← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أحد رجلين ولم يعلم عينه»، وقال في الهامش: «بالأصل: كما لو أحدث رجلين». وانظر (ص ١٨٧، ٢٢٩، ٢٣٥، ٢٤٢، ٢٥٠، ٢٥٥، ٢٧٣) ومعظمها أخطاء ظاهرة. وكانت في الأصل مواضع مصلحة، أصلحها ناسخه أو غيره، فنبه عليها كاتب نسختنا. ومنها ما ورد في (ص ١٤٤): «ولو أطيل حملهما بغير علم لاستأنف الصلاة». فعلق عليه في الهامش بقوله: «لعله: ولو أبطل. وهي كذلك بخط الناسخ، لكنها مصلحة: ولو أطيل، إما من الناسخ أو غيره. اهـ كاتبه». وانظر أيضا (ص ٢٨٨). قد وضع الناسخ فوق بعض الكلمات ثلاث نقاط، والظاهر أنه رمز للإشكال أو الخطأ. ومن أمثلته: قوله في (ص ٢٨١): «والقراءة في حال الجهر إنما جاءت لأنها تشغل عن الاستماع»، فوضعت على كلمة «جاءت» ثلاث نقط، لأن مقتضى السياق: «إنما جاء النهي عنها». أما في (ص ٢٦٣) فقد وضع فوق الألف من «إذا» ثلاث نقاط، وتحتها هلالًا صغيرًا، يريد أن الألف خطأ ويجب حذفها. أما التنبيهات والتصحيحات التي في آخرها «كاتبه»، فالظاهر أنها لناسخ هذه النسخة. وأما الأخرى فمعظمها منقول من حواشي الأصل. والجدير بالذكر أن بعض الحواشي لم يظهر جيّدًا في المصورة. (ب) أما المجلدات الرابع والخامس والسادس فهي تعادل المجلد الرابع من نسخة (س) الآتي وصفها، وهذا بيان ما تحتوي عليه هذه المجلدات: الرابع: من أول كتاب الصيام إلى قوله «باب ما يفسد الصوم»، في ١٧٤ صفحة.

стр. 72

الخامس: من الباب المذكور إلى «باب محظورات الإحرام» من كتاب الحج، في ٣٢٤ صفحة، ينتهي كتاب الصيام منه في ص ١٤٨. السادس: يبدأ من «باب محظورات الإحرام» إلى آخر الكتاب، وعدد صفحاته ٤٠٩ صفحة. ومع أن الأجزاء الثلاثة بخط ناسخ واحد، إلّا أنها تختلف في تاريخ النسخ والحجم وعدد الأسطر، فالجزآن (الرابع والخامس) عدد الأسطر في كل صفحة منهما ٢٤ سطرًا، وفي الجزء السادس ٢٠ سطرًا. وفي آخر الجزء الخامس: «حصل الفراغ من هذا المجلد المسمى «شرح عمدة الفقه» ... وذلك على يد مَن كتبه لنفسه الفقير إلى الله ﷻ علي بن برهم (كذا) بن صالح بن حمود بن مشيقح (١)، غفر الله له ولوالديه ومشايخه وجميع المسلمين. وذلك في يوم الجمعة المبارك غرة جمادى الآخرة من شهور سنة (١٣٦٧) سبع وستين وثلاث مئة بعد الألف، والحمد لله أولًا وآخرًا وباطنًا وظاهرًا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل». وفي خاتمة الجزء السادس: «هذا آخر ما وجدته، وأرجو وأؤمِّل من الكريم القادر العفوّ الساتر أن ينفع به وأن يمنَّ بما فُقِد منه، إنه على كل شيء قدير. وقد علَّقتُه لنفسي من نسخةٍ عليها أثر القِدم، وقد حصل الفراغ من زَبْرِها وتحريرها ليلة _________ (١) الناسخ من طلاب العلم الجيدين في مدينة بريدة. ونسخ كتبًا منها «مختصر التحرير في أصول فقه الحنابلة»، وله مؤلفات منها «نظم في العقيدة» طبع منه جزء في (٦٦٦٢) بيتًا. والقسم الآخر مخطوط في (٩٠٠٠) بيت. له ترجمة في «معجم أسر بريدة» (٢٠/ ٢٧٢ - ٢٧٨).

стр. 73

الأحد المبارك الموافق لأحد عشر من جمادى الآخرة من شهور سنة (١٣٧٠) ألف وسبعين وثلاث مئة هجرية، بقلم الفقير إلى عفو ربه القدير عبيد الله وابن عبده وابنِ أمته علي بن إبراهيم بن صالح بن حمود بن مشيقح، غفر الله له ولوالديه ومشايخه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، آمين». وكان في آخر الأصل المنسوخ عنه (كما في نهاية الجزء الخامس): وكان الفراغ منه في ليلة السبت ثالث غرر جمادى الآخرة من شهور سنة ست وسبعين وثماني مئة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. وذلك على يد أبي بكر بن زيد الجُراعي الحنبلي، عفا الله عنه بمنّه وكرمه، وحسبنا الله ونعم الوكيل». والجُراعي من أئمة الحنابلة، تصدَّى للتدريس والإفتاء والإفادة في دمشق، وألَّف كتبًا في المذهب، ومن هنا كانت عنايته بكتاب «شرح العمدة»، حيث نسخه باهتمام، وعلَّق على هوامشه تعليقات تبيِّن ما في الأصل من كلمات برمز «ص» أي الأصل الذي نسخ منه نسخته هذه، وتُنبِّه على بعض الأخطاء التي وقعت فيه، وتُشير إلى البياضات الموجودة فيه. وقد كتب العنوان من كل جزء: «الرابع [أو الخامس أو السادس] من شرح العمدة لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه. وفي الكتاب طمس كثير، وقد بنينا على أن لا نجعل له موضعًا إلا يسيرًا، لظنِّنا أن الشيخ ﵀ ورضي عنه اخترمته المنية ولم يتمِّمه، ولطلب لطافة الكتاب وتوفير البياض. ولابدَّ أن ننبِّه إن شاء الله في الحواشي على قدر المتروك، فنقول: هذا قدرُه كذا وكذا، ليُعلم. وصلَّى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. آمين، والحمد لله رب العالمين».

