بالماء. وغسله عليّ والعباس وابناه الفضل وقثم، وأسامة بن زيد وشقران مولياه ﷺ ، فكان العباس وابناه يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعليّ يغسله، ونفضه عليّ فلم ينزل منه شيء فقال: «بأبى أنت وأمى ما أطيبك حيا وميتا» وأعينهم معصوبة، لحديث على «لا يغسلنى إلا أنت، فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه» . وغسل ﷺ من بئر عرس (بفتح العين المهملة وسكون الراء فسين مهملة) بوصية منه، كان يشرب منها، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (بفتح السين وضمّها، والفتح أشهر، فالفتح منسوب إلى السحول، وهو القصّار، لأنه يسحلها أي يغسلها أو إلى «سحول» ، وهى بلدة باليمن، وأما بالضم فهو جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن) ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة، وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا، وفرغ من جهازه يوم الثلاثاء، ووضع على سريره، وصلّى عليه المسلمون صفوفا؛ لا يؤمّهم أحد، وكان أبو بكر وعمر في الصف الأوّل، الذى حيال رسول الله ﷺ ، فقالا: «اللهم إنّا نشهد أنه ﷺ قد بلّغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتي أعزّ الله دينه، وتمت كلمته، فاجعلنا إلهنا ممّن تبع القول الذى أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتّى تعرّفه بنا وتعرّفنا به؛ فإنه كان بالمؤمنين رؤفا رحيما، لا نبتغى بالإيمان به بدلا، ولا نشترى به ثمنا أبدا» ، فيقول الناس:
امين، امين. وهذا يدل على أن المراد بالصلاة عليه ﷺ : الدعاء، لا الصلاة على الجنازة المعروفة عندهم. والصحيح أن هذا الدعاء كان ضمن الصلاة المعروفة التي بأربع تكبيرات، فقد جاء أن أبا بكر- رضى الله عنه- دخل عليه ﷺ فكبّر أربع تكبيرات، ثم دخل عمر- ﵁ فكبّر أربعا، ثم دخل عثمان- رضى الله عنه- فكبّر أربعا، ثم دخل طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام- رضى الله عنهما- ثم تتابع الناس أرسالا، يكبّرون عليه، أى وعلي هذا إنما خصّوا الدعاء بالذكر؛ لأنه الذى يليق به ﷺ ، ومن ثمّ استشاروا كيف يدعون له، فأشير بمثل ذلك.
وروى البيهقى عن ابن عباس: لما صلّي علي المصطفى ﷺ ، أدخل الرجال
стр. 457
فصلّوا بغير إمام أرسالا (أى قطائع) «١» .
وقال الشافعي: وذلك لعظم أمره وتنافسهم في ألايتولى الإمامة أحد في الصلاة عليه، وقيل: أوصى به. وقال السهيلي: وجه الفقه فيه أنّ الله افترض الصلاة عليه بقوله: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٢» وحكم الصلاة التى تضمنتها الاية ألاتكون بإمام، والصلاة عليه عند موته داخلة في لفظ الاية.
ثم صلّى عليه النساء بعد الرجال، ثم الصبيان، ثم العبيد بغير دعاء الجنازة المعروفة.
وفرش له في لحده قطيفة كان يلبسها ويفترشها، فقالوا: لا يلبسها أحد بعده، وهى كساء.
واتخذوا له لحدا ونصبت عليه تسع لبنات، وجعلوه مسنّما، وهذا لا يعارض مذهب العلماء في كراهة وضع فراش تحت الميت؛ لأنّ كلامهم في غير النبى ﷺ ممن يتغير ويبلي. وحكمة عدم أكل الأرض أجساد الأنبياء، ومن ألحق بهم:
التكريم، قال الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ال عمران: ١٦٩] . والأنبياء أجلّ وأعظم من ذلك، والراجح أن حياة الشهداء بالجسد لا بالروح فقط، ولا يقدح في ذلك عدم الشعور من الحي، وأعظم دليل علي ذلك أن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات: المؤمن والكافر بالإجماع، فلو لم تكن حياة الشهداء بالجسد لاستوى هو وغيره، ولم يحصل له تمييز على غيره، ولم يكن لقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ «٣» معنىّ، وقال ابن جرير في تفسيره وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ أى لا ترونهم فتعلموا أنهم أحياء، فظاهره أنّ رزق الشهداء بالأكل والشرب في البرزخ، ليس للاحتياج، بل للإكرام والتنعيم. وورد «إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» «٤» قال العلامة القرطبى في التذكرة: إن
стр. 458
الأرض لا تأكل لحوم الأنبياء، والشهداء، والعلماء، والمؤذّنين المحتسبين، وحملة القران. قال ابن كمال باشا:
لا تأكل الأرض جسما للنبيّ ولا ... لعالم وشهيد قتل معترك
ولا لقاريء قران ومحتسب ... أذانه لإله مجري الفلك
ولا يضغط في قبره، وكذلك الأنبياء، ولم يسلم من الضغطة صالح ولا غيره سواهم «١» ، وتحرم الصلاة علي قبره واتخاذه مسجدا.
واختلفوا في موضع دفنه، فقال بعضهم: عند المنبر، وقال بعضهم: بالبقيع، وقال اخرون: يحمل إلي أبيه إبراهيم فيدفن عنده، حتي قال العالم الأكبر صدّيق الأمة: ادفنوه في الموضع الذى قبض فيه، وهو بيت عائشة؛ فإنّ الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، سمعته يقول: «ما قبض نبى إلا ودفن حيث يقبض» «٢» . فرفع وحفر له أبو طلحة الأنصارى تحت فراشه الذى مات عليه، ونزل في قبره عليّ، والفضل وقثم.
وفي الإكليل: إن اخر الناس عهدا به ﷺ عليّ، وقيل: قثم، وهو أصح.
* ولما دفن ﷺ جاءت فاطمة رضى الله عنها فقالت: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟! وأخذت من تراب القبر الشريف وشمّته وأنشدت تقول:
ماذا علي من شمّ تربة أحمد ... ألايشمّ مدي الزمان غواليا
صبّت علىّ مصائب لو أنّها ... صبّت علي الأيام عدن لياليا
وقد عاشت فاطمة رضى الله تعالى عنها بعده ﷺ ستة أشهر، فما ضحكت تلك المدة.
стр. 459
وقال علماء السير: لمّا دفنها عليّ وقف على قبرها، وبكي، وقال:
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة ... وكلّ الذي دون الفراق قليل
وإنّ افتقادي فاطم بعد أحمد ... دليل علي ألايدوم خليل
وعن عطاء بن رباح قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصابته مصيبة فليتذكّر مصيبته فيّ فإنها من أعظم المصائب» «١» .
[تعزية الخضر] ، وروى أنه جاءت من نبى الله الخضر ﵇ التعزية، لأهل بيت النبوة بهذه المصيبة العظمي، يسمعون صوته ولا يرون شخصه «٢» ، فقال بعد أن سلّم عليهم وقرأ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «٣» إنّ في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإيّاه فارجوا؛ فإنما المصاب من حرم الثواب» .
وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق في «المهذب» أوّل باب التعزية: أنه يستحبّ أن يعزّى بتعزية سيدنا الخضر أهل بيت النبوة: «إن في الله ... إلى اخره» .
وكان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه، ويقول:
يا عبد الله اتّق الله، فإن في رسول الله أسوة حسنة. وقال بعضهم في ذلك:
اصبر لكل مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
واصبر كما صبر الكرام فإنها ... نوب تنوب اليوم تكشف في غد
وإذا أتتك مصيبة تشجي بها ... فاذكر مصابك بالنّبي محمّد
стр. 460
ورثاه جماعة، منهم صفية عمته رضى الله عنها بمراث كثيرة، وأبو سفيان ابن الحارث، وأبو بكر الصديق رضى الله عنه.
وتوفاه الله وحصل له درجة الشهادة، فوق ما أعطاه الله من مراتب النبوة وزاده؛ لأنه لما سمّته اليهودية في الشاة استمر ذلك السم حتي قال في مرضه:
«الان انقطع أبهري» يعنى من ذلك السم، والأبهر: عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق بعده حياة.
وكانت وفاته يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأوّل، حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل: حين اشتد الضحي، كالوقت الذى دخل فيه إلى المدينة.
وعن ابن عباس: ولد ﷺ يوم الاثنين، واستنبيء يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ووضع الحجر يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء، وكانت ليلة مظلمة لفقده وانقطاع الوحي، عكس دخوله إليها في الهجرة.
قال أنس: «لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شيء» .
ولم أخّر دفنه؟ وقد قال ﵊ لأهل بيت أخّروا دفن ميتهم:
«عجّلوا دفن ميتكم ولا تؤخّروه» «١» .
فالجواب: أخّروه للاختلاف في دفنه، أو للاشتغال بأمر البيعة؛ ليكون لهم إمام يرجعون إليه، وهو أهم الأمور، حتى استقر الأمر، فبايعوا أبا بكر، ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبى ﷺ ، فنظروا في دفنه فغسّلوه وكفّنوه ﷺ ، وتزينت الجنان بقدوم روحه الكريمة.
стр. 461
إذا كان عرش الرحمن اهتز لموت (أحد) «١» أتباعه فرحا واستبشارا بقدوم روحه، فكيف بقدوم روح الأرواح ﷺ !
* فعلى هذه الرواية «٢» يوم وفاته موافق ليوم مولده.
قال الصلاح الصفدى في شرح لامية العجم فائدة ذكرتها هنا، وهى أنه وجد بخط الشيخ تقى الدين بن الصلاح رحمه الله تعالى ما صورته: «ذكر أبو القاسم السهيلى قال: أجمع المسلمون على أنّ حجّة الوداع كان يوم عرفة فيها يوم الجمعة، وكان أوّل شهر ذى الحجة في تلك السنة الخميس، هذا لا شك فيه» .
