← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

اجتهاده صلَّى بالثاني، ولم يُعِد ما صلَّى بالأول، كالمفتي والحاكم يجدِّد اجتهاده في قضاياه وفتاويه. والاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد، لأنه لم يتيقَّن الخطأ فيما فعله أولًا، مع أنه لو تيقَّن (١) ذلك في القبلة لم يُعِدْ، فأولى أن لا يعيد مع استمرار الشكِّ في الجملة. فصل ولا يتبع دلالة مشرك بحال، مثل أن يدخل بلدًا فيه محاريب [لا يعلم] (٢) هل هي بناء المسلمين أو المشركين؟ أو يخبره الكفار أنها مبنيَّة إلى القبلة، ونحو ذلك. ولو رأى على المحراب آثار المسلمين، وهو في بلد كُفَّار، أو في بلدٍ خرابٍ لا يعلم هل هو بلد مسلم أو كافر؟ لم يصلِّ إليه، لاحتمال أن يكون الباني له كافرًا مستهزئًا غارًّا للمسلمين، إلّا أن يكون مما يعلم أنه من محاريب المسلمين. قال بعض أصحابنا (٣): لو علِم قبلةَ الكفار، فله أن يستدلَّ بها على قبلة المسلمين؛ مثل أن يرى قبلةَ النصارى في كنائسهم، وقد علم أنهم يصلُّون إلى الشرق، فإنه يستدلُّ بها على القبلة، فيجعله عن يساره وأن كانت هذه قبلته، لأنَّ خبرهم عن قبلتهم بمنزلة التواتر، وهم لا يُتَّهمون فيه.

стр. 1297

مسألة (١): (الشرط السادس: النية للصلاة بعينها) . النية لها ركنان: أحدهما: أن ينوي العبادة والعمل. والثاني: أن ينوي المعبود المعمول له. فهو المقصودُ بذلك العمل والمرادُ به، الذي عُمِل العمل من أجله، كما بيَّنه النبيُّ ﷺ بقوله: «إنما الأعمال بالنيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى. فمن كانت هجرتُه إلى الله [ص ٢٢٣] ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه» (٢). فميَّز ﷺ بين من كان عمله لله، ومن كان عمله لمال أو نكاح. والذي يجب أن يكون العمل له هو الله سبحانه وحده لا شريك له، فإنَّ هذه النية فرضٌ في جميع العبادات، بل هذه النية أصلُ جميع الأعمال، ومنزلتها منها منزلة القلب من البدن. ولا بدَّ في جميع العبادات أن تكون خالصةً لله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤]. وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]. وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥]. وقال: ﴿إِلَّا

стр. 1298

عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ في عدة مواضع [الصافات: ٤٠، ٧٤، ١٢٨، ١٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وهذه الآيات كما دلَّت على فرض العبادة، ففُرضت العبادة، وأن تكون (١) لله خالصة، وهذه حقيقة الاسلام. وما في القرآن من قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، إلى غير ذلك من الآيات كلُّها تدلُّ على هذا الأصل. بل جماع مقصود الكتاب والرسالة هو هذا. وهو معنى قول لا اله إلا الله، وهو دين الله الذي بعث به جميع المرسلين. وضدُّ هذه النية: الرياء والسمعة، وهو إرادة أن يرى الناسُ عملَه وأن يسمعوا ذكرَه. وهؤلاء الذين ذمَّهم الله تعالى في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٦]. وقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]. ومن صلَّى بهذه النية، فعملُه باطل يجعله الله هباءً منثورًا. وكذلك من أدَّى شيئًا من الفرائض. والكلام في هذه النية وتفاصيلها لا يختصُّ بعبادة دون عبادة، إذ الفعل

стр. 1299

بدون هذه النية ليس عبادةً أصلًا. الركن الثاني: أن ينوي ما تتميَّز به عبادة عن عبادة، فينوي الصلاة لتتميَّز عن سائر أجناس العبادات، وينوي صلاة الظهر مثلًا لتتميَّز عن صلوات سائر الأوقات. وهكذا في كلِّ ما يميِّز تلك العبادةَ عن (١) غيرها، سواء كانت مفروضة أم مستحبة. وهذه النية هي التي يتكلَّم عليها [ص ٢٢٤] في هذا الموضع (٢)، إذ الكلام هنا في فروع الدين وشرائعه. وتلك النية متعلِّقة بأصل الدين وجماعه، والفقهُ في شرائع الدين وفروعه إنما هو بعد تحقيق أصوله، إذ الفروع كمال الأصول وإتمامها. إذا تبيَّن هذا، فيجب على المصلي أن ينوي الفعلَ وهو الصلاة، ليتميَّز قيامه عن قيام العادة، وكذلك سائر أفعاله. ويجب أن يعيِّن الصلاةَ مثل أن ينوي صلاة الظهر أو العصر، إن كانت ظهرًا أو عصرًا ونحو ذلك. هذا ظاهر المذهب. وعنه ما يدل على أنه يكفيه نية مطلقة إذا تعذَّر تعيينُ الصلاة، وأمكن الاكتفاءُ بنية مطلقة بأن ينوي فرضَ الوقت، أو تكون عليه فائتة رباعية ــ إما الظهر وإما العصر ينوي الواجب عليه، كما قلنا في الزكاة. والأول: المذهب، لأنَّ مقصود كلِّ صلاة واسمها ووقتها يخالف الأخرى، فلا بدَّ من تمييزها بالنية.

стр. 1300

ولهذا لو كانت عليه فوائت فصلَّى رباعية ينويها (١) عمَّا عليه لم يُجزئه إجماعًا. ولو كانت عليه شياهٌ عن ذَود وغنم، أو صِيعانٌ من طعام من صدقة فطر وعُشْر، فأخرج شاةً أو صاعًا مما عليه أجزأه؛ لأنَّ الواجب ثَمَّ لم يختلف اسمُه ولا مقصودُه، وإنما اختلف سببُ وجوبه، فإنَّ مواقيت الصلاة حدودٌ للصلوات صارت صفاتٍ لها، فالعبادة المفعولة على غير ذلك الحدِّ والصفة لا تسُدُّ مسدَّها معها كالبعير بالنسبة إلى البقرة. ولهذا كانت الصلوات الخمس لا بد أن تخالف كلُّ صلاة الأخرى في بعض واجباتها أو في بعض مستحباتها، كما خالفتها في الوقت. فصل وهل يجب عليه في المكتوبة أنها فرض؟ على وجهين. أحدهما: يجب عليه. قاله ابن حامد (٢)، لأن الظهر قد تكون نفلًا، كظهر الصبيِّ والظهر المعادة، وكما لو صلَّى الظهر أولًا تطوعًا قبل أن يصلِّي المكتوبة. والثاني: لا يجب. وهو قول الأكثرين، لأنَّ الظهر المطلق ممن في ذمته ظهرٌ لا يقع إلا فرضًا. فإذا نوى الظهر وأطلق لم تكن إلا فرضًا، كما أنَّ الزكاة المطلقة لما لم تقع إلا فرضًا لم يجب أن ينوي الفرض. وكذلك الوضوء من الحدث، وغسل الميت، وغسل الجنابة؛ وإن كان مع التقييد قد تكون الزكاة نافلةً كما يقال: زكاة الحلي عاريته، وكما قال ﷺ : «ليس فيما

