واجبًا في المشهور. وفي الأخرى: يتمُّها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
لكن إن علِم أنَّ الصلاة تقام قريبًا، فهل ينبغي أن يشرع في نافلة؟ ينبغي أن يقال: إنه لا يستحبُّ أن يشرع في نافلة يغلب على ظنِّه أنَّ حدَّ الصلاة يفوته بسببها، بل يكون تركها لإدراك أول الصلاة مع الإمام وإجابة المؤذن هو المشروع، لما تقدَّم من أنَّ رعاية جانب المكتوبة بحدودها أولى من سنّة يمكن قضاؤها أو لا يمكن.
مسألة (١): (وإذا أتى المسجدَ قدَّم رجله اليمنى في الدخول، وقال: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله . اللهم اغفر لي [ذنوبي] (٢) وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قدَّم رجله اليسرى، وقال ذلك، إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك).
أمَّا تقديم اليمنى، فلما ذكره البخاري (٣) عن ابن عمر أنه كان يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى. ولأنَّ ما اشتركت فيه [اليدان] (٤) أو الرجلان وكان من باب الكرامة قُدِّمت فيه اليمنى، وإن كان خلاف ذلك قُدِّمت فيه اليسرى.
ولهذا يقدَّم في الانتعال اليمنى، وفي الخلع اليسرى، كما جاء في
стр. 1332
الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (١). ويقدِّم في دخول الخلاء اليسرى دخولًا، واليمنى خروجًا، كما تقدَّم.
فإن كان خلَع نعله على باب المسجد بحيث يخلع النعل ويُدخل قدمه، فينبغي أن يقال هنا: إنه يخلع اليسرى ويضعها على النعل [ص ٢٤٠] ثم يخلع اليمنى ويضعها على النعل كذلك، ثم يُدخِل اليمنى، ثم يُدخِل اليسرى، ليكون مؤخِّرًا لليمنى في الخلع، مقدِّمًا لها في الدخول.
وأما الذكر، فلما روت فاطمة بنت الحسين عن جدَّتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: «بسم الله، والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرج قال: «بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (٢) وقال فيه: «صلَّى على محمَّدٍ وسلَّم» بدل قوله: «بسم الله، والسلام على رسول الله» وقال: حديث حسن، وليس إسناده بمتصل. وفاطمة بنت الحسين لم تدرك
стр. 1333
فاطمةَ الكبرى، إنما عاشت فاطمة بعد النبي ﷺ أشهرًا.
وقد روي هذا الحديث من وجوه متعددة بهذا الإسناد، واتفقت جميعها على أنه كان يقول إذا دخل: «اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرج يقول مثل ذلك إلا أنه يقول: «أبواب فضلك» رواه أحمد والنسائي (١). ورواه مسلم وأبو داود وقالا: عن ابن حميد أو أبي أسيد (٢). ورواه ابن ماجه وقال: عن أبي حميد (٣). ورواه الطبراني وقال في أوله: فليسلِّمْ على النبيِّ ﷺ . وقال في آخره: «وافتح لي أبواب فضلك» (٤).
وقد روى عبد الرزاق في «تفسيره» (٥) بإسناد صحيح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، قال: إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
فصل
ولا يجلس إذا دخل المسجد حتى يصلِّي ركعتين، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلِسْ حتَّى
стр. 1334
يركع ركعتين» رواه الجماعة إلا النسائي (١).
فصل
ويستحَبُّ إذا جلس لانتظار الصلاة أن يجلس مستقبلَ القبلةِ، لأنَّ خير المجالس ما استُقبِل به القبلة, ولأنَّ العبد في صلاةٍ ما دام ينتظر الصلاة (٢)، ومن سنَّة المصلِّي أن يكون مستقبلَ القبلة.
قال القاضي: ويكره الاستناد إلى القبلة، وقد نصَّ أحمد على أنه مكروه قبل صلاة الغداة. قال أحمد بن أصرَم (٣): رأيت أبا عبد الله دخل المسجد لصلاة الصبح، فإذا رجلٌ مسنِد (٤) ظهره إلى القبلة، ووجهه إلى غير القبلة قبل صلاة الغداة، فأمره أن يتحول إلى القبلة. [ص ٢٤١] وقال: هذا مكروه (٥).
стр. 1335
وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه رأى رجالًا قد أسندوا ظهورَهم بين أذان الفجر والإقامة إلى القبلة، فقال عبد الله: لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتهم (١). وفي لفظ: تحوَّلوا عن القبلة، لا تحولوا بين الملائكة وبينها، فإنَّ هذه (٢) الركعتين تطوع (٣). وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يتساندوا إلى القبلة قبل صلاة الفجر. رواهن النجَّاد (٤).
وعن عمر بن عبد العزيز ﵀: نهى أن تستدبر القبلة في مواقيت الصلاة. رواه أبو حفص (٥).
ولأنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن التشبيك في المسجد، وعلَّله بأنَّ العبد في صلاةٍ ما دام ينتظر الصلاة، فكُرِه لمن ينتظر الصلاة ما يُكرَه للمصلِّي، إلا ما تدعو إليه الحاجة.
ولأنه في مواقيت الصلاة يدخل (٦) الناس إلى المسجد، ففي استدبار القبلة استقبال للمصلِّي من الملائكة (٧)، وذلك مكروه كراهية شديدة وإلى هذا المعنى أومأ عبد الله بن مسعود.
стр. 1336
ويستحَبُّ أن يتقدَّم في أوقات الصلوات إلى مقدَّم المسجد، لأنَّ السنَّة أن يكمل الصف الأول فالأول. ولا بأس في ذلك في كلِّ وقت.
فأمَّا وقت السحر فقد روي عن أبي النعمان قال: حججتُ في خلافة عمر ﵁، فقدمتُ المدينة، فدخلتُ مسجدَ النبيِّ ﷺ ، فتقدَّمتُ إلى مقدَّم المسجد أصلِّي، إذ دخل عمر ﵁، فرآني، فأخذ برأسي، وجعل يضرب به الحائط، ويقول: ألم أنهكم أن تقدَّموا في مقدَّم المسجد بالسحر؟ إنَّ له عوامر (١).
