← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعن أبي السَّمْح خادم رسول الله ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "يُغسَل من بول الجارية ويُرَشُّ من بول الغلام" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (١). وقد قيل: إن الغلام يبول دائمًا (٢) مستلقيًا على ظهره، فتنتشر (٣) نجاسته، فتعظم المشقَّة بغسلها. فإذا أكل الطعام قويَ واشتدَّ ظهرُه، فقعد، فيقِلُّ انتشارُ نجاسته. والجارية لا يجاوز بولُها محلَّها. وقيل أشياء أخر، منها: أن [١٨/أ] الغلام يُحمَل على الأيدي عادةً بخلاف الجارية. ومنها: أن مزاجه حارّ، فبوله رقيق، بخلاف الأنثى فإنّها شديدة الرطوبة. والنضح: أن يعمَّ الماء النجاسة وإن لم يَجْرِ عنها.

стр. 142

ومعنى أكله الطعام: أن يشتهيه للاغتذاء به، بخلاف ما يُحنَّكه وقتَ الولادة ويُلعَقه من الأشربة ونحوها. مسألة (١): (وكذلك المذي) . ماء (٢) رقيق يخرج لابتداء الشهوة إذا تحرَّكت بتفكر (٣) أو نظر أو مسٍّ، وبعد فتورها، من غير إحساس به؛ وظاهر المذهب أنه نجس. وعنه أنه طاهر، اختاره أبو الخطاب في "خلافه" (٤)، لِمَا روى سهل بن حُنَيف قال: كنت ألقى من المذي شدّةً، وكنت أُكثر منه الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "يُجزئك من ذلك الوضوء". فقلت: يا رسول الله كيف أصنع بما يصيب ثوبي؟ قال: "يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضَح به حيث ترى أنه أصابه". رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٥)،

стр. 143

وأحمد (١) ولفظه: "فتمسَح" بدل قوله: "فتنضَح به"، والأثرم ولفظه: "يجزئك أن (٢) تأخذ حُفنةً من ماءٍ، فترُشَّ عليه" (٣). فلم يأمره بغسل فرجه منه، ولو كان واجبًا لأمره، ويُحمَل الأمر بالنضح وبالغسل في حديث علي على الاستحباب. ولأنه جزء من المني إذ يخرج بسبب الشهوة من مخرج المني، لكنه لم يستحكم بكمال الشهوة. والأول: هو المشهور، لكن يكفي نضحُ المحلِّ منه في إحدى الروايتين ــ كما ذكره الشيخ ــ للحديث المذكور. وحملُه على هذا أولى من حمله (٤) على مجرد الاستحباب [١٨/ب]، فإنَّ الأصل في الأمر الوجوب لا سيما في مثل هذا. وسكوتُه عن غسل الفرج منه قد يكون لعلم المستمع، فإنه كان عالمًا بنجاسته، ولكن سأل عن موجب خروجه وعن كيفية التطهر منه، ولأنه متردِّد بين المني لأنه جزء منه وبين البول لكونه لم يكمل، وهو مما يشقُّ التحرّز منه، فأجزأ فيه النضح كبول الغلام. والأخرى: لا يجزئ إلا الغسل، لما روي عن علي قال: كنت رجلًا مذَّاءً، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ ، فأمرتُ المقداد، فسأله، فقال:

стр. 144

"يغسل ذكره، ويتوضأ" (١). وإذ (٢) أمر بغسل الذكر، فكذلك سائر المحالّ. والنضح ينبغي أن يكون في غير مخرجه. فأمّا مخرجُه، ففي قدر ما يجب غسلُه منه ثلاث روايات. إحداهن: يجب الاستنجاء منه كالبول، اختارها الخلّال (٣)، لأنه نجس فأشبه سائر النجاسات، ولأن في حديث علي عن النبي ﷺ : "في المذي الوضوء، وفي المني الغسل". قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٤). وكذلك حديث سهل لم يذكر إلا الوضوء. الثانية: يجب غسل جميعُ الذكر، ما أصابه منه وما لم يصبه، لحديث علي: "يغسل ذكره". والثالثة (٥): يغسل جميع الذكر والأنثيين. اختارها أبو بكر والقاضي (٦)، لما روي عن علي قال: كنت مَذّاءً، فاستحييتُ أن أسأل رسول الله ﷺ ، لمكان ابنته، فأمرتُ المقداد، فسأله، فقال: "يغسل ذكره وأنثييه، ويتوضَّأ".

стр. 145

رواه أحمد وأبو داود (١). فإن قيل: يرويه [١٩/أ] هشام بن عروة عن أبيه عن علي، وهو لم يدركه. قلنا: مرسِلُه أحد أجلّاء الفقهاء السبعة، رواه ليبيِّن الحكم المذكور فيه، وهذا من أقوى المراسيل. وقد روى عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الماء يكون بعد الماء، فقال: "ذاك المَذْي، وكلُّ فحلٍ يَمذي. فتغسِلُ من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضَّأْ". رواه أبو داود (٢). ولأنه خارج بشهوة، فجاز أن يجب بغسله أكثرُ من محلِّه كالمني؛ وذلك لأنّ الأنثيين وعاؤه، فغسلُهما يقطعه ويزيل أثره.