ثم قال بعد ذلك: «وقال أكثر أهل التاريخ إن رسول الله ﷺ توفي يوم الاثنين، ثانى عشر ربيع الأوّل، بعد الحجة المذكورة بثلاثة أشهر.
وكيف حسب الإنسان الشهور، وهن: ذو الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأوّل، وجعل أوّل ذى الحجة الخميس، ما يتصوّر أن يكون رسول الله ﷺ توفى يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأوّل، سواء حسب الجميع نواقص أو كوامل، أو بعضها نواقص وبعضها كوامل، فاعتبره تجده كذلك.
وأجاب عن هذا السؤال قاضى القضاة شرف الدين البارزى الحموى بما صورته: يحتمل أنه لما حجّ رسول الله ﷺ رأى هلال ذى الحجة بين مكة والمدينة ليلة الخميس، وغمّ علي أهل المدينة، فلم يروا هلال ذى الحجة إلا ليلة الجمعة، فلما رجع رسول الله ﷺ وتوفى بالمدينة أرّخ أهل المدينة موته على حكم ما رأوا، وأرّخوا في أوّل ذى الحجة، وهو يوم الجمعة، فجاءت الشهور الثلاثة: ذو الحجة، والمحرم، وصفر كوامل، وجاء أوّل ربيع الأوّل: الخميس، وكان ثانى عشر ربيع الأوّل يوم الاثنين، وكان بين رؤيته ﷺ وبين رؤية أهل
стр. 462
المدينة مسافة القصر، والصحيح من مذهب الشافعى اعتبار اختلاف المطالع، والله أعلم. اهـ» .
ولما توفى ﷺ ترتب على وفاته ارتداد أكثر العرب، كبنى حنيفة، إلا أن أهل المدينة ومكة والطائف لم تدخلهم الردّة، وكان عامل رسول الله ﷺ على مكة عتّاب بن أسيد، فاستخفى خوفا على نفسه، فارتجت مكة وكاد أهلها يرتدّون، فقام سهيل بن عمرو علي باب الكعبة وصاح بقريش وغيرهم، فاجتمعوا إليه، فقال: «يا أهل مكة كنتم اخر من أسلم، فلا تكونوا أول من ارتد، والله ليتمّنّ الله هذا الأمر كما قال رسول الله ﷺ » . فامتنع أهل مكة من الردة.
وسيأتى ما يتعلق بذلك في الفصل الأوّل من الباب الخامس.
قال ابن إسحاق: ولما توفى رسول الله ﷺ عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة- رضى الله عنها- فيما بلغنى تقول: «لما توفى رسول الله ﷺ ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، فكان المسلمون كالغيم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم ﷺ ، حتى جمعهم الله علي أبى بكر» انتهي.
وقال أهل السير: خرج أبو بكر- رضى الله عنه- إلى الناس وهم في المسجد يموجون، فخطبهم وثبتهم، ونعى لهم سيد الأولين والاخرين، وقرأ عليهم الايات التى تناسب ذلك، ومنها: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وهذا استفهام إنكار وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ
стр. 463
اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ال عمران: ١٤٤]- ولم يكن فيهم أثبت منه ومن العباس.
وما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا ولا شيئا، إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة.
وعن عائشة- رضى الله عنها- أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ ميراثها من تركة رسول الله ﷺ من خيبر وفدك، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث؛ ما تركناه صدقة» ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا؛ فوجدت فاطمة علي أبى بكر في ذلك؛ فهجرته فلم تزل مهاجرته حتّى توفيت «١» .
وروى البيهقى عن الشعبى أن أبا بكر عاد فاطمة في مرضها، فقال لها عليّ:
هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ قالت: أتحب أن اذن له؟ قال: نعم. فأذنت له. فدخل عليها فترضّاها حتّى رضيت «٢» .
стр. 464
الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه وصفاته ﷺ
من المعلوم أنه ﷺ لمّا كان خاتم النبيين وسيد المرسلين، واتاه الله علم الأولين والاخرين، وفضّله على سائر الخلق أجمعين، خصّه بمناقب لا يحصيها أحد من العالمين، فكيف وهو الذى أظهر هذا الدين القويم، وأنار هذا الصراط المستقيم! فكل فضل منسوب إلى فضله، وكل علم مستفاد من علمه ونبله، فبهذا ينبغى أن يذكر شيء من مناقبه على سبيل الاختصار والإيجاز، وقد تقدم ذكر بعضها فنقول:
إن من أحسن ما يروى من أوصافه ما روى عن عمر بن الخطاب أنه سمع بعد وفاة النبى ﷺ يقول وهو يبكى هذه الكلمات:
«بأبى أنت وأمى يا رسول الله (أي أفديك بأبى وأمي، وهى كلمة تستعملها العرب لتعظيم المفدّي) لقد كان لك جذع تخطب عليه، فلما كثر الناس اتخذت منبرا تسمعهم عليه، فحنّ الجذع لفراقك حتّى جعلت يدك عليه فسكت، فأمّتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم.
بأبي أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته فقال تعايي: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «١» .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله: لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته فقال تعايي: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «١» .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله: لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بذنبك، فقال: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ «٢» .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن جعلك اخر الأنبياء وذكرك في أولهم، فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: ٧] .
стр. 465
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أنّ أهل النار يودّون لو كانوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذّبون، يقولون: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الأحزاب: ٦٦] .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، إن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا تتفجر منه الأنهار، فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء «١» ! صلى الله عليك.
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، فما ذلك بأعجب من البراق حيث سرت عليه إلى السماء السابعة، ثم صليت الصبح بالأبطح صلىّ الله عليك.
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لئن كان عيسى ابن مريم أعطاه الله إحياء الموتي، فما ذلك بأعجب من الشاة المسمومة حتّى كلمتك وهى مشوية فقالت:
«لا تأكلنى فإني مسمومة» .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦] ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا عن اخرنا، فلقد وطىء ظهرك، وأدمى وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد اتّبعك في قلة سنك وقصر عمرك ما لم يتبّع نوحا في كبر سنّه وطول عمره؛ فلقد امن بك الكثير، وما امن معه إلا القليل.
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لو لم تجالس إلا كفؤا ما جالستنا، ولو لم تنكح إلا كفؤا ما نكحت إلينا، ولو لم تؤاكل إلا كفؤا ما اكلتنا، لبست الصوف، وركبت الحمار، ووضعت طعامك بالأرض، ولعقت أصابعك تواضعا منك» .
ووصفه عليّ رضى الله عنه فقال: «ليس بالطويل، ولا بالقصير، ضخم الرأس،
стр. 466
كثّ اللحية، شثن الكفّين والقدمين، ضخم الكراديس، مشربا وجهه بحمرة، أدعج العينين، سبط الشعر، سهل الخدّين، كأن عنقه أبريق فضة» .
وقال أنس: «لم يشنه الله بالشيب، كان في مقدّم لحيته عشرون شعرة بيضاء، وفي مفرق رأسه شعرات بيض» .
وروى أنه كان يخضب بالحناء والكتم. وعن ابن عمر «اختضبوا بالسواد فإنه أنكأ للعدوّ وأحبّ للنساء» .
* وكان بين كتفيه خاتم النبوّة، وهو بضعة (أى قطعة لحم) ناشزة (أى مرتفعة) حولها شعر.
وروى سلمان الفارسى أنه قال: مثل بيضة الحمامة بين كتفيه، وقيل: كان مضغة كلون بدنه، وقيل: كانت شامة خضراء محتفرة في اللحم، وقيل: كزر الحجلة (بتقديم الزاى على الراء) والمراد به البيض، والحجلة (بتقديم الحاء على الجيم بعدها لام) : الطائر المعروف أى مثل بيض هذا الطائر.
قال بعضهم: وجملة الأقوال تبلغ نيفا وعشرين قولا، لكنها متقاربة المعنى، وليس ذلك باختلاف، بل كل راو شبّه بما سنح له وظهر، فواحد قال: كرزّ الحجلة، واخر: كبيضة الحمامة، واخر: كالتفاحة، واخر: بضعة لحم ناشزة، واخر: لحمة ناتئة، واخر: كالمحجمة، وكلّها ألفاظ مؤدّاها واحد، وهو قطعة لحم، ومن قال: شعر؛ فلأن الشعر حوله متراكم عليه.
وقال القرطبى ﵀: الأحاديث الثابتة على أنّ خاتم النبوّة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قلّل قدر بيضة الحمامة، وإذا كثر: جمع اليد.
انتهى.
وسئل البرهان الحلبي: هل خاتم النبوة من خصائصه ﷺ ؟ أو كل نبى ختم بخاتم النبوة؟ فأجاب: لا أستحضر في ذلك شيئا، ولكن الذى يظهر أنه خصّ بذلك لمعان منها أنها إشارة إلى أنه خاتم النبيين، وليس كذلك غيره، ولأن باب النبوّة ختم به، فلا يفتح بعده.
وفي هذا المعنى لنجل المؤلف «على فهمى رفاعة» قوله:
стр. 467
بعثه للدين أفرا ... ح وللأعدا ماتم
وله الخاتم ينبي ... أنّه للرسل خاتم
قال السهيلى: «والحكمة في وضع خاتم النبوّة على جهة اليسار، أنه لما مليء قلبه إيمانا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درّا، فجمع الله تعالى أجزاء النبوّة لسيدنا محمد رسول الله ﷺ ، وتمّمه وختم عليه بختمه، فلم تجد نفسه ولا عدوّه سبيلا إليه من أجل ذلك الختم؛ لأن الشيء المختوم محروس، وكذلك تدبير الله لنا في هذه الدار، إذا وجد أحدنا الشيء بختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الادميين، فلذلك ختم ربّ العالمين في قلبه حتّى يطمئن له القلب الذى ألقى النور فيه، فظهر بين كتفيه كالبيضة» . انتهي.
