← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وقد قال ﷺ لأبي دُجانة لمَّا اختال يومَ أحد: «إنها لَمِشْيةٌ يُبغضها الله إلَّا في هذا الموطن» (١). وقد ذكر بعض أصحابنا أنَّ الروايتين في لُبسه في دار الحرب، وذلك أعمُّ مِن لُبسه وقت الحرب (٢). فصل ولا بأس أن يوضع المصحف في كيس حرير أو ديباج. نصَّ عليه في مواضع (٣). قال القاضي: والمسألة محمولة على أنَّ ذلك قدر يسير، فلا يحرُم استعماله، كالطِّراز والذيل والجيب (٤). والصواب: إقرار النصِّ على ظاهره؛ لأنَّ الكيس إنما يكون أكثر من أربع أصابع، وذلك كثير. ولأنه مفرد، ولا فرق في المفرد بين اليسير والكثير كالتِّكَّة. وإنما وجه ذلك أنَّ المحرَّم إنما هو لباسُ الحرير، والاستمتاعُ به. ووضعُ المصحف فيه إنما هو جعلُه لباسًا للمصحف، ووعاءً له ليُصان ويُحفَظ. وما شُرِع له الكسوةُ من شعائر الله جاز أن يُكسَى الحرير كالكعبة، وأولى. ولأنَّ لباسَ الحرير إنما يُكرَه للآدمي، لما فيه من العظمة والسَّرَف، وهذا أمرٌ مطلوبٌ لكتاب الله وبيته.

стр. 1017

والفرق بين هذا وبين الزخرفة: أنَّ الكسوة فيها منفعة للبيت والمصحف، فإذا حصلت بأشرف الثياب كان ذلك تعظيمًا لحرمات الله، بخلاف الزخرفة فإنَّه لا منفعة فيها، بل تُلْهي المصلِّين. الفصل الثاني في الذهب وهو قسمان. أحدهما: لُبسه. والثاني: التحلِّي به. أمَّا لُبسه، فيحرُم على الرجال لبسُ المنسوج بالذهب والمموَّه به، إذا كان كثيرًا، لما تقدَّم من حديث علي وأبي موسى (١) ﵄، ولأنه أبلغ في السَّرَف والفخر والخيلاء من الحرير، والحاجةُ إليه أقلُّ، فيكون أولى بالتحريم. وإذا استحال لونه ففيه وجهان. أحدهما: يحرُم، لعموم النهي. والثاني: لا يحرُم، لأنه قد زالت مظنَّةُ الفخر والخيلاء. فإن لم يحصل منه شيء إذا جُمِعَ أُبيحَ قولًا واحدًا. وفي يسير الذهب في اللباس، مثل العلَم المنسوج بالذهب، روايتان مومَأ إليهما: إحداهما: يحرُم. وهو [ص ٩٢] اختيار كثير من أصحابنا، لعموم النهي، ولأنه استعمال للذهب، فحُرِّم كاليسير في الآنية. والثانية: لا يحرم. وهي اختيار أبي بكر وغيره (٢)، لما روى معاوية بن

стр. 1018

أبي سفيان أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن لُبس الذهب إلا مقطَّعًا. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١)، واحتجَّ به أحمد، وفسَّر قوله: «إلّا مقطّعًا» باليسير (٢). ولأنه أحد الأصناف الثلاثة، فحلَّ منه اليسير التابع لغيره، كيسير الحرير ويسير الفضة في الآنية. والفرق بين يسيرِ الذهب في الآنية ويسيرِه في اللباس ونحوِه ظاهر، لأنَّ الآنيةَ تحرُم من الفضة ومن الذهب على الرجال والنساء، واللباسَ يباح للنساء من الذهب والفضة مطلقًا، ويباح للرجال يسيرُ الفضَّة منه مفردًا كالخاتم ونحوه، ولا يصح إلحاق أحدهما بالآخر. وعنه رواية ثالثة: أنه يباح اليسيرُ لحاجةٍ، سواء كان مفردًا أو تابعًا، ولا يباح للتزيُّن، وهي المنصوصة عنه صريحًا، وكذلك ذكر القاضي في اللباس. قال في رواية صالح وعبد الله (٣) وأبي طالب وأبي الحارث ــ واللفظ له ــ: أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن لُبس الذهب إلا مقطَّعًا قال: الشيء اليسير، كشدِّ أسنانه، وما كان مثلَه مما لا يتزيَّن به الرجل. فأمَّا الخاتم ونحوه، فلا. وذلك لأنه قد دلَّ ذلك على أن القطع من الذهب ــ وهو اليسير منه ــ مباح مطلقًا، لكن لا بدَّ أن يكون لحاجة، لأنه قد دلَّت النصوص على

стр. 1019

تحريم خاتم الذهب ونحوه. وعن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «من تحلَّى أو حَلَّى بخَرْبَصِيصةٍ (١) من ذهبٍ كُوِيَ يوم القيامة» رواه أحمد (٢). وهذا نهي عن التحلِّي بقليل الذهب مطلقًا، ومفهومه يدل على أنه لا يحرُم منه ما ليس بتَحَلٍّ. القسم الثاني: التحلِّي به . فيحرُم على الرجل أن يتحلَّى بالذهب المفرد كالخاتَم والسِّوار ونحو ذلك، لما تقدَّم من قوله ﵇: «هذان حرام على ذكور أمتي» (٣)، ولما روى البراء بن عازب وأبو هريرة ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن خاتم الذهب (٤). وعن ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ اتخذ خاتمًا من ذهب، فجعله في يمينه، وجعل فصَّه مما يلي باطن كفِّه، فاتخذ الناس خواتيم الذهب. قال: فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فألقاه، ونهى عن التختُّم بالذهب (٥). متفق عليهن. وجاء ذلك من عدَّة وجوه. وقد تقدَّم قوله ﷺ : «من تحلَّى أو حلَّى بخَربَصِيصة من ذهب كُوِي

стр. 1020

[ص ٩٣] يوم القيامة». قال أبو زيد الأنصاري: يقال: ما عليها خَرْبَصيصة، أي شيءٌ من الحُلِيِّ (١). فأما التابع من الذهب، فيباح من حِلية السيف مثلُ القَبيعة (٢)، نصَّ عليه. وعنه: ما يدل على المنع، لما تقدَّم. والأول أصحُّ، لما روى مَزِيدة العَصَري قال: دخل رسولُ الله ﷺ يوم الفتح، وعلى سيفه ذهب وفضَّة. قال الراوي: كانت قَبيعةُ السيف فضَّة. رواه الترمذي (٣). وذكر أحمد (٤) أنه كان لعمر بن الخطاب سيف، فيه سبائك من ذهب. وكان في سيف عثمان بن حُنَيف مسمار ذهب (٥). ثم من أصحابنا من لا يبيح إلا القبيعة. قال ابن عقيل: قال أصحابنا: هذا

стр. 1021

في القبيعة. فأمَّا تحلية جوانبه وحمائله ومنطقته بالذهب فلا يباح؛ لأنَّ القياس المنعُ مطلقًا. والمنصوص عن أحمد: الإباحة في القبيعة وغيرها من حلية السيف مثل المسمار فيه والسبائك، للأثر في ذلك، ولعدم الفرق. وأمَّا تحليةُ غير السيف، ففيه ثلاثة أوجه مُومَأ (١) إليها في كلامه: أحدها ــ وهو قول القاضي وأكثر أصحابه مثل ابن عقيل وأبي الخطاب ــ: لا يباح (٢)، لأنَّ العموم والقياس يقتضي التحريم مطلقًا، وإنما خُصَّ من ذلك السيف للأثر، فيبقى الباقي على الأصل. والثاني ــ وهو قول أبي بكر (٣) وغيره ــ: أنه يباح التحلِّي باليسير منه مطلقًا إذا كان على وجه التبع، كما تقدَّم في اللباس، وأولى. والثالث: أنه يباح في السلاح دون غيره (٤). قال الآمدي: فأمَّا استعمال الذهب في سلاحه كالمسمار في السيف، والسبائك فيه، وقبيعة السيف، ونعله= فيجوز. وهذا أبين في كلام أحمد، قال في رواية الأثرم (٥) وإبراهيم بن الحارث في الفَصِّ يُخاف أن يسقُط، يُجعَل فيه مسمارٌ من ذهب؟ قال: إنما رُخِّص في الأسنان. يعني: وما كان لضرورة. قيل له: قد كان في سيف عثمان بن