стр. 1301

دون خمسة أوسُقٍ صدقة إلا أن يشاء ربُّها» (١)، وكما قد يستحب له إخراج الزكاة في [ص ٢٢٥] مواضع تُذكر إن شاء الله تعالى في مواضعها. وسبب ذلك: أنَّ نية صفات العبادة تندرج في نية العبادة. فإذا نوى الظهر اندرج في ذلك أربع ركعات، وأنها واجبة ونحو ذلك، إذا كانت تلك العبادة لا تقع إلا على تلك الصفة، أو تنصرف عند الإطلاق إلى تلك الصفة. وعلَّل القاضي وغيره من أصحابنا ذلك بأنَّ الظهر الأولى من المكلَّف لا تقع إلا فرضًا، فلم يحتمل الفعلُ وجهين لتميِّز النيةُ بينهما؛ إلا أنَّ هذا يُشكِل بمن نوى ظهرًا تطوعًا قبل المكتوبة، كما حملوا عليه حديث معاذ بن جبل (٢)، فإنهم قالوا: كان يصلِّي خلف النبي ﷺ تطوعًا، ثم يصلِّي بقومه المكتوبة. وهذا جائز، بل مستحَبٌّ إذا كان لغرض صحيح، مثل أن يكون إمامَ مسجد راتب، فتقام الصلاة أولًا في غير مسجده، فيصلِّي الظهر معهم. والتعليل بالإطلاق أجود. فأمَّا نية الوجوب في أبعاض الصلاة، مثل أن ينوي وجوبَ قراءة الفاتحة، ووجوب الركوع والسجود ونحو ذلك، فلا يجب، بل يكفي أن يأتي بالواجبات مع اعتقاد وجوب الصلاة في الجملة. هكذا ذكره أصحابنا

стр. 1302

لأن تمييز الواجبات من غيرها إنما يُدرَك بالظن في كثير من المواضع، وفيه من الخلاف والاشتباه ما لا خفاء به. فلو كانت هذه النية واجبةً لكان لا يصلِّي أحدٌ صلاةً متيقَّنة الصحة، ولا صلاة مُجمَعًا على صحتها. ولأنَّ ذلك لو كان واجبًا لبيَّنه النبيُّ ﷺ بيانًا قاطعًا للعذر، كما بيَّن لهم وجوب الصلوات الخمس دون غيرها، فلمَّا لم يكن ذلك عُلِمَ أنَّ هذا ليس واجبًا. فصل وهل يحتاج أن ينوي في الحاضرة أنها الحاضرة أو المؤدَّاة أو فرض الوقت، وينوي في الفائتة أنها الفائتة أو المقضيَّة أو فرض الوقت الفائت؟ على ثلاثة أوجه: أحدها: يجب عليه، لأنَّ أحكام الفائتة تخالف أحكام الحاضرة، فإنها واجبة في وقت محدود يُقتَل بتركها، ويحرُم تأخيرها عن وقتها إجماعًا، ويُشرَع لها من الأذان والاجتماع وغير ذلك ما لا يُشرَع للفائتة. وبنى القاضي هذا الوجه على قول من لا يجيز ائتمامَ المؤدِّي بالقاضي. فعلى هذا لو كان عليه ظهران فائتة وحاضرة، فصلى ظهرًا مطلقةً، لم تُجزئه عن واحدة منهما. وإن لم يكن عليه إلا ظهر فائتة أو حاضرة، وصلَّى ظهرًا لم يخطر بقلبه هل هي صلاة الوقت الحاضرة أو صلاة الوقت الفائتة، لم يُجزئه. والثاني: لا يجب ذلك، بناءً على أنهما صلاتان من جنس واحد. ولهذا جوَّز اقتداءَ المؤدِّي بالقاضي من لم يجوِّز اقتداء المفترض بالمتنفل، ولأن حاصل ذلك يرجع إلى تعيين [ص ٢٢٦] الوقت، وهو غير واجب لأنه لو كان

стр. 1303

عليه فائتة لم يحتَجْ أن ينوي يومَها اتفاقًا. وكذلك لو كان عليه فائتتان من جنس كفاه أن يصلِّي إحداهما، ينوي أنها السابقة، وإن لم يعيِّن يومها. فعلى هذا يجزئه في الصورة الثانية. ويجزئه في الصورة الأولى، ويقع عن الفائتة إذا كان ذاكرًا لها، لأن فعلها قبل الحاضرة واجب، إلا أن يكون الوقت قد ضاق، فيقع عن الحاضرة. والوجه الثالث: تعتبر النية للفائتة دون الحاضرة، لأنَّ وقت الحاضرة يوجب انصراف النية إليها، وإن جاز أن يفعل غيرها، بخلاف الفائتة. فأما إن نوى ظهر يومه معتقدًا بقاء الوقت فتبيَّن فواته، أو معتقدًا فواته فتبيَّن بقاؤه، أو غير معتقد شيئًا، ناويًا ظهر يومه من غير أن يخطر بقلبه وصفُ القضاء أو الأداء= أجزأه قولًا واحدًا. وكذلك لو نوى الظهر التي عليه قبل اليوم في الفائتة وشبه ذلك، لأنه قد عيَّن الصلاة التي وجبت عليه في وجه لا تشتبه بغيرها، وذلك كافٍ فإنَّ نية القضاء والأداء تلزم ذلك، وكلُّ صفةٍ لازمةٍ لما نواه لا يجب أن ينويها. ولهذا قلنا: لا يجب أن ينوي كونها أربع ركعات إذا كانت حاضرةً، ولا أن ينوي وصفَ الأداء إذا قصَد فعلَها في وقتها، ولا أن ينوي وصفَ القضاء إذا قصَد فعلَها بعد خروج وقتها، قولًا واحدًا، لأنَّ ذلك تابع لازم لما نواه. ولو كان عليه ظهران فائتة وحاضرة، فصلَّاهما، ثم ذكر أنه ترك شرطًا من إحداهما، لا يعلم عينَها= أجزأته صلاة واحدة ينوي بها ما عليه، على الوجه الثاني. وعلى الأول والثالث، تلزمه صلاتان. ولو كانتا فائتتين أجزأته صلاة واحدة قولًا واحدًا.

стр. 1304

وعلى الأقوال الثلاثة، إذا نوى صلاةً بعينها أداء أو قضاء لم تُجزِئه عن غيرها، مثل أن ينوي ظهرًا حاضرًا، وتكون عليه فائتة، فإنه لا يجزئه عن الفائتة. أو ينوي ظهر (١) أمس يعتقد أنها عليه، ثم تبيَّن أنها ليست عليه، فإنها لا تجزئه [عن] (٢) ظهر اليوم، سواء كانت فائتة أو حاضرة. ومن أصحابنا من خرَّج وجهًا بالإجزاء إلغاءً لوصف التعيين، كما ألغينا وصف القضاء والأداء عند الاشتباه لأنهما من جنس واحد. وهذا ضعيف، لأنَّ هذا نوى صلاةً لم تكن عليه، فكيف تجزئه عمَّا هو عليه؟ خلافَ وصف القضاء والأداء، فإنه لا يُخِلُّ بعين المكتوبة، ولأنه لم يقصد امتثال الأمر فيما يحكيه فيبقى في عهدته. ولأنه لا يلزم من انصراف النية إليه عند الإطلاق انصرافُها إليه إذا نوى غيرَها كنية الفريضة. ولأنه لو أخرج زكاةَ ماله الغائب، فبان تالفًا، لم يُجزِئه عن الحاضر. ولو كفَّر عن يمين لحِنثٍ (٣) عيَّنه بنيته، ثم بان أنه لم يحنث= لم يُجزئه عن يمين أخرى إذا كان الواجب عليه [ص ٢٢٧] كفارتين (٤)، ففي الصلاة أولى. ولو كان عليه فائتتان من جنس، فنوى إحداهما لا بعينها، أجزأه في أحد الوجهين، لاتحاد الجنس كالزكوات والكفارات. وهذا اختيار الآمدي وغيره. وفي الآخر لا تجزئه حتى ينوي الأولى منهما، لأن الترتيب شرط،

