← Сира

Сира · id 1515

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

رفاعة الطهطاوى

Полный текст (549 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري، أنه لم ينزل وحى إلا بالعربية، ثم ترجم كل نبى لقومه، بدليل قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (٤) [إبراهيم: ٤] . والمراد بقومه أهل بلده، أى حيّه الذى هو قريش: فهم قومه، وهم غير أهل دعوته «١» ؛ إذ دعوته عامة لجميع الناس، بدليل قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (١٥٨) [الأعراف: ١٥٨] . وقال بعضهم: كتاب الله أفضل كلّ قيل ... رواه المصطفى عن جبرئيل عن اللوح المحيط بكل شيء ... عن القلم الرفيع عن الجليل وقد اختلف العلماء في ترتيب السور: هل هو توقيفى من النبى ﷺ ؟ أو باجتهاد من الصحابة؟ بعد الإجماع على أن ترتيب الايات توقيفي، والقطع بذلك. فذهب جماعة من العلماء إلى أن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، منهم الإمام مالك، والقاضى أبو بكر، في أحد قوليه، وجزم به ابن فارس، وبما استدل به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور «٢» . وذهب جماعة اخرون إلى أنه توقيفى، منهم القاضى أبو بكر في أحد قوليه، وخلائق، قال بعضهم: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ، علي هذا الترتيب. وقد أثبت الصوفية عالم المثال، وجعلوه عالما متوسطا بين عالم الأجساد والأرواح، وقالوا هو ألطف من عالم الأجسام، وأكثف من عالم الأرواح، وبنوا

стр. 492

علي ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم من المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) [مريم: ١٧] . فتكون الروح الواحدة كروح جبريل في وقت واحد مدبّرة لشبحه الأعلي، وهذا الشبح المثالى الذى تمثل لمريم. وينحل بهذا ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة، أنه سأله بعض الأكابر عن جسم جبريل ﵇، فقال: أين كان يذهب بجسمه الأوّل الذى سد الأفق بأجنحته كما تراءى للنبى ﷺ في صورته الأصلية عند إتيانه إليه في صورة دحية؟ وقد تكلف بعضهم الجواب عنه بأنه يجوز أن يقال: كان يندمج بعضه في بعض، إلي أن يصغر حجمه، فيصير بقدر صورة دحية، ثم يعود ينبسط إلى أن يصير كهيئته الأولى، على قاعدة جواز التخلخل والتكاثف في الأجسام. وما ذكره الصوفية أحسن، وهو أن يكون جسمه الأوّل بحاله، لم يتغير، وقد أقام الله تعالى له شبحا اخر، وروحه تتصرف فيهما جميعا إلى وقت واحد، قال الصوفية: وعلى هذا الأصل تتخرج مسائل كثيرة، وتنحلّ بها إشكالات غير يسيرة. ومن أمهات معجزاته ﵊: انشقاق القمر، وقد أجمع المفسرون وأهل السنة علي وقوعه لأجله ﷺ ؛ فإن كفار قريش لما كذبوه ولم يصدّقوه طلبوا منه اية تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه الله تعالى هذه الاية العظيمة، التى لا قدرة لبشر على ايجادها، دلالة علي صدقه ﵊ في دعواه الواحدانية لله تعالى، وأنه منفرد بالربوبية، وأن هذه الالهة التى يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضرّ، وأنّ العبادة لا تكون إلا لله واحده لا شريك له. قال ابن عبد البر: «قد روى هذا الحديث- يعنى حديث انشقاق القمر- عن جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير، إلى أن انتهى إلينا وتأيّد بالاية الكريمة» أ. هـ. وفي الترمذى من حديث ابن عمر في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) [القمر: ١] ، قال: قد كان ذلك علي عهد رسول الله ﷺ ؛ انشق فلقتين، فلقة دون الجبل وفلقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا.

стр. 493

ووقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: وانشق مرتين بالإجماع. قال الحافظ ابن حجر: «وأظن قوله «بالإجماع» متعلق بانشق لا بمرتين؛ فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ » أ. هـ. وما أحقّه ﷺ بقول أبى الطيب: متى ما يشر نحو السماء بطرفه ... تخرّ له الشّعري، وينكسف البدر * وأن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله، فخرج عليهم، فخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم، وأقبل حتّى قام على رؤسهم، فقبض قبضة من تراب وقال: شاهت الوجوه، وحصبهم، فما أصاب رجلا منهم من تلك الحصباء شئ إلا قتل يوم بدر. ورمى يوم حنين بقبضة من تراب في وجوه القوم، فهزمهم الله تعالى. ونسج العنكبوت، وتعشيش الحمامتين الوحشيتين عليه في الغار، ونبات الشجر هناك تجاهه سترا له وحفظا من الكفار. ونصره بريح الصبا «الشرقية» ، وبالرعب للعدو يسير بين يديه مسيرة شهر، وتأييده بالملائكة، وعصمته في السر والجهر. وما كان من أمر سراقة بن مالك، إذ بعث خلفه في الهجرة فساخت قوائم فرسه في الأرض الجلمد. ومسح على ظهر عناق لم ينز عليها الفحل فدرّت، وشاة أم معبد، ودعوته لعمر بن الخطاب أن يعزّ الله به الإسلام، ودعوته لعليّ رضى الله عنه أن يذهب عنه الحرّ والبرد، وتفله في عينيه وهو أرمد فعوفى من ساعته ولم يرمد بعد ذلك. وردّه عين قتادة بعد أن سالت على خده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما. ودعاؤه لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما بالتأويل والتفقه في الدين، وكان يسمّى الحبر والبحر لعلمه. ودعاؤه لجمل جابر فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا. ودعاؤه لأنس «١» بن مالك رضى الله عنه بطول العمر وكثرة المال والولد

стр. 494

فعاش مائة سنة أو نحوها، وولد له مائة وعشرون ولدا ذكرا لصلبه، وكان نخله يحمل في السنة مرتين. ودعاؤه في تمر جابر بالبركة، فأوفى غرماءه وفضل ثلاثة عشر وسقا. ومن معجزاته نزول الغيث المغيث باستسقائه ﵊، مرة للمشركين بمكة، ومرة للمسلمين بالمدينة يستمر فيها أسبوعا. وإذا النوائب أظلمات أحداثها ... لبست بوجهك أحسن الإشراق ودعاؤه علي عتبة بن أبى لهب بقوله: «اللهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك» فأكله الأسد بالزرقاء من الشام. وشهادة الشجر له بالرسالة في خبر الأعرابى الذى دعاه إلي الإسلام فقال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ فقال: نعم، هذه الشجرة، ثم دعاها فأقبلت، فاستشهدها فشهدت أنه كما قال ثلاثا ثم رجعت إلي منبتها. وأمر إنسانا أن ينطلق إلي نخلات فيقول لهن: «أمركنّ رسول الله ﷺ أن تجتمعن، فاجتمعن» ، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود إلى أماكنهن فعدن «١» . وقوله: «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» «٢» . وحنين الجذع لمّا فارقه للمنبر حتّى سمع منه صوت كصوت الإبل، فضمّه إليه فسكن، فقال ﵊: «والذى نفسى بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» . وكان الحسن البصرى ﵁ إذا حدّث بهذا الحديث بكى وقال: «يا عباد الله الخشبة تحن إلي رسول الله ﷺ شوقا إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه» أ. هـ.

стр. 495

وتسبيح الحصى في كفه: قال أنس بن مالك رضى الله عنه: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فأخذ سبع حصيات (كما في رواية أبى ذر) ، حتى سمعنا التسبيح، ثم صبّهن في يد أبى بكر فسبّحن، ثم في يد عمر فسبّحن، ثم في يد عثمان فسبّحن، ثم صبّهن في أيدينا فما سبحان. وكذلك الطعام بحضرته. وإعلام الشاة له بسمّها، وشكوى البعير إليه كثرة العمل وقلة العلف، وسؤال الظبية له أن يخلّصها من الحبل لترضع ولديها وتعود، فخلّصها. وليس من المعجزات «١» أن الثعبان كلّمه. وأخبر ﷺ عن مصارع المشركين يوم بدر، فلم يعد أحد منهم مصرعه. وإخباره أن طائفة من أمته يغزون في البحر، وأن أم حرام بنت ملحان منهم، فكان كذلك. وقال لعثمان ﵁: «تصيبه بلوى شديدة» فكانت، وقتل. وقوله للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة» (أى تعبا وشدة) فكانت زمن معاوية، وقوله في الحسن رضى الله عنه: «إن ابنى هذا سيد، وإنّ الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فكان في زمن معاوية. وإخباره بقتل العنسى الكذّاب، وهو بصنعاء ليلة قتله وبمن قتله. وقال لثابت بن قيس: «تعيش حميدا وتقتل شهيدا» فقتل يوم اليمامة. وارتدّ رجل من المسلمين، ولحق بالمشركين فبلغه أنه مات، فقال: إنّ الأرض لا تقبله، فكان كذلك. وقال لرجل يأكل بشماله: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، فقال له: لا استطعت، فلم يطق أن يرفعها إلي فيه بعد «٢» . ودخل مكة عام الفتح، والأصنام حول الكعبة معلّقة، وبيده قضيب، فجعل يشير إليها ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل» وهى تتساقط. وقصة مازن بن الغضونة الطائى وسواد بن قارب؛ فإنهما تكلما في نبوته

стр. 496

صلّى الله عليه وسلّم، فخافاها، وأسلما. ومن نظم سواد بن قارب: فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب «١» وشهادة الضب بنبوته. وإطعام ألف من صاع شعير بالخندق فشبعوا والطعام أكثر مما كان، وأطعمهم من تمر يسير، وجمع فضل الأزواد على نطع ودعا لها بالبركة ثم قسمها في العسكر، فقامت بهم. وأتاه أبو هريرة بتمرات قد سفّهن في يده، وقال: ادع لى فيهن بالبركة، فدعا له، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فأخرجت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا فى سبيل الله، وكنا نأكل منه ونطعم حتّى انقطع في زمن عثمان ﵁. ودعاؤّه أهل الصفة لقصعة ثريد، قال أبو هريرة رضى الله عنه: فجعلت أتطاول ليدعونى حتّى قام القوم وليس في القصعة إلا اليسير في نواحيها، فجمعه رسول الله ﷺ فصار لقمة ووضعها علي أصابعه، وقال: كل بسم الله، فو الذى نفسى بيده ما زلت اكل منها حتّى شبعت أ. هـ. وأهل الصفّة فقراء لا منازل لهم ولا عشائر، ينامون في المسجد ويظلّون فيه، وصفّة المسجد (أى الموضع المظلّل منه) مثواهم، فنسبوا إليها، ويقال لهم: ضيوف الإسلام، فكان ﷺ يعشّى معه بعضهم، ويفرّق بعضهم علي الصحابة يعشّونهم، ومن مشاهيرهم أبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، وأبو ذر ﵃. ومن معجزاته أنه أمر عمر بن الخطاب ﵁ أن يزوّد أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير «٢» ، فزوّدهم كلهم منه، وبقى تحسبه كما كان.