стр. 146

فصل (١) ولا يطهر شيء من النجاسات بالمسح ولا يعفى عنه إلا أسفل الخفّ والحذاء، فإنه يجزئ دلكه بالأرض في إحدى الروايات. وفي الأخرى: لا يجزئ كسائر الملبوسات. والثالثة: يجزئ في غير الغائط والبول لغلظهما. ووجه الأولى ــ وهي أصح (٢) ــ قوله: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإنَّ التراب له طهور" رواه أبو داود (٣). ولأنه محلٌّ يتكرر إصابة النجاسة له، فأجزأ فيه المسح كالسبيلين. وكذلك خُرِّج في طهارتهما وطهارة السبيلين بالاستجمار وجهان. وذيول الثياب يتوجَّه فيها الجواز (٤) لحديث أم سلمة (٥).

стр. 147

وكذلك لا تزول النجاسة بالشمس والريح والاستحالة في المشهور. وفي الجميع وجه قوي (١). مسألة (٢): (ويُعفَى عن يسيره، ويسير الدم وما تولَّد منه من القَيح والصَّديد ونحوه، وهو ما لا يفحُش في النفس) . النجاسات على قسمين: ما يُبطل الصلاةَ [١٩/ب] قليلُها وكثيرُها، وما يُعفى عن يسيرها. أما المَذْي فيعفى عنه في أقوى الروايتين، لأن البلوى تعُمُّ به ويشقُّ التحرّز منه، فهو كالدم، بل أولى للاختلاف في نجاسته، والاجتزاء عنه

стр. 148

بنضحه. وكذلك المني إذا قلنا بنجاسته. وأما الوَدْي فلا يعفى عنه في المشهور عنه كالبول. وأما الدم فيعفى عن يسيره رواية واحدة. وكذلك القَيح والمِدَّة والصديد. وماء القروح إن كان متغيّرًا فهو كالقيح، وإلا فهو طاهر كالعرَق. قال أحمد: "القَيح والصَّديد والمِدَّة عندي أسهل من الدم الذي فيه شكّ" (١). يعني في نجاسته. وسئل: القيح والدم عندك سواء؟ فقال: "لا (٢)، الدم لم يختلف الناس فيه، والقَيح قد اختلف الناس فيه". وإنما عفي عنه (٣) لإجماع الصحابة (٤). قال البخاري: بزَقَ عبد الله بن أبي أوفى دمًا، فمضى في صلاته، وعصَر ابن عمر بَثْرةً، فخرج منها دم، فلم (٥) يتوضأ (٦). وحكى أحمد أن أبا هريرة أدخل إصبعه في أنفه، فخرج عليها دم، فلم

стр. 149

يتوضأ (١). وعن جابر بن عبد الله (٢) أنه سُئل عن رجل يصلِّي، فامتخط فخرج من مُخاطه شيء من دم. قال: "لا بأس بذلك، يتمُّ صلاته" (٣). ولأن الله سبحانه حرَّم الدم المسفوح خاصّةً، لأن اللحم لا يكاد يخلو من دم، فأباحه للمشقَّة، فلَأنْ يبيحَ ملاقاته في الصلاة أولى؛ لأنّ الإنسان لا

стр. 150

يكاد يخلو من دماميل وجروح وقروح، فرخَّص في ترك غسلها. والمعفوُّ عنه: دم الآدمي، ودم البَقّ والبراغيث ــ إن قيل بنجاسته ــ ودم الحيوان المأكول. فأما المحرَّم الذي له نفس سائلة، فلا يعفى عن دمه لأن التحرُّز منه ممكن (١)، وهو مغلَّظ [٢٠/أ]. لكون لبنه نجسًا. وقد روي عن النبي ﷺ أنه خلع نعليه في الصلاة، وعلَّل بأنّ فيهما دمَ حَلَمة (٢). وكذلك دم الحيضة وما خرج من السبيلين لا يعفى عنه في أصحّ الوجهين، لأنه يغلظ بخروجه من السبيل، ولذلك ينقض قليله الوضوء، والتحرُّز منه ممكن. وأما قدرُ اليسير فعنه: ما دون شبر في شبر. وعنه: ما دون قدر الكفّ. وعنه: القطرة والقطرتان. وقيل عنه: ما دون ذراع في ذراع. والمشهور عنه: ما يفحش في النفس، لأن ابن عباس قال في الدم: "إذا كان فاحشا أعاد" (٣)، ولأن التقدير مرجعه العُرف إذا لم يقدَّر في الشرع ولا