стр. 1022

حُنيف مسمار من ذهب. قال: ذاك الآن سيف. وذلك لأنَّ المقصود من السلاح قتال العدو وإرهابه، فجاز أن يحلَّى بما يفيد إرهابَ العدو وخيلاءَ المسلم تكميلًا لهذا المقصود. ولذلك جاز لبسُ الحرير حين القتال. ولأنَّ اللُّتَّ (١) ونحوَه في معنى السيف على هذا القول، فيخرَّج فيه وجهان كالفضة. أحدهما: الجواز. وهو قول الآمدي، ذكره في المنطقة وفي حمائل السيف. والثاني: المنع. قاله جماعة، وحكاه القاضي عن أحمد. وسائر مسائل التحلِّي في الزكاة. مسألة (٢): (ومن صلَّى من الرجال في ثوب واحد، بعضُه على عاتقه، أجزأه ذلك) . [ص ٩٤] أما الصلاة في ثوب واحد إذا ستر عورته ومنكبيه، فلا بأس بها، لما روى جابر أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى في ثوب واحد متوشِّحًا به. متفق عليه (٣).

стр. 1023

وقال عمر بن أبي سلمة: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلِّي في ثوب واحد متوشِّحًا به، قد ألقى طرفَيه على عاتقيه. رواه الجماعة (١). لكن الأفضل: أن يصلِّي في ثوبين، لما روى أبو هريرة قال: قام رجل إلى النبيِّ ﷺ ، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: «أوَكلُّكم يجد ثوبين؟» رواه الجماعة إلا الترمذي (٢). زاد البخاري (٣): ثم سأل رجلٌ عمرَ، فقال: إذا وسَّع الله فأَوسِعُوا. جمع رجلٌ عليه ثيابَه: صلَّى في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقبَاء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقَباء، في تُبَّان (٤) وقَباء، في تُبَّان وقميص. قال: وأحسبه قال: في تُبَّان ورداء. وهذا يدلُّ على أنَّ عادته كانت الصلاة في ثوبين، ويدل على أنَّ الإذن في الثوب الواحد إنما وقع رخصةً. وذلك لأنَّ المقصود من اللباس التزيُّن لله في الصلاة، ولذلك جاء باسم الزينة في القرآن. ولهذا كان تميم الداري قد اشترى حُلَّة بألف درهم، فكان يصلِّي فيها بالليل (٥). وقال نافع: رآني ابن عمر، وأنا أصلِّي في ثوب واحد، فقال: ألم

стр. 1024

أكسُكَ؟ قلتُ: بلى. قال: أرأيتُك لو بعثتُك في حاجة، كنتَ تذهب هكذا؟ قلت: لا. قال: الله أحقُّ أن تَزَيَّن له. رواه ابن بطَّة (١). ويدل على ذلك قولُ النبي ﷺ : «فاللهُ أحقُّ أن (٢) يُستحيا منه» (٣). ويستحبُّ له أيضًا تخميرُ الرأس بالعمامة ونحوها، لأنّ النبيَّ ﷺ كان يصلِّي كذلك. وهو من تمام الزينة، واللهُ تعالى أحقُّ مَن تُزُيِّنَ له. وقد روي عن ركانة بن عبد يزيد قال سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «فرقُ ما بيننا وبين المشركين العمائمُ على القلانس» رواه أبو داود والترمذي (٤) وقال: غريب، وليس إسناده بالقائم. وعن أبي المليح قال قال رسول الله ﷺ : «اعتَمُّوا تزدادوا حِلمًا» رواه هشام بن عمار (٥)، وهو مرسل.

стр. 1025

وقد روى أبو حفص مرفوعًا: «صلاة بعمامة أفضلُ من سبعين صلاةً بغير عمامة. إنَّ الله وملائكته يصلُّون على المتعمِّمين» (١). والاستحباب كذلك في حقِّ الإمام أوكد. نصَّ عليه، لأنَّ صلاة المأمومين مرتبطة بصلاته، وهو أحدُ المصلِّين ومتقدِّمُهم، وهم ينظرون إليه، ويقتدون به. ولهذا كان استحباب التزيُّن في الجماعات العامَّة مثل الجمعة والعيد ونحو ذلك أوكد. [ص ٩٥] فصل وإذا صلَّى في ثوبين فأفضلُ ذلك ما كان أسبغ. وهو القميص والرداء، ثم القميص مع السراويل، ثم القميص مع الإزار، ثم الرداء مع الإزار، ثم الرداء مع السراويل. وإنما استحببنا مع الرِّداء الإزارَ، لأنه كان عادة الصحابة، ولأنه لا يحكي تقاطيعَ الخلقة. واستحببنا السراويل مع القميص لأنه أستر، ولا يحكي الخلقةَ مع القميص. وقد روي عن ابن عباس قال: لما اتخذ الله إبراهيمَ خليلًا قيل: وارِ من الأرض عورتَك. فاتَّخَذ السراويلاتِ (٢).

стр. 1026

ورواه أبو محمد الخلَّال مرفوعًا عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كان إبراهيم الخليل إذا صلَّى ذكر كله (١)، فكره له ربِّي ذلك، فبعث جبريلَ، فأتى بثوبٍ، فقطَّعه سراويل، فأعطاه وخيَّطه ولبَّسه إبراهيم، فقال: ما أستر هذا وأحسنه!» (٢). وعن أبي أمامة قال: قلنا يا رسول الله، إن أهل الكتاب يَتَسَرْوَلون، ولا يتأزَّرون (٣). قال: «تَسَرْوَلوا وَاتَّزِرُوا، وخالِفوا أهلَ الكتاب» رواه حرب (٤). والقميص وحده أفضل من الرداء؛ لأنه أستر وأوسع. قالت أم سلمة: كان أحبُّ الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص. رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٥) وقال: حديث حسن.

стр. 1027

والإزار وحده أفضل من السراويل وحده، لما تقدَّم. فصل وأما إذا جرَّد منكبيه مع قدرته على سترهما، فلا تصح صلاته في الجملة. نصَّ عليه في مواضع (١). ونصَّ على أنه إذا ستر منكبًا وأرى (٢) الآخرَ كُرِه له ذلك، ونصَّ في موضع على أنه لا إعادة عليه (٣). فمن أصحابنا من أقرَّ النصَّ على ظاهره، وقال: تصحُّ صلاته إذا ستر أحدهما، دون ما إذا جرَّدهما. ومنهم من قال: لا تصح حتى يسترهما، لإطلاقه الكراهة لذلك. وجعل النصَّ الثاني رواية أخرى أنه تصحُّ الصلاة بدون الستر مطلقًا مع القول بوجوبه، كما قالوا في المواضع المنهيِّ عنها. ومنهم من جعل الروايتين في وجوب ستر المنكبين. ثم إذا قلنا بوجوبه، ففي صحة الصلاة بدونه روايتان. وعنه رواية أخرى: أنه لا يُكرَه كشفُ أحد المنكبين أصلًا، بناءً على أن ذلك هو (٤) اشتمال الصمَّاء، لأنه ليس بعورة، ولا يجب ستره خارج (٥) الصلاة، فأشبَه الرأسَ.