стр. 1305

وهو قادر عليه. فصل ولا يستحب أن يقصد في نيته أو لفظه نيةَ اليوم الذي يصلِّي فيه، ولا استقبال القبلة. ذكره الآمدي. وكذلك نية العدد إن كان مقيمًا أو مسافرًا (١)، لأن هذا من شرط صحة الصلاة، فلو شُرِع ذكرُه لشُرع ذكرُ جميع الشرائط والأركان. ولأنَّ المصلِّي وإن كان ينقسم إلى مستقبل وغيره كالخائف ونحوه، والصلاةُ وإن كانت تنقسم إلى رباعية كصلاة المقيم، وثنائية كصلاة المسافر، فإنَّ الحالة التي هو عليها تُميِّز بين الواجب عليه وغيره، وتميِّز بين الواقع وغيره. فصل والمنذورة كالمكتوبة في افتقارها إلى التعيين، وإلى نية القضاء والأداء إن كانت كذلك، عند من يقول به. فأمَّا التطوع، فإن كان مقيَّدًا بوقت أو سبب، كالسُّنن الرواتب والضحى وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح، فإنه يفتقر إلى التعيين، وإلى نية القضاء أو الأداء عند من يقول به. وكذلك تفتقر صلاة العيد والجنازة إلى نية الفرض على الكفاية، عند من يقول باشتراط نية الفرضية، فيما ذكره بعض أصحابنا.

стр. 1306

مسألة (١): (ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها) . لا نعلم خلافًا في المذهب أنه يجوز أن تتقدم النية على التكبير، ويكفي استصحاب حكمها، لأنَّ التكبير جزء من أجزاء الصلاة، فجاز أن تكون النية مستصحبة فيه حكمًا، وإن لم تكن مذكورة، كسائر أجزاء الصلاة. ولأنَّ إيجاب مقارنة النية للتكبير يعسُر ويشُقُّ على كثير من الناس، ويفتح بابَ الوسواس المُخرج لهم عن الصلاة إلى العبث واللغو من القول. ولأنَّ المقصود بالنية تمييزُ عمل عن عمل، وهذا يحصل بالنية المقترنة والمتقدِّمة. ولأنَّ المعروف من صلاة النبي ﷺ وأصحابه أنهم كانوا يكبِّرون بيسر وسهولة من غير تعمُّق وتكلُّف وتعسير وتصعيب، ولو كانت المقارنة واجبةً لاحتاجوا إلى ذلك. ولأنَّ المصلِّي يحتاج أن ينوي الصلاة وعينها ووقتها وكونها فرضًا عند من يقول بذلك، وحضورُ هذه الإرادات في قلبه لا يكون إلا في زمن، فإن أراد إحضار هذه الإرادات في قلبه عند أول حرف من التكبير لم يمكن ذلك، وإن بسط هذه الإرادات على حروف التكبير خلا أولُ التكبير عن تمام النية الواجبة، ولم يقارِن آخرُه بعضَ (٢) [ص ٢٢٨] النية. فعُلِمَ أن مقارنة النية المعتبرة للتكبير أو لبعض أجزائه محال، وإنما الممكن إيقاع التكبير عقب

стр. 1307

النية المعتبرة. فعُلِم أنَّ الموجود حالَ التكبير حكمُ النيةِ المعتبرِ ذكرُها، وإذا كان حكمُها كافيًا، فلا فرق فيه بين التقدُّم والتأخُّر. ولأنَّ التكبير كلام له معنى، فلا بدَّ أن يتدبَّره ويتصوَّره ويفهمه، لأنه لم يتعبد بلفظٍ لا يتدبَّر معناه، بل أكثرُ المقصود فهمُه وتصوُّره، وذلك إنما يكون حالَ النطق باللسان. فلو كُلِّف أن يُحضِر بقلبه إرادةَ تلك الأمور حينئذ لم يمكن ذلك. فعُلِمَ أنه حين التكلُّم إنما يستحضر معنى التكبير ونحوه من الأقوال، وأنَّ النية المعتبرة لذلك القول لا بد أن تسبقه، سواء كان بينهما فعلٌ أو لم يكن. إذا تبيَّن ذلك فقال كثير من أصحابنا: إنما يجوز تقديمها بالزمن اليسير لأنَّ ذلك هو الذي تدعو الحاجة إليه، ولأن النية مرتبطة بالمنويِّ ارتباطَ القبول بالإيجاب، وارتباطَ ما يوصل بالكلام من الاستثناء ونحوه به؛ فلا بدَّ أن يتقارب ما بينهما من الزمن، لأنَّ طول الفصل يقطع الارتباط. وقال الخِرَقي (١): وإن تقدَّمت النية قبل التكبير وبعد دخول الوقت ما لم يفسخها أجزأه. وهذا كالنصِّ في جواز التقديم بعد دخول الوقت. وحمَلَ القاضي وغيره ذلك على التقديم بالزمن اليسير (٢). والصواب: إقراره على ظاهره. وقد صرَّح أبو الحسن الآمدي بمثل ذلك، فقال: يجوز تقديم النية على الصلاة بالزمن الكثير، كما يجوز بالزمن اليسير، ما لم يفسخها (٣)، لأنه إذا

стр. 1308

لم يفسخها لا يزال له فسخُها (١)، فهو مستصحِب لحكمها. والمنصوص عن أحمد يشبه ذلك، فإنه سئل عن الذي يخرج من بيته يوم الجمعة ينوي. قال: خروجُه من بيته نية. وقال (٢): إذا خرج الرجل من بيته فهو نيته. أفتراه كبَّر وهو لا ينوي الصلاة! ووجه ذلك: أنها عبادة موقتة، فجاز تقديمها في أول الوقت المضاف إليها كالصوم وأولى، لأنَّ الصلاة تجب بأول وقتها، والصوم إذا غربت الشمس، فإنما تدخل الليلة المضافة إلى اليوم. ولأنه إذا نوى من حين الوجوب فقد قصَد امتثالَ الأمر بعد توجُّهه إليه، ولم يفسخ هذا القصد، فكان قصدًا صحيحًا كالمقارن. ولأنَّ من أصلنا أنَّ ما يتقدَّم العقودَ من الشروط والصفات، فإنَّ العقد يقع على موجبه ما لم يفسخه المتعاقدان، فكذلك ما يتقدَّم عقودَ العبادات وأولى، فإنه إذا لم يكن فرق بين الشرط المقترن بالعقد والمتقدِّم عليه بزمن طويل أو قصير، إذا لم يفسخ ذلك الشرط؛ فكذلك لا فرق بين القصد المقترن بفعل [ص ٢٢٩] العبادة والمتقدِّم عليها، لأنَّ بقاء القصد هنا ثابت بلاريب، وهناك بقاء الحكم المشروط قد يرجع عنه أحد المتعاقدين، لأنَّ حكم الإرادات المعتقدة لا يزول إلا بفسخ تلك الاعتقادات؛ بل يترتَّب عليها الثواب والعقاب في كلِّ وقت، كما أنَّ حكم العلوم المعتقدة (٣) كذلك. ولذلك يوصف الرجل بالاعتقاد للعلم والاعتقاد للعمل حتَّى يقال: هو

