← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وهو ظاهر، فإنَّ الأمة إذا كانت تخرج مكشوفَة الرأس، فأن (١) تصحَّ صلاتُها هكذا كان أولى وأحرى؛ فإنَّ ما تستره المرأة عن الناس أشدُّ مما تستره في الصلاة، ولأنه إذا لم يكن الاختمار واجبًا عليها ولا كانت عادة إمائهن ذلك، فمعلومٌ أنهم لم يكونوا وقت الصلاة يضعون لهن خمُرًا ولا يغيِّرون لهن هيئة. وهذا مما لا نعلم فيه خلافًا (٢). إذا ثبت ذلك فلا يختلف المذهب أيضًا أنِّ ما بين السرَّة إلى الركبة منها عورة. وقد حكى جماعة من أصحابنا (٣) روايةً أنَّ عورتها السوءتان فقط، كالرواية في عورة الرجل. وهو غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصًا، وعلى الشريعة عمومًا؛ فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم. وكلام أحمد أبعد شيء عن هذا القول. وإنما كان يفعل مثلَ هذا أهلُ الجاهلية حين كانت المرأة الحرَّة والأمة تطوف بالبيت، وقد سترت قُبلها ودُبرها تقول: اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه ... وما بدا منه فلا أُحِلُّه (٤) حتى نهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بأخذ الزينة عند المساجد، وسمَّى فعلهم فاحشة (٥).

стр. 982

وإنما وقع الوهم فيه من جهة أن بعض أصحابنا قال: عورة الأمة كعورة الرجل، بعد أن حكى في عورة الرجل الروايتين. وإنما قصد أنها مثله في المشهور في المذهب. ثم اختلف أصحابنا فيما عدا ضواحيها وما بين السرة والركبة، وهو الظهر والصدر والمنكب ونحو ذلك، هل هو عورة في الصلاة؟ على وجهين. ومنهم من يحكيه على روايتين، لأنه قد أومأ إليهما. ومنهم من يقول: إن المنصوص عورة. أحدهما: أنه ليس بعورة، كما ذكره الشيخ ﵀. وهو قول ابن حامد وأبي الخطاب وابن عقيل (١)، لما روى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه عن النبي ﷺ قال: «إذا زوَّج أحدُكم خادمَه أو عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرَّة وفوق الركبة» (٢) والمراد بالخادم: الأمة. وإذا جاز للسيِّد النظر إلى ذلك مع أنها حرام عليه لم [ص ٧٧] يكن عورة. والثاني: هو عورة. قاله القاضي في «الجامع» وابنه أبو الحسين، وذكر أنه منصوص أحمد (٣). وهو اختيار أبي الحسن الآمدي (٤). وهو أشبه بكلام أحمد وأصحُّ؛ لأنَّ عليًّا ﵁ قال: تصلِّي الأمة كما تخرُج (٥). ومعلوم

стр. 983

أنها لا تخرج عارية الصدر والظهر. ولأنَّ الفرق بين الحرَّة والأمة إنما هو في القناع ونحوه، كما دلَّت عليه الآثار. ولأنهن كنَّ قبل أن ينزل الحجاب مستوياتٍ في ستر الأبدان، فلما أُمِر الحرائر بالاحتجاب والتجلبُب بقي الإماء على ما كنَّ عليه. فأما كشفُ ما سوى الضواحي، فلم يكن عادتهن، ولم يؤذن لهن في كشفه، فلا معنى لإخراجه من العورة. ولأن الله تعالى أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، وقميصُ الأمة ورداؤها من زينتها بخلاف الخمار. ولأن النبيَّ ﷺ نهى الرجل أن يصلِّي في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء (١) تكميلًا للتزيُّن بستر المنكب، فكيف يأذن للأمة أن تصلِّي وظهرها وصدرها مكشوف، مع العلم بأنَّ انكشاف ذلك منها أشدُّ قبحًا وتفاحشًا من انكشاف منكب الرجل. ولأنَّ الأصل أنَّ عورة الأمة كعورة الحرَّة، كما أنَّ عورة العبد كعورة الحر، لكن لما كانت مظنَّةَ المهنة والخدمة، وحرمتُها تنقص عن حرمة الحرة، رُخِّص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه، وقطعِ شبهها بالحرّة، وتمييزِ الحرَّة عليها. وذلك يحصل بكشف ضواحيها من رأسها وأطرافها الأربعة، فأما الظهر والصدر فباقٍ على الأصل. والحديث المتقدِّم لا دليل فيه، لأنه لا يلزم من إباحة النظر إليها بالملك أن يكون المنظور ليس بعورة، فإنَّ النظر يباح من المالك والمملوك وذوي المحارم إلى أشياء يجب سترُها في الصلاة، لكن نظر الزوج والسيّد المباح

стр. 984

لهما الوطء أعمُّ من نظر غيرهما. فصل وسواء في ذلك الأمة المزوَّجة والمتسرَّاة غيرُ المستولدة والمدبَّرةُ والمكاتبة والمعلَّق عتقُها بصفة، لأنَّ رقَّهن باقٍ بحاله، وما انعقد لهن من أسباب الحرية ليس بلازم. وقد تقدَّم حديث أنس في صفية (١) بأنه دليل على أن السُّرِّيّة لم تكن تُحجَب حجبَ الزوجة. هذا قول أكثر أصحابنا. وقال أبو علي بن البناء: حكمُ المكاتبة والمدبَّرة والمعلَّق عتقها بصفةٍ حكمُ أم الولد والمعتَق بعضُها (٢)؛ لأنه قد انعقد لهن سبب الحرية، فخرجن عن محض العبودية، فرجعن إلى الأصل. وأما أمُّ الولد، فقد نصَّ أحمد على أنها تصلِّي كما تصلي الحرَّة (٣)، لأنه انعقد لها سبب الحرية لازمًا، [ص ٧٨] وينجرُّ لها من أحكام الحرية أنها لا تباع، ولا توهب، ولا توقف، ولا ينقل الملك في رقبتها؛ فصار فيها شائبة الحرية، فغلب حكمها لوجهين: أحدهما: أنه لا يمكن تمييزُ حقِّ الحرّيَّة عن حقِّ العبودية، والعملُ بمقتضى ما فيها من الحرية واجبٌ، وهو لا يمكن إلا بأن تكون كالحرَّة؛ وما لا يتم الواجب إلا به فواجب. والثاني: أنَّ الأصل أنَّ السترة في الأمة والحرة سواء، وإنما تُرك ذلك

стр. 985

في الأَمة المحضة لما فيها من معنى الابتذال والامتهان، وهذا مفقود (١) في أمِّ الولد. ثم اختلف أصحابنا، هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ على وجهين. وذكر القاضي وأبو الخطاب وغيرهما في ذلك روايتين (٢): إحداهما: أنه على سبيل الاستحباب، كما ذكره الشيخ ﵀. وهو اختيار الخرقي وغيره (٣)، فيُكره لها كشفُ رأسها، لكن لا تبطل صلاتها إن صلَّت مكشوفة، لأنها أمة، فأشبهت المكاتبة. ولأنها مالٌ بدليل [تقويمها] (٤) بالقيمة إذا قُتلت أو ماتت تحت اليد العادية، فتكون كسائر الإماء. وما فيها من منع التصرُّف في رقبتها لا يُخرِجها عن ذلك كالأمة الموقوفة. وما فيها من انعقاد سبب الحرية لا يُوجب أخذَ أحكام الحرية كالمدبَّرة، ولقد مُيِّزت على غيرها لما فيها من شوب الحرائر بكراهة كشف رأسها. والثاني: على سبيل الوجوب، لما تقدَّم. وأمَّا المعتَق بعضُها، فهي على هذا الخلاف المذكور، إلا أنَّ القول بالوجوب هنا هو القويُّ عند أصحابنا، لأن فيها جزءًا حُرًّا، فوجب أن يعطى حكم الحرَّة. وذلك لا يمكن إلا بستر جميعها، فيجب، لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فواجب. ولهذا قلنا فيما لا يمكن تقسيطه من الأحكام مثل

