← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وإن نوى أنه إن وجَدَ طعامًا أفطر وإلا فلا، فوجهان. وجميع الليل محلٌّ للنية، حتى لو نَوَت الحائض، وقد عرفَتْ مِن حالها الطهرَ قبل الفجر ... ولابدّ أن يكون قبل الفجر، ولا يصح معه، نص عليه ... (١). و إن نوى نهارًا قبل يوم الصوم بليلة، ففيه روايتان: أحدهما (٢): لا يجزئه. قال في رواية حنبل: يحتاج الرجل في شهر رمضان أن يجمع على الصيام في كلِّ يوم من الليل. وهذا اختيار أصحابنا؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا صيام لِمَن لم يُجْمِع الصيامَ مِن الليل» (٣). والثانية: يجزئه. قال ابن منصور (٤): قلت لأحمد: إذا نوى الصوم بالنهار أن يصوم غدًا من قضاء رمضان، ثم لم ينوه من الليل. قال: قد تقدم منه نيَّةٌ، لا بأس به، إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك. وقد تأوَّلها القاضي في «المجرّد» على أنه استصحب النيةَ إلى جزءٍ من الليل. وتأولها ابنُ عقيل على قولنا بأنه يكفي لجميع الشهر نية واحدة. وكلاهما ضعيف، وهو الذي يقتضيه كلام أحمد؛ فإنه قد نصّ على أن

стр. 1647

الصومَ يصح مع الأكل إلى طلوع الفجر، وأن النية يجب أن تكون قبل الفجر؛ كما دل عليه نص الرواية، وأقرَّها القاضي في آخر أمره على ظاهرها، وهو الصواب؛ لأن ليلة الصوم تابعة له، فجاز تقديم النية عليها؛ كما يجوز تقديمها على النوم، ولأن النية إذا لم تفسخ فإن حكمها باقٍ؛ وإن تقدمت على العبادة بزمن طويل، ما لم تفصل بينهما عبادةٌ من جنسها. ولهذا قال كثير من أصحابنا: إن نية الصلاة تصح من أول الوقت، بخلاف ما إذا نوى في ليلة صيام اليوم الذي يلي يومها؛ فإنه قد تخلل بين وقت النية ووقت العبادة وقتٌ يصلح لأداء مثل تلك العبادة. فإن قوله: «لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيامَ من الليل» ليس بنصّ، فإن مَن نوى من النهار واستصحب النيةَ إلى الفجر؛ فقد أجمع الصيامَ من الليل؛ لأن الإجماع أعمّ من أن يكون مبتدأ أو مستصحبًا ذكرًا أو حكمًا. ولهذا إنما ذكر ذلك لبيان الـ ... (١) الذي تقدم النيةُ عليه، لا لبيان ما يجب تأخير النية عنه. فصل (٢) وهل يشترط أن ينوي نية الفريضة؟ على وجهين: أحدهما: لا يشترط. قاله القاضي وأبو الخطاب (٣) وأكثر أصحابنا. وهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ لأنه اعتبر أن ينوي رمضان ولم يذكر نية

стр. 1648

الفريضة؛ لأن نية رمضان من المكلّف تتضمَّن نيةَ الفرض؛ فإن رمضان منه لا يقع إلا فرضًا، وهذا أبلغ من الصلاة. والثاني: يشترط. قاله ابن حامد. وأما نية الأداء؛ فأشبه ما لو نوى صلاة في وقت التي قبلها. وتشترط النية لكلِّ يوم على انفراده في المشهور عنه الذي عليه عامة أصحابه. قال في رواية الجماعة ــ صالح وعبد الله وإبراهيم وابن منصور (١) ــ: يحتاج في شهر رمضان أن يُجمع في كلِّ يوم على الصوم. وروى عنه حنبل في بعض المواضع قال: سألت أبا عبد الله: هل يحتاج في شهر رمضان إلى نية كلّ ليلة؟ قال: لا، إذا نوى من أول الشهر يجزئه. وهذه التي نصَرَها ابنُ عقيل؛ لأن النبي ﷺ قال (٢): «وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣)، وهذا قد نوى جميعَ الشهر. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لما أهلَّ رمضان: «قد دخل عليكم هذا الشهر المبارك فقدِّموا فيه النية» (٤).

стр. 1649

ولأن شهر رمضان بمنزلة العبادة الواحدة؛ لأن الفطر في لياليه عبادة أيضًا يستعان بها على صوم نهاره، ولهذا شملت البركة لياليه وأيامه، وسُمّي الفطر ليلة العيد فطرًا من رمضان، فعُلم أن الفطر الذي يتخلَّل أيامَه ليس فطرًا من رمضان، ويزكّون صومَهم ويُوَفَّون أجرَهم في آخره، فعلم أنه عبادة واحدة، فأجْزَأتْ فيه نيةٌ واحدة كسائر العبادات. وكون الفساد يختصّ ببعضه إذا صادفَه لا يمنع كونَه عبادة واحدة كالحج، فإنه يشتمل على إحرام ووقوف وطواف وسعي، ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة، أو قد اخترق (١) الحِجْرَ، ونحو ذلك؛ لم يتعدَّ الفساد إلى غيره، ومع هذا؛ فهو عبادة واحدة، بحيث تكفيه نية واحدة. ولأنّ النيةَ وقعت لهذا الصوم في زمان يصلح جنسُه لنية الصوم، من غير أن يتخلَّل النيةَ والصومَ المنويَّ زمانٌ يصلح جنسُه لصوم سواه، فجاز ذلك، كما لو نوى لكل يوم من ليلته. فأما القضاء والنذر فلا يجزئه إلا تبييت [ق ٣٢] النية في كلِّ ليلة قولًا واحدًا، ولم يفرق أصحابنا (٢) بين النذر المعيّن والكفارة المتتابعة وغيرها. ووجه الأول: قوله ﷺ : «مَنْ لم يُجْمِع الصيامَ من الليل قبل الفجر؛ فلا صيام له»، ولأن كل يوم عبادة مفردة، بدليل أنه لا يفسُد بعضُها بفساد بعض. والعبادة المفردة تفتقر إلى نية مفردة كسائر العبادات. والحج عبادة واحدة، بدليل أنه لو وطأ في آخره فسد أوله، ومع هذا