стр. 497

ونبع الماء من بين أصابعه الكريمة كأمثال العيون في الانسجام، حتى شرب القوم وتوضأوا وهم ألف وأربعمائة. قال ابن العربى في «قبسه» : وذلك خصيصية له، لم تكن لأحد قبله. وأتى بقدح فيه ماء فوضع أصابعه في القدح فلم تسع، فوضع أربعة منها، وقال: «هلمّوا» ، فتوضأوا أجمعين وهم من السبعين إلي الثمانين. وورد في غزوة تبوك علي ماء لا يروى واحدا والقوم عطاش، فشكوا إليه، فأخذ سهما من كنانته فغرسه فيه، ففار الماء وارتوى القوم، وكانوا ثلاثين ألفا. وشكا إليه قوم ملوحة في مائهم، فجاء في نفر من أصحابه حتي وقف على بئرهم، فتفل فيه، فتفجّر بالماء العذب. وأتته امرأة بصبي لها أقرع، فمسح علي رأسه فاستوى شعره وذهب داؤه. وانكسر سيف عكاشة يوم بدر فأعطاه جزلا من حطب، فصار في يده سيفا ولم يزل بعد ذلك عنده. وعزّت كدية «١» بالخندق عن أن يأخذها المعول، فضربها فصارت كثيبا أهيل «٢» . ومسح علي رجل أبى رافع وقد انكسرت فكأنه لم يشكها قط. وقوله ﷺ : «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتى ما زوى لي منها» «٣» . قال الصلاح الصفدي: وقد صدّق الله قوله بأنّ ملك أمّته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال. وقال لرجل يدّعى الإسلام وهو معه في القتال: «إنه من أهل النار» فصدّق الله قوله بأن ذلك الرجل نحر نفسه، وهذا لا يعرف ألبتة بشيء من النجوم ولا بالنظر في الكتب.

стр. 498

وأبطل الله تعالى ببعثته الكهانة، فانقطعت، وكانت ظاهرة موجودة. وأخبر بأن عمّارا تقتله الفئة الباغية، فكان مع على- ﵁ وقتله جماعة معاوية. وأنذر بموت النجاشي، وخرج هو وأصحابه إلي البقيع فصلّوا عليه، فورد الخبر بموته- بعد ذلك- في ذلك اليوم. وخرج على نفر من أصحابه مجتمعين، فقال: «أحدكم في النار ضرسه مثل أحد» فماتوا كلهم علي الإسلام، وارتدّ منهم واحد، وهو الدجال الحنفي، فقتل مرتدّا مع مسيلمة الكذاب. وقال لاخرين منهم: «اخركم موتا في النار» فسقط اخرهم موتا في نار، فمات، وهو سمرة بن جندب. وأخبر بأنه يقتل أمية بن خلف الجمحي، فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا، فكانت منيّته منه. وأخبر فاطمة ابنته رضى الله عنها أنها أوّل أهله لحوقا به: فكان، وبأن أطول نسائه يدا أسرعهن لحوقا به، فكانت زينب بنت جحش الأسدية؛ لطول يدها بالصدقة. وأخبر بمقتل الحسين ومصرعه وأهله، فكان كذلك. وخطب أمامة بنت الحارث بن أبي عوف، وكان أبوها أعرابيا جافيا فقال: إنّ بها برصا، ولم يكن بها، فقال: «فلتكن كذلك» ، فبرصت من وقتها، فتزوّجها ابن عمها يزيد، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد، وهو المعروف بابن البرصاء. وحكي «١» الحكم بن أبى العاص مشيته ﷺ ، وكان النبي ﷺ يتكفّأ في مشيته، فالتفت يوما فراه «٢» وهو يتخلّج في مشيته، فقال: «كن كذلك» ، فلم يزل يرتعش في مشيته من يومئذ إلى أن مات في خلافة عثمان. وقد ثبت أن النبى ﷺ نفاه

стр. 499

من المدينة إلي الطائف، فلذلك كان طريد رسول الله ﷺ وقد اختلف في السبب الموجب لنفى رسول الله ﷺ إياه، فقيل: كان يتسمّع سرّ رسول الله ﷺ ويطّلع عليه من باب بيته، وأنه الذى أراد النبى ﷺ أن يفقا عينه بمدري «١» في يده، لما اطّلع عليه من الباب. وقيل سببه: أنه كان يحكيه في مشيته وبعض حركاته. وقد ذكره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في هجائه لمروان بن الحكم فقال: إنّ اللعين أبوك فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلّجا مجنونا يمشي خميص البطن من عمل التّقي ... ويظلّ من عمل الخبيث بطينا ومعنى قول عبد الرحمن: «إنّ اللعين» إلى اخره: ما روي عن عائشة رضى الله عنها من طرق ذكرهاابن أبي خيثمة أنها قالت لمروان بن الحكم، حين قال لأخيها عبد الرحمن بن أبى بكر لما امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد، ما قال، والقصة مشهورة: «أما أنت يا مروان، فأشهد أن رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت في صلبه» «٢» . وقد روى في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة، ولا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به أن النبى ﷺ مع حلمه وإغضائه علي ما يكره ما فعل به ذلك إلا لأمر عظيم، ولم يزل منفيا حياة النبى ﷺ ، فلما ولي أبو بكر الخلافة قيل له في الحكم ليردّه إلى المدينة فقال: ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله ﷺ ، وكذلك عمر، فلما ولى عثمان رضى الله عنه الخلافة ردّه، وقال: «كنت قد شفعت فيه إلى رسول الله ﷺ فوعدنى بردّه» «٣» . وتوفى في خلافة عثمان ﵁. إلي غير ذلك مما لا يحصي، ويكفى أن منها «٤» كرامات الأولياء التى لا تستقصى «٥» . وما يذكره بعض القصّاص من أن القمر دخل في جيب النبى ﷺ ، وخرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشى عن العماد بن كثير، وكذلك لم يخلق الورد من عرقه ولا من غيره كما يتخيله بعض العوام أنه من

стр. 500

عرقه أو البراق أو جبريل، بل خلقه الله كسائر الأزهار، ولم يكن وطؤه ﷺ يؤثّر في الصخر دون الرمل، كما توارد عليه كثيرون «١» ، بل كان كغيره من الناس، أي في عدم تأثير وطء قدميه الكريمتين في الحجر وتأثيرهما في الرمل. وقال بعضهم معدّدا لاياته ﷺ : ومن تلكم الايات وحي أتي به ... قريب الماتي مستجمّ العجائب تقاصرت الأفكار عنه فلم يطع ... بليغا ولم يخطر علي قلب خاطب حوي كلّ علم، فاحتوي كلّ حكمة ... وفات مرام المستمر الموارب أتانا به لا عن رواية «٢» مرتئي ... ولا صحف مستمل ولا وصف كاتب يواتيه طورا في استجابة سائل ... وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب وإثبات برهان وفرض شرائع ... وقصّ أحاديث ونص مارب وتصريف أمثال وتثبيت حجّة ... وتعريف ذى جحد وتوقيف كاذب وفي مجمع النادي وفي حومة الوغي ... وعند حدوث المعضلات الغرائب يصدّق منه البعض بعضا كأنما ... يلاحظ معناه لغير المراقب فيأتي علي ما شئت من طرقاته ... قويم المعاني مستدرّ الضرائب وعجز الوري عن أن يجيبوا بمثل ما ... وصفناه معلوم بطول التجارب وذكر الإمام فخر الدين أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقلّ، قال السبكي: إلا هذه الأمة؛ فإن معجزات نبيها أظهر وثوابها أكثر من سائر الأمم. وقد ألّف العلماء الحفّاظ والثقات الأيقاظ في سيرته ومعجزاته كتبا كثيرة ومجلدات كبيرة، وما أتوا بعشر معشار فضائله، ولا بقطرة من بحار فواضله (وكان أكثر مما قيل ما تركوا) كما قال بعضهم: لو أنّ بحرا مداد الكاتبين وما ... في الأرض من شجر أقلام مستطر لم يحصروا بعض فضل المصطفى أبدا ... وكيف يحصر شئ غير منحصر

стр. 501

الفصل الرابع فى ذكر أزواجه ﷺ وقرابته ومواليه قد سلف تزوّجه ﷺ من خديجة وعائشة وغيرهما، وموضوع هذا الفصل ذكر أزواجه أمّهات المؤمنين بالبيان، وعدّتهم خمس عشرة، دخل بإحدى عشر منهنّ، ولم يدخل بأربع، وتوفيت في حياته اثنتان، وقبض- ﵊ عن تسع. ١- وتزوّج النبى ﷺ السيدة خديجة بنت خويلد ولها أربعون سنة، وكانت مسمّاة لورقة بن نوفل، فاثر الله بها نبيّه ﷺ ، وأقامت معه ﷺ بعد الزواج أربعا وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية أيام؛ خمس عشرة سنة قبل الوحى والباقية بعده، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها، ولم تكن سنّت الصلاة على الجنائز يومئذ، وغسلتها أمّ أيمن وأم الفضل، ودفنت بالحجون، عن نحو خمس وستين سنة. وهي سيدة النساء وأسبقهنّ نكاحا وإسلاما، ولا خلاف في أن أوّل أزواجه ﷺ خديجة، وكان تزوّجها وهو ابن خمس وعشرين سنة. قال في المواهب: وخرّج الإمام أحمد عن ابن عباس أنه ﷺ قال: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، واسية امرأة فرعون» «١» . وصحّح ابن العماد تفضيل خديجة لما ثبت أنه ﷺ قال لعائشة حين قالت له: «قد رزقك الله خيرا منها» : «لا والله ما رزقنى خيرا منها؛ امنت بى حين كذّبنى الناس، وأعطتنى مالها حين حرمنى الناس، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها» . وسئل ابن داود: أيتهما أفضل؟ فقال: عائشة أقرأها النبيّ ﷺ السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريل من ربها السلام علي لسان محمد ﷺ ؛ فهى