стр. 1028

والمذهب: أنه لا تصح الصلاة مع تجريد المنكبين، لقوله سبحانه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وما يستر المنكبين داخل في مسمَّى الزينة شرعًا وعُرفًا، فإنه يُفهَم من ذلك أن لا يكون عريانًا. وإنما يزول التعرِّي بستر (١) [ص ٩٦] المنكبين، لما روى أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يصلِّي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء» رواه البخاري. ورواه مسلم، وقال: «على عاتقيه» (٢). وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُصلَّى في لحافٍ لا يُتَوشَّح به، وأن تُصلِّي في سراويل ليس عليك رداء، رواه أبو داود (٣). وهذا يدل على تحريم تجريد المنكبين في الصلاة وفسادِ الصلاة معه. وعن سهل بن سعد قال: كان رجالٌ يصلُّون مع النبيِّ ﷺ عاقدي أُزُرِهم على أكتافهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكنَّ حتى يستوي الرجال جلوسًا. متفق عليه (٤).

стр. 1029

وعن جابر (١) وأبي سعيد (٢) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يا معشر النساء إذا سجد الرجال فاغضُضَن أبصاركنَّ، لا ترينَ عوراتِ الرجال من ضيق الأزُر» رواه أحمد. ولولا أنَّ سترَ المنكب واجب لم يكونوا يحافظون عليه مع ضيق الأُزُر وخوفِ بدوِّ العورة، ولوجب تكميلُ ستر العورة حتى يؤمَن النظرُ إليها. ولأنَّ المقصود من الاستتار في الصلاة: التزيُّنُ لله، بدليل أنها تجب حيث يجوز الكشف خارج الصلاة؛ فإنَّ المرأة الحرَّة يجوز لها أن تقعد في بيتها مكشوفَة الرأس، وكذلك بين النساء، ولا تجوز صلاتها إلا مختمرةً. وكذلك يجوز للإنسان أن ينظر إلى عورة نفسه، ولا تصحُّ صلاته كذلك. وفي إبداء المنكبين خروجٌ عن التزيُّن مطلقًا. ولهذا لم تجر العادات الحسنة بأنَّ أحدًا يجالس في مثل هذا الحال، ولا أن يكشفه بين الناس، والرأسُ بخلاف ذلك. ولأنَّ من جرَّد منكبيه يسمَّى عاريًا وإن كان مختمرًا، ومن سترهما مع عورته سمِّي كاسيًا وإن كان بلا عمامة، والتعرِّي مكروه بين الناس لغير

стр. 1030

حاجة، فجاز أن يكون شرطًا في الصلاة. ولهذا لم يُشرَع التعرِّي (١) في الإحرام، وإنما شُرع كشفُ الرأس خاصَّةً. ونهيُه ﷺ أن يطوف بالبيت عريان (٢) يعُمُّ تعريةَ المنكبين وتعريةَ السوءتين. إذا ثبت هذا، فإنما كرهنا كشفَ أحدهما أيضًا لأن النبيَّ ﷺ نهى عن اشتمال الصَّمَّاء (٣)، ومعناها: إبداءُ المنكبين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقرَن بين اشتمال الصَّمَّاء وبين الاحتباء في ثوب واحد، فعُلِمَ أنَّ كشفَ المنكب يُشبِه كشفَ السوءة. ثم من قال من أصحابنا: لا يجوز كشفُ واحد منهما، احتجَّ بذلك، وبظاهر قوله: «ليس [ص ٩٧] على عاتقيه منه شيء» (٤)، ولأنه أحد المنكبين، فوجب سترُه كالآخر، ولقوله ﵇: «إذا كان الثوب واسعًا فَالْتَحِف به» (٥). وفي لفظ: «فتعاطَفْ (٦) به على منكبيك، ثم صلِّ» (٧)، ونهيه أن يصلَّى في لحاف لا يُتَوشَّح به، وأن تصلِّي في سراويل ليس عليك رداء (٨). وهذا أمرٌ بستر المنكبين.

стр. 1031

ومن فرَّق على المنصوص قال: النهيُ إنما جاء أن يصلِّي في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء، أو على عاتقيه، فمتى ستر أحدهما فقد صار على عاتقه منه شيء، وجاز أن يقال: على عاتقيه منه شيء، وإن كان على أحدهما. كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وهو في إحداهن، وقال سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من الملح وحده (١). فصل والواجب: سترُ المنكب عند القاضي وغيره من أصحابنا، لأمره بالتوشُّح والتعاطف والارتداء، فإنَّ ذلك يقتضي الستر. وقال كثير منهم: إذا ترك على منكبيه شيئًا، ولو خيطًا أو حبلًا، أجزأ، لقوله: «ليس على عاتقه منه شيء». وقال إبراهيم النخعي: كان أصحاب النبيِّ ﷺ إذا لم يجد أحدهم ثوبًا يصلِّي فيه وضع على عاتقيه عِقالًا ثم صلَّى (٢). وقال أيضًا: السيف بمنزلة الرداء (٣)، كان أصحاب رسول الله ﷺ يصلون في سيوفهم. رواهما سعيد في سننه. وقال بعضهم: إن وضع على عاتقه شيئًا من اللباس الذي يصلح للستر أجزأه، ولو كان يصف البشرة، أو كان لا يستوعب العاتق. فأمَّا ما لا يُقصَد

стр. 1032

به السَّتر كالحبل والخيط، فلا يُجزئه. فصل ويصح النفل مع إبداء المنكبين في أشهر الروايتين (١). والأخرى: لا يصح كالفرض، لعموم الحديث، ولأنَّ باب الزينة واللباس لا يفترق فيه الفرض والنفل. ووجه الأول: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يصلِّي في الليل بالثوب الواحد، بعضُه على أهله (٢)؛ والغالبُ أنَّ الثوب لا يكفي لذلك مع ستر المنكبين. ولأنَّ النفل يجوز قاعدًا وراكبًا (٣) مومئًا، كلُّ ذلك تسهيلًا لطريقه. والعادة أن الإنسان في بيته قد يكون عاري المنكبين، بخلاف الفرض فإنه يُشتَرط له أكملُ الأحوال وأفضلُها. فصل ويستحب للمرأة أن تصلِّي في ثلاثة أثواب: درع وخمار وجلباب تلتحف به، أو إزار تحت الدرع، أو سراويل، فإنه أفضل من الإزار؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: تصلِّي المرأة في الدرع والخمار والملحفة. رواه حرب (٤).