стр. 1650

فلابدّ للطواف من نية تخصّه، ولا تكفيه نية أصل الحج، وإنما يجزئ ذلك في الوقوف خاصة؛ لأنه من خصائص الحج وفي ضمنه، بخلاف الطواف فإنه عبادة مفردة بنفسه. فصل (١) ولا يجزئ الواجب من الكفارة والقضاء والنذر المطلق إلا بتعيين النية والنذر المعين. فأما رمضان، فلا يجزئ إلا بتعيين النية في إحدى الروايات. قال في رواية صالح (٢) فيمن صام شهر رمضان وهو ينوي به تطوعًا: أيجزئه؟ فقال: أو يفعل هذا مسلم؟ وكذلك الأثرم وقد تقدمت. ونقل عنه ... (٣) من يحجّ ينوي به التطوُّع، ويصوم ينوي به التطوع؛ فالحج والصوم سواء، لا يجزئه العمل فيه إلا بنية. نصّ عليه فيمن صام رمضان ينوي به تطوُّعًا لا يجزئ، سواء تعمَّد ذلك أو لم يدر؛ كيوم الشكّ والأسير وغيرهما قال: لا يجزئه، يعزمه أنه من رمضان. والثانية: يجزئه. قال في رواية المرُّوذي: إذا حال دونه حائلٌ فإنه يصوم. فقيل له: يصومه على أنه من رمضان؟ فقال: نحن أجمعنا على أن نصبح صيامًا، ولم نعتقد أنه من رمضان، فهو يجزئنا من رمضان. فقيل له: أليس تريد أن ينوي أنه من

стр. 1651

رمضان؟ قال: لا، إذا نوى من الليل أنه صائم أجزأه. فقد نصَّ بأنه لا يجب تعيين النية، حتى لو نوى الصومَ مطلقًا، أو نوى نذرًا أو قضاء أو تطوعًا أجزأه من رمضان. قال القاضي: فظاهره أنه لو نوى صومًا مطلقًا؛ أجزأه عن فرضه. ومِن أصحابنا مَن جعل هذه (١) رواية بكلِّ حال، وهذا اختيار الخرقي في «شرحه» (٢). قال: من أصلنا لو نوى أن يصوم تطوُّعًا فوافق رمضان، أجزأه لأنه يحتاج أن يفرِّق بين الفرض والنفل لما يصلح لهما، وشهر رمضان لا يصلح. والرواية الثالثة: أن تعيين النية برمضان [لا] (٣) يجب مع الغيم دون الصحو. قال في رواية صالح (٤): إذا حال دونه شيء، فأصبح صائمًا أجزأه، وإن لم يَحُل لم يجزئه حتى ينوي أنه من رمضان. واختار جَدِّي ﵀ (٥): أنه يجزئه مع الإطلاق على رواية المرُّوذي،

стр. 1652

ولا يجزئه مع تعيين غير رمضان؛ كما نص عليه في رواية الجماعة. وذلك لأن التعيين إنما يُفْتَقَر إليه للتمييز بين العبادتين، لجواز أن ينوي كلِّ واحدة منهما، والوقت هنا لا يصحّ لغير رمضان، ولا يصلح فيه غيره؛ فإنه لو صام في رمضان قضاءً أو نذرًا أو نفلًا، لم يصح وفاقًا. وإذا كان متميزًا بنفسه لم يَفْتَقِر إلى التعيين، كما لا يفتقر المقيمُ أن ينوي الظهرَ أربعًا، ولأنه متى قصدَ الصيامَ وأراده، فقد أتى بالصوم الشرعي؛ لأنه عبارة عن الإمساك والنية، وإذا أتى بالصوم الشرعي أجزأه عن صوم شهر رمضان؛ لأنه لا يصح في هذا الوقت غيرُه، ولأنها عبادة تَعَيَّن لها هذا الوقتُ شرعًا، فإذا وقع غيرها من جنسها، وقع عينها، كما لو أحرم بالحج نفلًا أو نذرًا، فإنه يقع عن حجة الإسلام؛ لأن الشارع عيَّن أول حجة لحجة الإسلام بقوله: «هذه عنك، ثم حُجّ عن شُبْرمة» (١)، بل هذا أولى من الحجِّ؛ لأن هذا الزمان تعيَّن بتعيين الشارع، وقد أجمع الناسُ أنه لا يجوز أن يوقِعَ فيه غيرَه. والحجُّ وإن تعيَّن له ذلك العام فقد كان يجوز أن يوقَع في غيره. وقد اخْتُلف في جواز إيقاع غيره فيه، ... (٢) والأول هو المذهب الذي عليه عامة الأصحاب، مثل أبي بكر وأبي حفص والقاضي وأصحابه، لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فإنه أمرٌ بصوم هذا الشهر متضمِّن للأمر بنيته، فإنَّ مَن صام فيه تطوُّعًا أو قضاءً أو صومًا مطلقًا؛ لم يصمه، وإنما صام فيه، ولأن النبيَّ ﷺ قال: «وإنما لكلِّ امرئ ما نوى»،