стр. 1309

مُحِبٌّ ومُبغِض وعالم ونحو ذلك، مع عزوب (١) هذه الأشياء عن قلبه إذا لم ينفسخ. وإذا لم يزل حكمها فيجب اعتباره. فصل قال القاضي وغيره: ويستحَبُّ أن تقارن النية التكبير ذكرًا إلى آخر جزء منه، بأن ينوي قبل التكبير ما يريده من الصلاة، ويديم استحضارَ ذلك في قلبه إلى آخر التكبير، ليخرج بذلك من الاختلاف. ولأنه يُستحبُّ له اصطحابُ ذكر النية إلى آخر الصلاة، فاصطحابه إلى آخر التكبير أولى. وليس لهذا أصل في كلام أحمد وأكثر أصحابه. وكلامُ بعضهم يدلُّ على أنه إنما يستحب له اصطحاب ذكر النية إلى حين التكبير. وهذا هو المقارنة المستحبة على هذا القول، لأنه بعد ذلك ينبغي أن يشتغل بالتكبير وتدبُّره، وفي ذلك شغلٌ عن غيره. وكذلك اصطحابُ ذكر النية المعتبرة في جميع الصلاة لا يؤمر به على هذا، لأنَّ الصلاة فيها ذكر مشروع في جميعها من قراءة وتكبير وتسبيح ودعاء وغير ذلك، ففي تدبُّره شغلٌ عن تصوُّرِ غيره. ولأنَّا قد بيّنَّا أنَّ استحضار النية حين النطق بالتكبير وغيره (٢) من الأذكار متعذِّر أو متعسِّر، فيجب تقديم استحضار معنى التكبير لثلاثة أوجه. أحدها: أنه هو المقصود، وإنما النية وسيلة إليه. الثاني: أنَّ استحضار معناه لا يتقدَّم النطق به ولا يتأخَّر عنه، فإنَّ معنى اللفظ مقارن له، بخلاف النية فإنَّ تقدُّمَها واجب، لأنَّ إرادة القول والفعل لا

стр. 1310

بدَّ أن تسبق المراد. الثالث: أنَّ الكلام إذا لم يتصوَّر معناه ولم يتدبَّره كان لفظًا بلا معنًى، وذلك تشبيهٌ له بالمهمل، وإخراجٌ له عن حقيقته، حتى يصير كجسد لا روح فيه. وأمَّا النية، فإنَّ استحضارها عند إرادة التكبير كافٍ (١). وهذا الكلام إنما يرِد إذا كانت العبادة قولًا من الأقوال كالتكبير. فأما إذا كانت فعلًا كالوضوء والغسل، فإنَّ استدامة ذكر النية في أول جزء [ص ٢٣٠] من الفعل سهلٌ متيسِّرٌ، لأنَّ استحضار النية لا يشغل عن الفعل. وقد يقوى القلب على استحضار النية، مع استحضار معنى القول في حالة واحدة، لكن هذا يكون في قليل من الناس. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وهذا يقتضي وجود الإخلاص حين العبادة، لأنَّ الحال في الأمر يجب أن تكون مقارنةً للفعل العامل فيها. قلنا: أولًا: هذا في نية الاخلاص، لا في نية العمل المميِّزة له عن غيره. وهما نيتان كما تقدَّم، لأنَّ هذه حقيقة المقصود، وتلك تكملة له. وثانيًا: أنّ النية المستصحبة حكمًا نية صحيحة، وبها يكون الإنسان مخلِصًا وناويًا، بدليل الإجماع على جواز الذهول عن ذكر النية في أثناء الصلاة.

стр. 1311

فصل ومحلُّ النية: القلب. فلو تلفَّظ بخلاف ما نواه، فالاعتبار بما نواه، لا بما لفَظ به، لأنَّ لفظ النية ليس من الصلاة. وإن لفظ بما نواه، فقال القاضي وخلائق من أصحابنا: هو أوكد وأفضل، ليجمع بين القلب واللسان. وقال ابن عقيل: إن كان ممَّن يعتريه الوسواس ولا تحصل له نية بقلبه إلا أن يستنهضها بلسانه فعَلَ ذلك، لأنَّ عليه تحصيلَ العقد بأيِّ شيء يحصل له، كما يجب عليه تحصيلُ الماء بالشِّرى، والسعي إليه إذا بعُدَ، واستقائه (١) إذا كان في قعر بئر، وغير ذلك من التسبُّب إلى العبادات. وقد قال أحمد في رواية أبي داود (٢)، وسأله هو: قبل التكبير تقول شيئًا؟ قال: لا. وحمله بعض أصحابنا على أنه ليس قبل التكبير ذكر مشروع. وكلام أحمد عامٌّ في الذكر واللفظ بالنية. وذلك لأنَّ النية محضُ عمل القلب، فلم يُشرَع إظهارها باللسان، لقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]، وفاعلُ ذلك يُعلِمُ الله بدينه الذي في قلبه. ولهذا قال العلماء في قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]: لم يقولوه بألسنتهم، وإنما علِمَه الله من قلوبهم. ولهذا لم يستحِبُّوا أن يتلفظ بنية الإخلاص.

стр. 1312

ولأنَّ التلفظ بذلك لم يُنقَل عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه، ولا عن أحد من التابعين لهم بإحسان. ومعلوم أن ذلك لو كان مستَحبًّا لفعلوه وعلموه وأمروا به، ولو كان ذلك لنُقِل كما نُقِلَ سائرُ الأذكار. وإذا لم يكن كذلك كان من محدَثات الأمور (١). ولأنَّ النية مشروعة في جميع الواجبات [ص ٢٣١] والمستحبات، بل يستحبُّ أن تكون جميع حركات العبد وسكناته بنيّة صالحة، فلو كان اللفظ بها مستَحبًّا لاستُحِبَّ لمن يُشيِّع جنازةً أن يقول: أتبعها إيمانًا واحتسابًا، ولمن جاهد في سبيل الله أن يقول: نويتُ بجهادي أن تكون كلمة الله هي العليا، وإذا أنفق نفقةً أن يقول: أبتغي بهذه النفقة وجهَ الله، إلى سائر الأعمال. ومعلومٌ يقينًا أنَّ النبيَّ ﷺ والسابقين والتابعين لم يكونوا يتكلَّمون بهذه النيَّات مع وجودها في قلوبهم. ولأنَّ حصول النية في القلب أمر ضروري للفعل حتى لو أراد أن يفعله بلا نية لم يمكن. وإذا حضرت النية، فلو عُبِّر عنها بما يدل على خلافها لم يؤثِّر ذلك، لأنها مما يعرض للقلب، بمنزلة الفرح والحزن، والحب والبغض، والرضى والسخط، والشهوة والنفرة. ومعلوم أنَّ قصد تحقيق هذه الأشياء بالتعبير عنها قبيح. ولأنَّ ذلك تكثيرٌ لكلامٍ لا أصل له، وفتحٌ لباب اللغو من القول، فكان حسمه أولى. والقول في الطهارة والصيام مثل هذا.

