعمة عن كريم إلّا وجعلت
стр. 424
سبيا لردّها، وحسبك هذا في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف» وقد سبق التنويه إلى ذلك في الفصل الثانى من الباب الخامس من المقالة الخامسة من الجزء الثانى من هذا التاريخ.
قال القاضى محمد بن سلامة القضاعى في كتاب «الأنباء» : كان بها من السبايا ستة الاف، ومن الإبل والغنم ما لا يدرى عدده، واستعمل أبا الجهم بن حذيفة بن غانم القرشى على النفل (أى الغنيمة) يوم حنين.
وذكر ابن الأثير في «الكامل» في أخبار يوم حنين أن رسول الله ﷺ أمر بالسبايا والأموال فجمعت إلى الجعرانة (وهى ما بين الطائف ومكة) وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي، انتهى.
وبالجعرانة قسّم رسول الله ﷺ هذه الغنائم.
وقيل: كانت عدّة الإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، ومن الفضة أربعة الاف أوقيه، وأعطى المؤلّفة قلوبهم مثل: أبي سفيان وابنيه (يزيد ومعاوية) وسهل بن عمرو، وعكرمة بن أبى جهل، والحارث بن هشام (أخا أبى جهل) ، وصفوان بن أمية، وغيرهم من قريش، وكذلك أعطى الأقرع ابن حابس التميمي، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف مقدّم هوازن، فأعطى لكل واحد من الأشراف مائة من الإبل، وأعطى الاخرين أربعين أربعين، وأعطى العباس بن مرداس السلمي أباعر لم يرضها، وقال في ذلك أبياتا:
أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لم يرفع
أى ومن تخفضه بعدم الإعطاء لا يرتفع بعد ذلك، والعبيد بضم العين اسم فرسه.
ويروى أن النبى ﷺ قال: «اقطعوا عنّى لسانه «١» » فأعطى حتّى رضي،
стр. 425
ومدح النبى ﷺ فقال:
رأيتك يا خير البريّة كلّها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد حودنا ... عن الحق لمّا أصبح الحق مظلما
فمن مبلغ عنى النّبىّ محمدا ... وكل امرئ يجزى بما كان قدّما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه ... وكان قديما ركنه قد تهدّما
تعالى علوّا فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما
ويقال إنه أنشد هذه الأبيات وامتدح بها النبى ﷺ فأعطاه خلّة قطع بها لسانه، أى بقية من الغنيمة.
ولما فرّق رسول الله ﷺ الغنائم ولم يعط الأنصار من ذلك شيئا، وجدوا في أنفسهم «١» ، فدعاهم ﷺ فقال: إن قريشا حديثو عهد بالجاهلية، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ قالوا: بلي، قال رسول الله ﷺ : «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار «٢» ، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» «٣» .
ويومئذ قال ذو الخويصرة «من تميم» : لم تعدل هذه القسمة، ولا أريد بها وجه الله، فقال ﷺ : «سيخرج من ضئضيء (أى أصل) هذا الرجل قوم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرميّة، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم» فخرج منه حرقوص بن زهير البجلى المعروف بذى الثدية؛ لأن في رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض أوّل من بويع من الخوارج بالإمامة، وأوّل مارق من الدين.
والخوارج قوم يكفّرون مرتكب الكبيرة، ويحكمون بحبوط عمل مرتكبها،
стр. 426
وتخليده في النار، ويحكمون بأن دار الإسلام تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر، ولا يصلّون جماعة.
ثم اعتمر ﷺ من الجعرانة، وعاد إلى المدينة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وهو شاب لم يبلغ عشرين سنة، وترك معه معاذ بن جبل يفقه الناس، فحجّ بالمسلمين هذه السنة عتّاب المذكور، وهو أوّل أمير أقام حج الإسلام، وكان عليه الورع والزهد، وحجّ المشركون على مشاعرهم.
وفي هذه السنة أسلم عروة بن مسعود الثقفى رضى الله عنه، وكان من حديث ثقيف: أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم من الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود حتي أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ : «إنهم قاتلوك» فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبصارهم. وكان فيهم كذلك محيّبا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألايخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عليّة «١» له وقد دعاهم إلي الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل جهة، فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنونى معهم. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه» .
стр. 427
الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة كانت غزوة تبوك، وهى اخر غزواته، وتبوك [بفتح التاء المثناة الفوقية وضم الباء المواحدة وسكون الواو وبعدها كاف] فى طرف الشام من جهة القبلة، بينها وبين المدينة المشرّفة نحو أربع عشرة مرحلة، سميت الغزوة بعين تبوك، وهى العين التي أمر رسول الله ﷺ ألايمسّوا من مائها شيئا حتي يأتى ﷺ إليهم، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: «إنكم ستأتون غدا إن شاء الله تعالى عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتّى يضحى النهار، فمن جاء بها فلا يمسّ من مائها شيئا حتي اتي» ، قال معاذ: فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان من المنافقين، والعين مثل الشراك تبضّ بشيء قليل من الماء، فسألهما النبى ﷺ : هل مسستما من مائها شيئا؟ فقالا: نعم، فقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم أمر برفع ماء منها، فرفعوا له من تلك العين قليلا، حتى اجتمع شيء، ثم غسل ﷺ فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجاءت العين بعد ذلك بماء كثير ببركة النبى ﷺ ، فاستقى الناس وكفاهم.
ويقال لها غزوة العسرة، سميت بذلك لوقوعها في زمن الحر، والبلاد مجدبة والناس في عسر، ويقال لها: الفاضحة؛ لافتضاح المنافقين فيها.
وحض ﷺ من عنده من المسلمين على الجهاد، ورغّبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فجاؤا بصدقات كثيرة، وكان أوّل من جاء بها أبو بكر، جاء بماله كله [أربعة الاف درهم] وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بن عبد المطلب بمال كثير، وجاء طلحة بمال، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتى أوقية من الفضة، وجاء سعد بن عبادة بمال، وجاء محمد بن مسلمة بمال، وجاء عاصم بن عدى بتسعين وسقا من تمر، وجهّز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش، وكفاهم مئونتهم، فقال رسول الله ﷺ : «ما يضر عثمان بن عفان ما فعل بعد اليوم» «١» .
стр. 428
وسار ﷺ إلى تبوك، واستخلف عليّا رضى الله عنه على المدينة، وعلى عياله، فقال علي: أتخلفنى في الصبيان والنساء؟! قال: «ألا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبيّ بعدي» «١» . وليس المراد من هذا الحديث أن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلى من النبى ﷺ ، وإلا لما صحّ الاستثناء [كما تزعم الشيعة والرافضة] مستدلين به على استحقاقه الخلافة بعده ﷺ ، بل المراد أن عليّا خليفة عن النبى ﷺ مدة غيبته بتبوك، كما كان هارون خليفة عن موسى مدة غيبته للمناجاة، وأما الإستثناء فمنقطع، والمعنى: لكنك لست نبيّا كهارون؛ لأنه لا نبى بعدي، ولئن سلم أن الحديث يعمّ المنازل كلّها فهو عام مخصوص؛ إذ من منازل هارون كونه أخا نبي «٢» ، والعام المخصوص غير حجّة في الباقي، أو حجة ضعيفة على الخلاف «٣» .
وكان مع النبى ﷺ ثلاثون ألفا، وكانت الخيل عشرة الاف، وتخلّف عبد الله ابن أبيّ [المنافق] ومن تبعه من أهل النفاق، وتخلف ثلاثة من الصحابة، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، ولم يكن لهم عذر، ثم رجع النبى ﷺ إلى المدينة بعد أن أقام بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم يجلس الناس، فلما فعل
стр. 429
ذلك جاء المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون، وكانوا فوق الثمانين رجلا، فتقبّل منهم النبى ﷺ علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى.
ثم جاءه كعب بن مالك، وكان قد تقدّمه مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فسألهم عن سبب تخلفهم، فاعترفوا ألاعذر لهم، فأمرهم بالمضيّ حتي يقضى الله فيهم، ونهى ﷺ عن كلامهم من بين من تخلف عنه، فاجتنبهم الناس، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فلبثوا علي ذلك خمسين ليلة، ولما مضت أربعون ليلة من الخمسين أمرهم النبى ﷺ باعتزال نسائهم، وجاءت امرأة هلال إليه ﷺ لتستأذنه في خدمة هلال، فأذن لها من غير أن يقربها.