стр. 74

ومثل هذا على صفحة العنوان من نسخة (س) أيضًا، مما يدلُّ على أن النسختين نسختا من نسخة الجُراعي، كما أنهما تتفقان في التعليقات التي على هوامشهما، والرمز إلى «ص»، والإشارة إلى مقدار البياض في الأصل. وتتفقان غالبًا في البياضات والأخطاء والتحريفات، ولا تختلفان إلّا في بعض السقط وقراءة بعض الكلمات على وجه آخر، كما يقع في نسختين منسوختين عن أصلٍ واحدٍ، ويمكن التصحيح والاستدراك بالنظر فيهما. وأكثر الأخطاء والتحريفات المشتركة في النسختين كانت في نسخة الجُراعي، والناسخان عنها براء، ولعلّ الأصل الذي نقل عنه الجراعي كان رديئًا أو بخط شيخ الإسلام أو غيره مما يصعب قراءته، فلا عجب أن تبقى هذه الأخطاء عنده مع شدَّة عنايته واهتمامه بالكتاب، والإشارة إلى كلّ ما في الأصل، وعدم تغييره في نسخته. ويظهر مما في آخر الجزء الخامس من ذكر تاريخ النسخ أن تجزئة الكتاب إلى ستة أجزاء من الجُراعي، ولعله وجدها هكذا في الأصل الذي اعتمده، وتابعه على ذلك ناسخ نسخة (ق)، وخالفه ناسخ نسخة (س)، فجعل هذه الأجزاء الثلاثة كلها المجلد الرابع، ولم يشر أدنى إشارة إلى موضع ابتداء الجزء الخامس (من «باب ما يفسد الصوم») أو ابتداء السادس (من «باب محظورات الإحرام»). (٣) نسخة مكتبة الملك فهد الوطنية (س) توجد هذه النسخة في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، وقد آلت إليها عن مكتبة الرياض العامة السعودية برقم [٧١٠/ ٨٦]، وهي في مجلد

стр. 75

ضخم مرقم الصفحات من ١ إلى ٧٨٤، يحوي كتاب الصيام (ص ١ - ٢٧٠) وكتاب الحج (ص ٢٧٠ - ٧٨٤). كتب على صفحة العنوان منها: «الرابع من شرح العمدة لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه». وتحته بخط آخر: «هذا الكتاب وقف على طلبة العلم، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، والنظر عليه لإبراهيم بن صالح بن عيسى». وكتبت مثل هذه العبارة بداخل الكتاب في مواضع. وقد رقّمنا أوراقها فكانت ٣٨٣ ورقة، وفي كل صفحة منها ٢٦ سطرًا، وعلى هوامشها تصحيحات واستدراكات تدلُّ على أنها مقابلة على الأصل، ويوجد في الهوامش أحيانًا ذكر كلمات برمز «ص» إشارة إلى أنها كانت كذلك في النسخة الأم التي نُقِل عنها الأصلُ، فأثبتها الناسخ كما هي في الهوامش. وهي الصواب غالبًا كما يظهر بالمراجعة. وقد يقترح ناسخ الأصل تصحيحات من عنده، فيذكرها بقوله: «لعله ... » فيثبتها ناسخ هذه النسخة كما هي، مما يدلُّ أنه كان أمينًا لم يتصرَّف في الأصل. والنسخة بخط نسخي عادي حديث كتبت في نجد، ولا يوجد ذكر الناسخ وتاريخ النسخ فيها، ولعل ذلك ذهب بسبب سقوط ورقة أو أكثر من آخرها، إلّا أن عبارة الوقف والنظر عليه لإبراهيم بن صالح بن عيسى (١) تدلُّ على أنها كتبت قبل وفاته سنة ١٣٤٣، فتكون أقدم من نسخة (ق) التي نسخت في السنوات ١٣٦٧ و ١٣٦٨ و ١٣٧٠. _________ (١). ترجمته في «علماء نجد خلال ثمانية قرون» (١/ ٣١٨ - ٣٣١).

стр. 76

(٤) نسخة مكتبة الملك فهد الوطنية (ف) تحتفظ مكتبة الملك فهد الوطنية بمجموع برقم ١١٧٠١٧، كتب على صفحة العنوان منه: «هذا كتاب مجموع رسائل فقه وغيره»، ويضم عدة رسائل ناقصة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وقد كتب ناسخها في أول الرسالة الأولى منها: «هذا منقول من شرح العمدة لابن تيمية ﵀». ثم بدأت الرسالة هكذا: «كتاب الصلاة الصلاة في أصل اللغة الدعاء ... ». وانتهت بقوله: «باب الأذان الأذان اسم مصدر أذّن يؤذن تأذينا وأذانا وأذينا، وهو الإعلام الرفيع المدرك بالسمع: ومنه قوله تعالى ... وقوله: وأذان من الله ورسوله إلى الناس». فهي إذن قطعة من شرح العمدة لشيخ الإسلام، من أول كتاب الصلاة إلى أسطر من أول باب الأذان. وكتب الناسخ في الحاشية بإزاء السطر الأخير من القطعة: «آخر ما جدت (كذا)». ولكن لم يشر إلى الأصل الذي نسخها منه، وأنه هل كان بين يديه المجلد الأول من شرح العمدة، فنسخ منه من أول كتاب الصلاة إلى آخر المجلد؛ أم لم يجد إلا هذه القطعة، فحرص على نسخها. هذه القطعة في ١٨ ورقة بخط النسخ، وفي كل صفحة ٢٥ سطرًا. ولم يكتب الناسخ اسمه ولا تاريخ كتابتها، ولكنها من النسخ النجدية المتأخرة. وقد قابلها على أصلها، كما صرح في آخرها بقوله: «بلغ مقابلة وتصحيحًا على حسب الإمكان». و في طرر النسخة بلاغات واستدراكات، مع عناوين لبعض المطالب واقتراحات واجتهادات في تصحيح النص. لا تخلو هذه القطعة أيضا من الغلط والسقط، ولكن الأصل الذي نقلت منه كان أصح بكثير من نسخة الظاهرية. وهي مع الأسف قطعة صغيرة، ولا