واسع الجبين، عرقه أطيب ريحا من المسك، وفي وجهه تدوير، عظيم الفم، حسن الثغر، رائق الثنايا، فى أسنانه تفليج وتفريق، حلو المنطق، يتكلّم بجوامع الكلم، لا يضحك إلا تبسّما، إذا جلس مع أصحابه- رضى الله عنهم- فكأنما على رؤسهم الطير من حسن تواضعهم بين يديه ﷺ ، أزهر اللون، إذا مشى فكأنما تطوى له الأرض، وفي مشيته لا يلتفت وراءه، وإذا التفت التفت جميعا، حسن الوجه، حسن الصوت، خصوصا بتلاوة القران العظيم.
وقد جاوز نبينا ﷺ المرتبة العليا من الفصاحة، فكان أفصح العرب لسانا وأوضحهم بيانا، وأعدلهم نطقا، وأسدّهم لفظا، وأبينهم لهجة، وأقومهم حجة، وأعرفهم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طرق الصواب، تأييدا إلهيا، وحفظا سمائيّا، وعناية ربانية، ورعاية روحانية، حتى لقد قال [عليّ] رضى الله عنه وسمعه يخاطب وفد بنى نهد: «يا رسول الله نحن بنو أب واحد، ونراك تكلّم وفود العرب بما لا نفهم أكثره» ، فقال: «أدّبنى ربى فأحسن تأديبي، وربيت في بنى سعد» فكان رسول الله ﷺ يخاطب العرب علي اختلاف شعوبهم وقبائلهم، وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم، كلّ منهم بما يفهمون، ويحادثهم بما يعلمون، ولذلك قال ﷺ : «أمرت أن أخاطب الناس علي قدر عقولهم» فكأنّ الله تعالى قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره من بنى أبيه، مما تفرّق ولم يوجد في قاصى العرب ودانيهم.
стр. 468
وكانت القبائل ترد على رسول الله ﷺ لتأخذ عنه القران، وكان ﷺ يترجم لكل قبيلة بحسب لغتها من قبائل: قريش، وكنانة، وحمير، وهذيل، وطيّئ، وجرهم، ومدلج، وغيرهم؛ فربما مدّ «١» ﷺ قدر الألف والألفين والثلاث لمن لغته كذلك، وربما فخّم لمن لغته التفخيم، وربما أمال لمن لغته الإمالة، وربما أدغم لمن لغته الإدغام، وربما رقّق لمن لغته الترقيق، وهكذا في سائر وجوه الاداب والأحكام التى أمرنا الله بها ونهانا عنها في القران كلها واحدة، لا تتغير فى جميع القراات، فلما وقع الضبط وأخذت القرّاء القراات عن القبائل ضبط كلّ إنسان ما سمع فقط؛ إذ القياس هنا ممنوع، وجميع التراجم كلها قران منزل، أوحى به إلى رسول الله ﷺ ولو جاز أن يترجم ﷺ عن القران بغير ما أوحى به إليه لم يخرج عن مرتبتين؛ لأنه إما يترجم بلفظ مساو للوحى أو دونه، فإن كان ذونه: لم يصدق عليه أنه ﷺ بلّغ ما أنزل إليه من ربه، وذلك محال في حقه ﷺ ، وإن كان مساويا: فأيّ فائدة للعدول عن الوحى من الله بلفظ مساو له؟ فما بقى إلا أنه ﷺ بلّغ ما أنزل إليه من ربه بحروفه الحاملة للمعانى القديمة.
وكان ابن عباس رضى الله عنهما يقول: «ما أنزل الله كتابا إلا بالعربية إذ هى أوسع اللغات، ولكن كان جبريل ﵇ يترجم لكل نبى بلسان قومه، وليس في القران العظيم إلا لغة العرب، وربما وافقت اللغة منه لغة غير العرب، والأصل عربى لا يخالطه شيء» .
وكان أصحاب رسول الله ﷺ ومن يفد إليه من العرب يعرفون أكثر ما يقوله، وما جهلوه يسألونه عنه فيوضحه لهم، وقد كان النبى ﷺ إذا تكلّم تكلم بكلام مفصّل مبيّن يعدّه العادّ، ليس بهذّ مسرع لا يحفظ، قالت عائشة رضى الله عنها: ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا؛ كان يحدّث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه، وكان يعيد الكلمة ثلاثا لتفهم عنه، وقال له عمر رضى الله عنه: يا رسول الله ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: لقد كانت لغة إسماعيل قد درست فجاء بها جبريل فحفظّنيها، وقال: «أنا أعرب العرب، ولدت
стр. 469
فى قريش ونشأت في بنى سعد فأنّى يأتينى اللّحن» «١» فقد كان من خصائص نبينا ﷺ أن يكلم كلّ ذى لغة بلغته على اختلاف لغة العرب وتراكيب ألفاظها وأساليب كلمها، وكان أحدهم لا يجاوز لغته، وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذاك منه ﷺ إلا بقوة إلهية وموهبة ربّانية؛ لأنه بعث إلى الكافة طرّا وإلى الخليقة سودا وحمرا، ولا يوجد متكلم بغير لغته إلا قاصرا في تلك الترجمة، نازلا عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلا هو ﷺ ؛ فإنه كان إذا تكلم في لغة من لغات العرب أفصح وأنصع بلغاتها منها بلغة نفسها، وجدير به ذلك؛ فقد أوتى جميع القوى البشرية المحمودة، ومزية علي الناس بأشياء كثيرة.
وبالجملة فقد ألّف الناس في فصاحته وجوامع كلمه الدواوين، ولا خفاء بأن أفصح اللغات لغات العرب، وغاية لسان هارون وفصاحته إنما كانت في العبرانية، وإلا فالعربية أفصح منها «٢» ، وأما ما اشتهر علي ألسنة كثير من الناس أنه ﷺ قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد» ، فقال الحافظ ابن كثير، وتابعه تلميذاه الزركشي، وابن الجوزي، والجلال السيوطي، والسخاوي: إنه لا أصل له، كما يؤخذ من قول النجم. ثم هو ﷺ أفصح من نطق بالضاد من بين أهل اللغة العربية، حيث لم يعزه لرواية، وهو صحيح المعنى، إذ معناه: أنا أفصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بها، ولا توجد في لغة غيرهم.
* وأما خلقه ﷺ ، فكان خلقه القران؛ يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثّ عليه، ويمتنع مما زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في شهر رمضان لقرب عهد مخالطته جبريل ﵇، وكثرة مدارسته لهذا الكتاب الكريم الذى يحثّ على مكارم الأخلاق والجود، ولا شك أن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقا من المخالط، كما قال بعضهم لابنه:
стр. 470
بنيّ اجتنب كلّ ذي بدعة ... ولا تصحبن من بها يوصف
فيسرق طبعك من طبعه ... وأنت بذلك لا تعرف
وقد سئل الشمس الرملي: كيف كان جبريل يقرئ النبى ﷺ ؟ فأجاب بأنه كان يقرأه عليه أولا ليعلّمه إياه، ثم بعد ذلك كان يدارسه القران، بأن يقرأ هذا على هذا والاخر كذلك.
وكان ﷺ لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها، إلا أن تنتهك حرمات الله، فيغضب لله، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد، وكان أرجح الناس عقلا وأفضلهم، يكثر الذكر ويطيل الصمت، دائم البشر، وكان أصدق الناس وأوفاهم ذمة، وأوسعهم صدرا وأكرمهم عشيرة، وأحسنهم خلقا، وإذا انتهى إلي قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، يؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، ويكرم كلّ كريم قوم ويولّيه عليهم، ويثنى على مكارم الأخلاق، فأثنى بذلك علي حاتم الطائى حين تعرفت إليه ابنته بأبيها، وذلك أنها سبيت في جمع من نساء قومها في غزوة هوازن، فلما خرج رسول الله ﷺ من المسجد قامت إليه فقالت: «يا محمد مات الوالد وغاب الوافد، فلا تشمت بى أحياء العرب، فإني ابنة من كان يقرى الضيف ويفك العاني، ويطلق الأسير ويعطى السائل» فقال ﷺ : من أبوك؟ فقالت: حاتم الطائي، قال:
«خلّوا عنها إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق» فأثنى على أبيها مع كفره، وخلّى عن ابنته ومن معها لأجله، فهذه اثار صنائع المعروف مع الكفر والعصيان، فكيف مع الطاعة والإيمان!!؟.
قيل: إن ابنة حاتم الطائى دعت لرسول الله ﷺ حين منّ عليها بالخلاص من الأسر فقالت: «شكرتك يد افتقرت بعد غني، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر «١» ، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلبت نعمة عن كريم إلا وجعلت سببا لردّها» .
стр. 471
ويقال إنها خاطبته بقولها:
خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لجمع الأنام ... فمستحسن من ذوي الجاه لين
وكان ﷺ يولّى من الناس خيارهم، والذى يليه منهم خيارهم، وكان أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة، وما انتهر خادما ولا قال له في شيء صنعه لم صنعته؟ ولا في شيء تركه لم تركته؟ بل يقول «لو قدّر يكون» ، ولا ضرب بيده أحدا إلا في الجهاد.
ولما قيل له ادع على الكفار، قال: «إنما بعثت رحمة، اللهمّ اهد قومى فإنهم لا يعلمون» .