стр. 1313

فإن قيل: قد استحببتم أن يتكلَّم بما ينوي في الحج، وقد نصَّ أحمد على ذلك، وروي عن جماعة من السلف. قلنا: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ التكلُّم في الحجِّ مأثور عن النبي ﷺ ، ومأثور عن الصحابة والتابعين، قبل التلبية وفي أثناء التلبية الثاني: أنَّ الحجَّ ليس في أوله ذكر واجب عند أصحابنا، ولا له حدٌّ من الأفعال الظاهرة يدخل به فيه، فاستُحِبَّ أن يتكلَّم بالنية ليبين أول الإحرام. الثالث: أنَّ أكثر الناس لا يعلمون ما يقصدون بالإحرام حتى يتكلَّموا به، بخلاف الصلاة والصوم فإنَّ المقصود معلوم لهم، والنية تتبع العلم. وبكلِّ حال، فلا يستحَبُّ الجهرُ بشيء من اللفظ بالنية، بل يُكرَه الجهر به في الإمام والمأموم، كدعاء الاستفتاح وتسبيح الركوع والسجود، وأولى. فصل إذا قطع النيةَ في الصلاة بطلت ، لفوات اصطحاب النية؛ لأنَّ جزءًا من الصلاة خلا عن النية، فلم يصحَّ بدون النية، ومتى بطل بعضها بطل جميعها. ولأنه شرط من شرائط الصلاة، فوجب استدامته إلى آخر الصلاة، كالاستقبال والسترة. وإن عزم أن يقطعها فيما بعد أو تردَّد، هل يقطعها أم لا؟ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تبطل. قاله القاضي [ص ٢٣٢] وغيره (١)، لأن الواجب عليه

стр. 1314

استدامة النية ولم يستدِمْها، فأشبه ما لو جزم (١) بالنية قبل الإحرام، ثم تردَّد حين الإحرام، أو نوى حينئذ: سيقطعها. ولأنَّ القياس كان يقتضي استدامة ذكر النية، وإنما سقط لمشقّته، ولا مشقَّة في الإمساك عن التردُّد. والثاني: لا تبطل. قاله ابن حامد (٢)؛ لأنَّ في حديث ابن مسعود قال: صلَّيتُ مع النبي ﷺ ليلةً، فأطال حتَّى هممتُ بأمرِ شرٍّ. قيل له: وما هممتَ به؟ قال: هممتُ أن أجلِسَ وأدَعَه. متفق عليه (٣). وعن أنس: أنَّ أبا بكر كان يصلِّي بهم في وجع النبيِّ ﷺ الذي توفِّي فيه حتَّى إذا كان يومُ الاثنين، وهم صفوفٌ في الصلاة، فكشَف النبيُّ ﷺ سِتْرَ الحجرة لينظر إلينا وهو قائم، فكأنَّ وجهَه ورقةُ مصحف، ثم تبسَّم فضحك فهمَمنا أن نفتتن من الفرَح برؤية النبي ﷺ ، فنكَص أبو بكر على عقبيه ليصِلَ الصفَّ، وظنَّ أنَّ النبيَّ ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبيُّ ﷺ أن أتِمُّوا صلاتكم. وأرخى السِّتر. متفق عليه (٤). ولأنَّ المبطِل إنما أن يفسخ (٥) النيةَ وهذا لم يوجد، وإنما تردَّد في فعله، أو عزم عليه، فأشبَه ما لو نوى أن يتكلَّم، فإنه لو نوى أن يفعل ما يُبطِل الصلاة غيرَ قاصد لإبطالها لم تبطُل بلا تردُّد.

стр. 1315

والثالث: تبطل (١) بالعزم على قطعها، دون التردُّد في قطعها، لأنَّ التردُّدَ لا يقطع نية جازمة، بخلاف العزم الجازم. فصل وإن شكَّ في أثناء الصلاة: هل نوى أم لا؟ أو شكَّ: هل كبَّر للافتتاح؟ ابتدأ الصلاة، لأنَّ الأصل عدمُ ما شكَّ فيه. فإن ذكر أنه كان نوى، أو كبَّر قبل أن يقطعها بنيته أو يأخذَ في عمل منها، بنى على ما مضى، لأنه لم يوجد مُبطِل، فإنَّ الشكَّ وحده غير مُبطِل، كما لو شكَّ هل صلَّى ركعةً، ثم ذكر أنه كان صلَّاها. وإن ذكر بعد أن فعل شيئًا منها، فقال ابن حامد: يبني أيضًا (٢). وهو الذي ذكره القاضي في «المجرَّد» و «الجامع الكبير»، لأنَّ الشكَّ لا يزيل حكم النية، كما لو لم يُحدِث عملًا. وذلك لأنَّ كل جزء من أجزاء الصلاة يجب فيه اصطحابُ النية، ومع هذا فلو شكَّ وبقي ساعةً يفكِّر، ثم ذكَر= بنى على صلاته. ولو كان ذلك الجزء في حكم غير المنويِّ لم تصحَّ الصلاة، فكذلك العمل. وحكي عن القاضي أن ذلك يُبطِل (٣)، لأنَّ هذا العمل [ص ٢٣٣] من الصلاة، فإذا خلا عن النية لم تصحَّ. ومتى بطل بعضُها بطل جميعُها. ولأنَّ عليه أن لا يفعل (٤) شيئًا من الصلاة حال الشكِّ، فمتى خالفَ وفعَل لم تصحَّ

стр. 1316

صلاته، وإن كان مصيبًا في الباطن، كما في نظائره. وقال جدِّي أبو البركات: ما فعل مع الشكِّ كما فعل بغير نية، فلا يُعتدُّ به، ويكون زيادةً في الصلاة. فإذا كان مما لا تُبطِل الصلاةَ زيادتُه كالقراءة والتسبيح، فله أن يبني على ما قبله. وإن كان مما يُبطِل (١) الصلاةَ زيادتُه كالركوع والسجود بطلت به (٢). وإذا شكَّ هل أحرم بنفل أو فرض؟ أتمَّها نفلًا إلى أن يذكر أنه نوى الفرض قبل أن يُحدِث عملًا. وإن ذكره بعد عمل أخذ فيه، فعلى الوجهين. وإن شكَّ: هل أحرم بظهر أو عصر؟ فهل هو كما لو شكَّ في أصل النية أو في نية الفرض؟ على الوجهين.

стр. 1317

باب أدب المشي إلى الصلاة مسألة (١): (يستحبُّ المشيُ إلى الصلاة بسكينة ووقار، ويقارب بين خُطاه، ولا يشبِّك أصابعه) . قال أبو عبد الله ﵀ (٢) في رواية مهنَّا: «ويستحَبُّ للرجل إذا أقبل إلى المسجد أن يُقبِل بخوف ووجَل وخشوع وخضوع، وأن تكون عليه السكينة والوقار، ما أدرك صلَّى وما فات قضَى، بذلك جاء الأثر عن النبيِّ ﷺ . يعني (٣): وجاء عنه أنه كان يأمر بإثقال الخُطَى، يعني قُربَ الخُطَى إلى المسجد. ولا بأس إذا طمِع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يُسرِع شيئًا، ما لم يكن عجلةً تقبُح. جاء الحديث عن أصحاب النبي ﷺ : أنهم كانوا يعجِّلون شيئًا إذا تخوَّفوا فوتَ التكبيرة الأولى، وطمِعوا في إدراكها» (٤). وذلك لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الإقامةَ فامشُوا، وعليكم السكينة، ولا تُسرعوا. فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا» (٥) وعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلِّي مع رسول الله ﷺ إذ سمِع