стр. 77

تقابل إلا ٢٨ ورقة من نسخة الظاهرية، ولكنها كشفت عن وجوه جديدة من الخلل في نسخة الظاهرية. ومن ذلك: الأسقاط التي لا تحدث قلقا في السياق، فلا تستوقف القارئ، كأن يسقط أحد الأعلام المذكورين، أو آية من الآيات المستشهد بها، بالإضافة إلى العبارات التي تسقط بانتقال النظر. ومنه الاختلاف في موضع بعض الفقرات التي لعل المؤلف ألحقها فيما بعد، فخفي على النساخ مكانها الصحيح. وقد أيدت القطعة بعض تصحيحات المحقق، و صححت تصحيفات أعياه أمرها. ومن أعجبها: تحريف وقع في نسخة الظاهرية (٢١٥/ب)، وهو: «وقال في رواية إنه يحتمل الحال المبرسم بعد الصلاة ... »! وأصلح النص في المطبوع بزيادة الكاف إلى المبرسم «كالمبرسم» ليرتبط اللفظ بالجملة، ولكن يبقى النص مع ذلك بلا معنى. وصوابه كما جاء في هذه القطعة: «وقال في رواية محمد بن يحيى الكحال: المبرسم يعيد الصلاة ... ». ما أظن محققًا يهتدي إلى صواب هذا التحريف الغريب العجيب، مهما أوتي من الذكاء وجودة الفهم، إلا أن يجد رواية محمد بن يحيى الكحال في بعض المصادر! (٥) قطعة من كتاب الصيام وهي قطعة صغيرة في صفحتين ضمن مجموع في مكتبة وزارة الأوقاف بدولة الكويت برقم [٥١٢/ ٦] من ورقة ١٥٥ - ١٥٧، نسخت سنة ١١٣٨. وما يتعلق بالنقل من شرح العمدة في نحو صفحتين نقلًا غير متتابع، وتتضمن الأوراق رسالة لمرعي الكرمي في صوم يوم الغيم، وهي مطبوعة.

стр. 78

(٦) قطعة جديدة من كتاب الصلاة قطعة من كتاب الصلاة وجدت ضمن مجموع محفوظ في المكتبة الظاهرية برقم ٤٠ من مجاميع المدرسة العمرية. وهي ست ورقات (٢٥٨ - ٢٦٣)، وفي كل صفحة سبعة عشر سطرًا. يظهر أن هذه الأوراق كانت جزءا من نسخة من الكتاب، ثم فارقتها لسبب من الأسباب، وضُمَّت إلى هذا المجموع. فليس في أولها ولا في آخرها ما يدل على عنوانها أومؤلفها، أوناسخها أو تاريخ نسخها. ثم كتب بعضهم في أعلى الورقة: «قطعة في الصلاة». ولما وضع الأستاذ ياسين محمد السواس فهرس مجاميع المدرسة العمرية سماها (ص ٢١٣): «مسائل في الصلاة». هذه القطعة في صلاة الخوف، وبدايتها: «في التشهد الأول من الثلاثية والرباعية أو في القيام؟ على وجهين، وما فعلته من ذلك جاز ... ». وبعد أسطر ذكر الصفة الثانية من صفات صلاة الخوف، ثم الصفات الأخرى. فدلَّ ذلك على أن ما ضاع من الباب شرح أوله مع الكلام على الصفة الأولى. ثم جاء عنوان «مسألة» بحرف كبير، ونصها: «وإذا اشتد الخوف صلَّوا رجالا وركبانا إلى القبلة أو غيرها يومئون بالركوع والسجود ..... ». وهذا نص كتاب العمدة للموفق. ولما انتهى شرح باب الخوف جاء عنوان بارز آخر هكذا: «باب صلاة الجمعة مسألة كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة إذا كان مستوطنا ببناء بينه وبينها فرسخ فما دون، إلا المرأة ..... وانعقدت به».

стр. 79

وهذا أيضا نص كتاب العمدة للموفق. ثم تلاه قول الشارح: «في هذا الكلام فصول، الفصل الأول: الجمعة واجبة». وهذا آخر ما في القطعة. وتبين من ذلك أن القطعة من أحد شروح العمدة. وقد وقف عليها الأخ الفاضل سامي بن محمد جاد الله، وأتحفنا بها جزاه الله خيرا، لما غلب على ظنه كونها من شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وذكر قرائن منها: ١ - أن نفس شيخ الإسلام ظاهر في الكلام على المسائل الواردة في هذه القطعة. ٢ - أن صاحب القطعة لم يتعرض إلى الخلاف العالي, وهذا أيضا منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة. ٣ - أن بعض الكلام الوارد في هذه القطعة يشبه إن لم يطابق كلام شيخ الإسلام في مواضع أخرى من كتبه. ٤ - أن المؤلف قال عقب باب صلاة الجمعة: «في هذا الكلام فصول, الفصل الأول: الجمعة واجبة». وقد استخدم شيخ الإسلام هذا الأسلوب في أكثر من موضع من شرح العمدة. ٥ - وأيضا من عادة صاحب القطعة تقديم ذكر أحمد في عزو الحديث إلى مخرجيه, وهي طريقة شيخ الإسلام في شرح العمدة. قلنا: وقد صدق ظنّ الأخ الفاضل، فالذي قرأ شرح العمدة لشيخ الإسلام لن يخالجه شك في كون هذه الأوراق قطعة من الشرح نفسه. ونؤيده بشاهدين من داخل الشرح: الأول: أن المصنف أحال في صلاة أهل الأعذار على موضع سيأتي في

