← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

[به]، إذا لم يكن معصفَرًا (١). وذلك لأنَّ المعصفَر صحَّت في كراهته أحاديث كثيرة في حقِّ عليٍّ وغيرِه للرجال دون النساء. فعن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسولُ الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: «إنَّ هذه من ثياب الكفار، فلا تلبَسْها» رواه أحمد ومسلم والنسائي (٢). وفي رواية لمسلم [ص ١٢٢]: رأى النبيُّ ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: «أمُّك أمَرتك بهذا؟» قلتُ: أغسِلُهما؟ قال: «بل أحْرِقْهما» (٣). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ رأى عليه رَيْطةً مضرَّجةً بالعُصْفُر، فقال: «ما هذه؟» قال: فعرفتُ ما كَرِهَ. قال: فأتيتُ أهلي وهم يسجُرون تنَّورَهم، فقذفتُها [فيه]، ثم أتيتُه، فأخبرته، فقال: «ألا كسوتَها بعضَ أهلك! فإنَّه لا بأسَ بذلك للنساء» رواه أبو داود وابن ماجه (٤). وقال هشام بن الغاز: المضرَّجة: التي ليست بمشبعة ولا المورَّدة (٥). وقال الخطَّابي (٦): المضرَّج: الذي ليس صَبْغُه بالمشبَع التَّامِّ، وإنما هو

стр. 1087

لطخٌ علِق به. يقال: تضرَّج الثوبُ إذا تلطَّخ بدم ونحوه. والرَّيطة: مُلاءَة ليست بلفِقَين (١) إنما [هي] (٢) نسجٌ واحدٌ. وقال الجوهري (٣): يقال: ضرَّجتُ الثوبَ تضريجًا، إذا صبغته بالحمرة، وهو دون المُشْبَع، وفوق المورَّد (٤). وفي رواية عن عبد الله بن عمرو قال: رآني النبيُّ ﷺ ، وعليَّ ثوب مصبوغ بعُصْفُر مورَّد. قال: «ما هذا؟» فانطلقتُ، فأحرقتُه. فقال النبي ﷺ : «ما صنعتَ بثوبك؟». فقلتُ: أحرقتُه. قال: «أفلا كسوتَه بعضَ أهلك!» (٥). وعن ابن عمر قال: نهى النبيُّ ﷺ عن المفدَّم (٦). وهو المشبَع بالعُصْفُر. رواه أحمد وابن ماجه (٧).

стр. 1088

وعن علي بن أبي طالب قال: نهاني النبيُّ ﷺ عن التختُّم بالذهب، وعن لباس القَسِّيِّ، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المُعَصْفَر. رواه أحمد ومسلم (١). وفي رواية صحيحة: نهاني عن المعصفَر المفدَّم (٢). قالوا: وأما الأحمر غير المعصفَر، فلا بأس به، لما روى البراء بن عازب قال: كان النبيُّ ﷺ عظيم الجُمَّة إلى شحمة أذنيه. ورأيته في حُلَّة حمراء، لم أر شيئًا قطٌّ أحسنَ منه. رواه الجماعة (٣). وعن أبي جُحَيفة قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ بالأبطح، وهو في قبة له حمراء، ثم رُكِزَتْ له عنزةٌ، فخرج، وعليه جبةٌ له حمراءُ أو حُلَّة حمراء، فكأنِّي أنظر إلى بريق ساقيه. قال: فصلَّى بنا إلى العنزةِ الظهرَ أو العصرَ ركعتين. متفق عليه (٤). وعن عامر بن أبي هلال المزني قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يخطب بمنى على بغلة، وعليه بُرد أحمر، وعليٌّ ﵁ أمامه يعبِّر عنه. رواه أحمد وأبو داود (٥).

стр. 1089

وعن أنس قال: كان أحبَّ اللباس إلى رسول الله ﷺ الحِبَرة (١). متفق عليه (٢). والأول هو المذهب المعروف المنصوص، [ص ١٢٣] لما احتجَّ به أحمد من قوله سبحانه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ الآية [القصص: ٧٩]. قال جابر بن عبد الله: في القِرْمِز (٣). وقال إبراهيم (٤) والحسن (٥): في ثيابٍ حُمْر، على لفظ أحمد. وقال مجاهد: على براذينَ بِيضٍ عليها سُروجُ الأُرْجُوَان، عليهم

стр. 1090

المعصفَرات (١). وكذلك ذكر قتادة (٢) وابن زيد (٣) وغيرهما أنه خرج، وعلى دوابِّه وجنده الأُرْجُوان والمعصفَرات. قال ابن زيد: وكان ذلك أولَ يوم رُئيت المعصفرات فيما كان يُذكَر لنا (٤). ومعلومٌ أنَّ الله ذكر هذا في سياق الذمِّ له، والعيبِ لما خرج فيه من الزينة، فعُلِمَ أنَّ الثياب الحُمر مَعيبة عند الله مذمومة، ولا معنى لكراهتها إلا ذلك. وعن عبد الله بن عمرو قال: مرَّ على النبيِّ ﷺ رجلٌ، وعليه ثوبان أحمران، فسلَّم، فلم يَرُدَّ عليه النبيُّ ﷺ . رواه أبو داود والترمذي (٥) وقال: حديث حسن (٦).

стр. 1091

وعن رافع بن خَديج ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ رأى الحمرةَ قد ظهرت، فكرهها (١). وفي رواية قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فرأى رسولُ الله ﷺ على رواحلنا وعلى إبلنا أكسيةً، فيها خيوطُ عِهْنٍ حُمْرٍ، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أرى هذه الحمرةَ قد عَلَتْكم» فقمنا سراعًا لقول رسول الله ﷺ ، حتَّى نفَر إبلُنا، فأخذنا الأكسيةَ, ونزعناها عنها. رواه أحمد وأبو داود (٢) من حديث محمد بن عمرو بن عطاء عن رجل من بني حارثة عنه. وعن [حبيب بن] عُبَيد، [عن حُرَيث] بن الأبحِّ (٣) السَّلِيحي أنَّ امرأة من بني أسد قالت: كنتُ يومًا عند زينبَ امرأةِ رسول الله ﷺ ، [ونحن نصبُغ ثيابًا لها بمَغْرَةٍ، فبينا نحن كذلك إذ طلع علينا رسول الله ﷺ ] (٤) فلما رأى المَغْرةَ رجع. فلمَّا رأت ذلك زينبُ علِمَتْ أنَّ رسول الله ﷺ قد كَرِه ما فعلَتْ. فأخذَتْ، فغسلَتْ ثيابها، ووارَتْ كلَّ حُمرةٍ. ثم إنَّ رسول الله ﷺ

стр. 1092

رجع، فاطَّلع، فلما لم ير شيئًا دخل. رواه أبو داود (١). وعن عمران بن حُصَين أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: «لا أركَبُ الأُرْجُوَانَ، ولا ألبَسُ المعصفَر، ولا ألبَسُ المكفَّفَ» (٢) رواه أحمد وأبو داود (٣). وعن البراء بن عازب أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن المَياثر الحُمْر. متفق عليه (٤). وعن مالك بن عمير قال: كنتُ قاعدًا عند عليٍّ. قال: فجاء صَعصعة بن صُوحَان، فسلَّم، ثم قام، فقال: يا أمير المؤمنين، انهَنا عمَّا نهاك عنه رسولُ الله ﷺ . فقال: عن الدُّبَّاء والحَنْتَم والمزفَّت [ص ١٢٤] والنَّقير. ونهانا عن القَسِّيِّ والمِيثَرة، وعن الحرير وحِلَق الذَّهب. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٥).