وعن عبد الله بن عامر (٢) قال: دخل حابس بن سعد الطائي المسجدَ من السحر، وكانت له صحبة، فإذا أناسٌ في صدر المسجد يصلُّون، فقال: أرعِبُوهم، فمن أرعبَهم فقد أطاع الله ورسوله (٣). قال جرير بن عثمان: كنَّا نسمع أنَّ الملائكة تكون قبل الصبح في الصف الأول. رواهما جعفر الفريابي (٤).
قال القاضي: وهذا يدل على كراهة التقدُّم في صدر المسجد وقت السحر (٥).
стр. 1337
باب صفة الصلاة (١)
الأصل في صفة الصلاة: صلاة رسول الله ﷺ ، وقوله في صفة الصلاة, وإقراره على صفة الصلاة, وما يستدل به على ذلك؛ لأنَّ الله سبحانه أمر بالصلاة في كتابه, وفرضها على سبيل الإجمال, وفوَّض إلى نبيِّه محمد ﷺ تفسير ما أجمله, وبيان [ص ٢٤٢] ما أطلقه. وقد كان جبريل أقام الصلاة للنبيِّ ﷺ صبيحة ليلة أسري به, والناس يأتمُّون برسول الله ﷺ . وصلَّى رسول الله ﷺ امتثالًا لأمر الله, وتأويلًا لكتاب الله, فسنَّتُه هي التي فسَّرت القرآن وبيَّنته، ودلَّت على معناه وعبَّرت عنه. والفعل إذا خرج منه امتثالًا لأمر, وبيانًا لمجمل, كان حكمه حكم ذلك الأمر وذلك المبيَّن. فتكون الصلاة التي صلَّاها هي الصلاة التي كتبها الله على المؤمنين وأمرهم بها في كتابه.
وقال ﷺ لمالك بن الحويرث ومن معه حين بعثهم (٢) إلى قومهم: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، رواه أحمد والبخاري (٣).
وعن سهل بن سعد أنَّ نفرًا جاؤوا إلى سهل بن سعد قد تمارَوا في المنبر، من أي عود هو؟ فقال: أمَا والله إنِّي لأعلم من أي عود هو, ومَن عَمِله. ورأيتُ رسول الله ﷺ قام عليه، فكبَّر، وكبَّر الناس وراءه وهو على المنبر, ثم رفَع، فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر. ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته. ثم أقبل على الناس، فقال: «يا أيها الناس إنما صنعتُ هذا
стр. 1338
لتأتمُّوا بي, ولتعلَّموا صلاتي» متفق عليه (١).
وهذا دليل على الائتمام به في صفة الصلاة, ويعلموا (٢) صفة صلاة رسول الله ﷺ ليُعمَل مثله.
وكان يقول: «لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنُّهى, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم» (٣). يريد بذلك أن يحفظوا صلاته, ويعقلوها.
وهذه الأقوال نصوص منه في أنَّ الأمَّة مأمورة أن تصلِّي كصلاته, على أنَّ القاعدة الكلِّية أنَّ أمته أسوته في الأحكام, ما لم يقم دليل التخصيص. وقد أجمعت الأمة على الرجوع في صفة الصلاة إلى فعله, إما وجوبًا أو استحبابًا, وأنَّ هذا من الأفعال التي يشترك فيها هو وأمته.
وقد جاءت الأحاديث بصفة صلاته من وجوه كثيرة, يأتي ما يُحتاج إليه منها في أثناء الباب.
مسألة (٤): (وإذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، يجهَر بها الإمام وسائرِ التكبير, لِيُسْمِعَ مَن خلفه, ويُخفيه غيرُه) .
أما القيام في الصلاة وافتتاحها بالتكبير، فمن العلم العامِّ الذي تناقلته الأمة خلفًا عن سلف, وتوارثوه عن نبيهم ﷺ .
стр. 1339
وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (١) [الزمر: ٩]. وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ [ص ٢٤٣] فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الآيات [المزمل: ١ - ٢]. وقال سبحانه: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. وقال: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٢) [المدثر: ٣].
وقد روى عنه من حديث الخاصَّة أنه كان يفتتح صلاته بالتكبير: عليُّ بن أبي طالب, وعبد الله بن عمر, ووائل بن حُجْر, ومالك بن الحويرث, وأبو هريرة, وعائشة وغيرهم, وكلُّ هذه الأحاديث في الصحيح.
وفي حديث أبي حُميد الساعدي عن النبي ﷺ : كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه وقال: الله أكبر. رواه الترمذي وابن ماجه (٣).
وقال ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور, وتحريمها التكبير» (٤)، وقال للمسيء
стр. 1340
في صلاته: «إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر» (١)، وقال: «إذا كبَّر الإمام فكبِّروا» (٢). وستأتي هذه الأحاديث في غيرها، على أنَّ النقل بذلك شاع شِياعًا لا يفتقر معه إلى نقل الخاصَّة.
فصل
وأمَّا أنَّ الإمام يجهر بتكبير الافتتاح وسائر التكبير وبالتسميع وبالسلام, في جميع الصلوات, كما يجهر بالقراءة في صلاة الجهر؛ فلِيسمعَه المأمومون، فيكبِّرون بعد تكبيره, ويحمدون بعد تسميعه, ويسلِّمون بعد تسليمه, وليبلغ صوته لمن لا يراه من المأمومين، فيعلَمون بانتقالاته، فيتابعونه. ولهذا أخبر (٣) الذين وصفوا صلاة رسول الله ﷺ أنه كان يكبِّر ويسمِّع ويسلِّم, ولولا أنهم سمعوا ذلك لما علموا. ألا ترى أنهم إنما علموا
стр. 1341
قراءته في السِّرِّ (١) بتحريك لحيته ﷺ ؟ وقد قال أبو هريرة: يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة؟ (٢) ولم يسمع دعاء الافتتاح. وذلك بيِّن في أنه كان يجهر بالتكبير وبالقراءة, ويُسِرُّ دعاء الافتتاح.
