← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والأول أحوط، فإنَّ الثاني إنما أخبر عن ظنّ. وهذا التحديد تقريب في الصحيح من الوجهين، وقيل: من الروايتين. [٦/أ] فلو نقص الماء نقصًا يسيرًا لم يؤثِّر، لأنّ تقدير القلال بالقِرَب إنما كان عن رأي وحساب يقبل الزيادة والنقص. وتقدير القِرَب بالأرطال تقريب، فإنّ القِرَب وغيرها من أوعية الماء لا تكاد تَساوَى (١) على التحقيق، إذ لا يقصد كيل الماء ووزنه غالبًا. فصل (٢) في تطهير الماء إذا كان الماء كثيرًا يبلغ القلتين (٣) فإنما ينجس بالتغيّر، فإذا زال التغيّر طهُر؛ لأن الحكم إذا ثبت بعلّة زال بزوالها، كالخمر إذا زالت عنه الشدّة المسكرة صار حلالا طاهرًا، أو كالثوب النجس إذا غُسِل طهُر. وذلك بثلاثة أشياء: أحدها: أن يزول بنفسه، فيطهر في أصح الروايتين. والثانية: لا يطهر لأن النجاسة بحالها لم تزُل ولم تُستهلك. والصحيح: الأول لأنها تستهلك بمرور الزمان عليها.

стр. 107

الثاني: أن يُنزَح الماء ويزول تغيره، وهو قلتان فصاعدًا، لأن بالنزح زالت النجاسة. فإن لم يزُل تغيُّره حتى نقص عن القلتين كان حينئذ نجسًا بالملاقاة، فلا يطهر بزوال تغيره بعد ذلك. الثالث: أن يُضَمّ إليه قلّتا ماء طهور جملةً أو متتابعًا بحسب العادة بصبٍّ أو إجراءٍ من عين أو نهر أو نبع، ويزول تغيُّره، فيطهُر، سواء اختلط الماءان أو لم يختلطا بأن يكون أحدهما صافيًا والآخر كدرًا، لأنهما قلتان أضيفتا إلى مائع نجس، ولم يغيِّرهما؛ وكان (١) الجميع [٦/ب] طاهرًا كما لو أضيفتا إلى خمر أو دم. وأمّا الماء القليل، فسواء كان متغيرًا أو لم يكن، لا يطهر حتى يُضمَّ إليه قلّتا ماء طهور، ويزول تغيُّره، لأن نجاسته تكون بملاقاة القليل للنجاسة. فإذا كان المضاف إليه كثيرًا دفَع النجاسة عن نفسه وعما يرد عليه. فأما إن أضيف إلى الكثير المتغير أو إلى القليل ما دون القلتين وزال تغيّره لم يطهر في ظاهر المذهب. وقيل: يطهر فيهما. وقيل: يطهر في الصورة الأولى دون الثانية. فأمَّا إن طُرح فيه تراب فقطَع تغيُّره لم يطهر. ولا يجب غسل جوانب البئر (٢) في أصح الروايتين.

стр. 108

فصل فإن تغيَّر بعض الماء الكثير بالنجاسة لم تنجس بقيته إذا بلغ قلّتين في أصح الوجهين. وقال ابن عقيل: ينجس لأنه ماء واحد (١). وإذا لم يتغير الماء الكثير بالنجاسة وكانت مستهلكة فيه كالبول والخمر جاز استعمال جميعه، ولم يجب أن يبقى قدرها. وإن كانت النجاسة قائمة فيه وهو قدر القلتين، فاغترفت منه في إناء، فهو طهور (٢). وإن كان أكثر من قلتين جاز التناول من جميع جوانبه، سواء كان بينه وبين النجاسة قلتان أو لا، وسواء في نجاسته ما يدركه الطرف وما لا يدركه، إذا تيقن وصوله إلى الماء، في المشهور من المذهب. ولو سقطت عَذِرة أو قطعة ميتة في ماء يسير فانتَضح منه بسقوطها شيء فهو نجس. وإذا شكّ هل [٧/أ] ما وقعت فيه النجاسة قلتان أو أنقص؟ فهو نجس في أصح الوجهين. مسألة (٣): (وإن طُبخ في الماء ما ليس بطهور، أو خالطه (٤) فغلب على اسمه، أو استعمل في رفع حدثٍ= سلَب طهوريته) . أما إذا طُبخ فيه كماء الباقلّى المُغْلَى فإنه قد صار أُدْمًا ومرَقةً، و (٥) ليس

стр. 109

بماء حقيقةً ولا اسمًا. وأما إذا خالطه، فغلب على اسمه، إمّا بأن يسلب (١) الماءَ رقّتَه وجريانَه، فيصير صبغًا وحِبرًا إن كان كثيفًا، أو تكون أجزاؤه أكثر من أجزاء الماء إن كان لطيفًا حتى يقال: خَلٌّ فيه ماء، أو ماءُ وردٍ فيه ماء، فهذا لم يبق (٢) فيه حقيقةً ولا اسمًا. وإن غيَّر طعمه أو لونه أو ريحه سلبه التطهيرَ أيضًا في أشهر الروايتين لأنه ليس بماء مطلق. والرواية الأخرى: هو باق على تطهيره (٣)، وكذلك على هذه إن غيَّر صفاته الثلاث في أشهر الطريقين. وعنه أنه طهور إذا لم يجد المطلق. هكذا حكى بعض أصحابنا ثلاث روايات. وحكى السامري (٤) طريقين، أحدهما: أن الروايتين على الإطلاق. والثانية: أن الروايتين فيما إذا عدم الماء المطلق فقط، وهي طريقة ابن أبي موسى (٥). وعلى الأولى في التغير اليسير ثلاثة أوجه. أحدها: أنه كالكثير. والثاني: في الفرق بين الرائحة وغيرها. والثالث: العفو عنه مطلقًا، وهو أصح (٦).