стр. 986

الطلاق: إنه يكمل، فإنَّ المعتَق نصفُه يطلَّق ثلاثًا، لأنه لا يمكن أن يطلَّق طلقتين وربعًا. مسألة (١): (ومن صلَّى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة لم تصحَّ صلاتُه) . هذا أشهر الروايتين عن الإمام أحمد. والأخرى: تصح صلاته مع التحريم. وهي اختيار الخلال (٢). قال الآمدي: وهذا في الفرض، فأما النفل فتبطل روايةً واحدةً (٣)، لأنَّ المقصود به القربة، وهي لا تحصل بالمحرَّمات، بخلاف الفرض فإنه يقصَد به القربة وبراءة الذمة، فإذا بطلت القربة تبقى براءة ذمته. وأكثر أصحابنا أطلقوا الخلاف. وهو الصواب، لأنَّ منشأ القول بالصحة أن جهة الطاعة مغايرة لجهة المعصية، فيجوز أن يثاب من وجه، ويعاقَب من وجه (٤)؛ كما تبرأ (٥) الذمة فإنها لا تبرأ إلا بامتثال الأمر، وامتثال الأمر طاعة. والصلاة في الثوب الحرير ممن يحرم عليه لبسُه على هذا الخلاف، لأن المذهب أنه حرام. وكذلك من لبس ثوبًا فيه تصاوير، إذا قلنا: إنه حرام.

стр. 987

قال أبو عبد الله السامرِّي (١): «كلُّ من صلَّى في سترة [ص ٧٩] يحرم عليه لبسُها، ولا سترة عليه غيرها، كُرِه له ذلك. وهل تبطل صلاته؟ على روايتين. وذلك مثل المغصوب وما اشتُري بعين مال الحرام في حقِّ الرجال والنساء، ومثل الحرير وما غالبُه الحرير وما نُسِج بالذهب ونحو ذلك في حقِّ الرجال». ووجه الإجزاء أنَّ تحريم ذلك لا يختَصُّ (٢) الصلاة، فأشبه من صلَّى وهو حامل ثوبًا مغصوبًا. ولأنَّ النهي عن الصلاة في المكان والثوب المغصوبين ليس لمعنًى في نفس الصلاة، كالصلاة مع الحدث والنجاسة، وإنما هو لمعنًى في غيرها، وهو ما فيه من ظلم الغير، والانتفاع بملكه بغير إذنه. وهذه جهة غير جهة العبادة، فيكون مطيعًا من حيث هو مصلٍّ، عاصيًا من حيث هو غاصب. ووجه الأول: ما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمِل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» متفق عليه (٣). ومعنى «ردّ» أي مردود. وفي لفظ: «من صنع أمرًا على غير أمرنا فهو مردود» رواه أحمد (٤). وهذه الصلاة ليس عليها أمر الله ورسوله، بل هي على غير أمر الله ورسوله. ولأنه منهيٌّ عن

стр. 988

هذه الصلاة فلا يكون مأمورًا بها، فلا يكون قد فعل ما أُمِر به، فيبقى في عهدة الأمر. وقولهم: النهي لمعنًى في غير المنهي عنه، وهي مأمور بها من وجه آخر= ليس بجيِّد، لأن هذه الصلاة المعينة لم يأمر الله بها قطُّ، بل نهى عنها لمعنًى فيها، ولمعنًى في غيرها؛ فإنَّ التقرُّب إلى الله بالحركات المحرَّمة وبالزينة المحرَّمة يوجب (١) أن تكون المفسدة في نفسِ حركات الصلاة، ونفسِ الزينة التي هي شرط الصلاة؛ وأنه نهى عن عين (٢) هذه الصلاة لمعنًى يعود إليها، كما هو منهيٌّ عن الصلاة في المكان النجس وبالثوب النجس، وأَولَى، فإن اشتراط حِلِّ المكان واللباس أولى من اشتراط طهارته، لما فيه من تعلُّق حقِّ الغير به. يبيِّن ذلك أنَّا إنما علمنا كونَ النجاسة مفسدة للصلاة بالنهي عنها، والنهيُ عن لُبسِ الحرير ولُبسِ المغصوب والاستقرارِ في المكان المغصوب أشدُّ. ولأنَّ النهي يقتضي فساد المنهي عنه، إذ لو كان فعلًا صالحًا صحيحا لَما نُهي عنه. ولأنَّ الصلاة طاعة وقربة، والحركاتُ في هذا الثوب والمكان معصية، والشيء الواحد لا يكون طاعةً [و] (٣) معصيةً مع اتحاد عينه، فإنه جمعٌ بين النقيضين. وحقيقة المسألة: أنَّ السترة والمكان شرطٌ لصحة الصلاة كالطهارتين والأركان، ومتى أتى بفرائض الصلاة على الوجه المنهيِّ عنه لم يكن ما أتى

стр. 989

به هو المفروض، فلم يصحَّ إتيانه به، وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين من ارتكب في الصلاة محظورا لا تعلُّق له [ص ٨٠] بواجباتها، مثل لبُس خاتم الذهب، وحمل المغصوب؛ فإن ذلك معصية منفصلة عن العبادة، وإن كانت فيها، فأشبهت الظلم والبغي للصائم والمحرِم، فإن هذه المعاصي تقابل الثواب إن كانت بقدره، مع براءة الذمة من عهدة الواجب، فيبقى لا له ولا عليه: لا يعاقَب عقوبةَ التارك، ولا يثاب ثوابَ الفاعل، كما في الحديث: «ربَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوعُ والعطشُ. وربَّ قائمٍ حظُّه من قيامه السَّهرُ» (١). أما إذا كان شرطُ صحة العبادة التي لا تتمُّ إلا به، أو شرطُ وجوبها الذي به يمكن أداؤها أيضًا= مفعولًا على الوجه المحرَّم، كالماء والتراب في الوضوء والتيمُّم، وكالزينة والبقعة في الصلاة، وكالمال في الحجِّ= فإنه يكون متقرِّبًا إلى الله بنفس ما حرَّمه، ومطيعًا له بفعل (٢) ما حرَّمه. والتقرُّبُ إلى الله والطاعةُ له بفعل ما حرَّمه محالٌ، ولا يصحُّ، ولا يجزئ. ولو كان عليه ثوبان، أحدهما محرَّم، فقال أكثر أصحابنا: لا يصحُّ أيضًا، لأنَّ المباح لم يتعيَّن ساترًا، سواء كان فوقانيًّا أو تحتانيًّا، إذ أيُّهما قُدِّر عدمُه ستَر الآخرُ. وكذلك لو كان بعض الثوب مغصوبًا، ولم يكن ساترًا لشيء من العورة؛ لأنه تابع للساتر. ومنهم من خصَّ الروايتين بمن صلَّى في سترة يحرُم عليه لبسُها، ولا