وقد جاء ذلك مصرَّحًا به, فروى سعيد بن الحارث قال: صلَّى لنا (٣) أبو سعيد, فجهر بالتكبير حين افتتح, وحين ركع, وبعد أن قال: سمع الله لمن حمده, وحين رفع رأسه من السجود, وحين سجد, وحين رفع, وحين قام من الركعتين, حتى قضى صلاته على ذلك. فلما انصرف قيل له: قد اختلفت الناس على صلاتك, فخرج حتى قام عند المنبر، فقال: أيها الناس, إنِّي والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أو (٤) لم تختلف. إنِّي رأيتُ رسول الله ﷺ هكذا يصلِّي (٥). وسنذكر إن شاء الله الأحاديث التي فيها أنه ﷺ كان يكبِّر هكذا.
ثم إن بعض الأمراء ترك الجهر بسائر التكبير, فصار بعض الناس يجهل السنَّة في جهر الإمام بالتكبير, حتى اختلفوا [ص ٢٤٤] على أبي سعيد.
ولهذا لما صلَّى عمران خلف عليٍّ، وجهَر عليٌّ بالتكبير, قال: قد
стр. 1342
أذكرني هذا صلاة رسول الله ﷺ (١). وكذلك صلاة عكرمة خلف شيخٍ كبَّر (٢) ثنتين وعشرين تكبيرة (٣). وعامة هذه الأحاديث إنما معناها الجهر, وهو الذي كان قد تركه بعض الأمراء, كما سيأتي ــ إن شاء الله ــ بيانه.
وقد روي عن عمر ﵁ أنه كان يؤمُّ الناس بالتكبير: يرفع (٤) صوته بالتكبير (٥). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: إنَّ لكلِّ شيء شعارًا, وإنَّ شعارَ الصلاة التكبير. رواه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب «الصلاة» (٦). وشعار الشيء: ما يشعر به, وهذا إنما يكون فيما يظهر ويجهر به.
فأما المأموم، فالسنَّة في حقِّه أن يخفي التكبير وسائر أنواع الذكر إلا التأمين والبسملة، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ لأنه إنما يصلي لنفسه, فلا يحتاج إلى إسماع (٧) غيره, وأفضل الذكر: الخفي. بل يُكرَه له الجهر بذلك, كما يُكرَه له الجهر بالقراءة؛ لأنه يغلط غيره من المصلين, إلا أن يجهر بالكلمات أحيانًا, كما جهر المستفتح بقوله: «الله أكبر كبيرًا» (٨)، وكما جهر العاطس بقوله: «ربنا ولك الحمد» الحديث (٩) , وسيأتي إن شاء الله
стр. 1343
ذكر ذلك؛ كما أنَّ النبيَّ ﷺ قد كان يجهر بالآية أحيانًا في صلاة السر (١).
ولا فرق في ذلك بين المؤذِّن وغيره, وبين من يقصد من المأمومين تبليغ غيره بصوته أو لا يقصد, فإنَّ التبليغ على الإمام, ولهذا استحببنا له رفع الصوت, وليس على المأموم تبليغ. والأحاديث تدلُّ على أن النبي ﷺ كان هو الذي يبلِّغ المأمومين التكبير, ولم يكن خلفه أحد يبلِّغهم؛ فإنَّ مثل هذا لو كان لَنُقِل. ولما أراد الصحابة أن ينقلوا الجهر بالتكبير أخبروا أنَّ النبيَّ ﷺ كان يجهر. ولو كان خلفه مؤذِّن أو غيره يجهر بذلك لنقلوا ذلك, واستدلُّوا به على ذلك. ولم ينقلوا ذلك إلا في مرض موته ﷺ .
فإذا كان صوت الإمام لا يبلغ جميعَ المصلِّين، إما لضعفه عن الجهر المبلِّغ (٢) بمرض أو كبر, أو لكثرة الجمع وتباعد أقطار المصلين, فيُستحب أن يجهر بعض المأمومين بالتكبير والتحميد والتسليم قدر ما يسمعه سائرهم؛ لما روى جابر بن عبد الله ﵁ قال: اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلَّينا وراءه وهو قاعد, وأبو بكر يُسمِع الناس تكبيره. وفي لفظ [ص ٢٤٥]: صلَّى بنا رسول الله ﷺ وأبو بكر خلفه, فإذا كبَّر رسول الله ﷺ ,كبَّر أبو بكر، فيسمعنا. رواهما مسلم والنسائي (٣).
وينبغي أن يبيِّن التكبيرَ ويجزمَه, ولا يطوِّله, ولا يمدَّ في غير موضع المدِّ. قال أبو عبد الله: ربما طوَّل الإمام في التكبير إذا لم يكن له فقه, والذي
стр. 1344
يكبِّر معه ربما جزم التكبير, ففرغ من التكبير قبل أن يفرغ الإمام، فقد صار هذا مكبِّرًا قبل الإمام. ومن كبَّر قبل الإمام فليست له صلاة، لأنه دخل في الصلاة قبل الإمام، وكبَّر قبل الإمام، فلا صلاة له.
قال بعض أصحابنا: إن مدَّ في غير موضع المدِّ, مثل أن يمدَّ بعض الهمزة من اسم الله، فتصير همزة استفهام, أو يزيد ألفًا بعد الباء من «أكبر» , فتصير جمع «كَبَر»، وهو الطبل، فارسي معرب (١) = لم تجزئه (٢)، لأن المعنى يتغير به.
فصل
ويستحب أن يقوم الإمام والمأموم إلى الصلاة إذا قال المؤذِّن: قد قامت الصلاة، لما روي عن الحجَّاج بن فرُّوخ الواسطي عن العوَّام ابن حَوشَب عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ , قال: كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة, نهض رسول الله ﷺ . رواه حرب وأبو يعلى الموصلي وأبو حفص العكبري وغيرهم (٣). وهو محفوظ عن الحجَّاج, وقد قيل: إنه لا يروى إلا
стр. 1345
عنه. وهو وإن كان فيه لين، فليس في الباب حديث يخالفه, وقد اعتضد بعمل الصحابة.
قال ابن المنذر (١) وغيره: كان أنس بن مالك إذا قيل: قد قامت الصلاة، نهض وقام. وعن الحسين بن علي ﵄ أنه كان يفعل ذلك. رواه النجاد وغيره (٢).
ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك, وهذا يتعين اتباعه, لا سيما إذا كان الكلام في الاستحباب, ولم يوجد ما يعتمد عليه سوى ذلك.
ولأنَّ قوله: «حي على الصلاة حي على الفلاح» دعاء إلى الصلاة, لكن هو مشترك بين الأذان والإقامة. فإذا قيل: «قد قامت الصلاة» تمَّ الدعاء إلى الصلاة, فينبغي أن تكون الإجابة عقبه.
ولأنَّ قوله: «قد قامت الصلاة» فيه معنى الأمر بإقامتها, فاستُحِبَّ أن يكون القيام إلى الصلاة عقبه امتثالًا للأمر. وهو أيضًا إخبار عن قرب قيامها, فإذا كان القيام عقبه كان أتمَّ في القرب, ولأن قيامه قبل ذلك لا حاجة إليه, وتأخيره القيامَ عن ذلك يقتضي تأخير التحريم والتسوية.
فأما إذا عرضت له حاجة، فلا بأس [ص ٢٤٦] أن يتأخر القيام إلى الصلاة
стр. 1346
عن الإقامة، لما روى أنس قال: أقيمت الصلاة والنبيُّ ﷺ يناجي رجلًا في جانب المسجد, فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم (١). وسيأتي قوله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (٢).
فأما التكبير، فيستحب أن يكون بعد فراغ الإقامة. إن كانت الصفوف مستويةً كبَّر عقبها, وإن لم يكن مستوية سوَّاها، ثم كبَّر؛ لأنّا قد قدَّمنا عن النبي ﷺ أنه كان يقول كما يقول المؤذن في الإقامة (٣). وصحّ من غير وجه أنه كان يعدِّل الصفوف بعد القيام إلى الصلاة. وقد جاء مفسَّرًا أنه يفعل ذلك بعد الإقامة, فروى البخاري (٤) عن أنس ﵁ قال: أقيمت الصلاة, فأقبل النبي ﷺ علينا بوجهه, فقال: «أقيموا صفوفكم». وفي رواية: أنَّ (٥) رسول الله ﷺ ، بعد أن أقيمت الصلاة قبل أن يكبِّر، أقبل بوجهه على أصحابه (٦).
وقال إسحاق بن راهويه: سنَّ رسول الله ﷺ أن يكبِّر بعد فراغ المؤذِّن من الإقامة كلِّها. قال: وأخذ بذلك بعده عمر بن الخطاب ﵁.
وقد روى أبو موسى عن النبي ﷺ قال: «إذا أقمتم الصلاة فليؤمَّكم أحدكم، وإذا قرأ الإمام فأنصتوا» رواه أحمد (٧).
стр. 1347
ثم إذا كان الإمام حاضرًا بحيث يرونه, قاموا عند كلمة الإقامة, قام الإمام أو لم يقم. وإن علموا بقربه من المسجد أو خارج المسجد ولم يروه, فهل يقومون؟ على روايتين:
إحداهما: يقومون، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: أقيمت الصلاة، وعُدِّلت الصفوف قيامًا قبل أن يخرج إلينا النبيُّ ﷺ . فخرج إلينا، فلمَّا قام في مصلَّاه ذكر أنه جنب, فقال لنا: «مكانكم»، فمكثنا على هيئتنا ــ يعني قيامًا. ثم رجع، فاغتسل. ثم خرج إلينا، فكبر، فصلَّينا معه. متفق عليه (١).
ولمسلم (٢) عن أبي هريرة قال: إن كانت الصلاة لتقام لرسول الله ﷺ , فيأخذ الناس مصافَّهم (٣) قبل أن يأخذ النبيُّ ﷺ مقامه.
والرواية الثانية: لا يقومون حتى يروه، لما روى أبو قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» رواه الجماعة (٤) إلا
стр. 1348
ابن ماجه بهذا اللفظ، إلا البخاري لم يذكر قوله: «خرجت» (١). وهذا يدل على نسخ ما كانوا يفعلونه قبل ذلك.
وقد روي عن أبي خالد الوالبي قال: خرج إلينا علي بن أبي طالب ﵁ ونحن (٢) قيام, فقال: ما لي أراكم [ص ٢٤٧] سامدين؟ (٣) يعني: قيامًا.
ولأنَّ في ذلك مشقّةً على المأمومين من غير فائدة, وقيام إلى الصلاة قد تحقق قرب الشروع فيها فلم يكن إليه حاجة.
فصل
وإذا لم تكن الصفوف مستويةً سوَّاها الإمام وغيره, إلا أن الإمام أخصُّ بذلك لأنه الراعي قال أنس بن مالك ﵁: كان رسول الله ﷺ يُقبل علينا بوجهه قبل أن يكبِّر، فيقول: «تراصُّوا واعتدلوا» (٤). وقال: قال رسول الله ﷺ : «سوُّوا صفوفكم, فإنَّ تسوية الصفوف من تمام الصلاة» (٥) متفق عليهما.
وعن محمد بن مسلم بن السائب, صاحب المقصورة, قال: صلَّيتُ
стр. 1349
إلى جنب أنس بن مالك يومًا، فقال: هل تدري لم صُنِع هذا العود؟ فقلتُ: لا والله. فقال: إنَّ رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذ (١) بيمينه (٢) ثم التفت, فقال: «اعتدلوا، سوُّوا صفوفكم». ثم أخذ بيساره، فقال: «اعتدلوا سوُّوا صفوفكم» رواه أبو داود (٣).
وعن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يسوِّي صفوفنا إذا قمنا للصلاة. فإذا استوينا كبَّر. رواه أبو داود (٤).
وعن عمر ﵁ أنه كان إذا أقيمت الصلاة استقبل القومَ، ثم يقول: «يا فلان تقدَّمْ. يا فلان تأخَّرْ. سوُّوا صفوفكم, استووا». ثم يقبل على القبلة، فيكبِّر. رواه سعيد (٥).
стр. 1350
قال الترمذي (١): وروي عن علي ﵁ أنه كان يتعاهد ذلك، ويقول: استووا. وكان يقول: تقدَّم يا فلان, تأخَّر يا فلان.
وعن نافع أنَّ عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف. فإذا جاؤوه فأخبروه بأن قد استوت كبَّر. رواه مالك (٢).