стр. 1093

وعن عليٍّ قال: نهاني رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب، وعن لُبس القَسِّيِّ والمِيثَرة الحمراء. رواه الخمسة (١)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن عبيدة عن علي ﵁ قال: نهى عن مَيَاثر الأُرْجُوان. رواه أحمد وأبو داود (٢) بإسناد صحيح. وفي رواية عن علي قال: نهاني رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب، وعن لبس الحمرة (٣) ــ وفي لفظ: الحمراء ــ، وعن القراءة في الركوع والسجود (٤). وفي رواية: عن لباس (٥) القَسِّيِّ والمَياثر والمعصفَر (٦). رواهما عبد الله بن

стр. 1094

أحمد في «مسند أبيه». وعن أبي بردة أنَّ عليًّا قال: نهاني النبيُّ ﷺ أن أجعلَ خاتمي في هذه، أو التي تليها ــ وأومأ إلى الوسطى ــ والتي تليها. ونهاني عن لُبس القَسِّيِّ، وعن جلوسٍ على المَياثر. قال ــ يعني عليًّا ــ: فأما القَسِّيُّ فثياب مضلَّعة يؤتى بها من مصر والشام. وأمَّا المياثر فشيءٌ كانت تجعله النساء لبعولتهن على الرَّحْل كالقطائف الأُرْجُوان (١). فقد نهى ﷺ عن المياثر الحُمْر، وذلك يقتضي أن تكون الحمرة مؤثِّرة في النهي. والحديثُ عامٌّ في المياثر الحُمر، سواء كانت حريرًا أو لم تكن. ولو كان المراد بها الحرير، فتخصيصُه الحُمْرَ منها (٢) دليلٌ على أنَّ الأحمر من الحرير أشدُّ كراهةً من غيره. وذلك يقتضي أن يكون للحمرة تأثير في الكراهة. وكذلك قولُه في حديث عمران: «لا أركب الأُرجُوانَ ــ وهو الأحمر ــ ولا ألبَسُ المعصفَر» دليلٌ (٣) على أنَّ الحمرة مؤثِّرة. ثم أحاديثُ عليٍّ في بعضها: «عن القَسِّيِّ والمِيثَرة الحُمْر والحرير»، وفي بعضها: «عن القَسِّي والمعصفر»، وفي بعضها: «عن القَسِّيّ والميثرة الحمراء»، وفي بعضها: «عن مياثر الأُرجُوان». وهي كلُّها دليل على أنَّ المياثر هي الحُمْر، وإن لم تكن حريرًا، وأنَّ مناطَ الحكم حمرتُها، لا مجرَّدُ

стр. 1095

كونها حريرًا. وذلك أنَّ الأُرْجُوان هو الأحمرُ الشديدُ الحمرة. كأنَّ اشتقاقه من الأَرَج (١)، وهو توهُّج رائحة الطِّيب، لأنَّ الأحمَر يسطَع لونُه، ويتوقَّد، كما تسطع الرائحة الزكية في الأرائج. قال أبو عبيد (٢): الأُرجُوَان: الشديدُ الحمرة. والبَهْرَمَان (٣): دونه في الحمرة. والمُفْدَم: المُشْبَع حمرةً. والمضرَّج دونه، ثم المورَّد بعده. ثم قول علي ﵁ في حديث آخر: «نهى عن لبس الحمرة أو الحمراء، وعن المِيثَرة الحمراء» بدل قوله: «المعصفر» دليلٌ على أنَّ المعصفَر إنما نهاه عنه لِحُمرته. فتارة يعبِّر عنها باسمه الخاصِّ، وتارةً يعبِّر عنه بالاسم [ص ١٢٥] العامِّ الذي هو مناط الحكم. وعن الحسن ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إيَّاكم والحمرة، فإنها من أحبِّ الزينة إلى الشيطان» رواه الخلال (٤).

стр. 1096

وعنه عن النبي ﷺ قال: «الشيطان يحبُّ الحمرةَ، والحمرةُ من زينة الشيطان» (١). وعن سعيد بن أبي هند قال: كان رسول الله ﷺ يكره الحمرة، ويحبُّ الخضرة (٢). وعن ابن عمر أنه: رأى على ابن له ثوبًا معصفَرًا، فنهاه. وأبصر على أهله ثيابًا معصفرةً، فلم ينههم (٣). رواهنَّ وكيع. وهذان المرسلان من وجهين مختلفين، وقد اعتضدا بقول الصحابة. وذلك يؤكِّد الاحتجاج بها، ويقتضي تعاضدها (٤) على الدلالة. وأيضًا إن النبيَّ ﷺ إذا نهى عن المعصفر، فغيرُه من الأحمر المشبَع أولى بالنهي منه، إذ ليس في المعصفَر ما يُكرَه منه سوى لونه. وليس هو

стр. 1097

بأشدِّها حمرةً، فغيرُه من الأحمر الذي يساويه في لونه وبريقه أو يزيد عليه أولى أن ينهَى عنه. والتفريقُ بينهما تفريقٌ بين الشيئين المتماثلين، وذلك غير جائز. وأيضًا فإنَّ هذا اللون يوجب الخيلاء والبطر والمرح والفخر، فكان منهيًّا عنه، كالحرير والذهب. ولهذا أبيح هذا للنساء، كما أبيح لهن الحرير والذهب. فأما الخفيف الحمرة، مثل المورَّد ونحوه، فقد ذهبت بهجته وتوقُّده، وصار قريبًا من الأصفر، فلا يُكرَه. والأحاديثُ التي جاءت في الرخصة في الأحمر محمولةٌ على هذا، فإنه يسمى أحمر، وإن كانت حمرته خفيفة؛ وعلى ما يكون بعضُه أحمر مثل البرود التي فيها خطوط حُمْر. وهذا معنى قولهم: «حُلَّة حمراء». وهل هذه كراهة تحريم أو تنزيه؟ فيه وجهان، ويبنى على ذلك صحة الصلاة فيه. وفيها وجهان: أحدهما: تصح. قاله طائفة من أصحابنا، لأنه لم يجئ في ذلك تصريح بالتحريم. ولو كان حرامًا لَصُرِّح بتحريمه، كما صُرِّح بتحريم الذهب والحرير؛ فإنَّ الفرق بينه وبين الحرير ظاهر في الحديث. والثاني: لا تصح الصلاة فيه. قال أبو بكر: يعيد كلُّ من صلَّى في ثوب نُهي عن الصلاة فيه، كالمعصفر والأحمر والغصب ونحوه (١)، لأنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن ذلك نهيًا مطلقًا، وموجَب النهي التحريم، لاسيَّما وقد قرَنه بالقَسِّيِّ