стр. 990

سترة عليه غيرها (١). فأمَّا تِكَّة السراويل إن كانت غصبًا أو حريرًا، فالمنصوص عن أحمد: التوقف عن الإعادة إذا صلَّى بها (٢)، فتخرج على وجهين. وقال أبو بكر والقاضي وغيرهما: حكمُها (٣) حكم السراويل؛ لأنها من مصالحه. وأما عمامة الغصب والحرير، ففيها وجهان: أحدهما: لا يبطل. اختاره ابن عقيل وأبو محمد (٤)؛ لأنها ليست مما يجب للصلاة، فأشبهت خاتم الذهب. والثاني: يبطل. اختاره القاضي (٥)، لأنها وإن لم تكن شرطًا فهي من جنس الشرط، لأنها لباس. وهي ملحقة به في الاستحباب، فأُلحقت به في الحكم، كما تلحق اللفافة الثانية والثالثة بالأولى في قطع النباش إذ شاركتاها في الاستحباب، وإن لم تُلحَق بها الرابعة والخامسة لما لم تكن مستحبة. فإن لم يجد غير المغصوب، فهو كما لو وجد غيره، إذ (٦) كان التحريم باقيًا. وأما الثوب الحرير، إذا لم يجد غيره، فتصحُّ صلاته فيه لزوال التحريم.

стр. 991

وقيل: هو كالصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد طاهرًا. وهذا ضعيف، لأن المقتضي للفساد الحرمة، وقد زالت، فأشبه ما لو كان المصلي فيه امرأة، أو كان قد لبسه لحكَّة أو جَرَب، وأَولى، فإنَّ لُبسَه عند عدم غيره جائز إجماعًا. ولو كان جاهلًا بأنَّ المكان أو الثوب محرَّم، إمَّا لعدم علمه بأنه مغصوب، كرجلٍ صلَّى في مسجد مدَّةً أو في دار، ثم علِم أنه مكان مغصوب، [ص ٨١] ورجلٍ لبس ثوبًا هو حرير، وهو لا يعلم أنه حرير، أو لعدم علمه بأن الحرير محرَّم، أو بأنَّ القعود في هذا المكان حرام، ونحو ذلك= فلا إعادة عليه هنا، سواء قلنا: إنَّ الجاهل بالنجاسة يعيد، أو لا يعيد؛ لأنَّ عدم علمه بالنجاسة لا يمنع العين أن تكون نجسة. وهنا إذا لم يعلم بالتحريم لم يكن فعلُه معصية، بل يكون طاعة (١). وإن وجب عليه ضمان لحقِّ آدمي. فصل ولا فرق في المكان المغصوب أو الثوب المغصوب بينَ أن يكون قد غصب الرقبةَ بيد قاهرة أو دعوى فاجرة، وبينَ غصبِ منافعها بأن يدعي إجارتها دعوى كاذبة، أو يسكنها مدةً بدون إذن أربابها. ولا فرق بين غصب القرار وغصب الهواء مثل أن يُخرج رَوْشَنًا أو ساباطًا (٢) في موضع لا يحِلُّ له. ولا فرق بين أن يجعل المغصوبَ دارًا أو مسجدًا، مثل أن يغصب أرضًا، فيبنيها مسجدًا، أو يبني المسجد في الطريق الضيقة. ولا فرق بين أن

стр. 992

يغصب جميع البقعة أو جزءًا مُشاعًا منها، مثل أن يكون بينه وبين غيره أرض مشتركة، فيغصبه حصّتَه. وكذلك لو كان بعضُ بدنه في موضع مباح وبعضُه في موضع محرَّم لم تصحَّ صلاته، كما لو كان بعض موضعه طاهرًا وبعضه نجسًا. فإن صلَّى على راحلة مغصوبة أو سفينة مغصوبة، فهو كالأرض المغصوبة، لأنها مستقَرٌّ له، ينتقل بانتقالها، ويقف بوقوفها. وإن صلَّى على فراش مغصوب كالبساط والحصير والمصلَّى، ففيه وجهان (١). وإن صلَّى على سرير مغصوب، ففيه وجهان، أظهرُهما البطلان. وإن غصب مسجدًا بأن حوَّله عن كونه مسجدًا، بدعوى ملكه، أو وقفِه على جهة أخرى، أو تغيير بنيته لغير الصلاة= لم تصحَّ الصلاة فيه. وإن بقَّاه مسجدًا، ومنع الناس من الصلاة فيه، ففيه وجهان: أحدهما: تصحُّ، وهو اختيار طائفة من المتأخرين. قال ابن عقيل: لأنه لم يصحَّ غصبُه حكمًا، بمعنى أنه لو تلف المسجد في مدة منعه لم يلزمه ضمانُه، كالحرِّ إذا غُصِبَ (٢). وإذا لم يصح غصبه صحَّت الصلاة (٣) فيه. ولأنَّ صلاتَه فيه ولُبثَه فيه غير محرَّم، وإنما المحرَّم منعُ الغير منه، فيكون هذا

стр. 993

مستثنًى من غصبه إياه، كما استثنيت مواقيت الصلاة في حقِّ العبد الآبق. والثاني: لا يصحُّ. وهو قولٌ قويٌّ، لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]. فعاقب الله سبحانه [ص ٨٢] من منع المساجدَ أن يُذكَر فيها اسمُ الله، وسعى في خرابها بمنع العُمَّار الذين يعمُرونها بذكر الله، بأن حكم عليه بأنه ليس له أن يدخلها إلا خائفًا، فيكون هذا الغاصب ممنوعًا من لبثه في هذا المسجد عقوبةً على منعه الناس. واستثناؤه ودخولُه خائفًا دليلٌ على ثبوت المنع، لأنه إمَّا أن يكون خائفًا من الله تعالى أن يعاقبه، وذلك دليل على أن دخوله سبب العقوبة، فيكون حرامًا؛ وإما أن يكون خائفًا من الخلق بتسليط الله إياهم عليه عقوبةً له. وإذا كان الله قد عاقبه بأن جعله لا يدخل إلا خائفًا كان دخولُه سببًا لحصول الخوف له، والخوفُ عقوبةٌ، فلا يكون الدخول إليها مأذونًا فيه، لأنَّ ما أذن الله فيه لم يجعله سببًا للعقوبة، ولأنَّ الله تعالى منعه أن يدخل إلا معاقبًا بالخوف. فعُلِمَ أنَّ الدخول ليس مباحًا مع مقامه على منع غيره، لأنَّ ما أبيح لا يشترط في الإذن فيه حصولُ عقوبة، ولأن دخول المسجد وإن كان مباحًا، لكن إباحة الشيء قد تكون مشروطة (١) بالكفِّ عن محرمات تتعلَّق بجنسه، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، فإنما أباح الأنعام لمن يعتقد تحريم الصيد في الإحرام،