وكان عنده القريب والبعيد، والقوى والضعيف في الحق سواء، ويؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، ولم يكن فحّاشا (من باب النسب «١» ) أى وليس بذى فحش أى لا يصدر عنه، وليس من باب المبالغة حتّى تكون منفية لإشعاره ببقاء أصل الفحش، وهو ظاهر البطلان، فهو من باب قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] أى بذى ظلم، لا أن كثرة الظلم هى المنفية وأصل الظلم موجود؛ إذ هو مستحيل عليه تعالى. ولا لعّانا، ولا بخيلا، ولا جبانا، ولا سخّابا في الأسواق (بالسين المهملة والخاء المعجمة وهو لغة ربيعة) والسخب هو: رفع الصوت، أى لا كثيره ولا قليله، والمراد نفيه مطلقا. والمعنى وصفه ﷺ بأنه ليس عنده رغبة فى الدنيا وتحصيلها، بحيث يصرف زمانه في تحصيلها بالجدّ في ذلك والإكثار منه في الأسواق، فلا ينافى أنه ﵊ تجر لخديجة رضى الله عنها «٢» فكيف يكون ذلك، وقد قال ﵊: «اتّقوا الله وأجملوا في طلب الدنيا فإنّ كلّا ميسر لما خلق له «٣» » ولا يواجه أحدا بما يكره، يكرم أهل
стр. 472
الفضل ويتألّف أهل الشرف، ويؤثر الداخل بوساده، وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه، ويعود المرضى؛ حتى بعض الكفرة والمنافقين، ويشهد الجنائز، ويزور القبور، ويسلّم عليهم ويستغفر لهم، ولا يقام لغضبه إذا تعرّض للحق بشيء حتّى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، ولا يترك أحدا يقوم بين يديه ولا أن يمشى خلفه، ويقول: «خلّوا ظهرى للملائكة» «١» يخدم من خدمه، وله عبيد وإماء، ولا يترفع عليهم في مأكل ولا ملبس، قال أنس: «خدمته نحوا من عشر سنين، فو الله ما صحبته في حضر ولا سفر ولا خدمة إلا كانت خدمته لى أكثر من خدمتى له، وما قال لى أف قط، ولا قال لشيء فعلت: لم فعلت كذا؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعل كذا؟» ولا يجزى سيئة بمثلها، بل يعفو ويصفح، ويجود ويمنح، وكان يأكل ما وجد، ولا يتكلّف ما فقد، ويحبّ اللحم، ويعجبه الذراع، وسمّ فيه، والدّبّاء والعجوة والعسل والحلواء، وأحبّ الفاكهة إليه العنب والبطيخ، وكان أكثر طعامه التمر والماء، وإذا لم يجد صبر، ولا يأكل واحده، ويعاف الضبّ، والكلوتين «٢» ، وأتي بلبن وعسل وقال: «أدمان في إناء؟ لا اكله ولا أحرّمه» ويأكل بثلاثة أصابع ويستعين بالرابع، ويتبع ما سقط من السفرة، ويقول من فعله غفر له، ويسمّى الله أولا ويحمده اخرا، ويأكل مقعيا لا متكّئا، ويقول: «اكل كما يأكل العبيد، وأجلس كما يجلس العبيد» ، وقوله كما يأكل العبيد:
أى كأكل العبد في هيئة التناول ومصاحبة الرضا بما حضر تواضعا لله، لا كما يأكل أهل الكبر، وأهل الشّره، فالمراد بالعبد هنا الإنسان المتذلل المتواضع لربه، كما قاله المناوي، وقوله: وأجلس أى في حالة الأكل كما يجلس العبد، أى لأن التخلق بالأخلاق العبدية أشرف الأوصاف، لا كما يجلس أهل الكبر وأهل الشره من الاتّكاء، وما أكل قطّ ذا رائحة كريهة لنزول الملك عليه بالوحى ومجالسته، يل ولغير الملك من نسائه والناس. ولا يجمع بين لبن وسمك، ولا لبن وحامض، ولا بين حارّين ولا باردين، ولا قابضين ومسهلين، ولا غليظين، ويدفع ضرر
стр. 473
البعض بالبعض، كتمر بزبد، وبطيخ أو قثاء برطب، وينقع التمر ويشربه للهضم، ولا ينام بعد الأكل. وكان يشرب اللبن حليبا وممزوجا، والماء في ثلاثة أنفاس، ويمصّ ولا يعبّ، ويقول: «الكباد من العبّ» (الكباد: وجع الكبد) ، ولا يتنفس في الإناء، وإذا شرب دفع الباقى لمن عن يمينه، وإن كان عن يساره أشرف أو أسنّ، قال للأيمن: «الشربة لك، فإن شئت اثرته» ويشرب قاعدا، وربما شرب قائما.
وكان يلبس الكتّان أو الصوف، أو القطن، وهو الغالب، قميصا أو رداء أو إزارا أو غيرهما، ويحب البيض والخضر، ولبس البردة والحبرة والجبّة والحلّة الحمراء، والقباء والساذج «١» والأسود والقز، والمعلّم أطرافه بسندس، وأحبّها إليه القميص، وروى أنه لبس السراويل، ولبس جبة خسروانية مفرجة عليها سجف من ديباج، والطيلسان في الحرّ، كاليوم الذى هاجر فيه. وله ثوبان للجمعة، وبرد أخضر للعيد، والعمامة السوداء والبيضاء، وهى الأكثر بغير قلنسوة، وبها، وبلا عمامة، ويجعل لها غالبا عذبة بين كتفيه «٢» ولم تكن عمامته ﷺ كبيرة تؤذي، ولا صغيرة لا تقي، ولم يتحرّر في طولها وعرضها، وما قال الطبرى من أن الطول سبعة في عرض ذراع، وأنها من صوف لم يثبت. وكان ثيابه فوق الكعبين، وربما جعلها النصف الساق، والكمّ إلى الرسغ، أو مع الأصابع، ويلبسها من ميامنه، وينزعها بالعكس، ويقول عند لبسه: «الحمد لله الذى كسانى ما أستر به عورتى وأتجمّل به» وإذا استجدّ ثوبا سمّاه، وقال: «اللهم لك الحمد كما كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له» ولبسه وأعطى الخلق «٣» مسكينا. وله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس.
وله خاتم فضة فصّه منه، ونقشه «محمد رسول الله» لكن على هذا الشكل:
محمد تحت، ثم رسول فوق، ثم لفظ الجلالة فوق ذلك، وهذه صفته:
стр. 474
والقراءة من أسفل السطر الثالث. ويتختم في خنصر يمينه ويساره، والأكثر الأوّل.
ويلبس النعال السبتية، والتاسومة، والخف.
وكان فرشه من أدم، حشوه من ليف، وطوله ذراعان وشيء، وعرضه ذراع ونحو شبر.
وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه دخل على النبى ﷺ وهو على سرير وقد أثّر الشريط في جنبه، فبكى عمر رضى الله عنه، فقال النبى ﷺ : ما يبكيك يا عمر؟ فقال: «ذكرت كسرى وقيصر وما كانا فيه من الدنيا، وأنت رسول ربّ العالمين وقد أثّر بجنبك الشريط! فقال النبى ﷺ : أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ونحن قوم أخرت لنا طيباتنا في الآخرة.
وكان ﷺ له عباءة تفرش له حيثما تنقّل، تثنى طبقين. وربما نام على حصير، وعلى الأرض، وما عاب مضطجعا قط، وإن فرش له اضطجع عليه، وإلّا علي الأرض.
وكان يحب الطّيب، ويكره الريح الكريه، ويتطيّب بغالية ومسك، ويتبخّر بكافور وعود، ويكتحل بالإثمد في كل عين ثلاثا، ويأمر بالباه (يعنى النكاح والتزويج) وينهى عن التبتّل نهيا شديدا، وقال: «لا تبتّل في الإسلام» «١» ولا يحتقر فقيرا لفقره، ولا يهاب ملكا لملكه، ويعظّم النعمة وإن دقّت، ولا يذم منها شيئا، ويكرم ضيفه ويبسط له رداءه كرامة له، وكان يتوكأ على العصا، وقال:
«التوكؤ على العصا من أخلاق الأنبياء» ورعى الغنم، وقال: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» وحكمة ذلك أن راعي الغنم- التى هي أضعف البهائم- يسكن في قلبه الرقة واللطف، فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان قد هذّب «٢» أوّلا.
وكان أشدّ حياء من العذراء في خدرها لا يثبت بصره في وجه أحد. وكان
стр. 475
أحلم الناس وأشجعهم، وأسخاهم، لم يسأله أحد شيئا إلا أعطاه، ومن سأله حاجة لا يرده إلا بها أو بميسور حسن من القول، لا بمعسور خشن، فكان أجود بنى ادم على الإطلاق، يجود بجميع أنواع الجود، من بذل العلم، والمال، وبذل نفسه لله فى إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع العميم بكل طريق من: إطعام جائعهم ووعظ جهّالهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان إذا دخل رمضان أطلق كلّ أسير، وأعطى كلّ سائل، وإنما كان جوده يضاعف في شهر رمضان زيادة على جوده في غيره من الشهور؛ لأن جود ربه يتضاعف فيه، وقد جبل ﷺ على حب ما يحبه الله، ولأنه كان يلتقى هو وجبريل ﵇ في رمضان، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي أوتى إليه، وهو أشرف الكتب وأفضلها، وهو يحثّ علي الإحسان ومكارم الأخلاق. وفي مسلم قال: «ما سئل ﷺ شيئا إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة» . وعن صفوان بن أمية قال: «لقد أعطانى رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما برح يعطينى حتّى إنه لأحبّ الناس إليّ» . وفي مغازى الواقدي أنه ﷺ أعطى صفوان واديا مملوا إبلا وغنما، فقال: «أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي» ، ولذلك قالت له خديجة رضى الله عنها في أوّل بعثته حين رجع من غار حراء، بعد ما حصل من جبريل ما حصل، لما أمره بالقراءة: «والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرّحم، وتقرى الضيف، وتحمل الكلّ (أى الشئ الذى يحصل منه التعب لغيرك) ، وتكسب المعدوم (أى تعطيه له تبرعا منك) ، وتعين على نوائب الدهر (أى حوادثه) » .