стр. 110

فصل فأما إن تغيَّر بما لا يمكن صَونُه عنه فهو باق [٧/ب] على طهوريته كالماء المتغير بالطُّحلُب، وورق الأشجار المتحاتَّة (١) فيه، وما يحمله المدُّ من الغثاء، وما ينبت فيه. وكذلك إن تغيَّر بطول مُكثه، وكذلك ما تغيَّر بمجاريه كالقار والنفط، لأن هذا التغير لا يمكن صون الماء عنه. وهو من فعل الله ابتداءً، فأشبَه التغيُّر الذي خلق (٢) عليه الماء، حتى لو طرحت فيه هذه الأشياء عمدًا سلبته التطهير، إلا الملح المنعقد من الماء، لأنه ماء فهو كذَوب الثلج والبرد. وفي التراب وجهان لكونه طهورًا في الجملة. وإن تغيَّر بطاهر لا يخالطه كالخشب والأدهان وقطع الكافور، فهو باق على طهوريته في أشهر الوجهين. ولا أثر لما غيَّر الماء في محل التطهير، مثل أن يكون على بدن المغتسل زعفران أو سدر أو خِطْمي فتغيَّر به؛ لأن النبي ﷺ أمر بغسل المحرم (٣) وغسل ابنته بماء وسدر (٤)، وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر (٥)، ولأن هذا تدعو إليه الحاجة.

стр. 111

فصل وأما المستعمل في رفع الحدث، فهو طاهر في ظاهر المذهب (١)، لما روى جابر قال: جاءني رسول الله ﷺ ، وأنا مريض لا أعقِل، فتوضّأ وصبَّ وضوءَه عليّ. متفق عليه (٢). وفي "الصحيح" (٣) أيضا عن المِسْوَر بن مخرمة أن النبي ﷺ كان إذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه. ولأنّ بدن المحدث طاهر، فلا ينجس الماء بملاقاته كسائر الطاهرات. ودليل طهارته ما روى الجماعة (٤) عن أبي هريرة قال: [٨/أ] لقيني رسولُ الله ﷺ وأنا جنُب، فانسللتُ فأتيتُ الرَّحلَ فاغتسلتُ، ثم جئتُ وهو قاعد، فقال: "أين كنتَ يا أبا هريرة؟ " فقال: كنتُ جنُبًا. فقال: "سبحان الله إن المؤمن لا ينجس".

стр. 112

وهو مع طهارته غير مطهِّر في المشهور أيضًا، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يغتسِلْ أحدُكم في الماء الدائم وهو جنُب". قالوا: يا أبا هريرة، كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولًا. رواه مسلم (١). ولو كان الغسل فيه يجزئ ولا يغيِّر الماء لم ينه عنه. ولأن الصحابة ما زالوا تضيق بهم المياه في أسفارهم، فيتوضؤون ولا يجمعون مياه وضوئهم، ولو كانت مطهِّرةً لجمعوها. ولأنه مستعمل لإزالة مانع من الصلاة فانتقل حكم المنع إليه كالمستعمل في إزالة النجاسة. وما دام الماء يجري على بدن المغتسل وعضو المتوضئ على وجه الاتصال فليس بمستعمل حتى ينفصل. فإن انتقل من عضو إلى عضو لا يتصل به مثل أن يعصِر الجنبُ شعر رأسه على لُمعة من بدنه، أو يمسح المحدث رأسه ببَلِّ يده (٢) بعد غسلها، فهو مستعمل في إحدى الروايتين، كما لو انفصل إلى غير محل التطهير مثل أن يمسح رأسه ببَلٍّ يأخذه من لحيته، أو يعصِر شعره في كفِّه ثم يردّه على اللمعة. وفي الأخرى: ليس بمستعمل. وهو أصح لما روت الرُّبَيِّع بنت معوِّذ أنَّ النبي ﷺ مسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه. رواه أحمد [٨/ب] وأبو داود (٣).

стр. 113

وعن ابن عباس قال: اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فلما خرج رأى لُمعةً على منكبه الأيسر لم يصبها الماء، فعصَر شَعرَه عليها. رواه أحمد وابن ماجه (١). ولأنه ما زال ينتقل (٢) في مواضع التطهير (٣). فأشبه انتقاله إلى محلّ متصل. وإن اغتمس الجنب في ماء يسير بنية الطهارة صار الماء مستعملًا، ولم يرتفع حدثه، لنهي النبي ﷺ عن ذلك، والنهي يقتضي الفساد (٤). وهل يصير

стр. 114

مستعملًا بانفصال أول جزء منه، أو بملاقاة أول جزء منه؟ على وجهين أنسبُهما بكلامه (١): الأول. وصار هنا مستعملًا قبل انفصال جميع البدن، بخلاف ما إذا اغتسل لا يصير حتى ينفصل، كما أنَّ الماء إذا ورد على النجاسة لم ينجس حتى ينفصل، وإذا أُوردت (٢) على قليله نجَّسته. ولو لم ينو الاغتسال حتى انغمس كان كمن صُبَّ عليه الماء، فترتفع الجنابة ويصير مستعملًا في وجه. وفي وجه: لا ترتفع (٣) إلا عن أول جزء منفصل. وإذا غمس المتوضِّئ يده في الإناء بعد غسل وجهه ولم ينو غسلها فيه لم يصر مستعملًا. وقيل: يصير مستعملًا كما لو اغترف بها الجنب بعد النية (٤). والصحيح الأول، لأن عبد الله بن زيد لما توضّأ وضوء رسول الله ﷺ اغترف بيده من الإناء بعد غسل وجهه، وقال: هكذا كان يتوضأ رسول الله ﷺ (٥). وكذلك الجنب في رواية. والرواية الأخرى: الفرق، للعسر والمشقة في الوضوء، ولأن الأثر جاء فيه. وإذا كان الانغماس [٩/أ] في ماء كثير لم يغيِّره كالنجاسة، وأولى.

стр. 115

ولو جُمِع حتى بلغ قلّتين كان كالماء القليل النجس إذا جمع إلى مثله حتى بلغ قلتين لا يصير طهورًا في ظاهر المذهب. فصل فأما المستعمَل في طهر مستحبّ كغسل الجمعة وتجديد الوضوء فهو طهور في أظهر الروايتين، لأنه لم يُزِلْ مانعًا. وفي الأخرى: هو غير مطهرِّ لأنه مستعمل في طهارة شرعية، فأشبه الأول. وعلى هذا إذا قلنا: إن وطء الذمية لا يجوز حتى تغتسل من الحيض ــ وهو إحدى الروايتين ــ فاغتسلت كان ذلك الماء مستعملًا، لأنه أزال المانع. وقيل: لا يكون مستعملًا لأنه ليس بعبادة. وإذا غسل رأسه بدلًا عن المسح ففي المسألة (١) وجهان. فأمَّا فضل الطهور ــ وهو ما تبقَّى في الإناء ــ فهو طهور سواء كان المتطهِّر رجلًا أو امرأةً؛ لما روى ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ من صَحْفةٍ، فأراد النبي ﷺ أن يتوضأ منه، فقالت (٢): يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال: "إنَّ الماءَ لا يُجْنِبُ"، رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٣).