стр. 994

فمن لم يلتزم هذا التحريم لم يكن مأذونًا له في ذلك المباح من جهة الشارع. فكذلك الدخول إلى المسجد يجوز أن يكون مشروطًا برعاية حرمته، والكفِّ عن منع عباد الله من بيته. وذلك أنَّ المسجد إنما أبيح له أن يدخله بوصف الاشتراك، فأمَّا دخولُه بوصف الانفراد فليس بجائز، كمن منع غيره من أخذ المباحات ليأخذها هو، مثل أن يمنعه عن الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد، ثم يأخذ ما منعه منه، فإنَّ هذا حرام، وإن كان مباحًا لو لم يمنع غيره. وكذلك لو منع الناس أن يبيعوا أموالهم ليبيع هو ماله كان بيعه حرامًا، لأنه إنما باعه على الوجه المحرَّم، وهو بمنزلة المكره على الشِّرى (١) منه. وأيضًا فمن صور هذه المسألة: إذا احتجر موضعًا من المسجد، ومنَع الناس من الصلاة فيه مثل المقصورة. وقد كان السلف يكرهون الصلاة في المقصورة، ويرون الصفَّ الأول الذي يلي المقصورة (٢). ولولا أنهم اعتقدوا أنَّ دخولها مع الاحتجار منهيٌّ عنه لم ينهوا عن الصلاة في مقدَّم المسجد، بل لمَّا كُرِهت الصلاة فيها صارت كأنها ليست من المسجد. فكيف يصح مع هذا أن يكون دخولُه ولُبثه غير محرَّم إذا دخل على [ص ٨٣] هذا الوجه. وأما قول ابن عقيل: إنَّ المسجد لو تلِف في مدة منعه لم يلزمه ضمانه، فليس الأمر كذلك، بل المسجد عقار من العقار يُضمَن بالإتلاف إجماعًا، ويُضمَن بالغصب عند من يقول: إن العقار يُضمَن بالغصب. وهو المشهور

стр. 995

في المذهب. ومن لم يضمنه بالغصب لم يفرِّق بين المسجد وغيره. ولا خلاف أنه متقوِّم تقوُّمَ الأموال، بخلاف الحرِّ فإنه ليس بمال. نعم هو يشبه العبد الموقوف على خدمة الكعبة، فإنه ليس له مالك معيَّن، ومع هذا فهو مضمون بالغصب بلا تردُّد. وكذلك المال الموقوف على مصالح المسجد حكمُه حكمُه (١) من هذا الوجه. مسألة (٢): (ولبسُ الحرير والذهب مباحٌ للنساء، دون الرجال إلا عند الحاجة ، لقول رسول الله ﷺ في الحرير والذهب: «هذان حرام على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثها»). هذا الحديث رواه أبو موسى عن النبيِّ ﷺ . رواه أحمد والنسائي والترمذي (٣) وصحَّحه. ورواه أيضًا علي بن أبي طالب ﵁، ولفظه: إنَّ نبيَّ الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: «إنَّ هذين حرامٌ على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثهم». رواه أحمد وأبو داود

стр. 996

والنسائي وابن ماجه (١). والكلام في فصلين: أحدهما في الحرير فإنه حرام على الرجال، كما ذكر في الحديثين المذكورين. وقد استفاضت الأحاديث عن النبيِّ ﷺ بتحريمه، فروى عمر وأنس ﵄ عن النبي ﷺ : أنه قال: «من لبِس الحريرَ في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» متفق عليهما (٢). وأخرجه البخاري (٣) أيضًا من حديث ابن الزبير، ومسلم (٤) من حديث أبي أمامة. وعن حذيفة بن اليمان والبراء بن عازب أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن لبس الحرير والديباج. متفق عليهما (٥).

стр. 997

ويحرم بيعُه من رجل يلبسه، والإعانةُ على لبس الرجل إياه بتفصيل أو تخييط أو غير ذلك. والثمن والأجرة التي تؤخذ عليه بهذا السبب من الخبائث. فأمَّا بيعُه مطلقًا، فيجوز إذا أمكن أن يلبسه رجل وامرأة. وكذلك صنعتُه على وجه يشترك في لبسه الرجال والنساء مثل البُنْدُك (١). وأما النساء فيباح لهن لبسُه، للحديث المذكور، ولما روى علي بن أبي طالب ﵁ قال: أُهدِيتْ للرسول ﷺ حُلَّةٌ سِيَراءُ، فبعث بها إليَّ، فلبستُها، فعرفتُ الغضب في وجهه، فقال: «إنِّي لم أبعث بها إليك لِتَلبسَها، إنما بعثتُ بها إليك لِتشقِّقها خُمُرًا بين النساء» متفق عليه (٢). [ص ٨٤] وعن ابن عمر ﵄ أنّ النبيَّ ﷺ قال: «إنما يَلبَس الحريرَ في الدنيا من لا خَلاقَ له في الآخرة». فلما كان بعد ذلك أُتيَ بحُلَلٍ، فبعث إلى أسامة بن زيد بحُلَّة. فراح أسامة في حُلَّته، فنظر إليه نظرًا عَرف أنه قد أنكر ما صنَع، فقال أسامة: يا رسول الله ما تنظر إلي؟ بعثتَ بها إليَّ. فقال: «لم أبعث بها إليك لِتلبسَها، ولكن بعثت بها (٣) لتشقِّقها خُمُرًا بين نسائك» رواه مسلم (٤).

стр. 998

و من حَرُم عليه لبسه حَرُم عليه سائر وجوه الاستمتاع به ، مثل الجلوس عليه، والاستناد إليه، وتعليقه ستورًا؛ فإنَّ لفظ اللباس يشمل ذلك، بدليل قول أنس: ولنا حصيرٌ قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ (١). وقد جاء ذلك صريحًا، فروى أبو أمامة أنه دخل على خالد بن يزيد، فألقى له وسادةً، فظنَّ أبو أمامة أنها حرير، فتنحَّى، وقال: قال رسول الله ﷺ : «لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله» رواه أحمد (٢). وعن حذيفة بن اليمان قال: نهانا النبيُّ ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها؛ وعن لُبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه. رواه البخاري (٣). وعن البراء بن عازب أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن المياثر الحُمْر. متفق عليه (٤). ورواه الترمذي (٥) ولفظه: نهى عن ركوب المياثر.

стр. 999

والمياثر: المراكب التي تكون على الرَّحل والسَّرج. سُمِّيت مياثرَ لوَثارتها (١) ولِينها. ومنه الوِثْر والوَثير، وهو الفراش الوطيء. قال أبو عبيد (٢): وأما المياثر الحُمْر التي جاء فيها النهي، فإنها كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير. وعن علي بن أبي طالب قال: نهاني ــ يعني النبيَّ ﷺ ــ عن لُبس القَسِّيِّ، وعن الجلوس على المياثر. والمياثر: شيء كان يجعله النساء لبعولتهن على الرَّحل كالقطائف الأُرْجُوان. رواه مسلم (٣). ولأنَّ تحريمه إنَّما هو ــ والله أعلم ــ لما فيه من السَّرَف والفخر والخيلاء ونحو ذلك. وذلك موجود في لُبسه على البدن، وفي افتراشه، وجعله ستورًا؛ بل ربما كان ذلك بغير اللُّبس أعظمَ، إلا أنه أرخص فيه للنساء لأنَّ بهنَّ حاجةً إلى التزيُّن للبعولة في الجملة، كما أرخِص لهن في التحلِّي بالذهب، وكما أُرخِص لهن في إطالة الثياب لمصلحة السَّتْر؛ ولأنهن خُلِقن في الأصل ناقصاتٍ محتاجاتٍ إلى ما يتجمَّلن به ويتزيَّنَّ. قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. ويباح لهن افتراشُه والاستناد إليه، كما يباح لهن لبسُه على أبدانهن، في المشهور من المذهب الذي عليه جمهور أصحابنا.