стр. 1318

جَلَبةَ رجال. فلما صلَّى قال: «ما شأنكم؟» قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: «فلا تفعلوا. إذا أتيتم الصلاةَ فعليكم السكينة. فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا» (١) متفق عليهما. فعلى هذا، يُكرَه الإسراعُ الشديد مطلقًا، وإن فاته بعضُ الصلاة، لنهي النبيِّ [ص ٢٣٤] ﷺ عن ذلك. ويكره الإسراع اليسير، إلّا إذا خاف فوتَ تكبيرة الافتتاح، وطمِع في إدراكها، لما ذكره الإمام أحمد عن أصحاب رسول الله ﷺ : أنهم كانوا يعجِّلون شيئًا إذا تخوَّفوا فوتَ التكبيرة، وطمِعوا في إدراكها (٢). وقد روى سعيد في «سننه» (٣) عن رجل من طيِّئ قال: كان عبد الله ينهانا عن السعي إلى الصلاة، فخرجتُ ليلةً، فرأيته يشتدُّ إلى الصلاة، فقلت: يا أبا عبد الرحمن كيف تنهانا عن السعي إلى الصلاة؟ فرأيتك الليلةَ اشتددتَ إليها! قال: إنِّي وأبيك بادرتُ حدَّ الصلاة. يعني: التكبيرة الأولى. وهذا يدل على أنَّ هذا الموضع غيرُ داخل في نهي النبيِّ ﷺ ، لأنَّ أصحابه أعلم بمعنى ما سمعوه منه. فإنَّ ابن مسعود من جملة رواة هذا الحديث عن النبيِّ ﷺ ، وسياقُ الحديث يدل على أنَّ النهي إنما هو لمن فاتته تكبيرة الافتتاح، لأنه في أناس سمع جلَبتَهم وهو في الصلاة، وهذا بعد التحريم (٤). وفي الحديث الآخر: «إذا سمعتم الإقامة فامشُوا إلى الصلاة»

стр. 1319

فغالبُ من يكون بعيدَ الدار عن المسجد إذا أتى حين يسمع الاقامة تفوته التكبيرة. والفرق بين هذا الموضع وغيره: أنه جاء فضل عظيم فيمن يدرك حدَّ الصلاة. وإدراكُ الحدِّ أن يدرك أولها، وهو أن يدرك الصلاة قبل تكبيرة الإمام، ليكون خلف الإمام إذا كبَّر للافتتاح. وهذا القدر لا ينجبر إذا فات لأنه يكون مُدرِكًا للركعة ولو أدرك الإمامَ في الركوع، بخلاف ما إذا فاتته الركعة، فإنه يمكن أن يقضي ما فاته؛ وبخلاف ما إذا فاته حدُّ الصلاة فإنه قد أيس من إدراك الحدِّ. فإذا كان هذا المقصود العظيم الذي لا ينجبر فواته يحصُل بإسراع يسير لم يُكرَه ذلك. فأمَّا الإسراع لإدراك الركعة، فباقٍ على عموم الحديث؛ بل هو المقصود منه لأنَّ الفوات إنما يكون بفوات الركعة، لأنه ﷺ قال لأبي بكرة لمَّا أسرع لإدراك الركوع: «زادك الله حرصًا، ولا تَعُد» (١). وإن خشي فواتَ الجماعة أو الجمعة بالكلِّيّة، فلا ينبغي أن يُكرَه له الإسراع هنا، لأنَّ ذلك لا ينجبر إذا فات. وقد علَّل رسولُ الله ﷺ الأمرَ بالسكينة بقوله (٢): «فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا» (٣). فمن لا يرجو إدراكَ شيء إذا مشى وعليه السكينة، يدخل في هذا الحديث. وقد قيَّده في الحديث الآخر [ص ٢٣٥]: «إذا سمعتم الإقامة» (٤)، فعُلِمَ أنَّ الخطاب لمن

стр. 1320

يأتي الصلاةَ طامعًا في إدراكها. ولا فرق فيما ذكرناه من كراهة الإسراع لمن رجا الإدراك بين الجمعة وغيرها، لعموم الحديث. وقد روى الحسن عن النبيِّ ﷺ قال: «الأناة من الله، والعجلة من الشيطان» (١). وقال ﷺ : «إنَّ فيك لَخَلَّتين يحبُّهما الله: الحلم والأناة» رواه مسلم (٢). وكان قد استأنى في دخوله على النبيِّ ﷺ دون رجال قومه. وأصلُ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال الحسن وغيره: سكينة ووقار (٣). وقال لقمان في وصيته لابنه ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]. ولأنَّ الإسراع الشديد يذهب بالحلم، ويغيِّر العقل والرأي، فكُرِه لما فيه

стр. 1321

من هذه المفاسد وغيرها. ولأنه إذا استأنى، وصلَّى البعضَ في الجماعة والبعضَ منفردًا، كان أصلح وأبلغ في اجتماع همِّه على الصلاة من الإسراع الشديد الذي تتعقبه الصلاة. ولهذا قال ﷺ لأبي بكرة: «زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ» (١) ولهذا أمرَ ﷺ بتقديم العَشاء والخَلاء على الصلاة ليجمع القلب عليها (٢). فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. قلنا: «السعي» في كتاب الله لمعنى الفعل والعمل، دون العَدْو. قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]. وقال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقال تعالى عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢]. وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨]. وقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]. ومنه يقال: السعي على الصدقات، كما يقال: العامل عليها. وقد كان عمر ﵁ يقول: فامضُوا إلى ذكر الله، وذروا البيع (٣). ويقول: لو قرأتُها:

стр. 1322

«فاسعَوا» لسعَيتُ حتى يسقط ردائي (١). فقد اتفقوا على أنه ليس المراد بالعَدْو، ولكن من فهم من «السعي» أنه العَدْو ــ كما في الحديث ــ اختار الحرف الآخر. وأمَّا حرف العامَّة فقد تبيَّن معناه. وإنما استحببنا المقاربة بين الخُطَى لما روى أبو هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: «إذا تطهَّر الرجل ثم خرج إلى المسجد، لا يُخرجه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوةً إلا رُفِعت له بها درجة، وحُطَّت عنه بها خطيئة» متفق عليه (٢). وعن عقبة بن عامر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال [ص ٢٣٦]: «إذا تطهَّر الرجلُ ثم أتى المسجدَ يرعى الصلاةَ كَتَب له كاتباه بكلِّ خطوة يخطوها إلى المسجد عشرَ حسنات. والقاعد يرعَى الصلاةَ كالقانت، ويُكتَب من المصلِّين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه» رواه أحمد (٣). وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: أقيمت الصلاة، فخرج رسول الله ﷺ

стр. 1323

يمشي، وأنا معه، فقارَب الخُطَى، ثم قال: «تدري لِمَ فعلتُ هذا؟ لِتكثُر خطاي في طلب الصلاة» رواه عبد بن حميد (١). وأما التشبيك بين الأصابع، فيُكَره من حين يخرج. وهو في المسجد أشدُّ كراهةً، وفي الصلاة أشدُّ وأشدُّ، لما روى كعب بن عُجْرة ﵁ قال سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا توضأ أحدكم، ثم خرَج عامدًا إلى الصلاة، فلا يشبِّكَنَّ بين يديه، فإنه في صلاة» رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٢). وعنه: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يشبك أصابَعه في الصلاة، ففرَّج رسول الله ﷺ بين أصابعه. رواه ابن ماجه (٣).