فلما مضت خمسون ليلة من حين النهى عن كلامهم نزلت توبتهم، فأخبر النبى ﷺ بتوبة الله عليهم، وذهب الناس يبشرونهم، وجاء كعب إلى النبى ﷺ وهو «١» يبرق وجهه من السرور، فقال له ﷺ : أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك، فقال: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ فقال: بل من عند الله . وأنزل الله على رسوله ﷺ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ [التوبة: ١١٧] إلى قوله تعالى: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩] . قال كعب: فو الله ما أنعم الله عليّ نعمة قط بعد أن هدانى للإسلام أعظم في نفسى من صدقى لرسول الله ﷺ ، وأن أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي:
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ٩٦] إلى قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٩٥] .
وأما ما ورد «هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام حرام» «٢» محلّه إذا كان لحظوظ
стр. 430
النفس أو لتعلقات الدنيا، وأما إذا كان المهجور مبتدعا أو متجاهرا بالفسق ونحو ذلك فلا تحرم هجرته، لما ثبت من هجر النبى ﷺ الثلاثة الذين خلّفوا «١» .
ولم يجاوز ﷺ «تبوك» ، حيث استشار أصحابه في مجاوزتها، فقال له عمر رضى الله عنه: إن كنت أمرت بالسير فسر، فقال ﷺ : «لو أمرت بالسير لم أستشركم فيه» فقال: يا رسول الله: إن للروم جموعا كثيرة، وليس بها أحد من أهل الإسلام، وقد دنونا، وقد أفزعهم دنوّك، فلو رجعنا هذه السنة حتّى نرى أنفسنا أو يحدث الله أمرا. وهذا تصريح بأن تبوك لم يقع فيها مقاتلة، ولا حصل فيها غنيمة، وإنما أتاه ﷺ وهو بها «يحنّة» (بضم المثناة تحت، وفتح الحاء المهملة ثم نون مشدّدة مفتوحة، ثم تاء التأنيث) «ابن روبة» (بالمواحدة) صاحب «أيلة» «٢» وصحبته أهل «جرباء» تأنيث أجرب، يمد ويقصر، قرية بالشأم، وأهل (أذرح) «٣» بالذال المعجمة الساكنة والراء المهملة المضمومة والحاء المهملة (مدينة تلقاء السراة) و «أهل مينا» ، وأهدى «يحنّة» رسول الله ﷺ بغلة بيضاء، فكساه ﷺ بردا، وهو البردة التي كانت عند خلفاء بنى العباس، اشتراها من أهل (أيلة) «٤» أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار، وكانت التى اشتراها معاوية من ذرية كعب بن زهير، فقدت عند زوال دولة بنى أمية «٥» . وقد تقدم في غزوة فتح مكة أن بردة النبى ﷺ التى خلعها على كعب بن زهير جائزة علي قصيدته المشهورة، قد اشتراها معاوية من ذريته، ثم فقدت بزوال بني أمية، بخلاف هذه. فليراجع في مخله «٦» .
стр. 431
فصالح النبيّ ﷺ (يحنة) على إعطاء الجزية، فبلغت جزيتهم ثلاثمائة دينار، بعد أن عرض عليه الإسلام فلم يسلم، وكتب له ولأهل أيلة كتاب الصلح، وكتب أيضا لأهل أذرح وجرباء كتاب الصلح، وأن عليه مائة دينار في كل رجب، وصالح أيضا أهل (مينا) علي ربع ثمارهم، فمن هذا يفهم أنه ﷺ لم يتعرض فى غزوة تبوك لقتال الروم، وقد سبق الكلام عليه.
ولما وصل ﷺ تبوك كان هرقل بحمص، قدم من القسطنطينية إليها، وكانت قاعدة مملكته بالشام، وكانت في زمانهم أعظم من دمشق، ولم يكن همّ بالذى بلغ رسول الله ﷺ عنه من جمعه ولا حدّثته نفسه بذلك، وبعث ﷺ دحية بكتاب إليه، فلما جاءه دعا قسّيسى الروم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم، وقال: «قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، وقد أرسل يدعونى إلى ثلاث خصال: إما أن أتبعه على دينه، أو أن أعطيه ما لنا على أرضنا، والأرض أرضنا، أو نلقى إليه الحرب، وو الله لقد عرفتم فيما تقرؤن من الكتب ليأخذن موضع قدميّ هاتين، فهلم فلنتبعه علي دينه، أو أن نعطيه مالا» فنحروا «١» نخرة رجل واحد، حتى خرجوا من برانسهم «٢» ، وقالوا: أتدعونا إلى أن نذر النصرانية، أو نكون عبيدا لأعراب من الحجاز؟! فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم، قال: إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم علي أمركم. ثم دعا رجلا من عرب تجيب، كان على نصارى العرب، فقال: ادع لى رجلا حافظا للحديث، عربيّ اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه. فجاء التنوخي، فدفع إليه هرقل كتابا، وقال: اذهب بكتابى هذا إلى هذا الرجل فما سمعته من حديثه، فاحفظ لى منه ثلاث خصال: هل يذكر صحيفته التى كتب بشيء؟ وانظر إذا قرأ كتابي، فهل يذكر الليل؟ وانظر إلى ظهره، هل فيه شيء يريبك؟ قال: فانطلقت بكتابه حتى جئته تبوكا، فإذا هو جالس بين ظهرانى أصحابه محتبئا علي الماء، فقلت:
أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا. فأقبلت أمشى حتّى جلست بين يديه، فناولته كتابي، فوضعه في حجره، ثم قال: ممن أنت؟ فقلت: أنا أحد تنوخ، قال: هل لك في الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟ قلت: إنى رسول قوم وعلي دين قوم، حتى
стр. 432
أرجع إليهم. فضحك رسول الله ﷺ وقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: ٥٦] يا أخا تنوخ إنى كتبت بكتاب إلى كسرى فمزّقه، والله ممزقه وممزق ملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير، قلت: هذه إحدى الثلاث التي أوصانى بها صاحبي، فأخذت سهما من جعبتى فكتبتها في جفن سيفي، ثم ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية، فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ سبحان الله، أين النهار إذا جاء الليل «١» ؟! فأخذت سهما من جعبتى فكتبت في جنب سيفي، فلما أن فرغ من قراءة كتابي، قال: إن لك حقا، وإنك رسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوّزناك بها، إنا سفر مرملون. فناداه رجل من أصحابه، فقال: أنا أجوّزه، ففتح رحله، فإذا هو بحلّة صفراء فوضعها في حجري، فقلت: من صاحب الجائزة؟ قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله ﷺ : أيكم ينزل هذا الرجل؟ فقال فتى من الأنصار: أنا، فقام الأنصاريّ وقمت معه، حتى إذا خرجت من طائفة المجلس نادانى رسول الله ﷺ ، فقال: تعال يا أخا تنوخ، فأقبلت أهوى حتّى كنت قائما في مجلسى الذى كنت بين يديه، فحلّ حبوته على ظهره، وقال: «هاهنا امض لما أمرت به» فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم النبوة عند غضروف كتفه مثل المحجمة «٢» الضخمة» . فانصرف الرجل إلى هرقل، فذكر له ذلك، فدعا قومه إلى التصديق بالنبى ﷺ ؛ فأبوا حتّى خافهم علي ملكه، وهو في موضعه بحمص لم يتحرك ولم يزحف، وأهدى هرقل له ﷺ هدية فقبلها، وفرّقها على المسلمين، وأقام ﷺ بضع عشرة ليلة، ولم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة.
ففى هذه الغزوة خرج النبى ﷺ من المدينة إلى الشام في العدد الذى لم يتم قبله مثله، كان العدد فيها ثلاثين ألفا، أو أكثر، وكانت الشّقّة بعيدة، ولهذا لم يور
стр. 433
فيها، بل أعلم الناس بوجههم ليكون تأهّبهم بحسب ذلك، ومع هذا الاجتهاد في الاستعداد لم يلق فيها حربا، ولا افتتح بلدا، وذلك لأن أجلّ فتوح الشام لم يكن بعد، فانتسخ العزم بالقدر وبجفاف القلم «١» .
ورجع النبى ﷺ إلى المدينة وعلى المسلمين الوقار والسكينة من غير اضطراب عند انصراف العزيمة، وقد تقدم بعض ذلك «٢» .