وعن سهل بن مالك عن أبيه قال: كنت مع عثمان بن عفان ﵁ , فأقيمت الصلاة، وأنا أكلِّمه في أن يفرض لي. فلم أزل أكلِّمه وهو يسوِّي الحَصا بنعليه, حتَّى جاءه رجال (٣) قد وكَّلهم بتسوية الصفوف, فأخبروه أنَّ الصفوف قد استوت. فقال لي: استَوِ في الصف. ثم كبَّر. رواه مالك (٤).
وقال أحمد في «رسالته» (٥) وَأْمُر ــ أيا عبد الله (٦) ــ الإمامَ أن لا يكبِّر أول ما يقوم مقامه للصلاة, حتى يلتفت يمينًا وشمالًا, فإن رأى الصفَّ معوجًّا, والمناكبَ مختلفةً, أمرهم أن يدنو بعضهم من بعض حتى تَماسَّ مناكبُهم. واعلم أنَّ اعوجاج الصفوف واختلاف المناكب ينقص من الصلاة، وأنَّ الفُرجة التي تكون بين كلِّ رجلين تنقص من الصلاة, فاحذروا ذلك».
стр. 1351
[ص ٢٤٨] وذكر بعض أحاديث الصفوف. وابن عمر الذي رواه مالك (١). قال: «وروي أنَّ بلالًا كان يسوِّي الصفوف, ويضرب عراقيبهم بالدِّرَّة حتى يستووا (٢).
قال بعض العلماء: قد يشبه هذا أن يكون من بلال على عهد النبي ﷺ عند إقامته، قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الحديث جاء عن بلال أنه لم يؤذِّن لأحد بعد النبيِّ ﷺ إلا يومًا واحدًا إذ أتى مرجعَه من الشام, وذكر قصة تأذين بلال بالشام (٣)».
فصل
والمسنون للصفوف: خمسة أشياء, مبناها على أصلين: على اجتماع المصلّين وانضمام بعضهم إلى بعض, وعلى استقامتهم واستوائهم؛ لتجتمع قلوبهم وتستقيم, ويتحقق معنى الجماعة الذي هو اجتماعهم في الصلاة مكانًا وزمانًا.
قال أبو عبد الله (٤): «تسوية الصفوف ودنوُّ الرجال بعضهم من بعض, من تمام الصلاة, وتركُ ذلك نقصٌ في الصلاة».
стр. 1352
أحدها: تسوية الصف وتعديله وتقويمه, حتى يكون كالقِدْح. وذلك يحصل بالمحاذاة بالمناكب والرُّكَب والكِعاب, دون أصابع الرجلين.
والثاني: التراصُّ فيه، وسدُّ الخلل والفُرَج, حتى يلصق الرجل منكبه بمنكب الرجل, وكعبه بكعبه.
الثالث: تقارب الصفوف ودنوّ بعضها من بعض, حتى يكون سجود المؤخَّر خلف مقام المقدَّم, من غير ازدحام يفضي إلى أذى المصلِّين.
والرابع: تكميل الأول فالأول تحقيقًا للاجتماع, والدنوِّ من الإمام.
والخامس: توسُّط الإمام, وهو أن يكون في وسط الصف.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «راصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذُوا بالأعناق. والذي نفسي بيده إنِّي لأرى الشيطانَ يدخل من خلل الصفِّ، كأنه الحَذَف» رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١).
وعن أنس عن النبي ﷺ : «أقيموا صفوفكم، فإنِّي أراكم من وراء ظهري». وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه, وقدمَه بقدمه. متفق عليه (٢) , والسياق للبخاري.
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: أقبل رسول الله ﷺ بوجهه على الناس، فقال: «أقيموا صفوفكم ــ ثلاثًا ــ والله لَتقيمُنَّ صفوفَكم أو لَيُخالِفَنَّ الله بين قلوبكم» قال: فلقد رأيتُ الرجل يُلزق كعبه بكعب صاحبه، وركبته
стр. 1353
بركبته، ومنكبه بمنكبه. رواه أحمد وأبو داود (١) وهو [ص ٢٤٩] في «الصحيحين» (٢) بقريب من معناه. وأحاديث الباب كثيرة, ربما يتم أمرها إن شاء الله في موقف الإمام والمأموم.
فصل
والمستحَبُّ في حال القيام أن يفرِّق بين قدميه, فيما ذكره أصحابنا. وهكذا كان أبو عبد الله يفعل, لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه رأى رجلًا صافًّا بين قدميه، فقال: أخطأ هذا السنَّة, لو فرَّج بينهما كان أفضل (٣). ومثل ابن مسعود إذا أطلق السنَّة فإنما يعني به سنَّة النبيِّ ﷺ . فعُلِمَ (٤) أنه علِم ذلك من رسول الله ﷺ قولًا أو فعلًا.
وعن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يفرِّج بين قدميه, ولا يُمِسُّ إحداهما الأخرى, ولكن بين ذلك. رواهما أبو بكر النجاد (٥).
وعن ابن عمر قال: لا تقارب ولا تباعد (٦).
стр. 1354
وعن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن (١) قال: كنت مع أبي في المسجد ــ يعني مسجد البصرة ــ فنظر إلى رجل قائمًا يصلِّي, قد صفَّ بين قدميه, وألزق إحداهما بالأخرى. فقال: إنّي لقد أدركت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب رسول الله ﷺ , ما رأيت أحدا منهم صنَع هكذا قطُّ (٢). رواهما الخلال.
والمراوحة بين القدمين أفضل من الصَّفْن (٣) , وهو أن يعتمد على هذه تارة وعلى هذه تارة, أفضل من أن يعتمد عليهما جميعا. قال أحمد في رواية صالح وابن منصور (٤) , وقد سئل: يصفِن بين قدميه أو يراوح بينهما؟ قال: يراوح بينهما. وكذلك نقل الجماعة قولًا وفعلًا, وهذا هو الذي ذكره القاضي والآمدي وغيرهما من أصحابنا, لأن هذا أخفُّ على المصلِّي وأيسر عليه.
مسألة (٥): (ويرفع يديه عند ابتداء تكبيره إلى حذو منكبيه, أو إلى فروع أذنيه) .
