← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولفظه (١): أنه سئل عن جلود الميتة فقال: "دباغها ذكاتها". فقد شبَّه الدِّباغ بالذكاة، وحكمُ المشبَّه مثل المشبَّه به أو دونه. ولأنه ﷺ نهى عن جلود السباع (٢). ولا تكاد تستعمل إلا مدبوغة، ولم يفصِّل؛ وهذا مبني على أنّ الذكاة لأجل المأكول. فأما غير المأكول فلا يطهُر جلده بالذكاة لأنه ذبحٌ غير مشروع، فلم يفد طهارة الجلد، كذبح المحرم الصيد والذبح في غير الحلق واللَّبّة، ولأنه ذبحٌ لا يفيد حِلَّ اللحم فلم يُفد طهارة الجلد، كذبح المجوسي والمرتدّ. وهذا لأنَّ التنجيس لو كان بمجرَّد (٣) احتقان الرطوبات في الجلد، وإزالته مشروعة بكلِّ طريق، لم يفرُق (٤) بين ذابح وذابح، ومَذبح ومَذبح (٥). والذي يدل على أنَّ ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده، لا بذكاة ولا بدباغ: ما (٦) روى أبو المَلِيح بن أسامة عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن جلود

стр. 177

[٢٧/ب] السِّباع. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وزاد: "أن تُفترَش" (١). وعن معاوية بن أبي سفيان قال: نهى رسول الله ﷺ عن جلود النُّمور أن يُركَب عليها. رواه أحمد وأبو داود (٢). وفي لفظ لأحمد (٣): "نهى عن لُبْس صُفَف النُّمور (٤) ". وعن المقدام بن معد يكرب قال: نهى رسول الله ﷺ عن مياثر النُّمور. رواه أحمد والنسائي (٥). وعن المقدام أنه قال لمعاوية: أنشُدك الله هل تعلم أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم.

стр. 178

رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تصحبُ الملائكةُ رُفْقَةً فيها جِلدُ نَمِر" رواه أبو داود (٢). وهذه الأحاديث نصوص في أنها لا تباح بذكاة ولا دباغ. فصل ولا بدَّ فيما يُدبَغ به أن يكون منشِّفًا للرطوبة، منقِّيًا للخبث عن الجلد، حتى لو نُقع الجلد بعده في الماء لم يفسد، سواء كان ملحًا أو قَرَظًا أو شثًّا (٣) أو غير ذلك، ولا بد من [٢٨/أ] طهارته.

стр. 179

وهل يجب غسلُ الجلد بعد الدبغ؟ على وجهين. ويجوز بيع الجلد المدبوغ، ولا يباح أكله إذا كان من حيوان مأكول في أقوى الوجهين. ويباح استعماله في اليابسات، مع القول بنجاسته في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: لا يباح، وهو الأظهر، للنهي عن ذلك (١). فأما قبل الدباغ فلا ينتفع به قولًا واحدًا، كما لا يلبس جلدُ الكلب والخنزير وإن دُبِغ. مسألة (٢): (وكذلك عظامها) . عظم الميتة نجس، وكذلك قَرنها وظُفْرها وظِلفها وحافرها وعصَبها، في المشهور من المذهب. وقيل: هو كالشَّعر، لأنه ليس فيه رطوبات تنجِّسه، ولأنه لا يحسّ ولا يألم فيكون كالشعر. والظاهر: الأول (٣)، لأن النبي ﷺ كتب إلى جهينة: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصَب" (٤). ولأنه فيه حياة الحيوان بدليل قوله [٢٨/ب]

стр. 180

تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] , ولأنّ العصَب يحسّ ويألم، وكذلك الضرس، وذلك دليل الحياة. وأما ما لا يحسّ منه، مثل القرن والظفر والسنّ إذا طال، فإنما هو لمفارقة الحياة ما طال. وقد كان مقتضى القياس نجاسته، لكن منع من ذلك اتصاله بالجملة تبعًا لها ودفعًا للمشقة بتنجيس ذلك، كما قلنا فيما جَسَا (١) على العقب، وسطا (٢) على الأنامل، وسائر ما يموت من اللحم ولم ينفصل. فإذا انفصل أو مات الأصل زال المانع، فطهر على السبب (٣). وتعليل نجاسة اللحم باحتقان الرطوبات فيه، قد تقدَّم الجواب عنه. مسألة (٤): (وكلُّ ميتةٍ نجسةٌ إلا الآدميَّ) . أما نجاسة الحيوان بالموت في الجملة، فإجماع. وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وذلك يعمُّ أكلَها والانتفاعَ بها وغير ذلك. و (٥) روى جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إن الله حرَّم بيعَ الخمر والميتةَ والخنزيرَ والأصنام". فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة

стр. 181

فإنه يُطلى بها السفن، ويُدهَن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام". ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إنَّ الله لما حرَّم شحومها جمَّلوه، ثم باعوه وأكلوا ثمنه" رواه الجماعة (١). والكلام في فصلين: في أجزاء الميتة، وفي أجناسها. أمّا أجزاؤها، فاللحم نجس، وكذلك الجلد. وقد تقدّم القول في العظم والشعر. وأمّا ما لا يموت بموتها كالبيض واللبن فإنه لا ينجس بالموت، لكن هل ينجس بنجاسة وعائه؟ أمّا البيض، فإذا كان قد تصلَّب قشره فهو طاهر مباح؛ لأنه لا يصل إليه شيء من النجاسة، كما لو غُمِس في ماء نجس، وكما لو طُبِخ في خمر أو ماء نجس. وكذلك لو سُلِق (٢) في ماء ملح أو مُرٍّ لم يتغير طعمه. وقال ابن عقيل: هو طاهر مباح وإن لم يتصلَّب، لأنّ جمودها وغشاءها الذي هو كالجلد مع لينه يمنع نفوذ النجاسة إليها، كما لو وقعت في مائع نجس (٣). والمشهور أنها تتنجَّس إذا لم تتصلَّب؛ لأنها في النمو، والحاجز غير حصين، فلا ينفك غالبًا من أن يشرب أجزاء عقيب الموت قبل ذهاب حرارة الحياة. وأمّا اللبن والإنفَحَة فطاهر في إحدى الروايتين، لأن الصحابة فتحوا بلاد المجوس وأكلوا من جبنهم، مع علمهم بنجاسة ذبائحهم وأنَّ الجبن

стр. 182

إنما يصنع بالإنفحة؛ وأنَّ اللبن لم ينجس بالموت إذ لا حياة فيه، ولا بملاقاة وعائه لأن الملاقاة في الباطن لا حكم لها، إذ الحكم بالتنجيس إنما [٢٩/ب] يتسلَّط على الأجسام الظاهرة. ولذلك لم ينجس المني، والنجاسة تخرج من مخرج المني. وعلى هذه الرواية، فجلد الإنفحة نجسٌ كجلد الضرع، وإنما الكلام فيما فيهما. والرواية الأخرى: هما نجس، وهي المنصورة (١)، لأنه (٢) مائع في وعاء نجس، فأشبه ما لو أعيد في الضرع بعد الحلب، أو حُلِب (٣) في إناء نجس. وما علَّلوا به ينتقض بالمخّ في العظم، فإنه نجس. وأما المني والنجاسة فيميز له (٤) اللبن الخارج في الحياة؛ لأنه لو نجُس ما خُلِق طاهرًا في الباطن بما يلاقيه لنجُس أبدًا، بخلاف ما بعد الموت فإنَّ (٥) خروجه نادر، كما لو خرج المني والنجاسة بعد الموت. وما ذُكِر عن الصحابة لا يصحّ، لأنهم وإن أكلوا من جبن بلاد فارس، فلأنه كان بينهم يهود ونصارى يذبحون لهم، فحينئذ لا تتحقَّق نجاسة الجبن. ولهذا كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر يذكر أنَ المجوس لمَّا رأوا أنّ المسلمين لا يشترون جبنهم، وإنما يشترون جبن أهل الكتاب، عمد

стр. 183

المجوسُ وصلَّبوا على الجبن، كما يصلِّب أهل الكتاب، ليشترى جبنهم. فكتب إليه عمر: "ما تبيَّن لكم أنه من صنعتهم فلا تأكلوه، وما لم يتبين لكم فكلوه، ولا تحرموا على أنفسكم ما أحلَّ الله لكم". رواه عبد الملك بن حبيب (١)، وقال: قد تورَّع عمر وابن مسعود وابن عباس في خاصَّة أنفسهم من أكل الجبن، إلا ما أيقنوا أنه من جبن المسلمين أو أهل الكتاب، خيفةَ أن يكون من جبن المجوس. وقيل لابن عمر: إنا نخاف أن يُجبَن الجبن بإنفَحَة الميتة. فقال: ما علمتَ أنه ميتة [٣٠/أ] فلا تأكل (٢). وأمّا أجناس الميت، ف كلُّ ميتٍ نجسٌ إلا ما يباح أكله ميتًا، وما ليس له دم سائل، وما حَرُم لشرفه ــ وقد استثناها الشيخ ﵀، وذلك (٣) لعموم الآية والقياس ــ سواء كان طاهرًا في الحياة أو نجسًا، لكن يبقى نجسًا لسببين، كما حَرُم لسببين (٤). أما الإنسان، فلا ينجُس بالموت (٥) في ظاهر المذهب. وعنه رواية أخرى: ينجُس لعموم الآية. ووقع زنجي في بئر زمزم، فمات، فأمر ابن

стр. 184

عباس بها أن (١) تُنزَح. رواه الدارقطني (٢)؛ ولأنه ذو نفس سائلة لا تباح ميتته، فينجُس (٣) بالموت كالشاة. والأول: الأصح (٤) لأن النبي ﷺ قال: "المؤمن لا ينجس" متفق عليه (٥). وفي لفظ الدارقطني (٦): "المؤمن لا ينجُس حيًّا ولا ميِّتًا". وروى الدارقطني (٧) أيضًا عن النبي ﷺ : "ليس عليكم في ميِّتكم غسلٌ إذا غسلتموه،

стр. 185

فإنه ليس بنجس". ولأن ذلك منقول عن ابن مسعود (١) وابن عباس (٢) وعائشة (٣) في قضايا متعددة (٤)، ولم يُعرف لهم مخالف؛ ولأنه آدمي مسلم فلم ينجُس بالموت كالشهيد، فإنه مسلم (٥) على القولين؛ ولأنه لو نجُس لم يطهُر بالغسل، ولأن الموجِب لطهارته شرفُه، وكذلك لا حيًّا ولا ميِّتًا (٦). فإن (٧) قلنا: ينجس بالموت، تنجس (٨) أعضاؤه بالانفصال كسائر الحيوان.