стр. 116

لكن إذا خلت بالطهارة منه امرأة لم يجز للرجل أن يتطهَّر به في وضوء ولا غسل في أشهر الروايتين (١)، لما روى الحكم بن عمرو الغفاري أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن (٢). قال أحمد: أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إذا خلت بالماء فلا

стр. 117

يتوضأ منه (١). ويُحمَل توضؤ النبي صلى الله [٩/ب] عليه وسلم بفضل وضوء ميمونة (٢) على أنها لم تخلُ به توفيقًا بين الحديثين، وإن تعارضا فحديث المنع أولى لأنه حاظر، ولأنه ناقل عن الأصل فيكون أولى من المبقي على الأصل؛ لأن الأصل الحِلّ فالحظر بعده، فإن كان الحلّ بعده لزم البعد مرتين، وإن كان الحلّ قبل الحظر لزم مرّة واحدة. والخلوة: [أن] (٣) لا يشاركها الرجل سواء شاهدها أو لم يشاهدها، في إحدى الروايتين، لعموم الحديث؛ خصص منه حال المشاركة (٤) لقول عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه من الجنابة. متفق عليه (٥). وقال عبد الله بن سَرْجِس: "اغتسِلا جميعًا، هي هكذا وأنت هكذا؛ فإذا خلَتْ به فلا تقرَبْه" (٦). والرواية الأخرى: ألا تُشاهَد عند الطهارة، وهي أصح لأن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة. ومتى شاهدتها

стр. 118

امرأة أو صبي مميِّز أو كافر، فهو كالرجل عند الشريف أبي جعفر وغيره كخلوة النكاح. وقال القاضي: يختصّ الرجل (١) المسلم لأن الحكم يختص به، بخلاف خلوة النكاح (٢). وهل يختص ذلك بفضل طهارة الحدث أو يعمّ طهارتي الحدث والخبَث؟ على وجهين. وكذلك هل للرجل استعماله في الخبث؟ على وجهين. وفيما خلت به الكافرة وجهان. فأما ما خلا به خنثى مشكل فلا بأس به. ولا يؤثِّر التطهير من الماء الكثير في أصح الوجهين. فأما فضل طهور الرجل [١٠/أ] للمرأة، فلا بأس به في المنصوص المشهور، وقيل: تمنع منه. ولا بأس بشربه في أصح الروايتين، ويكره في الأخرى إذا خلت به. فأما المستعمل في غير الحدث فلا بأس به، إلّا ما غمس القائم من نوم الليل يده فيه قبل غسلها ثلاثًا، ففي بقاء طهوريته روايتان (٣). فإن قلنا: يؤثِّر، فسواءٌ غمَسها قبل نية غسلها أو بعده في المشهور. وقيل: لا يؤثِّر إلا بعد نية غسلها. وقيل: بعد نية الوضوء، نوى غسلها أو لم ينوه. وحدُّ هذه اليد إلى الكوع. وفي غمس اليسير كالإصبع والإصبعين وجهان. وفي غمس من

стр. 119

ليس من أهل الطهارة الشرعية كالكافر والمجنون والصبي غير المميِّز وجهان. ولا يؤثِّر الغمسُ في الكثير نصّ عليه، بل يصح وضوؤه فيه، ويجزئ عن غسلهما. وكذلك ما لو وقف تحت أنبوب أو ميزاب، فتوضأ ولم ينقل الماء بيده. فأما إذا نقله بيده أو صبَّه فيهما من الإناء صبًّا، وتوضأ قبل غسلهما، فهل يجزئه عن غسلهما ويصح وضوؤه؟ على روايتين. ويجوز استعمال هذا الماء فيما تستعمل فيه المياه الطاهرة في أشهر الوجهين. وفي الآخر: يراق بكل حال. وإذا لم يجد إلا هذا الماء على القول بأنه غير طهور توضأ به وتيمم. والمنفصل عن (١) اليد المغسولة كالمغتسل به في رفع الحدث إن قيل بوجوبه، وإلّا فكالمستحبّ. فصل ولا يكره المسخَّن بالشمس في المنصوص المشهور، [١٠/ب] وقال التميمي وحفيده رزقُ الله: يكره (٢)؛ لأنه روي عن عمر: لا تغتسلوا

стр. 120

بالمشمَّس فإنه يورث البرص (١). وليس بشيء لأن الناس ما زالوا يستعملونه ولم يعلم أنّ أحدًا (٢) برِصَ، ولأنَّ ذلك لو صحَّ لم يفرَّق بين ما قُصد بتشميسه وما لم يُقصد. والأثر إن صحَّ فلعل عمر بلغه ذلك، فنهى عنه كما نهى النبي ﷺ عن تأبير النخل، وقال: "ما أراه يغني شيئا"، ثم قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (٣)؛ لأن المرجع في ذلك إلى العادة. وكذلك المسخَّن بالنار إلا أن يكون شديد الحرارة يمنع إسباغ الوضوء، لأن النبي ﷺ أذن في دخول الحمام بالأُزُر (٤)؛ إلا أن يكون الوقود نجسًا، فيكره في أصح الروايتين، لاحتمال وصول بعض أجزاء النجاسة إلى الماء. فإن كان بينهما حاجز حصين كُرِه