стр. 151

في اللغة. قال الخلّال: "الذي استقرَّ عليه قوله أنَّ الفاحش: ما يستفحشه كلُّ إنسان في نفسه" (١). وهذا هو ظاهر المذهب، إلا أن يكون قطرة أو قطرتين فيعفى عنه بكلِّ حال؛ لأن العفو عنه لدفع المشقة، فإذا لم يستفحشه شقَّ عليه غسلُه، وإذا استفحشه هان عليه غسلُه. قال ابن عقيل: الاعتبار بالفاحش في نفوس أكثر الناس وأوساطهم (٢). ومما يعفى عنه: أثر الاستجمار إن لم نقل بطهارته، وبول ما يؤكل لحمه وروثه إن قلنا بنجاسته كدمه المختلف (٣) فيه، ولمشقة الاحتراز منه. وكذلك يعفى عن [يسير] (٤) ريق الحيوانات المحرَّمة وعرَقها، إذا قلنا بنجاستها في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: لا يعفى كريق الكلب والخنزير وعرقهما. والفرق بينهما أن هذه الحيوانات يباح اقتناؤها مطلقًا، ويشقُّ معه التحرُّز من ريقها وعرقها، وقد اختلف في نجاستها، وركب النبي ﷺ [٢٠/ب] حمارًا. ويعفى عن يسير بول الخفّاش في إحدى الروايتين، لأنه في وقت النبي ﷺ وإلى وقتنا لا يسلم الناس منه في المساجد، ولا من الصلاة عليه.

стр. 152

ولا يعفى عن يسير النبيذ المختلَف فيه في أصحِّ الروايتين كالمجمَع عليه، فإنه رواية واحدة. قال ابن عقيل: وفي العفو عن يسير القيء روايتان، وكذلك ذكر أن يسير القيء يعفى عنه. وكذلك كلُّ ما لا ينقض الوضوءَ خروجُه كيسير الدود والحصى والخارج من غير الفرجين، لا يجب غسلُ موضعه، كما لا يجب التوضؤ منه. وذكر القاضي في العفو عن أرواث البغل والحمار والسباع روايتين أقواهما أنه لا يعفى. وأما الذي لا يعفى عن يسيره، فكالبول والغائط والخمر والميتة، لقول النبي ﷺ : "تنزَّهوا عن البول، فإنّ عامَّة عذاب القبر منه" (١)، وقوله: "إذا ولَغ الكلبُ في إناء أحدكم فَلْيُرِقْه" (٢)، ولأن هذه نجاسات مغلَّظة في أنفسها، ولا يعمُّ الابتلاءُ بها، وليس في نجاستها اختلاف= فلا وجه للعفو عنها، مع أن الاختلاف فيها لا أثر له على الأصح.

стр. 153

فصل في بيان النجاسات وهي إما حيوان، أو جماد. أما الحيوان فقد تقدَّم ذكره. وما تحلَّل من ظاهره مثل ريقه ودمعه وعرقه، فهو مثلُه. وأما روث غير المأكول وبوله فهو نجس بكلّ حال، إلا ما لا نفس له سائلة، فإنَّ روثه وبوله وجميع رطوباته طاهرة. وكذلك لبن (١) غير المأكول كالحمُر لا يجوز شربه للتداوي ولا غيره، سواء قلنا بطهارة (٢) ظاهره أو لا، إلا لبن الآدمي فإنه طاهر. وأما الشَّعر [٢١/أ] فحكمه حكم ميتته في ظاهر المذهب. وعنه: أنه طاهر مطلقًا. والقيء نجس لأن النبي ﷺ قاء فتوضأ (٣)، وسواء أريد غسل يده أو

стр. 154

الوضوء الشرعي، لأنه لا يكون إلا عن نجاسة. فأما بلغم المعدة فطاهر في أقوى الروايتين كبلغم الرأس، وفي الأخرى: هو نجس كالقيء. والبيض واللبن في أحد الوجهين، وفي الآخر: كالولد. وأما المني فكاللبن مطلقًا. وأما الجماد، فالميتة، وقد ذكرها في الآنية. والدم كلُّه نجس، وكذلك المِدّة والقيح والصديد وماء القروح المتغير، على ما ذكرناه من العفو عن يسيره؛ إلا الدماء المأكولة كالكبد والطحال وما بقي على اللحم بعد السفح، ودم السمك رواية واحدة. وإلا الدماء التي ليست سائلة كدم الذباب والبقّ والبراغيث في أقوى الروايتين؛ إلا دم الشهيد ما دام عليه، لأن الشارع أمر بإبقائه عليه مع كثرته، فلو حمله مصلٍّ لم تبطل صلاته. وإلا العَلَقةَ في وجه كالطحال والمني، والصحيح أنها نجسة، وسواء استحالت عن مني أو عن بيض. والمائعاتُ المسكرةُ كلُّها نجسة لأن الله سمَّاها رجسًا، والرجس هو القذر والنجس الذي يجب اجتنابه، وأمر باجتنابها مطلقًا، وهو يعمُّ الشرب