стр. 1098

وبخاتم الذهب؛ فإنَّ ظاهره يدل على أنَّ المعصفر والحرير والذهب من باب واحد. كيف وسببُ الكراهة فيها واحد. وقد امتنع من ردِّ السلام على لابسها، وإنما يُترَك ردُّ السلام المفروض على المتلبِّس بمعصية. وقد أمر عبد الله بن عمرو بتحريقهما (١)، ولو كان الانتفاع بهما (٢) جائزًا لم يأمره بإتلاف ماله، [ص ١٢٦] فعُلِمَ أنَّ ذلك كإراقة الخمر. وإنما لم يأذن له في الغسل ــ والله أعلم ــ لأنَّ اللون لا يزول بالغسل مرة أو مرتين. وأما قوله في الرواية الأخرى لمَّا أخبره أنه حرَّقَهما (٣): «هلَّا كسوتَها بعضَ أهلك، فإنه لا بأس بذلك للنساء»، فيحتمل أن يكون لما استأذن النبيَّ ﷺ في غسلها لِيلبَسها بعد الغسل أراد ﷺ أن يقطع طمعَه في اللبس قبل الغسل وبعده، وأن يعرِّفه أنَّ إتلافه المضرَّج وإخراجه عن ملكه هو الواجب دون الغسل. فلما رآه قد سمَح بذلك قال: فإذا كنت كذلك، فأن تعطيه بعضَ أهلك خيرٌ من أن تتلفه. فصل فأمَّا الأصفر، فلا يُكرَه، سواء صُبغ بزعفران أو غيره . وكذلك الأحمر المورَّد ونحوه. نصّ عليه (٤) في مواضع. وقال: لا بأس بالمورَّد. وكان يصبغ بالزعفران. وقيل له: الثوب المصبوغ بالزعفران للرجل؟ فلم ير به

стр. 1099

بأسًا. وهو قول أكثر أصحابه حتى جعلها الخلال رواية واحدة. ونقل صالح (١) عنه أنه سأله: أيصلِّي الرجلُ وعليه القميص المصبوغ بالنَّشَاسْتَج (٢)؟ فقال: قد: نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل (٣)، ونهى عن المعصفَر. فأمَّا النَّشَاسْتَج والزعفران، فإن كان شيئًا خفيفًا فلا بأس. وهذا يقتضي كراهة المزعفَر، وهو قول أبي الخطاب وأبي محمد (٤)، لما روى أنس بن مالك أنَّ النبيَّ ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل. رواه الجماعة (٥). وفي حديث يعلى بن أمية أن النبي ﷺ قال له وقد أحرم في جُبَّة، وهو متضمِّخ بخَلوق: «اغسل عنك أثرَ الخَلوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعًا في حَجِّك» متفق عليه (٦).

стр. 1100

والأول هو الصحيح، لما روي عن ابن عمر أنه كان يصبغ بالصفرة، وقال: رأيتُ رسول الله ﷺ يصبِغ بها. متفق عليه (١). ولأبي داود والنسائي (٢) عنه عن النبيِّ ﷺ أنه كان يصبغ ثيابه بالخَلوق كلَّها حتى عمامته. ولفظ أبي داود: أنَّ رسول الله ﷺ كان يصبغ بها. ولم يكن شيءٌ أحبَّ إليه منها. وكان يصبغ بها ثيابه كلَّها حتى عمامته. وفي رواية لأحمد (٣) عنه أنه كان يصبغ ثيابه، ويدهن بالزعفران، وقال: كان أحبَّ الأصباغ إلى رسول الله ﷺ ، يدهن به، ويصبغ به ثيابه. وعن قيَلة بنت مَخْرَمة: أنها رأت على رسول الله ﷺ أسمال ملاءتين (٤) كانتا بزعفران، وقد نفضتا. [ص ١٢٧] رواه الترمذي (٥). وقد تقدم جواز صبغة اللحية بالزعفران.

стр. 1101

وقد نهى النبيُّ ﷺ أن يلبس المُحرِمُ ثوبًا فيه وَرْسٌ أو زعفران. فدلَّ على أنه لا يُنهَى عنه غيرُ المُحْرِم. وعن يحيى بن عبد الله بن مالك قال: كان النبيُّ ﷺ يصبغ ثيابه بالزعفران حتى العمامة (١). وعن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير أنَّ الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجِرًا بها، فنزلت الملائكة وعليها عمائم صُفْر (٢). رواهما وكيع في باب اللباس. وأمَّا نهيُه أن يتزعفر الرجل، فالمراد به أن يخلِّق بدنَه بالزعفران، فإنَّ طيب الرجل ما ظهر ريحُه وخفي لونُه. وكذلك أمرُه للذي أحرم، وعليه جُبَّة، وهو متضمِّخ بخلوق: أن ينزع عنه الجبة، ويغسل عنه أثرَ الخَلوق. وقد جاء مفسَّرًا عن أنس عن النبيِّ ﷺ أنه نهى أن يزعفِر الرجلُ جِلدَه. رواه النسائي (٣). فصل ولا بأس بلُبس السَّواد في الحرب وغيرها، سواء كان عمامة أو غيرها. نصَّ عليه (٤)، فقال: لا بأس بالعمامة السوداء في الحرب وغير الحرب. لبس النبيُّ ﷺ عمامةً سوداءً. وقال أيضًا: لا بأس بلُبس العمامة السوداء. قد

стр. 1102

لبس النبيُّ ﷺ يوم الفتح عمامةً سوداَء، وعمَّم (١) عليًّا بعمامة سوداء. وذلك لما روى جابر قال: دخل النبيُّ ﷺ مكةَ يومَ الفتح، وعليه عمامة سوداء. رواه الجماعة إلا البخاري (٢). وعن عمرو بن حريث أنَّ النبيَّ ﷺ خطب، وعليه عمامة سوداء (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: خرج النبيُّ ﷺ ، وعليه مِرْطٌ مرحَّل (٤) من شعر أسود. رواهما أحمد ومسلم (٥). وعن أمِّ خالد ابنة سعد بن العاص أنَّ النبيَّ ﷺ ألبسها بيده خَميصةً (٦) سوداءَ. وقال: «أَبْلِي وأَخْلِقِي» رواه أحمد والبخاري (٧). وقد كره أحمد ﵁ لُبْسَ السواد في الوقت الذي كان شعارَ الولاة والجند. واستعفى الخليفةَ المتوكِّلَ مِن لُبسه لمَّا أراد الاجتماع به، فأعفاه بعد مراجعة. وكان هذا الزيُّ إذ ذاك شعارَ أهل طاعة السلطان في إمارة ولد العباس ﵁.