وجملة ذلك: أنَّ رفعَ (٦) اليدين عند تكبيرة الافتتاح من السنن المتفق
стр. 1355
عليها. وأما منتهى الرفع، فإن شاء إلى حذو منكبيه, وإن شاء إلى فروع أذنيه, كلاهما جائز غير مكروه من غير خلاف في المذهب. وهل أحدهما أفضل من الآخر؟ على ثلاث روايات:
إحداهن: أن الرفع إلى حذو المنكبين أفضل، لما روى ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه, ثم يكبِّر. فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك, وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك, وقال: «سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك [ص ٢٥٠] الحمد» متفق عليه (١).
وعن أبي حميد الساعدي ﵁ أنه قال في عشرة من أصحاب النبي ﷺ : أنا أعلمكم بصلاته. كان إذا قام في الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. قالوا: صدقت. رواه أبو داود والترمذي وصححه (٢).
وفي حديث علي (٣) وأبي هريرة (٤) عن النبي ﷺ أنه رفع يديه إلى حذو
стр. 1356
منكبيه. وهذا اختيار أكثر أصحابنا.
والرواية الثانية: هو إلى فروع الأذنين أفضل. اختاره الخلال، وقال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله ﵀ في فتياه وفعله, أنَّ أحبَّ إليه: فروع أذنيه، وإن رفع إلى منكبيه فهو جائز، لما روى مالك بن الحويرث أن رسول الله ﷺ كان إذا كبَّر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه, وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: «سمع الله لمن حمده» , فعل مثل ذلك. رواه أحمد ومسلم والنسائي (١). وفي رواية: يحاذي بهما فروع أذنيه. رواه مسلم وأبو داود والنسائي (٢).
وعن وائل بن حجر (٣) أنه رأى النبيَّ ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبَّر حيالَ أذنيه (٤).
стр. 1357
وروي ذلك أيضًا من حديث البراء بن عازب (١) وابن الزبير (٢). رواه أحمد.
والرواية الثالثة: هما سواء. وهي اختيار الخِرقي (٣) وأبي حفص العكبري (٤) وأبي علي بن أبي موسى (٥) وغيرهم، لمجيء [الرواية] (٦) بكل واحد منهما, فإن صحة الروايات بكل منهما دليل على أن النبي ﷺ كان يفعل هذا تارة وهذا تارة.
ومن رجَّح الأولى قال: إنَّ رواته (٧) من الصحابة أكثر وأفضل والله (٨)
стр. 1358
ومكانهم من الرسول أقرب, وهم له ألزم, فيكونون أحفظ وأضبط, ويكون ما نقلوه هو الغالب من صلاة رسول الله ﷺ . ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وفدا على رسول الله ﷺ وفادة, ثم رجعا إلى قومهما.
وأيضًا فإن الإسناد إلى الصحابة بالمنكبين أثبت, اتفق عليه صاحبا الصحيح. وإسناد الرفع إلى الأذنين إنما خرَّجه مسلم. قالوا: وتحمل روايتهم على رواية المنكبين, ويكون معنى قولهم: حتى يحاذي بهما أذنيه, يعني يقارب محاذاة الأذنين, أو يعني رؤوس الأصابع هي التي حاذت. ويؤيد ذلك أنه قد اختلف عنهم, فروى الدارقطني (١) [ص ٢٥١] في حديث مالك بن الحويرث عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه. إلا أن هذا خلاف المحفوظ في حديثه, لكن قد روي في لفظ بإسناد جيد: «حتى يجعلهما قريبًا من أذنيه» (٢).
وأما حديث وائل بن حجر، فقد رواه أحمد (٣) بإسناد صحيح من حديث عبد الواحد بن زياد, عن عاصم بن كليب, عن أبيه, عن وائل, عن النبي ﷺ قال: فاستقبل القبلة، ورفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه. وفيه: «فلما أراد أن يركع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه». وفيه: «فلما رفع رأسه من
стр. 1359
الركوع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه». وكذلك رواه الشافعي (١) وغيره عن ابن عيينه عن عاصم, إلا أن الجماهير مثل شعبة (٢) وأبي عوانة (٣) وزائدة بن قدامة (٤) وبِشْر (٥) بن المفضل (٦) وجماعة غيرهم (٧) , رووه عن عاصم, فقالوا في الحديث: «فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه». وقال بعضهم: «حذاء أذنيه». وكذلك رواه مسلم (٨) وغيره من حديث عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل عن وائل (٩).
ومن رجَّح الثاني قال: صحة النقل بهما توجب أن يكون النبي ﷺ فعَل كلَّ واحد منهما, لكن الرفع إلى الأذن أزيد, فيكون أولى؛ لأنه زيادة عبادة. ويشبه أن يكون هو آخر الأمرين، لأنَّ الوفود إنما قدموا على رسول الله ﷺ بعد الفتح, ولأن الانتقال من النقص إلى الزيادة هو اللائق, لا سيما وقد قال
стр. 1360
النبي ﷺ لمالك بن الحويرث ومن معه: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي». وقد رأوه يصلِّي رافعًا يديه إلى فروع أذنيه.
ومنهم من قال: لعل الرفع إلى المنكبين كان لعذر من به داء وغيره. وليس بشيء.
واعلم أن رفع اليد إلى المنكب أو إلى فروع الأذنين هو: أن يحاذي بيده ذلك العضو, واليدُ جميعًا لا تحاذيه (١). فالمحاذاة: إما أن تكون بأصل اليد وهو الرُّصْغ (٢) , أو تكون بطرف اليد وهو رؤوس أصابع اليد, أو بوسط (٣) اليد وهو أصول الأصابع عن الكف. أما الأول فلا أعلم أحدًا قال: إن المحاذاة تكون بذلك الموضع. وأما الآخران ففيهما وجهان:
أحدهما: أن يحاذي منكبيه أو فروع أذنيه برؤوس أصابعه. وهذا قول القاضي في «المجرَّد» وطائفة من أصحابنا, منهم أبو محمد (٤)؛ لأن المفهوم من قولنا: «رفع يده إلى كذا»: أن يحاذي برأسها ذلك المكان.