стр. 1653

وهذا لم ينو صومَ رمضان أصلًا ولا ضمنًا، فلا يجزئه، ولأنها عبادة ... (١) وإن قال ليلة الشكّ: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي، وإن لم يكن منه فهو نفلي، أجزأه إن كان منه، على قولنا: يصحّ بنيّةٍ [من] (٢) الليل لا يشترط تعيين النية، وعلى قولنا: يشترط، لا يجزئه. (٣) فيمن أصبح متلوِّمًا إذا كان من رمضان، وإلا فهو شعبان نافلة، فإذا صام على هذا، قضى يومًا مكانه، ولا يكون صائمًا حتى يُجْمِع عليه من الليل. وإن قال: إن لم يكن من رمضان؛ فصومي عن واجب آخر سماه لم يجزئه عن ذلك الواجب بحال، وهل [ق ٣٣] يجزئه عن رمضان إن بان أنه منه؟ على روايتين. وإن قال: إن كان من رمضان فأنا صائم، وإلا فأنا مفطر، لم يجزئه بحال، نصَّ عليه في رواية الأثرم. قال: سألت أحمد: تقول: إذا كان في السماء سحابة أو علة أصبح صائمًا، فإن لم يكن في السماء علة أصبح مفطرًا. ثم قال: كان ابن عمر إذا رأى في السماء سحابًا، أصبح صائمًا. قلت لأبي عبد الله: فيعتدُّ به؟ قال: كان ابن عمر يعتدّ به، فإذا أصبح عازمًا على الصوم، اعتد به ويجزئه. قلت لأبي عبد الله: فإن أصبح متلوِّمًا يقول: إن قالوا: هو من رمضان صمتُ، وإن قالوا: ليس من رمضان أفطرت. قال: هذا

стр. 1654

لا يعجبني، يتمّ صومه ويقضيه، لأنه لم يعزم. وكذلك نقل حرب في يوم الشكّ: إن لم (١) يجْمِع الصيامَ ولكنه أصبح يقول: أصوم إن صام الناس، وأُفْطِر إن أفطر الناس، ولم يُجْمِع الصيامَ، وصام ذلك اليوم، فإذا هو من رمضان، يعيد يومًا مكانه. وإن قال: أنا غدًا صائم من رمضان، أو من نَفْل، لم يجزئه عن رمضان إن تبين أنه منه؛ إلا على القول بإجزاء الفرض بنية النفل، لأنه شرَّك بين الفرض والنفل في النية. وإن قال في سائر الأيام: أنا صائم غدًا قضاءً أو تطوُّعًا، وقع تطوُّعًا.

стр. 1655

بابُ (١) أحكامِ المفطرين في رمضان مسألة (٢): (ويُباحُ الفطرُ في رمضان لأربعةِ أقسام: أحدها: المريض الذي يتضرّر به، والمسافرُ الذي له القَصْر (٣)، فالفطر لهما أفضل ، وعليهما القضاء، وإن صاما أجزأهما). في هذا الكلام فصول: أحدها: أن المريض والمسافر يباح لهما الفطر؛ لقوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ... ﴾ ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].

стр. 1656

وقد استفاضت الأحاديثُ عن رسول الله ﷺ بإباحة الفطر (١) للمسافر، فالمريض أولى، وهذا مما أجمع عليه المسلمون في الجملة (٢). الفصل الثاني: أن السفر المبيح للفطر هو السفر المبيح للقصر على ما مضى؛ لأن ابن عمر (٣) وابن عباس كانا يقصران في أربعة بُرُد فما فوق ذلك (٤). ولأن السفر المطلق هو السفر الذي يتكرّر فيه الشدّ والحلّ، وذلك هو مسافة القَصْر. وأما المرض المبيح، قال ابن أبي موسى والخِرَقي (٥): هو (٦) الذي يزيد في مرضه. وكذلك المريض الذي لا يطيق الصيام أو الذي يزيدُ الصومُ في مرضه؛ له أن يفطر، وإن تحمَّل وصام أجزأه. قال في رواية صالح (٧): والمريض يفطر إذا لم يستطع. قيل: مثل الحُمَّى؟ قال: وأيّ مرَضٍ أشدّ من الحمّى؟

стр. 1657

وقال في رواية عبد الله (١): إذا كان تخاف المرأةُ اللّوزتين (٢) تُفطر إذا كانت تخاف على نفسها. وقال أبو بكر: والمريض إذا خشي على نفسه أو على بعض أعضائه التلفَ يفطرُ. وإذا احتاج إلى أن يُفطر ببعض أسباب الفطر جاز له غيره، مثل أن يحتاج إلى كحل عينه أو إلى الجماع لإزالة الشّبَق. وهل يخرَّج (٣) على هذا فِطْر المسافر بالجماع، ويُفرّق بين من جاز له الفطر وحَرُم عليه؟ قال فيما إذا احتاج إلى مداواة عينه: يفطر ويعالجها. و في معنى المريض: الصحيحُ الذي يخاف من الصوم مرضًا أو جهدًا شديدًا ، مثل مَن به عُطاش (٤) لا يقدر في الحرّ على الصوم، وهو يقدر عليه في الشتاء، أو امرأة قد حاضت (٥) والصومُ يُجهِدها. قال في رواية ابن هانئ (٦): الجاريةُ تصومُ إذا حاضت، فإن أجهدها فلتفطر ولتقض.