* وفي هذه السنة هدم مسجد الضرار الذى ذكره الله تعالى في كتابه العزيز فى سورة براءة: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً ... [التوبة: ١٠٧] الاية أنزلت في جماعة من المنافقين بنوا مسجدا أيضا يضارّون به مسجد قباء، وكانوا اثنى عشر رجلا من أهل النفاق، وكانوا جميعا يصلّون في مسجد قباء، فبنوا مسجد الضرار ليصلّى فيه بعضهم، فيؤدّى ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة، ولما فرغوا أتوا رسول الله ﷺ وهو يتجهّز إلى تبوك وقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة الشاتية، وإنّا نحب أن تأتينا وتصلّى لنا فيه، وتدعو بالبركة، فقال رسول الله ﷺ : «إنى على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا» ، ولما انصرف ﷺ من تبوك ونزل ب «ذى ودان» (موضع قريب من المدينة) أتوه فسألوه إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزل عليه القران، وأخبره الله خبر المسجد الضرار وما همّوا به، فدعا رسول الله ﷺ عامر بن عديّ، وعامر بن السكن، وقال لهم: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه» ، فخرجوا سريعا فحرقوه وهدموه، وتفرق عنه أهله.
وفي دخول هذه السنة على رسول الله ﷺ وهو بالمدينة، قبل غزوة تبوك تتابعت الوفود من جميع الجهات؛ فإنهم كانوا منتظرين ما يقع له ﷺ مع قومه، فلما حصل الفتح دخل الناس في دين الله أفواجا، وورد عليه عروة بن مسعود الثقفي، وكان غائبا عن حصار الطائف، فأسلم وحسن إسلامه فقال: أمضى إلى قومى وأدعوهم، فقال له ﷺ : إنهم قاتلوك. فكان كما قال؛ حيث رمى بسهم في سطح بيته، وهو يؤذّن للصلاة، فمات، ومنع قومه من الطلب بدمه، وقال: «هى
стр. 434
شهادة ساقها الله» ، وأوصى أن يدفن مع شهداء المسلمين، ثم قدم ابنه أبو المليح، وقارب «١» بن الأسود بن مسعود فأسلما، وضيّق مالك بن عوف علي ثقيف، واستباح سرحهم، وقطع سابلتهم (أى سبيلهم) ، وبلغهم رجوع النبى ﷺ من تبوك، فوفدوا عليه فأسلموا، وسألوه أن يدع اللات التى كانوا يعبدونها لا يهدمها إلى ثلاث سنين، فأبي، فنزلوا إلى شهر فأبي، وسألوه أن يعفيهم من الصلاة، فقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه» . فأجابوا، وأرسل معهم المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان بن حرب، فهدما اللات، وخرج نساء ثقيف حسرى يبكين عليها.
وفيها بعث أبا بكر رضى الله عنه ليحج بالناس، ومعه عشرون بدنة لرسول الله ﷺ وثلاثمائة رجل، فلمّا كان بذى الحليفة أرسل عليّا رضى الله عنه في أثره وأمره بقراءة براءة، وايات من أوّل سورة البقرة على الناس، وأن ينادى «أن لا يطوف بالبيت بعد السنة عريان» (أى مكشوف العورة كما كانت الجاهلية تفعل ذلك) ولا يحجّ مشرك.
وعن أبى هريرة قال: كنت مؤذّن عليّ ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ إلي أهل مكة ببراءة، فناديت: ألايدخل الجنة إلا نفس مؤمنة؛ ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر فإنّ الله بريء من المشركين ورسوله» .
فعاد أبو بكر وقال: يا رسول الله هل نزل في شيء؟ قال: «لا، ولكن لا يؤدّى عنى غيرى أو إلا رجل من أهل بيتي) ، ألا ترضى يا أبا بكر أنك كنت معى في الغار؟ وصاحبى على الحوض؟» قال: بلي. فكان أبو بكر أميرا على الموسم، وعليّ يؤذن ببراءة «٢» يوم الأضحي؛ وألايحج مشرك ولا يطوف بالبيت عريان؛ فلم يحج في العام بعد الذى حج فيه المصطفى حجة الوداع مشرك، وأنزل الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا «٣» .
стр. 435
الفصل العاشر فيما وقع من وفود العرب عليه ﷺ ، وفي حجة الوداع
* وفي هذه السنة بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في ربيع أو جمادى في سرية (أربعمائة) إلى نجران وما حولها، يدعو بنى الحارث بن كعب إلى الإسلام ويقاتلهم إن لم يفعلوا، فأسلموا وأجابوا داعيته، وبعث الرسل في كل وجه، فأسلم الناس، فكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ ، فكتب إليه بأن يقدم مع وفدهم، فأقبل خالد ومعه وفد بنى الحارث بن كعب، منهم: قيس بن الحصين، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشدّاد بن عبد الله الضبابي، وعمرو بن عبد الله الضبابي، فأكرمهم النبى ﷺ ، وقال لهم: «بم كنتم تغلبون من يقاتلكم في الجاهلية؟» .
قالوا: كنا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: صدقتم.
فأسلموا، وأمّر عليهم قيس بن الحصين، ورجعوا صدر ذى القعدة من سنة عشر، ثم أتبعهم عمرو بن حزم (من بنى النجار) ليفقههم في الدين ويعلّمهم السنّة، وكتب ﷺ إليه كتابا عهد إليه فيه عهده، وأمره بأمره، وأقام عاملا على نجران، وهذا الكتاب وقع في السير مرويا، واعتمده الفقهاء في الاستدلالات، ومنه أخذت كثير من الأحكام الفقهية، ونصه:
بسم الله الرحمن الرحيم «هذا كتاب من الله ورسوله- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «١» عهد من محمد النبى لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشّر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلّم الناس القران ويفهّمهم فيه، وأن ينهى
стр. 436
الناس، فلا يمسّ القران إنسان إلا وهو طاهر، وأن يخبر الناس بالذى لهم والذى عليهم، ويلين للناس في الحق ويشتد عليهم في الظلم؛ فإنّ الله حرّم الظلم ونهى عنه، فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، وأن يبشّر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتّى يتفقّهوا في الدين، ويعلّم الناس معالم الحجّ وسننه وفرائضه وما أمر الله به، والحجّ الأكبر والحجّ الأصغر، وهو العمرة، وينهى الناس أن يصلّى أحد في ثوب واحد، إلا أن يكون واسعا يثنى طرفه على عاتقيه، وينهى أن يحتبى أحد في ثوب واحد، ويفضى بفرجه إلى السماء، وينهى أن يقص أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيّج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر «١» وليكن دعاؤهم إلى الله واحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله، ودعا القبائل فليقطعوه بالسيف، حتى يكون دعاؤهم إلى الله واحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء في وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود، وأن يغلّس بالصبح «٢» ، ويهجّر «٣» بالهاجرة حتّى تميل الشمس»
، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين «٥» يقبل الليل؛ لا يؤخّر حتّى تبدو نجوم السماء، والعشاء أوّل الليل.
وأمره بالسّعي إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرّواح إليها، وأمره أن يأخذ من الغنائم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين، أو سقت السماء، وعلى ما سقى الغرب «٦» نصف العشر، وفي كلّ
стр. 437
عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين: أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر:
بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر: تبيع أو تبيعة (جذع أو جذعة) ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة (واحدّها شاة) فإنها فريضة الله التى افترضها على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له.
وأنّ من أسلم من يهودى أو نصرانيّ إسلاما خالصا من نفسه، ودان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه ما عليهم.
ومن كان على نصرانيته أو يهوديته، فإنه لا يردّ عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى حرّ أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا، فمن أدّى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدوّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمته وبركاته» .
* وقدم عليه وفد عامر، عشرة نفر، فأسلموا وتعلموا شرائع الإسلام، وأقرأهم أبيّ القران وانصرفوا.
وقدم في شوال وفد سلامان، سبعة نفر، رئيسهم حبيب، فأسلموا وتعلموا الفرائض وانصرفوا.
وفيها قدم وفد «ازدجرش» وفد فيهم صرد بن عبد الله الأزدى في عشرة من قومه، ونزلوا علي فروة بن عمرو، وأمّر النبيّ ﷺ بعد أن أسلموا صردا على من أسلم منهم، وأن يجاهد المشركين حوله، فحاصر «جرش» ومن بها من خثعم وقبائل اليمن- وكانت مدينة حصينة، اجتمع إليها أهل اليمن حين سمعوا بزحف المسلمين- فحاصرهم شهرا ثم قفل عنهم، فظنوا أنه انهزم، فاتبعوه إلى جبل شكر، فصفّ وحمل عليهم ونال منهم، وكانوا بعثوا إلى رسول الله ﷺ رائدين، وأخبرهما ذلك اليوم بواقعة شكر، وقال: «إنّ بدن الله لتنحر عنده الان» ، فرجعا إلى قومهما وأخبراهم بذلك، وأسلموا، وحمى لهم حمّى حول قريتهم.