стр. 1033

وعن عائشة أنها كانت تقوم إلى الصلاة في الخمار والإزار والدرع، فتُسبِل الإزارَ، فتَجَلْبَبُ به، وكانت تقول: ثلاثة أثواب لابد للمرأة منها في الصلاة [ص ٩٨] إذا وجدتها: الخمار والجلباب والدرع. رواه سعيد (١). وذكر إسحاق عن ابن عمر أنها كانت تصلِّي في درع وخمار وإزار تحت الدرع (٢). ويذكر في الحديث: «يرحم الله المُتَسَرْوِلاتِ» (٣). ولا تضُمُّ ثيابها في حال قيامها، لئلا يبدو تقاطيع خلقها. مسألة (٤): (فإن لم يجد إلا ما يسترُ عورته ستَرها) . هذه المسألة لها صورتان: إحداهما: إن لم يجد [إلا] (٥) ثوبًا يستر عورته فقط، أو منكبيه فقط، فإنه يستر العورة، ويصلي قائمًا عند كثير من أصحابنا. وقال القاضي وطائفة: بل يستر المنكبين، ويصلِّي جالسًا مومئا، لأنَّ نصَّ أحمد في الصورة الثانية يدل على أنَّ ستر المنكبين مع ستر العورة بالقعود أولى من ستر العورة فقط. وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ نهى أن يصلِّي

стр. 1034

الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء (١)؛ ولم يفرِّق، فمتى ستر العورة به فقد ارتكب النهي. وحمل أبو بكر والقاضي الأحاديث التي تخالف ذلك على النافلة، فإنَّ ستر المنكب فيها ليس بواجب. وهذا لأنَّ ستر المنكب لا بدل له، وستر العورة له بدل، وهو الجلوسُ بالأرض، وضمُّ فخذيه على عورته. والأول أصحُّ، لما روى جابر بن عبد الله أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا صليتَ في ثوب واحد، فإن كان واسعًا فالتحِفْ به. وإن كان ضيِّقًا فاتَّزِرْ به» متفق عليه (٢). وفي رواية لأحمد (٣): «إذا ما اتسع الثوبُ فتعَاطَفْ به على منكبيك، ثم صلِّ. وإذا ضاق عن ذلك فشُدَّ به حَقْوَيك، ثم صلِّ من غير رَدٍّ له» (٤). ولأنَّ ستر العورة أولى، لأنها أغلظ وأفحش، وهو مُجمَع على وجوبه، وواجب داخل الصلاة وخارجها في الفرض والنفل. وسترُ جميعها واجبٌ اتفاقًا بخلاف المنكب. ولأنه إذا ستر المنكب فوَّت القيامَ، وسترَ العورة المحقَّقة (٥)، وتكميلَ الركوع والسجود. ولا يفوت بستر العورة إلا سترُ

стр. 1035

المنكب فقط، ومعلوم أنَّ هذا أخفُّ، فيكون التزامه متعيِّنًا. الصورة الثانية: أن يستر الثوبُ منكبيه وعجيزته، أو عورته . فالمنصوص هنا: أن يستر منكبيه وعجيزته، ولا يقتصر على عورته. فمن أصحابنا من قال بذلك هنا، وفرَّقَ بين هذه الصورة والتي قبلها؛ لأنه هنا إذا ستر عجيزته وقعد لم يبق من عورته شيء ظاهر إلا اليسير الذي يُعفَى عنه من أفخاذه، ولم يفُته إلا القيام. ولأنه يتمكن من الركوع والسجود [ص ٩٩] بالأرض، ويحصل له سترُ المنكبين وهو واجب. والسترُ الواجب مقدَّم على القيام، كما سيأتي. وسترُ المنكب وإن سقط في النفل كما يسقط القيام، لكنَّ سقوط القيام فيه ثابت بالنص والإجماع، والقيامُ يسقط عن المأموم إذا ائتمَّ بإمام راتب قعد لمرضٍ عارضٍ، لتحصيل الجماعة. وقد علَّله النبيُّ ﷺ بأنَّ في ذلك تعظيمًا للإمام كما يعظِّم الأعاجم بعضُهم بعضًا، فيكون ستر المنكب أوكد منه لذلك. وقد احتجَّ أحمد لذلك بأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يعقدون أُزُرَهم، وتبدو بعضُ عوراتهم في السجود (١)، فعُلِمَ أنَّ سترَ المنكب أوكد من ستر بعض العورة. ومن أصحابنا من سوَّى بين هذه الصورة والتي قبلها في أنه يستر عورته ويصلِّي قائمًا (٢)، لظاهر الخبر المتقدِّم. والمحافظةُ على القيام وسترُ بقية العورة أوجَبُ من ستر المنكب، لأنَّ القيام واجب بالإجماع، والعورة يجب سترها في الصلاة وخارجها والفرض والنفل، فكان أولى. وهذا هو الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى:

стр. 1036

مسألة (١): (فإن لم يكفِ جميعَها ستَر الفرجَين. فإن لم يكفهما ستَر أحدهما) . ذلك لأنَّ الفرجين أغلَظ من غيرهما، وإنما صار غيرُهما عورةً لمجاورتهما تبعًا لهما. وكونُهما عورةً ثابتٌ بالنص المتواتر والإجماع، فيكون سترُهما مقدَّمًا على ستر غيرهما. فإن خالفَ وستَر غيرَهما لم يصحَّ، لأنه ترك الستَر الواجبَ فإن لم يكفِ الفرجَين ستَر أحدَهما: أيهما كان، لأنَّ كلًّا منهما عورة مغلَّظة مُجمَع عليها. لكنَّ ستْرَ أيِّهما أولى؟ فيه وجهان: أحدهما: القبل، لأنه يستقبل به القبلة، ولأنه يبرز إذا صلَّى قائمًا، ولأنه أغلظ بدليل أنَّ من العلماء من يُجوِّز استدبارَ القبلة دون استقبالها، ولأنه يكره استقبال الشمس والقمر عند التخلِّي دون استدبارهما، ولأنَّ القبل عورة ناتئة ظاهرة، والدبر عورة داخلة كامنة، فكان سترُ ما ظهر من العورة أولى. والوجه الثاني: الدبر. وهو أصحُّ بناءً على أنَّ صلاته جالسًا أفضل، فيستُر القبلَ بجلوسه وضمِّ فخذيه، فإذا ستَر الدبرَ أمكنه السجودُ بالأرض. ولو ستر القبلَ فإمَّا أن يسجد بالأرض، فيفضي بدبره إلى السماء، أو يومئ بالسجود، فيفوت كمال الركن.

стр. 1037

مسألة (١): (فإن عَدِم بكلِّ حال صلَّى جالسًا يومئ بالركوع والسجود. وإن صلَّى قائمًا جاز) . المشهور عن أحمد: أنَّ العريان ينبغي له أن يصلِّي قاعدًا، يومئ بركوعه وسجوده. وهو اختيار الخرقي وأبي بكر [ص ١٠٠] وعامَّة الأصحاب (٢). فإن صلَّى قاعدًا أو سجد بالأرض جاز، وهو أفضل من أن يصلِّي قائمًا. وإن صلَّى قائمًا وسجد بالأرض جاز أيضًا، مع الكراهة فيهما. هكذا ذكر أصحابنا. وعنه: أنه يجب أن يسجد بالأرض، سواء صلَّى قاعدًا أو قائمًا. اختاره ابن عقيل (٣). وكان أبو بكر يقول: هذا قول لأبي عبد الله أوّلُ. فأما القيام فلا يجب قولًا واحدًا. وروى ... (٤) الرواية أنَّ السجود ركن في الصلاة مقصود لنفسه، بل هو أفضل أركانها الفعلية، وهو مجمع على وجوبه، فكان مراعاته أولى من

стр. 1038

مراعاة السترة. ولقد كان القياس يقتضي إيجاب القيام أيضًا لذلك، إلا أنه أخفُّ من السجود، ولسقوطه مع القدرة في النافلة، وخلف إمام الحيِّ إذا صلَّى قاعدًا، وهو مريض يرجى برؤه؛ وأنه يطول زمنه، وأنَّ فيه إفضاءً بعورة بارزة خارجة إلى جهة القبلة. فلمَّا فحشت العورة فيه، وطال زمنُ كشفها، وخفَّ أمره، كان الاعتياض عنه بالستر أولى، بخلاف السجود فإنَّ زمنه قصير، وهو أعظم أركان الصلاة، ولا يبدو فيه إلا عورة الدبر، وهي أخفُّ من القبل. والأول: المذهب، لما روى سعيد وأبو بكر وغيرهما (١) عن نافع عن ابن عمر في قوم انكسرت بهم مراكبُهم في البحر، فخرجوا عُراةً. قال: يصلُّون جلوسًا يُومئون برؤوسهم إيماءً. ولم يبلغنا عن صحابي خلافه. ولأنه إذا صلَّى قاعدًا مومئًا فقد أتى ببدل القيام والركوع والسجود، بل قد أتى بركوع وسجود، هو بعض الركوع والسجود التامَّين؛ فإنَّ الإيماء بالرأس يدخل في عموم الأمر بالركوع والسجود. أو أتى ببعض الركوع والسجود الواجبين مع التمكُّن، وهذه صلاة مشروعة في الجملة للراكب على الراحلة وللمريض أيضًا. وأتى أيضًا بمعظم الستر، وهو ستر العورة المغلَّظة؛ فإنه إذا تضامَّ (٢) ستَر قُبله بفخذيه وستَر دبره بالأرض، ولم يفته إلا تكميلُ الأركان، وتكميلُ الشرط المعجوز عنه. وهذا غير خارج عن جنس الصلاة المشروعة.