стр. 80

كتابه، وقد جاء الموضع المحال عليه في هذه القطعة بنصه. وتفصيل ذلك أنه ذكر في فصل العذر في الصلاة على الراحلة ثلاثة أسباب منها الخوف، وقال: «فأما الخوف، فمثل الذي يخاف في نزوله من عدوه أو انقطاعه عن الرفقة ....... فإنه يصلي على حسب حاله، كما يصلي الخائف من العدو، على ما سنذكره إن شاء الله» (خ ١٩١). واقرأ الآن قول المصنف في هذه القطعة: وإن كان راكبا يخاف من نزوله انقطاعه عن القافلة صلَّى على حسب حاله» (٢٦٢/ب). الثاني: أن من اختيارات شيخ الإسلام جواز اقتداء المفترض بالمتنفل خلافا للمذهب. في المبدع (٢/ ٨٨): «(ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل) في رواية نقلها إسماعيل بن سعيد وأبو داود، واختارها المؤلف وصاحب «النصيحة» و» التبصرة» والشيخ تقي الدين». وانظر: «الفروع» (٢/ ٤٤١). وفي مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٨٤): أن في المسألة ثلاث روايات عن الإمام أحمد، والثالثة منها أنه يجوز عند الحاجة كصلاة الخوف. قال الشيخ: «وهو اختيار جدنا أبي البركات، لأن النبي صلى الله علي وسلم صلى بأصحابه بعض الأوقات صلاة الخوف مرتين. وصلى بطائفة وسلَّم، ثم صلَّى بطائفة أخرى وسلَّم». وفي القطعة التي بين أيدينا أورد حديث أبي بكرة التي أشير إليها في نص مجموع الفتاوى، ثم قال: «فهذه الصفة التي منعها القاضي وغيره على أنه لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل ... قال طائفة من أصحابنا: يجوز هذا في الخوف ... ». ثم قال: «وهذا كله يدل على اقتداء المفترض بالمتنفل عند الحاجة،

стр. 81

وحال الخوف حال حاجة ... ». ليس في القطعة كما سبق تاريخ النسخ، ولكن الظاهر أنها كتبت في القرن الثامن. وهي بخط نسخي واضح، فيه نقط وضبط وتصحيحات تدل على المقابلة على الأصل. وقد وقع بياض في (٢٥٨/أ) بقدر كلمة فكتب مكانه «صح». لا تخلو النسخة من سقط أوتصحيف في مواضع. ومن أمثلة التصحيف: «روى بن عباس الدرقي»، وصوابه: «أبو عياش الزرقي». وتصحف «الأشتر» إلى «الأسير»، و «الهرير» إلى «الهربه»، و «يقابلون» و «فقابلوهم» إلى «يقاتلون» و «قاتلوهم». وحرَّف الناسخ كلمة «آمرة» إلى «مَرَّة»، وضبطها بفتح الميم والراء المشددة! ذكر الأستاذ ياسين محمد السواس في الفهرس المذكور أن أوراق النسخة مخرومة من أسفلها. وقد وقع هذا الخرم في أطرافها اليسرى، فانثنت، ثم ذهبت. وقد فطن لها بعضهم، فتدارك أمرها قبل ذهابها، ونقل الكلمات التي كادت تتلف من كل سطر إلى بداية السطر التالي، فجزاه الله خيرا. (تنبيه): ذكر د. علي الشبل في «الأثبات» (١) أن للكتاب نسخة في المتحف البريطاني بلندن، صوَّرها الشيخ عبد الله بن دهيش قاضي مكة ﵀ في رحلته إلى لندن للعلاج. وقد راجعنا ابنه الدكتور عبد الملك بن دهيش ﵀، وسألناه عن هذه النسخة فلم يعرف لها خبرًا، ثم بحثنا عنها في مكتبته وفهارسها وفي مكتبة المتحف البريطاني، فلم نجد لها أثرًا. _________ (١) (ص ١٤٤ - ١٤٥).

стр. 82

هذه الطبعة ومنهجها سرنا في تحقيق هذا الكتاب على المنهج الذي شرحناه مرارًا في مقدمات الكتب التي سلفت في هذه المشروعات المباركة، ثم شرحناه في رسالة لطيفة بعنوان «التعريف بمشروع نشر آثار العلماء ومنهج تحقيقها» من إعداد علي بن محمد العمران، فيمكن مراجعتها لمزيد من التفصيل. وما يمكن شرحه بخصوص هذا الكتاب فنجمله في نقاط: - في بداية كل مسألة نحيل على أربعة مصادر في الفقه الحنبلي: «المستوعب» للسامري، «المغني» للموفق، «الشرح الكبير» مع «الإنصاف» للمرداوي وهو المقصود، «الفروع» لابن مفلح. - توثيق النقول من الكتب التي يسميها المؤلف، أو الأعلام الذين لهم كتب. - الإشارة إلى كلام المصنف في المسألة في كتبه الأخرى. - الترجمة للأعلام غير المشهورين فقط. - عدم الإشارة إلى الأخطاء والتصحيفات التافهة في النسخ مثل «البات» و «يمكيه» في موضع «الباب» و «يمكنه» ونحو ذلك، أو الفروق غير المؤثرة. - التنبيه على غالب تصرفات الطبعات السابقة في النص خاصة ما يتعلق بالسقط أو التحريف أو الزيادة على الأصول الخطية. - العناية بذكر قراءات المطبوع من كتابي الطهارة والصلاة، لكون الاعتماد في نشر كل منهما على نسخة فريدة، ثم لكثرة أخطاء نسخة الظاهرية.