стр. 1324

وعن أبي سعيد ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبِّكَنَّ، فإنَّ التشبيك من الشيطان. وإن أحدكم لا يزال في الصلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه» رواه احمد (١). قال أبو عبد الله في «رسالته» (٢): «واعلموا أنَّ العبد إذا خرج من منزله يريد المسجد [إنما] (٣) يأتي الله الجبَّارَ الواحدَ القهَّارَ العزيزَ الغفَّارَ، وإن كان لا يغيب عن الله تعالى حيث كان، ولا يعزُب عنه مثقالُ حبَّة من خردل، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، في الأرضين السبع، ولا في السماوات السبع، ولا في البحار السبعة، ولا في الجبال الصُّمِّ الصِّلاب الشوامخ البواذخ. وإنما يأتي بيتًا من بيوت الله، يريد الله، ويتوجَّه (٤) إلى الله وإلى بيت من البيوت التي ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]، فإذا خرج من

стр. 1325

منزله فَلْيُحدِثْ لنفسه تفكُّرًا وأدبًا غيرَ ما كان عليه، وغيرَ ما كان فيه قبلَ ذلك، من حالات الدنيا وأشغالها. وَلْيَخرُج بسكينة ووقار، فإنَّ النبيَّ ﷺ بذلك أمر (١). وَلْيخرُج برغبة ورهبة، وبخوف ووجَل وخضوع وذُلٍّ وتواضع لله ، فإنه كلَّما تواضَع لله وخشَع وذَّل لله كان أزكى لصلاته، وأحرى لقبولها، وأشرفَ للعبد، وأقربَ له من الربِّ. وإذا تكبَّر قصَمه الله، وردَّ عمله، وليس يقبل [ص ٢٣٧] من المتكبِّر عملًا. جاء الحديث عن إبراهيم ﵇ خليل الله أنه أحيا ليلةً، فلمَّا أصبح أُعجِبَ بقيام ليلته، فقال: نعمَ الرَّبُّ رَبُّ إبراهيم، ونعم العبد إبراهيمُ! فلما كان غداؤه لم يجِد أحدًا يأكل معه. فنزل ملَكان من السماء، فأقبلا نحوه، فدعاهما إبراهيم إلى الغداء، فأجاباه. فقال لهما: تقدَّما بنا إلى هذه الروضة، فإنَّ فيها عينًا، وفيها ماء، فنتغدَّى عندها. فتقدَّموا إلى الرَّوضة، فإذا العين قد غارت، فليس فيها ماء. فاشتدَّ ذلك على إبراهيم، واستحيا مما قال، إذ رأى غيرَ ما قال. فقالا له: يا إبراهيم ادعُ ربَّك. واسأله أن يعيد الماءَ في العين. فدعا اللهَ ، فلم ير شيئًا فاشتدَّ ذلك عليه، فقال لهما: ادعُوَا الله. فدعا أحدُهما، فرجع و [إذا] (٢) هو بالماء في العين. ثم دعا الآخر، فأقبلت العين. فأخبراه أنهما ملكان، وأنَّ إعجابه بقيام ليلةٍ رَدَّ دعاءَه عليه، ولم يُستجَب له».

стр. 1326

مسألة (١): (ثم يقول: بسم الله ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٩]. ويقول (٢): اللهم إني أسألك بحقِّ السائلين عليك، إلى آخره) . ويستحَبُّ لكلِّ من خرج من بيته إلى الصلاة وغيرها أن يقول ما روى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال إذا خرج من بيته: بسم الله، توكَّلتُ على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله= قيل له: هُدِيتَ، وكُفِيتَ، ووُقِيتَ. وتنحَّى عنه الشيطان. فيلقاه شيطان آخر، فيقول: مالكَ برجلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ!» رواه وقال (٣) الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٤). وعن أم سلمة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: «بسم الله،

стр. 1327

توكَّلتُ على الله. اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من أن نزلَّ، أو نضِلَّ، أو نظلِمَ، أو نُظْلَمَ، أو نجهَلَ أو يُجهَلَ علينا». هذا لفظ الترمذي (١)، وقال: حديث حسن صحيح. وأما الخارج إلى الصلاة خصوصًا، فقد روي أنه يقول بسم الله ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. والدعاء الآخر رواه فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة وقال: اللَّهمَّ إنِّي أسألك بحقِّ السائلين عليك، وبحقِّ مَمْشايَ هذا. فإنِّي لم أخرُج أشرًا ولا بطرًا، ولا رياءً ولا سمعةً. خرجتُ اتِّقاءَ سَخَطِك، وابتغاءَ مرضاتِك. أسألك أن تُنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي. إنَّه لا يغفر الذنوبَ إلا أنتَ» رواه أحمد وابن ماجه والطبراني (٢).

стр. 1328

مسألة: (فإن سمع الإقامةَ لم يَسْعَ إليها) . قد تقدَّمت هذه المسألة (١). مسألة (٢): (إذا أقيمت الصلاةُ فلا صلاةَ [ص ٢٣٨] إلا المكتوبة). وجملة ذلك أنه إذا شرع المؤذِّنُ في الإقامة فلا يشتغِلْ عن المكتوبة بتطوُّعٍ، سواء خشي أن تفوته مع الإمام الركعة أو لم يخشَ، وسواء كان التطوع سنة راتبة أو غير راتبة، وسواء في ذلك ركعتا الفجر وغيرهما، وسواء كان يريد أن يصلِّي التطوع في بيته أو في المسجد؛ إلَّا أن يكون يريد أن يصلِّي في مسجد آخر أو جماعة أخرى حيث يُشرَع ذلك. وصرَّح بعض أصحابنا بأنَّ ذلك لا يجوز. فإن خالف وصلَّى ففي انعقاد صلاته وجهان. وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبة» رواه الجماعة إلا البخاري (٣). وفي رواية لأحمد (٤): «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت». وعن عبد الله بن بُحَينة أنَّ الرسول ﷺ رأى رجلًا ــ وقد أقيمت الصلاةُ ــ يصلِّي ركعتين. فلما انصرف رسولُ الله ﷺ لاث به الناس. فقال له

стр. 1329

رسول الله ﷺ : «آلصبحَ أربعًا! آلصبحَ أربعًا!» متفق عليه (١). وعن عبد الله بن سَرْجِس قال: دخل رجلٌ ــ والنبيُّ ﷺ في صلاة الغداة ــ فصلَّى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع النبيِّ ﷺ . فلمَّا سلَّم النبيُّ ﷺ قال: «يا فلان، بأيِّ (٢) الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أو صلاتك معنا؟» رواه مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: أقيمت صلاة الصبح، فقام رجلٌ يصلِّي الركعتين. فجذَب النبيُّ ﷺ بثوبه وقال: «أتصلِّي الصبح أربعًا!» رواه أحمد (٤). وذلك لأنَّ المؤذِّن إذا أخذ في الإقامة فقد وجب الدخول في الصلاة معه، ولأنَّ الجماعة واجبة، فلا يجوز أن يشتغل عن ذلك بما هو دونه، لأنَّه مِن أخْذِه (٥) في الإقامة تعيَّن وقتُ فعلِ الصلاة، لأنَّ الوقتَ الذي تُفعَل فيه الصلاة من وقتها المحدود شرعًا الذي أجيزت فيه الصلاة، ليس هو موقَّتًا من جهة الشارع، وإنما هو مفوَّض إلى الإمام. فهو الذي يعيِّن الوقت الذي يصلِّي فيه الناسُ بتعيينه، وتتقدَّر (٦) صلاة المأمومين بتقديره، ولهذا كان