стр. 502

أفضل. قيل له: فمن أفضل: خديجة أم فاطمة؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «فاطمة بضعة مني» ، فلا أعدل ببضعته أحدا» » ويشهد له قوله ﷺ : «أما ترضين أن تكونى سيدة نساء أهل الجنة؟!» «٢» . واحتجّ من فضّل عائشة بأنها في الآخرة مع رسول الله ﷺ في الدرجة، وفاطمة مع عليّ فيها. وقال شيخ الإسلام في شرح البهجة: «الذى أختاره أنّ الأفضلية محمولة علي أحوال؛ فعائشة أفضل من حيث العلم، وخديجة من حيث تقدمها، وإعانتها له ﷺ في المهمات، وفاطمة من حيث البضعة والقرابة، ومريم من حيث الاختلاف في نبوتها، وذكرها في القران مع الأنبياء، واسية من حيث الاختلاف في نبوتها، وإن لم تذكر مع الأنبياء أ. هـ. وسئل السبكى عن ذلك، قال: الذى نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم أمها خديجة، ثم عائشة، وأما خبر الطبراني «٣» «خير نساء العالمين مريم ابنة عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد، ثم اسية امرأة فرعون» ، فأجاب عنه ابن العماد بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة، لا باعتبار السيادة، واختار السبكى أن مريم أفضل من خديجة لهذا الخبر، وللاختلاف في نبوتها. ووقع الاختلاف في نبوّة أربع نسوة: مريم، واسية، وسارة، وهاجر، وزاد العلّامّة المتقن السراج بن الملقن في شرحه لعمدة الأحكام: حوّاء، وأم موسى ﵉. وسيأتى ما يرد علي التفضيل بالحيثيات. ومما يناسب ذكره هنا أنه وجد في بعض الرسائل ما نصّه: فى ليلة السابع

стр. 503

والعشرين من شهر رجب الفرد من سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة، قرأ شيخ الإسلام قطب الأنام، من خضعت له رقاب الفضلاء، وارتضع من ثدى معارفه النبلاء، العارف بالله تعالى الشيخ محمد الصدّيقي: المعراج الشريف، وأبدع فيما قرأ، وقدّم للحاضرين أحسن قرا، ووقع أن سأله إنسان: هل الأفضل إبراهيم ابن نبينا وأخته، أو أبو بكر الصدّيق؟ فأجاب بأنّ أبا بكر أفضل، وجرى بينه وبين السائل كلام لا ينبغى ذكره، فكتب بعض الأفاضل سؤالا ورفعه إلي العلماء من أهل العصر، فكتب شيخ الإسلام أحمد بن قاسم الجواب عنه. وصورة السؤال: «الحمد لله» : ما تقول ساداتنا وموالينا الأئمة الأعلام، علماء السنّة وعقائد الإسلام، من أعقم الله عن الإتيان بمثلهم الليالى والأيام، حفظهم الله على كافة الأنام، ونصر بهم شريعة نبيه، وأخمد بهم عقائد أهل الشيع والبدع إلى يوم السلام، بجاه سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام، امين. هل أحد من أولاد أبينا ادم ﷺ غير النبيين والمرسلين من أهل البيت، ومن أولاد النبى ﷺ أو من الصحابة ﵃ أجمعين، أفضل من سيدنا عبد الله أبي بكر الصديق ﵁ أو لا؟ وإذا قلتم لا، فهل قول الحافظ جلال الدين السيوطى فى «خصائصه الصغري» : «وذكر الإمام علم الدين العراقى أن فاطمة وأخاها إبراهيم أفضل من الخلفاء الأربعة باتفاق صحيح بجواز اعتقاد والإفتاء به أو لا؟ وإذا قلتم لا، فهل إفتاء بعض الموجودين بأنه لا يجوز أن يقال: إن أبا بكر الصديق رضى الله عنه أفضل من سيدنا إبراهيم، وأخته فاطمة، ولدى رسول الله ﷺ مصيب فيه أو لا؟ وما هو مذهب أهل السنة؟ ابسطوا لنا الجواب، أحسن الله لكم الثواب؛ فإن غالب الناس خصوصا بعض العوام اعتقدوا أن ما أفتى به هذا البعض هو الصحيح، وأنتم العلماء الراسخون ذووا الترجيح فلا تكلونا إلي التلويح. وصورة الجواب: الحمد لله الهادى للصواب، وصلّى الله على سيدنا محمد واله وصحبه أجمعين امين.

стр. 504

الحقّ- إن شاء الله تعالى-، وهو الذى دّلت عليه نصوص الشرع، ونصوص أئمة الشرع، أنّ مولانا الصدّيق أفضل من عدا الأنبياء من الناس من غير استثناء أحد بعد ذلك مطلقا، وهذا هو الذى نعتقده وندين الله به، ولم نعلم أحدا من العلماء الذين أخذنا عنهم حكى خلاف ذلك، ولولا خوف الإطالة التي لا يحتملها المقام نقلنا نصوص الشرع ونصوص أئمته، وبيّناها بما يندفع به توهّم القاصرين واغترار المغرورين. وأما ما ذكر عن الجلال السيوطى نقلا عن العلم العراقي فلا يجوز التعويل عليه، ولا العمل به عند من ألهم رشده، وكان له إلمام بكلام الأئمة وتصرفاتهم، فإنه مجرّد دعوى مخالفة لنصوص الشرع وأئمته من غير سند يعتدّ به، وليست دعوى الاتفاق بالأمر الهيّن، ولا كل من ادّعاه يقبل منه ذلك، وكم دعاوى للاتفاق، بل وللإجماع مردودة لا يلتفت إليها كما لا يخفى علي ممارس العلوم، ويكفي في رد هذه الدعوى أنهم حكوا في التفضيل بين عائشة وفاطمة ﵄ ثلاثة أقوال: تفضيل عائشة، تفضيل فاطمة، التوقف. وممن حكى هذا الخلاف العلامة الإمام عز الدين بن جماعة، فقال: اختلف في التفضيل بين عائشة وفاطمة علي مذاهب ثالثها- وهو الأسلم- التوقف أ. هـ. ومعلوم انحطاط رتبة عائشة عن الصدّيق رضى الله عنهما؛ فإذا جرى قول بتفضيل عائشة على فاطمة ﵄، وقول اخر بالتوقف بينهما، فكيف يصح دعوى الاتفاق على تفضيل فاطمة ﵂ على الخلفاء الأربعة الذين منهم وأفضلهم الصديق ﵁؟! ودعوى الخلاف مقدّمة علي دعوى الاتفاق؛ لأن الأوّل من قبيل الإثبات، والثانى من قبيل النفي، والإثبات مقدّم علي النفى لأن معه زيادة علم كما تقرّر ذلك في الأصول، وبهذا ثبت ردّ دعوى الاتفاق بالنسبة لفاطمة ﵂، فليثبت في ردّه بالنسبة للباقي، إذ لا قائل منّا ومن هذا المدّعى لذلك الاتفاق بالفضل، بل مجرد النظر إلى ردّه بالنسبة لفاطمة ﵂ قرينة قوية تقرب من الصريح إن لم تكن منه، علي اختلال تلك الدعوى وعدم تحرّى صاحبها وعدم احتياطه في نقله. ومما يعارضها أشد المعارضة إن لم يكن مصرّحا بردّها قول العلّامة محمد

стр. 505

ابن أبى بكر الرازي في شرح «يقول العبد» : واعلم أنه تعالى قد فضّل محمدا علي جميع الأنبياء، ثم بعده أفضل هذه الأمة وأرجحهم من جميع الصحابة والال: أبو بكر الصديق رضى الله عنه. ثم قال: ومن قال إن أحدا أفضل من أبى بكر كان معتزليا ورافضيا، ثم قال أيضا: واعلم أنّ بعد أبى بكر وعمر وعثمان لم يكن أحد في أمة محمد ولا في أصحابه وأهل بيته أفضل من عليّ ﵁ أ. هـ. فتأمل قوله «فى أمة محمد ولا في أصحابه وأهل بيته» فإنه بمنزلة الصريح إن لم يكن صريحا في تفضيل علي رضى الله عنه علي جميع من عدا الثلاثة من أهل البيت وغيرهم من غير استثناء أحد منهم، وإذا كان هذا في عليّ رضى الله عنه، فكيف بمن هو أفضل منه كالصدّيق ﵁، ولما استدل الكمال بن الهمام علي تقديم علي ﵁ بعد الثلاثة بقوله ما نصه: «ولما أجمعوا (أى الصحابة) علي تقديم عليّ بعدهم، دلّ على أنه كان أفضل من بحضرته؛ فكان منهم الزبير وطلحة، فثبت أنه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة» . بحث معه في هذا الاستدلال تلميذه العلّامة الكمال بن أبى شريف، فقال: لا يلزم من كونه أفضل الخلق بعد الثلاثة ممن بحضرته، ومن غاب عنه أو تقدمت وفاته علي الإجماع المذكور كأبى عبيدة بن الجراح، وحمزة والعباس، وفاطمة، نعم إذا ضم إلى ذلك الإجماع علي أنه أفضل ممن عدا الثلاثة من الخلق ثبت ذلك، وثبتت أفضليته عليهم بأدلة السمع أ. هـ. فانظر قول هذا العلامة المتأخر الواسع الاطلاع «نعم إذا ضمّ إلى ذلك الإجماع إلى اخره» مع التمثيل قبله بفاطمة ﵂ تجده جازما بتفضيل علي- رضى الله عنه- على فاطمة ﵂، فكيف بمن هو أفضل من عليّ بمراتب، وهو الصديق رضى الله عنه؟! وهذا مما يردّ دعوى الاتفاق بالنسبة لفاطمة ﵂، ويقتضى ردّه مطلقا بالطريق الذى قدّمناه. وأما إفتاء بعض الموجودين المشار إليه، فقد علم حاله وحالنا فيه، مما قررنا. والرأي: الضرب عنه صفحا؛ فإنه لا أثر له، لا سيما ولم نعلم أن أحدا من

стр. 506

أهل الإفتاء أفتى بخلاف ما قلناه، ومنصب الإفتاء قد انحطت رتبته وتسوّره كل من أراد، بل تجرأ عوام الطلبة عى التكلم فيما شاؤا بما شاؤا «١» وعلى إساءة الأدب في حق علماء الدين وسادات العارفين، لتغافل العلماء من أولى الأمر عن أحوالهم وتشاغلهم عن البحث عن أوصافهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. وأما قول السائل: فإن غالب الناس- خصوصا العوام- إلي اخره فهو عجيب، فإنه يدل على أن غير العوام اعتقد ذلك أيضا، مع أنه لا يعتقد ذلك من عنده أدنى معرفة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، والله تعالى أعلم. (قال ذلك وكتبه الفقير أحمد بن قاسم العبّادي، غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه، وفعل ذلك بوالديه ومشايخه امين، وصلواته على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين) . قال العزيزى في شرح الجامع الصغير في حديث: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران، واسية بنت مزاحم امرأة فرعون» ما نصه: قال العلمي: «وأفضلهن فاطمة، بل هى وأخوها إبراهيم أفضل من سائر الصحابة، حتى الخلفاء الأربعة» أ. هـ. وقال الرمليّ: «أفضل نساء العالم مريم بنت عمران، ثم فاطمة بنت النبى صلي الله عليه وسلّم، ثم خديجة، ثم عائشة» . رواه الإمام أحمد والطبراني عن ابن عباس. ا. هـ وقد تقدّم في جواب البكرى وابن قاسم العبادى ما يخالف ذلك، وأنّ الصدّيق أفضل الناس بعد الأنبياء، على أن العزيزى قال في حديث: «إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإنّ خليلى أبو بكر» هو أفضل الناس عى الإطلاق بعد الأنبياء أ. هـ.