стр. 186

فأما الشعر فهو طاهر في أصح الروايتين، لأنه ليس بمحلٍّ للحياة. وفي رواية أخرى: أنه نجس بناء على أنه من الجملة كاليد، سواء جُزَّ أو تساقط، بخلاف شعر المأكول فإنه لمّا احتيج إليه كان جزُّه كتذكيته (١). وهذا ضعيف كما سبق. ويطهر بالغسل [٣٠/ب] في أصح الروايتين. ولا ينجس الشهيد كما لا ينجس دمه. وإن قلنا: لا ينجس بالموت، فكذلك أعضاؤه على الأصح. وقيل: تنجس وإن لم ينجس في الجملة، لأن الحرمة إنما تثبت لها إذا كانت تابعة. وهو ضعيف، لأن حرمة الأعضاء كحرمة الجملة. وهذا يختص بالمسلم. وأما الكافر فينجس على الروايتين، لأن المقتضي للطهارة من الأثر والقياس مفقود فيه، وسبب التنجيس موجود فعمِل عمله. وعموم كلام بعض أصحابنا يقتضي التسوية كما في الحياة. مسألة (٢): (وحيوانَ الماء الذي لا يعيش إلا فيه ، لقول رسول الله ﷺ في البحر: "هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ ميتته"). أما السمك إذا مات بمفارقة الماء، فهو حلال طاهر بالإجماع. وكذلك إذا مات في الماء حتف أنفه وهو الطافي، في ظاهر المذهب. وقد خُرِّج فيه وجهٌ أنه حرام، وليس بشيء. ومع ذلك فهو طاهر أيضًا، لأنَّ دمه طاهر كالجراد. هو طاهر، وإن قلنا: لا يحل إن مات فيه بغير سبب؛ لأنه ليست له نفس سائلة.

стр. 187

وما عدا السمك مما يباح، ففيه ثلاث روايات: إحداها (١): أن جميعه يباح بلا ذكاة لعموم الحديث، فعلى هذا لا ينجس الماء لموته فيه. والثانية: لا يباح منه إلا السمك، لأنه هو الميتة المعروفة، بدليل قوله: "أُحِلَّ لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد" (٢). والثالثة: أن ما لا يعيش إلا في الماء فهو كالسمك. وما يعيش في البرِّ لا يباح إلا بالتذكية. وهو ظاهر المذهب، كما ذكره الشيخ ﵀، لما روى أبو هريرة قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : "هو الطهورُ ماؤه، الحِلُّ ميتته". رواه الخمسة، وقال

стр. 188

الترمذي: حديث حسن صحيح (١). ولأن ما لا يعيش إلا في الماء لا يمكن تذكيته غالبًا، فأشبه السمك، بخلاف ما يعيش في البر. فأما حيوان البحر المحرَّم كالضفدع والتمساح على المشهور، والكوسَج (٢) إذا قلنا بتحريمه، فهو نجس بالموت. وينجِّس الماء القليل كما ينجِّس غيره من المائعات. مسألة (٣): (وما لا نفسَ له سائلةً، إذا لم يكن متولِّدًا من النجاسات) . النفس هي دمه، ومنه سمِّيت النُّفَساءُ لجرَيان نفسها (٤). يقال: نَفِسَت المرأةُ إذا حاضت، ونُفِسَتْ إذا ولدت. ومنه قول الشاعر (٥): تسيلُ على حدِّ الظُّبات نفوسُنا ... وليس على غيرِ الظُّباتِ تَسيلُ وهو قسمان: أحدهما: المتولِّد من النجاسة مثل صراصير الكنيف، فهو نجس حيًّا وميِّتًا؛ لأنه متولِّد من نجس، فكان نجسًا كالكلب. والثاني: ما هو متولِّد من طاهر كالذُّباب والبَقِّ والعقرب والقَمْل والبراغيث والدِّيدان والسَّرَطان، سواء لم يكن له دم أو كان له دم (٦) غير

стр. 189

مسفوح، فهذا لا ينجُس بالموت، ولا ينجِّس المائع إذا وقع فيه، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقع الذبابُ في شراب أحدكم فليغمِسْه كلَّه، ثم لْيَطرحْه (١)، فإنَّ في [٣١/ب] أحد جناحيه شفاءً وفي الآخر داءً" رواه البخاري (٢). فأمر بغمسه، مع علمه بأنه يموت بالغمس غالبًا، لا سيَّما في الأشياء الحارّة؛ فلو كان ينجِّس الشراب لم يأمر بإفساده. وقد روى الدارقطني (٣) عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : "يا سلمان كلُّ طعام وشراب وقعت فيه دابة (٤) ليس لها دم فماتت فيه، فهو حلالٌ أكلُه وشربُه وطهورُه (٥) ". وقد روي عن عمر، ومعاذ، وأبي الدرداء، وابن مسعود، وأبي أمامة أنهم كانوا يقتلون القَمْلَ في الصلاة، ومنهم من كان يدفنه في المسجد (٦).