стр. 155

والمسّ وغير ذلك، وأمر بإراقتها، ولعن النبيُّ ﷺ عينها (١)، فهي كالدم وأولى لامتيازها عليه بالحدّ وغيره. ولا يجوز القصد إلى تخليلها، فإن خُلِّلت لم تطهر في المنصوص المشهور، لما روى أنس أن النبي ﷺ [٢١/ب] سئل عن الخمر تُتَّخذ خلًّا، قال: "لا". رواه مسلم وغيره (٢). وعنه أيضًا: أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال: "أَهْرِقُها". قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: "لا". رواه أحمد وأبو داود (٣). وقيل عنه: تطهر، وقيل: تطهر (٤) بنقلها من مكان إلى مكان دون إلقاء شيء فيها. فأما إن ابتدأ الله قلبها طهرت، وإن أمسكها كذلك، سواء اتخذ (٥) العصير للخلّ أو للخمر في المشهور. وقيل: إن اتخذه للخمر ثم أمسكه حتى تخلَّل لم تطهر. والأول أصح لقول عمر: "لا تأكل خلًّا من خمر أفسدت حتى يبدأ الله

стр. 156

بفسادها، وذلك حين طاب الخلُّ. ولا بأس على امرئ أصاب خلًّا من أهل الكتاب أن يبتاعه ما لم يعلم أنهم تعمَّدوا إفسادها". رواه سعيد (١). مسألة (٢): (ومني الآدمي وبول ما يؤكل لحمه طاهر) . أما المني فأشهر الروايتين أنه طاهر لما روت عائشة قالت: "كنتُ أفرُك

стр. 157

المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ ، ثم يذهب فيصلي فيه". رواه الجماعة إلا البخاري (١). ولو كان نجسًا لم يجزئ فركُه كسائر النجاسات. والرواية الأخرى: هو نجس يجزئ فركه لهذا الحديث، لأن الفرك إنما يدل على خفة النجاسة كالدم. ولهذا يجزئ مسح رطبه على هذه الرواية ــ نصّ عليه، ذكره القاضي ــ كفرك يابسه (٢)، وإن كان مفهوم كلام أكثر أصحابنا أنه لا يجزئ إلا الفرك كقول أبي حنيفة فإنه خلاف المذهب. ويختصّ الفرك بمني الرجل لأنه أبيض غليظ يذهب الفرك والمسح بأكثره، بخلاف مني المرأة، فإنّ الفرك والمسح لا يؤثِّر فيه طائلًا، وإنما يجب الغسل أو المسح أو [٢٢/أ] الفرك في كثيره. فأما يسيره فيعفى (٣) عنه كالدم وأولى. وإذا اشتبه موضع الجنابة فرَك الثوبَ كلّه، أو غسل ما رأى وفرك ما لم ير. وهذا مشروع (٤) على الرواية الأولى استحبابًا، والأولى أشهر لأن الأصل في النجاسة وجوب الغسل، ولأن (٥) ابن عباس سئل عن المني يصيب الثوب فقال: "أمِطْه عنك ولو بإذخِرة (٦) أو خرقة، فإنما هو بمنزلة

стр. 158

المُخاط و (١) البُزاق" (٢). ونحوه عن سعد بن أبي وقاص (٣). وقد رُوي حديث ابن عباس مرفوعًا (٤). وأما الرطوبة التي في فرج المرأة، فطاهر في أقوى الروايتين. وأما بول ما يؤكل لحمه وروثه، فطاهر في ظاهر المذهب (٥)، لما روي عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: "لا بأس ببول ما أُكِلَ لحمُه". رواه

стр. 159

الدارقطني (١)، واحتجّ به أحمد في رواية عبد الله (٢)، وقال أبو بكر عبد العزيز: ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ (٣)؛ ولما أخرجا في الصحيحين عن أنس بن مالك أنَّ رهطًا من عُكْلٍ ــ أو قال: من عُرينة ــ قدموا فاجتوَوا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بلِقاحٍ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها. رواه الجماعة (٤)، ولم يأمرهم بغسل أفواههم وما يصيبهم منه، مع أنهم أعراب معتادون شربه حديثو عهد بجاهلية، وساقه مع اللبن سياقة واحدة. وكلُّ هذا يدل على طهارته. وصحّ عنه أنه أذِن في الصلاة في مرابض الغنم ولم يأمر بحائل (٥). وطاف على بعيره (٦)، وأذِن لأمّ سلمة بالطواف على بعير (٧). وكان الأعرابي

стр. 160

يُدخِل بعيره في المسجد، ويُنيخه (١) فيه (٢). ولو [٢٢/ب] كانت أرواثها نجسة، مع أن عادة البهائم ألا تمتنع من البول في بقعة دون بقعة، لوجب صيانة المسجد عن ذلك. ولما سألته الجنُّ الطعام لهم (٣) ولدوابِّهم قال: "لكم كلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسمُ الله عليه تجدونه أوفرَ ما يكون لحمًا، وكلُّ بعرةٍ علفٌ لدوابّكم". قال النبي ﷺ : "لا تستنجُوا بها، فإنها زاد إخوانكم من الجن" (٤). فلو كان قد أباح لهم الروث النجس لم يكن في صيانته عن نجاسة مثله معنًى. وقال بكير (٥) بن الأشجِّ: كان أصحاب رسول الله ﷺ يصلُّون، وخروءُ البعير في ثيابهم (٦).