وكان ﷺ أكثر الناس تواضعا، يجيب من دعاه من غنيّ أو فقير أو حرّ أو عبد.
وكان ﵊ في سفر، فأمر بإصلاح شاة «١» فقال رجل: يا رسول الله عليّ ذبحها، وقال اخر: وعليّ سلخها، وقال اخر: وعليّ طبخها، فقال
стр. 476
صلّى الله عليه وسلّم «وعليّ جمع الحطب» فقالوا: يا رسول الله نحن نكفيك ذلك، فقال: «قد علمت، ولكني أكره أن أتميز عليكم؛ فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» ، وقام فجمع الحطب.
وكان أرحم الناس؛ يصغى الإناء للهرة «١» ، وما يرفعه حتّى تروى رحمة لها، وأعفّهم وأشدّهم إكراما لأصحابه، لا يمدّ رجليه بينهم، ويوسّع لهم إذا ضاق المكان، ولم تكن ركبتاه تتقدّمان جليسه، يبدأ من لقيه بالسلام، ويتجمّل لأصحابه، ويتفقدهم ويسأل عنهم، فمن مرض عاده، ومن غاب دعا له، ومن مات استرجع «٢» فيه، وأتبعه الدعاء له.
وكان ﵊ تنام عيناه ولا ينام قلبه انتظارا للوحي «٣» ، وإذا نام نفخ ولا يغطّ.
وكان لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، ويكافئ عليها، وأكل الخبز بالخل، وقال: «نعم الإدام الخل» . وكان من جالسه أو أقامه لحاجة صابره حتّى يكون الرجل هو المنصرف، وما جلس إليه أحد فقام حتّى يقوم الرجل، وما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم «٤» فيكون أبعد الناس منه، وكان يداعب أصحابه ولا يقول في مداعبته إلا حقّا «٥» ، وكان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبى مما يعلم من شدّة وجد أمّ الصبى بولدها.
وباع واشترى بنقد ونسيئة، والأغلب بعد البعثة الشراء، وبعد الهجرة لم يحفظ البيع إلا في ثلاث صور، وأجّر واستأجر وهو الأغلب، واجر نفسه قبل النبوّة
стр. 477
للرعى والإتجار، وشارك ووكّل وتوكّل، ووهب ووهب له، واستعار وضمن عن الله ضمانا خاصّا وعامّا، وشفع وشفع إليه، وسابق وصارع، وطلّق والي، وضاف وأضاف، وداوى وتداوى بمفرد ومركّب، ورقى واسترقي، وحذّر من التخمة وكثرة الأكل، وكان يصوم حتّى يقال لا يفطر، وعكسه، وأكثر صيامه فى شعبان، وكان يقوم من الليل حتّى تتفطّر قدماه، فتقول له عائشة: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك؟! فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا! وكان أكثر دعائه: «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبى على دينك» . وخرج من الدنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين، فكان إذا شبع من التمر لم يشبع من الشعير، وإذا شبع من الشعير لم يشبع من التمر، وربما شدّ علي بطنه حجرا من الجوع. وقد اتاه الله مفاتيح خزائن الأرض فأبى أن يقبلها، واختار الآخرة عليها، وهذا على وجه الاختيار لا على وجه الاضطرار لأجل أن تتأسى به أمته، ومما يدل علي ذلك قوله ﷺ «عرض عليّ ربى ليجعل لى بطحاء مكة ذهبا، فقلت: يا ربّ أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» ، قصد ﷺ أن يكون مشغولا بالله في طوري الشدة والرخاء، والنعمة والبلاء.
قال بعضهم: وحكمة ربط الحجر أن يسكن بعض ألم الجوع؛ لأن حرارة المعدة الغريزية ما دامت مشغولة بالطعام قلّت الحرارة به، فإذا قلّ اشتغلت برطوبات الجسم وجواهره، فيحصل التألم حينئذ، ويزداد ما لم يضمّ إلى المعدة الأحشاء والجلد، فإنّ نارها حينئذ تخمد بعض الخمود، فيقلّ الألم، فيفيد إنّ شدّ الحجر على قدر ألم الجوع، فكلما زيد زيد. اهـ.
وقال بعضهم: عادة أصحاب الرياضة «١» ، وكذا العرب وأهل المدينة إذا اشتد جوعهم وخليت بطونهم أن يربط كل واحد منهم حجرا على بطنه؛ لئلا تنزل أمعاؤه، فيشقّ عليه التحرك، فإذا ربط حجرا على بطنه يشتد بطنه وظهره فتسهل عليه الحركة، فكان ﷺ أكثرهم رياضة، وكأن الله تعالى خلق فيه برودة تسكن الجوع وحرارته.
стр. 478
وقال بعضهم: يقال لمن يؤمر بالصبر: «اربط على قلبك حجرا» ، فكان ﷺ يؤمر بالصبر ويأمر أمته بالصبر، حالا ومالا.
وفي كتاب السنن لسعيد بن منصور من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم من أبغضنى وعصاني، فأكثر له المال والولد» .
اللهم من أحبنى وأطاعنى فارزقه الكفاف.
اللهم ارزق ال محمد الكفاف.
اللهمّ رزق يوم بيوم» .
ويناسبه ما أورده السلفى أن يهوديّا أتى النبيّ ﷺ فقال: «ادع لي» فقال «اللهم أصحّ جسمه، وأكثر ماله، وأطل حياته» «١» .
وورد في الجامع الصغير: «إنّ الله إذا أحبّ عبدا جعل رزقه كفافا» اهـ. قال العزيزي: أي بقدر كفايته، لا يزيد عليها فيطغيه، ولا ينقص عنها فيؤذيه؛ فإن الغنى مبطرة والفقر مذلة.
وأما اقتناعه ﷺ باليسير وسؤاله ربه أن يجعل رزقه قوتا، ففى حديث ابن عباس رضى الله عنهما: «كان رسول الله ﷺ يبيت الليالى المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء، فكان عامة خبزهم الشعير» .
وقد خيّره الله بين أن يكون نبيا ملكا وأن يكون نبيا عبدا، فقال: بل نبيا عبدا «ثلاثا» . فانظر إلى همته العلية كيف عرضت عليه خزائن الأرض فأعرض عنها وأباها، مع أنه ﷺ لو أخذها لم ينفقها إلا في طاعة ربه، لكنه اختار العبودية المحضة، فيا لها من همّة شريفة رفيعة، ما أسناها، ونفس زكية كريمة ما أزكاها.
وقال البدر الزركشي: «لم يكن النبى ﷺ فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير» ، بل كان أغنى الناس، قد كفى أمر دنياه في نفسه وعياله. وكان يقول في
стр. 479
قوله ﷺ : «اللهمّ أحينى مسكينا» : إن المراد به استكانة القلب لا المسكنة التى هى أنه لا يجد ما يقع موقعا من كفايته، وكان يشدّد النكير على من يعتقد خلاف ذلك.
وقال بعضهم: «الفقر لباس الأنبياء وزينة الأولياء» لأن الفقر يورث الخشوع، والخشوع يورث الكرامة.
وقد قيل: «إنّ لكل شيء مفتاحا، ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء» .
وخصائصه ﷺ على أضرب:
الأوّل الواجبات:
الضحي، والأضحية، والوتر، والتهجد، والسواك، والمشاورة، ومصابرة العدوّ وإن كثر وزاد على الضعف، وقضاء دين من مات وعليه دين لم يخلف وفاء، وقيل: كان يفعله تكرّما لا وجوبا، وتخيير نسائه، وقيل: كان مستحبا.
الثانى
ما اختص به من المحرمات، فيكون الأجر في اجتنابه أكثر، وهو قسمان:
أحدهما في غير النكاح، فمنه: الشّعر، والخطّ، والأكل متّكئا، وأكل الثوم والبصل، والكراث، وقيل: مكروه، وإذا لبس لأمته لا ينزعها حتّى يلقى العدوّ، وقيل:
مكروه، وإذا شرع لزمه إتمامه، وألاينظر إلي ما متّع به الناس من الدنيا، وخائنة الأعين.
الثانى في النكاح: فمنه إمساك من كرهت نكاحه، وقيل: تكرّما.
الثالث المباحات:
فمنه الوصال في الصوم، واصطفاء ما أبيح له من الغنيمة قبل القسمة، ودخول مكة بلا إحرام، وإباحة القتال فيها ساعة، والقضاء بالعلم، والحكم لنفسه وولده، ويشهد لنفسه وولده، ويقبل شهادة من يشهد له، ويحمى الموات لنفسه، ولا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعا، وأبيح له أخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج ﷺ إليهما، ويجب على صاحبهما البذل وصيانة مهجته ﵊، وإباحة تسع نسوة، والصحيح الزيادة له، وانعقاد نكاحه بلا وليّ ولا شهود، وفي وجوب القسم بين أزواجه وإمائه خلاف.