стр. 121

أيضًا في أحد الوجهين، لأن سخونته إنما كانت باستعمال النجاسة. وإيقادها هل هو مكروه أو محرَّم؟ على وجهين. وفي كراهة الاغتسال والتوضؤ من ماء زمزم روايتان (١)، وأما إزالة النجاسة به فتكره قولًا واحدًا. مسألة (٢): (وإذا شكَّ في طهارة الماء أو غيره أو نجاسته بنى على اليقين) . يعني: إذا تيقّن الطهارة، ثم شكَّ هل تنجَّس أم لا؟ بنى على ما تيقَّنه من طهارته. وكذلك إذا تيقَّن النجاسة. وكذلك البدن والثوب والأرض وجميع الأعيان. وهذه قاعدة ممهّدة في الشرع، وهي استصحاب الحال المعلومة واطّراح الشك. ولذلك لم يكره التوضؤ بماء سِقايات الأسواق [١١/أ] والحياض المورودة. وكذلك إذا تيقَّن الحدث أو الطهارة، وشكَّ في زواله، بنى على المستيقن. فإذا شكَّ في عدد الركعات أو الأطواف أو الطلقات بنى على اليقين، وهو الأقل. وكذلك إذا شكَّ في حياة الرجل وموته لتوريثه بنى على يقين الحياة. وإذا شكَّ في خلق الجنين وقت موت مُورثه بنى على اليقين، وهو العدم. وفروع هذا الأصل كثيرة جدًّا، والسبب في ذلك أنَّ الشيء إذا كان على حال فانتقالُه عنها يفتقر إلى زوالها وحدوث الأخرى، وبقاءُ الثانية وبقاءُ

стр. 122

الأولى لا يفتقر إلا إلى مجرَّد الإبقاء (١)، فيكون البقاء أيسر من الحدوث، فيكون أكثر. والأصل: إلحاق الفرد بالأعم الأغلب. فإن أخبره مخبر بنجاسته لم يجب أن يقبل منه حتى يبيِّن السبب، فيقبل، سواء كان رجلًا أو امرأةً، مستورًا أو معروفًا بالعدالة، بخلاف الفاسق، وخبرُ الصبي كشهادته. مسألة (٢): (وإن خفي موضعُ النجاسة من الثوب أو غيره غسَل ما تيقَّن به غسلَها) . لأنه اشتبه الطاهر بالنجس، فوجب اجتناب الجميع حتى يتيقّن الطهارة، إما بالغسل أو اليقين، كما لو اشتبه المذكَّى بالميت؛ ولأنا قد تيقنّا النجاسة، فلا يزول حكمها إلا بيقين الطهارة بناء على اليقين. فعلى هذا إن كان رآها على يديه أو على ثوبه الملبوس غسَلَ ما يمكن رؤيته، وإن رآها على أحد كمَّيه غسل الكمَّين، وإن رآها على بقعة غسَلَها جميعها. فأمَّا إذا تيقَّن أنها أصابت [١١/ب] موضعًا بعينه، وشكَّ هل أصابت غيره، لم يجب أن يغسل إلا ما تيقَّن نجاسته. وقد نبَّه الشيخ رحمه الله تعالى على أنه إذا اشتبه الطاهر بالنجس اجتنبهما جميعا، وهذا ظاهر المذهب. وقال جماعة من أصحابنا (٣):

стр. 123

يتحرَّى إذا كانت أواني الماء الطهور أكثر. والأول أصحُّ لما تقدَّم (١). ويلزمه أن يُعدم الطهور بخلطه بالنجس (٢) أو بإراقتهما في إحدى الروايتين. وهذا إذا لم يكن محتاجًا إليه للشرب ونحوه، فإنه حينئذ لا يريقه. ويجب التحرِّي للأكل والشرب في أصحِّ الروايتين. ولا يلزمه غسل ما أصابه إذا وجد الماء في أصح الوجهين. مسألة (٣): (وإن اشتبه طهورٌ بطاهر توضَّأ من كلِّ واحد منهما) . لأنه أمكنه تأدية فرضه بيقين من غير ضرر، فأشبه ما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها. ثم إن شاء توضأ من كل واحد منهما وضوءًا كاملًا، وإن شاء غسَلَ العضو من هذا؛ ثم من هذا ثم يصلي صلاة واحدة في أصح الوجهين. هذا إذا لم يكن محتاجًا إلى أحدهما للشرب، فإن كان محتاجًا إليه توضأ بما يرى أنه المطهِّر، وإلا بأيهما شاء، ويتيمَّم في الصورتين. مسألة (٤): (وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة صلَّى في ثوبٍ بعدَ ثوبٍ بعدد النجس، وزاد صلاةً ". لأنه إذا صلَّى صلاة زائدة على عدد النجس تيقَّن أنه صلَّى في ثوب

стр. 124

طاهر، ولم تتعدَّ إليه النجاسة، بخلاف الأواني. ولا [١٢/أ] يجزئه أن يتحرَّى كالقبلة للعلّة التي تقدمت، لأنَّ القبلة يغلب اشتباهها، وعليها دلائل منصوبة، وإصابة عين الكعبة لا يحصل بالتكرار. وسواء قلَّت النجاسة أو كثرت في المشهور، وقال ابن عقيل (١): إذا كثرت ولم يعلم عددها أجزأ التحرِّي. وهذا التكرار في المياه والثياب إنما يجزئ إذا لم يكن طاهرٌ بيقين، فأما مع وجوده فلا يجزئ إلا به، لأنه لا بدّ من الجزم بالنية إذا أمكن، إلا أن يتوضأ بغَرفة من هذا وغَرفة من هذا. مسألة (٢): (وتُغسَل نجاسة الكلب والخنزير سبعًا إحداهنّ بالتراب) . أمَّا الكلب والخنزير، فلا يختلف المذهب في نجاستهما وفي وجوب غسل الإناء من نجاستهما سبعًا إحداهنّ بالتراب، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" رواه الجماعة (٣).