стр. 1103

وكان مَن لم يلبسه ربما اتُّهِمَ بمعصية السلطان والخروج عليه. والقصة في ذلك مشهورة لمَّا أظهر المتوكل إحياء السنَّة وإطفاءَ ما كان الناس فيه من المحنة، وأجاز أبا عبد الله وأهل بيته بالجوائز المعروفة، وطلب اجتماعه به، وكان يرسل إليه يستفتيه ويستشيره، [ص ١٢٨] فأحبَّ أبو عبد الله أن لا يدخل في شيء من أمر السلطان، ولم يقبل الجوائز، ونهى أهل بيته عن قبولها. ففي تلك المرَّة استعفى من لُبس السَّواد. وسأله رجل عن خياطة الخزِّ الأسود، فقال: إذا علمتَ أنه لجنديِّ فلا تَخِطْه (١). وسأله رجل: أخيط السواد؟ قال: لا. وسئل عن المرأة تأمر زوجها أن يشتري لها ثوبَ خزِّ (٢) أسود. فقال: هو للمرأة أسهل. قيل له: فأَيْشٍ (٣) ترى للرجل؟ قال: لا يروِّع به. قيل: فترى للخياط أن يخيط له؟ قال إذا خاطه فأيشٍ قد بقي؟ قد أعانه. وقال في رجل مات وترك سوادًا، وأوصى إلى رجل. فقال: يُحرَق حتى لا يُروَّع به مسلم. قيل: له صبيانٌ (٤)، ترى أن يُحرَق؟ قال: يحرقه الوصيُّ.

стр. 1104

وكان يعذِر في لُبسه من يعلم منه الخير وأنه كالمكره عليه. وهذا لأنه كان لباسَ الولاة والأمراء وأعوانهم، مع ما كانوا فيه من الظلم والكبرياء وإخافة الناس وترويعهم. ولم يكن يلبسه إلا أعوان السلطان. وكان الرجل المسوِّدي إذا رُئي خِيفَ ورُعِب منه، لأنه مظنة الترويع، حتَّى قال بعضُ أهل العلم يَضرِبُ المثلَ بذلك: ترى الرجل مطمئنًّا ثابتَ القلب ساكنَ الأركان، فإذا عاين صاحبَ سَوادٍ رعَب من سلطانه، ودخله من الرُّعب ما غيَّر لونَه، ورجَف قلبهُ، واسترخت قدماه، وذهب فؤاده. فلمّا كان معونةً على الظلم والشرِّ وإيذاء المسلمين صارت خياطته وبيعه بمنزلة بيع السلاح في الفتنة. وكُرِه أن يلبسه الرجلُ إذ ذاك، لأنه من تشبَّه بقوم فهو منهم؛ ولأنه يصير بذلك من أعوان الظلَمة، أو يُخاف عليه أن يدخل في أعوانهم. وفي معنى هذا كلُّ شعار وعلامة يدخل بها المرءُ في زمرة من تُكرَه طريقتُه بحيث يبقى كالسِّيما عليه، فإنه ينبغي اجتنابها وإبعادها (١). وكلُّ لباس يغلب على الظنِّ أنه يستعان بلُبسه على معصية، فلا يجوز بيعه وخياطته لمن يستعين به على المعصية والظلم. ولهذا كُره بيعُ الخبز واللحم لمن يعلم أنه يشرب عليه، وبيعُ الرياحين لمن يعلم أنه يستعين به على الخمر والفاحشة. وكذلك كلُّ مباح في الأصل عُلِم أنه يستعان به على معصية. وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأوقات والأحوال، فهذه كراهة لسبب عارض. فأمَّا لبسُ الجند أو غيرهم له في دار الحرب أو غيرها، إذا لم يكن مظِنَّةَ

стр. 1105

الظلمِ، ولاسِيمَا الظَّلمةِ، فلا يُكرَه البتَّة. وكذلك أيضًا لو لبست المرأة السوادَ تُحِدُّ به على ميِّت، أو لبسه الرجلُ، لم يجُز لبسُه إحدادًا على [ص ١٢٩] الميِّت، لأنَّه لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميِّت فوق ثلاثة أيام، فهذه كراهة للإحداد؛ حتَّى لو فُرِض أن الإحداد كان بلُبس القطن أو بتغيير (١) الهيئة ونحو ذلك دخل في النهي، كما يُذكر إن شاء الله تعالى في موضعه. فصل ولا يجوز لبسُ ما فيه صور الحيوان من الدوابِّ والطير وغير ذلك، ولا يلبسه الرجل ولا المرأة. ولا يعلَّق سِتْر فيه صورة. وكذلك جميع أنواع اللباس إلا الافتراش، فإنه يجوز افتراشها. هذا قول أكثر أصحابنا، وهو المشهور عن أحمد. قال في رواية صالح: الصورة لا ينبغي لبسها (٢). وقال في رواية الأثرم وسئل عن الستر عليه يكون صورة قال: لا. وما لم يكن له رأس فهو أهون. وإن كان له رأس فلا (٣). وقال أيضًا: إنما يُكرَه منها ما عُلِّق. وقال أيضًا: إنما يُكرَه ما كان نصبًا. وإذا كان تمثالًا منصوبًا يُقطَع رأسُه.

стр. 1106

وقال في الرجل يصلِّي، وفي كمِّه منديل حرير، فيه صور: أكرهه. وقال: التصاوير ما كُرِه منها فلا بأس (١). وسئل عن الرجل يصلِّي على مصلًّى عليه تماثيل. فلم ير به بأسًا (٢). وقال أيضًا: إذا كانت توطأ، فلا بأس بالجلوس عليها (٣). وعنه: أنَّ الصور التي على الثياب تُكرَه، ولا تحرُم. قال في رواية، وقد سئل عن الوليمة، يرى الجدرانَ قد سُتِرَتْ، أيخرُج؟ قال: قد خرج أبو أيوب وعبد الله بن يزيد. قيل (٤): وإذا رأى على الجدران صورًا يخرج؟ فقال: نعم. قيل له: فإن كان في السِّتر؟ فقال: هذا أسهل من أن تكون على الجدران. لا تضيِّق علينا. وضحك. ولكن إذا رأى هذا وبَّخهم ونهاهم. فقد نصَّ على التفريق بين الصور في الثياب، فحرَّمها في الجدران، وكرهها في الثوب. وكذلك قال ابن أبي موسى (٥): جميع التماثيل [و] (٦) الصور في الأسِرَّة والقِباب والجُدران وغير ذلك مكروهة عنده، إلا أنها في الرَّقْم أيسر، وتركُه أفضل وأحسن. وكذلك قال ابن عقيل: يُكرَه لبسُ ما فيه صور حيوان،