الرابع ما
اختص به من الفضائل والإكرام: فمنه أن أزواجه اللاتى توفى عنهنّ
стр. 480
محرّمات على غيره أبدا، وفيمن فارقها في حياته أوجه:، أصحّها التحريم، وأن أزواجه رضوان الله عليهن أمهات المؤمنين، وأنهن أفضل من غيرهن من النساء، وجعل ثوابهن وعقابهن ضعفين «١» ، وأنه خاتم النبيين، وخير خلق الله، وأمته أفضل الأمم، وهى معصومة من الاجتماع علي ضلالة، وأصحابه خير القرون، وشريعته مؤيّدة وناسخة لجميع الشرائع، وكتابه معجز محفوظ عن التحريف والتبديل، وهو حجة على الناس بعد وفاته، ومعجزات الأنبياء انقرضت، ونصر بالرعب من مسيرة شهر، وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا، وأحلّت له الغنائم، وأعطى الشفاعة والمقام المحمود، وأرسل إلى الناس كافة، وهو سيد ولد ادم، وأوّل من تنشق عنه الأرض، وأوّل شافع، وأوّل مشفّع، وأوّل من يقرع باب الجنة، وأكثر الأنبياء تبعا، وأعطى جوامع الكلم، وصفوف أمته في الصلاة كصفوف الملائكة، وكان لا ينام قلبه، ولا يحل لأحد أن يرفع صوته فوق صوته، ولا يناديه باسمه، ويخاطبه المصلّى بقوله: السلام عليك أيها النبي، ولو خاطب ادميا غيره بطلت صلاته، ويلزم المصلّى إذا دعاه أن يجيبه وهو في الصلاة، ولا تبطل صلاته، وكانت الهدية حلالا له، بخلاف غيره من ولاة الأمور، ولا يجوز الجنون على الأنبياء، بخلاف الإغماء، ومن راه في المنام فقد راه حقّا، وأن الأرض لا تأكل لحم الأنبياء، وأنّ كذبا عليه ليس ككذب على غيره. صليّ الله عليه وعلى اله وسلّم.
فلما كان ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين، واتاه الله علم الأوّلين والاخرين، ولا يحصى مناقبه أحد من العالمين صلّى الله عليه وعلى اله وصحبه أجمعين.
قال البوصيري:
فاق النبيّين في خلق وفي خلق ... ولم يدانوه في علم ولا كرم
وكلّهم من رسول الله ملتمس ... غرفا من البحر أو رشفا من الدّيم
وكلّ اي أتي الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم
فمبلغ العلم فيه أنّه بشر ... وأنه خير خلق الله كلّهم
стр. 481
فقد أطلعه الله على ما شاء من المغيّبات، فوقعت على وفق إخباره بها فيما مضى وما هو ات، واستأثر سبحانه دون جميع الخلق بعلم أمور منها: مفاتح الغيب الخمس «١» . ولقد قبض النبى ﷺ وما يعلم الروح، وقال الجنيد: الروح مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أنه موجود، وثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح، أى لا يعيّن المراد به فى الاية «٢» .
وقد اختلف في مسألة اشتهرت بالديار المغربية، نشر الله بها أعلام السنة المحمدية، وهي: هل أحاط رسول الله ﷺ بعلم الله كما أحاط الحقّ بعلمه أو لا؟
فأجاب عن ذلك بعضهم بقوله: لا يصح ذلك، بل الذى ينبغى اعتقاده أن الله أعلم رسوله ﷺ ما لم يعلمه أحدا من الخلق، وحاشا سيد الأحباب أن يرضى من أمته أن يسوّوا بينه في العلم وبين رب الأرباب، ومن المحال أن يلحق العبد مرتبة السيد على كل حال، فاحذر الغلط، وإياك من ركوب التعاسيف والشّطط «٣» . اهـ.
وقد قال ﷺ : «لا تطرونى كما أطرى عيسى» أى لا تبالغوا في مدحى، وفي معنى الحديث قال البوصيري:
دع ما ادّعته النصاري في نبيّهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فإنّ فضل رسول الله ليس له ... حدّ فيعرب عنه ناطق بفم
стр. 482
ولقد أجاد القائل:
الأمر أعظم من مقالة قائل ... إن رقّق البلغاء أو إن أفحموا
ماذا يقول المادحون ومدحه ... حقّا به نطق الكتاب المحكم
ويحكى أن العارف الكبير أبا حفص عمر بن الفارض رحمه الله تعالى قيل له: لم لا مدحت النبى ﷺ ؟! فأنشد قائلا:
أري كلّ مدح في النبيّ مقصّرا ... وإن بالغ المثني عليه وأكثرا
إذا الله أثني بالذي هو أهله ... عليه، فما مقدار ما يمدح الوري؟
فمن تمام الإيمان به ﷺ : اعتقاد أنه لم يجتمع في بدن ادمى من المحاسن الظاهرة ما اجتمع في بدنه الشريف ﷺ ، فيكون ما يشاهد من محاسنه الظاهرة علامة على محاسنه الباطنة، ولا أكمل منه ﷺ ، ولا مساو له في هذا المدلول، فكذلك في الدّالّ، ولذا نقل القرطبى عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا في الدنيا تمام حسنه ﷺ وإلا لما طاقت أعين الصحابة النظر إليه ﷺ »
فإذا كان في الآخرة ظهر تمام ذلك، ولذا قال صاحب البردة:
فهو الذي تمّ معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبا بارئ النّسم
منزّه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
وقد جمع الله له ﷺ محاسن السير وأحاسن السياسة والخبر، مع أنه أمّيّ لا يكتب ولا يقرأ، ولا معلّم له من البشر، نشأ بين جهّال، يتيما من أبويه، فعلّمه الله مكارم الأخلاق، وجعل له من أكارم الاداب أوفر خلاق.
وما أحسن قول القائل:
أخذ الإله أبا الرسول ولم يزل ... برسوله الفرد اليتيم رحيما
نفسي الفداء لمفرد في يتمه ... والدرّ أحسن ما يكون يتيما
стр. 483
وكذلك جمع ﷺ ما تفرّق في الأنبياء من مكارم الأخلاق، وسمّاه عظيما فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] ؛ فكان فيه ﷺ خلق ادم (بفتح الخاء وسكون اللام) ، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلّة إبراهيم، ولسان إسماعيل، ورضى إسحاق، وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب، وشدّة موسي، وصبر أيوب، وطاعة يونس، وجهاد يوشع، وصوت داود، وحبّ دانيال، ووقار إلياس، وعصمة يحيي، وزهد عيسى.
ثم دعا الله تعالى عباده للاقتداء به التخلّق بأخلاقه فقال: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] ؛ فقد أيّده الله تعالى بالمعجزات الباهرة، وأكرمه بالايات الظاهرة، وخصّه بالشفاعة العظمى في الدار الآخرة، ﷺ وعترته الطاهرة، وصحابته النجوم الزاهرة، قال الأديب جمال الدين الدمشقى فى ذلك:
يا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشطّ مزاره
فلقد ظفرت من الزمان بطائل ... إن لم تريه فهذه اثاره
ولقد سبقه إلي ذلك الصلاح الصفدي، فقال:
أكرم باثار النبيّ محمد ... من زاره استوفي السرور مزاره
يا عين دونك فانظري وتمتّعي ... إن لم تريه فهذه اثاره
واقتدى بهما في ذلك أبو الحزم المدني، فقال:
يا عين كم ذا تسفحين مدامعا ... شوقا لقرب المصطفي ودياره
إن كان صرف الدهر عاقك عنهما ... فتمتّعي يا عين في اثاره
وبالجملة فاثاره ﷺ وماثره هى الواسطة العظمى في تشييد هذا الدين المحمدي «١» العظيم البنيان الذى هو ببركته ﷺ باق إلى اخر الزمان، وكذلك ما
стр. 484
دامت معجزة القران التى هي أكبر المعجزات باقية بين أظهرنا، فلا ينسخ الماضى الات، فشريعة المصطفى ﵊ باقية إلى يوم القيامة، ومعجزة القران الباهرة الدلائل ليست- ولله الحمد- داخلة في قول القائل:
تتخلّف الاثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
стр. 485
الفصل الثالث في ذكر معجزاته
أكبر معجزاته ﷺ القران الذى أعجز الإنس والجان، وتحدّى به بلغاء العرب وفصحاءهم- الذين هم الرؤساء في قوانين المعانى والبيان، والفرسان في ميادين الفصاحة والشجعان- عن معارضته على أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وتنازل معهم إلى الإتيان بسورة من مثله، وفي السور ما هو ثلاث ايات، فلم يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ونكصوا على أعقابهم خائبين؛ فغيرهم إن عارض أولى بالعجز والخذلان؛ إذ محال سكوتهم ثلاثا وعشرين سنة «١» عن معارضة لو قدروا عليها، خصوصا مع كونه ﷺ ينادى عليهم بالعجز عن معارضته، والقصور عن بلوغ الغرض من مناقضته، ويوبخهم ويسبّ الهتهم، فلم يستطع أحد منهم أن يرفع رأسه ويناديه بجواب، وإنما يزدادون تحسرا عن المعارضة، ويعترفون لبعضهم في الافتراء في قولهم إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر، وأساطير الأولين، ويعتذرون ظاهرا بقولهم:
قُلُوبُنا غُلْفٌ قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ- ولمّا قالوا- لو نشاء لقلنا مثل هذا- ردّ الله عليهم بقوله: وَلَنْ تَفْعَلُوا فما فعلوا، وما قدروا، ولو قدروا علي أدنى معارضة لبادروا إليها، وأفحموا الخصم الذى كانوا محافظين على إطفاء نوره، وإنما أعجز كلّ بليغ لجزالته وغرابة أسلوبه وبلاغته وانتهائه في الفصاحة إلى الطرف الأقصي؛ فإنه لا أفصح ولا أوضح ولا أكمل ولا أجزل ولا أنسب ولا أعذب من ألفاظه، ولا أسدّ ولا أشدّ التئاما وتشاكلا من نظمه، وأمّا معانيه فكلّ ذى لبّ يشهد لها بالتقدم في أبواب البلاغة، والترقّى إلى درجات الإتقان والبيان الواضح.