стр. 161

باب الآنية (١) (لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة، في طهارة (٢) ولا غيرها ، لقول رسول الله ﷺ : "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"). هذا التحريم يستوي فيه الرجال والنساء، بخلاف التحلِّي فإنه يختصّ بالرجال ويباح لهم منه أشياء مستثناة. وكلُّ ما يُلبَس فهو من باب الحلية سواء كان سلاحًا أو لباسًا، وما لم يُلبَس فهو من باب الآنية مثل المُكْحُلة والمحبرة والمِرْوَد والإبريق. والأصل في ذلك ما روت أمُّ سلمة أن النبي ﷺ قال: "إنّ الذي يشرب في إناء الفضة إنما يُجَرْجِرُ (٣) في بطنه نارَ جهنّم". متفق عليه (٤). وفي لفظ لمسلم (٥): "إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة". وعن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تلبسوا

стр. 162

الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا [٢٣/أ] ولكم في الآخرة". متفق عليه (١). فنهى ﷺ عن الأكل والشرب لأنهما أغلب الأفعال، وفي [معناهما] (٢) التطهيرُ منها والاستمداد والاكتحال والاستصباح ونحو ذلك، لأنّ ذلك مظنَّة السرف باستعمال النقدين في غير ما خُلقا له، والله لا يحب المسرفين؛ ومظنَّة الخيلاء والكبر لما في ذلك من امتهانهما، ومظنَّة الفخر وكسر قلوب الفقراء، والله لا يحب كلَّ مختال فخور. وكذلك يحرُم اتخاذها في المشهور من الروايتين، فلا تجوز (٣) صنعتها ولا استصناعها (٤) ولا اقتناؤها ولا التجارة فيها، لأنه متّخَذ على هيئة محرَّمة الاستعمال، فكان كالطنبور وآلات اللهو؛ ولأن اتخاذها يدعو إلى استعمالها غالبًا فحَرُم كاقتناء الخمر والخلوة بالأجنبية. ولا تصح الطهارة منها في أصحِّ الوجهين، اختاره أبو بكر (٥)، وسواء اغترف منها أو اغتمس فيها لأنه أتى بالعبادة على الوجه المحرَّم، فأشبه

стр. 163

الصلاة في الدار المغصوبة. فعلى هذا إن جعلها مصبًّا لما ينفصل عنه حين التوضؤ، فوجهان أصحُّهما عدمُ الصحة. وفي الثاني: يصح، اختاره الخِرَقي وغيره (١)؛ لأن التحريم لا يرجع إلى نفس العبادة ولا إلى شرط من شرائط وجوبها وأدائها، فأشبه (٢) التوضؤَ في المكان المغصوب، والصلاةَ بخاتم ذهب؛ لأن الآنية ليست من الوضوء ولا من شروطه، بخلاف البقعة والسترة في الصلاة، والمالِ في الحج. مسألة (٣): (وحكم المضبَّب بهما حكمُهما إلا أن يكون [٢٣/ب] يسيرهُ من الفضَّة). الضبَّة ثلاثة أقسام: أحدها: الكثيرة، فتحرُم (٤) مطلقًا، لما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من شرب في إناء ذهب أو فضة، أو في إناءٍ فيه شيء من ذلك، فإنما يُجَرجِر في بطنه نارَ جهنم" رواه الدارقطني (٥). وقال ابن عقيل: يباح الكثير

стр. 164

للحاجة (١). وثانيها: اليسير للحاجة، كتشعيب التاج وشَعيرة السكِّين، فيباح إجماعًا. وقد روى البخاري (٢) عن أنس أنَّ قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْب سلسلةً من فضة. ولأنه إنما قصد به الإصلاح ودفع الحاجة، دون الزينة والحلية. ولا يباشرها بالاستعمال إلا أن يحتاج إلى ذلك كلَحْس الطعام، ويباشر بها الشُّرب إذا كانت في موضعه. فإن لم يحتج إليه فهو منهيٌّ عنه نهي تحريم في أصحِّ الوجهين، وفي الآخر نهي تنزيه. ومعنى الحاجة أن تكون الضبة مما يحتاج إليها سواء كانت من فضة أو نحاس أو حديد، فيباح من الفضة (٣).

стр. 165

فأما إن احتيج إلى نفس الفضة بأن لا يقوم غيرها مقامها، فيباح (١) وإن كان كثيرًا، ولو كان من الذهب (٢). وثالثها: اليسير لغير حاجة، كحلقة الإناء، فيحرُم في المنصوص لما ذكرنا، ولأن ابن عمر كان يكره الإناء فيه حلقةٌ من فضة (٣). وقيل: يباح مطلقًا. وقيل: يباح منه ما لم يباشرها بالاستعمال كرأس المُكحُلة وتحلية الدواة والمِقلمة. وأما المضبَّب بالذهب فحرام مطلقًا لما روت أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يصلح من الذهب شيء، ولا خَرْبَصِيصةٌ" [٢٤/أ] رواه أحمد (٤). وهي مثل عين الجرادة. فأما يسيره في اللباس، ففيه وجهان يومئ إليهما. وقيل: يباح حلية السلاح دون حلية اللباس، وقد أومأ إليه أيضًا.