стр. 1000

وقال (١) ابن عقيل: [ص ٨٥] لا يباح ذلك، لأنَّ حاجة المرأة إنما هي إلى لُبسه على بدنها دون افتراشه وتوسُّده، ولأنه أحد المحرَّمَين، فلم يُبَح للنساء منه إلا ما تبِع أبدانَهن كالذهب. ووجه الأول: عموم أحاديث الرخصة، ولأنَّ ذلك كلَّه لباس، وقد أبيح لهن لَبوسُ الحرير (٢). فصل وما يحرم على الرجال فإنه عامٌّ في حقِّ الكبير والصغير، في المشهور من الروايتين. وفي الأخرى: لا بأس بإلباسه الصبيَّ، لأنه غير مكلَّف، ولأنه ضعيف العقل، فأبيحت له الزينة كالمرأة، كما يباح له من اللعب ما لا يباح للبالغ، بحيث لا يُمنَع منه. ووجه الأول (٣): عموم النهي، فإنه قال: «حرامٌ على ذكور أمَّتي» (٤)، ولم يفرِّق بين الكبير والصغير. ومعنى التحريم في الصغير: أنه يُمنَع منه، كما يُمنَع من شُرب الخمر، ومن الكذب وغير ذلك من المحرَّمات؛ وأنَّ كافله يأثم بتمكينه من ذلك، وأنَّ لكلِّ واحد ولايةَ منعه من ذلك، لأنه من باب النهي عن المنكر.

стр. 1001

ولِما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: كنَّا ننزِعه عن الغلمان، ونتركه على الجواري. رواه أبو داود (١). ومعلومٌ أنهم إنما يفعلون هذا مفرِّقين هذا التفريق بأمر رسول الله ﷺ ، لأنَّهم لا يُقدمون على نزع لباسٍ كانوا يُلبِسونه أولادَهم، ثم ينزعونه عن أحد الصنفين دون الآخر، إلا عن توقيف. وأيضًا لما (٢) روي أن عبد الرحمن بن عوف دخل على عمر، ومعه ابنه محمد، عليه قميصٌ من حرير. فأدخلَ عمرُ يده في جيبه، فشقَّه. فقال عبد الرحمن بن عوف: فزَّعتَ الصبيَّ، أطرتَ قلبَه! فقال عمر: تُلبِسونهم الحرير (٣)! وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنتُ جالسًا عند عبد الله بن مسعود، فأتاه ابن له صغير، وقد ألبسته أمُّه قميصًا من حرير، وهو مُعجَب به، فقال له: يا بُنيَّ من ألبسك؟ قال: أمِّي. قال: اُدنُه. فدنا منه، فشقَّه، ثم قال: اذهب إلى أمِّك، فَلْتُلبِسْكَ ثوبًا غيَره (٤). وعن سعيد بن جبير قال: قدِم حذيفة من سفر، وعلى صبيانه قُمُصٌ من حرير، فمزَّقه على الغلمان، وتركه على الجواري (٥). رواهنَّ الخلَّال.

стр. 1002

وهذا كلُّه دليل على أنهم فهموا من الحديث عمومَ التحريم في الرجال (١). وعمرُ وحذيفةُ من رواة حديث التحريم، فهم أعلم بمعنى ما سمعوا. ولأنَّ ذلك إجماع منهم، فإنه لم يبلغنا أنَّ (٢) أحدًا منهم أرخص فيه. وعبد الرحمن لم يخالف عمر في إنكاره عليه إلباسَه الحريرَ، بل أقرَّه على إنكاره عليه إلباسَهم الحرير، وإنما قال له: أفزعتَ الصبيَّ. فعُلِم أنه وافق عمرَ على أنَّ الصبيان ممنوعون من لُبس الحرير، وأنَّ ذلك الإلباس إمَّا يكون مِن فعلِ [ص ٨٦] النساء، أو يكون (٣) عبد الرحمن لم يكن سمع النهي. وقد روي (٤) أنه قاس ابنه على نفسه، لأنَّ رسولَ الله ﷺ كان قد أرخص له في لُبس الحرير للحِكَّة، فقال له عمر: إنه ليس مثلَك. وهذا دليل على أنَّ أحدًا منهم لم يفرِّق بين الصغير والكبير. ولأنَّ تزيين الغلام بما تُزيَّن به الجاريةُ ليس بجائز، لأنه ليس محلًّا للشهوة، بل يجب صونُه عمَّا يُشبِه به النساءَ، ويصير به بمنزلة المخنَّث؛ فإنَّ ذلك سببٌ لاعتياده التشبُّهَ بالنساء وتخنيثه إذا كبر؛ وربما كان سببًا للفتنة به، إلى غير ذلك من المفاسد. وأما إلباسُه الذهبَ، فالمنصوص عنه فيه التحريم، لكن أصحابنا أجرَوا

стр. 1003

فيه الروايتين، لعدم الفرق بينه وبين الحرير (١). فصل ويباح لبسُ الحرير، وهو ما كان بقدر (٢) أربع أصابع مضمومة، إذا كان تابعًا لغيره، مثل العَلَم، والرُّقعة في الثوب، ولِبْنة الجيب الذي تسمِّيه العامَّة «الزِّيق»، وسُجُفِ (٣) الفِرَاء وغيرها، والأزرار، وكفِّ الأكمام (٤)، والفُرُوج به، وطرَف العمامة. هذا هو المذهب المنصوص عنه في عامَّة جواباته (٥). وقد روي عنه كراهة العَلَم، لأنَّ ابن عمر كان ينزعه من الثوب. قال: وهو أسهل من المُصْمَت (٦). قال الخلال: ذكر حنبل عن أبي عبد الله العلَم في موضعين. أحدهما: توقَّف فيه، والآخر: أباحه على رواية أصحابه، وهو إجماع التابعين. وذلك لما روى عمر بن الخطاب ﵁ قال: نهى النبيُّ ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة. رواه الجماعة إلا البخاري (٧).

стр. 1004

وفي لفظ أحمد وأبي داود (١): «وأشار بكفِّه». وذلك إنما يكون إذا كانت مضمومة، فإنها إذا فُرِّقت كان موضعها أكثر من أربع أصابع، لأجل الفُرَج. وعن أسماء ابنة أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أنها أخرجت جُبَّةَ طيالسةٍ عليها لِبْنَةٌ شِبْرٌ من ديباج كِسْرَواني، وفَرْجَيها مكفوفَين (٢) به. فقالت: هذه جبةُ رسول الله ﷺ ، كان يلبسها، كانت عند عائشة، فلمَّا قُبِضَت عائشُة قبضتُها إليَّ، فنحن نغسلها للمريض يَستشفي بها. رواه أحمد ومسلم (٣)، وهذا لفظ أحمد. وفي رواية: قالت: يا جاريةُ ناوليني جُبَّةَ رسول الله ﷺ . فأخرجَتْ جُبَّةَ طيالسةٍ مكفوفةَ الجَيب والكمَّين والفَرْجين بالدِّيباج. رواه أبو داود وابن ماجه (٤). وعن معاوية بن أبي سفيان أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا مقطَّعًا. رواه أحمد (٥).