وفيها كان إسلام همدان ووفادتهم على يد عليّ رضى الله عنه، وذلك أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فمكث
стр. 438
ستة أشهر لا يجيبونه، فبعث ﵊ عليّ بن أبى طالب وأمره أن يقفل خالد، فلما بلغ عليّ أوائل اليمن جمعوا له، فلما لقوه صفّوا، فقدم عليّ الإنذار وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فأسلمت همدان كلها في ذلك اليوم، وكتبت بذلك إلى النبى ﷺ ، فسجد لله شكرا، ثم قال: السلام على همدان (ثلاث مرات) .
ثم تتابع أهل اليمن علي الإسلام وقدمت وفودهم، وكان عمرو بن معديكرب الزبيدى قال لقيس بن مكشوح المرادي: اذهب بنا إلى هذا الرجل، فلن يخفى علينا أمره. فأبى قيس ذلك، فقدم عمرو على النبى ﷺ فأسلم. وكان فروة بن مسيك المرادى علي زبيد؛ لأنه وفد قبل عمرو مفارقا لملوك كندة، فأسلم ونزل على سعد بن عبادة، وتعلم القران وفرائض الإسلام، واستعمله رسول الله ﷺ على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتّى كانت الوفاة.
وفي هذه السنة قدم وفد عبد القيس، يقدمهم الجارود بن عمرو، وكانوا على دين النصرانية، فأسلموا ورجعوا إلى قومهم، ولما كانت الوفاة «١» وارتدت عبد القيس، ونصّبوا المنذر بن النعمان بن المنذر: ثبت الجارود علي الإسلام، وكان له المقام المحمود، وهلك قبل أن يرجعوا.
وقد كان رسول الله ﷺ بعث العلاء بن الحضرمى قبل فتح مكة إلي المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم وحسن إسلامه، وهلك بعد الوفاة «٢» ، وقبل ردة أهل البحرين.
وفي هذه السنة قدم وفد بنى حنيفة (فى ستة عشر) فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب، ورجّال بن عنفوة، وطلق بن علي بن قيس، وعليهم سلمان بن حنظلة، فأسلموا وأقاموا أياما يتعلمون القران من أبيّ بن كعب سيد القرّاء، ومن فضلاء الصحابة، ورجّال يتعلم، وطلق يؤذّن لهم، ومسيلمة في الرّحال «٣» . وذكروا للنبى
стр. 439
صلّى الله عليه وسلّم مكانه في رحالهم، فأجازه، وقال: «ليس بشرّكم مكانا «١» لحفظه رحالكم» .
فقال مسيلمة: «عرف أن الأمر لى من بعده» .
ثم ارتد، وادّعى مسيلمة بعد ذلك النبوة، وشهد له طلق «٢» بن علي بن قيس أن رسول الله ﷺ أشركه في الأمر، فافتتن الناس به، وذلك أنه ادّعى النبوة، وأنه أشرك مع رسول الله ﷺ ، وكتب إليه: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإنّ لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون» .
وكتب إليه رسول الله ﷺ :
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتّبع الهدي.
أما بعد: فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» .
وقد قيل إن ذلك كان بعد منصرف النبى ﷺ من حجة الوداع.
* وفيها قدم وفد كندة يقدمهم الأشعث بن قيس، فى بضعة عشر، وقيل: فى ستين، وقيل: فى ثمانين، وعليهم الديباج والحرير، وأسلموا، ونهاهم النبى ﷺ عنه «٣» فتركوه، وقال له أشعث: «نحن بنو اكل المرار» «٤» يعتز بذلك؛ لأن لهم عليه ولادة من الأمهات، ثم قال لهم: لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو «٥»
стр. 440
أمّنا، ولا ننتفى من أبينا» «١» .
وقدم مع وفد كنانة وفد حضرموت، وهم بنو وليعة وملوكهم: جمد، ومخوس، ومشرح، وأبضعه، فأسلموا، ودعا لمخوس بإزالة الرتة «٢» من لسانه.
وقدم وائل بن حجر راغبا في الإسلام، فدعا له ومسح رأسه، ونودى «الصلاة جامعة» سرورا بقدومه، وأمر معاوية أن ينزل بالحرّة، فمشى معه، وكان راكبا فقال له معاوية: «أعطنى نعلك أتوقّى به الرمضاء، فقال: ما كنت لألبسها وقد لبستها، وفي رواية «لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة لبس نعل ملك» فقال: أردفني؟
قال: لست من أرداف الملوك، ثم قال معاوية: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي، فقال وائل: امش في ظل ناقتي، كفاك به شرفا، ويقال: إنه وفد على معاوية في خلافته فأكرمه، ثم إن رسول الله ﷺ كتب له كتابا صورته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا كتاب محمد النبى لوائل بن حجر قيل حضرموت، إنك إن أسلمت، لك ما فى يديك من الأرض والحصون، ويؤخذ منك من كل عشر واحدة، ينظر في ذلك ذو عدل، وجعلت لك ألاتظلم فيها معلم الدين.
والنبى ﷺ والمؤمنون أشهاد عليه» .
* وفي هذه السنة قدم وفد محارب في عشرة، فأسلموا.
* وفيها قدم وفد الرّها «٣» من مذحج في خمسة عشر نفرا، وأهدوا فرسا، فأسلموا وتعلموا القران وانصرفوا، ثم قدم وفد منهم وحجّوا مع رسول الله ﷺ ، فأوصى لهم بمائة وسق من خيبر جارية عليهم من الكتيبة، وباعوها من معاوية.
* وفي هذه السنة قدم وفد نجران (النصاري) فى سبعين راكبا يقدمهم أميرهم
стр. 441
العاقب عبد المسيح (من كندة) وأسقفهم أبو حارثة بن بكر بن وائل، والسيد (الأيهم) ، وجادلوا عن دينهم، فنزل صدر سورة ال عمران، واية المباهلة، فقال لهم النبى ﷺ يوم المباهلة عن أمر ربه ... تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ «١» فقال عبد المسيح لقومه: «لا تباهلوا محمدا؛ فإني أرى معه وجوها «٢» لو أقسمت علي الله أن يزيل الجبال لأزالها، فتهلكوا إلى اخر الأبد» .
فأبوا المباهلة وأشفقوا منها، وسألوا الصلح، وكتب لهم به علي ألف حلة في صفر، وألف في رجب، وعلي دروع ورماح وخيل، وحمل ثلاثين من كل صنف، وطلبوا أن يبعث معهم واليا يحكم بينهم، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، ثم جاء العاقب والسيد وأسلما، وقد أشار إلى ذلك الصفيّ الحلّى في بديعيته، فى مبحث العنوان، حيث قال مشيرا إلى هذه القصة:
والعاقب الحبر من نجران، إنّ له ... يوم التباهل عقبي زلّة القدم
والمباهلة: الملاعنة، قال جرير:
لو أنّ تغلب جمعت أحسابها ... يوم التّباهل لم تزن مثقالا
وهذا البيت من النزاهة (نوع من الهجاء) ، وهى عبارة عن الإتيان بألفاظ غير سخيفة تكون من أحسن الهجاء الذى إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يعدّ من مثلها قبيحا.
وهذه الواقعة مما يدل دلالة قطعية على نبوّته ﷺ من وجهين: أحدهما أنه خوّفهم بنزول العذاب عليهم لوثوقه بذلك، وإلّا لأفحم إذا لم ينزل العذاب عليهم، وثانيهما أنّ تركهم مباهلته يدل على أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يفيد نبوته، وإلا لما أحجموا عن مباهلته، ويدل على تيقنهم هذا أنه قد نقل عنهم أنهم
стр. 442
قالوا لبعضهم: «إنه والله هو النبى المبشّر به في التوراة والإنجيل، وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال» فكان ذلك تصريحا منهم بأن الامتناع عن المباهلة إنما كان لعلمهم بأنه نبى مرسل من عند الله تعالى، ويؤيد هذا قوله ﷺ «والذى نفسى بيده إن العذاب تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادى نارا، ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله، حتى الطير علي رؤس الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتّى هلكوا كلهم» «١» .