стр. 83

- الإحالة على المطبوع عند الاستفادة من تصحيحاته. - وضع كل زيادة يقتضيها السياق وليست في الأصول الخطية بين حاصرتين. - العناية في تخريج الأحاديث بتخريجها بلفظ الشاهد، وعدم الاكتفاء بتخريج أصل الحديث.

стр. 84

نماذج من النُّسخ الخطية

стр. 85

الصفحة الأولى من نسخة الظاهرية

стр. 86

الصفحة الأخيرة من نسخة الظاهرية

стр. 87

صفحة الغلاف من نسخة مكتبة الملك فهد بالرياض

стр. 88

الصفحة الأولى من نسخة مكتبة الملك فهد بالرياض

стр. 89

صفحة الغلاف من نسخة آل مشيقح بالقصيم

стр. 90

الصفحة الأولى من نسخة آل مشيقح بالقصيم

стр. 91

الصفحة الأخيرة من نسخة آل مشيقح بالقصيم

стр. 92

[١/ب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ربِّ يسِّر وأعن. الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، الحمد لله العليم الحكيم، الغفور الرحيم، العظيم الحليم، الجواد الكريم، الذي عمَّ بريَّتَه فضلُه العميم، ووسِعَ خليقتَه إحسانُه القديم، وهدَى صفوتَه إلى صراطه المستقيم، ونهَجَ شِرْعتَه على المنهج القويم، ووسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلمًا على الإجمال والتقسيم، ودبَّر كلَّ شيء قدرةً وحكمًا بالتقدير والتعليم، و ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أحمده حمدًا يكافئ نعمه ويوافي مزيد التكريم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قائمًا بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالآيات والذكر الحكيم، ففتَح به أعيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا؛ وهدى به من الجهل الصميم، صلَّى الله عليه وعلى آله أفضلَ صلاة وتسليم. أمّا بعد، فقد تكرَّرت مسألةُ بعض أصحابنا، وصدقت رغبتُه في شرح "كتاب العمدة" تأليف الإمام الأوحد شيخ الإسلام أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ــ ﵁ [٢/أ] وأرضاه، وجعل أعلى الفردوس متبوَّأه ومثواه ــ شرحًا يفسِّر مسائلها، ويقرِّب دلائلها، ويفرِّع قواعدها، ويتمّ مقاصدها؛ متوسطًا بين الإيجاز والإطناب، والإخلال والإسهاب. فاستخرتُ الله تعالى، وأجمعتُ ذلك راجيًا من الله سبحانه

стр. 93

تحقيقَ محمود الأمل، وإخلاصَ صالح العمل، والإعانةَ على الإبانة، والهدايةَ إلى الدراية. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 94

كتاب الطهارة [باب أحكام المياه] مسألة (١): (خُلِق الماء طَهورًا يطهِّر من الأحداث والنجاسات) . الطَّهور: هو ما يُتطهَّر به مثل الفَطور والسَّحور والوَجور. فأما الطُّهور فمصدر طهَر الشيءُ وطهُر طهارةً وطُهْرًا وطُهورًا. ليس الطَّهور هو الطاهر، ولا مبالغة فيه (٢). وكذلك قال النبي ﷺ لما سُئل عن ماء البحر: "هو الطَّهورُ ماؤه (٣) " (٤).

стр. 95

وقال: "جُعلت لنا الأرضُ مسجدًا وطَهورًا" (١) أي مطهِّرًا (٢). وهذه صفة للماء، دون غيره من المائعات؛ فلذلك طهَّر غيرَه، ودفَع النجاسةَ عن نفسه. والحدَث: هو معنًى يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة والطواف. والنجاسة: هي أعيان مستخبَثة في الشرع يمتنع [٢/ب] المصلِّي من استصحابها. وهي في الأصل مصدر نجُس الشيءُ ينجُس نجاسةً فهو نَجِس، ويقال: نجِسَ الشيءُ ينجَس نجَسًا. ثم سُمِّي الشيء النجِس نجاسةً ونجَسًا، فلا يُثنَّى ولا يُجمع إلا أن تريد (٣) الأنواع. والماء يطهِّر من الحدث والنجاسة لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وقوله في آية الوضوء ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. وتطهُّرُ النبي ﷺ وأصحابه بالماء مشهور، وأجمعت الأمة على ذلك. مسألة (٤): (ولا تحصل الطهارة بمائع غيره) . أمَّا طهارة الحدث، فهي كالإجماع لأنّ الله تعالى أمر بالتيمُّم عند عدم

стр. 96

الماء، وقال النبي ﷺ : "الصعيد الطيّب طَهور المسلم إذا لم يجد (١) الماء عشر سنين" (٢)، إلا في النبيذ، نبيذ التمر فإنّ بعض العلماء أجاز التوضُّؤ (٣) به في الجملة على تفصيل لهم (٤)، لما روى ابن مسعود قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة لقِيَ الجنَّ فقال: "أمعك ماء؟ ". قلتُ: لا. قال: "فما في هذه الإداوة؟ " قلتُ: نبيذ. قال: "أرنيها، تمرةٌ طيّبةٌ وماءٌ طهورٌ". فتوضأ، ثم صلّى بنا (٥). رواه الإمام أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي (٦).