стр. 1005

فأما [ص ٨٧] اليسير المفرد، كالتِّكَّة والشُّرَّابة (١) والمنطقة والخيط ونحو ذلك، فيحرُم في المنصوص (٢)، لأنه نهى عن الحرير إلا مقطَّعًا، والمقطَّع: المفرَّق في غيره. وكذلك قوله ﵇: «إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة» يدل على أنه موضوع في غيره. ولأنه قرَن الحريرَ بالذهب، والذهبُ يحرُم منفردًا، فكذلك الحرير. ولأنَّ الذهب والفضة في الآنية والذهب في اللباس إنما يباح يسيرُه إذا كان تابعًا، فكذلك يسيرُ الحرير؛ لأنَّ هذه الأشياء تجتمع في السرف والفخر والخيلاء. ولو لبس ثيابًا، في كلِّ ثوب حريرٌ يسيرٌ، بحيث لو جُمِع ما في جميعها صار ثوبًا= جاز ذلك، وإن لم يُجز لُبسُ ذلك الحرير لو جُمِعَ ونُسِج ثوبًا على حِدةٍ، لأنَّ هذا هو معنى قوله: «نهى عن لُبس الحرير إلا مقطَّعًا»، فإنه إذا فُرِّق في الثياب صار مقطَّعًا، لأنَّ كلَّ ثوب له حكمُ نفسِه. فصل فإن نُسج مع الحرير غيرُه كالقطن والكتَّان والوَبْر والصوف ونحو ذلك، فالذي ذكره أكثرُ المتأخرين من أصحابنا: القاضي وأصحابه ومَن بعدهم: أنه إن كان الحرير هو الغالب حَرُم، وإن كان الحرير هو الأقلّ جاز، قال بعضهم: قولًا واحدًا. وإن استويا فوجهان:

стр. 1006

أحدهما: يحرُم أيضًا. وهو أشبه بكلام أحمد (١)، لأنَّ الرخصة إنما جاءت في اليسير الذي هو مقدار أربعة أصابع، وفي الخِّز، فألحقنا بذلك ما إذا كان الحرير هو الأقلّ، لأنَّ الحكم للأكثر. أمَّا إذا تساويا فأحاديث التحريم تعُمُّه، ولم يجئ فيه رخصة. ولأنه قد تعارض المبيح والحاظر، فغُلِّب الحاظرُ (٢)، كالمتولِّد من بين ما يؤكل وما لا يؤكل. والآخر: يُكرَه، ولا يحرُم؛ لما روى ابن عباس قال: إنما نهى رسولُ الله ﷺ عن الثوب المُصْمَت من الحرير. قال ابن عباس: فأمَّا العلَم من الحرير وسَدَى الثوب، فلا بأس به. رواه أبو داود (٣) وأحمد واحتجَّ به. ولأنه قد تعارض الحاظر والمبيح فيرجع إلى الأصل، وهو الحِلُّ. وإذا شككنا هل هو من القسم المباح أو القسم المحرَّم كُرِه لُبسُه، ولا يثبت التحريمُ بالشكِّ. وجعل بعضُ المتأخرين من أصحابنا المُلحَم (٤) والقَسِّيَّ والخَزَّ (٥) من

стр. 1007

صور الوجهين، وجعل التحريمَ قولَ أبي بكر لأنه حَرَّم المُلحَم والقَسِّيَّ، والإباحةَ قولَ ابن البناء، لأنه أباح الخَزَّ. وهذا مع أنَّ أبا بكر قال: ويلبس الخزَّ، ولا يلبس المُلحَم ولا الديباج. وقال: نهى النبيُّ ﷺ عن لُبس القَسِّيِّ، وعن الحرير والذهب. وأما المنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب، فإباحة الخَزِّ دون المُلَحَم وغيره. وهذا أكثر في كلامه (١). قال: أكره لباسَ المُلحَم للرجال، فأمَّا الخَزُّ فلا بأس به. [ص ٨٨] الخَزُّ ثخين يلي الجلد، والحرير لا يكاد يستبين من تحته. وقال أيضًا: يُكرَه لباسُ المُلحَم إلا الخَزَّ، فإنه على جلده الخَزُّ. وقال: لا يعجبني إلا الخَزُّ، قد لبسه القوم. وأمَّا هذا المُلحَم المحدَث فما يعجبني. وسئل في موضع آخر عن الثوب سَداه حرير، ولَحمته قطن. فقال: هذا شبيه (٢) بالخز لأنَّ الخَزَّ سَداه حرير، وهو الذي لبسه أصحاب النبي ﷺ (٣). وكره هذا لأنَّ سَداه قطن، وهو محدَث. وكذلك ذكر أبو بكر وعامة قدماء الأصحاب أنَّ الخزَّ الذي لبسته الصحابة رضوان الله عليهم مباح،

стр. 1008

وكرهوا الملحَم وغيره، وصرَّحوا بأنَّ هذه كراهة تحريم. فمن زعم أنَّ في الخزِّ خلافًا فقد غلط. والأصل في إباحة الخزِّ: ما روى عبد الله بن سعد عن أبيه قال: رأيتُ رجلا ببخارى (١) على بغلة بيضاء، عليه عمامةُ خَزٍّ سوداءُ، فقال: كسانيها رسول الله ﷺ . رواه أبو داود (٢). وقد صحَّ عن خلق من الصحابة أنهم لبسوا الخزَّ، وأرخصوا فيه. منهم: عبد الرحمن بن عوف (٣)، وأبو قتادة (٤)، وعمران بن حصين (٥)، وعائشة (٦)، والحسن بن علي (٧)، وأبو هريرة (٨)، وابن عباس (٩)، وابن

стр. 1009

الزبير (١)، وابن عمر (٢)، وابن أبي أوفى (٣)، وأنس بن مالك (٤)، وأبو أبيّ الأنصاري ابن أمِّ حرام (٥)، ووابصة (٦)، ومروان (٧)؛ في أوقات متفرقة. ولم ينكِر ذلك أحد، فصار إجماعًا، فثبت إباحةُ الخزِّ، وهو الذي يكون سَداه حريرًا ولَحمتُه وبرًا أو صوفًا ونحوه. وكذلك في حديث ابن عباس: فأمَّا العلَم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس (٨). وقد احتجَّ به أحمد. وإنما كرهنا المُلحَم لعموم أحاديث التحريم. وإنما استُثني منها ما استُثني، وليس الملحم في معناه (٩)، كما سيأتي. ولأن النبيَّ ﷺ نهى عن لُبس القَسِّي (١٠)، والقَسِّيُّ ثياب مخلوطة بحرير. قال البخاري في «صحيحه» (١١):

стр. 1010

قال عاصم عن أبي بردة: قلنا لعلي: ما القَسِّيَّةُ (١)؟ قال: ثيابٌ أتتنا من الشام أو من مصر، مضلَّعةٌ فيها حرير أمثال الأتْرُجِّ. وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة والحديث (٢): ثيابٌ يؤتى بها من مصر، فيها حرير. قال بعضهم (٣): هو ضربٌ من ثياب كتَّان، مخلوطٌ بحرير، يؤتى به (٤) من مصر، نُسِب (٥) إلى قرية على ساحل البحر يقال لها «القَسُّ». ويقال: القَسِّيّ: القَزِّيّ، أبدلت الزاء سينًا، كما يقال: ألسمتُه الحجَّةَ أي ألزمته الحجة. وقيل: هو منسوب إلى القَسِّ (٦) ــ وهو الصقيع ــ لبياضه. ونسبتُها إلى المكان هو قول الخليل بن أحمد (٧) وغيره. فقد اتفقوا كلُّهم على أنها ثياب فيها حرير، وليست حريرًا مُصْمتًا، وهذا ليس هو المُلْحَم. وأيضًا [ص ٨٩] فإنَّ الخزَّ أخفُّ من وجهين: أحدهما: أنَّ سداه حرير، والسَّدى أيسَر من اللَّحمة. وهو الذي بيَّن ابن