стр. 1658

قال أصحابنا: ولا كفّارة في ذلك بخلاف الحامل. قال القاضي (١): إن كانت تخاف المرضَ بالصيام جاز لها الفطر، وإن لم تخف من المرض لم يُبَح لها الفطر؛ لأن هذا نادر ليس بمعتاد لخوف المشقّة فيه، وكلام أحمد يقتضي ... (٢) وإن خاف من الصوم ضعفًا عن عدوّه في الحضر، أو لم يقدر على تخليصه ... (٣) الفصل الثالث: أن المريض يستحبّ له الفطر، ويكره له الصوم، فإن صام أجزأه. عن أبي العلاء بن الشّخِّير، عن عائشة: «أنه أجهدَها العطشُ وهي صائمة، فأمرها رسول الله ﷺ أن تفطر وتقضي مكانه يومين» (٤). رواه حرب بإسناد جيد. وكذلك المسافر يستحبّ له الفطر ويجزئه.

стр. 1659

قال أبو عبد الله في رواية المرُّوذي: قد سافروا مع النبي ﷺ [ص ٣٤] وقالوا (١): كان مِنّا الصائمُ ومِنّا المفطر. والذي نختار أن يفطر، وإن صام في السفر أجزأه. قال أبو سعيد: سافرنا مع النبيِّ ﷺ فمِنّا الصائم ومِنّا المفطر، ولم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم (٢). وحديث عمر ليس له إسناد. ولكن حديث ابن عباس: «لما بلغ الكَديدَ أفطر» (٣). وهو آخر الفعل مِن النبيّ ﷺ ، وكذا بأمره بالإفطار. وقال النبيّ ﷺ : «ليس مِن البرّ الصومُ في السّفَر» (٤). وقال في رواية حنبل: لا يعجبني الصيام في السفر؛ لأن النبي ﷺ قال: «ليس مِن البرّ الصومُ في السّفَر». وكان عمر وأبو هريرة يأمران (٥) بالإعادة (٦). ويتوجّه أن لا يُكره إذا لم يكن فيه مشقّة، ولا فَعلَه تعمّقًا، وإنما جاز له الأمران لما روى أبو سعيد وجابر قالا: «سافرنا مع رسول الله ﷺ فيصوم الصائم ويُفطر المفطر فلا يعيب بعضُهم على بعض». رواه مسلم (٧).

стр. 1660

وعن أبي سعيد قال: «غزَونا مع رسول الله ﷺ لستّ عشرة مضت من رمضان، فمِنّا مَن صام، ومِنّا مَن أفطر، فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطر على الصائم». رواه أحمد ومسلم والترمذي (١). وفي رواية (٢): «كنّا نغزوا مع النبي ﷺ في رمضان، فمِنّا الصائم، ومِنّا المفطر، فلم يَجِد الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم، يرون أن من وجد قوّة فصام فإن ذلك حَسَن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حَسَن». وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنّا نسافرُ مع رسول الله ﷺ ، فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم». أخرجاه في «الصحيحين» (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: سأل حمزةُ بن عَمرو الأسلمي رسولَ الله ﷺ عن الصيام في السفر؟ فقال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» (٤). وفي رواية: أنه قال للنبي ﷺ : أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصوم، فقال: «إن شئتَ فصُم، وإن شئتَ فأفطر» رواه الجماعة (٥).

стр. 1661

وفي رواية (١): قال: يا رسول الله، إني رجلٌ أسردُ الصومَ، أفأصوم في السّفَر؟ (٢). وعن أبي الدرداء قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حرٍّ شديد، حتى إنْ كان أحدُنا ليضع يدَه على رأسه مِن شدّة الحرّ، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رَواحة». رواه الجماعة إلا النسائي والترمذي (٣). ولأنه ﷺ في غزوة الفتح صام في رمضان حتى بلغ الكَديد، ثم أفطر حتى قدم مكة، فصام في السفر وأفطر. وقد تقدم (٤). ولهذا قال ابن عباس: «لا تَعِبْ على مَن صام في السفر، ولا على مَن أفطر؛ فقد صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر» (٥). وفي لفظ: «صام رسول الله ﷺ في السفر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر». متفق عليه (٦). وإنما اخترنا له الفطرَ لقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولأنه آخر الأمرين من النبي ﷺ ، فإنه أفطر في

стр. 1662

أثناء غزوة الفتح، ثم لم يزل مفطرًا، ثم لم يسافر بعدها في رمضان، وإنما يؤخذ بالأحْدَث فالأحْدَث مِن أمر رسول الله ﷺ ، ولهذا كانت الأحوال التي في آخر عمره أفضل من الأحوال التي في أول عمره. وعن مَعْمَر بن أبي حبيبة (١) أنه سأل سعيد بن المسيّب عن الصيام في السَّفَر، فحدّثه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «غزَوْنا مع رسول الله ﷺ غزوتين في شهر رمضان يوم بدر ويوم الفتح، فأفطرنا فيهما». رواه أحمد والترمذي (٢)، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وعن حمزة بن عَمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله، أجَدُ مِنّي قوّة على الصوم في السفر، فهل عليَّ جُناح؟ فقال: «هي رُخْصة من الله، فمَنْ أخَذَ بها فحَسَن، ومَن أحبّ أن يصوم فلا جُناح عليه» رواه مسلم والنسائي (٣). ورواه أبو داود (٤) ولفظه: قلت: يا رسول الله، إني صاحب ظهر