стр. 125

ولمسلم (١): "طهورُ إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلبُ أن يغسله سبعَ مرّات أولاهنّ بالتراب". ولمسلم (٢) أيضًا: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فَلْيُرِقْه ثم ليغسله سبع مرار". فلما أمر بإراقة الإناء وسمَّى الغسل طُهورًا دلَّ على النجاسة، إذ الطهارة الواجبة (٣) في عين البدن لا تكون إلا عن نجاسة. وعنه: أنه يجب غسلُها ثمانيًا لما روى عبد الله بن مغفّل أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبع مرات وعفِّروه الثامنة [١٢/ب] في التراب" رواه مسلم وغيره (٤). والصحيح أنه عدَّ التراب ثامنةً وإن لم تكن غَسلةً، كما قال تعالى: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. يحقِّق ذلك أنَّ أهل اللغة قالوا: إذا كان اسم فاعل على العدد من غير جنس المفعول يجعله زائدًا كما قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وإن كان من جنسه جعله أحدَهم لقوله ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]. فلما قال: "سبع مرّات" علم أن التراب سمّاه ثامنًا لأنه من غير الجنس، وإلا قال: "فاغسلوه

стр. 126

ثمانيًا وعفِّروه الثامنة"، كما روى أبو داود في حديث أبي هريرة: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعَ مرّات، السابعة بالتراب" (١). وإذا ثبت هذا الحكم في الكلب، فالخنزير الذي لا يباح اقتناؤه والانتفاع به أصلًا ونصّ عليه القرآن أولى. وله أن يستعمل التراب في أيّ غسلة شاء، فإن كان المحلّ يتضرَّر بالتراب لم يجب استعماله في أصح الوجهين. ويجزئ موضعَ التراب الأُشنان والصابون ونحوهما في أقوى الوجوه. وقيل: لا يجزئ مطلقًا، وقيل: لا يجزئ إلا عند عدم التراب. وأما الغسلة الثامنة فلا تجزئ بدل التراب في الأصح. ويجب التسبيع والتراب في جميع نجاسات الكلب من الريق والعرق والبول وغيرها، وكذلك في جميع موارد نجاسته التي لا تتضرّر بالتراب في المشهور. وقيل عنه: لا يجب التراب إلا في الإناء خاصة. وأما سائر الحيوانات فعلى قسمين: أحدهما: ما يؤكل لحمه فهذا طاهر. وكذلك ما لا يؤكل لحمه لشرفه، [١٣/أ] وهو الإنسان سواء كان

стр. 127

مسلمًا أو كافرًا. ولا يكره سؤره في ظاهر المذهب (١)، وعنه: يكره سؤر الكافر. والثاني: ما لا يؤكل لحمه، وهو ضربان: أحدهما ما هو طوَّاف علينا كالهرّ، وما دونها في الخلقة مثل الحية والفأرة والعقرب وشبه ذلك. فهذا لا يكره سؤره إلا ما تولَّد من النجاسات كدُود النجاسة والقروح، فإنه يكون نجسًا لنجاسة أصله، لما روت كبشة بنت كعب بن مالك أنها سكبت وضوءًا لأبي قتادة الأنصاري، فجاءت هرّةٌ، فأصغى لها الإناء حتى شربت منه، وقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّها ليست بنجَس، إنّها من الطوَّافين عليكم والطوّافات". رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢). وعن عائشة أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنها ليست بنجَس، إنما هي من الطوّافين عليكم" وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها. رواه أبو داود (٣).

стр. 128

ومما ينبني على ذلك أنه إذا خرجت الهرَّة أو الفأرة أو الحيّة من مائع يسير لم تنجِّسه في المنصوص. وقيل: تنجِّسه لملاقاة دبرها. والأول أصحّ، لأن من عادة الحيوان جمعَ دبره إذا دخل الماء خوفًا من دخوله فيه، فلا يتحقق التنجُّس (١). وإذا أكلتْ نجاسةً ثم ولَغت في ماء يسير، فقيل: طاهر، وقيل: هو نجس إلا أن تغيب غَيبةً يمكن أنها وردت فيها ماءً يطهِّر فاها. وقيل: نجس إلا أن تلَغَ (٢) بعد الأكل بزمن يزول فيه أثر النجاسة بالريق (٣). [١٣/ب] والضرب الثاني من المحرَّم: ما ليس بطوّاف، وهو نوعان: أحدهما الوحشي، وهو سباع البهائم وجوارح الطير وما يأكل الجِيَف، مثل الفهد والنمر والغراب الأبقع والبازي والسَّقر (٤)، فهذا نجس في أشهر الروايتين. وفي الأخرى: هو طاهر لما روى جابر قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلَت الحُمُر؟ قال: "نعم، وبما أفضلت السباعُ كلُّها". رواه الشافعي والدارقطني (٥). ولأن الأصل في الأعيان: الطهارة، ويفارق الكلب بجواز

стр. 129

اقتنائه مطلقًا وجواز بيعه. ووجه المشهور حديث ابن عمر المتقدِّم في القلّتين لمّا سئل ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، ولو كانت أسآرها (١) طاهرة لم يكن للتحديد فائدة. ولا يقال: لعله أراد: إذا بالت فيه، لأن الغالب أنها إنما ترِدُه للشرب، والبول فيه نادر؛ فلا يجوز حمل اللفظ العامّ على الصور القليلة. ثم إنه لم يستفصل، ولو كان الحكم يختلف لبيَّنه أيضًا، فإنه ﷺ لما علَّل طهارة الهرِّ بأنها من الطوّافين علينا عُلِم أن المقتضي لنجاستها قائم، وهو كونها محرَّمة، لكن عارضه مشقةُ الاحتراز منها، فطهرت لذلك؛ لأنه لما علَّل طهارتها بالطواف وجب التعليل به. وعند المخالف أنها طهرت لأنها حيوان لا يحرم اقتناؤه، وليس للطواف أثر عنده. [١٤/أ] ولأن تحريم الأكل يقتضي كونه خبيثًا لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ويقتضي نجاسته إلا ما قام عليه الدليل، بدليل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونهيُه ﷺ عن جلود السباع يؤيِّد ذلك؛ و (٢) لأنه حيوان حُرِّم لا لحرمته ليس بطوَّاف، فكان نجسًا كالكلب والخنزير. والحديث المتقدِّم (٣) ضعيف لا تقوم به حجة.

стр. 130

والثاني (١): الإنسي، وهو البغل والحمار، ففيه روايتان وجهُهما ما تقدَّم. ورواية ثالثة: أنه مشكوك فيه لتعارض دليل الطهارة والنجاسة، فيتوضأ بسؤره ويتيمَّم. والطهارة هنا أقوى، لأنَّ فيها معنى الطواف، وهو أنه لا يمكن الاحتراز منها غالبًا (٢). مسألة (٣): (ويجزئ في سائر النجاسات ثلاثٌ مُنْقِيَةٌ) . في هذه المسألة روايات، إحداهن: أنه لا يجب العدد، بل يجزئ أن تُكاثَر النجاسةُ بالماء حتى تزول (٤)؛ لأن النبي ﷺ قال للمستحاضة: "واغسلي عنك الدَّمَ وصلِّي" (٥). وقال لأبي ثعلبة في آنية المجوس: "إن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء" (٦). وقالت أسماء بنت أبي بكر: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ فقال: "تحُتُّه، ثم تقرُصُه بالماء، ثم تنضَحه، ثم تصلِّي فيه". متفق عليه (٧).