стр. 507

وقول ابن قاسم فيما تقدم: «ويكفى في رد هذه الدعوي» إلى اخره، قال شيخ الإسلام في شرح البهجة: «الذى أختاره أنّ الأفضلية محمولة على أحوال؛ فعائشة أفضل من حيث العلم، وخديجة أفضل من حيث تقدمها، وإعانتها له ﷺ فى المهمات، وفاطمة من حيث البضعة والقرابة، ومريم من حيث الاختلاف في نبوّتها، وذكرها في القران مع الأنبياء، واسية من حيث الاختلاف في نبوتها، وإن لم تذكر مع الأنبياء أ. هـ. وأقول: إن صحّ التفضيل بالحيثية رجع الخلاف لفظيا ودفع التعارض في الأقوال، إلا أنه لا يمكن أخذه بالقبول على عمومه في جميع الحيثيات؛ لأنه فتح باب يعيي سدّه، فلو سلم قبوله في حق السيدة فاطمة وأخيها، فلا يقبل في حق الإمام على كرم الله وجهه بالنسبة إلى أبى بكر رضى الله عنه، نظرا إلي حيثية القرابة القريبة أو الصهارة، على أنه يلزم من ذلك اعتبار الحيثية في حق السيدة رقية وأم كلثوم، زوجتي عثمان بن عفان رضى الله عنه، كما يلزم أن الشخص الواحد يكون فاضلا من جهة ومفضولا من أخرى، فيرجع إلى التساوي، مع أنّ مطمح النظر الأفضلية واعتقادها. وأما المحبة لمثل على ﵁ لحيثية النسب من ذريته، على اختلاف طبقاتهم، فشىء اخر إذا كان معها حب أبى بكر رضي الله تعالى عنه وبقية الصحابة، ولذلك قال على كرم الله وجهه «لا يجتمع حبّى وبغض أبى بكر وعمر» لأنهما ضدّان، وهما لا يجتمعان؛ فالمحبة المعتبرة الممدوحة هى ما كانت مع اتباع سنّة المحبوب؛ إذ محبته من غير اتباع سنته- كما عليه الشيعة والرافضة من محبتهم مع مجانبتهم للسنّة-، لا تفيد مدّعيها شيئا من الخير؛ لأنها ليست محبة حقيقية، بل هى خالية عن التأدب باداب المحبوب، فأتباع عليّ الحقيقيون هم أهل السنة، لا الشيعة، وعليه الحديث الذى أخرجه الدار قطنى مرفوعا: «يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك (أى حزبك المولعون بحبك أكثر من غيرك) في الجنة، وإن قوما يزعمون أنهم يحبونهم يصغّرون الإسلام ويلفظونه ويمرقون منه كما يمرق السهم من الرميّة، لهم نبز يقال لها الرافضة، فإذا أدركتهم فقاتلهم؛ فإنهم مشركون» قال الدارقطني: ولهذا الحديث عندنا طرق كثيرة.

стр. 508

٢- ثم تزوج ﷺ بعد موت خديجة سودة بنت زمعة بنت قيس بن عبد شمس بن عبدودّ بمكة قبل الهجرة، وكبرت عند النبى ﷺ ، فأراد فراقها، فوهبت نوبتها من النبى عائشة، وقالت: لا رغبة لي في الرجال، وإنما أريد أن أحشر مع أزواجك، فأمسكها. وكان يقسم لبقية أزواجه ويقسم نوبتها لعائشة، وتوفيت بعده في شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة. والقسم في حقه ﷺ غير واجب، وإنما هو من باب العدل والإنصاف. ٣- ثم تزوج ﷺ عائشة بنت أبى بكر الصديق ﵁ بمكة، قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث، وهى بنت ست أو سبع، وقالت: تزوجنى رسول الله ﷺ وإنى لألعب مع الجوارى والبنات، فما شعرت بذلك حتّى حبستنى أمى عن الخروج، فوقع في نفسى أنى قد زوّجت، وما سألتها حتي أخبرتنى ابتداء. وبنى بها ﷺ في المدينة، وهى بنت تسع، ومات عنها وهى بنت ثمانى عشرة. وتوفيت سنة ثمان وخمسين، وقيل غير ذلك، وصلّى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع، ونزل في حفرتها عبد الله بن الزبير، وهو ابن أختها أسماء بنت أبى بكر. ولم يتزوج ﷺ بكرا غيرها. وروى عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة أنها أنشدت بيت لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب فقالت: رحم الله لبيدا فكيف لو رأى هذا الزمان! وقال عروة: وأنا أقول؛ رحم الله أم المؤمنين، فكيف لو رأت هذا الزمان! وقال هشام: رحم الله عروة فكيف لو رأى هذا الزمان! وقال حماد: ﵏ فكيف لو رأوا زماننا! «١» . ٤- ثم تزوج ﷺ حفصة، زوّجه إياها أبوها عمر بن الخطاب رضى الله عنه في شعبان، علي رأس ثلاثين شهرا من مهاجره ﷺ ، بعد وفاة زوجها خنيس ابن حذافة بن قيس السهميّ، وكان صحابيا بدريا توفى بالمدينة من جراحة أصابته ببدر، وقيل بأحد، وتوفيت في شعبان سنة خمس وأربعين

стр. 509

بالمدينة، وقد بلغت ستين سنة. وروى أن النبى ﷺ طلّقها فأتاه جبريل، فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوّامة قوّامة، وروى أنه لما بلغ عمر طلاقها حثا على رأسه التراب، وقال: «ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد هذا» . فنزل جبريل من الغد وقال للنبي ﷺ : إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر. ٥- ثم تزوج ﷺ أمّ حبيبة رملة بنت أبى سفيان، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش، فولدت له جارية سميت حبيبة، فكنيت بها، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشى أربعمائة دينار، وروى أربعة الاف، وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة، وهو الذى تولى نكاحها وكتب بذلك إلي رسول الله ﷺ ، فقبل. وروى عن أم حبيبة أنها رأت في المنام كأن زوجها عبد الله بن جحش بأسوأ حال، وأرثّها، فلما أصبحت أعلمها أنه قد تنصّر وارتد، فثبتت علي الإسلام، وأكبّ على الخمر، فلم يزل يشربها حتي مات، ورأت في المنام أباها يقول لها: «يا أم المؤمنين» . ولما بلغ أبا سفيان تزويج رسول الله ﷺ أم حبيبة ابنته، قال «ذلك الفحل لا يقدع أنفه» . وعن ابن عباس في قول الله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً (٧) [الممتحنة: ٧] ، قال: نزلت حين تزوج رسول الله ﷺ أمّ حبيبة بنت أبى سفيان، وقيل إن الذى ولى نكاحها عثمان بن عفان، وقيل خالد بن سعد بن العاص، وتوفيت سنة أربع وأربعين، وهى السنة التى حجّ فيها معاوية، وصلّى عليها مروان. ٦- ثم تزوج ﷺ أمّ سلمة، واسمها هند بنت أبى أمية، واسمه حذيفة، ويقال سهل ابن المغيرة، القرشية المخزومية، وأخت عمار بن ياسر لأمه، وقيل من الرضاع، تزوّجها رسول الله ﷺ بعد انقضاء عدّتها أربعة أشهر وعشرا، وأعرس بها في شوال سنة أربع من الهجرة، روت عن النبى ﷺ وعن أبى سلمة بن عبد الأسد، وفاطمة الزهراء، وروى عنها ابن عباس، وأسامة بن زيد، وخلق. ماتت في شوال سنة تسع وخمسين، ويقال ماتت سنة اثنتين وستين، وعمرها أربع وثمانون سنة، وهى اخر أزواج النبى ﷺ موتا، وقيل:

стр. 510

ميمونة اخرهن موتا، وكانت قبله تحت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، فولدت له سلمة، وعمر، ودرّة، وكانت أم سلمة هاجرت مع زوجها أبى سلمة إلى أرض الحبشة، ورمى يوم أحد بسهم فمات منه في جمادى الآخرة سنة أربع، وكان ابنها عمر مع علي بن أبى طالب يوم الجمل، وولّاه البحرين، وله عقب بالمدينة. ٧- ثم تزوج ﷺ زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة بن مرة، وهى ابنة عمته «أميمة» بالتصغير بنت عبد المطلب، وكانت قبله ﷺ عند مولاه زيد ابن حارثة الكلبي، مولى النبى ﷺ ، فشكاها إليه، وقال: إنها سيئة الخلق، واستأمره في طلاقها، فقال له ﷺ : «أمسك عليك زوجك يا زيد» ، وهو قول الله : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (بالإسلام) وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (بالعتق) أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (٣٧) [الأحزاب: ٣٧] ، وكان ﷺ راها فأعجبته، فقال: سبحان الله مقلّب القلوب، ثم إن زيدا ضاق ذرعا بما رأى من سوء خلقها فطلّقها، فزوّجها الله من السماء نبيّه ﷺ سنة ثلاث، حين انقضت عدّتها بغير مهر، ولا تولّى أمرها أحد كسائر أزواجه. ولم تلد زينب لزيد، ولما بشّرت زينب بتزويج الله نبيه ﷺ إياها، ونزول الاية في ذلك جعلت على نفسها صوم شهرين شكرا لله ، وأعطت من بشّرها حليا كان عليها. وقيل: تزوجها سنة أربع، وقيل خمس من الهجرة بالمدينة، وهى بنت خمس وثلاثين سنة، وصنعت له أم سلمة حيسا، ولم يعقد له ﷺ بها غير الله، وهي التى قال الله تعالى فيها: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها وأولم عليها، وأطعم المساكين خبزا ولحما، وفيها نزلت اية الحجاب، وكانت كثيرة الصدقة، وصحّ أنها كانت تقول لأزواج النبى ﷺ «زوّجكن اباؤكن وزوّجنى الله من فوق سبع سموات» . وتوفيت في خلافة عمر رضى الله عنه بالمدينة، سنة عشرين، وقيل عاشت ثلاثا وخمسين، ودفنت بالبقيع، وهى أوّل من مات من أزواجه بعده، وأوّل من حمل علي نعش، وروى عن عائشة أنها قالت: «يرحم الله زينب لقد نالت الشرف الذى لا يبلغه شرف في الدنيا، إن الله عز وجل