стр. 190

ولو كان نجسًا لصانوا صلاتهم عن حمل النجاسة، ومسجدَهم عن دفن النجاسة فيه؛ ولأنه ليس له دم سائل، فأشبه دودَ الخلِّ والباقلاء. فصل إذا مات في الماء ما يُشَكُّ فيه هل له نفس سائلة، فهو طاهر في أظهر الوجهين. فأمّا الوزَغ، فهو نجس في المنصوص من الوجهين، والله أعلم.

стр. 191

باب دخول الخلاء (١) مسألة (٢): (يُسْتَحبُّ لمن أراد دخولَ الخلاء أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، ومن الرِّجس النِّجْس الشيطان الرجيم) . وذلك لما روي عن علي أن رسول الله ﷺ قال: "سِتْرُ ما بين الجنِّ وعورات بني آدم ــ إذا دخل [٣٢/أ] أحدكم الخلاء ــ أن يقول: بسم الله" رواه ابن ماجه والترمذي (٣). وعن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إنّي أعوذ بك من الخُبْث والخبائث". رواه الجماعة (٤). وفي لفظ للبخاري: "إذا أراد أن يدخل". وعن زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ هذه الحُشوشَ محتضَرَةٌ،

стр. 192

فإذا دخل أحدكم فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبُث والخبائث" رواه أبو داود وابن ماجه (١). وعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يعجِزْ أحدُكم إذا دخل مِرْفَقَه، أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرِّجْس النِّجْس، الخبيثِ المُخْبِث، الشيطان الرجيم" رواه ابن ماجه (٢). الحشوش: جمع حُشّ، وهي في الأصل: البساتين، كانوا يقضون الحاجة فيها، ثم سمِّي موضعُ قضاء الحاجة حُشًّا. والمحتضَرة: التي تحضرها الشياطين، ولذلك أُمِر بذكر الله والاستعاذة قبل الدخول. والخُبْث: بسكون الباء. قال أبو عبيد وابن الأنباري وغيرهما قالوا: "وهو الشرُّ، والخبائث: الشياطين، فكأنه استعاذ من الشرِّ ومن أهل الشرِّ" (٣)

стр. 193

وقال الخطابي (١): "إنما هو الخُبُث، جمع خبيث، والخبائث. جمع خبيثة استعاذ من ذكرانهم وإناثهم". والأول أقوى، لأنَّ "فعيل" إذا كان صفةً جُمِع على فُعَلاء مثل ظريف وظُرفاء، وكريم وكُرماء. وإنما يُجمَع على فُعُل إذا كان اسمًا مثل رغيف ورُغُف ونذير ونُذُر (٢)؛ ولأنه أكثر معنًى. والنِّجْس بالكسر والسكون: إتباعٌ لما قبله، ولو أفردتَه لفتحتَه (٣). والمُخْبِث: ذو الأصحاب الخبثاء. وهو أيضًا: الذي يعلِّم غيرَه الخُبث (٤).

стр. 194

مسألة (١): (وإذا خرج قال: غفرانَك، الحمد لله الذي أذهَبَ [٣٢/ب] عنّي الأذى وعافاني). لقول عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك". رواه الخمسة إلا النسائي. قال الترمذي: حديث حسن غريب (٢). وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهبَ عنِّي الأذى وعافاني" رواه ابن ماجه (٣)، وذكره الإمام أحمد. ولأنَّ الخلاء مظِنّة الغفلة والوسواس، فاستُحِبَّ الاستغفارُ عقيبه. مسألة (٤): (ويقدِّم رجله اليسرى في الدخول، واليمنى في الخروج) . وهذا عكس دخول المسجد، لأن اليمنى أحقُّ بالتقدُّم (٥) إلى الأماكن

стр. 195

الطيِّبة، وأحقُّ بالتأخير عن الأذى ومحل الأذى. وكذلك قُدِّمت في الانتعال دون النزع، لأنه صيانةٌ لها. وهذا فيما يشترك فيه العضوان، فأمَّا ما يختصُّ بأحدهما فإنه يُفعل باليمين إن كان من باب الكرامة كالأكل والشرب، وبالشمال إن كان من باب إزالة الأذى كالاستنجاء والسِّواك. مسألة (١): (ولا يدخُلُه بشيء فيه اسمُ الله إلا من حاجة) . لما روى أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء نزَع خاتمَه. رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب (٢). وكان