стр. 131

وكذلك في غير هذه الأحاديث أمر بغسل النجاسة، ولو كان العدد واجبًا لذكره في جواب السائل عن التطهير، لأنه وقت حاجة [١٤/ب] ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ولأن المقصود إزالة النجاسة، فإذا زالت لم يجب الزيادة، كغسل الطيب عن بدن المحرم. والرواية الثانية: يجب أن تغسل ثلاثَ مرّات كما اختاره الشيخ (١)، لأن النبي ﷺ أمر القائم من نوم الليل أن يغسل يديه (٢) ثلاثًا معلِّلا بتوهُّم النجاسة (٣)، فوجوبُ الثلاث مع تحقُّقها أولى. واكتفى في الاستنجاء بثلاثة أحجار، فالاجتزاءُ بثلاث غسلات أولى. وروي عن عائشة أن النبي ﷺ كان يغسل مقعدته ثلاثًا. قال ابن عمر: "فعلناه، فوجدناه دواءً وطهورًا". رواه ابن ماجه (٤). والرواية الثالثة: أنه يجب التسبيع في جميع النجاسات، وهي اختيار أكثر أصحابنا؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك في نجاسة الكلب، فوجب إلحاق سائر النجاسات بها، لأنها في معناها. يحقِّق ذلك أنَّ الحكم لا يختصّ

стр. 132

بمورد النصّ، بل قد اتفقوا على أنه يلحق به الثوب والبدن وغيرهما، وكذلك ألحقنا بالرِّيق العرقَ والبولَ والخنزير. وأيضًا فإنه إذا وجب التسبيع في الكلب ــ مع أنه مختلَف في نجاسته ومرخَّص في الانتفاع به ــ ففي النجاسات المجمَعِ عليها، وجاء التغليظ بها والوعيد بقوله: "تنزَّهوا من البول، فإنَّ عامة عذاب القبر منه" (١) مع أنها لا تزول غالبًا إلا بالسبع (٢). وأيضًا فإنَّ التسبيع في نجاسة الكلب إمّا أن يكون تعبُّدًا أو أنه مظنّة للإزالة غالبًا، فعلّق الحكم به كالعدد في الاستجمار، لئلا يتوهَّم حصول [١٥/أ] الإزالة بدونها مع بقاء النجاسة؛ وكذلك جعلها الغايةَ في غسل الميِّت، ولغير ذلك من الأسباب. ومهما فُرض من ذلك، فالنجاسات كلُّها فيه (٣) سواء. ويؤيد ذلك أنّا لما ألحقنا غيرَ الحجر به في باب الاستنجاء اشترطنا العدد، فإذا ألحقنا المزيل بالمزيل في العدد، فكذلك المُزال بالمُزال. وأمّا الأحاديث المطلقة، فلعله ﷺ ترك ذكر العدد اكتفاءً بالتنبيه عليه بالولوغ، أو بجهة أخرى فإنها قضايا أعيان، أو لعلمه بأنها لا تُزال في تلك

стр. 133

الوقائع إلا بالتسبيع، أو لعل ذلك كان قبل فرض العدد في غسل الولوغ. ولا يمكن أن يقال: الأحاديث مطلقة بعده، لأنه يلزم منه التغيير مرتين، والاجتزاء بثلاثة أحجار لأنها مخففة، وهي لا ترفع (١) النجاسة بخلاف الماء فإنه يرفع النجاسة، وكذلك لا يحصل الإنقاء بدون السبع في الغالب. وعنه رواية رابعة: يجب السبع فيما عدا السبيلين، فإنه يجزئ فيهما ثلاثٌ لما تقدّم. والفرق بينهما تكرُّر نجاسة السبيلين، ومشقّة السبع فيهما، وكذلك اكتفي فيهما بالجامد. وعنه: يجب التسبيع في السبيلين وفيما عدا البدن. فأمّا سائر البدن فلا عدد، لأن البدن يشقّ التسبيعُ فيه لكثرة ملاقاته النجاسة تارةً منه وتارةً من غيره، بخلاف غيره وبخلاف السبيلين فإن نجاستهما مغلظة كما تقدَّم، ولذلك نجَّست كثيرَ الماء في رواية. وهل يُشترط الترابُ أو ما يقوم مقامه [١٥/ب] على القول بالتسبيع؟ على وجهين، أحدهما: يُشترط. قاله الخِرَقي وغيره (٢)، كنجاسة الكلب. وروت أمُّ قيس بنت محصَن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض قال: "حُكِّيه بضِلَع، واغسليه بماء وسِدْر" رواه الخمسة إلا الترمذي (٣). فأمر بالسِّدر مع الماء، ونحن نجيز غير التراب من الجامدات

стр. 134

على الصحيح. والثاني: لا يشترط، وهو أشهر (١)، لما روى أبو هريرة أنَّ خَولة بنت يسار قالت: يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه. قال: "فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلِّي فيه". قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره؟ قال: "يكفيك الماء، ولا يضرُّك أثره". رواه أحمد وأبو داود (٢). وعامّة الأحاديث أمر فيها بالماء فقط، لا سيَّما الاستنجاء، فإنه نُقل عنه قولًا وفعلًا، ونُقل عنه دلكُ يده بالتراب بعده، وهو سنَّة. فكيف تُرِك نقلُ التدلُّك بالتراب وهو واجب؟ لكن هذا يقتضي السقوط في نجاسة السبيل، ولأنّ استعمال التراب فيه مشقة عظيمة، لا سيما ونحن نشترط طهارته؛ بخلاف العدد فإنَّ النجاسة غالبًا لا تزول إلا به، وولوغ الكلب يقال: فيه لُزُوجة لا تزول غالبًا إلا به.