стр. 1107

ولا يحرُم (١). وأما صنعتها واتخاذها في غير الثياب (٢) والأبنية ونحوها مثل السقوف والحيطان والأسِرَّة، أو اصطناعها مجسَّدة للبنات أو غير البنات (٣)، فيحرُم ذلك كلُّه قولًا واحدًا. وسنذكر إن شاء الله تعالى حكمَ الدخولِ في بيتٍ فيه صور، والصلاةِ فيه. ومن أصحابنا من جعل تعليقَ السِّتْر المصوَّر حرامًا قولًا واحدًا، وجعل الخلاف في الكراهة أو التحريم في الملابس خاصَّة. والصواب أن لا فرق بينهما. ومن لم يحرِّم [ص ١٣٠] ذلك استدلَّ بما روى أبو طلحة ﵁ عن النبي ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورةٌ إلا رَقْمًا في ثوب» متفق عليه (٤). فاستثنى الرَّقْمَ في الثوب، وذلك مختصُّ بما رُقِمَ في اللِّباس والستور ونحوها. لكن كُره ذلك أيضًا، لأنَّ الأصل في التصوير [أنه] محرَّم (٥) بالاتفاق، وليس في الحديث إلا الاستثناء (٦) مما يوجب التحريم، وذلك يكون مع الكراهة.

стр. 1108

ولما يأتي من الأحاديث الدالَّة على كراهة الصور المرقومة في الثياب، فتحمل تلك الأحاديث على الكراهة، وهذا على عدم التحريم، جمعًا بينهما. والفرق بين المرقوم في الثوب وغيره: أنَّ الصورة على غيره من الأجسام الصلبة تبقى ثابتة منتصبة على هيئة الصورة التي خلقها الله، فتتحقق فيها مفسدة الصور، بخلاف الصورة على الثوب، فإنها تلتوي وتنطوي ويغيَّر (١) وضعها بطيِّ الثوب ونشرِه، فلا تبقى (٢) على صورة الحيوان الذي خلقه الله. وفيه ابتذال لنفس الصورة، فأشبهت الصورةَ التي توطأ وتُداس. ووجه الأول: ما روي عن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تدخل الملائكةُ بيتًا فيه صورةٌ ولا كلبٌ ولا جنُبٌ» رواه أحمد وأبو داود (٣). وعن علي ﵁ أنه قال لأبي الهيَّاج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ لا تدع تمثالًا إلا طمستَه، ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّيته. وفي

стр. 1109

رواية: ولا صورةً إلا طمستَها. رواه مسلم وغيره (١). وعن ابن عباس ﵄: دخل النبيُّ ﷺ البيتَ فوجد فيه صورةَ إبراهيم وصورةَ مريم، فقال: «أمَّا هم فقد سمعوا أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة». رواه البخاري (٢). وعن القاسم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: حشوتُ للنبيِّ ﷺ وسادةً فيها تماثيل، كأنها نُمْرُقة، فقام بين البابين، وجعل يتغيَّر وجههُ، فقلت: ما لنا يا رسول الله، قال: «ما بالُ هذه الوسادة؟» قلتُ: وسادةٌ جعلتُها لك، لتضطجع عليها. قال: «أما علمتِ أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وأنَّ من صنع هذه الصور يعذَّب يوم القيامة، فيقال: أحْيُوا ما خلقتم!» متفق عليه (٣). وعن عائشة: أنها نصبت سِتْرًا، وفيه تصاوير، فدخل رسولُ الله ﷺ ، فنزعه. قالت: فقطعتُه وسادتين، فكان [ص ١٣١] يرتفق عليهما. متفق عليه (٤). وفي رواية أحمد (٥): فقد رأيته متكئًا على إحداهما وفيها صورة. وعن عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليبُ إلا نقَضه. رواه البخاري وأبو داود وأحمد (٦) ولفظه: لم يكن يدع في بيته ثوبًا فيه تصليبٌ إلا نقَضَه.

стр. 1110

ورواه البرقاني والإسماعيلي (١) ولفظهما: لم يكن يدع في بيته سِتْرًا أو ثوبًا فيه تصاوير إلا نقَضَه (٢). [و] (٣) رواه الخلَّال (٤) ولفظه: كان رسول الله ﷺ لا يرى ثوبًا فيه تصاوير إلا نقَضَه. وهذا صريح في النهي عن الثوب والسِّتر ونحوهما. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فقال (٥): إنِّي كنتُ أتيتُك الليلةَ، فلم يمنعني أن أدخلَ البيتَ الذي أنتَ فيه إلا أنه في البيت تمثالُ رجلٍ. وكان في البيت قِرَامُ (٦) سِتْر فيه تماثيل، وكان في البيت كلبٌ. فمُره (٧) برأس التمثال الذي في باب البيت يُقطَعْ يصيَّرْ كرأس شجرة. ومُرْ (٨) بالسِّتر يُقطَعْ فيجعل وسادتَين [منتبَذتَين] (٩) تُوطآن. وأْمُرْ بالكلب

стр. 1111

يُخرَجْ» ففعل رسولُ الله ﷺ . وإذا الكلب جِرْوٌ كان للحسن والحسين تحتَ نَضَدٍ (١) لهم. رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٢) وصحَّحه. وفي رواية النسائي (٣): استأذن جبريلُ النبيَّ ﷺ فقال: «ادخل. فقال: كيف أدخل وفي بيتك سِتْر فيه تصاوير؟ إمَّا أن تقطع رؤوسَها، أو تجعل بساطًا يوطأ؛ فإنَّا معشرَ الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير». وهذه الأحاديث دالَّة على أنَّ الملائكة لا تدخل البيتَ الذي فيه صورٌ على السُّتور والثياب ونحوها. وإنما رخَّص فيما كان يوطأ، لحديث عائشة وأبي هريرة، ولأنَّ الصورةُ تبتذَل (٤) بذلك، وتُهانُ فتزول مظنَّةُ تعظيم الصورة التي امتنعت الملائكة من الدخول لأجله. وأما نفسُ التصوير عملًا واستعمالًا، فحرامٌ في كلِّ موضع، لما روى ابن عمر أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «الذين يصنعون هذه الصور يعذَّبون يوم القيامة. يقال: أحْيُوا ما خلقتم» متفق عليه (٥). وروى البخاري عن عائشة نحوه (٦). وعن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إنِّي