стр. 1663

أعالجُه، أسافرُ عليه وأُكْرِيه، وإني ربما صادفني هذا الشهر (يعني رمضان) وأنا أجدُ القوّة، وأنا شابّ، فأجدُ بأن أصومَ يا رسول الله أهونَ عليَّ مِن أن أؤخّره فيكون دَينًا، أفأصوم يا رسول الله أعظمُ لأجري أو أفطر؟ قال: «أيَّ ذلك شئتَ يا حمزة». فقد أخبرَ النبيَّ ﷺ أنَّ (١) به قوّةً على الصوم، وأنه أيسر عليه مِن الفطر، وخيَّره النبيّ ﷺ ، وقال: «هي رُخْصة مِن الله، مَن أخذ بها فحسن»، والحَسَن هو المستحبّ، «ومَن أحبّ أن يصوم فلا جُناح عليه» (٢)، ورَفْع الجُناح إنما يقتضي الإباحة فقط، وهذا بيِّن لمن تأمّلَه. وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحامًا ورجلًا (٣) قد ظُلّل عليه، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: صائم. فقال: «ليسَ مِن البرّ الصيامُ في السّفَر» رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه (٤). وفي رواية النسائي (٥): «عليكم برُخْصَة الله التي رخّصَ لكم فاقبلوها».

стр. 1664

وعن كعب بن عاصم الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «ليس مِن البرّ الصيام في السفر» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (١). قال سفيان بن عُيينة: تفسيره: ليس مَن صام بأبرّ ممن أفطر (٢). وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «ليس مِن البرّ [ق ٣٥] الصومُ في السفر» (٣) رواه الأثرم. والبِرّ هو العمل الصالح، فقد بيَّن ﷺ أن الصومَ في السفر ليس بعمل صالح، بل هو من المباح، فلا حاجة بالإنسان إلى أن يُجهِد نفسَه به. وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال: «إذا مرضَ العبدُ أو سافر، يقول الله لملائكته: اكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيحٌ مُقيم» رواه البخاري (٤). فإذا سافر في رمضان وأفطر؛ كُتِب له صوم رمضان، ثم إذا قضاه كُتِب له صوم القضاء، فلا يكون في الصوم زيادة فضل.

стр. 1665

ولا يصحّ أن يقال: إنما هذا فيمن شقّ عليه الصوم في السفر لأن الحديث خارج على هذا السبب؛ لأنه قد رُوي مبتدأً غيرَ خارج على سبب، ولأن اللفظَ العامَّ (١) لا يجب قصرُه على سببه، بل يُحمل على عمومه، ولأن التظليل ليس فيه دليل على المشقّة التي تضرّه حتى يجب معها الفطر. ولأنه لو كان ذلك لأجل المشقّة خاصة لكان الصوم إثمًا، ولقيل: إن مِن الإثم الصوم في السفر، فإن نفي البرّ ليس يلزم منه وجود الإثم، لأن بينهما مرتبة ثالثة. ولأنه قد قال في الحديث: «عليكم برُخْصةِ الله التي أرْخَص لكم فاقبلوها»، والرخصة عامة لجميع الناس. ولأنه لما كان الصومُ في الجملة مظنةَ المشقّة، بيَّن أن لا برَّ في الصوم فيه لإفضائه إلى هذا الضرر، وإن تخلّف عنه في بعض الصور. وأيضًا تقدّم ما رُوي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن الله يحبّ أن تُؤتَى رُخَصُه كما يَكره أن تُؤتَى معصيتُه» رواه أحمد وابن خزيمة في «صحيحه» (٢).

стр. 1666

وعن محمد بن المُنكَدِر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحبُّ أن تُؤتَى رُخصتُه كما يحبّ أن تُؤتى فريضتُه» (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إنّ الله يحبّ أن تُؤتَى رُخصُه كما يحبّ أن تُؤتى عزائمُه» (٢). وعن ابن عمر وابن عباس قالا: «إنّ الله يحبّ أن تؤتَى مَياسِرُه كما يحبّ أن تُؤتى عزائمُه» (٣). رواهنّ ابنُ أبي شيبة. وعن عائشة ﵂ قالت: «ما خُيِّر رسولُ الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسَرَهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس منه» (٤). وقال ﷺ في وصيته لمعاذ وأبي موسى: «يَسِّرا ولا تعَسِّرا» (٥).

стр. 1667

وعن بِشر بن حرب قال: سألت عبد الله بن عمر، قلت: ما تقول في الصوم في السفر؟ قال: تأخذ إن حدثتك؟ قلت: نعم. قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من هذه المدينة قصَر الصلاةَ، ولم يصم حتى يرجع إليها». رواه أحمد (١). وعن أبي طُعْمة قال: كنتُ عند ابن عمر إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أقوى على الصيام في السفر. فقال ابنُ عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَن لم يقبل رُخْصةَ الله كان عليه مِن الإثم مثل جبال عَرَفة» رواه أحمد (٢)، وفي إسناده ابن لهيعة. وأيضًا ما روى أنسُ بن مالك الكعبي قال: أغارت (٣) علينا خيلُ رسول الله ﷺ فانتهيتُ ــ[أو قال]: (٤) فانطلقتُ ــ إلى رسول الله ﷺ وهو يأكل، قال: «اجلس فأصِبْ مِن طعامنا هذا». فقلت: إني صائم. قال: «اجلس أحدّثك عن الصلاة وعن الصيام، إن الله وضع شطرَ الصلاة ــ أو نصف الصلاة ــ و