стр. 135

مسألة (١): (وإن كانت على الأرض، فصبَّةٌ واحدةٌ تذهب بعينها ، لقول رسول الله ﷺ : "صُبُّوا على بول الأعرابي ذَنوبًا من ماء"). النجاسة على الأرض تفارق ما على المنقولات من ثلاثة أوجه: [١٦/أ] أحدها: أنه لا يشترط فيها عدد، سواء كان فيها كلب (٢) أو غيره. الثاني (٣): أنه لا يشترط انفصال الغُسالة عن موضع النجاسة. الثالث: أنّ الغُسالة طاهرة إذا لم تتغير. وذلك للحديث الذي ذكره، وهو ما رواه الجماعة عن أبي هريرة أنَّ أعرابيًّا بال في المسجد، فقال النبي ﷺ : "صُبُّوا على بوله سَجْلًا من ماء، أو ذَنوبًا من ماء" (٤). وقد روي: أنهم حفروا التراب، فألقَوه، وألقَوا مكانه ماءً؛ من وجه مرسل، ووجه منكر، ولم يصحِّحوه (٥).

стр. 136

ولأن التراب النجس لو كان قد أخرج لم يحتج إلى تطهير الطاهر، وأبو هريرة شهد القصة ولم يذكر ذلك. فإذا ثبت أنهم قد صبُّوا على المبال الماء، فلولا أنه قد طهَّره وانفصل طاهرًا لكان ذلك تكثيرًا للنجاسة. ولأنّ الأرض وما اتصل بها من البناء والأَجْرِنة (١) لو لم تطهر إلا بانفصال الماء عنها، وتكرار غسلها مع نجاسة المنفصل قبل المرة الآخرة، لأفضى ذلك إلى انتشار النجاسة وامتناع إزالتها بالكلية، إذ غالب الأرض لا

стр. 137

مصرف عندها، وما عنده مصرف فنادر، والنادر ملحق بالغالب؛ بخلاف ما يمكن نقله وتحويله إلى المصارف. وعنه: أن النجاسة إذا كانت بولًا قائمًا لم تنشف لا بدَّ من انفصال الماء عنها وأنه يكون نجسًا (١)، بخلاف ما نشف وما في معناه من الجامد، لأن الناشف قد جفَّ. والأول هو المذهب. فصل إذا كان موردُ النجاسة لم يتشرَّبْها (٢) [١٦/ب] كالأواني كفى مرورُ الماء عليها بعد إزالة العين. وإن كان قد تشرَّبها كالثياب والطنافس (٣) فلا بدّ من استخراجها بالعصر وشبهه من الفَرْك والتثقيل (٤) في كلِّ مرة، ولا يكفي تجفيفه عن العصر في أصحّ الوجهين. ولو بقي بعد المبالغة والاستقصاء أثر لون أو ريح لم يضرَّ، لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: "ولا يضرُّكِ أثره" (٥). والريح قد يعبَق عن مجاورة لا مخالطة، فهو بالعفو أولى من اللون.

стр. 138

وإذا غُمِس المحلُّ النجس في ماء كثير أو ملئ بماء كثير لكثرة (١) لم يُحتسَب غسلةً حتى ينفصل الماء عنه في المنصوص، كما لو كان الماء قليلًا وقد ورد عليه. وقيل: إذا عولج في الماء بما يليق به من عصرٍ ونحوه حتى يتبدَّل عليه الماء، فتلك غسلة لحصول مقصود الانفصال. وعلى هذا ما يحتاج إلى العدد يجب إخراجه من الماء سبعَ مرّات على الأول، ويكفي تبديل الماء عليه سبعَ مرّات على الثاني. وإن غمسه في ماء قليل نجَّسه ولم يطهُر، ولم يُحتسب غسلةً، كما لو ألقته ريح، وكما لو اغتسل فيه الجنب. فأمّا إن ترك الثوب النجس في وعاء، ثم صبَّ عليه الماء وعصَره، كان غسلةً يبني عليها، ويطهر المحلُّ بذلك، كما لو صبّ عليه في غير إناء، وكما لو أخذ الماء بفمه لتطهير نجاسة فيه ثم مجَّه. وهذا لأن الماء إذا ورد على النجاسة لم يحكم بنجاسته حتى ينفصل، كما لا يحكم باستعماله ما دام على العضو. ولا تزول طهوريته بتغيُّره بالطاهر على البدن حتى ينفصل، لأن الماء طهور، فما دام يتطهَّر به فطهوريته باقية. فصل المنفصل قبل [١٧/أ] طهارة المحل هو نجس، سواء كان متغيرًا أو لم يكن، بخلاف المتصل فإنه إن لم يتغيَّر لم يحكم بتنجيسه حتى ينفصل، وإن تغيَّر فتأثيره باق مع نجاسته.

стр. 139

فأما المنفصل بعد طهارة النجس، فنجس أيضًا عند ابن حامد (١). والصحيح أنه طاهر، وهو طهور أيضًا في أقوى الوجهين. وإذا (٢) انتضح من المنفصل شيء قبل تكميل السبع فيما يعتبر فيه، فقيل: يجب تسبيعه. وقيل: يجب غسله بعدد ما بقي بعد انفصاله، فيغسل من الأولى بستٍّ (٣)، وهذا أصح، والله أعلم. فصل ما لا يمكن غسله لا يطهُر كالتراب إذا اختلط به رميم الموتى وفُتات الروث. فأما ما يُنقَع (٤) بالماء النجس كاللحم والحَبّ، فهل يمكن تطهيره بغسل الحبِّ وغلي اللحم والتجفيف في كلِّ مرّة؟ على روايتين. فأما اللَّبِن المنقوع بالمائع النجس كالخمر والبول، فإنه يُصَبّ عليه الماء حتى يداخل أجزاءه ويصير طينًا ويذهب أثر النجاسة، فإن لم يداخله طهر ظاهرُه دون باطنه. فإن كانت فيه أعيان النجاسة كروث ورميم لم يطهر إلا أن يُطبخ بالنار، فيغسل، فيطهر ظاهره، لأن النار أكلت النجاسة، والماء أزال الأثر. ولا يطهر باطنه لأن الماء لم يصل إليه إلا أن يُسحَق سحقًا ناعمًا، فيخلص إليه الماء حينئذ. وكذلك المائعات كالخلِّ ونحوه لا تطهر لأن النجاسة لا تزايلها؛ إلا الماءَ فإن النجاسة تفارقه كما تقدم، وإلا الأدهانَ مثل [١٧/ب] الزيت والشَّيرَج