стр. 1112

رجلٌ أصوِّر هذه التصاوير، فأفتِني فيها. فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «كلُّ مصوِّر في النار. يجعَلُ له بكلِّ صورة صوَّرها نفسًا (١) تعذِّبه في جهنم. فإن كنتَ لا بدَّ فاعلًا فاجعل الشجرةَ وما لا نفس له» متفق عليه (٢). وفي رواية عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من صوَّر صورةً عذَّبه الله حتى يَنفُخَ فيها الرُّوحَ، وليس بنافخ. [ص ١٣٢] ومن استمع إلى حديث قوم يفِرُّون منه صُبَّ في أذنه الآنُكُ (٣) يومَ القيامة» (٤) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأما حديث أبي طلحة، فالأشبه ــ والله أعلم ــ أنَّ ذلك الاستثناء فيه ليس من كلام النبيِّ ﷺ . فإنَّ ابن عباس روى عن أبي طلحة أنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا تدخل الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة» (٥) وفي رواية: «ولا تمثال» (٦) وفي رواية (٧): «ولا تصاوير». قال بعض الرواة: يريد صور التماثيل التي فيها الأرواح (٨). متفق عليه. وكذلك رواه مسلم (٩) من

стр. 1113

حديث سعيد بن يسار [عن زيد بن خالد الجهني] (١) عن أبي طلحة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تدخل الملائكةُ بيتًا فيه كلب ولا تماثيل». فلو كان أبو طلحة قد سمع النبيَّ ﷺ يقول: «إلّا رقمًا في ثوب» لما جاز له أن يروي اللفظَ العامَّ دون ما استثنى منه. ولو رواه كذلك لحفظه عنه مثل ابن عباس وغيره. فعُلِمَ أنَّ حديثه عامٌّ، كما أنَّ أحاديث علي وأبي هريرة وعائشة عامَّة أيضًا، وأنَّ الصور التي على الثياب من السُّتور ونحوها مقصودة من هذا العامِّ؛ فإنَّ تلك الأحاديث صريحة في هذا، وقد ذُكِر فيها السِّتر والثياب. يبيِّن ذلك أنَّ حديث الاستثناء مبهم محتمل، إذ (٢) سيق بلفظه عن بُسْر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهني عن أبي طلحة الأنصاري ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة». قال بُسْر بن سعيد: ثم اشتكى زيد، فعُدْناه، فإذا على بابه سِتْر فيه صورة. قال: فقلتُ لعبيد الله الخَولاني ربيب ميمونة زوج النبيِّ ﷺ : ألم يُخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ قال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: إلَّا رقمًا في ثوب (٣). فهذه الزيادة لم يقلها زيد كما قال أولَ الحديث، وإنما خفَض به صوته حتَّى سمعها عبيدُ الله، دون بُسْر بن سعيد. فلعله قالها مِن عنده، ولم يرفعها في حديث عن النبي ﷺ . وكثيرًا ما يُدرج المحدِّث في حديثه زيادةً يحسب

стр. 1114

المستمع أنها مسوقة (١) عمَّن حدَّث عنه. يؤيد ذلك أنه اعتقد رقمَ السُّتور من جملة المستثنى منه. وقد صحَّت الأحاديث الصحيحة الصريحة أنها من الجملة التي قُصدت بالحديث، وبأنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا هي فيه. وقد روى غيرُ واحد الحديث عن أبي طلحة دون هذه الثُّنْيا. وإن كانت هذه الزيادة محفوظة عن رسول الله ﷺ ، [ص ١٣٣] فالمراد بها ــ والله أعلم ــ ما رُقِم من الصور التي لا روح فيها، أو ما (٢) كان يُوطأ ويُداس من الصور في الثياب، كما جاء ذلك مفسَّرًا بالأحاديث الأخَر. وقد روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهلَ بن حُنيَف. قال: فدعا أبو طلحة إنسانًا (٣) ينزَع نمطًا تحته، فيه تصاوير. فقال له سهل: لِمَ تنزَعه؟ قال: لأنَّ فيه تصاويرَ، وقال فيه النبيُّ ﷺ ما قد علمتَ. قال سهل: أوَ لم يقلُ: «إلَّا ما كان رقمًا في ثوب»؟ قال: بلى، ولكنَّه أطيَبُ لنفسي. رواه مالك وأحمد والترمذي (٤) وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 1115

فهذا الحديث قد قال فيه ابن عبد البر (١): هو منقطع غير متصل، لأنَّ عبيد الله بن عبد الله لم يُدرك سهلَ بن حنيف ولا أبا طلحة، ولا حُفظ له (٢) عنهما ولا عن أحدهما سماعٌ، ولا له سنٌّ يدركهما به. ولا خلاف أنَّ سهل بن حنيف مات سنة ثمان وثلاثين بعد شهود صِفِّين، وصلَّى عليه عليٌّ، وكبَّر عليه ستَّا. وليس كما قال ابن عبد البر. فهذا الحديث يقتضي أنَّ أبا طلحة علِمَ أن النبيَّ ﷺ استثنى الرَّقْمَ في الثوب، وليس فيه أنه سمعه منه. فيجوز أن يكون المستثنى ما كان من الثياب يوطأ ويداس، أو أنَّ تلك التصاوير لم تكن صُورَ ما فيه روح، كما فسَّرته سائرُ الأحاديث. فصل فأمَّا تمثيلُ غير الصورة، فلا بأس به. قال أحمد وقد سئل عن الثوب الذي عليه تماثيل: لا بأس بذلك، لأنَّ النهيَ إنما جاء في الصورة. وكذلك الحيوان إذا قُطِع رأسُه أو طُمِسَ لم يبق من الصور المنهيِّ عنها. قيل لأحمد في الرجل يكتري البيتَ فيه تصاوير، يحُكُّه (٣). قال: نعم (٤). قيل (٥) له: وإن دخل حمَّامًا، ورأى صورةً حكَّ الرأسَ؟ قال (٦):

стр. 1116

نعم. وقال: إذا كان تمثالًا منصوبًا يقطَع رأسَه. وسئل عن الوصيِّ يشتري للصَّبيَّة إذا طلبت منه لعبةً، فقال: إذا كانت صورةً لم يشترها. فقيل له: إذا كانت يدًا ورجلًا؟ فقال: يحُكُّ منه. كلُّ شيء له رأس فهو صورة. قيل له: فعائشة تقول: كنت ألعب بالبنات. قال: نعم. وقال أيضًا: لا بأس بلَعِب اللُّعَب إذا لم يكن فيه صورة، فإذا كان صورة فلا (١). وقال أيضًا: الصورة: الرأس (٢). وقال بعض أصحابنا: إذا قُطِع رأسُ الصورة أو لم يكن لها رأسٌ جاز لُبْسُ ما فيه ذلك مع الكراهة. وقد أومأ أحمد إلى ذلك، فإنه سئل (٣) عن السِّتْر يكون عليه صورة. قال: لا. وما لم يكن له رأس فهو أهون. [ص ١٣٤] وإن كان له رأس فلا. وذلك لأن سائر الأعضاء أبعاضُ الحيوان، ففي إبقائها إبقاء لبعض الصورة، لكن لما كان الحيوان لا تبقى فيه حياة بدون الرأس كان بمنزلة الشَّجر. فزال عنه التحريم، وبقيت فيه الكراهة. ووجه الأول: حديث أبي هريرة المتقدِّم، فإنَّ جبريل أمر النبيَّ ﷺ برأس التمثال الذي في البيت أن يُقطَع ويُصيَّر كهيئة الشجرة (٤)، فعُلِمَ أنَّ الكراهة تزول بذلك.