стр. 1668

الصوم عن المسافر وعن المُرضع أو الحُبْلى»، والله لقد قالهما جميعًا أو أحدهما، فتلهّفَتْ نفسي أن لا أكون أكلتُ من طعام رسول الله ﷺ . رواه الخمسة (١)، وقال الترمذي: حديث حسن. وفي رواية لأحمد والنسائي (٢): «إنّ الله وضعَ عن المسافر الصومَ وشطرَ الصلاةِ، وعن الحُبلى وعن المُرضع». فأخبره النبيّ ﷺ أنّ الصومَ موضوعٌ عنه، استدعاءً منه للفطر بعد أن أخبره أنه صائم، ودعاه بعد أن أخبره أنه صائم. وعن أبي أُميَّة الضمْريّ (٣)، وعبد الله (٤) بن الشخّير (٥) عن النبي ﷺ

стр. 1669

قال: «إنّ الله وضعَ عن المسافرِ الصيامَ ونصفَ الصلاةِ» رواهما النسائي. وأيضًا عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب قال (١): سمعت رجلًا سأله: «أُتمُّ الصلاةَ والصومَ في السفر؟ فقال: لا. قال: إني أقوى على ذلك. فقال: كان رسول الله ﷺ أقوى منك، قد كان يُفطر ويَقصُر الصلاةَ في السفر. وقال رسول الله ﷺ : «خياركم من قَصَر الصلاةَ في السّفَر وأفْطَر» رواه سعيد والأثرم وغيرهما (٢). وهذا مع أنه من مراسيل سعيد فقد احتجَّ به (٣)، واحتجاجُه يدلّ على صحّته عنده. ورواه النجَّاد عن جابر مسندًا (٤). وعن ابن عمر: «أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عن الصيام في السفر، فنهاه، فقال: إن ذلك عليَّ يسير. فقال: «أنتَ أعلمُ باليسير أم الله؟ يقول الله عز

стр. 1670

وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، إن الله تصدّق برمضان على مرضى أمّتي ومسافريهم، فأيّكم يحبّ أن يتصدّق بصدقةٍ ثم تُرَدّ عليه؟!» رواه أبو حفص (١). وقد روى عمرُ عن النبيّ ﷺ أنه قال في القَصْر: «صدقةٌ تصدّق اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صدَقتَه» رواه مسلم (٢). وأيضًا فإن عامّة الصحابة على ذلك: عن أبي جمرة قال: «سألتُ ابنَ عباس عن الصوم في السفر؟ فقال: عُسْر ويُسْر، خذ بيسر الله تعالى. رواه أبو سعيد الأشج (٣). وعن أبي سلمة قال: «نهتني عائشةُ أن أصوم في السفر». رواه سعيد (٤).

стр. 1671

[ق ٣٦] وقد تقدم عن ابن عمر الأمرُ بالفطر. وعن سعيد بن جُبير قال: «كان ابن عمر لا يستأذنه (١) في السفر، فصَحِبَه رجلٌ، فدعاه إلى طعامه، قال: إني صائم. قال: مَن صَحِبنا فليقتدِ بنا، ومَن لا فليعتزلنا، فإنّ في الأرض سَعَة». رواه البغوي (٢). وعن ابن عمر: أنه كان لا يصوم في السفر رمضانَ ولا غيرَه، وإذا أقام قلَّما أفطر (٣). وعنه: «أنه جاء إليه رجل، فقال: أصومُ في السفر؟ قال: لا. قال: إنه صومٌ كنتُ أصومه. قال: إن هذا يريد أن يتبع هواه، إني لأظنك عراقيًّا» (٤). وعن مجاهد قال: قال ابن عمر: «يا مجاهد، لا تصُمْ في السفر؛ فإنهم يقولون: كُفُّوا صاحبَكم، أعينوا صاحبَكم، حتى يذهبوا بأجرك» (٥).

стр. 1672

وعن عَمْرو بن دينار قال: سمعت رجلًا من بني تميم يحدِّث عن أبيه: أنه صام رمضان في السفر، فأمره عمر أن يقضيه (١). وعن مُحرّر (٢) بن أبي هريرة قال: «صمتُ رمضانَ في السفر، فأمرني أبو هريرة أن أُعِيد في أهلي» (٣). وعن عمّار مولى بني (٤) هاشم، عن ابن عباس ﵄ فيمن صام رمضان في السفر: «لا يجزئه» رواه أبو إسحاق الشالنجي (٥). وعن عثمان بن أبي العاص وأنس: «الصوم أفضل» رواه سعيد (٦).

стр. 1673

ولأن الفطر جائز بغير خلاف من غير كراهة، والصوم قد كرهه جماعةٌ من الصحابة، وأَمَروا بالقضاء كما تقدم، ولأن الفطر أيسر وأخفّ، والله يريد بنا (١) اليُسْرَ ولا يريد بنا العُسْرَ، ويحبّ أن يؤتَى ما أرخصه، والمفطر يجمع له أجر الصائم وأجر القضاء كما تقدم، ولأنه رخصة من رُخَص السفر، فكان اتباعها أولى من الأخذ بالثقيل، كالقصر والمسح. فإن قيل: هذا يُبقي الصومَ في ذمّته بخلاف الذي يقصر الصلاةَ. قلنا: إذا أقام (٢) واتسع له وقتٌ قضاه، وإلا فلا شيء عليه. ولأن الصومَ في السفر مظنة سوء الخلق والعجز عن مصالح السفر، وأن يصير الإنسانُ كَلًّا على أصحابه، ولو لم يغيره، لكن الفطر بكلِّ حال أعْوَن له على السفر، وسعة الخُلُق، وإعانة الرفقاء، وغير ذلك من المصالح التي هي أفضل من الصوم. وبهذا يتبين أن الفطر أرفق له بكلِّ حال، ولأن في الفطر قبولًا للرخصة، وبراءةً من التعمُّق والغلوّ في الدين، وشُكْرًا لله على ما أنعم به من الرخصة. فإن (٣) صام، فهل يُكره له الصوم؟ على روايتين (٤):