стр. 196

نقش خاتمه: "محمد رسول الله" (١). فإن كان معه دراهم أو كتاب أو خاتم فيه ذكر اسم الله، وخاف عليه= استصحبه، وستَره، واحترز من سقوطه. وإن كان خاتمًا أدار فِصَّه إلى باطن كفِّه. فإن دخل بشيء فيه اسمُ الله من غير حاجة كُرِه لأنه يصان [٣٢/أ] عنه ذكرُ الله تعالى باللسان، فما كُتِبَ (٢) عليه اسمُه أولى، بدليل المحدِث يُمنعَ من مسِّ المصحف دون تلاوة القرآن. مسألة (٣): (ويعتمدُ في جلوسه على رجله اليسرى) . لما روى سُراقة بن مالك قال: علَّمَنا رسولُ الله ﷺ ــ إذا أتينا الخلاء ــ أن نتوكَّأ على اليسرى، وننصِبَ اليمنى. رواه الطبراني في "معجمه" (٤).

стр. 197

ولأنَّ ذلك أسهَلُ لخروج الحدث. فصل ولا يتكلَّم، لما روى ابن عمر أنَّ رجلًا مرَّ، ورسول الله ﷺ يبول، فسلَّم عليه، فلم يرُدَّ عليه. رواه الجماعة إلا البخاري (١). وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائطَ كاشفَين عوراتهما يتحدَّثان، فإنَّ الله يمقُت على ذلك" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٢).

стр. 198

وعن ابن عمر أنَّ رجلًا مرَّ على رسول الله ﷺ ، وهو يبول، فسلَّم عليه الرجل، فردَّ ﵇. فلمَّا جاوزه ناداه النبيُّ ﷺ فقال: "إنما حمَلَني على الرَّدِّ عليك خشيةُ أن تذهبَ فتقولَ: إنّي سلَّمتُ على رسول الله ﷺ ، فلم يرُدَّ عليَّ. فإذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلِّم عليَّ، فإنك إنْ تفعَلْ لا أردَّ عليك". رواه الشافعي (١). وهذا يدل على أنَّ الكلام هنا مكروه، وأنه يجوز لعذر. وإذا عطَس حمِد الله بقلبه في أشهر الروايتين. والأخرى: يحمده بلسانه خُفيةً (٢)، لعموم الأمر به، ولأنه كلام لحاجة. والأول أولى، لأن النبي ﷺ لم يردَّ السلام [٣٣/ب] مع تأكُّده وتعلُّق حقِّ الإنسان به، فغيره أولى. وحكى الإمام أحمد أنَّ ابن عباس كان يكره ذكر الله على خلائه، ويشدِّد فيه (٣)، وذكرُ الله سبحانه أعظم من غيره من الكلام، فلا يقاس به.

стр. 199

مسألة (١): (وإن كان في الفَضاء أبعَدَ واستَتَر) . أمَّا أنه يُبعِدُ، فلما روى جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فكان لا يأتي البَرازَ حتّى يتغيَّب (٢)، فلا يُرى. رواه ابن ماجه (٣). وعن المغيرة بن شعبة قال: كنتُ مع النبي ﷺ في سفر، فأتى حاجته، فأبعَدَ في المذهب حتّى توارى عنّي. رواه الجماعة (٤). وأمّا الاستتار بما يمكنه من هدفِ (٥) حائطٍ أو حائشِ نخلٍ (٦) أو كثيبِ رملٍ، فلِما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أتى الغائطَ فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم. من فعَلَ فقد أحسَن، ومن لا فلا حرج". رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه (٧)

стр. 200

وسنذكر حديث ابن جعفر وغيره (١). ولأن ذلك جهدُه في ستر العورة المأمور بها. ولهذا كُره أن يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، لأنّ كشف العورة إنما أبيح للحاجة، فيقدَّر بقدرها. وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. رواه أبو داود والترمذي (٢)، واحتجَّ به الإمام أحمد. مسألة (٣): (وارتادَ موضعًا رِخْوًا) . لما روى أبو موسى قال: مال رسول الله ﷺ إلى دمث إلى (٤) جنب

стр. 201

[٣٤/أ] حائط ........................................... (١). [مسألة (٢): (ولا يبول في ثَقْب ولا شَقٍّ، ولا طريقٍ، ولا ظلٍّ نافع، ولا تحت شجرة مثمِرة)] . .............................. [٣٥/أ] يورث الوسواس (٣)، وربما أصابه شيء منها. ولذلك يكره الاستنجاء في كلِّ موضع نجس إلا المكان المُعَدَّ للاستنجاء خاصة. ويكره البول في الماء الدائم، وإن كثر وبلغ حدًّا لا يمكن نزحُه، لعموم النهي عن ذلك، ولأنَّ فتح هذا الباب يفضي إلى كثرة البول فيغيِّره. وهي الموارد المذكورة في حديث معاذ (٤).