стр. 97

وهذا الحديث قد ضعَّفه جماعة من الحفّاظ، ثم إن صحّ فلعله كان ماء قد طرح فيه تمرات تزيل ملوحته، بدليل قوله: "تمرة طيبة وماء طهور". ثم هو منسوخ بآية المائدة التي فرض فيها التيمم عند عدم الماء، فإنّ قصة الجنّ كانت بمكة في أول الإسلام. وأمّا [٣/أ] نجاسة الخبث، فعنه ما يدل على أنّها (١) تزال بكل مائع طاهر يزيل كالخل ونحوه (٢)، وهو قول أبي حنيفة (٣)؛ لأن المقصود هو زوال النجاسة. ولذلك يحصل بصَوب الغمام، وبفعل المجنون، وبدون النية. وظاهر المذهب كما ذكره الشيخ (٤)، لأنّ النبي ﷺ أمر بالماء في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وفي دم الحيض، وغسل آنية المجوس؛ ولأنّ الطهارة بالماء يجوز أن تكون تعبُّدًا فلا يلحق به غيره كطهارة الحدث، ولأنَّ الماء ألطف وأنفذ في الأعماق، مع أنه ليس له في نفسه طعم ولا لون ولا ريح يبقى بعد زوال النجاسة. وهو مخلوق للطهارة،

стр. 98

دون غيره من المائعات فإنَّها خُلقت للأكل والادِّهان (١) وغير ذلك، وأعمُّها وجودًا. وهو طهور يدفع النجاسة عن نفسه، ولا ينجُس بوروده (٢) عليها، إلى غير ذلك من الصفات التي اختصَّ بها، فلا يجوز إلحاق غيره به. مسألة (٣): (فإذا بلغ الماءُ قلَّتين أو كان جاريًا لم ينجِّسه شيء إلا ما غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه . وما سوى ذلك يتنجَّس (٤) بمخالطة (٥) النجاسة). أمّا الماء الدائم، فظاهر المذهب أنه لا يتنجَّس بوقوع النجاسة فيه إذا كان كثيرًا إلا أن يظهر فيه طعم النجاسة أو لونها أو ريحها، وأنّ القليل ينجس بالملاقاة. وعنه رواية أخرى أنَّ الجميع لا يتنجَّس (٦) إلا بالتغير (٧)، لما روى أبو سعيد الخدري قال: "قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بُضاعة، [٣/ب] وهي بئر يُلقى فيها الحِيَضُ ولحومُ الكلاب والنَّتَنُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "الماء طَهور لا ينجِّسه شيء". وفي رواية: أنه يستقى لك من بئر بُضاعة وهي بئرٌ يُطرَح فيها محايضُ النساء ولحومُ الكلاب وعَذِرُ الناس؟ فقال رسول الله ﷺ :

стр. 99

"إن الماء طَهور لا ينجِّسه شيء". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. قال الإمام أحمد: هو حديث صحيح (١) (٢). والصحيح: الأول، لما روى عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة (٣) من الأرض وما ينوبه من السباع والدوابّ فقال: "إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمِل الخبَث". رواه الأئمة الخمسة. ولفظ ابن ماجه وأحمد في رواية: "لم ينجِّسه شيء". قال الترمذي: حديث حسن (٤). فلو كان القليل لا يحمل الخبث ولا يتنجّس لم يكن

стр. 100

لتقديره فائدة. وصحّ عنه أنه ﷺ نهى عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال منه، ونهى عن اغتسال الجنب فيه، وأمر المستيقظ من نوم الليل ألا يغمِس يده فيه، وأمر بإراقة الإناء من ولوغ الكلب فيه. وهذا كلّه يدلّ على أنّ القليل تؤثّر فيه النجاسة. [٤/أ] ولأنه لقلّته قد تبقى النجاسة فيه غير مستهلكة، فيفضي استعماله إلى استعمالها. وقوله ﷺ : "لا ينجِّسه شيء" يريد ــ والله أعلم ــ أنّ ذات الماء لا تنقلب نجسةً بالملاقاة فرقًا بينه وبين المائعات حيث تنقلب نجسة بوقوع النجاسة فيها، لأنه طهور يطهِّر غيرَه، فنفسه أولى. فأما إذا تغيّر بالنجاسة فإنما حرم استعماله كما يحرم استعمال الثوب الملطّخ بالدم والبول، فإذا زال التغيّر كان كزوال النجاسة عن الثوب. ولهذا السبب كان سائر المائعات غير الماء يتنجَّس (١) بوقوع النجاسة فيه، قليلًا كان أو كثيرًا، في المشهور من المذهب. وعنه: اعتبار القلّتين فيها كالماء. وعنه: اعتبارها فيما أصله الماء منها كخلّ التمر، دون ما ليس أصله الماء كالعصير والدُّهن (٢).

стр. 101

وحدُّ الكثير: هو القلّتان في جميع النجاسات على إحدى الروايتين، كما ذكره الشيخ، واختاره أبو الخطاب وابن عقيل وأكثر متأخري أصحابنا (١)، على ظاهر حديث ابن عمر. والرواية الأخرى: أنّ البول من الآدمي والعَذِرة الرطبة خاصة ينجِّسان الماء، إلا أن يكون مما لا يمكن نزحُه كالمصانع (٢) التي بطريق مكة. وأكثر نصوص أحمد على هذا (٣)، وهو قول أكثر المتقدمين من أصحابنا (٤)، لما روى أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" [٤/ب] رواه الجماعة (٥). وقال الخلال: وحُدِّثنا (٦) بإسناد صحيح عن علي أنه سئل عن صبي بال في بئر، فأمرهم أن ينزحوها (٧) (٨).