стр. 1674

إحداهما: يكره. كما نقله حنبل. وقال في رواية الأثرم: أنا أكره أن يصوم في السفر، فكيف بقضاء رمضان في السفر؟ وهو اختيار الخِرَقي (١) وأبي طالب وغيرهما؛ لقوله: «ليس مِن البرّ الصوم في السفر» (٢)، وما ليس ببرّ لا يكون عبادةً، فيُكره أن يُشْغِل زمانَه بغير عبادة. ولما تقدَّم عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ صام حتى بلغ كُراع الغَمِيم، فصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شقَّ عليهم الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلْتَ، فدعا بقدحٍ مِن ماء بعد العصر، فشرب والناسُ ينظرون إليه، فأفطر بعضُهم وصام بعضُهم، فبلغه أن أُناسًا (٣) صاموا، فقال: «أولئك العصاة» رواه مسلم وغيره (٤). ولأن من الصحابة مَن يأمره بالإعادة. والثانية: لا يكره. كما نقله المرُّوذي، وهي اختيار ابن عقيل؛ لما تقدم من أنه لم يكن يعب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم، والكراهة عيب، وأن النبيَّ ﷺ صام في السفر هو وابنُ رواحة في يوم شديد الحرّ، وأنه

стр. 1675

لو كُره له الصوم لعادت الرخصةُ مشقّةً. والصحيح: أنه إن شقّ عليه الصوم، بأن يكون ماشيًا، أو لا يجد عشاءً يقوِّيه، أو بين يديه عدوّ يخاف الضعفَ عنه بالصوم، أو يصير كَلًّا على رفقائه (١)، أو يسوءُ خلقُه ونحو ذلك= كُره له الصوم، وكذلك إن صام تعمّقًا وغلوًّا بحيث يعتقد أن الفطر نقصٌ في الدين ونحو ذلك. وعلى هذا يحمل ما رُوي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة (٢) من أمر الصائم بالإعادة على سبيل الاستحباب عقوبةً له، وكذلك حديث ابن عمر (٣) وغيره. وأما مَن صام وهو مُرَفَّه مِن غير تغيّر في حاله، فلا بأس بصومه؛ وذلك لأن النبي ﷺ إنما أمرهم بالفطر وسماهم عُصاةً حين شقّ عليهم الصومُ مشقّةً شديدةً ولم يفطروا. وعن أبي سعيد قال: «أتى رسول الله ﷺ على نهر مِن ماء السماء، والناس صيام في يوم صائف مشاةً، ونبي الله ﷺ على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس» قال: فأبوا، فقال: «إني لستُ مثلَكم، إني أيسركم، إني راكب»، فأبوا، فثنَى رسولُ الله ﷺ فخذه، فنزل وشرب وشرب الناسُ، وما كان يريد أن يشرب» رواه أحمد (٤). فقد فرّق رسول الله ﷺ بين الراكب والماشي.

стр. 1676

وعن سَلَمة بن المُحبّق الهُذليّ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن كانت له حَمولة تأوي إلى شَبَع؛ فليصم رمضان حيثُ أدركه» رواه أحمد وأبو داود (١). وفي رواية لأبي داود (٢): «من أدركه رمضان في السفر». فأمر بالصوم مَن له زاد وراحلة دون غيره. وعن أبي سعيد قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام. قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ [ق ٣٧]: «إنكم قد دنوتم من عدوِّكم، والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة، فمنّا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال: «إنكم مُصبِّحو عدوِّكُم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» فكانت عزيمة، فأفطرنا، ثم لقد (٣) رأيتُنا نصوم بعدُ مع رسول الله ﷺ في السفر. رواه أحمد ومسلم وأبو داود (٤)، ولفظه: قال أبو سعيد: ثم (٥) لقد رأيتُني أصوم مع النبي ﷺ قبل ذلك وبعد ذلك، فأمرهم النبيُّ ﷺ بالفطر لمَّا

стр. 1677

أرادوا أن يصبِّحوا العدوَّ، وكانت عزيمة. وأما الإعراض عن الفطر تعمّقًا وتنطّعًا، أو استعظامًا للفطر وإكبارًا له، فمثل ما روَتْ عائشةُ قالت: «رخّص رسولُ الله في أمر، فتنزّه عنه ناسٌ من الناس، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فغضب حتى بان الغضب في وجهه، فقال: «ما بال أقوال يرغبون عمّا رُخّص لي فيه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشيةً» متفق عليه (١). وكما (٢) أراد جماعةٌ من أصحاب النبي ﷺ أن يتبتَّلوا، وقال أحدُهم: أمّا أنا فأصومُ ولا (٣) أفطر، وقال الآخر: أما أنا أقوم لا أنام. وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحمَ. وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساءَ، فبلغ النبيَّ ﷺ أمرُهم، فقال: «لكنّي (٤) أصومُ وأفطرُ، وأقومُ وأنامُ، وآكلُ اللحمَ، وآتي النساءَ، فمَن رغبَ عن سنّتي فليس منّي» (٥). وأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٦) [المائدة: ٨٧]. والأكلُ في السفر مِن طيّبات ما أحلّ الله لنا، فمَن اجتنبه تنزّهًا عنه ــ كالذي يجتنب اللحمَ والنساء ــ كان داخلًا في هؤلاء. وبهذا وشِبْهه مَرَقت