* وفي هذه السنة قدم وفد الصدف و «وككتف» من كندة- ينسبون الان إلى حضرموت- في بضعة عشر نفرا، فأسلموا، وعلّمهم أوقات الصلاة، وذلك في حجة الوداع.
وفيها قدم وفد عبس.
وفيها قدم وفد عدى بن حاتم (فى شعبان) .
* وفيها قدم وفد خولان «٢» عشرة نفر، فأسلموا وهدموا صنمهم.
وكان قد وفد على رسول الله ﷺ في هدنة الحديبية قبل خيبر: رفاعة بن زيد
стр. 443
الضبيبى (من جذام) «١» وأهدى غلاما فأسلم، وكتب له رسول الله ﷺ كتابا يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا، ولم يلبث أن قفل دحية بن خليفة الكلبى منصرفا من عند هرقل، حين بعثه النبى ﷺ ومعه تجارة، فأغار عليه الهنيد بن عوص «٢» وقوم بنو الضليع (من بطون جذام) ، فأصابوا كل شيء معه، وبلغ ذلك المسلمين من بنى الضبيب، فاستنقذوا ما أخذه الهنيد وابنه وردّوه على دحية، وقدم دحية على النبي ﷺ فأخبره الخبر، فبعث النبى ﷺ زيد بن حارثة فى جيش من المسلمين، فأغار عليهم وقتلوا الهنيد وابنه في جماعة، وكان معهم ناس من بنى الضبيب، فاستباحوهم معهم، فركب رفاعة بن زيد ومعه زيد بن عمرو (من قومه) فقدموا على النبى ﷺ وأخبروه الخبر، فقال: كيف أصنع بالقتلي؟ فقالوا: يا رسول الله أطلق لنا من كان حيا، فبعث معهم عليّ بن أبى طالب، وحمله على جمل وأعطاه سيفه، وأمره بردّ أموالهم، فسار عليّ إلى زيد ابن حارثة فلحقه بفيفاء الفحلتين «٣» وأمره بردّ أموالهم، فردّها.
* وفي هذه السنة قدم وفد عامر بن صعصعة، فيهم عامر بن الطفيل بن مالك، وأربد بن ربيعة بن مالك، فقال عامر للنبى ﷺ : يا محمد اجعل لى الأمر بعدك، قال: ليس ذلك لك ولا لقومك، قال عامر: اجعل لى الوبر ولك المدر «٤» ، قال: لا، ولكن أجعل لك زعنة الخيل؛ فإنك امرؤ فارس، فقال: لأملأنها عليك خيلا ورجلا. ثم ولّوا، فقال: «اللهم اكفنيهم، اللهم اهد عامرا وأغن الإسلام عن عامر» «٥» فرجعوا إلى بلادهم، فأخذ الطاعون عامرا في عنقه، فمات في طريقه (فى أحياء بنى سلول) وأصابت أخاه «أربد» صاعقة بعد ذلك.
ثم قدم علقمة بن علاثة بن عوف، وعوف بن خالد بن ربيعة وابنه، وأسلموا.
стр. 444
* وفيها قدم وفد طيء (فى خمسة عشر نفرا) يقدمهم سيدهم: زيد الخيل، وقبيصة بن الأسود (من بنى نبهان) فأسلموا، وسمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير، وأقطع له بئرا وأرضين معها وكتب له بذلك، ومات في مرجعه.
* وفي هذه السنة كانت حجة الوداع، وتسمى حجة الإسلام.
وسميت حجة الوداع لأن النبى ﷺ خطب الناس فيها وأوصاهم، وقال: «لعلكم لا ترونى بعد عامى هذا» وودّعهم.
واختلف: هل كان ﷺ فيها مفردا أو قارنا أو متمتعا، قال النووي: والصحيح أنه كان أولا مفردا، ثم أحرم بالعمرة بعد، وأدخلها علي الحج، فصار قارنا؛ فمن روى الإفراد فهو الأصل، أو القران اعتمد اخر الأمرين، أو التمتاع: أراد التمتاع اللغوي، وهو الانتفاع والارتفاق، وبه تنتظم الأحاديث.
وذلك أن النبى ﷺ خرج حاجّا لخمس وعشرين من ذى القعدة سنة عشر، وكان معه من أشراف الناس جماعة، ومائة من الإبل عريا، ودخل مكة يوم الأحد لأربع خلون من ذى الحجة.
وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ من بيته متدهنا مترجلا «١» ، حتى أتى ذا الحليفة، وأحرم في ثوبين من نسج «صحار» «٢» : إزار ورداء، وخرج بنسائه جميعا، فدخل مسجد ذى الحليفة، فصلّى ركعتين، ثم ركب ناقته القصواء فلما استوت على ظهر البيداء أهلّ بالحج، ودخل ﷺ مكة نهارا على راحلته، حتى انتهى إلى البيت، فلما رأى البيت رفع يديه فوقع زمام «٣» ناقته، فأخذه بشماله، فبدأ بالطواف بالبيت قبل الصلاة، ولم يستلم من الأركان إلا اليمانيّ والأسود، ورمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر في الأشواط الثلاثة،
стр. 445
وخطب ﷺ قبل يوم التروية بيوم بعد الظهر، ويوم عرفة حين زالت الشمس «١» وهو على راحلته قبل الصلاة، والغد من يوم النحر بعد الظهر بمني، وساق في حجته مائة بدنة نحر منها ستين بيده بالحربة، ثم أعطى عليّا سائرها فنحرها، ولم يصم ﷺ يوم عرفة، وصلّى الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين، ثم وقف بعرفة، ودفع حين غابت الشمس، فقصد في سيره «٢» ، ثم صلّى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ثم بات بالمزدلفة، ووقف على ناقته القصواء حين أسفر «٣» ، ثم دفع ورمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته، ونحر بالمنحر، وقال: «كلّ منى منحرة» «٤» ، وحمل حصاه من «جمع» ثم كان يرمى الجمار ماشيا، ويرمى يوم الصدر راكبا، وكان يرفع يديه عند الجمار ويقف، ولا يفعل ذلك عند جمرة العقبة، وزار البيت يوم النحر، ونفر يوم الصدر، فنزل بالأبطح في قبة ضربت له، فلما كان في اخر الليل خرج فودّع البيت، ثم مضى من وجهه إلى المدينة.
وقال النبى ﷺ : إنّ أفضل أيامكم يوم النحر، ثم يوم القرّ، وهو اليوم الثاني.
انتهي.
[خطبة الوداع] : ولقيه عليّ بن أبى طالب بصدقات «نجران» وكان محرما فقال: حلّ كما حلّ أصحابك، فقال: إنى أهللت بما أهلّ به رسول الله ﷺ . فبقى على إحرامه. ونحر رسول الله ﷺ الهدي عنه، وعلّم ﷺ الناس مناسك الحج والسنن، وخطب الناس بعرفة خطبة بيّن فيها الأحكام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
«أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري، لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا.
стр. 446
أيها الناس إنّ دمائكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وحرمة شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم. وقد بلّغت؛ فمن كان عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، وإن كان ربا فهو موضوع، ولكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله ألاربا؛ إنّ ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإنّ كلّ دم في الجاهلية موضوع كله، وإنّ أوّل دم أضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (وكان مسترضعا في بنى سعد فقتله بنو هذيل) . أيها الناس إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقّرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، إنما النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم الله فيحلّوا ما حرّم الله، ألا وإنّ الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الفرد الذى بين جمادى وشعبان» «١» .
[ومعنى الحديث: أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذى الحجة، وبطل النسيء الذى كان في الجاهلية، وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة أبى بكر رضى الله عنه قبلها في ذى القعدة، والنسىء: التأخير لحرمة شهر إلى اخر كما كانت الجاهلية تفعل؛ كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلّوه وحرّموا مكانه شهرا اخر، ورفضوا خصوص الشهر، واعتبروا مجرد العدد، فكانوا يؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر، فيحرّمون صفر ويستحلون المحرم، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخّروه إلى ربيع، وهكذا شهرا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها، وكانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذى القعدة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر
стр. 447
عامين، وكذا باقى شهور السنة، فوافقت حجة أبى بكر في السنة التاسعة في ذى القعدة، قبل حجة الوداع بسنة، ثم حجّ النبيّ ﷺ في العام المقبل حجة الوداع، فوافق حجّه شهر ذى الحجة، وهو شهر الحج المشروع، فوقف بعرفة في اليوم التاسع.