стр. 166

مسألة (١): (ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة واتخاذها) . سواء كانت ثمينةً مثل الياقوت والبلَّور والعقيق، أو غير ثمينة كالخزف والخشب والصُّفْر (٢) والجلود؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانت عادتهم استعمال أسقية الأَدَم وآنية البِرَام والخشب ونحوها. ولا يكره شيء منها إلا الصُّفْر والنحاس والرصاص في أحد الوجهين، اختاره أبو الفرج المقدسي (٣) لأن ذلك يؤثَر عن عبد الله بن عمر (٤)، ولأن الماء قد يتغيَّر فيها، ويقال: إنَّ الملائكة تكره ريحَها. والآخر: لا يُكره، وهو المشهور لأن عبد الله بن زيد قال: "أتانا رسول الله ﷺ ، فأخرجنا له ماءً في تَورٍ من صُفْر، فتوضأ" رواه البخاري (٥). وكذلك الثمين الذي يفوق (٦) قيمة النقدين، فإن أدلَّة الإباحة تعمُّه، والنهي اختصّ

стр. 167

النقدين، ولا يشبههما. لأن الثمين لا يعرفه إلا خواصُّ الناس، ولا يسمح الناس باتخاذه آنية (١)، فلا يحصل سرف ولا فخر ولا خيلاء. وإن فُرض ذلك كان المحرَّم نفس الفخر والخيلاء، كما إذا حصل في المباحات والطاعات. وأما الأعيان فإنما تحرُم إذا كانت مظنَّةً غالبةً لذلك (٢). ولهذا لما حُرِّم الحريرُ أبيح ما كان أغلى قيمة منه من الكتّان ونحوه. مسألة (٣): (ويجوز استعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم، ما لم تُعلَم نجاستُها) . أما [٢٤/ب] الأواني التي استعملوها، ففيها ثلاث روايات: إحداها (٤): يباح مطلقًا، لما روى جابر بن عبد الله قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ، فنصيب آنية المشركين وأسقِيتَهم، فنستمتع بها فلا يعيب ذلك علينا. رواه أحمد وأبو داود (٥). وفي "الصحيحين" (٦) عن عمران بن حصين أنَّ رسول الله ﷺ وأصحابه توضؤوا من مَزادةِ مشركةٍ.

стр. 168

وروى أنس أنَّ يهوديًّا دعا النبيَّ (١) ﷺ إلى خبزِ شعيرٍ وإهالةٍ سَنِخةٍ (٢)، فأجابه. رواه أحمد (٣). والثانية: تكره لِمَا روى أبو ثعلبة الخُشَني قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض قومٍ أهلِ كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: "إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا" متفق عليه (٤). ولأنهم لا يجتنبون النجاسة لا سيَّما الخمر لاستحلالهم إياها، فالظاهر أنَّ أوانيهم لا تسلم من ذلك. وقد قال النبي ﷺ : "دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٥).

стр. 169

والرواية الثالثة: أنّ من لا تباح ذبيحته كالمجوس والمشركين أو من يُكثر استعمال النجاسة كالنصارى المتظاهرين بالخمر والخنزير لا تباح أوانيهم. وتباح آنية من سواهم، لكن في كراهتها الخلاف المتقدِّم. والصحيح: أنها لا تكره، وهذا اختيار القاضي. وأكثر أصحابنا من يجعل هذا التفصيل هو [٢٥/أ] المذهب قولًا واحدًا لحديث أبي ثعلبة المتقدِّم حملًا له على من يُكثِر استعمال النجاسة، وحملًا لغيره على غير ذلك؛ كما جاء مفسَّرًا فيما رواه أبو داود (١) عن أبي ثعلبة قال: قلت: يا رسول الله إنَّ أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ قال: "إن لم تجدوا غيرها فارحَضوها بالماء، واطبخوا فيها واشربوا". قال آدم بن الزبرقان: سمعت الشعبي قال: غزوت مع ناس من أصحاب النبي ﷺ ، فكنَّا إذا انتهينا إلى أهل قرية، فإن كانوا أهل كتاب أكلنا من طعامهم وشربنا من شرابهم، وإن كانوا غير أهل كتاب انتفعنا بآنيتهم وغسلناها (٢)