стр. 1039

أما إذا قام وسجد بالأرض، فإنه يستقبل القبلةَ بقُبله حالَ القيام، والسماءَ بدُبره منفرجًا حالَ السجود، ويكشف في الجملة عورته. وهذه الأشياء محرَّمةٌ خارجَ الصلاة، فكيف تكون في الصلاة؟ ولهذا لم يُشرَع مثلُ هذه الصلاة في موضع آخر أبدًا، لاسيما إن كان العراة جماعة، أو كان العريان في فضاء من الأرض، فإنَّ كشفَ عورته يتفاقم فحشُه، والسترُ أهمُّ من تكميل الأركان، لأنه يجب في الصلاة وخارج الصلاة، وتكميلُ الأركان إنما يجب في الصلاة. وما كان مقصودًا [ص ١٠١] في نفسه ومقصودًا للصلاة، فهو أولى مما يُقصَد في الصلاة فقط، لاسيما والسترُ يعُمُّ جميعَ أركان الصلاة، والركن ينقضي في أثنائها. يوضِّح هذا أنَّ تكميل الأركان واجب في غير هذا الموضع، وكذلك كشفُ عورته والإفضاء بها إلى أشرف الجهات محرَّم في غير هذا الموضع في غير الصلاة، وهو في الصلاة أشدُّ قبحًا وتحريمًا. فإذا كان هذا الموضع لا بدَّ فيه من التزام بدل واجب أو فعل محرَّم كان تركُ الواجب أسهل، لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه» (١). فالمنهيُّ عنه يجب تركه بكلِّ حال، والمأمورُ به إنما يجب فعله في حال دون حال. ولهذا لو لم يمكنه فعلُ فرائض الصلاة إلا بارتكاب محرَّم لم يجب فعلُها. ألا ترى أنه لو لم يمكنه ثوبٌ يلبسه سقط عنه حضورُ الجمعة والجماعة، مع أنَّ الجمعة من أوكد الواجبات، وأنَّ شهود الجمعة والجماعة أوكد من تكميل الأركان؛ بدليل أنَّ المريض الذي يمكنه إتمام الأركان في بيته، ولا يمكنه إتمامها في الجماعة، فإنَّ صلاته في الجماعة أفضل.

стр. 1040

وقد كان يتوجَّه أن لا تصحَّ صلاته قائمًا لذلك. وإنما صحَّحناها لأنه يعتاض عن ستر العورة بتكميل الأركان، وهو مقصود في الجملة. ولأنه إذا لم يكن بدٌّ من الإخلال ببعض فروض الصلاة لم يتعيَّن أحدها، لكن الأحسن ما كان أشبه بالأصول. ولأنَّ الستر قد عجز عنه إلا بترك واجب آخر، كما عجز عن تكميل الأركان إلا بترك واجب، فصارت الأدلَّة الموجبة لأحدهما بعينه معارضةً كالأخرى. وهل يصلُّون متربِّعين أو منضامِّين؟ على روايتين (١) ذكرهما الآمدي: إحداهما: يتربَّعون، كسائر من يصلِّي جالسًا من المريض والمتنفل. والثانية: أنهم ينضامُّون ولا يتربَّعون. نصَّ على ذلك، وهو الصحيح لأن ذلك أستر، فكانت رعايته أولى من رعاية هيئة مستحبَّة. ولهذا استحببنا للمرأة أن تنضامَّ في ركوعها وسجودها، وإن كان التفرُّج هو المسنون للرجال. ولهذا لم يُسَنَّ للمرأة شيءٌ (٢) من هيئات العبادات التي هي مظِنَّة ظهورها، كالرمل والاضطباع، والرقيِّ على الصفا والمروة ومزدلفة، ورفع الصوت بالإهلال، فكيف بهيئة تظهر بها العورة المغلَّظة من الرجل؟ فصل فان لم يمكنه تكميلُ السجود إلا بانتقاض طهارته، مثل أن يطعن في دبره، فيصير الريح يتماسك [ص ١٠٢] في حال جلوسه، فإذا سجد خرجت منه= فإنه يسجد بالأرض. نصَّ عليه.

стр. 1041

ومن أصحابنا من خرَّج (١) أنه يومئ كالعريان، وكإحدى الروايتين في المصلِّي في الموضع النجس؛ لأنَّ الطهارة شرط، فأشبهت السترةَ، بل هي أوكد من السترة، للإجماع على وجوبها، وللاختلاف في سقوطها بالعجز بخلاف الستارة. والمنصوص أقوى، لأنَّ السجود ركن مقصود لنفسه، فلا يجوز تركه مع القدرة إذا لم يكن في فعله مفسدة. والفرق بين الطهارة والستارة: أنَّ الطهارة إنما تراد للصلاة، والمقصود لا يسقط (٢) لتكميل الوسيلة. ولهذا كانت الطهارة شرطًا محضًا لا يجب في غير الصلاة إلا أن يكون لصلاة أخرى. وأمَّا الستارة فأمر مقصود في نفسه، واجب في نفسه، ومقصود في الصلاة، واجبٌ لها. وكشفُ السوءة محرَّم. وأيضًا فإن من جنس الحدث الدائم ما يصلَّى معه كما في المستحاضة والسلَس والجريح. فأما سجود الإنسان مفضيًا بسوءته إلى السماء، فلا عهد لنا به في الشرع. مسألة (٣): (ومن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا أو مكانًا نجسًا صلَّى فيهما، ولا إعادة عليه) . أمَّا من لم يجد إلا ثوبًا نجسًا، فإنه يجب أن يصلِّي فيه.