واختلفوا في أوّل من نسّأ النسيء، فقال ابن عباس: بنو مالك بن كنانة، وكان يليه أبو ثمامة وجنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يقوم علي جمل بالموسم فينادي: إن الهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلّوه، ثم ينادى في قابل «١» : إنّ الهتكم قد حرّمت عليكم المحرم فحرّموه.
وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من بنى كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة.
وقيل: أول من فعل ذلك عمرو بن لحىّ، وهو أوّل من سيّب السوائب، وقال فيه النبى ﷺ : «رأيت عمرو بن لحىّ يجر قصبه (أى أمعاءه) فى النار» »
] .
«أما بعد؛ أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا، ولهنّ عليكم حقا؛ عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، وعليهن ألايأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن؛ فإنّ الله قد أذن لكم أن تعضلوهنّ وتهجروهنّ في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرّح، فإن انتهين فلهنّ رزقهن وكسوتهنّ بالمعرف، واستوصوا بالنساء خيرا؛، فإنهن عندكم عوان «٣» لا يملكن لأنفسهنّ شيئا، وإنكم إنما أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولي، فإني قد بلغّت قولى وتركت فيكم ما إن استعصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس: اسمعوا قولي، واعلموا أنّ كل مسلم أخو المسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لا مرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه إياه عن طيب نفس، فلا تظلموا أنفسكم ... ألا هل بلّغت؟.» .
стр. 448
فذكر أنهم قالوا: «اللهم نعم» ، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اشهد» «١» .
* وفي حجة الوداع نزلت عليه في يوم الجمعة بعد العصر في يوم عرفة وهو ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (يعنى الفرائض والسنن والحدود والأحكام) وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] فلم ينزل بعد هذه الاية شيء: لا حلال ولا حرام، ولا شئ من الفرائض والسنن والحدود والأحكام.
وقيل: إكمال الدين بهذه الاية: أنه لا يزول، ولا ينسخ، وأن شريعتهم باقية إلى يوم القيامة، ومعنى إتمام النعمة: يعنى إكمال الدين والشريعة؛ لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام. وعن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، قال: يا أمير المؤمنين، اية في كتاب الله تقرؤنها لو نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: فأى اية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فقال عمر: «إنى لأعلم اليوم الذى نزلت فيه، والمكان الذى نزلت على رسول الله ﷺ فيه؛ نزلت بعرفات يوم الجمعة» «٢» أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيدا لنا. وعن ابن عباس: أنه قرأ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وعنده يهودي، فقال: لو نزلت هذه الاية علينا لاتخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: يوم جمعة، ويوم عرفة، وعيد لليهود، وعيد للنصاري، وعيد المجوس، ولم تجمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله ولا بعده.
وروى أنه لما نزلت هذه الاية بكى عمر، فقال النبى ﷺ : ما يبكيك يا عمر؟
فقال: أبكانى أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال: «صدقت» «٣» ، فكانت هذه الاية نعت رسول الله ﷺ ، وعاش بعدها أحدا وثمانين يوما «٤» .
стр. 449
ولما رجع ﷺ من حجته إلى المدينة أقام بقباء ذا الحجة تمام سنة عشر من الهجرة، ثم دخلت سنة إحدى عشر، فأقام بها أيضا المحرّم وصفر، وفي يوم الأربعاء اخر صفر بدأ بالنبى ﷺ وجعه، فحمّ وصدع، وأشار فيه إشارة ظاهرة بخلافة أبى بكر، بثنائه عليه على المنبر، لمّا فهم دون بقية الصحابة قوله في خطبته: «إنّ عبدا خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده، أنه ﷺ يعنى نفسه، فبكى وقال: فديناك يا رسول الله بابائنا وأمهاتنا فقابله ﷺ بقوله: «إنّ أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام» ثم قال: لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدّت، إلا خوخة أبى بكر «١» . زاد مسلم: «إن ذلك كان قبل موته بخمس ليال» ثم أكّد أمر الخلافة بأمره صريحا أن يصلّى بالناس «٢» .
ولم يحج ﷺ بعد أن فرض الحج إلا حجة الوداع، وكانت وقفته فيها الجمعة، وحجّ معه ألوف، حتى حج معه من لم يره قبلها ولا بعدها، ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وأما بعد النبوة وقبل الهجرة، فحج ثلاث حجات، وقيل حجتين، وقيل كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر، واعتمر بعد أن هاجر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضية، ويقال لها عمرة القضاء، وعمرة القصاص، وعمرة الجعرانة بكسر الجيم وسكون العين في إثر وقعة حنين، وعمرة مع حجته ولم يعدّ مالك بن أنس في الموطأ الرابعة عمرة، وقال: إنما اعتمر ثلاثا فقط؛ لأنه إنما
стр. 450
حجّ حجة الوداع مفردا بالحج دون العمرة، وتابعه على مقالته هذه بعضهم، وهو أحد قولي الإمام الشافعى رضى الله عنه.
وفي هذه السنة أسلم جرير بن عبد الله البجلي.
ونزلت سورة إذا جاء نصر الله والفتح بمنى يوم النحر في حجة الوداع، والمعنى: إذا جاء نصر الله نبيّه ﷺ على أعدائه، والفتح فتح مكة، وقيل: نزلت قبل موته ﷺ بثلاثة أيام. وكان ﷺ بعد نزول هذه السورة يكثر من قول «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» وعلم بها أنه قرب أجله، قال أبو هريرة رضى الله عنه: لما نزلت قال رسول الله ﷺ : «الله أكبر جاء نصر الله والفتح» .
وعن جابر رضى الله عنه: أنه كان ذات يوم يبكى بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: دخل الناس في دين الله أفواجا، والمراد بالناس أهل اليمن.
* وفي هذه السنة مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ .
стр. 451
الباب الخامس في وفاته ﷺ وذكر بعض أخلاقه وصفاته، ومعجزاته، وأزواجه. وأعمامه، وعماته، وأخواله، ومواليه وخدمه، وحشمه ﷺ ، وفيه فصول
الفصل الأوّل في ذكر وفاته ﷺ وما يتعلق بذلك
لما أكمل الله له ولأمته الدّين، وأتمّ عليهم نعمته أجمعين، نقله إلى دار كرامته شهيدا من أكله الذراع المسموم المهدى له بخيبر، فجمع بين الرسالة والشهادة، والنبوة والسعادة، فابتدأ به المرض في العشر الأخير من صفر، عام أحد عشر من الهجرة الشريفة، وكان قد قدم ﷺ من حجة الوداع. سنة عشر من الهجرة، وأقام بالمدينة إلي أن شكا ﷺ الوجع، ومرض مرضه، ولما اشتد به ﷺ مرضه، قال لعائشة ﵂: «يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذى أكلته بخيبر، فهذا أوانه، وإنى وجدت انقطاع أبهرى من ذلك السم» «١» .
وكان ابتداء ذلك المرض في بيت ميمونة بنت الحارث، وكان يدور على نسائه حتي اشتد مرضه، فجمع نساءه، واستأذنهن أن يمرّض في بيت إحداهن، فأذنّ له أن يمرّض في بيت عائشة ﵂، فانتقل إليها في غير ليالى القسم؛ لأنه كان يدور عليهن في بعض الأحيان في يوم واحد وليلة، ويختم بعائشة.
ولما حضر ﷺ إلي بيت عائشة أمر مناديا فنادى في المدينة: أن اجتمعوا لوصية النبى ﷺ ، فاجتمع كلّ من في المدينة من ذكر وأنثي، وكبير وصغير، تركوا أبوابهم ودكاكينهم مفتّحة، وخرج ﷺ وهو متوعك بين الفضل بن العباس، وعلي بن أبى طالب رضى الله عنهما، حتى جلس على المنبر، فحمد الله، ثم
стр. 452
قال: «يا أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى فليستقد (أى يقتصّ) منّي، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقد منّي، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشي الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني» .
ثم نزل وصلّى الظهر، ثم رجع إلي المنبر فعاد إلي مقالته، فادّعى عليه رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها، ثم قال: «ألا إنّ فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة» ثم صلّى علي أصحاب أحد، واستغفر لهم، ثم قال: «إنّ عبدا خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بأنفسنا.
ثم أوصى ﷺ بالأنصار.