стр. 170

وعلى هذه الرواية لا يؤكل من طعام هؤلاء إلا الفاكهة ونحوها مما لم يصنعوه في آنيتهم، نصَّ عليه (١). وتكون أسآرهم نجسة، ذكرها القاضي وغيره (٢). وذلك لأن من تكون ذبيحته نجسةً أو من هو مشهور باستعمال النجاسة لا تسلم آنيته المستعملة من ذلك، إلا على احتمال نادر لا يلتفت إليه. وما لم يستعملوه أو شكَّ في استعماله فهو على أصل الطهارة. وأما الثياب فما لم يُعلَم أنهم استعملوه لا تكره قولًا [٢٥/ب] واحدًا، سواء نسجوه أو حملوه كالآنية؛ لأن عامة الثياب والآنية التي كانت على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه كانت من نسج الكفار وصنعتهم. وما لبسوه ففي كراهته روايتان، إلا أن يكون مما يلي العورة كالسراويل والأزُر ففي جواز استعماله روايتان. فأما ثياب المجوس ونحوهم فكآنيتهم، كما تقدَّم في أحد الوجهين. وفي الآخر: هي كثياب غيرهم من أهل الكتاب. مسألة (٣): (وصوف الميتة وشعرها طاهر) . وكذلك الوبر والريش على ظاهر المذهب. وعنه ما يدل على نجاسته، لأنه جزء من الحيوان، فينجُس (٤) بالموت كغيره.

стр. 171

والصحيح: الأول، لأن حياته من جنس النبات، وهو النمو والاغتذاء. ولهذا لا ينجس المحل بمفارقتها، بدليل الزرع إذا يبس، والبيض المتصلِّب في جوف الميتة؛ بخلاف حياة الجلد واللحم، فإنهما بالإحساس والحركة الإرادية، وهذه التي ينجس المحلُّ بمفارقتها. ولهذا يجوز أخذه حال الحياة بخلاف غيره من الأجزاء. ولأن النبي ﷺ قال: "ما أُبِينَ من البهيمة وهي حيَّة، فهو ميِّت" (١). فلو كان جزءًا (٢) منها لكان ميِّتًا بالإبانة، وقد أجمع الناس على جواز [٢٦/أ] الانتفاع بالمجزوز. وإذا نُتِف الريش والشعر، فهل يطهر بالغسل أسفلُه المترطِّب (٣) بالنجاسة؟ على وجهين.

стр. 172

مسألة (١): (وكلُّ جلدِ ميتةٍ دُبغَ أو لم يُدبَغ فهو نجس) . هذا أشهر الروايتين، وفي الأخرى: الدِّباغُ مطهِّر في الجملة لما روى ابن عباس قال: "تُصُدِّق على مولاةٍ لميمونة بشاةٍ، فماتت، فمرَّ بها رسول الله ﷺ فقال: "هلَّا أخذتم إهابَها، فدبغتموه، فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنّها مَيْتة، فقال: "إنَّما حَرُمَ أكلُها". رواه الجماعة (٢) إلا البخاري والنسائي لم يذكرا فيه الدِّباغ (٣). وعنه أيضًا قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر" رواه مسلم (٤). ووجه الأولى ما روى عبد الله بن عُكَيم قال: كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر: "لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَبٍ" رواه الخمسة (٥)،

стр. 173

وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). وقال أحمد: ما أصلح إسناده (٢)! وفي لفظ الدارقطني (٣): "كنتُ رخَّصتُ لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا (٤) تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب". وهذا ناسخ لغيره لأنه متأخِّر، ومُشعِر [٢٦/ب] بنهي بعد رخصةٍ، لا سيَّما وفي حديث ابن عباس: "إنما حَرُم أكلها". وقد استقرَّ الحكم بعد ذلك على تحريم الادّهان بوَدَكها. ويدل على تقدُّمه ما روت سَودة زوج النبي ﷺ قالت: ماتت لنا (٥) شاة،

стр. 174

فدبغنا مَسْكهَا، ثم ما زلنا ننتبذ فيه حتى صار شنًّا. رواه البخاري (١). وهذا إنما يكون في أكثر من شهر. وعن سلَمة بن المحبِّق أنه كان مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فأتى على بيت، فرأى (٢) فيه قِربة معلّقة، فسأل الشراب، فقيل: إنها ميتة، فقال: "ذكاتها دِباغها" (٣). وهذا قبل وفاته بأكثر من سنة. فلو كان رخصة أخرى بعد النهي لزم النسخ مرتين. وقيل: الإهاب اسم للجلد قبل الدِّباغ (٤)، لكن (٥) هذا لم يعلم من رسول الله ﷺ فيه رخصة، ولا عادة الناس الانتفاع به. فصل وإذا قلنا بتطهير الدِّباغ فهل يكون كالحياة أو كالذكاة ؟ على وجهين: أحدهما: أنه كالحياة لأنه يحفظ الصحة على الجلد، ويُصلحه للانتفاع

стр. 175

كالحياة. فعلى هذا يطهر جلدُ ما كان طاهرًا في الحياة كالهرِّ وما دونها في الخلقة، وكذلك جلد ما سوى الكلب والخنزير في رواية. [٢٧/أ] والوجه الثاني: أنه كالذكاة، فلا يطهِّر إلا ما تطهِّره الذكاة. وهذا أصح (١)، لما (٢) سبق من قوله: "دِباغُها ذكاتُها"، ولما روت عائشة أن رسول الله ﷺ أمر أن يُنتفَع (٣) بجلود الميتة إذا دُبغت. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي (٤)،