стр. 1011

عباس جوازه بقوله: فأمَّا العلَم من الحرير وسَدى الثوب فلا بأس به (١). والثاني: أنَّ الخزَّ ثخين، والحرير مستور فيه بين نِير (٢) الوبر، فيصير الحرير بمنزلة الحشوة، ويصير الذي يلي الجلد ويظهر هو الوبر. ومعلوم أنَّ الحرير الباطن ليس بمنزلة الحرير الظاهر، إذ ليس في الباطن سرَف ولا فخر ولا خيلاء، ولهذا كان الصحيح جوازَ حَشْوِ الجِباب والفُرُش به. وقد ذكر أحمد ﵁ هذين الفرقين. فإذا كان الحديث عامًّا في التحريم، بل خاصًّا في الملحَم، وإنما أبيح الخَزُّ= لم يجُزْ أن يلحق به إلا ما في معناه. فعلى هذا كلُّ ما سوى الخَزِّ من الملحَم يُكرَه لذلك. والخَزُّ: ما كان لَحمته من الوبر ونحوه، مما له ثخانة تغطِّي الحرير، فتكون الرخصة معلَّقةً بكون السَّدى حريرًا، وكونِ اللَّحمة من الوبر ونحوه. وقال القاضي: المُلْحَم: هو الذي سَداه حرير ولَحمته غزل، أو لحمته حرير وسَداه غزل. والخَزُّ: ما كانت لَحمته أو سَداه خَزًّا. فجعل الاعتبار بنفس ما يُنسَج مع الحرير من غير فرق بين السَّدى واللَّحمة، لأنَّ أحمد علَّل بثخانة الخزِّ، وأنه يلي الجلدَ، والحريرُ لا يكاد يستبين من تحته. وعنه: إن كان السَّدى حريرًا حلَّ مطلقًا، على ما رواه صالح (٣)، لحديث ابن عباس (٤).

стр. 1012

ثم كراهة الملحم كراهة تحريم. ذكره القاضي وغيره. وقال غيره من أصحابنا: هي كراهة تنزيه إلا أن يكون المنسوج مع الإبريسَم أكثر. وقد روي عن معاوية عن النبيِّ ﷺ قال: «لا تركبوا الخَزَّ ولا النِّمارَ» رواه أبو داود (١). وفي حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري: سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونَنَّ من أمتي أقوام يستحِلُّون الخَزَّ والحريرَ والخمر والمعازف. ولينزلنَّ أقوام إلى جنب عَلَمٍ، تروحُ عليهم سارحةٌ (٢) لهم، يأتيهم رجل (٣)، فيقولون: ارجع إلينا غدًا. فيُبَيِّتُهم اللهُ، ويضَع العلَم، ويمسخ آخرين قِرَدةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة» رواه البخاري بلفظ «الحِرَ»، ورواه أبو داود (٤). قال أصحابنا: وهذا محمول على خَزٍّ كثيرٍ حريرُه، أو نوعٍ من الحرير يسمَّى خزًّا، كما يسمَّى قَزًّا. قال بعض أصحابنا: الذي يسمِّيه الناس اليوم

стр. 1013

«الخَزَّ» هو ما يعملونه من سِقْط الحرير ومُشَاقَتِه (١) والتِّبر الذي يلقيه الصانع (٢) من فمه من تقطيع الطاقات، فيدقُّونه كالقطن، ثم يغزلونه، ويعملونه ثيابًا؛ وهذا حكمه حكم الحرير. فظهر بهذا أنَّ الخَزَّ اسمٌ لثلاثة أشياء: للوبر الذي [ص ٩٠] يُنسَج مع الحرير، وهو وبر الأرانب، واسمٌ لمجموع الحرير والوبر، واسم لرديء الحرير. فالأول والثاني: هو الحلال. والثالث: حرام. وأمَّا حَشْو الثياب والفَرش بالحرير، فالمشهور من الوجهين: أنه مباح من غير كراهة، لأنه لا يستبين، ولا يُستَمتع به، وليس فيه سرف. والوجه الآخر يحرُم. فصل وإذا احتاج إلى لُبس الحرير لدفع حَرٍّ أو بَردٍ، أو ستر عورة، أو تحصُّن من العدو، ولم يقُم غيره مقامه= أبيح قولًا واحدًا؛ لأنه إذا أبيح للنساء لعموم حاجتهن إليه للزينة، فَلَأن يباح عند الضرورة أولى، فإنَّ الضرورة الخاصَّة أبلغ من الحاجة العامَّة. ولأنه إذا اضطُرَّ إلى ما حُرِّم من الأطعمة أبيح له، فكذلك المحرَّم من اللباس، لأنهما يشتركان في الاضطرار. وإن احتاج إليه لمرض أو حِكَّةٍ يُرجى نفعُ الحرير وتأثيرُه فيه، ففيه

стр. 1014

روايتان: إحداهما: لا يباح، لعموم أحاديث النهي، ولأنه تداوٍ بمحرَّم يُشتَهى، فأشبَه التداويَ بالخمر. وتُحمَل إباحةُ النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن على تخصيصهما بذلك، لعلمه بانتفاء مفسدة اللبس في حقهما، كما شهد لأبي بكر أنه ليس ممن يجرُّ ثوبَه خيلاء (١). والثانية: يباح، وهي الصحيحة، لما روى أنس بن مالك ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ رخَّص للزبير بن العوَّام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير من حِكَّة كانت بهما. رواه الجماعة (٢). وما ثبت في حقِّ الواحد من الأمة ثبت في حَقّ الجميع، إلا ما خُصَّ في موضعين أو ثلاثة (٣)، مع أنَّ أحدًا لم يُخَصَّ بحكم إلا لسبب اختُصَّ به. وهنا لم يختصَّا بالسبب لأنَّ الحِكَّة هي السبب، وهي تعرض لغيرهما كما عرضت لهما. ولأنَّ النساء أُرخِصَ لهنَّ في لبسه للحاجة إلى التزيُّن به، فالحاجةُ إلى التداوي أولى، بخلاف الخمر فإنها محرَّمة مطلقًا على كلِّ أحد، وفي كلِّ حال، وقد حُرِّم قليلُها وكثيرُها. فصل وفي لبسه في الحرب روايتان. إحداهما: يحرُم للعمومات فيه، ولأنه يحرُم في غير الحرب فحَرُم في الحرب كالذهب. والأخرى: يباح، وهي أقوى، لما روت أسماء بنت أبي بكر ﵄

стр. 1015

قالت: كانت عندي للزبير ساعدان من ديباج، كان النبيُّ ﷺ أعطاهما إياه يقاتل بهما. رواه أحمد (١). وروى وكيع (٢) بإسناده قال: قال ناس من المهاجرين لعمر بن الخطاب: إنَّا إذا لقينا العدوَّ رأيناهم (٣) قد كفَّروا على سلاحهم [ص ٩١] بالحرير والديباج، فرأينا لذلك هيبةً. فقال عمر: وأنتم إن شئتم فكفِّروا على سلاحكم بالحرير والديباج. ولأنَّ في ذلك إرهابًا للعدو، وكسرًا لقلوبهم، وإظهارًا لأُبَّهَة جيش الإسلام= فجاز ذلك، وإن كان فيه اختيال، لأنَّ الاختيال عند القتال غير مكروه؛ لما روى جابر بن عتيك أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ من الخيلاء ما يحبُّ الله، ومنها ما يُبغض الله. فالخيلاءُ التي يحبُّ الله: اختيالُ الرجل في القتال، واختيالُه في الصدقة. والخيلاءُ التي يُبغِض الله: الخيلاءُ في البغي» أو قال: «في الفخر». رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٤).