وقيل: إعجازه هو كونه خارجا عن جنس كلام العرب، من النظم والنثر
стр. 486
والخطب. وما كان من المعجزات معلوما بالقطع، منقولا بالتواتر كالقران، فلا شك في كفر منكره وارتداده، وأنه بمنزلة منكر وجود النبى ﷺ في الدنيا. وما لم يكن من المعجزات كذلك: فإن اشتهر: بدّع «١» منكره وفسّق؛ كنبع الماء من بين أصابعه الشريفة ﷺ ، وتكثير الطعام اليسير. وإن لم يشتهر: ولكن ثبت بطريق صحيح أو حسن، عزّر منكره إن كان مثله يخفى عليه ذلك قبل التوقيف.] فهو النور المستبين والحق الواضح المبين، لا شيء أسطع من أعلامه، ولا أصدع من أحكامه، ولا أوضح من بلاغته، ولا أرجح من فصاحته، ولا أكثر من إفادته، ولا ألذ من تلاوته، قال رسول الله ﷺ : «القران فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، وحكم ما بينكم» «٢» ، وقال تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩] الاية، وقال تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢] قال بعضهم: إذا أردت محادثة الحقّ تعالى أخذت المصحف فلا أزال أناجيه ويناجيني، وإذا أردت محادثة رسوله أخذت كتاب حديثه، وكذلك كلّ من أردت مناجاته من الأولين والاخرين. اهـ.
وقد حقق العارفون أنّ كلام الله: رسالة من الله لعباده، ومخاطبة لهم، وهو البحر المشتمل على جواهر العلم، المتضمن بظاهره وباطنه، ولهذا قاموا باداب سماعه، ورعوه حق رعايته، وقد تجلّى لخلقه في كلامه لو كانوا يعقلون. وكذلك كلام رسول الله ﷺ مما يتعين حسن الاستماع إليه؛ لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي.
قال الشيخ أبو إسحاق الثعلبى ﵀: «إن عدد ايات القران ستة الاف وستمائة وستّ وستون اية؛ فما هو أمر ألف اية، وما هو نهى ألف اية، وما هو وعد ألف اية، وما هو وعيد ألف اية، وما هو إخبار ألف اية، وما هو قصص وأمثال ألف اية، وما هو تحليل وتحريم خمسمائة اية، وما هو تسبيح وتهليل مائة اية، وما هو ناسخ ومنسوخ ست وستون اية» «٣» .
стр. 487
وقال بعضهم:
ألا إنّما القران تسعة أحرف ... أتيت بها في بيت شعر بلا خلل
حلال، حرام، محكم، متشابه ... بشير، نذير، قصّة، عظة، مثل
ووفد غالب بن صعصعة على الإمام علي بن أبى طالب كرم الله وجهه، ومعه ابنه الفرزدق، فقال له: من أنت؟ فقال: غالب بن صعصعة، قال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم. قال: فما فعلت بإبلك؟ قال: أذهبتها النوائب، ثم قال له: يا أبا أخطل، من هذا الذى معك؟ قال: ابني، وهو شاعر، قال: علّمه القران فهو خير له من الشعر، فكان ذلك في نفس الفرزدق حتّى قيّد نفسه، والى على نفسه أن لا يحلّ قيده حتي يحفظ القران، فحفظه في سنة، وذلك قوله:
وما صبّ رجلي في حديد مجاشع ... مع القيد إلا حاجة لي أريدها
فقد جمع الله له ﷺ كل ما أوتيه الأنبياء من معجزات، وخصائص، ولم يجمع ذلك لغيره، بل خصّ كلّا بنوع من المعجزات، وذهب كلّ نبى بمعجزاته، ولم يبق لها أثر ظاهر خلا الروايات عنها والأخبار، وأبقى لنا ﷺ القران، معجزا خالدا بين ظهرانينا إلى يوم القيامة بعد ذهابه، لا تنكسف شموسه، ولا تذوي زهراته، يعلم ذلك من أدرك منه شرح الايات المحكمة وأسباب نزولها، وما اشتملت عليه من الأمر والنهي، والأحكام والمعاني، والإعجاز والإيجاز، والفصاحة والبلاغة، والبيان والبديع، وأخبار الأوّلين والاخرين، وشرائع الأمم السالفة، والوعد والوعيد، وذكر الدنيا وأحوالها، والآخرة وأهوالها، فكلّ من نظر في كتاب الله تعالى من الفصحاء البلغاء في سائر الأعصر، وأمعن النظر فيه استخرج بمعرفته جواهر المعانى من كنوز الايات الكريمة، واطلّع علي أسرار البلاغة، وعلم ما انطوت عليه من أسرار الإعجاز، فقد علم بالقران الذى تحدّى به ﷺ صدق دعوى النبوة جميع ما أخبر به علما قطعيا يقينيا لا يقدح فيه شيء من الاحتمالات العقلية، مع ما نقل عنه ﷺ من المعجزات والأمور الخارقة للعادة بطريق الشهرة والاحاد، وما بلغ القدر المشترك منه حد التواتر في المعجزات، وإن كانت تفاصيلها مروية احادا، قال بعضهم:
стр. 488
قد انقضت معجزات الرسل منذ قضوا ... نحبا وأفحم منه ذلك الجيل
ومعجزات رسول الله باقية ... محفوظة ما لها في الدهر تحويل
تكفّل الله هذا الذّكر يحفظكم ... فلن يضيع الذى بالله مكفول
هذي المفاخر، لا تحظي الملوك بها ... الملك منقطع، والوحى موصول
[كيفية نزول القران] :
وأنزل الله القران كله إلى السماء الدنيا جملة، ثم فرّقه في ثلاث وعشرين سنة مدة الوحى، بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، فكان جبريل ينزل بالسورة أو الاية لأمر يحدث، ويخبر النبى ﷺ بموضعها من القران، وعلى هذا الترتيب كان ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه في السنة التى توفى فيها مرتين. وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة هو الذى وقع عليه ترتيب المصحف العثماني، وأمّا ما وقع في غيره من مصاحف بعض الصحابة كمصحف ابن مسعود، ومصحف أبيّ بن كعب من الترتيب والقراات، وزيادة بعض السور مما هو مخالف للمصحف العثماني، فقد وقع ذلك أوّلا بتوقيف، ثم نسخ ذلك بما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة وكتب في المصحف العثماني، ولم يبلّغ النسخ من ذكر من الصحابة، ولا ما استقرّ عليه الأمر، فأبقوا مصاحفهم على ما كان عندهم.
فإن قيل: نزوله جملة إلى السماء هل كان قبل نبوته ﷺ أو بعدها؟ أجيب بأنه جوّز أبو شامة الأمرين، واستظهر هو الأوّل، والجلال السيوطى الثانى، قال:
والاثار صريح سياقها فيه، وربما فهم من كلام بعض المتأخرين اختيار المعية، فإن قيل: فما السر في نزوله منجّما؟ وهلّا نزل كسائر الكتب جملة؟ أجيب: هذا سؤال تولّى الله جوابه، فقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: ٣٢] يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله كَذلِكَ أي أنزلناه مفرقا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الفرقان: ٣٢] أى لنقوى به قلبك؛ فإن الوحى إذا كان يتجدد في كل حادثة كل أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من
стр. 489
الرسالة من ذلك الجناب الرفيع العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان ﷺ أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل ﵇، وقيل: معنى «لنثبت به فؤادك» لنحفظه، ففرّق عليه ليثبت عنده حفظه.
وقد اختلف: هل في القراءة شيء أفضل من شيء؟ فقيل: لا، وعليه الأشعرى والقاضى وأبو بكر الباقلانى؛ لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلامه تعالى حقيقة واحدة لا نقص فيه، وقيل: نعم، لظواهر الأخبار، كخبر: «ألا أعلّمك بأعظم سورة في القران؟» «١» ، وخبر «إنّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القران» «٢» والتفضيل يرجع إلى عظم الأجر والثواب، وإلى اللفظ لا إلى الصفة؛ لأن ما تضمنته نحو اية الكرسى وسورة الإخلاص ليس موجودا في نحو تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ والتحقيق: أنه لا خلاف في المعنى، بل الأوّل محمول علي ذات القران وحقيقته، والثانى على غيرها كما علمت، قاله شيخ الإسلام.
وسميت السورة سورة لقطعها من السورة الاخرى، إذ السور: القطع، فلما قرن بعض السور ببعض سمّي المجموع قرانا، كما يسمّى بعضه قرانا لذلك أيضا، قاله شيخ الإسلام في شرحه على البخارى.
وقد روى أنّ الله تعالى أنزل القران دفعة إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، فحفظته الحفظة، وكتبته الكتبة، ثم نزل منها بلسان جبريل إلى النبى ﷺ شيئا فشيئا بحسب المصالح.
فإن قيل: ما قدر المنزّل؟ أجيب بأنه كان على حسب المصالح قلة وكثرة، فربما نزل العشر من الايات، كما صح في قصة الإفك، وأوّل سورة المؤمنين، ونزول الخمس منها، ونزول بعض اية كما صحّ في نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «٣» واحدها، وهى بعض اية.
стр. 490
وكان جبريل يخبر النبى ﷺ بموضعها من القران. فالقران في اللوح المحفوظ على النحو الذى في مصاحفنا الان.
فإن قيل، فما معنى الإنزال؟ أجيب أن لهم فيه اختلافا، فمنهم من قال: إنه عبارة عن إظهار القراءة، ومنهم من قال: إن الله ألهم كلامه جبريل وهو في السماء، وعلّمه قراءته، ثم أدّاه جبريل في الأرض.
فإن قيل: فما كيفية التأدية؟ أجيب بأنهم ذكروا فيها طريقتين:
إحداهما: أن النبى ﷺ انخلع من صورة البشرية إلي صورة الملكية، وأخذه من جبريل.
وثانيتهما: أن الملك انخلع إلي البشرية حتّى يأخذه الرسول منه، والأوّل أصعب الحالين.
والمراد بالانخلاع الظهور بتلك الصورة، لا مفارقة الطبع بالمرة كما هو ظاهر، فإن قيل: فما كيفية تلقّى جبريل له؟ أجيب بما قاله الطيبي: لعله تلقّفه من الله تلقّفا روحانيا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلي الرسول ويلقيه عليه، وفسر بعض المحققين التلقف الروحانى بالإلهام.