стр. 176

ولفظه (١): أنه سئل عن جلود الميتة فقال: "دباغها ذكاتها". فقد شبَّه الدِّباغ بالذكاة، وحكمُ المشبَّه مثل المشبَّه به أو دونه. ولأنه ﷺ نهى عن جلود السباع (٢). ولا تكاد تستعمل إلا مدبوغة، ولم يفصِّل؛ وهذا مبني على أنّ الذكاة لأجل المأكول. فأما غير المأكول فلا يطهُر جلده بالذكاة لأنه ذبحٌ غير مشروع، فلم يفد طهارة الجلد، كذبح المحرم الصيد والذبح في غير الحلق واللَّبّة، ولأنه ذبحٌ لا يفيد حِلَّ اللحم فلم يُفد طهارة الجلد، كذبح المجوسي والمرتدّ. وهذا لأنَّ التنجيس لو كان بمجرَّد (٣) احتقان الرطوبات في الجلد، وإزالته مشروعة بكلِّ طريق، لم يفرُق (٤) بين ذابح وذابح، ومَذبح ومَذبح (٥). والذي يدل على أنَّ ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده، لا بذكاة ولا بدباغ: ما (٦) روى أبو المَلِيح بن أسامة عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن جلود

стр. 177

[٢٧/ب] السِّباع. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وزاد: "أن تُفترَش" (١). وعن معاوية بن أبي سفيان قال: نهى رسول الله ﷺ عن جلود النُّمور أن يُركَب عليها. رواه أحمد وأبو داود (٢). وفي لفظ لأحمد (٣): "نهى عن لُبْس صُفَف النُّمور (٤) ". وعن المقدام بن معد يكرب قال: نهى رسول الله ﷺ عن مياثر النُّمور. رواه أحمد والنسائي (٥). وعن المقدام أنه قال لمعاوية: أنشُدك الله هل تعلم أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم.

стр. 178

رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تصحبُ الملائكةُ رُفْقَةً فيها جِلدُ نَمِر" رواه أبو داود (٢). وهذه الأحاديث نصوص في أنها لا تباح بذكاة ولا دباغ. فصل ولا بدَّ فيما يُدبَغ به أن يكون منشِّفًا للرطوبة، منقِّيًا للخبث عن الجلد، حتى لو نُقع الجلد بعده في الماء لم يفسد، سواء كان ملحًا أو قَرَظًا أو شثًّا (٣) أو غير ذلك، ولا بد من [٢٨/أ] طهارته.

стр. 179

وهل يجب غسلُ الجلد بعد الدبغ؟ على وجهين. ويجوز بيع الجلد المدبوغ، ولا يباح أكله إذا كان من حيوان مأكول في أقوى الوجهين. ويباح استعماله في اليابسات، مع القول بنجاسته في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: لا يباح، وهو الأظهر، للنهي عن ذلك (١). فأما قبل الدباغ فلا ينتفع به قولًا واحدًا، كما لا يلبس جلدُ الكلب والخنزير وإن دُبِغ. مسألة (٢): (وكذلك عظامها) . عظم الميتة نجس، وكذلك قَرنها وظُفْرها وظِلفها وحافرها وعصَبها، في المشهور من المذهب. وقيل: هو كالشَّعر، لأنه ليس فيه رطوبات تنجِّسه، ولأنه لا يحسّ ولا يألم فيكون كالشعر. والظاهر: الأول (٣)، لأن النبي ﷺ كتب إلى جهينة: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصَب" (٤). ولأنه فيه حياة الحيوان بدليل قوله [٢٨/ب]

стр. 180

تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] , ولأنّ العصَب يحسّ ويألم، وكذلك الضرس، وذلك دليل الحياة. وأما ما لا يحسّ منه، مثل القرن والظفر والسنّ إذا طال، فإنما هو لمفارقة الحياة ما طال. وقد كان مقتضى القياس نجاسته، لكن منع من ذلك اتصاله بالجملة تبعًا لها ودفعًا للمشقة بتنجيس ذلك، كما قلنا فيما جَسَا (١) على العقب، وسطا (٢) على الأنامل، وسائر ما يموت من اللحم ولم ينفصل. فإذا انفصل أو مات الأصل زال المانع، فطهر على السبب (٣). وتعليل نجاسة اللحم باحتقان الرطوبات فيه، قد تقدَّم الجواب عنه. مسألة (٤): (وكلُّ ميتةٍ نجسةٌ إلا الآدميَّ) . أما نجاسة الحيوان بالموت في الجملة، فإجماع. وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وذلك يعمُّ أكلَها والانتفاعَ بها وغير ذلك. و (٥) روى جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إن الله حرَّم بيعَ الخمر والميتةَ والخنزيرَ والأصنام". فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة
следующие страницы →