стр. 1117

وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فليس بصورة. رواه الخلال وأبو حفص (١). وقد صحَّ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تلعب البنات، وتصنع لها لُعَبًا تسمِّيها خيلَ سليمان (٢). وإنما ذلك لأنه لم يكن لها رؤوس. ولأنَّ ما ليس له رأس لا يكون فيه حياة ولا روح ولا نفس، وإنما هو بمنزلة الشجر ونحوها. والنهيُ إنما كان عن تصوير ذوات الأرواح كما تقدَّم. ولهذا لم يكره أصحابنا تمثيلَ ما لا روح له، كالأتْرُجِّ والنارَنْج والشجر ونحوها، كما نصَّ عليه أحمد. فإنه لم يكره إلا الصورة، لأن النهي إنما جاء فيها خاصَّةً. وكره بعضُ أصحابنا التَّصليبَ في الثوب، وفسَّره بصورة الصليب الذي تعَظّمه النصارى. وحمَلَ حديث عائشة أنَّ النبيَّ ﷺ لم يترك في بيته شيئًا فيه تصاليبُ إلا نقَضه (٣)، على ذلك. ولأنَّ هذا الشكل تعظِّمه [النصارى] (٤) ويعبدونه، فصار بمنزلة الأصنام التي كان المشركون يعظِّمونها، فكُرِه لما فيه من التشبُّه بهم. وكلام أحمد يدل على أنه لا يكره من التماثيل سوى الصورة. وكذلك كلامُ سائر أصحابنا، فإنهم قالوا: لا بأس بلُبس ما فيه التماثيل التي لا تُشْبِه ما فيه الروح. وفسَّر القاضي وغيره حديث عائشة بالتصاوير، كما

стр. 1118

رواه الخلال. مسألة (١): (الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسةَ المعفوَّ عنها كيسير الدم ونحوه) . الطهارة من النجاسة شرط في صحة الصلاة في الجملة، من غير خلاف نعلمه في المذهب. فلو صلَّى بالنجاسة عالمًا بها قادرًا على اجتنابها لم تصحَّ صلاته. وفي الجاهل بها والعاجز عن إزالتها، روايتان كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكذلك قال بعض أصحابنا (٢): «يجب اجتناب النجاسة. وهل ذلك شرط في صحة الصلاة؟ على روايتين. أصحُّهما: أنه شرط. فمن صلَّى في موضع نجس حاملًا للنجاسة (٣)، أو أصابها ببدنه أو ثوبه، عالمًا بها، قادرًا على اجتنابها، لم تصحَّ صلاته قولًا واحدًا؛ إلا [ص ١٣٥] النجاسةَ المعفوَّ عنها. وإن صلَّى في نجاسة بعلمه، ولم يمكنه اجتنابُها، أو علِمَها وأُنْسِيَها، أو لم يعلم بها إلا بعد الفراغ، فهل يلزمه الإعادة؟ على روايتين». فصاحب هذه العبارة لا يسمِّيها شرطًا إذا قلنا: تسقط بالعجز والجهل والنسيان، كما لا تسمَّى واجباتُ الصلاة أركانًا إذا سقطت بالنسيان. وإنما يسمَّى شرطًا ما لا يسقط عمدًا ولا نسيانًا، كطهارة الحدث والسترة. وأكثر

стр. 1119

أصحابنا يسمُّونها شرطًا وإن قلنا: تسقط بالنسيان، كما عبَّر به الشيخ ﵀؛ كما أن استقبال القبلة شرط، وقد يسقط بالجهل؛ وكما تسقط سائر الشروط ببعض الأعذار. ولأن مخالفة هذا الشرط غيرَه من الشروط في بعض الأحكام لا يمنع اشتراكَها في أكثر الأحكام. وإنما سُمِّي الشرط شرطًا، لتقدُّمه على الصلاة، ووجوبه من حين الدخول فيها، كأشراط الساعة، وشروط الطلاق، وشرط الحمل، والشروط في العقود ونحو ذلك؛ سواء وجب في كلِّ حال، أو سقط في بعض الأحوال. وفي الجملة، فالخلاف في عبارة، لا في معنًى. وإنما قلنا: إنَّ طهارة البدن من النجاسة شرطٌ للصلاة، لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «تنزَّهوا من البول، فإنَّ عامَّةَ عذاب القبر منه» (١) وقال: «إنهما لَيعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير. أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول» (٢). وأمر في الاستنجاء بثلاثة أحجار، وقال: «إنها تُجزئ عنه» (٣). ونهى عن الاستنجاء بدون ثلاثة أحجار (٤). وهذا كلُّه دليل على أن إزالة النجاسة فرض. وإنما قلنا بوجوب ذلك في الثياب أيضًا، لأن النبي ﷺ قال لأسماء: «حُتِّيه، ثم اغسليه، ثم صلِّي فيه» (٥). وقال في حديث النعلين: «فإن رأى

стр. 1120

فيهما خَبثًا فَلْيمسَحْه، ثم ليصلِّ فيهما» (١). فعلَّق إذنه في الصلاة في الثوب والنعل على إزالة النجاسة منه. وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: سمعتُ رجلًا يسأل النبيَّ ﷺ : أصلِّي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ قال: «نعم، إلا أن ترى فيه شيئا، فتغسله»، رواه أحمد وابن ماجه (٢). فإنما أباح الصلاة فيه إذا رأى فيه نجاسة بعد غسله. وإنما قلنا بوجوب طهارة المكان الذي يصلِّي فيه، لقوله سبحانه: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] (٣). وهذه تعُمُّ تطهيرَه من النجاسة الحسِّيَّة، ومن الكفر والمعاصي والأصنام وغيرها. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، فعلَّل منعَهم منه بنجاستهم. فعُلِمَ أنَّ مواضع الصلاة يجب صونُها عن الأنجاس.