стр. 202

وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اتقوا الملاعن الثلاث: أن يقعد أحدكم في ظلٍّ يُستظَلُّ فيه، أو في طريقٍ، أو في نَقْعِ ماءٍ" رواه أحمد (١). وأمّا الجاري، فيكره فيه التغوُّط، لبقاء أثره. فأمَّا البول فلا يكره إلا أن تكون الجِريةُ قليلة وتحتها مستعمل يصيبه بيقين، لمفهوم النهي عن البول في الماء الدائم. ولا يكره البول في الآنية للحاجة، لما روي عن عائشة قالت: يقولون: إن رسول الله ﷺ وصَّى (٢) إلى عليٍّ! لقد دعا بالطَّسْت ليبول فيها، فانخنثَتْ نفسُه (٣) فإلى من أوصى؟ " رواه النسائي (٤)

стр. 203

وعن أميمة بنت رُقَيقة (١) قالت: كان للنبي ﷺ قدَحٌ من عِيدانٍ تحت سريره، يبول فيه بالليل. رواه النسائي وأبو داود (٢). و لا يُكره البول قائمًا لعذر . ويُكره مع عدم العذر، إذا خاف أن تُرى عورتُه أو يصيبه البول. فإن أمِن ذلك لم يُكره في المنصوص من الوجهين، لما روى حذيفة أن رسول الله ﷺ أتى سُبَاطةَ (٣) قوم، فبال قائمًا. رواه الجماعة (٤). وفي الآخر: يُكره، لما روي عن عائشة قالت: من حدَّثكم أنّ رسول الله ﷺ بال قائمًا فلا تصدِّقوه. ما كان يبول إلا جالسًا. رواه أحمد [٣٥/ب] وابن ماجه والنسائي والترمذي، وقال: هو أحسن حديث في هذا الباب وأصح (٥).

стр. 204

وهذا يدل على أنّ الغالب عليه كان الجلوس، وأنَّ بوله قائمًا كان لعذرٍ، إما لأنه لم يتمكن من الجلوس في السُّباطة، أو لوجع كان به؛ لما روى أبو هريرة أنَّ رسول الله ﷺ بال قائمًا من جُرحٍ كان بمَأْبِضه (١). أي تحت ركبته. و (٢) قال الشافعي: كانت العرب تستشفي لوجعِ الصُّلْب بالبول قائمًا. فنرى لعله كان به إذ ذاك وجع الصلب (٣). ولكن قد رويت الرخصة عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر وسهل بن سعد وأنس (٤)؛ ولأن الأصل الإباحة، فمن ادعى الكراهة فعليه الدليل. مسألة (٥): (ولا يستقبلُ شمسًا ولا قمرًا) . وذلك لأنَّ بهما يستضيء أهل الأرض، فينبغي احترامهما. وقد ورد أنَّ أسماء الله مكتوبة عليهما (٦). وهذا على سبيل التنزيه، فإن كان بينهما حائل

стр. 205

فلا بأس. وكذلك يُكره أن يستقبل الريحَ خشيةَ أن يرجع عليه رشاشُ بوله. مسألة (١): (ولا يستقبلُ القبلةَ ولا يستدبرها ، لقول رسول الله ﷺ : "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها". ويجوز ذلك في البنيان). هذا هو المنصور عند الأصحاب، وأنه يحرُم الاستقبال والاستدبار في الفضاء دون البنيان. وعنه: يحرُمانِ (٢) فيهما. اختاره أبو بكر (٣)، لما روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ [٣٦/أ] قال: "إذا جلس أحدكم لحاجته، فلا يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها" رواه أحمد ومسلم (٤). وعن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا". قال أبو أيوب: فقدِمنا الشامَ، فوجدنا مراحيضَ قد بُنيت نحوَ الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله. متفق عليه (٥)

стр. 206

وعنه: يحرم الاستقبال فيهما دون الاستدبار، لما روى ابن عمر قال: رَقِيتُ يومًا على بيت حفصة، فرأيت النبي ﷺ على حاجته مستقبلَ الشام مستدبرَ الكعبة. متفق عليه (١). فهذا يبيح الاستدبار، فيبقى الاستقبال على ظاهر النهي. ووجه الأول: حديث ابن عمر المذكور. وعن عِرَاك بن مالك أن عائشة قالت: ذُكِر لرسول الله ﷺ أن ناسًا كرهوا أن يستقبلوا القبلةَ بفروجهم، فقال: "أوَقد فعلوها؟ حوِّلوا مقعدتي قِبلَ القبلة". رواه أحمد وابن ماجه (٢). وروى أبو داود (٣) عن مروان الأصفر قال: رأيتُ ابن عمر أناخ راحلته مستقبلَ القبلة يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نُهي عن هذا؟

стр. 207

قال: إنما هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يستُرك فلا بأس. وعلى هذا يُحمَل ما روى جابر قال: نهَى رسول الله ﷺ أن تُستقبلَ القبلةُ ببول، فرأيته قبل أن يُقبَض بعام يستقبلها. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن غريب (١). [٣٦/ب] وقال البخاري: هذا حديث حسن صحيح (٢). وقد قيل في وجه الفرق: إنّ كشف العورة محظور في الأصل، وإنما يباح لحاجة، فإذا لم يكن بين يديه أو قريبًا منه شيء يستره كان أفحَش؛ وجهةُ القبلة أشرفُ الجهات، فصِينت عنه. وعلى هذا نقول: إن الجلوس في الصحراء في وَهْدٍ (٣) أو وراء جدار أو بعير كما بين البنيان، وإنّ الجلوس على سطوح البُنيان (٤) ولا سُتْرةَ لها كالفضاء.