ولما اشتد وجعه قال: «ائتونى بدواة وبيضاء «١» أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا» . فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القران، حسبنا كتاب الله. ثم اختلفوا واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما كثر اللغو والتنازع قال: «لا ينبغى عند نبيّ تنازع» فذهبوا يعيدون عليه، فقال: «دعوني؛ فما أنا فيه خير مما تدعوننى إليه» .
وكان في أيام مرضه يصلى بالناس، وإنما انقطع ثلاثة أيام، فلما أذّن بالصلاة أوّل ما انقطع، قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» ، فقالت عائشة رضى الله عنها: «إنّ أبا بكر رجل أسيف «٢» (أى رقيق القلب) ، وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس من البكاء، فلو أمرت عمر» فقال: «مروا أبا بكر أن يصلّى بالناس» ، فقالت عائشة لحفصة: «قولى إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر» فقال: «إنكن صواحب يوسف» (أى مثل صاحبة يوسف ﵊ وهى زليخا) أظهرت خلاف ما تبطن، أظهرت للنساء التى جمعتهن أنها تريد إكرامهن بالضيافة، وإنما قصدها أن ينظرن لحسن يوسف ﵊ ويعذرنها في حبه، والنبى ﷺ فهم
стр. 453
من عائشة ﵂ أنها تظهر كراهة ذلك، مع محبتها له باطنا، هكذا يقتضيه ظاهر اللفظ، والمنقول عن عائشة ﵂ أنها إنما قصدت بذلك خوف أن يتشاءم الناس أبا بكر فيكرهونه، حيث قام مقامه ﷺ ، فقد جاء عنها ﵂ أنها قالت: «ما حملنى علي كثرة مراجعتى له ﷺ إلا أنه لم يقع في قلبى أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، ولا كنت أرى أنه يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس منه» «١» ، فصلي بهم ثلاثة أيام في حياة رسول الله ﷺ ، فوجد النبيّ ﷺ في بعض الأيام خفّة، فقام يتهادى بين رجلين، ورجلاه يخطّان في الأرض؛ حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر رضي الله تعالى عنه صوته ذهب يتأخّر، فأومأ إليه ﷺ ألايتأخر، فجاء رسول الله ﷺ حتّى جلس عن يسار أبي بكر، وكان رسول الله ﷺ قاعدا وأبو بكر يصلى قائما، اقتداء بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبى بكر ﵁، فلما فرغ النبيّ ﷺ وجلسوا قال ﷺ : «معاشر المسلمين؛ ما من نبيّ يموت حتي يصلّى خلف رجل صالح من أمته» وأن النبي صلّى به رجلان من أمته: عبد الرحمن بن عوف في السفر، وأبو بكر الصدّيق في الحضر.
وأما ما رواه البخارى بإسناده إلي عروة عن أبيه عن عائشة أنه ﷺ أمر أبا بكر أن يصلّى بالناس في مرضه، فكان يصلّي بهم، فوجد رسول الله ﷺ من نفسه خفّة فخرج إلي المحراب، وكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله، والناس يصلّون بصلاة أبى بكر، أى بتكبيره، فهو إنما كان في وقت اخر. وفي المواقف أيضا: أن النبى ﷺ استخلف أبا بكر في الصلاة حال مرضه، واقتدي به وما عزله، ولذلك قال عليّ: «قدّمك رسول الله في أمر ديننا، أفلا نقدمك في أمر دنيانا؟!» «٢» .
قال أنس بن مالك ﵁: لما مرض النبى ﷺ مرضه الذى مات فيه، اجتمعنا جماعة من الصحابة، ودخلنا عليه ﷺ وجلسنا بين يديه وهو نائم علي فراشه، فجلس أبو بكر عند رأسه، ونظر في وجهه وبكي، ففتح النبى ﷺ
стр. 454
عينيه وقال: ما الذى يبكيك يا أبا بكر؟ فقال: حبيبي، افتكرت في شيء أنا خائف منه، قال: ما هو؟ قال: فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ «١» ، وهذا دين يبقى بعدك ونخاف أن تحتج علينا الأعداء من بعدك، ويقولون إن الله أمر نبيكم بجهاد الكفار والمنافقين، فجاهد الكفار ولم يجاهد المنافقين، ونخاف أن يكون ذلك نقص في الدين، فمن يقضى دينك ويجاهد الكفار والمنافقين، من بعدك، فلزم النبيّ ﷺ يد أبى بكر، وقال: أنت قاضى دينى والقاتل من يرتد عن ديني، أما سمعت قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ؟» [المائدة: ٥٤] .
قالت عائشة رضى الله عنها: إنه ﷺ كان يقول قبيل وفاته: «لا إله إلا الله؛ إنّ للموت سكرات» وإنه أشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: «اللهمّ الرفيق الأعلى (أى نهاية مقام الروح وهو الحضرة الواحدية) ؛ فالمسئول إلحاقه بالمحل الذى ليس بينه وبينه أحد في الاختصاص.
وفي حديث مرسل أنه قال: «اللهمّ إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل، اللهم فأعنّى على الموت وهوّنه عليّ» «٢» [والقصب عروق الرئة، والرئة: مهموزة مخفّفة] ، وأما حديث: «اللهم الرفيق الأعلي» فكان اخر كلمة تكلم بها، ولما رأت فاطمة ذلك قالت: «واكرباه» فقال: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» «٣» ، وكلما أفاق أوصى بالمحافظة على الصلاة «٤» ، وفي تلك الشدائد زيادة رفع درجات للأصفياء، وكفّارة سيئات لأهل الابتلاء.
وقد توفى ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وكذا الصحيح في سن أبى بكر وعمر وعائشة ثلاث وستون سنة، وهذا أحسن مدة العمر بعد النصر والفتح المبين.
واختلف في مدّة مرضه: فقيل اثنا عشر يوما، وقيل ثلاثة عشر يوما، وقيل أربعة عشر يوما.
стр. 455
ولم يوص ﷺ بما يورث؛ إذ لم يترك دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة، ولا شاة، ولا بعيرا، بل توفى ولم يجد ما يفكّ به درع حربه الزردية، وهى ذات الفضول (بالضاد المعجمة لطولها) أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وكانت من حديد، وهى التى رهنها عند أبى الشحم اليهودى على ثلاثين صاعا من شعير، وكان الدّين إلى سنة. إنما أوصى بكتاب الله المبين، وبالصلاة والزكاة والأرّقاء ملك اليمين، حتى إنّ صدره ليغرغر بذلك، وما يكاد لسانه يبين. وفعله «١» ﷺ من باب التشريع، وإلا فالنبى ﷺ أغنى العالمين على الإطلاق، وكذا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لم يبعثوا إلا ليشرّعوا، فكان دينه ﷺ تشريعا لأمته، ويجوز الدّين برهن وغير رهن، وقد ورد في الحديث: «تداينوا ترزقوا» «٢» ومعناه إذا كان خفيفا، وورد في حديث اخر: «يد الله فوق يد المدين ما دام ينوى السداد» «٣» .
وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يحب الدين الخفيف؛ حتى يدخل في الحديث.
* وبعد وفاته دهش الناس وطاشت عقولهم، واختلفت أحوالهم في ذلك؛ فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: من قال إن رسول الله ﷺ مات علوت رأسه بسيفى هذا، وإنما ارتفع إلى السماء. فقرأ أبو بكر رضى الله عنه: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إلى قوله وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ال عمران:
١٤٤، ١٤٥] فرجع القوم إلى قوله وبادروا إلى سقيفة بنى ساعدة، وهي دار سعد بن عبادة، وكان سعد بن عبادة مريضا، وقالوا: نوليه هذا الأمر، فبايع عمر أبا بكر، ثم بايعه الناس خلا جماعة.