стр. 1042

وخرَّج بعض أصحابنا (١) أنه يصلِّي عريانًا بناءً على أنَّ صلاة حامل النجاسة تجب إعادتها في رواية، وصلاة العريان لا تجب إعادتها إجماعًا. ولأنَّ اجتناب النجاسة يجب في البدن والثوب والبقعة، وستر العورة يختصَّ موضعَها. والأول هو المذهب المعروف، من غير خلاف عن أبي عبد الله ﵁. ذكر ابن أبي موسى (٢) فيمن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا وصلَّى فيه، هل يعيد؟ على روايتين. ولو لم يصلِّ فيه أعاد قولًا واحدًا، لأنَّ مصلحة الستر أهمُّ من مصلحة اجتناب النجاسة، لأنه يجب في الصلاة وغيرها، وثبت وجوبه بالكتاب والسنّة والإجماع المتقدَّم. وسمَّى الله تركه فاحشة، بخلاف اجتناب النجاسة. ولأن هذا الثوب يجب لبسُه قبل الصلاة، فلم تصح صلاته بدونه، كما لو لم يجد إلا ثوبَ حرير، أو ما يستُر بعض عورته. ولأنه إذا تعرَّى سقط القيام والركوع والسجود الكاملان، وحصل الإخلال بالشرط. وإذا لبس الثوب النجس لم يحصل إلا الإخلالُ بشرط مختلَف فيه بين السلف، فكان أولى. وإنما (٣) لم تجب الإعادة على العريان، لأنَّ اللباس فعلٌ أُمِرَ به، وقد

стр. 1043

عجَز عنه، فأشبه ما لو عجَز عن الاستقبال أو القراءة أو الركوع أو السجود، وهو [ص ١٠٣] عذر غالب. واجتنابُ النجاسة هو من باب الترك، والعجزُ عن إزالتها عذر نادر. فلهذا فرَّق من فرَّق بينهما. ألا ترى أنَّ مفسدة التعرِّي في الوقت لا تنجبر باللباس بعد خروج الوقت، لأنَّ مفسدته لا تختص الصلاة؛ بخلاف حمل النجاسة فإنَّ مفسدته تختصُّ الصلاة. فصل وأما الإعادة، ففيها روايتان حكاهما ابن أبي موسى (١)، وهو من أوثق الأصحاب نقلًا، وأقربهم إلى نقل نصوصه. وحكاهما غيره. وأمَّا القاضي وأصحابه ومن تبعهم، فذكروا أنه نصَّ هنا على الإعادة، ونصَّ في مسألة المكان النجس على عدم الإعادة. ثم أكثر هؤلاء جعلوا في المسألتين روايتين بطريق النقل والتخريج، كما في نجاسة البدن المعجوز عن إزالتها، وكما في عدم الماء والتراب، وجعلوا هذا النصَّ بناءً على قوله بوجوب الإعادة في النجاسة المعجوز عنها، وقد وُفِّقوا (٢) في هذا التخريج لما نقله ابن أبي موسى.

стр. 1044

وعلى هذا، فالصحيح أنه لا إعادة عليه في شيء من ذلك، كما أنَّ الصحيح أن لا إعادة في النجاسة المعجوز عن إزالتها، وكما في المنسيَّة والمجهولة، وأولى؛ فإنَّ طهارة الحدث والسترة تسقط (١) بالعجز، ولا تسقط بالنسيان. ولأن العاجز فعَل ما أُمِر كما أُمِرَ، وامتثالُ الأمر يقتضي الإجزاء بفعل المأمور به. فمن امتثل ما أمره الله به، فلا إعادة عليه البتة، لأنَّ الله تعالى لم يفرض على عباده إلا صلاة واحدة. وقد قال لهم نبيُّ الله ﷺ لما فاتتهم الصلاة، وسألوه عن الإعادة مرَّتين: «أينهاكم عن الربا ويقبله منكم- ﵁» (٢) فكيف بمن لم يفوِّت، وإنما اتقى الله ما استطاع؟ وطردُ هذا أن لا تجب الإعادة على من تيمَّم في الحضر لعدم الماء، أو لخشية (٣) أذى البرد ونحوهم. وقد ثبت بالسنة الصحيحة أنَّ المستحاضة تصلِّي مع وجود النجاسة، ولا إعادة عليها (٤). وقد صلَّى عمر ﵁ وجُرحُه يثعَب دمًا، ولم يُعِدْ (٥). ولأنَّا لو أوجبنا عليه الإعادةَ إذا صلَّى في ثوب نجس، ولم نُوجبها إذا صلَّى عريانًا، لكان التعرِّي أحسن حالًا، فكان ينبغي أن يصلِّي عريانًا. وقد تقدَّم تضعيفُ ذلك.

стр. 1045

ومن أصحابنا من فرَّق بين مسألتي المكان والثوب، على ظاهر ما بلغه من النص، بأنه هنا قادر على اجتناب النجاسة وعلى الاستتار، لكن إنما يمكنه كلُّ واحد منهما بتفويت (١) الآخر، فإذا تزاحما قدَّمنا أوكدَهما، ثم أوجبنا القضاءَ لكونه قادرًا على اجتناب النجاسة من بعض الوجوه، بخلاف [ص ١٠٤] المحبوس. وبكلِّ حال فعليه أن يتقي النجاسة ما أمكن. فإذا كان معه ثوبان نجسان صلَّى في أقلِّهما نجاسة. وإن كانت النجاسة في طرفِ ثوبٍ كبيرٍ استتر بالطاهر منه، وإن كان حاملًا للنجاسة؛ لأنَّ محذورَ الحمل بدون الملاقاة أقلُّ من محذورهما جميعًا. وقد تقدَّم حكمُ من لم يجد إلا ثوبَ حرير أو ثوبًا مغصوبًا. فصل وأما من لم تمكنه الصلاة إلا في موضع نجس، كالمحبوس فيه إذا لم يكن عنده ما يحتجر به، فإنه يصلِّي فيه بلا خلاف، لأنه لا يقدر على غير ذلك. وفي الإعادة روايتان. المنصوص منهما: أنه لا إعادة عليه (٢)، وهي الصحيحة. وكذلك كلُّ من عليه نجاسة يعجز عن إزالتها، إمَّا بأن لا يجد لها طهورًا، أو يجده ولا يستطيع إزالتها لكونها على جرح يضره الماء. فإن قلنا: يعيد على إحدى الروايتين، فلأنها إحدى الطهارتين، ولم يأت

стр. 1046

بها ولا ببدل عنها، فأشبهت طهارةَ الحدث. ولأنه قد ترك العبادة لعذر نادر غير متصل، فأشبه صومَ المستحاضة. والأول أصحُّ، لما تقدَّم، ولأنه شرطٌ عجز عنه، فلم تلزمه الإعادة من أجله كالسترة والقبلة حال المسايفة. هكذا ينبغي أن يكون الكلام إذا حُبِس في المواضع المنهيِّ عن الصلاة فيها كالحُشّ والحمام. والإعادة هنا أضعف، لأنه في هذه الحال ليس بمنهيٍّ عن الصلاة فيها، فأشبه المصلِّي في الثوب الحرير إذا لم يجد غيره. وإذا أقيمت الجمعة في مكان مغصوب فإنه يصلِّي فيه، ولا يحِلُّ لأحد تركُها. نصَّ عليه (١)، لأنَّ الجمعة لا تُفعَل إلا في مكان واحد، فلو لم يشهدها لأفضى إلى تركها بالكلِّية. ولهذا يصلِّي (٢) خلف كلِّ إمام برًّا كان أو فاجرًا، وكذلك يصلِّي (٣) خلف الإمام وإن كان ثوبه حريرًا أو مغصوبًا لذلك. ثم إن أمكنه الاقتداء بالإمام في غير المكان المغصوب لم يجُز الدخول إليه، وإلا جاز للضرورة. ولا يتنفَّل فيه، لعدم الضرورة. وإذا كان الإمام جاهلًا بالغصب، فإنَّ صلاتَه وصلاةَ من لم يعلم بالغصب وصلَّى فيها، وصلاةَ من صلَّى خارجًا عنها= صحيحة، إذا بلغوا العدد المعتبر، لأنَّ قصارى صلاة من صلَّى فيها عالمًا بالغصب أن تكون (٤)

стр. 1047

معدومة. وأمَّا بدون ذلك، ففي وجوب الإعادة روايتان، خرَّجهما أصحابنا على الائتمام فيها بالفاسق. فأما المحبوس في مكان مغصوب، فينبغي أن لا تجب عليه الإعادة قولًا واحدًا، كمن لا يجد [ص ١٠٥] إلا الثوب الحرير، لأنَّ لبثه فيه ليس بمحرَّم عليه، لأنه لم يدخل باختياره، إلا أن يكون قادرًا على الخروج، بخلاف من لم يجد إلا الثوب المغصوب فإنَّ التحريم ثابت في حقِّه. هذه الطريقة الصحيحة. ومن أصحابنا من يجعل فيمن لم يجد إلا الثوب الحرير روايتين، كمن لم يجد إلا الثوب النجس. وعلى هذا، فمن لم يمكنه أن يصلِّي إلا في الموضع المغصوب، فيه الروايتان، وأَولى. وكذلك من يُكرَه على الكون بالمكان النجس (١) والمغصوب، بحيث يخاف من الخروج منه ضررًا في نفسه أو ماله، ينبغي أن يكون كالمحبوس في الموضع النجس. والمحبوسُ في الموضع النجس يجلس في صلاته على قدمَيه، لأنَّ ما سواهما يمكن صونُه عن النجاسة، من غير إخلال بركن؛ لأنَّ إلصاقَ الأليتين بالأرض حالَ القعود ليس بواجب. وأما السجود، ففيه روايتان: إحداهما: أنه يومئ إلى الحدِّ الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة كالعريان.