стр. 208

مسألة (١): (وإذا (٢) انقطع البول مسَح من أصلِ ذكره إلى رأسه، ثم ينترُه ثلاثا) . يعني: يمسحُ من أصل الذكر تحت الأنثيين إلى رأسه، وينتُر الذكر؛ يفعل ذلك ثلاثًا لما روى عيسى بن يزداد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بال أحدكم فليمسَحْ ذكرَه ثلاث مرَّات". رواه أحمد وابن ماجه (٣). وقال أبو الشعثاء: إذا بُلْتَ فامسَحْ أسفلَ ذكرك (٤). ولأنه بالمَسْح والنَّتْر يسترخي ما إذ عساه يبقى ويُخشى عودتُه بعد الاستنجاء. وإن احتاج إلى نحنحة أو مشي خطواتٍ لذلك فعَلَ، وقد أحسن. وقيل: بل يُكره، لأنه وسواس وبدعة (٥). وقال أحمد: إذا توضأتَ فضع

стр. 209

يدك على سَفِلتك، ثم اسلُتْ ما ثَمَّ حتى ينزل. ولا تجعل ذلك من همِّك، ولا تلتفت إلى ظنِّك (١). وإن استنجى عقب انقطاع البول جاز. ولا يطيل المقام لغير حاجة، لأن المقام فيه لغير حاجة مكروه، لأنه محتضَر الشياطين وموضع إبداء العورة. ويقال عن لقمان الحكيم: إن إطالة الجلوس تُدمي (٢) الكبد وتورث البواسير (٣). مسألة (٤): (ولا يمسُّ ذكرَه بيمينه، ولا يتمسَّح بها) . أما مسُّ الذكر باليمين، فمنهيٌّ عنه في كلِّ حال، لما روى أبو قتادة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُمسِكَنَّ أحدكم ذكرَه بيمينه، ولا يتمسَّحْ من الخلاء بيمينه" متفق عليه (٥). وكذلك الاستنجاء باليمين، لذلك (٦)، ولأن سلمان الفارسي قيل له:

стр. 210

"لقد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء حتى الخِراءة. فقال سلمان: أجل؛ نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول [أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار] (١)، أو نستنجي برجيع أو بعظم (٢). رواه مسلم وغيره (٣). ولا يستعين بيمينه في ذلك، إلا أن يحتاج إلى ذلك. أما مسح الدبر فلا حاجة فيه إلى الاستعانة باليمين. وأما (٤) مسح القبل فيستغني عنها بأن يقصد الاستجمار بجدار أو موضع ناتئٍ (٥) أو حجر ضخم ونحو ذلك، مما لا يحتاج إلى إمساكه. فإن اضطُرَّ إلى الحجارة الصغار أو الخِرَق (٦) ونحوها جعَلَ الحجرَ بين عَقِبَيه أو بين أصابعه إن أمكن، وتناول ذكره بشماله فمسحه بها. فإن شقَّ عليه ذلك فله الاستعانة باليمين، كما له أن يستعين بها في صبِّ الماء، وكما لو كان أقطع اليسرى. وهل يمسك ذكرَه بشماله، والحجرَ بيمينه، أو بالعكس؟ على وجهين، أصحُّهما الأول. وبكلِّ حال تكون اليسرى هي المتحركة، لأن الاستجمار إنما يحصل بالحركة. ولو استنجى بيمينه صحَّ مع الكراهة.

стр. 211

مسألة (١): (ثم يستجمر وترًا، ثم يستنجي بالماء) . هذا هو الأفضل، لأن عائشة ﵂ قالت: مُرْنَ أزواجكنَّ أن يُتبعوا الحجارةَ الماءَ من أثر الغائط والبول، فإنِّي [٣٧/ب] أستحييهم. كان رسول الله ﷺ يفعله (٢). احتجَّ به أحمد في رواية حنبل (٣). وروى أيضًا في كتاب "الناسخ والمنسوخ" أن ناسًا من الأنصار كانوا يُتبعون الاستنجاءَ بالحجارةِ الماءَ، فنزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ الآية (٤)؛ ولأن الغسل بعد تخفيف (٥) النجاسة أبلغ في التنظيف، فصار كالغسل بعد الحَتِّ والفَرْك في غير ذلك؛ ولأنه أبعد من مسِّ الأذى باليد المُحْوِج إلى تكلُّف تطهيرها.