стр. 511

زوّجها نبيه ﷺ ، ونطق بذلك كتابه، وإن رسول الله ﷺ قال ونحن حوله: «أسرعكن لحوقا بى أطو لكن يدا» فبشّرها بسرعة لحاقها به، وأنها زوجته في الجنة. وعن الشعبى أنّ رسول الله قال لنسائه: «أطو لكن يدا أسرعكن بى لحاقا» فكانت سودة أطولهن يدا، فلما توفيت زينب قلن: صدق رسول الله ﷺ كانت أطولنا يدا في الخير. ٨- ثم تزوّج ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار بن خبيب بن عايذ- بالياء والذال- ابن مالك بن جذيمة بالجيم والذال المعجمة، وجذيمة هو المصطلق من خزاعة. سبيت في غزوة المريسيع، وهى غزوة بنى المصطلق، فوقعت فى سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها علي تسع أواق، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، وكانت امرأة ذات ملاحة، فقال رسول الله ﷺ : «أو خير من ذلك، أؤدى عنك كتابتك وأتزوجك؟» فقبلت، فقضى عنها النبى ﷺ كتابتها ثم أعتقها وتزوّجها في سنة ست من الهجرة، وأعتق أربعين من أهل بيتها، ولم تبق مصطلقية عند رجل من المسلمين إلا أعتقها صاحبها، فكانت أعظم امرأة بركة على قومها، وكان اسمها «برّة» فغيّره النبيّ ﷺ وسمّاها «جويرية» لما في برة من تزكية النفس وقد قال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ (٣٢) [النجم: ٣٢] ، وتوفيت بعده بالمدينة سنة ست وخمسين، وصلّي عليها مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، وقد بلغت سبعين سنة. ٩- ثم تزوّج ﷺ ﷺ صفية بنت حييّ بن أخطب بن سعيه (بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة) ينتهى نسب أبيها إلي النّضر (بفتح النون وكسر الضاد المعجمة) من بنى إسرائيل، ومن نسل هارون بن عمران أخي موسي بن عمران، ولدها مائة نبى، ومائة ملك حتّى صارت إليه ﷺ ، لما قدم خيبر. وكانت عروسا لكنانة بن أبى الحقيق اليهودي، فرأت أنّ القمر وقع في حجرها، وقيل: رأت الشمس وقعت على صدرها، وقصّتها علي أبيها أو زوجها فلطمها، وقال: أتريدين ملك يثرب؟! وفي رواية: «ما تمنين إلا هذا الملك الذى نزل» . فافتتح ﷺ خيبر وجمع السبي، فقال دحية: يا رسول الله

стр. 512

أعطنى جارية من السبي، فأخذت، فذكرت لرسول الله ﷺ ، فأعطاه سبعة أرؤس مكانها، وأخذها ﷺ فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، وهو مذهب الإمام أحمد، وهو من مفردات مذهبه، وقد سبق ذلك في الفصل السادس من الباب الرابع من المقالة الخامسة من الجزء الثاني. ثم إن رسول الله ﷺ دفعها إلى أم سليم تهيّئها، فلما ارتحل ﷺ بنى بها بعد أن حاضت حيضة، ولما دخل ﷺ بها بات أبو أيوب الأنصارى خالد بن زيد علي باب الستارة أو بقربها شاهرا سيفه، فلما أصبح النبي ﷺ راه، فقال: يا أبا أيوب مالك شهرت سيفك؟ فقال: إنها جارية حديثة عهد، وكنت قتلت أباها وزوجها فلم امنها. فضحك، وقال له خيرا. ثم صنع ﷺ حيسا في نطع صغير، وقال الناس: لا ندرى أتزوّجها أم اتخذها أمّ ولد؟ فلما أراد أن يركب حجبها، فقعدت علي عجز البعير، فعرفوا أنه تزوجها. وقتل كنانة يوم خيبر، وكان له من كل مغنم صفى يصطفي: عبد أو أمة أو سيف أو غير ذلك قبل الخمس، وتوفيت سنة خمسين، وصلّى عليها سعيد بن العاص ﵁، وقيل: إنها اخر أمهات المؤمنين موتا. ١٠- ثم تزوج ﷺ بميمونة بنت الحارث بن حزن (بفتح الحاء المهملة وسكون الزاى وبالنون) بن بجير (بضم الباء المواحدة وفتح الجيم وسكون الياء) بن الهزم (بضم الهاء وفتح الزاي) وهي التى وهبت نفسها للنبى ﷺ ، وقيل الواهبة نفسها خولة بنت حكيم، ويجوز أن تكون وهبتا أنفسهما، فلا تضاد. وكانت قبله تحت أبى رهم بن عبد العزّي، وتوفّى عنها وتزوجها رسول الله ﷺ سنة سبع، وماتت سنة ثمان وثلاثين، وقيل غير ذلك، قال الشعبي: أقام رسول الله ﷺ بمكة حين خرج لعمرة القضاء ثلاثة أيام، فبعث إليه حويطب بن عبد العزّي: «إنّ أجلك قد مضى وانقضى الشرط، فاخرج من بلدنا» فقال له سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: كذبت؛ البلد بلد رسول الله ﷺ وابائه، فقال ﷺ : مهلا يا سعيد، فقال حويطب: أقسمت عليك لما خرجت. فخرج وخلف أبا رافع، وقال: ألحقنى بميمونة. فحملها على قلوص، فجعل أهل مكة ينفرون بها، ويقولون: لا بارك

стр. 513

الله لك. فوافي رسول الله ﷺ بسرف، وكان دخول رسول الله ﷺ بسرف، وهى علي أميال من مكة. وهى اخر امرأة تزوجها رسول الله ﷺ ، واخر من توفي من أزواجه ﷺ ورضى عنهن، وصلّى عليها عبد الله بن عباس، ونزل في قبرها. وهؤلاء التسعة من سودة إلي ميمونة اللاتى توفى ﷺ وهنّ في عصمته، خمس منهن من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة (رملة بنت أبى سفيان) وسودة بنت زمعة، وأم سلمة، واسمها هند، وثلاث من العرب غير قريش: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، ومن غير العرب: صفية بنت حييّ، وإليهن أشار الحافظ أبو الحسن بن الفضل المقدسى بقوله: توفى رسول الله عن تسع نسوة ... إليهنّ تعزي المكرمات وتنسب فعائشة، ميمونة، وصفية ... وحفصة، تتلوهن هند وزينب جويرية مع رملة، ثم سودة ... ثلاث وست: ذكرهن مهذّب ثم تزوج ﷺ زينب بنت خزيمة كانت تسمي في الجاهلية أم المساكين؛ لإطعامها إياهم. وكان زواجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تحت عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، فقتل يوم بدر شهيدا، فتزوجها النبى ﷺ ، فلم تلبث إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة، وتوفيت ودفنت بالبقيع، ولم يمت من أزواجه في حياته إلا هى وخديجة ﵄. ثم تزوج ﷺ فاطمة بنت الضحّاك الكلابية بعد وفاة ابنته زينب، وخيّرها حين نزلت اية التخيير، وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها (٢٨) [الأحزاب: ٢٨] ، فاختارت الدنيا، ففارقها، وكانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: «أنا الشقية اخترت الدنيا!» . وتزوّج ﷺ بشراف الكلبية (بفتح الشين المعجمة وتخفيف الراء والفاء) بنت خليفة، وأخت دحية بن خليفة الكلبي، تزوّجها النبى ﷺ ولم يدخل بها.

стр. 514

وتزوّج ﷺ أسماء بنت النعمان بن أبى الجون (بفتح الجيم وبالنون) بن الحارث الكندية، وطلّقها قبل أن يدخل بها. وتزوج ﷺ امرأة من غفار، فلما نزعت ثيابها رأى بها بياضا، فقال: «الحقى بأهلك» . وتزوج ﷺ بامرأة تميمية فلما دخل عليها قالت أعوذ بالله منك. فقال: «لقد استعذت بمعيذ الحقى بأهلك» ، وقيل: إن بعض نسائه علّمها ذلك، وقالت: إنك تحظين به عنده، هكذا قاله بعض أرباب السير، وهو بعيد لأن المعلّمة سبّابة، ولا يليق بحال أزواجه السباب. وتزوج ﷺ عالية بنت ظبيان، وقيل اسمها سبا (بالسين المهملة وبالباء المواحدة) السليمية، وقيل بالنون، ماتت قبل أن تصل إليه. وتزوج ﷺ مليكة الليثية بنت كعب الليثي، فلما دخل عليها قال: هبى لى نفسك، فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟! فسرّحها. وخطب ﷺ امرأة من مرّة، فقال أبوها إن بها برصا، ولم يكن، فرجع فإذا هى برصاء. وخطب ﷺ امرأة من أبيها، فوصفها له، وقال: أزيدك أنها لم تمرض قط، فقال: «ما لهذه عند الله من خير» ، فتركها، وقيل إنه تزوجها، فلما قال أبوها ذلك طلّقها، ولم يبن بها. وتزوج ﷺ خولة بنت الهذيل، فماتت في طريق الشأم، وقبل وصولها إليه. وتزوج ﷺ بأم شريك، وفارقها ﷺ ، وفي الدخول بها خلاف. وذكر أبو سعيد في «شرف النبوة» أن جملة أزواج النبى إحدى وعشرون، طلّق منهن ستا، ومات عنده خمس، وتوفى عن عشر [منهن] واحدة لم يدخل بها، وكان ﷺ يقسم لتسع، وكان صداقه لنسائه خمسمائة درهم لكل واحدة، وهذا أصحّ ما قيل، إلا صفية فإنه جعل عتقها صداقها، وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشى أربعمائة دينار.

стр. 515

وأما سراريه ﵊ فأربع: مارية القبطية، وريحانة بنت شمعون النسطورية، وجميلة أصابها في السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. فهؤلاء زوجاته ﷺ وسراريه، وهنّ أمهات المؤمنين، وكلهن فاضلات طيبات طاهرات، وكما فضّل الله تعالى أصحابه علي سائر الأصحاب ورفع بعضهم فوق بعض درجات، كذلك فضّل زوجاته علي سائر الزوجات، ورفعهن فوق بعض درجات، لقوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ (٣٣) [الأحزاب: ٣٢] ، فكما أن أفضل الصحابة أبو بكر الصديق ﵁، كذلك أفضل أزواج النبى ﷺ بعد خديجة عائشة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما، فكيف لا وهى التى نزلت براءتها في سورة النور!. وقال ﷺ : «أحبّ النساء إليّ عائشة، ومن الرجال أبوها» ، وقال ﷺ : فضل الثريد علي الطعام كفضل عائشة علي النساء» «١» ضرب المثل بالثريد لأنه أفضل طعامهم، ولأنه ركب من خبز ولحم ومرقة، ولا نظير له في الأطعمة، ثم أنه جامع بين الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤنة في المضغ، وسرعة المرور في الحلقوم. والصواب أن الحاجة للخبز أعمّ، واللحم أفضل، وهو أشبه بجوهر البدن من كل ما عداه، وخصّ رسول الله المثل بالثريد إيذانا بأن عائشة جمعت مع حسن الخلق وحسن الحديث، وحلاوة المنطق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأى ورصانة العقل التحبّب إلى البعل، ومن ثم عقلت منه ما لم يعقل غيرها من نسائه، وروت عنه ما لم يرو مثلها من الرجال والنساء، وقد خصّت علي نساء النبى ﷺ بعشر خصال؛ فيما روى عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، قال: «سمعت خالتى عائشة رضى الله تعالى عنها تقول: خصصت على نساء النبى بعشر خصال: تزوّجنى بكرا ولم يتزوج بكرا غيري، وأسلم أبي وجدى وأمى وأم أبى وإخوتى وأخواتي، وأنا حبيبته من النساء، وأبى وزيره وحبيبه من الرجال، ومات في صدري، وقبض في يومي، ودفن في حجرتى، وأمرنى بالمقام عنده كيلا أفارقه، فأنسى به ميّتا كأنسى به حيّا، وفي كل يوم