стр. 1048

والثانية: يسجد بالأرض، لأنه فرض مقصود في نفسه، ومُجمَع على افتراضه، فأشبَه مَن تنتقض طهارته بالسجود، وأَولى، لأنَّ طهارة الحدث أوكد من طهارة الخبث. فصل ومتى بُذِل للعريان إعارةُ سترةٍ لزمه قبولُها، كما يلزمه قبول الماء إذا وُهِب له، والدلو والحبل إذا أعيَرتْه (١). وقيل: لا يجب عليه قبولُها، كما لا يلزمه قبولُها إذا بُذلت له هبةً (٢)، وكما لا يلزمه قبول المال في الحج والكفارات. وقد خُرِّجَ وجهٌ بأنه يلزمه قبولُ الهبة، لأنَّ العار في بقاء عورته مكشوفةً أكثر من الضرر في المنَّة التي تلحقه، لاسيَّما (٣) عند من قال من أصحابنا: إنه يلزمه قبولُ المال في الحجِّ، فإنَّ قبول السترة أوكد، لأنَّ فرض السترة لا يتوقَّف على وجودها، وإنما يتوقَّف على القدرة على تحصيلها، كالماء في الوضوء، بدليل أنه لو أمكنه تحصيلُ السترة من المباحات لزِمَه، ولا يلزمه تحصيلُ ما يحجُّ به من المباحات. ووجه الأول ــ وهو المشهور ــ: أنَّ قبول العاريَّة لا منَّة فيه في الغالب، بخلاف قبول الهبة، فصار قبولُها كقبول الماء والتراب في الطهارة،

стр. 1049

وكالاسترشاد إلى طريق الجامع. ووجوبُ (١) السترة لا يعتمد وجودَها، وإنما يعتمد القدرةَ عليها، وهي حاصلة؛ بخلاف قبول الهبة، فإنَّ فيه ضررًا عليه بالحقِّ الذي يجب للواهب عليه، وإمكان إلحاق المنَّة به. قال بعض أصحابنا: ولا يجب على مالك الثوب أن يُعيرَه، إذ لا ضرورة بالعريان إليه؛ كما لا يجب عليه أن يبذل له ماءً للوضوء، مع أنه يجب عليه بذلُ الماء للعطش، واللباس [ص ١٠٦] لخوف الضرر بالحرِّ والبرد ونحو ذلك. وقياس المذهب أنَّ هذا واجب، لأنَّ ستر العورة من الحوائج الأصلية التي لا تختصُّ بالصلاة، فمتى اضطُرَّ الإنسان إليه وجب بذله له، وإن لم يخف ضررًا بالتعرِّي بخلاف الطهارة. وكشفُ السوءة فيه ضررٌ على الإنسان في نفسه أعظمُ من كثير من الضرر الذي يلحقه في بدنه، فيجب إعانته على إزالته ببذل الفضل، كإعانة (٢) الجائع والعطشان. وأيضًا فإنَّ هذا بذلُ منفعة لتكميل عبادة، هي واجبة في الأصل، ولا ضرر في بذلها، فوجب، كتعليم الجاهل، ودلالة الغريب على طريق الجامع، ومناولة الماء والتراب لمالكهما، وتوجيه الأعمى إلى القبلة؛ بخلاف الماء، فإنه بذلُ عَين. وبكلِّ حالٍ، فالمستَحبُّ أن يبذل لهم السترة، لأنه إعانة على تكميل العبادة، فأشبَه المتصدِّقَ على الرجل بالصلاة معه جماعةً، وأولى.

стр. 1050

ويبدأ بإعارة النساء قبل الرجال، لأنَّ عورتهن أغلظ. فصل وإن لم يجد إلا حشيشًا أو ورقًا يربِطه عليه لزمه السَّترُ به، لأنه مغطٍّ للبشرة من غير ضرر، فأشبَه الجلود والثياب. وقد أخبر الله تعالى عن آدم وحواء أنهما ﴿طَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]. وأمر النبيُّ ﷺ بمصعب بن عمير يومَ أحد أن يُجعَل على رجليه شيءٌ (١) من الإذخر (٢)، فإذا كان الإذخر كالثوب في ستر الميِّت، فكذلك في ستر الحيّ. وإن لم يجد إلا طينًا، ففيه وجهان: أحدهما ــ وهو اختيار ابن عقيل (٣) ــ: أنه يلزمه أن يتطيَّن به بدل الثوب. فما سقط منه سقط حكمُ الوجوب فيه، وتحصل السترة بما بقي. والثاني: لا يجب، وهو اختيار الآمدي وغيره. وقيل: إنه المنصوص. قال أحمد: لأنه يتناثر ولا يبقى (٤). وهو الصواب المقطوع به؛ لأنَّ السلف من الصحابة ومَن بعدهم أمروا العُراةَ الذين انكسر بهم المركبُ أن يصلُّوا بحسب حالهم (٥)، مع العلم بأنه قد كان يمكنهم أن يجبلوا (٦) من ماء البحر بتراب البر فيصير طينًا. فإنَّ أكثر السواحل يقرُب منها التراب.

стр. 1051

وأيضًا فإنَّ هذا مثلة، وهو ملوِّث، مؤذٍ، يتناثر رطبًا ويابسًا، فلا يحصل به مقصود الستر في الغالب. وأيضًا فإن الفرائض من الجمعة والجماعة تسقط، إذا خيف تأذِّيه بمطر أو بوحَل مع سخونة الهواء، فكيف يؤمر بأن يتطيَّن. وأيضًا فسنبيِّن إن شاء الله تعالى أنه لا يجب عليه أن يسجُدَ على الطين. فإذا سقط تكميل الركن لتلوُّث جبهته ويديه، فتلويثُ جميع عورته أولى [ص ١٠٧] أن لا يجب. وإن وجد ماء لم يلزمه النزول فيه وإن كان كدرًا. وكذلك إن وجد حفرة لم يلزمه النزول فيها؛ لأنَّ ذلك لا يحصِّل مقصودَ الستر الواجب. لكن ينبغي (١) أن يستتر بحائط أو شجرة ونحو ذلك إذا أمكن، لأنَّ ذلك أحسن من التعرِّي في الفضاء. ولذلك أُمِر المغتسل والمتخلِّي أن يستتر بما أمكنه من ذلك. وإن وجد سترةً تضرُّه كالباريّة (٢) لم يلزمه الاستتارُ بها. فصل إذا وجد السترة في أثناء الصلاة قريبةً منه استتر وبنى ، لأنها حينئذ وجبت عليه. وليس الاستتار بها عملًا (٣) يُبطِل الصلاةَ، فأشبه الأمةَ إذا أُعتِقت في الصلاة، والخِمارُ بقربها. وإن كانت السترة بعيدة منه، بحيث تكون مسافتها مما تبطل الصلاة