стр. 102

وأمّا الماء الجاري، فعن أحمد ما يدل على روايتين (١). إحداهما: أنه كالدائم، إذا كانت عين النجاسة في جِرية منه تبلغ قلّتين ولم تتغير فهي طاهرة، وإن نقصت عنها فهي نجسة، وإن كانت النجاسة واقفةً فكلُّ جِرية (٢) تمرُّ عليها ولم تتغير إن بلغت قلّتين فهي طاهرة، وإلا فهي نجسة. والجِرية: ما تحاذي النجاسة من فوقها وتحتها وعن يمينها وعن شمالها ما بين جانبي النهر. فأما [ما] أمامها فهو طاهر لأنها لم تلحقه، وكذلك ما وراءها لأنها لم تصل إليه. وإن اجتمعت الجريات كلّها، وفيها جرية طاهرة تبلغ قلّتين، فالجميع طاهر ما لم يتغيَّر، وإلا فهو نجس في المشهور. وعلى قولنا: إنَّ ضمَّ القليل إلى القليل أو الكثير النجس يُوجب طهارةَ الجميع إذا زال التغيّر، فهنا كذلك. وقال ابن عقيل: متى بلغ المجموع هنا قلّتين وكانت النجاسة في جِرية منه فهو طاهر لأنه ماء واحد (٣). وقال السامرِّي (٤): إن كانت الجرية التي فيها النجاسة قلَّتين أو مجموع المتقدم والمتأخر قلتين فهو طاهر وإلا فلا. وهذه الرواية اختيار القاضي وجمهور أصحابنا، لعموم حديث القلّتين،

стр. 103

وقياسًا للجاري على الدائم. [٥/أ] والرواية الأخرى: أنَّ الجاري لا ينجس إلا بالتغير (١) قليلًا كان أو كثيرًا، اختاره الشيخ وغيره. وهي (٢) أظهر (٣)، لأن النبي ﷺ قال: "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه". وفي لفظ: "يتوضأ منه" (٤). ومفهومه جواز ذلك في الجاري مطلقًا. وكذلك قوله: "لا يغتسلْ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" (٥)، ومفهومه جواز الاغتسال في الجاري وإن استدبر الجرية. وكذلك نهيه ﷺ أن يبال في الراكد، ومفهومه الإذن في البول في الماء الجاري، ولو نجَّسَه (٦) لم يأذن فيه. وكذلك حديث بئر بضاعة عامّ. ومفهوم حديث القلّتين لا يعارض هذا، لأنّ قوله: "إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبَث" دليل على أنّ ما دون القلتين بخلاف ذلك، وإذا فرَّقنا بين جاريه وواقفه حصلت المخالفة، لا سيّما وسبب الحديث هو السؤال عن

стр. 104

الماء الراكد. ولأن القليل الواقف إنما ينجس ــ والله أعلم ــ لضعفه عن استهلاك النجاسة، والجاري بقوة (١) جريانه يحيلها ويدفعها إذا ورد عليها، فكان كالكثير. مسألة (٢): (والقلّتان: ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي) . القلّة (٣): هي الحُبّ والخابية (٤)، سمِّيت بذلك لأنها تُقَلُّ باليد. والتقدير بقلال هَجَر. هكذا رواه الشافعي والدارقطني [٥/ب] في حديث مرسل: "إذا بلغ الماء قلَّتين بقِلال هَجَر" (٥).

стр. 105

وهي قلال معروفة عندهم، كانوا يعتبرون بها الأشياء. وهي أكثر القلال وأشهرها على عهد النبي ﷺ . قال النبي ﷺ في حديث المعراج: "ثم رُفِعتْ لي سدرةُ المنتهى فإذا نَبِقُها مثلُ قِلال هجَر، وإذا ورقُها مثلُ آذان الفِيَلة" (١). وأما قلال هجَر، فقال ابن جريج: "رأيتُ قلال هجَر، فرأيتُ القلّة منها تسَعُ قِربتين أو قربتين وشيئًا" (٢). فأثبتنا الشيء احتياطًا، وجعلناه نصفًا لأنه أقصى ما يطلق عليه اسم شيء منكَّر، فصارت القلّتان خمس قِرَب بقِرَب الحجاز. وقِرَبُ الحجاز كبار معلومة، تسع القربة منها نحو مائة رطل. كذا نقله الذين حدّدوا الماء بالقِرَب، وإنما يقال ذلك بعد التجربة، فصارت القلتان خمسمائة رطل بالعراقي. ورطل العراق الذي يعتبر به الفقهاء تسعون مثقالًا، فيكون مائة وثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع درهم. فإذا حسبت ذلك برطل دمشق ــ وهو ستمائة درهم ــ كانت القلتان مائة وسبعة أرطال وسُبع رطل. وعنه رواية أخرى أنها أربعمائة رطل (٣)، لأنّ يحيى بن عُقَيل قال: "رأيت قلال هجر، وأظن كلَّ قلّة تأخذ قربتين" (٤).

стр. 106

والأول أحوط، فإنَّ الثاني إنما أخبر عن ظنّ. وهذا التحديد تقريب في الصحيح من الوجهين، وقيل: من الروايتين. [٦/أ] فلو نقص الماء نقصًا يسيرًا لم يؤثِّر، لأنّ تقدير القلال بالقِرَب إنما كان عن رأي وحساب يقبل الزيادة والنقص. وتقدير القِرَب بالأرطال تقريب، فإنّ القِرَب وغيرها من أوعية الماء لا تكاد تَساوَى (١) على التحقيق، إذ لا يقصد كيل الماء ووزنه غالبًا. فصل (٢) في تطهير الماء إذا كان الماء كثيرًا يبلغ القلتين (٣) فإنما ينجس بالتغيّر، فإذا زال التغيّر طهُر؛ لأن الحكم إذا ثبت بعلّة زال بزوالها، كالخمر إذا زالت عنه الشدّة المسكرة صار حلالا طاهرًا، أو كالثوب النجس إذا غُسِل طهُر. وذلك بثلاثة أشياء: أحدها: أن يزول بنفسه، فيطهر في أصح الروايتين. والثانية: لا يطهر لأن النجاسة بحالها لم تزُل ولم تُستهلك. والصحيح: الأول لأنها تستهلك بمرور الزمان عليها.