стр. 516

أسلّم عليه عند الصباح، وأعلم أنه يسمعنى فأسمع في قلبى ردّ السلام، وكم ليلة رأيته في المنام، وهو يقول: «يا عائشة أقرئى أصحابى السلام، فأصبح وأبلّغهم سلامه، ومات وهو راض عنّي، وورّثنى علمه، فأنا عالمة الأمة، ولى الهجرة والسبق إلي الإسلام، ولا أشركت بالله طرفة عين، ولا رأيت بعينى صنما منذ خلقت، ولا كتب الملك عليّ ذنبا؛ إذ ربيت في حجر الصديق، ثم انتقلت إلى حجر الصادق، وصلّيت إلى القبلتين، وما نزل الوحى في لحاف غيري، ورأيت جبريل، وكان رفيقى ليلة هجرتى ورأيته على صورة دحية الكلبى، وأعطيت شطر العلم، وكان لكل امرأة من نسائه يوم وليلة ولي يومان وليلتان، وصوّر الله صورتى في الجنة في سندسة خضراء، وأهدانى إلى حبيبه محمد ﷺ ، وأمره بزواجي، فقاضيّ رب العالمين، ووليّى أبو بكر خاتم الصديقين، وبعلى محمد الصادق الأمين، خاتم المرسلين، وأنا أفضل أمهات المؤمنين» . وفي علم عائشة قال رسول الله ﷺ : «خذوا شطر علمكم من الحميراء» تصغير حمراء ومعناها البيضاء، قال قوم: الشطر هو النصف؛ لأن نصف الشيء شطره، وقال قوم «الشطر هو الكل» وقال ﵊: «عائشة عالمة هذه الأمة» ولذلك كان أكابر الصحابة يأتون إليها ويسألونها عمّا أشكل عليهم من الفرائض، كما روى عن أبى موسى الأشعرى قال: «ما أشكل علينا- أصحاب رسول الله- حديث قط وسألنا عنه عائشة إلا ووجدنا عندها منه علما» ولقد سئل عروة بن الزبير عن علم عائشة فقال: والله ما رأيت امرأة أعلم بالفرائض والسنن والتنزيل والتأويل من عائشة رضى الله عنها، حتى أشعار العرب وأيامهم وأنسابهم والطب والأدوية، فقلت لها: من أين لك علم الطب والأبدان؟ فقالت: من رسول الله ﷺ ؛ كان إذا مرض يتداوي، وإذا مرضت يصف لى فأبرأ، وإذا سئل يصف للمرضي، فتعلمت منه، فقلت: ومن أين لك معرفة بأنساب العرب وأيامها وأشعارها؟ قالت: فو الله يا ابن أختى ما سمعت أذنى شيئا فيه نفع للناس إلا حفظته ولا أنساه. وقال عروة: والله ما ندمت على شيء قط أشدّ منى ندما على ما فاتنى من علم عائشة رضى الله عنها، وما الذى يمنعها وقد ربّاها أعلم

стр. 517

العلماء، وأحكم الحكماء، وأفصح الفصحاء رسول الله ﷺ ، وأبوها علّامة قريش، المفتى في حضرة النبى، و «الولد سر أبيه» . وأما فصاحتها فيما رواه علي بن أبى طالب كرّم الله وجهه أنه قال: دخلت على عائشة رضى الله عنها بعض الأيام، فرأيتها جالسة وعليها قميص مرقّع، فحمدت الله تعالى بما هو أهله، وثنّت بالصلاة على نبيه، وذكر بعض ما وهبه الله تعالى من فضله، وأثنت على أبى بكر وعمر وعثمان بما كان فيهم من العدل والإحسان، ثم حضّت بالاقتداء بهم واتّباع أمرهم، فو الله ما سمعت أذنى من سائر النساء أفصح منها وأنظم من كلامها ولا أرشد من رأيها، فقلت لها: أنت والله أمّ المؤمنين حقّا، والعالمة بالله ورسوله، الناصحة المشفقة الواعظة المبلّغة، دللت الناس علي الحق، وأمرتهم باتباعه، ونهيتهم عن حظ أنفسهم، وأنت أهل أن يسمع قولك، ويطاع أمرك، ويقبل نصحك. ثم قمت وخرجت واضعا يدى على كتف ذكوان، وقلت: والله يا ذكوان، ما سمعت أذنى خطيبا من أكثر الصحابة أفصح من عائشة، ولا أبلغ من موعظتها، فلو كانت إمرة لامرأة بعد النبوّة، لاستحقت عائشة الخلافة» «١» . روى عن الأحنف بن قيس أنه قال: سمعت كلام أبى بكر حتّى مضي، وكلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه حتّى مضي، وكلام عثمان بن عفان- رضى الله عنه- حتى مضي، وكلام علي بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه حتى مضي، ولا والله- ما سمعت فيهم أبلغ من عائشة رضى الله عنها. وأما شفقتها ورحمتها لعصاة هذه الأمة، فمما ورد من ذلك ما رواه عروة بن الزبير رضى الله تعالى عنه: لما نزل قوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] قالت عائشة رضى الله تعالى عنها: يا رسول الله وأنا أم المؤمنين؟ فقال: أنت أفضل أمهات المؤمنين، فقالت: والذى بعثك بالحق رسولا؛ إن أمهلنى ربى يوم القيامة لا دخلت الجنة حتّى يدخل معى

стр. 518

أولادي. فنزل جبريل ﵇ وقال: «يا رسول الله قل لعائشة أبشري، كلّ من أحبّك وأحبّ أباك واقتدى بكما وأقرّ بفضلكما فهو معكما في الجنة» . فإن صحّ حديث عروة هذا كان نصّا في فضلها- رضى الله تعالى عنها- وإلا، بأن كان ضعيفا، جاز الاستدلال به على المناقب. وقول الله تعالى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ سواء من مات عنها أو ماتت وهى تحته: فى تحريم نكاحهن، ووجوب احترامهن، لا في نظر ولا خلوة، ولا يقال بناتهن أخوات المؤمنين، ولا اباؤهن وأمهاتهن أجداد وجدات، ولا إخوتهن ولا أخواتهن أخوال وخالات، كذا في المواهب. وقال الرملى في «شرح المنهاج» : «تحرم زوجاته ﷺ على غيره ولو مطلّقات ومختارات فراقه، ولو قبل الدخول» . «ونقل في الشرح المذكور أيضا أن الأمة التى وطئها تحرم على غيره، واعتمده، وإنما حرمت على غيره لأنه ﷺ حيّ فى قبره، أو رعاية لشرفه، ولأنهن أزواجه في الجنة، والمرأة في الجنة مع اخر أزواجها، ولأنهن أمهات المؤمنين، كما أفاده الشمس الخطيب في تفسيره، انتهي. والمراد أمهات المؤمنين الرجال دون النساء؛ لحديث مسروق أن امرأة قالت لعائشة رضى الله عنها: يا أمّه، فقالت: «لست لك بأم، إنما أنا أمّ رجالكم» . فالمراد بالأمومة تحريم نكاحهن على التأبيد كالأمهات. وبالجملة فقد ربيت السيدة عائشة في صدر الرسول، وبلغت من الفضل والعلم كل مسئول، وتوّجت دنيا وأخرى بتاج القبول، ويأبى الله أن يجمع حبّها وحبّ فاطمة في قلب جهول مغلول، فهى سيدة نساء العالمين، حبيبة الرسول، ولا يفضلها إلا إن كان من جهة البضعة النبوية فاطمة البتول. وقد أنشد الإمام العالم الكامل الشيخ كمال الدين بن العديم، قاضى حلب الشهباء ﵀ في مدح الصدّيقة بنت الصديق عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، وذكر فضلها والرد على من انتقصها أو بغضها مترجما بذلك عن قولها ﵂، فقال:

стр. 519

ما شأن أم المؤمنين وشاني ... هدي المحبّ لها وضلّ الشاني إنّى أقول مبيّنا عن فضلها ... ومترجما عن قولها بلساني يا مبغضى لا تأت قبر محمّد ... البيت بيتى والمكان مكاني إنّى خصصت على نساء محمّد ... بصفات برّ تحتهن معاني وسبقتهن إلى الفضائل كلّها ... فالسّبق سبقى والعنان عناني قبض النّبيّ ومات بين ترائبي ... واليوم يومى والزمان زماني زوجى رسول الله لم أر غيره ... الله زوّجنى به وحباني وأتاه جبريل الأمين بصورتي ... فأحبّنى المختار حين راني وتكلّم الله العظيم بحجّتي ... وبراءتى في محكم القران والله عظّمنى وعظّم حرمتى ... وعلى لسان نبيّه برّاني والله في القران قد لعن الذي ... بعد البراءة بالقبيح رماني إنى لمحصنة الإزار بريّة ... ودليل حسن براءتى إحصاني الله خصّصنى بخاتم رسله ... وأزلّ أهل الكفر والطغيان وسمعت وحي الله عند محمّد ... من جبرئيل ونوره يغشاني أوحى إليه وكنت تحت ثيابه ... فحنى عليّ بثوبه وخباني من ذا يفاخرنى وينكر صحبتي ... ومحمد في حجره ربّاني وأنا ابنة الصدّيق صاحب أحمد ... وحبيبه في السرّ والإعلان وأخذت عن أبويّ دين محمد ... وهما على الإسلام مصطحبان فالفخر فخري، والخلافة في أبي ... حسبى بهذا مفخرا وكفاني وأبي أقام الدين بعد محمّد ... فالنّصل نصلى والسنان سناني نصر النبيّ بماله وبنفسه ... وخروجه معه من الأوطان ثانيه في الغار الذى سدّ الكوي ... بردائه أكرم به من ثاني وجفا الغنى حتّى تخلّل بالعبا ... زهدا وأظعن أيّما إظعان وتخلّلت معه ملائكة السما ... وأتته بشرى الله بالرضوان وهو الذى لم يخش لومة لائم ... في قتل أهل الكفر والطغيان