والثاني: أن يحاذي بكفه منكبيه أو فروع أذنيه. وهو الذي ذكره القاضي في «الجامع» و «الخلاف»، وغيره من أصحابنا، [ص ٢٥٢] وهو الصحيح المنصوص عن أحمد. قال في رواية: الأذنين. وقد سأله أبو الحارث: إلى
стр. 1361
أين يرفع يديه؟ قال: يرفعها إلى فروع أذنيه (١). وقال: الذي أختار له أن يجاوز بهما أذنيه. قال: ورأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يجاوز بهما أذنيه. فقد نصَّ صريحًا إذا قلنا: يرفعهما إلى أذنيه, على مجاوزة الأذنين, ومعلوم أنه لا يجاوزهما بكفه، لأن ذلك لم يقله أحد, فعُلِمَ أنه جاوزهما برؤوس الأصابع, وكيف يصح أن يحمل قوله على رفع رؤوس الأصابع إلى فروع الأذنين؟ وإذا (٢) كان في الرفع إلى الأذنين, ففي الرفع إلى المنكبين أولى. ويدل على ذلك وجوه:
أحدها: أنه ليس حملُ رفع اليد على رأسها بأولى من أصلها, فيجب حمله على الوسط.
الثاني: أنَّ اليد اسم للجميع, فإذا أريد نفس محاذاتها لموضع كان اعتبار الوسط أولى، لأنه أقرب إلى التعديل.
الثالث: أن الروايات مصرِّحة بأنه حاذى بيديه (٣) فروع أذنيه أو منكبيه. ففي لفظ: «حتى يكونا بحذو منكبيه». وفي رواية: «رفع يديه حيال أذنيه». فقد جعل المحاذي للمنكب والأذن إنما هو اليد, ولم يقل: «رفع يديه إلى منكبيه أو أذنيه»، حتى يجعل ذلك عائدًا لليد, وإنما جعل اليد تحاذي ذلك الموضع, ومعلوم أن ذلك لا يصح في رؤوس الأصابع.
الرابع: أن في حديث وائل بن حجر: رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه,
стр. 1362
وحاذى بإبهاميه أذنيه, ثم كبَّر. رواه أبو داود (١).
وفي رواية لأحمد (٢): رأيت رسول الله ﷺ افتتح الصلاة حتى صارت إبهامه تحاذي شحمة أذنه. وكذلك روى البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكون إبهامه حذاء أذنيه. رواه أحمد (٣). فإذا حاذت الإبهام الأذن, ولو أنه شحمة الأذن, جاوزت الأصابع الفروع, وهذا مستند المنصوص. ولذلك تأوَّل القاضي وغيره أحاديث الأذنين على أن رؤوس الأصابع تبلغ فروع الأذنين, وأن أحاديث المنكبين على المنكب نفسه، كما جاء مفسَّرًا في حديث وائل بن حجر؛ وحمَل رواية من روى: «إبهاميه» على المقاربة، لأن في حديث مالك بن الحويرث كان إذا كبَّر رفع يديه حتى يجعلهما قريبًا من أذنيه. رواه أحمد (٤). ولا يخرج عن هذا إلا بعض الروايات التي فيها: «جاوز أذنيه» (٥) , وهي قليلة.
فصل
والسنَّة: أن يبسط الأصابع ويضمَّ بعضها إلى بعض. وعنه: أن يفرِّقها أفضل، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي [ص ٢٥٣] ﷺ إذا كبَّر
стр. 1363
نشر أصابعه. رواه الترمذي (١). وذكره الإمام أحمد, رواه الأثرم والخلال (٢) , ولفظه: كان إذا كبَّر رفع يديه، وفرَّج أصابعه (٣).
والأول هو المذهب, وهو الذي رجع إليه أبو عبد الله آخرًا، لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مَدًّا. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي (٤) , وقال: حسن صحيح, هذا أصح من حديث يحيى بن يمان ــ يعني: من حديث النشر ــ وقال: وحديثه خطأ.
وقد توقَّف أحمد في صحة هذا الحديث, وقال: الناس يروونه: «رفع يديه مدًّا» (٥). وقال (٦): كنت أذهب إلى حديث أبي هريرة: «كان إذا كبَّر نشر أصابعه»، فظننت أنه التفريق, فكنت أفرِّق أصابعي. فسألتُ أهل العربية,
стр. 1364
فقالوا: هذا هو التفريق، وليس النشر. وضمَّ أصابعه وقال: قالوا: هذا هو الضمُّ, وهذا النشر, ومدَّ أصابعه مدًّا مضمومة. وهذا التفريق, وفرَّق أصابعه. وكذلك فسَّر ابن المديني وغيره النشرَ بالمدِّ.
وأما رواية التفريج، فإنما رواها صاحبها بالمعنى الذي فهمه من النشر, وظنَّ أنه التفريج. وإنما هو البسط، لأنه يقال: نشرت الثوب, خلاف طويته, وإن لم يكن فيه تفريق. فنشرُ الأصابع: بسطها. وطيُّها (١): قبضها. ولأن الرفع حال القيام كالوضع في السجود, وإنما توضع حال السجود مضمومةَ الأصابع. ولأنه إذا ضمَّها مبسوطةً فإنها تستقيم منتصبةً نحو القبلة, وذلك تكميل للمستحب, فإنَّ المستحب أن يستقبل القبلة ببطونها لا بجانبها, فيكون حين الرفع عن جانب المنكب من غير بعد, مستقيمةً أصابعها, لا محاذيةً للمنكب, لا تتقدَّم عنه ولا تتأخَّر.
ويبتدئ الرفع حين ابتداء التكبير, وينهيه مع انتهائه, فلا يسبق أحدهما صاحبه, ولا يرسلهما قبل أن يقضي (٢) التكبير, ولا يثبتهما حتى يقضي التكبير, وإن كان ذلك جائزًا؛ لأن أكثر الأحاديث: كان يرفع يديه إذا كبَّر. وعن وائل بن حجر ﵁ أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه مع التكبيرة. رواه أحمد وأبو داود (٣).
وعن ابن عمر ﵄ قال: رأيت النبيَّ ﷺ افتتح التكبير في الصلاة,
стр. 1365
فرفع يديه حين يكبِّر حتى يجعلهما حذو منكبيه. رواه البخاري (١).