стр. 107

الثاني: أن يُنزَح الماء ويزول تغيره، وهو قلتان فصاعدًا، لأن بالنزح زالت النجاسة. فإن لم يزُل تغيُّره حتى نقص عن القلتين كان حينئذ نجسًا بالملاقاة، فلا يطهر بزوال تغيره بعد ذلك. الثالث: أن يُضَمّ إليه قلّتا ماء طهور جملةً أو متتابعًا بحسب العادة بصبٍّ أو إجراءٍ من عين أو نهر أو نبع، ويزول تغيُّره، فيطهُر، سواء اختلط الماءان أو لم يختلطا بأن يكون أحدهما صافيًا والآخر كدرًا، لأنهما قلتان أضيفتا إلى مائع نجس، ولم يغيِّرهما؛ وكان (١) الجميع [٦/ب] طاهرًا كما لو أضيفتا إلى خمر أو دم. وأمّا الماء القليل، فسواء كان متغيرًا أو لم يكن، لا يطهر حتى يُضمَّ إليه قلّتا ماء طهور، ويزول تغيُّره، لأن نجاسته تكون بملاقاة القليل للنجاسة. فإذا كان المضاف إليه كثيرًا دفَع النجاسة عن نفسه وعما يرد عليه. فأما إن أضيف إلى الكثير المتغير أو إلى القليل ما دون القلتين وزال تغيّره لم يطهر في ظاهر المذهب. وقيل: يطهر فيهما. وقيل: يطهر في الصورة الأولى دون الثانية. فأمَّا إن طُرح فيه تراب فقطَع تغيُّره لم يطهر. ولا يجب غسل جوانب البئر (٢) في أصح الروايتين.

стр. 108

فصل فإن تغيَّر بعض الماء الكثير بالنجاسة لم تنجس بقيته إذا بلغ قلّتين في أصح الوجهين. وقال ابن عقيل: ينجس لأنه ماء واحد (١). وإذا لم يتغير الماء الكثير بالنجاسة وكانت مستهلكة فيه كالبول والخمر جاز استعمال جميعه، ولم يجب أن يبقى قدرها. وإن كانت النجاسة قائمة فيه وهو قدر القلتين، فاغترفت منه في إناء، فهو طهور (٢). وإن كان أكثر من قلتين جاز التناول من جميع جوانبه، سواء كان بينه وبين النجاسة قلتان أو لا، وسواء في نجاسته ما يدركه الطرف وما لا يدركه، إذا تيقن وصوله إلى الماء، في المشهور من المذهب. ولو سقطت عَذِرة أو قطعة ميتة في ماء يسير فانتَضح منه بسقوطها شيء فهو نجس. وإذا شكّ هل [٧/أ] ما وقعت فيه النجاسة قلتان أو أنقص؟ فهو نجس في أصح الوجهين. مسألة (٣): (وإن طُبخ في الماء ما ليس بطهور، أو خالطه (٤) فغلب على اسمه، أو استعمل في رفع حدثٍ= سلَب طهوريته) . أما إذا طُبخ فيه كماء الباقلّى المُغْلَى فإنه قد صار أُدْمًا ومرَقةً، و (٥) ليس

стр. 109

بماء حقيقةً ولا اسمًا. وأما إذا خالطه، فغلب على اسمه، إمّا بأن يسلب (١) الماءَ رقّتَه وجريانَه، فيصير صبغًا وحِبرًا إن كان كثيفًا، أو تكون أجزاؤه أكثر من أجزاء الماء إن كان لطيفًا حتى يقال: خَلٌّ فيه ماء، أو ماءُ وردٍ فيه ماء، فهذا لم يبق (٢) فيه حقيقةً ولا اسمًا. وإن غيَّر طعمه أو لونه أو ريحه سلبه التطهيرَ أيضًا في أشهر الروايتين لأنه ليس بماء مطلق. والرواية الأخرى: هو باق على تطهيره (٣)، وكذلك على هذه إن غيَّر صفاته الثلاث في أشهر الطريقين. وعنه أنه طهور إذا لم يجد المطلق. هكذا حكى بعض أصحابنا ثلاث روايات. وحكى السامري (٤) طريقين، أحدهما: أن الروايتين على الإطلاق. والثانية: أن الروايتين فيما إذا عدم الماء المطلق فقط، وهي طريقة ابن أبي موسى (٥). وعلى الأولى في التغير اليسير ثلاثة أوجه. أحدها: أنه كالكثير. والثاني: في الفرق بين الرائحة وغيرها. والثالث: العفو عنه مطلقًا، وهو أصح (٦).

стр. 110

فصل فأما إن تغيَّر بما لا يمكن صَونُه عنه فهو باق [٧/ب] على طهوريته كالماء المتغير بالطُّحلُب، وورق الأشجار المتحاتَّة (١) فيه، وما يحمله المدُّ من الغثاء، وما ينبت فيه. وكذلك إن تغيَّر بطول مُكثه، وكذلك ما تغيَّر بمجاريه كالقار والنفط، لأن هذا التغير لا يمكن صون الماء عنه. وهو من فعل الله ابتداءً، فأشبَه التغيُّر الذي خلق (٢) عليه الماء، حتى لو طرحت فيه هذه الأشياء عمدًا سلبته التطهير، إلا الملح المنعقد من الماء، لأنه ماء فهو كذَوب الثلج والبرد. وفي التراب وجهان لكونه طهورًا في الجملة. وإن تغيَّر بطاهر لا يخالطه كالخشب والأدهان وقطع الكافور، فهو باق على طهوريته في أشهر الوجهين. ولا أثر لما غيَّر الماء في محل التطهير، مثل أن يكون على بدن المغتسل زعفران أو سدر أو خِطْمي فتغيَّر به؛ لأن النبي ﷺ أمر بغسل المحرم (٣) وغسل ابنته بماء وسدر (٤)، وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر (٥)، ولأن هذا تدعو إليه الحاجة.
следующие страницы →