стр. 140

ونحوهما فإنه يطهر بالغسل على أحد الوجهين (١)، وذلك بأن يصب عليه الماء الحارّ ويُفتَح في أسفل الوعاء ثقبٌ يخرج منه الماء؛ وإلا الزئبقَ (٢) فإنه لا يقوى شيء من النجاسات على مداخلته لقوته وتماسكه فأشبه الجامدات. مسألة (٣): (ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النَّضحُ) . وذلك لِمَا روت أمُّ قيس بنت مِحْصَن الأسدية أنها أتت بابن لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضَحه عليه، ولم يغسله (٤). وقالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يؤتى بالصبيان، فيبرِّك عليهم، ويحنِّكهم. فأُتي بصبيٍّ، فبال عليه، فدعا بماء، فأتبعَه بولَه ولم يغسله" (٥) متفق عليهما. وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "بولُ الغلام الرضيع يُنضَح، وبولُ الجارية يُغسَل". قال قتادة: "وهذا ما لم يَطعَما، فإذا أُطعِمَا (٦) غُسِلا جميعًا". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، والترمذي وقال: حديث حسن (٧).

стр. 141

وعن أبي السَّمْح خادم رسول الله ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "يُغسَل من بول الجارية ويُرَشُّ من بول الغلام" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (١). وقد قيل: إن الغلام يبول دائمًا (٢) مستلقيًا على ظهره، فتنتشر (٣) نجاسته، فتعظم المشقَّة بغسلها. فإذا أكل الطعام قويَ واشتدَّ ظهرُه، فقعد، فيقِلُّ انتشارُ نجاسته. والجارية لا يجاوز بولُها محلَّها. وقيل أشياء أخر، منها: أن [١٨/أ] الغلام يُحمَل على الأيدي عادةً بخلاف الجارية. ومنها: أن مزاجه حارّ، فبوله رقيق، بخلاف الأنثى فإنّها شديدة الرطوبة. والنضح: أن يعمَّ الماء النجاسة وإن لم يَجْرِ عنها.

стр. 142

ومعنى أكله الطعام: أن يشتهيه للاغتذاء به، بخلاف ما يُحنَّكه وقتَ الولادة ويُلعَقه من الأشربة ونحوها. مسألة (١): (وكذلك المذي) . ماء (٢) رقيق يخرج لابتداء الشهوة إذا تحرَّكت بتفكر (٣) أو نظر أو مسٍّ، وبعد فتورها، من غير إحساس به؛ وظاهر المذهب أنه نجس. وعنه أنه طاهر، اختاره أبو الخطاب في "خلافه" (٤)، لِمَا روى سهل بن حُنَيف قال: كنت ألقى من المذي شدّةً، وكنت أُكثر منه الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "يُجزئك من ذلك الوضوء". فقلت: يا رسول الله كيف أصنع بما يصيب ثوبي؟ قال: "يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضَح به حيث ترى أنه أصابه". رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٥)،

стр. 143

وأحمد (١) ولفظه: "فتمسَح" بدل قوله: "فتنضَح به"، والأثرم ولفظه: "يجزئك أن (٢) تأخذ حُفنةً من ماءٍ، فترُشَّ عليه" (٣). فلم يأمره بغسل فرجه منه، ولو كان واجبًا لأمره، ويُحمَل الأمر بالنضح وبالغسل في حديث علي على الاستحباب. ولأنه جزء من المني إذ يخرج بسبب الشهوة من مخرج المني، لكنه لم يستحكم بكمال الشهوة. والأول: هو المشهور، لكن يكفي نضحُ المحلِّ منه في إحدى الروايتين ــ كما ذكره الشيخ ــ للحديث المذكور. وحملُه على هذا أولى من حمله (٤) على مجرد الاستحباب [١٨/ب]، فإنَّ الأصل في الأمر الوجوب لا سيما في مثل هذا. وسكوتُه عن غسل الفرج منه قد يكون لعلم المستمع، فإنه كان عالمًا بنجاسته، ولكن سأل عن موجب خروجه وعن كيفية التطهر منه، ولأنه متردِّد بين المني لأنه جزء منه وبين البول لكونه لم يكمل، وهو مما يشقُّ التحرّز منه، فأجزأ فيه النضح كبول الغلام. والأخرى: لا يجزئ إلا الغسل، لما روي عن علي قال: كنت رجلًا مذَّاءً، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ ، فأمرتُ المقداد، فسأله، فقال:

стр. 144

"يغسل ذكره، ويتوضأ" (١). وإذ (٢) أمر بغسل الذكر، فكذلك سائر المحالّ. والنضح ينبغي أن يكون في غير مخرجه. فأمّا مخرجُه، ففي قدر ما يجب غسلُه منه ثلاث روايات. إحداهن: يجب الاستنجاء منه كالبول، اختارها الخلّال (٣)، لأنه نجس فأشبه سائر النجاسات، ولأن في حديث علي عن النبي ﷺ : "في المذي الوضوء، وفي المني الغسل". قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٤). وكذلك حديث سهل لم يذكر إلا الوضوء. الثانية: يجب غسل جميعُ الذكر، ما أصابه منه وما لم يصبه، لحديث علي: "يغسل ذكره". والثالثة (٥): يغسل جميع الذكر والأنثيين. اختارها أبو بكر والقاضي (٦)، لما روي عن علي قال: كنت مَذّاءً، فاستحييتُ أن أسأل رسول الله ﷺ ، لمكان ابنته، فأمرتُ المقداد، فسأله، فقال: "يغسل ذكره وأنثييه، ويتوضَّأ".

стр. 145

رواه أحمد وأبو داود (١). فإن قيل: يرويه [١٩/أ] هشام بن عروة عن أبيه عن علي، وهو لم يدركه. قلنا: مرسِلُه أحد أجلّاء الفقهاء السبعة، رواه ليبيِّن الحكم المذكور فيه، وهذا من أقوى المراسيل. وقد روى عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الماء يكون بعد الماء، فقال: "ذاك المَذْي، وكلُّ فحلٍ يَمذي. فتغسِلُ من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضَّأْ". رواه أبو داود (٢). ولأنه خارج بشهوة، فجاز أن يجب بغسله أكثرُ من محلِّه كالمني؛ وذلك لأنّ الأنثيين وعاؤه، فغسلُهما يقطعه ويزيل أثره.
следующие страницы →