وإن رفع يديه ثم كبَّر جاز، لما تقدَّم أن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى [ص ٢٥٤] يكونا بحذو منكبيه، ثم يكبِّر (٢).
وعن وائل بن حجر ﵁: أنه أبصر النبيَّ ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه, حتى كانتا بحيال منكبيه, وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبَّر (٣).
وكذلك إن أثبتهما مرفوعتين بعد التكبير, أو رفع عقب التكبير جاز؛ لما روى مسلم في «صحيحه» (٤) أن مالك بن الحويرث كان إذا صلَّى كبَّر ثم رفع يديه, وإذا أراد أن يركع رفع يديه, وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه. وحدَّث أن رسول الله ﷺ كان يفعل هذا. ولفظ البخاري (٥): كبَّر ورفع يديه.
وإنما اخترنا الأول لأن أكثر الأحاديث تدل عليه, ولأن الرفع هيئة للتكبير, فكان معه كسائر الهيئات.
ومعنى قولنا: «ينهيهما مع انتهائه» لأصحابنا فيه وجهان مومأ إليهما من أبي عبد الله ﵀:
أحدهما: أن ينهيه قبل حطِّ يديه, فلا يرسل يديه قبل أن يقضي التكبير,
стр. 1366
وهذا ظاهر كلامه في رواية حرب (١): رفع اليدين مع التكبير, فإن الرفع لا يدخل فيه الوضع والإرسال, وعلى هذا فقد يحتاج أن يثبتهما مرفوعتين إذا طوَّل التكبير, حتى يفرغ (٢). وإن جزم التكبير لم يحتج إلى ذلك. وهذا قول القاضي والآمدي وغيرهما من أصحابنا, لأن قوله: «يرفع يديه مع التكبير» «ورفع يديه حين يكبر» يوجب ذلك. وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يرفعهما مع التكبير (٣).
وإن رفعهما، ثم كبَّر، وهما مرفوعتان، ثم أرسلهما= جاز, كما اختاره أبو إسحاق، لما تقدَّم من حديث ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه, ثم يكبِّر (٤).
وإنما (٥) اخترنا الأول، لأن الرفع هيئة التكبير, فكان معه كسائر الهيئات. ولهذا لم يستحب أن تبقى بعده. وأما إثباتهما مرفوعتين بعد التكبير فلا يستحب, وإن فعَله جاز.
стр. 1367
وقال الآمدي: يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير, وابتداء الوضع مع انتهائه. فعلى هذا يكون انتهاء الرفع هو وضعه.
وإنَّ أقطع اليدين أو إحداهما يرفع (١) بحسب قدرته.
فصل
ومن عجز عن استكمال (٢) الرفع رفع ما يمكن (٣) , وإن لم يمكن الرفع إلا أن يجاوز أذنيه فعَلَه. وإن (٤) عجز عنه بإحدى اليدين فعَله بالأخرى. وإن نسيه حتى لهيئة (٥) سقط، لأنه هيئة [ص ٢٥٥] فات محلها. وإن ذكره في أثناء التكبير بادر إليه لبقاء محله.
وإن كانت يداه في ثوبه رفعهما بحسب الإمكان تحت الثوب، لما روى وائل بن حُجر قال: أتيت النبيَّ ﷺ في الشتاء، فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة (٦).
стр. 1368
وفي رواية: رأيت النبيَّ ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه. قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم, وعليهم برانس وأكسية (١).
وفي رواية: قال: ثم جئتُ بعد ذلك في زمان فيه برد شديد, فرأيتُ الناس عليهم جُلُّ (٢) الثياب، يحرِّكون أيديهم تحت الثياب من البرد. رواه أحمد وأبو داود (٣).
والأولى له أن يُخرج يديه وقت الرفع, فيرفعهما, ثم يلتحف بعد ذلك, وإن كان متردِّيًا (٤)؛ لأن وائل بن حجر قال: صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ ، فكان إذا كبَّر رفع يديه, ثم التحف, ثم أخذ شماله بيمينه, وأدخل يديه في ثوبه. قال: فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما. فإذا أراد أن يرفع رأسه من السجود رفع يديه (٥).
مسألة (٦): (ويجعلهما تحت سُرَّته) .
يعني: إذا انقضى التكبير فإنه يرسل يديه، ويضع يده اليمنى فوق اليسرى
стр. 1369
على الكُوع, بأن يقبض الكوع باليمنى, أو يبسط اليمنى عليه، ويوجِّه أصابعهما إلى ناحية الذراع. ولو جعل اليمنى فوق الكوع، أو تحته على الكفِّ اليسرى, جاز؛ لما روى وائل بن حجر أنه رأى النبيَّ ﷺ حين دخل في الصلاة «ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى» رواه مسلم (١). وفي رواية لأحمد وأبي داود: «وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرُّصْغ (٢) والساعد» (٣).
وعن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجلُ اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: ولا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى رسول الله ﷺ . رواه أحمد والبخاري (٤).
وعن قبيصة بن هُلْب عن أبيه. قال: كان رسول الله ﷺ يؤمُّنا، فيأخذ شماله بيمينه. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه, والترمذي (٥) وقال: حديث حسن, وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين.
стр. 1370
ولأنَّ ذلك أزين وأقرب إلى الخشوع, [ص ٢٥٦] وهو: قيام الذليل بين يدي العزيز. ولا يستحب ذلك في قيام الاعتدال عن الركوع, لأن السنَّة لم ترِدْ به, ولأن زمنه يسير يحتاج فيه إلى التهيؤ للسجود.
ويجعلهما تحت سُرَّته, أو تحت صدره, من غير كراهة لواحد منهما. والأول أفضل في إحدى الروايات عنه, اختارها الخِرقي والقاضي وغيرهما (١). رواه أحمد وأبو داود والدارقطني (٢) عن أبي جحيفة قال: قال علي ﵇ (٣): إنَّ من السنَّة وضعَ الأكُفِّ على الأكفِّ تحت السرَّة.
ويذكر ذلك من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ (٤) , وقد احتجَّ به الإمام أحمد.