стр. 212

وإنما يستحبّ الإيتار في الاستجمار، لما أخرجا في "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من استجمر فليوتر". وإن قطع عن شفع جاز، لأن في رواية أبي داود وابن ماجه: "من فعَلَ فقد أحسَنَ، ومن لا فلا حرج" (٢). وإن اقتصر على أحدهما، فالماء أفضل في ظاهر المذهب. وعنه: أنه يكره الاستنجاء من غير استجمار، لأن فيه مباشرةَ النجاسة بيده ونشرَها من غير حاجة، ولأن الاقتصار على الحجر يجزئ بالإجماع من غير كراهة، والماء قد أنكره بعض السلف. والأول أصح، لأنَّ الماء يطهِّر المحلَّ، ويزيل الأثر؛ والحجر يخفِّف. وكان قياسها على سائر البدن يقضي ألا يجزئ إلا الماءُ، وإنما أجزأت الأحجار رخصةً، فإذا استعمل الطهور كان أفضل. والمباشرة باليد لغرض صحيح وهو الإزالة، كما في سائر المواضع. ثم في الحجر يبقى أثر النجاسة ويدوم، فإن لم يُكره الحجرُ فلا أقلَّ من أن يكون مفضولًا. وما نُقِل عن بعض الصحابة من إنكار الماء، فهو ــ والله أعلم ــ إنكارٌ على من يستعمله معتقدًا [٣٨/أ] لوجوبه، ولا يرى الأحجار مجزئة؛ لأنهم شاهدوا من الناس محافظةً على الماء لم تكن في أول الإسلام، فخافوا التعمُّقَ في الدين، كما قد يبتلى به بعض الناس. ولهذا قال سعد بن أبي وقاص: "لِمَ تُلحقون (٣) في دينكم ما ليس منه؟ يرى أحدكم أنّ حقًّا عليه أن

стр. 213

يغسل ذكرَه إذا بال! " (١). فإن لم يُحمَل على هذا، فلا وجه له. فقد أخرجا في "الصحيحين" (٢) عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوةً من ماء وعنَزَةً، فيستنجي بالماء. وقصة أهل قباء مشهورة (٣). ويستحب للمستنجي أن يدلُكَ يده بالأرض، لما روى أبو هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاءَ أتيتُه بماء في تَورٍ أو رَكْوة، فاستنجى، ثم مسح يده بالأرض. رواه أبو داود وابن ماجه (٤)

стр. 214

فصل والأَولى أن يبدأ الرجل بالقبل؛ لأنه إذا بدأ بالدبر ربما أصابت نجاسةُ القبل يدَه، وأصابت دبرَه في حالة غسله. والمرأة تتخيَّر في [أحد] (١) الوجهين لتوازنهما في حقها. والثاني: تبدأ بالدبر، لأن نجاسته أفحَشُ وأعسَرُ إزالةً، فتبدأ (٢) بها لئلا ينجس القبلُ بها، وقد طهُر. والثيِّب والبكر فيه سواء، إلا أنَّ البكر يخرج بولها فوق الفرج، والعُذرةُ تمنع نزولَ البول إليه. وأما الثيِّب فيمكن نزول البول في فرجها. والمنصوص من الوجهين: أنه لا يجب تطهير باطن فرجها، لما فيه من المشقة، كداخل العينين. والآخر: أنه (٣) يجب، فعلى هذا إن لم يتحقق نزول [٣٨/ب] شيء من البول إليه لم يجب شيء. وإن تحقَّق (٤) فهل يجب غسله بالماء لأن النجاسة تعدَّت المخرج، أو يكتفى فيه بالحجر للمشقة في ذلك، وأنه معتاد (٥)؟ على وجهين؟ أصحُّهما إجزاء الحجر. مسألة (٦): (وإن اقتصر على الاستجمار أجزأه، إذا لم تتعدَّ النجاسةُ موضعَ الحاجة). أما إذا لم تتعدَّ النجاسةُ موضع الحاجة، فإنه يجزئه الاستجمار إذا أنقى

стр. 215

وأكملَ العددَ، سواء في ذلك جميعُ ما يستنجى منه، من البول والمذي والودي والدم وغير ذلك. وإنما يجزئ بشرطين: أحدهما الإنقاء، لأنه هو المقصود، وعلامة ذلك ألا يبقى في المحلّ شيء يزيله الحجر. والثاني: ثلاث مسَحات، لما تقدَّم من حديث سلمان، ولما روت عائشة عن النبي ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فَلْيستطِبْ بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه" رواه أبو داود (١). فعلَّق الإجزاءَ بها، ونهى عما دونها. وهذا إجماع من الأمة أن الاقتصار على الأحجار يجزئ من غير كراهة. وأما إذا تعدت موضع الحاجة فلا يجزئه إلا الماء؛ لأن الأصل أن يجب إزالة النجاسة بالماء، وإنما رخّص في الاستجمار لتكرار النجاسة على المخرج ومشقة إيجاب الغسل، فإذا تعدَّت عن المخرج المعتاد خرجت عن حد الرخصة فوجب غسلها كنجاسة سائر البدن. وحدُّ ذلك: أن ينتشر الغائط إلى نصف باطن الألْية فأكثر، أو ينتشر (٢) البول إلى نصف الحشَفة فأكثر (٣)
следующие страницы →