فإن قيل: فما النازل علي النبى ﷺ ؟ أجيب بأن فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اللفظ والمعنى، وأن جبريل حفظ القران من اللوح المحفوظ، ونزل به.
والثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعانى خاصة، وأنه ﷺ علّم تلك المعانى وعبّر عنها بلغة العرب، وتمسك قائله بقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ «١» .
والثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى، وأنه عبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرؤنه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك.
стр. 491
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري، أنه لم ينزل وحى إلا بالعربية، ثم ترجم كل نبى لقومه، بدليل قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (٤) [إبراهيم: ٤] . والمراد بقومه أهل بلده، أى حيّه الذى هو قريش: فهم قومه، وهم غير أهل دعوته «١» ؛ إذ دعوته عامة لجميع الناس، بدليل قوله تعالى:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (١٥٨) [الأعراف: ١٥٨] .
وقال بعضهم:
كتاب الله أفضل كلّ قيل ... رواه المصطفى عن جبرئيل
عن اللوح المحيط بكل شيء ... عن القلم الرفيع عن الجليل
وقد اختلف العلماء في ترتيب السور: هل هو توقيفى من النبى ﷺ ؟ أو باجتهاد من الصحابة؟ بعد الإجماع على أن ترتيب الايات توقيفي، والقطع بذلك.
فذهب جماعة من العلماء إلى أن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، منهم الإمام مالك، والقاضى أبو بكر، في أحد قوليه، وجزم به ابن فارس، وبما استدل به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور «٢» .
وذهب جماعة اخرون إلى أنه توقيفى، منهم القاضى أبو بكر في أحد قوليه، وخلائق، قال بعضهم: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ، علي هذا الترتيب.
وقد أثبت الصوفية عالم المثال، وجعلوه عالما متوسطا بين عالم الأجساد والأرواح، وقالوا هو ألطف من عالم الأجسام، وأكثف من عالم الأرواح، وبنوا
стр. 492
علي ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم من المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
(١٧) [مريم: ١٧] . فتكون الروح الواحدة كروح جبريل في وقت واحد مدبّرة لشبحه الأعلي، وهذا الشبح المثالى الذى تمثل لمريم. وينحل بهذا ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة، أنه سأله بعض الأكابر عن جسم جبريل ﵇، فقال: أين كان يذهب بجسمه الأوّل الذى سد الأفق بأجنحته كما تراءى للنبى ﷺ في صورته الأصلية عند إتيانه إليه في صورة دحية؟ وقد تكلف بعضهم الجواب عنه بأنه يجوز أن يقال:
كان يندمج بعضه في بعض، إلي أن يصغر حجمه، فيصير بقدر صورة دحية، ثم يعود ينبسط إلى أن يصير كهيئته الأولى، على قاعدة جواز التخلخل والتكاثف في الأجسام. وما ذكره الصوفية أحسن، وهو أن يكون جسمه الأوّل بحاله، لم يتغير، وقد أقام الله تعالى له شبحا اخر، وروحه تتصرف فيهما جميعا إلى وقت واحد، قال الصوفية: وعلى هذا الأصل تتخرج مسائل كثيرة، وتنحلّ بها إشكالات غير يسيرة.
ومن أمهات معجزاته ﵊: انشقاق القمر، وقد أجمع المفسرون وأهل السنة علي وقوعه لأجله ﷺ ؛ فإن كفار قريش لما كذبوه ولم يصدّقوه طلبوا منه اية تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه الله تعالى هذه الاية العظيمة، التى لا قدرة لبشر على ايجادها، دلالة علي صدقه ﵊ في دعواه الواحدانية لله تعالى، وأنه منفرد بالربوبية، وأن هذه الالهة التى يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضرّ، وأنّ العبادة لا تكون إلا لله واحده لا شريك له.
قال ابن عبد البر: «قد روى هذا الحديث- يعنى حديث انشقاق القمر- عن جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير، إلى أن انتهى إلينا وتأيّد بالاية الكريمة» أ. هـ.
وفي الترمذى من حديث ابن عمر في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) [القمر: ١] ، قال: قد كان ذلك علي عهد رسول الله ﷺ ؛ انشق فلقتين، فلقة دون الجبل وفلقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا.
стр. 493
ووقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: وانشق مرتين بالإجماع.
قال الحافظ ابن حجر: «وأظن قوله «بالإجماع» متعلق بانشق لا بمرتين؛ فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ » أ. هـ.
وما أحقّه ﷺ بقول أبى الطيب:
متى ما يشر نحو السماء بطرفه ... تخرّ له الشّعري، وينكسف البدر
* وأن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله، فخرج عليهم، فخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم، وأقبل حتّى قام على رؤسهم، فقبض قبضة من تراب وقال: شاهت الوجوه، وحصبهم، فما أصاب رجلا منهم من تلك الحصباء شئ إلا قتل يوم بدر.
ورمى يوم حنين بقبضة من تراب في وجوه القوم، فهزمهم الله تعالى.
ونسج العنكبوت، وتعشيش الحمامتين الوحشيتين عليه في الغار، ونبات الشجر هناك تجاهه سترا له وحفظا من الكفار.
ونصره بريح الصبا «الشرقية» ، وبالرعب للعدو يسير بين يديه مسيرة شهر، وتأييده بالملائكة، وعصمته في السر والجهر. وما كان من أمر سراقة بن مالك، إذ بعث خلفه في الهجرة فساخت قوائم فرسه في الأرض الجلمد. ومسح على ظهر عناق لم ينز عليها الفحل فدرّت، وشاة أم معبد، ودعوته لعمر بن الخطاب أن يعزّ الله به الإسلام، ودعوته لعليّ رضى الله عنه أن يذهب عنه الحرّ والبرد، وتفله في عينيه وهو أرمد فعوفى من ساعته ولم يرمد بعد ذلك.
وردّه عين قتادة بعد أن سالت على خده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما.
ودعاؤه لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما بالتأويل والتفقه في الدين، وكان يسمّى الحبر والبحر لعلمه.
ودعاؤه لجمل جابر فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا.
ودعاؤه لأنس «١» بن مالك رضى الله عنه بطول العمر وكثرة المال والولد
стр. 494
فعاش مائة سنة أو نحوها، وولد له مائة وعشرون ولدا ذكرا لصلبه، وكان نخله يحمل في السنة مرتين.
ودعاؤه في تمر جابر بالبركة، فأوفى غرماءه وفضل ثلاثة عشر وسقا.
ومن معجزاته نزول الغيث المغيث باستسقائه ﵊، مرة للمشركين بمكة، ومرة للمسلمين بالمدينة يستمر فيها أسبوعا.
وإذا النوائب أظلمات أحداثها ... لبست بوجهك أحسن الإشراق
ودعاؤه علي عتبة بن أبى لهب بقوله: «اللهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك» فأكله الأسد بالزرقاء من الشام.
وشهادة الشجر له بالرسالة في خبر الأعرابى الذى دعاه إلي الإسلام فقال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ فقال: نعم، هذه الشجرة، ثم دعاها فأقبلت، فاستشهدها فشهدت أنه كما قال ثلاثا ثم رجعت إلي منبتها.
وأمر إنسانا أن ينطلق إلي نخلات فيقول لهن: «أمركنّ رسول الله ﷺ أن تجتمعن، فاجتمعن» ، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود إلى أماكنهن فعدن «١» .
وقوله: «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» «٢» .
وحنين الجذع لمّا فارقه للمنبر حتّى سمع منه صوت كصوت الإبل، فضمّه إليه فسكن، فقال ﵊: «والذى نفسى بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» .
وكان الحسن البصرى ﵁ إذا حدّث بهذا الحديث بكى وقال: «يا عباد الله الخشبة تحن إلي رسول الله ﷺ شوقا إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه» أ. هـ.
стр. 495
وتسبيح الحصى في كفه: قال أنس بن مالك رضى الله عنه: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فأخذ سبع حصيات (كما في رواية أبى ذر) ، حتى سمعنا التسبيح، ثم صبّهن في يد أبى بكر فسبّحن، ثم في يد عمر فسبّحن، ثم في يد عثمان فسبّحن، ثم صبّهن في أيدينا فما سبحان. وكذلك الطعام بحضرته. وإعلام الشاة له بسمّها، وشكوى البعير إليه كثرة العمل وقلة العلف، وسؤال الظبية له أن يخلّصها من الحبل لترضع ولديها وتعود، فخلّصها. وليس من المعجزات «١» أن الثعبان كلّمه.
وأخبر ﷺ عن مصارع المشركين يوم بدر، فلم يعد أحد منهم مصرعه.
وإخباره أن طائفة من أمته يغزون في البحر، وأن أم حرام بنت ملحان منهم، فكان كذلك.
وقال لعثمان ﵁: «تصيبه بلوى شديدة» فكانت، وقتل.
وقوله للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة» (أى تعبا وشدة) فكانت زمن معاوية، وقوله في الحسن رضى الله عنه: «إن ابنى هذا سيد، وإنّ الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فكان في زمن معاوية. وإخباره بقتل العنسى الكذّاب، وهو بصنعاء ليلة قتله وبمن قتله.
وقال لثابت بن قيس: «تعيش حميدا وتقتل شهيدا» فقتل يوم اليمامة.
وارتدّ رجل من المسلمين، ولحق بالمشركين فبلغه أنه مات، فقال: إنّ الأرض لا تقبله، فكان كذلك.
وقال لرجل يأكل بشماله: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، فقال له: لا استطعت، فلم يطق أن يرفعها إلي فيه بعد «٢» .
ودخل مكة عام الفتح، والأصنام حول الكعبة معلّقة، وبيده قضيب، فجعل يشير إليها ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل» وهى تتساقط.
وقصة مازن بن الغضونة الطائى وسواد بن قارب؛ فإنهما تكلما في نبوته