стр. 1121

ولأن [ص ١٣٦] النبيَّ ﷺ قال: «جُعِلت لي كلُّ أرضٍ طيِّبةٍ مسجدًا وطهورًا» رواه الخطابي (١) بإسناد صحيح من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. وقال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ (٢). والطيِّبة: هي الطاهرة. فلما اختصَّ الأرضَ الطيبة بالذكر دلَّ على اختصاصها بالحكم في كونها مسجدًا طهورًا. ولأنَّ الحكم المعلَّق بوصف مناسب دليلٌ على أنَّ ذلك الوصف علَّة له. فعُلِم أن طهارتها مؤثِّرة في كونها مسجدًا وطهورًا. ولأن النبيَّ ﷺ أمرهم أن يصبُّوا على بول الأعرابي ذَنوبًا من ماء، وقال: «إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا». فدلَّ على وجوب تطهير موضع الصلاة، ووجوب تنزيهه من النجاسات. ولأنه نهى عن الصلاة في الأماكن التي هي مظنة النجاسات، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فالموضع الذي قد تحقَّق وصولُ النجاسة فيه أولى أن لا تجوز فيه الصلاة. والنهي يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه، لا سيما إذا كان من العبادات، وكان النهي لمعنًى في المنهيِّ عنه. وقد استدلَّ كثير من المتأخرين من أصحابنا وغيرهم على وجوب تطهير الثياب بقوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، حملًا لذلك على ظاهر اللغة التي يعرفونها. فإنَّ الثياب هي الملابس، وتطهيرها بأن تُصان عن النجاسة وتُجَنَّبها بتقصيرها وتبعيدها منها، وبأن تُماطَ عنها النجاسة إذا أصابتها.

стр. 1122

وقد نُقل هذا عن بعض السلف، لكنَّ جماهيرَ السلف فسَّروا هذه الآية بأن المراد: زكِّ نفسَك، وأصلِحْ عملَك. قالوا: وكنى بطهارة الثياب عن طهارة صاحبها من الأرجاس والآثام (١). وذلك أنَّ هذه الآية في أول سورة المدَّثِّر، وهي أول ما نزل من القرآن بعد أول سورة اقرأ، ولعل الصلاة لم تكن فُرضت حينئذ فضلًا عن إحدى (٢) الطهارتين التي هي من توابع الصلاة. ثم هذه الطهارة من فروع الشريعة وتتمَّاتها، فلا تُفرَض إلا بعد استقرار الأصول والقواعد، كسائر فروع الشريعة، إذ ذاك (٣) لم تكن قد فرضت الأصول والقواعد. ثم إنَّ الاهتمام في أول الأمر بجُمَل الشرائع وكلِّيّاتها، دون الواحد من تفاصيلها، والجزء من جزئياتها، هو المعروف من طريقة القرآن، وهو الواجب في الحكمة. ثم ثيابُ النبيِّ ﷺ لم تعرض لها نجاسة، إلا أن تكون في الأحيان، فتخصيصُها بالذكر دون طهارة البدن وغيره، مع قلَّة الحاجة وعدم الاختصاص بالحكم، في غاية البعد. وإذا حُملت الآية على الطهارة من الرِّجس والإثم والكذب والغدر [ص ١٣٧] والخيانة والفواحش كانت قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة. والكنايةُ بطهارة الثياب عن طهارة صاحبها من الفواحش والكذب والخيانة ونحو ذلك مشهورٌ في لسان العرب غالبٌ في عرفهم نظمًا ونثرًا، كما قال:

стр. 1123

ثيابُ بني عوفٍ طَهارَى نقيَّةٌ (١) وقال الآخر: وإنِّي بحمدِ الله لا ثوبَ غادر ... لبِستُ ولا من خِزْيةٍ أتقنَّعُ (٢) حتى إذا قيل: «فلان طاهر الثياب، طاهر الذيل» لم يُفهَم منه عند الإطلاق إلا ذلك. فيكون قد صار ذلك حقيقة عرفية، كما صار المجيءُ من الغائط حقيقةً في قضاء الحاجة، وكما صار مسيسُ النساء ومباشرتُهن حقيقةً في الجماع؛ فيجب حمل الكلام عليه. ولذلك وجهان: أحدهما: أنَّ اللباس يضاف إليه من الحكم، ويُقصَد به الإضافة إلى الإنسان نفسه، للعلم بأن المقصود مَن في الثوب، لا نفسُ الثوب. ويُجعَل ذلك نوعًا من الكناية، كما قال الأنصار للنبيِّ ﷺ : لنمنعنَّك مما نمنَع منه أُزُرَنا (٣). الثاني: أن يراد نفسُ تطهير الثوب، لكنَّ الطهارة في كتاب الله على

стр. 1124

قسمين: طهارة حِسِّيّة من الأعيان النجسة ومن أسباب الحدث المعلومة، وطهارة عقلية من الأعمال الخبيثة. فالأول كقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١) [التوبة: ١٠٨]، نزلت في أهل قباء لما كانوا يستنجُون من البول والغائط (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والثاني: كقوله سبحانه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]، في غير موضع، وقوله : ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، إلى غير ذلك من الآيات. وإذا كان كذلك، فالثوبُ نفسه يكتسب صفة حقيقية من لابسه إن كان صالحًا أو فاسقًا، حتى يظهر ذلك فيه إذا قوي تأثير صاحبه فيه، ويظهر ذلك في مواضع الخير ومواضع الشرّ. ولأجل الارتباط الذي بين اللباس والمقعد

стр. 1125

وبين صاحبهما أُمِر بتطهيرهما من النجاسة. وكانت طهارة الخفَّين طهارة للقدمين. [ص ١٣٨] واستُحِبَّ تكريمُ البقاع والثياب التي عُملت فيها الصالحات، حتَّى أعدَّ سعد ﵁ جُبَّته التي شهد فيها بدرًا كفنًا (١)، واستوهب بعضُ أزواج النبيِّ ﷺ منه بردةً لتتخذها كفنًا (٢). وهذا كثير. فالأمرُ بتطهير عينه من الأنجاس أمرٌ بطهارة صاحبه بالضرورة. والأشبه ــ والله أعلم ــ أنَّ الآية تعُمَّ نوعَي الطهارة، وتشمل هذا كلَّه، فيكون مأمورًا بتطهير الثياب المتضمِّنة تطهيرَ البدن والنفس من كلِّ ما يستقذر شرعًا من الأعيان والأخلاق والأعمال، لأنَّ تطهيرها أن تجعل طاهرة، ومتى اتصل بها وبصاحبها شيء من النجاسة لم تكن مطهَّرة على الإطلاق؛ فإنَّها متى أزيل عنها نجسٌ دون نجس لم تكن قد طهرت، حتَّى يُزال عنها كلُّ نجس. بل كلُّ ما أمر الله باجتنابه من الأرجاس وجب التطهيرُ منه، وهو داخل في عموم هذا الخطاب. يبيِّن ذلك أنَّ الطهارةَ من الخمر والبول والدم ونحو ذلك هي من تتمة الطهارة من أكلها وشربها، وتكميلٌ لذلك المقصود، وتحقيقٌ للتنزُّه من الأرجاس بكلِّ طريق. وإنما حرَّم الله سبحانه مباشرة هذه الأعيان الرجسة، كما حرَّم ممازجتها بالأكل والشرب؛ لما فيها من الخبث. وحرَّم مباشرتها بالثياب قطعًا لملابستها بكلِّ طريق، ومبالغةً في اجتنابها. وعلى هذه، فالحجة من الآية اندراج هذه الطهارة في العموم، وبذلك تندفع تلك
следующие страницы →