стр. 1330

الإمام أملك بالإقامة. فإذا أقيمت الصلاة فقد دخل الوقت الذي عيَّنه الإمام، وهو وقت مضيَّق، لأنه حينَ فعلِ الصلاة لا يمكن الاشتغال بعبادة أخرى. فأيُّما صلاةٍ صُلِّيت بعد الإقامة كانت كأنها هي الصلاة المأمور بها المشروعة حينئذ، لأنَّ ذلك الوقت لا يتسعُ لغير ما أُمِرَ به. فمن صلَّى بعد ذلك غيرَ المكتوبة، فكأنه زاد في المكتوبة، أو صلَّاها مرَّتين. ولهذا ــ والله أعلم ــ أشار صلى الله [ص ٢٣٩] عليه وسلم بقوله: «آلصبحَ أربعًا؟» وبقوله: «بأيِّ صلاةٍ اعتددتَ؟ بصلاتك وحدك، أو بصلاتك معنا؟»، إذ لا صلاة بعد الإقامة إلا ما دعي إليه بالإقامة. وأيضًا فإنَّ السنن يمكن أن تفعل بعد الفريضة قضاءً؛ وما يفوته من إدراك حدِّ الصلاة، وما يفوته من الصلاة خلف الإمام ولو بعد ركعة جماعة، لا يُستدرَك بالقضاء. فكانت المحافظة على ما لا يُستدرَك أولى من المحافظة على ما يمكن استدراكه. ولأنَّ ما يدركه من تكبيرة الافتتاح والتأمين والركوع أفضل من جميع التطوعات، لما ورد في فضل من أدرك حدَّ الصلاة، ومن أدرك التأمين مع الإمام. ولأنَّ الاشتغال بإجابة المؤذن أولى من الاشتغال بالنافلة على ما تقدَّم، لكون ذلك وقت الإجابة. فلأن يكون الاشتغالُ بما دعي إليه أولى من النافلة بطريق الأَولى. فان كان قد شرَع في النافلة، وأقيمت الصلاة، أتمَّها إن رجا إتمامَها وإدراكَ الجماعة. وإن خشي إذا أتمَّها أن تفوته الجماعة قطعها في إحدى الروايتين، لأنَّ الفرائض أهمُّ؛ فإنَّ الجماعة واجبة، وإتمام النافلة ليس

стр. 1331

واجبًا في المشهور. وفي الأخرى: يتمُّها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. لكن إن علِم أنَّ الصلاة تقام قريبًا، فهل ينبغي أن يشرع في نافلة؟ ينبغي أن يقال: إنه لا يستحبُّ أن يشرع في نافلة يغلب على ظنِّه أنَّ حدَّ الصلاة يفوته بسببها، بل يكون تركها لإدراك أول الصلاة مع الإمام وإجابة المؤذن هو المشروع، لما تقدَّم من أنَّ رعاية جانب المكتوبة بحدودها أولى من سنّة يمكن قضاؤها أو لا يمكن. مسألة (١): (وإذا أتى المسجدَ قدَّم رجله اليمنى في الدخول، وقال: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله . اللهم اغفر لي [ذنوبي] (٢) وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قدَّم رجله اليسرى، وقال ذلك، إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك). أمَّا تقديم اليمنى، فلما ذكره البخاري (٣) عن ابن عمر أنه كان يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى. ولأنَّ ما اشتركت فيه [اليدان] (٤) أو الرجلان وكان من باب الكرامة قُدِّمت فيه اليمنى، وإن كان خلاف ذلك قُدِّمت فيه اليسرى. ولهذا يقدَّم في الانتعال اليمنى، وفي الخلع اليسرى، كما جاء في

стр. 1332

الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (١). ويقدِّم في دخول الخلاء اليسرى دخولًا، واليمنى خروجًا، كما تقدَّم. فإن كان خلَع نعله على باب المسجد بحيث يخلع النعل ويُدخل قدمه، فينبغي أن يقال هنا: إنه يخلع اليسرى ويضعها على النعل [ص ٢٤٠] ثم يخلع اليمنى ويضعها على النعل كذلك، ثم يُدخِل اليمنى، ثم يُدخِل اليسرى، ليكون مؤخِّرًا لليمنى في الخلع، مقدِّمًا لها في الدخول. وأما الذكر، فلما روت فاطمة بنت الحسين عن جدَّتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: «بسم الله، والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرج قال: «بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (٢) وقال فيه: «صلَّى على محمَّدٍ وسلَّم» بدل قوله: «بسم الله، والسلام على رسول الله» وقال: حديث حسن، وليس إسناده بمتصل. وفاطمة بنت الحسين لم تدرك

стр. 1333

فاطمةَ الكبرى، إنما عاشت فاطمة بعد النبي ﷺ أشهرًا. وقد روي هذا الحديث من وجوه متعددة بهذا الإسناد، واتفقت جميعها على أنه كان يقول إذا دخل: «اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرج يقول مثل ذلك إلا أنه يقول: «أبواب فضلك» رواه أحمد والنسائي (١). ورواه مسلم وأبو داود وقالا: عن ابن حميد أو أبي أسيد (٢). ورواه ابن ماجه وقال: عن أبي حميد (٣). ورواه الطبراني وقال في أوله: فليسلِّمْ على النبيِّ ﷺ . وقال في آخره: «وافتح لي أبواب فضلك» (٤). وقد روى عبد الرزاق في «تفسيره» (٥) بإسناد صحيح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، قال: إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فصل ولا يجلس إذا دخل المسجد حتى يصلِّي ركعتين، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلِسْ حتَّى

стр. 1334

يركع ركعتين» رواه الجماعة إلا النسائي (١). فصل ويستحَبُّ إذا جلس لانتظار الصلاة أن يجلس مستقبلَ القبلةِ، لأنَّ خير المجالس ما استُقبِل به القبلة, ولأنَّ العبد في صلاةٍ ما دام ينتظر الصلاة (٢)، ومن سنَّة المصلِّي أن يكون مستقبلَ القبلة. قال القاضي: ويكره الاستناد إلى القبلة، وقد نصَّ أحمد على أنه مكروه قبل صلاة الغداة. قال أحمد بن أصرَم (٣): رأيت أبا عبد الله دخل المسجد لصلاة الصبح، فإذا رجلٌ مسنِد (٤) ظهره إلى القبلة، ووجهه إلى غير القبلة قبل صلاة الغداة، فأمره أن يتحول إلى القبلة. [ص ٢٤١] وقال: هذا مكروه (٥).

стр. 1335

وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه رأى رجالًا قد أسندوا ظهورَهم بين أذان الفجر والإقامة إلى القبلة، فقال عبد الله: لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتهم (١). وفي لفظ: تحوَّلوا عن القبلة، لا تحولوا بين الملائكة وبينها، فإنَّ هذه (٢) الركعتين تطوع (٣). وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يتساندوا إلى القبلة قبل صلاة الفجر. رواهن النجَّاد (٤). وعن عمر بن عبد العزيز ﵀: نهى أن تستدبر القبلة في مواقيت الصلاة. رواه أبو حفص (٥). ولأنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن التشبيك في المسجد، وعلَّله بأنَّ العبد في صلاةٍ ما دام ينتظر الصلاة، فكُرِه لمن ينتظر الصلاة ما يُكرَه للمصلِّي، إلا ما تدعو إليه الحاجة. ولأنه في مواقيت الصلاة يدخل (٦) الناس إلى المسجد، ففي استدبار القبلة استقبال للمصلِّي من الملائكة (٧)، وذلك مكروه كراهية شديدة وإلى هذا المعنى أومأ عبد الله بن مسعود.
следующие страницы →