стр. 1052

بقطعها (١)، أو كان يحتاج الاستتارُ (٢) بها إلى عمل كثير، فإنه يستتر، ويستأنف في ظاهر المذهب، كالمتيمِّم إذا وجد الماءَ، وقلنا: يخرج؛ وكالمستحاضة إذا انقطع دمها انقطاعًا يوجب الوضوء. وفيه وجه مخرَّج على من سبقه الحدث: أنه يستتر ويبني، كالوجه المخرَّج في المتيمم والمستحاضة. والصحيح: الفرق بين مَن حدث المُبطِل له في أثناء الصلاة، ومن كان المُبطِل موجودًا معه من أولها، لكن لم يظهر عمله (٣) للعذر، كما تقدَّم. وإنما نظير المتوضئ هنا الأمة إذا أُعتقت في أثناء الصلاة والسترة بعيدة منها، أو كان المصلِّي مستترًا فأطارت الريح سترته، واحتاج ردُّها إلى عمل كثير، فإنَّ هذا كالمتطهِّر الذي سبقه الحدث، لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحًا من غير قيام المُبطِل، بخلاف العاري والمستحاضة والمتيمم، فإنَّ المبطل كان مقارنًا لأول الصلاة، وإنما عفي عنه للضرورة، ولا ضرورة إذا زال العذر في أثناء الصلاة. ولهذا قلنا: إن الإمام إذا علِم بحدث نفسه في أثناء الصلاة استأنف المأمومون الصلاة، ولو لم يعلم حتى قضَوا الصلاة لم يُعيدوا. وإن وجد البعيدُ عن السترة من يناوله إياها من غير عمل بطلت في أحد الوجهين، لانكشاف العورة زمنًا طويلًا بعد وجوب الستر. ولم تبطل في الآخر إذا ناوله إياها من غير تراخٍ، وهو اختيار الآمدي، لأنه لم يوجد منه عملٌ، وقد أتى بالستر على الوجه الممكن؛ لأنَّ وجوب الستر بالقدرة على

стр. 1053

الستر، لا بنفس ظهور السترة. فصل ولا تسقط السُّترة بجهل وجوبها ولا نسيانٍ لها، كما تسقط بالعجز. فلو نسي الاستتار وصلَّى أو جهِل وجوبه، أو أُعتقت الأمة في أثناء الصلاة [ص ١٠٨] ولم تعلَم حتى فرغت= لزمتهم الإعادة. قاله أصحابنا، لأنَّ الزينة من باب المأمور به، فلا تسقط بالجهل والنسيان كطهارة الحدث. وهذا لأنَّ الناسي والجاهل يجعل وجودَ ما فعله كعدمه، لأنه معفوٌّ عنه. فإذا كان قد فعل محظورًا كان كأنه لم يفعله، فلا إثم عليه، ولا تلحقه أحكام الإثم. وإذا ترك واجبًا ناسيًا أو جاهلًا، فلا إثم عليه بالترك، لكنه لم يفعله، فيبقى في عهدة الأمر حتى يفعله، إذا كان الفعل ممكنًا. وبهذا يظهر الفرق بين الزينة واجتناب النجاسة. ولأنَّ التزيُّن هو الأمر المعتاد الغالب، فتركُه مع القدرة لا يكون إلا نادرًا، فلم يُفرَد بحكم. فصل ويُعفى عن يسير العورة قدرًا أو زمانًا. فلو انكشف منها يسير، وهو ما لا يفحُش في النظر في جميع الصلاة، أو كشفت الريح عورته فأعادها بسرعة، أو انحلَّ مئزُره، فربطه= لم تبطل صلاته. وسواء في ذلك العورة المغلَّظة والمخففة. إلا أنَّ ما يعفى عنه من العورة المخففة أكثرُ مما يعفى عنه من المغلظة؛ لأنه يفحش من هذا في العُرف أكثر مما يفحش من هذا. وقال القاضي وغيره: هما سواء في مقدار العفو.

стр. 1054

وعن أحمد ما يدل على أنه لا يُعفَى عن يسير العورة، كما لا يعفى عن يسير طهارة الحدث (١). ولأنه يجب ستره عن العيون، فاشتُرِط سترُه في الصلاة. وعنه: التوقُّف في ظهور جميع العورة، إذا أعاد السَّترَ بسرعة. وحكي عنه: أنَّ اليسير إذا طال زمانه أبطل، وإن لم يُبطل الكثير إذا قصر زمانه (٢). وقال أبو الحسن التميمي: إن بدت عورته وقتًا، واستترت وقتًا، فلا إعادة عليه (٣). ولم يقيِّده بالزمن اليسير، لظاهر حديث عمرو بن سلمة. والأول هو المشهور، لما روى عمرو بن سلَمة في قصة إسلام قومه لما ذكر أنه صلَّى بقومه على عهد النبي ﷺ ، قال: وكانت عليَّ بُردةٌ إذا سجدتُ تقلَّصَتْ عَنِّي. فقالت امرأة من الحيِّ: ألا تُغَطُّوا عنَّا استَ قارئكم! فقطعَوا لي قميصًا. رواه البخاري (٤). ومن احتجَّ بهذا قال: هذه قضية جرت لهؤلاء الصحابة، ولا يكاد مثلُها يخفى على النبيِّ ﷺ وسائر أصحابه، ولم ينكِر، فصارت حجَّةً من جهة إقراره، ومن جهة أنَّ أحدًا من الصحابة لم ينكِر ذلك. ولا يقال: فأنتم تقولون (٥) بهذا في إمامة الصبي في الفرض، لأنَّا سنتكلَّم عليه إن شاء الله تعالى في موضعه.

стр. 1055

ولأنه قد صحَّ عنه ﷺ أنه قال للنساء: «لا ترفعن رؤوسكنَّ حتَّى يستوي الرجال جلوسًا، لا ترَينَ عوراتِ الرجال [ص ١٠٩] من ضِيق الأزُر» (١) وكانوا يعقِدون أُزُرَهم على أكتافهم (٢)، ولولا أنَّ يسير العورة يُعفَى عنه لأمَر الرجالَ بإعادة الصلاة منه، كما أمَر النساءَ بغضِّ أبصارهن عنه، أو لأَمَر بذلك من كان يمكنه الاتزارُ بإزار واسع، ولأَمَرهم (٣) بالائتزار على وجهٍ لا يؤدِّي إلى كشف شيء من العورة، بأن يأتزروا على العورة فقط، كما ذكره في الإزار الضيِّق، فإنَّ سترَ العورة أهمُّ من ستر المنكب، فإنَّ الناس قائلان: قائلٌ يقول: يجب عليه أن يستر العورة ويسجُدَ، وقائلٌ يقول: يستر المنكبَ ويصلِّي جالسًا مومئًا. فأمَّا أن يسترَ المنكبَ ويسجُدَ مكشوفَ السوءة، فليس بجائز وفاقًا. وأيضًا فإنَّ ذلك يشقُّ عمومُ الاحتراز منه، فإنَّ المآزر والسراويلات تنحطُّ في العادة عن السرَّة قليلًا، والمرأة يبدو طرفُ (٤) شعرها ورُصْغها (٥) كثيرًا، وأكثر الفقراء لا تسلَم أثوابهم من يسير فَتْق أو خَرق. وقد قال النبيُّ ﷺ لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد: «أوَلِكلِّكم ثوبان؟» (٦). فلم يوجب من السترة إلا ما يجده عامَّة الناس دون ما يجد
следующие страницы →