стр. 520

قتل الذى منع الزكاة بجهله ... وأذلّ أهل البغي والعدوان سبق الصحابة والقرابة بالهدي ... هو شيخهم في العدل والإحسان والله ما سبقوا لمثل فضيلة ... مثل استباق الخيل يوم رهان إلا وصار أبى إلى عليائها ... فمكانه منهم أجلّ مكان وإذا أراد الله نصرة عبده ... من ذا يطيق له علي خذلان جمع الإله المؤمنين على أبي ... واستبدلوا من خوفهم بأمان من حبّنى فليجتنب من سبّني ... إن كان صان محبّتى ورعاني وإذا محبّى قد ألمّ بمبغضي ... فكلاهما في بغضنا سيّان إنى لطيّبة خلقت لطيب ... ونساء أحمد أطيب النسوان والله حبّبنى لقلب نبيّه ... وإلى الصراط المستقيم هداني إنّى لأمّ المؤمنين فمن أبي ... حبّى فسوف يبوء بالخسران والله يكرم من أراد كرامتى ... وبهين ربّى من أراد هواني والله أسأله زيادة فضله ... وحمدته شكرا لما أولاني يا من يلوذ بأهل بيت محمّد ... يرجو بذلك رحمة الرحمن صل أمّهات المؤمنين ولا تحد ... عنى فتسلب حلّة الإيمان ويل لعبد خان ال محمد ... بعداوة الأزواج والأختان أكرم بأربعة أئمّة شراعنا ... فهم لبيت الدين كالأركان نسجت مودتّهم سدّى في لحمة ... بنيانها من أثبت البنيان رحماء بينهم صفت أخلاقهم ... وخلت قلوبهم من الأشنان الله ألّف بين ودّ قلوبهم ... في بغض كل منافق طعّان طوبى لمن والى جماعة صحبهم ... فسبابهم سبب إلى الحرمان خذها إليك فإنما هى روضة ... محفوفة بالرّوح والريحان تجلى النفوس إذا تلاها مسلم ... وعلى الروافض لعنة الرحمن صلّى الإله على النبيّ واله ... فبهم تتمّ أزاهر البستان والتابعين وتابعيهم ما شدت ... في دوحة ورق على الأغصان

стр. 521

وقد تقدّم ذكر أولاده ﷺ في الفصل الثالث من الباب الأوّل من المقالة الخامسة من الجزء الثاني. وأما أعمامه ﷺ فاثنا عشر، وهم أولاد عبد المطلب. الأوّل: الحارث، وبه يكنى عبد المطلب؛ لأنه أكبر ولده، وولد ولده جماعة لهم صحبة من النبى ﷺ ، منهم: أبو سفيان بن الحارث أسلم عام الفتح، وشهد حنينا، وقال في حقه النبى ﷺ : «أبو سفيان سيد فتيان الجنة» ، ونوفل بن الحارث هاجر وأسلم أيام الخندق، وله عقب. وعبد شمس بن الحارث، وسماه رسول الله ﷺ عبد الله. وقثم مات صغيرا. الثاني: قثم هو أخو الحارث لأمه. الثالث: الزّبير (بفتح الزاى بوزن أمير) ويكنى بأبى الحارث، وكان من صناديد قريش، وابنه عبد الله ابن الزبير، شهد حنينا وثبت يومئذ، واستشهد بأجنادين، وذكر أنه وجد إلى جنبه سبعة قد قتلهم وقتلوه. وكان سيدا شريفا شاعرا، وهو أوّل من تكلّم في حلف الفضول ودعا إليه، وكان سبب ذلك الحلف أن الرجل من العرب أو العجم كان يقدم بالتجارة، فربما ظلم بمكة، فقدم رجل من زبيد بسلعة، فباعها من العاص بن وائل السهمي، فظلمه فيها وجحده ثمنها، فناشده بالله فلم ينفعه، فنادى ذات يوم عند طلوع الشمس وقريش في أنديتها: يا ال فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكّة نائى الحىّ والنّفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا ال فهر، وبين الركن والحجر وقال أيضا: يال قصىّ كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأخلاق الكرم أظلم لا يمنع منّى من ظلم

стр. 522

فقال الزبير: ما لهذا يترك «١» ؟! فجمع إخوته واجتمعت بنو هاشم وبنو المطلب، وبنو أسد بن عبد العزّى، وبنو زهرة في دار أبى زهير: عبد الله بن جدعان القرشي، فتحالفوا ألّا يجدوا بمكة مظلوما إلا نصروه ورفدوه «٢» وأعانوه، حتى يؤدّى إليه حقّه، وينصفه ظالمه من مظلمته «٣» ، وعادوا عليه بفضول أموالهم ما بلّ بحر صوفة. وشهد رسول الله ﷺ ذلك الحلف، وكان يقول: «ما سرّنى بحلف شهدته في دار عبد الله بن جدعان حمر النعم» ، فسمّي الحلف حلف الفضول؛ لبذلهم فضول أموالهم، وتكلّفهم فضولا لا تجب عليهم، وقام الزبير ومن معه بأمر الزبير حتّى أنصفه العاص بن وائل، ومات الزبير ورسول الله ﷺ ابن بضع وثلاثين سنة، وكان للزبير بنت يقال لها أم الحكم، وكانت رضيعة النبى ﷺ . * الرابع: حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله، وأخوه من الرضاعة، وأسلم قديما وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا ولم يكن له إلا ابنه الفضل. * الخامس: العباس، أسلم وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة، وكان أسنّ من النبى ﷺ بثلاث سنين، وقيل بسنتين، وكان له من الولد: الفضل، وهو أكبر ولده، وبه كان يكنى، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم، ولهم صحبة، وكان لهم السقاية وزمزم، دفعهما لأبيهم العباس النبيّ ﷺ يوم الفتح، توفى سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضى الله عنه في المدينة، بعد أن كفّ بصره. * السادس: أبو طالب، واسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله أبى النبى ﷺ من أمه، ومات على دين قومه، وفيه قال بعضهم: أبا طالب ما أنت قرن لحمزة ... لأنّكما في الدين مختلفان دعاك النّبيّ الهاشميّ فلم تجب ... وحمزة لبّاه بكلّ لسان

стр. 523

وعاتكة صاحبة الرؤيا في بدر، أخت عبد الله وأبى طالب لأمهما، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. ولأبى طالب من الولد: طالب، ومات على دين قومه، وعقيل، وجعفر، وعلي، وأم هانيء، وجمانة، واسم أم هانيء: فاختة، وقيل هند، وقيل فاطمة، أسلموا ولهم صحبة. وسائر بنى أبى طالب أمّهم فاطمة بنت أسد بن هاشم التى أسلمت بعد موت زوجها بمكة، وكان النبى ﷺ يدعوها إلى الإسلام فتأباه وتقول: «إنى لأعلم منك صدقا وخيرا، ولكنى أكره أن أموت إلا على دين غمك» . إلى أن أسلمت في مرضها. وكان أبو طالب منيعا عزيزا في قريش، وكانت قريش تطعم، فإذا أطعم أبو طالب لم يطعم يومئذ أحد غيره، ومن كلامه: منعا الرسول رسول الملي ... ك ببيض تلألأ مثل البروق أذبّ وأحمى رسول الملي ... ك حماية عمّ عليه شفيق * السابع: أبو لهب بن عبد المطلب، واسمه عبد العزّى، كناه أبوه بذلك لحسن وجهه. وأولاده: عتبة، وعتيبة، ومعتب، أسلما يوم «١» الفتح ولم يهاجرا من مكة، وعتيبة لم يسلم، قتله الأسد بالزرقاء من الشأم بدعوة النبى ﷺ «٢» ، وسبيعة، وبعضهم عدّ من أولاده «درّه» ولعلها لقب لسبيعة، ولهم صحبة. وأما عزة وخالدة فلم تثبت لهما رواية. * الثامن: عبد الكعبة، واسمه «المغيرة» ولقبه «حجل» (بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم وباللام، وفي كتاب عبد البر تقديم الجيم علي الحاء وقد صحّح عليه) وهو أخو العباس لأمه. * التاسع: الغيداق بن عبد المطلب (بفتح الغين المعجمة وسكون الياء التحتية

стр. 524

وبالدال المهملة والقاف) لقّب بذلك لجوده، وكان أكثر قريش مالا، واسمه «مصعب» وقيل «نوفل» . * العاشر: ضرار بن عبد المطلب (بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الراء الأولى) وهو شقيق العباس. * الحادى عشر: المقوّم (بضم الميم وفتح القاف وتشديد الواو مفتوحة ومكسورة) ويكنى أبا بكر. وروى ابن ماجه بسنده عن علي بن صالح، قال: كان ولد عبد المطلب عشرة كل واحد منهم يأكل الجذعة «١» اهـ. فهم عشرة بدون عدّ قثم الذى مات صغيرا، وقد ذكر الخلاف في عددهم قلة وكثرة في الفصل الأوّل من الباب الأوّل من هذا الكتاب. ولم يدرك الإسلام منهم غير أربعة: أبو طالب، وأبو لهب، وحمزة، والعباس، وفضلهما «٢» مشهور، وحبّه ﷺ لهما مما ذاع عند جميع الناس. وأما عماته ﷺ : فأولاهن صفية بنت عبد المطلب، شقيقة حمزة، أسلمت وهاجرت، وهى أم الزبير بن العوام، توفيت بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهى أخت عبد الله لأبيه، وشقيقة حمزة. الثانية: عاتكة بنت عبد المطلب، قيل إنها أسلمت، وهى صاحبة الرؤيا في بدر، وكانت عند أبى أمية بن عبد الله بن مخزوم، ولدت له عبد الله، أسلم وله صحبة. الثالثة: أروي: وكانت تحت عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصي، فولدت له ولدا كان من المهاجرين، قتل شهيدا في بدر، وقيل بأجنادين، وليس له عقب. الرابعة: أميمة، كانت تحت جحش بن رباب بن يعمر، فولدت له عبد الله بن جحش، وزينب زوج النبى ﷺ ، وحمنة، وحبيبة، كلهم له صحبة، وعبد الله بن جحش أسلم ثم تنصّر ومات بالحبشة «٣» .