وغسل ﷺ ثلاث مرات؛ الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، والثالثة
стр. 456
بالماء. وغسله عليّ والعباس وابناه الفضل وقثم، وأسامة بن زيد وشقران مولياه ﷺ ، فكان العباس وابناه يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعليّ يغسله، ونفضه عليّ فلم ينزل منه شيء فقال: «بأبى أنت وأمى ما أطيبك حيا وميتا» وأعينهم معصوبة، لحديث على «لا يغسلنى إلا أنت، فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه» . وغسل ﷺ من بئر عرس (بفتح العين المهملة وسكون الراء فسين مهملة) بوصية منه، كان يشرب منها، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (بفتح السين وضمّها، والفتح أشهر، فالفتح منسوب إلى السحول، وهو القصّار، لأنه يسحلها أي يغسلها أو إلى «سحول» ، وهى بلدة باليمن، وأما بالضم فهو جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن) ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة، وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا، وفرغ من جهازه يوم الثلاثاء، ووضع على سريره، وصلّى عليه المسلمون صفوفا؛ لا يؤمّهم أحد، وكان أبو بكر وعمر في الصف الأوّل، الذى حيال رسول الله ﷺ ، فقالا: «اللهم إنّا نشهد أنه ﷺ قد بلّغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتي أعزّ الله دينه، وتمت كلمته، فاجعلنا إلهنا ممّن تبع القول الذى أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتّى تعرّفه بنا وتعرّفنا به؛ فإنه كان بالمؤمنين رؤفا رحيما، لا نبتغى بالإيمان به بدلا، ولا نشترى به ثمنا أبدا» ، فيقول الناس:
امين، امين. وهذا يدل على أن المراد بالصلاة عليه ﷺ : الدعاء، لا الصلاة على الجنازة المعروفة عندهم. والصحيح أن هذا الدعاء كان ضمن الصلاة المعروفة التي بأربع تكبيرات، فقد جاء أن أبا بكر- رضى الله عنه- دخل عليه ﷺ فكبّر أربع تكبيرات، ثم دخل عمر- ﵁ فكبّر أربعا، ثم دخل عثمان- رضى الله عنه- فكبّر أربعا، ثم دخل طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام- رضى الله عنهما- ثم تتابع الناس أرسالا، يكبّرون عليه، أى وعلي هذا إنما خصّوا الدعاء بالذكر؛ لأنه الذى يليق به ﷺ ، ومن ثمّ استشاروا كيف يدعون له، فأشير بمثل ذلك.
وروى البيهقى عن ابن عباس: لما صلّي علي المصطفى ﷺ ، أدخل الرجال
стр. 457
فصلّوا بغير إمام أرسالا (أى قطائع) «١» .
وقال الشافعي: وذلك لعظم أمره وتنافسهم في ألايتولى الإمامة أحد في الصلاة عليه، وقيل: أوصى به. وقال السهيلي: وجه الفقه فيه أنّ الله افترض الصلاة عليه بقوله: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٢» وحكم الصلاة التى تضمنتها الاية ألاتكون بإمام، والصلاة عليه عند موته داخلة في لفظ الاية.
ثم صلّى عليه النساء بعد الرجال، ثم الصبيان، ثم العبيد بغير دعاء الجنازة المعروفة.
وفرش له في لحده قطيفة كان يلبسها ويفترشها، فقالوا: لا يلبسها أحد بعده، وهى كساء.
واتخذوا له لحدا ونصبت عليه تسع لبنات، وجعلوه مسنّما، وهذا لا يعارض مذهب العلماء في كراهة وضع فراش تحت الميت؛ لأنّ كلامهم في غير النبى ﷺ ممن يتغير ويبلي. وحكمة عدم أكل الأرض أجساد الأنبياء، ومن ألحق بهم:
التكريم، قال الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ال عمران: ١٦٩] . والأنبياء أجلّ وأعظم من ذلك، والراجح أن حياة الشهداء بالجسد لا بالروح فقط، ولا يقدح في ذلك عدم الشعور من الحي، وأعظم دليل علي ذلك أن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات: المؤمن والكافر بالإجماع، فلو لم تكن حياة الشهداء بالجسد لاستوى هو وغيره، ولم يحصل له تمييز على غيره، ولم يكن لقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ «٣» معنىّ، وقال ابن جرير في تفسيره وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ أى لا ترونهم فتعلموا أنهم أحياء، فظاهره أنّ رزق الشهداء بالأكل والشرب في البرزخ، ليس للاحتياج، بل للإكرام والتنعيم. وورد «إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» «٤» قال العلامة القرطبى في التذكرة: إن
стр. 458
الأرض لا تأكل لحوم الأنبياء، والشهداء، والعلماء، والمؤذّنين المحتسبين، وحملة القران. قال ابن كمال باشا:
لا تأكل الأرض جسما للنبيّ ولا ... لعالم وشهيد قتل معترك
ولا لقاريء قران ومحتسب ... أذانه لإله مجري الفلك
ولا يضغط في قبره، وكذلك الأنبياء، ولم يسلم من الضغطة صالح ولا غيره سواهم «١» ، وتحرم الصلاة علي قبره واتخاذه مسجدا.
واختلفوا في موضع دفنه، فقال بعضهم: عند المنبر، وقال بعضهم: بالبقيع، وقال اخرون: يحمل إلي أبيه إبراهيم فيدفن عنده، حتي قال العالم الأكبر صدّيق الأمة: ادفنوه في الموضع الذى قبض فيه، وهو بيت عائشة؛ فإنّ الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، سمعته يقول: «ما قبض نبى إلا ودفن حيث يقبض» «٢» . فرفع وحفر له أبو طلحة الأنصارى تحت فراشه الذى مات عليه، ونزل في قبره عليّ، والفضل وقثم.
وفي الإكليل: إن اخر الناس عهدا به ﷺ عليّ، وقيل: قثم، وهو أصح.
* ولما دفن ﷺ جاءت فاطمة رضى الله عنها فقالت: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟! وأخذت من تراب القبر الشريف وشمّته وأنشدت تقول:
ماذا علي من شمّ تربة أحمد ... ألايشمّ مدي الزمان غواليا
صبّت علىّ مصائب لو أنّها ... صبّت علي الأيام عدن لياليا
وقد عاشت فاطمة رضى الله تعالى عنها بعده ﷺ ستة أشهر، فما ضحكت تلك المدة.
стр. 459
وقال علماء السير: لمّا دفنها عليّ وقف على قبرها، وبكي، وقال:
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة ... وكلّ الذي دون الفراق قليل
وإنّ افتقادي فاطم بعد أحمد ... دليل علي ألايدوم خليل
وعن عطاء بن رباح قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصابته مصيبة فليتذكّر مصيبته فيّ فإنها من أعظم المصائب» «١» .
[تعزية الخضر] ، وروى أنه جاءت من نبى الله الخضر ﵇ التعزية، لأهل بيت النبوة بهذه المصيبة العظمي، يسمعون صوته ولا يرون شخصه «٢» ، فقال بعد أن سلّم عليهم وقرأ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «٣» إنّ في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإيّاه فارجوا؛ فإنما المصاب من حرم الثواب» .
وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق في «المهذب» أوّل باب التعزية: أنه يستحبّ أن يعزّى بتعزية سيدنا الخضر أهل بيت النبوة: «إن في الله ... إلى اخره» .
وكان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه، ويقول:
يا عبد الله اتّق الله، فإن في رسول الله أسوة حسنة. وقال بعضهم في ذلك:
اصبر لكل مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
واصبر كما صبر الكرام فإنها ... نوب تنوب اليوم تكشف في غد
وإذا أتتك مصيبة تشجي بها ... فاذكر مصابك بالنّبي محمّد
стр. 460
ورثاه جماعة، منهم صفية عمته رضى الله عنها بمراث كثيرة، وأبو سفيان ابن الحارث، وأبو بكر الصديق رضى الله عنه.
وتوفاه الله وحصل له درجة الشهادة، فوق ما أعطاه الله من مراتب النبوة وزاده؛ لأنه لما سمّته اليهودية في الشاة استمر ذلك السم حتي قال في مرضه:
«الان انقطع أبهري» يعنى من ذلك السم، والأبهر: عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق بعده حياة.
وكانت وفاته يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأوّل، حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل: حين اشتد الضحي، كالوقت الذى دخل فيه إلى المدينة.
وعن ابن عباس: ولد ﷺ يوم الاثنين، واستنبيء يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ووضع الحجر يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء، وكانت ليلة مظلمة لفقده وانقطاع الوحي، عكس دخوله إليها في الهجرة.
قال أنس: «لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شيء» .
ولم أخّر دفنه؟ وقد قال ﵊ لأهل بيت أخّروا دفن ميتهم:
«عجّلوا دفن ميتكم ولا تؤخّروه» «١» .
فالجواب: أخّروه للاختلاف في دفنه، أو للاشتغال بأمر البيعة؛ ليكون لهم إمام يرجعون إليه، وهو أهم الأمور، حتى استقر الأمر، فبايعوا أبا بكر، ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبى ﷺ ، فنظروا في دفنه فغسّلوه وكفّنوه ﷺ ، وتزينت الجنان بقدوم روحه الكريمة.