стр. 1016

وقد قال ﷺ لأبي دُجانة لمَّا اختال يومَ أحد: «إنها لَمِشْيةٌ يُبغضها الله إلَّا في هذا الموطن» (١). وقد ذكر بعض أصحابنا أنَّ الروايتين في لُبسه في دار الحرب، وذلك أعمُّ مِن لُبسه وقت الحرب (٢). فصل ولا بأس أن يوضع المصحف في كيس حرير أو ديباج. نصَّ عليه في مواضع (٣). قال القاضي: والمسألة محمولة على أنَّ ذلك قدر يسير، فلا يحرُم استعماله، كالطِّراز والذيل والجيب (٤). والصواب: إقرار النصِّ على ظاهره؛ لأنَّ الكيس إنما يكون أكثر من أربع أصابع، وذلك كثير. ولأنه مفرد، ولا فرق في المفرد بين اليسير والكثير كالتِّكَّة. وإنما وجه ذلك أنَّ المحرَّم إنما هو لباسُ الحرير، والاستمتاعُ به. ووضعُ المصحف فيه إنما هو جعلُه لباسًا للمصحف، ووعاءً له ليُصان ويُحفَظ. وما شُرِع له الكسوةُ من شعائر الله جاز أن يُكسَى الحرير كالكعبة، وأولى. ولأنَّ لباسَ الحرير إنما يُكرَه للآدمي، لما فيه من العظمة والسَّرَف، وهذا أمرٌ مطلوبٌ لكتاب الله وبيته.

стр. 1017

والفرق بين هذا وبين الزخرفة: أنَّ الكسوة فيها منفعة للبيت والمصحف، فإذا حصلت بأشرف الثياب كان ذلك تعظيمًا لحرمات الله، بخلاف الزخرفة فإنَّه لا منفعة فيها، بل تُلْهي المصلِّين. الفصل الثاني في الذهب وهو قسمان. أحدهما: لُبسه. والثاني: التحلِّي به. أمَّا لُبسه، فيحرُم على الرجال لبسُ المنسوج بالذهب والمموَّه به، إذا كان كثيرًا، لما تقدَّم من حديث علي وأبي موسى (١) ﵄، ولأنه أبلغ في السَّرَف والفخر والخيلاء من الحرير، والحاجةُ إليه أقلُّ، فيكون أولى بالتحريم. وإذا استحال لونه ففيه وجهان. أحدهما: يحرُم، لعموم النهي. والثاني: لا يحرُم، لأنه قد زالت مظنَّةُ الفخر والخيلاء. فإن لم يحصل منه شيء إذا جُمِعَ أُبيحَ قولًا واحدًا. وفي يسير الذهب في اللباس، مثل العلَم المنسوج بالذهب، روايتان مومَأ إليهما: إحداهما: يحرُم. وهو [ص ٩٢] اختيار كثير من أصحابنا، لعموم النهي، ولأنه استعمال للذهب، فحُرِّم كاليسير في الآنية. والثانية: لا يحرم. وهي اختيار أبي بكر وغيره (٢)، لما روى معاوية بن

стр. 1018

أبي سفيان أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن لُبس الذهب إلا مقطَّعًا. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١)، واحتجَّ به أحمد، وفسَّر قوله: «إلّا مقطّعًا» باليسير (٢). ولأنه أحد الأصناف الثلاثة، فحلَّ منه اليسير التابع لغيره، كيسير الحرير ويسير الفضة في الآنية. والفرق بين يسيرِ الذهب في الآنية ويسيرِه في اللباس ونحوِه ظاهر، لأنَّ الآنيةَ تحرُم من الفضة ومن الذهب على الرجال والنساء، واللباسَ يباح للنساء من الذهب والفضة مطلقًا، ويباح للرجال يسيرُ الفضَّة منه مفردًا كالخاتم ونحوه، ولا يصح إلحاق أحدهما بالآخر. وعنه رواية ثالثة: أنه يباح اليسيرُ لحاجةٍ، سواء كان مفردًا أو تابعًا، ولا يباح للتزيُّن، وهي المنصوصة عنه صريحًا، وكذلك ذكر القاضي في اللباس. قال في رواية صالح وعبد الله (٣) وأبي طالب وأبي الحارث ــ واللفظ له ــ: أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن لُبس الذهب إلا مقطَّعًا قال: الشيء اليسير، كشدِّ أسنانه، وما كان مثلَه مما لا يتزيَّن به الرجل. فأمَّا الخاتم ونحوه، فلا. وذلك لأنه قد دلَّ ذلك على أن القطع من الذهب ــ وهو اليسير منه ــ مباح مطلقًا، لكن لا بدَّ أن يكون لحاجة، لأنه قد دلَّت النصوص على

стр. 1019

تحريم خاتم الذهب ونحوه. وعن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «من تحلَّى أو حَلَّى بخَرْبَصِيصةٍ (١) من ذهبٍ كُوِيَ يوم القيامة» رواه أحمد (٢). وهذا نهي عن التحلِّي بقليل الذهب مطلقًا، ومفهومه يدل على أنه لا يحرُم منه ما ليس بتَحَلٍّ. القسم الثاني: التحلِّي به . فيحرُم على الرجل أن يتحلَّى بالذهب المفرد كالخاتَم والسِّوار ونحو ذلك، لما تقدَّم من قوله ﵇: «هذان حرام على ذكور أمتي» (٣)، ولما روى البراء بن عازب وأبو هريرة ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن خاتم الذهب (٤). وعن ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ اتخذ خاتمًا من ذهب، فجعله في يمينه، وجعل فصَّه مما يلي باطن كفِّه، فاتخذ الناس خواتيم الذهب. قال: فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فألقاه، ونهى عن التختُّم بالذهب (٥). متفق عليهن. وجاء ذلك من عدَّة وجوه. وقد تقدَّم قوله ﷺ : «من تحلَّى أو حلَّى بخَربَصِيصة من ذهب كُوِي

стр. 1020

[ص ٩٣] يوم القيامة». قال أبو زيد الأنصاري: يقال: ما عليها خَرْبَصيصة، أي شيءٌ من الحُلِيِّ (١). فأما التابع من الذهب، فيباح من حِلية السيف مثلُ القَبيعة (٢)، نصَّ عليه. وعنه: ما يدل على المنع، لما تقدَّم. والأول أصحُّ، لما روى مَزِيدة العَصَري قال: دخل رسولُ الله ﷺ يوم الفتح، وعلى سيفه ذهب وفضَّة. قال الراوي: كانت قَبيعةُ السيف فضَّة. رواه الترمذي (٣). وذكر أحمد (٤) أنه كان لعمر بن الخطاب سيف، فيه سبائك من ذهب. وكان في سيف عثمان بن حُنَيف مسمار ذهب (٥). ثم من أصحابنا من لا يبيح إلا القبيعة. قال ابن عقيل: قال أصحابنا: هذا
следующие страницы →