стр. 525

الخامسة: برّة، كانت تحت عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ولدت له أبا سلمة، واسمه «عبد الله» وكان زوج أم سلمة قبل النبى ﷺ ، وتزوج برة بعد عبد الأسد أبو رهم بن عبد العزى بن قيس، فولدت له «أبا سبرة» ابن أبى رهم. السادسة: أم حكيم، واسمها «البيضاء» وكانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، فولدت له: «أروى» بنت كريز، وهى أم عثمان بن عفان. ولم يسلم منهن بلا خلاف غير «صفية» وشهدت الخندق، وقتلت رجلا من اليهود، فضرب لها ﵊ بسهم، واختلف في إسلام أروى وعاتكة، وإلى إسلامها ذهب أبو جعفر العقيلي، وعدّهما في الصحابة. وأما أخواله ﷺ فأربعة: الأوّل: عبد بن يغوث، والثاني: عبيد بن يغوث، وهما من صفية زوجة وهب، أبى امنة، فهما أخواها لأبيها، ذكر ذلك الزبيدى في أنساب قريش، وكان معاصرا للبخاري، ولم يثبت فيهما الإسلام. والثالث: الأسود بن وهب. والرابع: عمير بن وهب، وكانا صحابيين، ذكرهما السخاوى في المقاصد الحسنة، وابن حجر في الإصابة في معرفة الصحابة. وروى أن عميرا أتى للنبى ﷺ فبسط له رداءه، فقال: كيف أجلس على ردائك يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «نعم، إنما الخال أب» ، وكذلك وقع لخاله «الأسود ابن وهب» كما ذكره السخاوى في المقاصد. ولم يكن لعبد الله ولا لامنة ولد غير النبى ﷺ ، فلذلك لم يكن له أخ، ولا أخت، كذا في الذخائر. * وأما مواليه ﷺ من الرجال فهم فوق الثلاثين رجلا: فمنهم زيد بن حارثة بن شرحبيل، ويقال ابن شراحيل (الكلبى) بن عبد العزّى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عبد ودّ، وأم زيد هذا هى «سعدي» بنت ثعلبة (من طىء) ، وقد كانت سعدى زارت قومها، فأغارت خيل

стр. 526

لبنى القين في الجاهلية، ومرّوا على أبيات بنى معن، فاحتملوا زيدا وهو يومئذ غلام، فوافوا به سوق عكاظ، فاشتراه منهم حكيم بن حزام بن خويلد لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، فلما تزّوجها رسول الله ﷺ استوهبه منها فوهبته له، فقبضه رسول الله ﷺ وأعتقه وتبنّاه، كما سيأتي، وكان يقال له زيد ابن محمد، وكان عمره ثمان سنين، وكان حارثة أبو زيد قال فيه حين فقد أبياتا منها: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيّ فيرجى أم تخرّمة الأجل فو الله ما أدرى وإن كنت سائلا ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل فياليت شعرى هل لك الدهر رجعة ... فحسبى من الدنيا رجوعك لى يحلّ «١» تذكّرنيه الشمس عند طلوعها ... ويعرض ذكراه إذا عارض الطّفل «٢» وإن هبّت الأرواح «٣» هيّجن ذكره ... فيا طول أحزانى عليه ويا وجل سأعمل نصّ «٤» العيس في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتى أو تأتى عليّ منيّتي ... وكلّ امري فان وإن غرّه الأمل سأوصى به عمرا وقيسا كليهما ... وأوصى يزيدا ثمّ من بعده جبل يعنى جبلة بن حارثة أخا زيد، وكان أكبر من زيد، ويزيد كان أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، فحجّ ناس من كلب، فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، فقال لهم: أبلغوا أهلى هذه الأبيات؛ فإني أعلم أنهم قد جزعوا عليّ، فقال: فانطلق الكلبيون، فأعلموا أباه حارثة بمكانه وأخبروه، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل، وجبلة بن حارثة بفدائه، فقدموا مكة، فسألوا عن النبى ﷺ ، فقيل: هو في المسجد، فدخلوا عليه، فقالوا: يا ابن عبد الله وعبد المطلب وابن هاشم سيد قومه، أنتم حرم الله وجيرانه، تفكّون العاني، وتطعمون الضيف، جئناك في

стр. 527

ابننا عندك، فامنن علينا، وأحسن في فدائه إلينا، فقال رسول الله ﷺ : «فهلا غير ذلك، ادعوه فأخيّره، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارنى فو الله ما أنا الذى أختار على من اختارنى شيئا» ، فقالوا: قد زوّدتنا على النّصف «١» وأحسنت. فدعا رسول الله ﷺ زيدا فقال: أتعرف هؤلاء؟ فقال: نعم، أبى وأخي وعمي، فقال: «أنا من قد علمت، وقد رأيت صحبتي، فاخترنى أو اخترهم» ، فقال: ما أنا بمختار عليك أحدا، أنت منّى مكان العم والأب. فقال له أبوه: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك؟ قال: نعم؛ قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بمختار عليه أحدا. فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك من زيد، أخرجه إلى الحجر، وقال لمن حضر: اشهدوا أن زيدا ابنى أرثه ويرثني. فطابت نفوسهم، فكان زيد يدعى: زيد بن محمد. حتى جاء الله بالإسلام فزوّجه رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، وهى بنت عمة رسول الله ﷺ أميمة بنت عبد المطلب، فطلّقها زيد، وخلف عليها رسول الله ﷺ ، فتكلم المنافقون وطعنوا في ذلك، وقالوا: محمد يحرّم نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب: ٤٠] . ونزلت: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ «٢» فدعي يومئذ: زيد بن حارثة، ونسب كل رجل تبنّاه رجل من قريش إلى أبيه، مثل سالم مولى أبى حذيفة، وعامر بن ربيعة. وكان زيد يسمى «الحبّ» «٣» لأنه حبّ رسول الله ﷺ ، فكان يقال: «الحبّ بن الحبّ» ، وكان أسامة ابنه يدعى الرّدف لأن رسول الله ﷺ كان يردفه كثيرا؛ عن عروة عن أسامة أن النبى ﷺ ركب حمارا بإكاف «٤» على قطيفة، فأردف أسامة خلفه، وأتى سعد بن عبادة يعوده قبل وقعة بدر. ولم يذكر في القران أحد من الصحابة باسمه إلا هو «٥» ، كما أنه لم تذكر امرأة

стр. 528

باسمها في القران إلا مريم. ولم يزل زيد عند رسول الله ﷺ حتّى بعثه الله، فصدّقه وأسلم، وصلّى معه وشهد بدرا وأحدا والمشاهد، روى عنه ابنه أسامة، وابن عباس، والبراء بن عازب، وغيرهم رضى الله عنهم. * ومنهم ثوبان (بفتح الثاء وبالباء المواحدة) ابن بجدد (بضم الباء المواحدة وسكون الجيم وضم الدال المهملة) وهو من حمير (من اليمن) وله نسب فيهم، وقيل هو من السراة موضع بين مكة واليمن، وقيل هو من سعد العشيرة من مذجح، اشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه، وقال له: «إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، وإن شئت أن تكون (من «١» ) أهل البيت؟» فثبت على ولاء رسول الله ﷺ ، ولم يزل معه سفرا وحضرا إلى أن توفى رسول الله ﷺ . فخرج إلى الشأم، فنزل إلى الرملة وابنتى بها دارا، وابنتى بمصر دارا، وبحمص دارا، وتوفى بها سنة أربع وخمسين. وشهد فتح مصر، روى عن النبى ﷺ أحاديث ذوات عدد، روى عنه شدّاد بن أوس، وأبو إدريس الخولاني، ومعدان بن أبى طلحة، وأبو الأشعث الصنعاني، وأبو الخير اليزنى وغيرهم. روي عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لى الأرض حتّى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطانى الكنزين: الأحمر والأبيض، وإنّ ملك أمتى سيبلغ ما زوى لى منها، وإنى سألت ربى لأمّتى ألايهلكها بسنة «٢» عامّة، وأن لا يسلّط عليها عدوّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإنّ ربى قال لي: يا محمد إنى إذا قضيت قضاء، فإنه لا يردّ، وإني قد أعطيت لأمتك أنى لا أهلكهم بسنة عامة، وألاأسلّط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من أقطارها حتّى يكون بعضهم يهلك بعضا» . وروى ثوبان أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله أمن قلة نحن يومئذ؟ قال:

стр. 529

أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله المهابة عن صدوركم، وليقذفنّ الوهن في قلوبكم، قيل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حبّ الدنيا وكراهة الموت» «١» . قال النبى ﷺ : من يضمن لى خصلة أضمن له الجنة؟ قال ثوبان: أنا يا رسول الله. قال: «لا تسل الناس شيئا» . فكان ثوبان يقع سوطه من يده فلا يقول لأحد «ناولنيه» حتى ينزل فيأخذه، وكانت عائشة تقول: «تعهّدوا ثوبان؛ فإنه لا يسأل الناس شيئا» . * ومنهم أسامة بن زيد بن حارثة السالف الذكر، ويكنى أبا محمد، أمه أم أيمن خاضنة النبى ﷺ ، فهو وأيمن أخوان لأمّ، وهو مولى رسول الله ﷺ من أبويه. روى ابن عمر أن النبى ﷺ قال: «إنّ أسامة بن زيد لأحبّ الناس إليّ، أو من أحب الناس إليّ، وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا» . واستعمله النبى ﷺ وهو ابن ثمانى عشرة سنة على جيش، كما سيأتى بعد. وروي عن عائشة رضى الله عنها، قالت: عثر أسامة بأسكفة الباب، فشجّ في وجهه، فقال لى رسول الله ﷺ : «أميطى عنه» ، فكأنى تقذّرته، فجعل رسول الله ﷺ يمصّه ثم يمجّه. وقال: «لو كان أسامة جارية لكسوته وحلّيته حتّى ينقه» «٢» . ولما فرض عمر بن الخطاب رضى الله عنه للناس، فرض لأسامة بن زيد خمسة الاف، وفرض لابنه عبد الله بن عمر ألفين، فقال ابن عمر: فضّلت عليّ أسامة، وقد شهدت ما لم يشهد! فقال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك، وأبوه أحب إلى رسول الله من أبيك.

стр. 530

ولم يبايع أسامة عليا ولا شهد معه شيئا من حروبه، وقال له أى لعليّ: «لو أدخلت يدك في فم تنين لأدخلت يدى معها، ولكنك قد سمعت ما قال لى رسول الله ﷺ حين قتلت ذلك الرجل الذى شهد ألاإله إلا الله» ، وهو ما أخبرنا به أبو جعفر عبيد الله بن أحمد بن علي البغدادي، بإسناده عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدّثنى محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن جده أسامة بن زيد، «قال أدركته (يعنى كافرا كان قتل في المسلمين في غزاة لهم) أنا ورجل من الأنصار، فلما شهرنا عليه السلاح، قال: أشهد ألاإله إلا الله، فلم نبرح عنه حتّى قتلناه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه خبره، فقال: يا أسامة من لك بلا إله إلا الله!! فقلت: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، فقال: من لك يا أسامة بلا إله إلا الله!! فو الذى بعثه بالحق ما زال يرددها حتى وددت أن ما مضى من إسلامى لم يكن، وأنى أسلمت يومئذ، فقلت: أعطى الله عهدا ألاأقتل رجلا يقول لا إله إلا الله» «١» . وروى محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: رأيت أسامة بن زيد يصلّى عند قبر النبى ﷺ ، فدعى مروان إلى جنازة ليصلّى عليها، فصلّى عليها، ثم رجع وأسامة يصلّى عند باب بيت النبي، فقال له مروان: «إنما أردت أن يرى مكانك، فعل الله بك» ، وقال قولا قبيحا، ثم أدبر، فانصرف أسامة وقال: «يا مروان إنك اذيتني، وإنك فاحش متفحش، وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يبغض الفاحش المتفحش» «٢» . وقال بعضهم: يجوز للامر بالمعروف والناهى عن المنكر والمؤدّب أن يقول لمن يخاطبه في ذلك الأمر: يا ضعيف الحال أو يا قليل النظر لنفسه، أو يا ظالم نفسه، وما أشبه ذلك، بحيث لا يتجاوز إلى الكذب، ولا يكون فيه لفظ قذف؛
следующие страницы →