стр. 1678

الخوارجُ مِن الدين، وعلى هذا الوجه أنكر دَحيةُ بن خليفة الكلبيُّ وأبو بصرة على الذين رغبوا عن الفطر، ورأوه مكروهًا، وكذلك ابن عمر أنكر على من رأى به قوّة على الفطر، فلا يُشرَع في حقّه. ومن هذا الباب قوله ﷺ : «لأواصلنَّ وصالًا يدعُ المتعمّقِون تعمّقَهم» (١)، ولهذا أمرَ بتعجيل الفِطْر وتأخير السحور. وعلى هذا يخرّج ما روى أسامةُ بن زيد، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، [عن أبيه] (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : «صائمُ رمضانَ في السفر كالمُفْطِر في الحَضَر» رواه ابن ماجه (٣). ورواه النجَّاد من حديث يزيد بن عياض، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وأبيه عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله ﷺ قال: «صائمُ رمضانَ في السَّفَر كمُفْطِره في الحَضَر» (٤).

стр. 1679

ورواه النسائي (١) موقوفًا على عبد الرحمن. يعني: من صامه معتقدًا وجوبَ صومه (٢)، والتشبيه به في الإثم لا في وجوب القضاء. فإن قيل: فهلَّا أوجبتم عليه القضاء، لاسيما وقد استشهد أحمدُ في رواية حنبل بقول عمر وأبي هريرة. قلنا: ... (٣) مسألة (٤): (والثاني: الحائضُ والنّفَساءُ يُفطران ويقضيان، وإن صامتا لم يُجزئهما) . والأصل في هذا السنةُ المستفيضةُ المتلقّاة بالقبول، والإجماعُ على أن الحائض لا تصوم (٥)، وقد تقدم ذكر هذا في الحيض (٦)، ولا يصح صومُها، ولا يجوز لها أن تنويَ الصومَ وتكفّ عن الأكل. ومتى حاضت في أثناء يوم بَطَل صومُها، وهل يجب عليها الإمساك بقية النهار؟ على روايتين.

стр. 1680

وكذلك [لو] (١) انقطع دمُها في أثناء يومٍ، وجب عليها قضاؤه، وفي وجوب الإمساك روايتان. وإن انقطع دمُها قبل الفجر وبيَّتت النيةَ صحّ صومُها وإن لم تَغتسل. نصّ عليه، وأنكر على مَن قال بخلافه، وقاسَه على الرجل إذا أصبح جُنبًا. مسألة (٢): (والثالث: الحاملُ والمرضعُ إذا خافتا على ولديهما، أفطَرَتا وقَضَتا وأطعَمَتا عن كُلّ يوم مسكينًا، وإن صامتا أجزأهما) . في هذا الكلام فصلان: أحدهما: أن المرأة الحامل إذا خافت من الصوم على ولدها، إمّا لأنّ الجوعَ يضرُّ به، أو لاحتياجه إلى دواء تشربه هي (٣)، فإنه يجوز لها أن تفطر؛ لأنها أحوج إلى الفطر من المسافر وبعض المرضى، فإنه يُخاف هلاكُ الولد بصومها. وقد تقدم (٤) حديث أنس بن مالك الكعبي عن النبي ﷺ : أنه قال: «إن الله وضعَ الصومَ عن المسافر وعن الحبلى أو المرضع». لقد قالهما رسول الله ﷺ جميعًا أو أحدهما». [وفي رواية] (٥): «وعن الحامل وعن المرضع».

стр. 1681

وعليهما مع الفطر القضاء؛ لأنها ترجو القدرةَ عليه، فإذا قدرت صامت كالمريض والمسافر، وعليها أيضًا الفدية، وهو أن تطعم عن كلِّ يوم مسكينًا. وعن نافع: أن ابن عمر سُئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها، فقال: «تُفطِر وتُطعِم مكان كلّ يوم مسكينًا مُدًّا مِن حنطة» رواه الشافعي (١). وعن عكرمة: أن ابن عباس قال: «أثبتت للحبلى والمرضع»؛ يعني قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]. رواه أبو داود (٢). وروى (٣) عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: «كانت رخصةً للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يُطيقان الصومَ أن يفطرا ويُطعما مكان كلِّ يوم مسكينًا، والحُبْلى والمرضع إذا خافتا». قال أبو داود: يعني على أولادهما. رواه أحمد في «الناسخ والمنسوخ» (٤) مستوفى عن سعيد بن جبير، [ق ٣٨] عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قال: «رُخّص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يُطيقان الصوم،

стр. 1682

ورُخّص لهما أن يفطرا إن شاءا، ويُطعما مكان كلّ يوم مسكينًا، ثم نُسخ ذلك في هذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وثبتت الرخصةُ للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصومَ، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كلّ يوم مسكينًا ولا قضاء عليهما». وعن عطاء عن ابن عباس: أنه كان يرخّص في الإفطار في رمضان للشيخ الكبير والحامل المُتِمّ والمرضع، ولصاحب العُطاش أن يفطروا ويطعموا لكلِّ يوم مسكينًا. رواه سعيد (١). قال أحمد في رواية صالح (٢): المرضع والحامل تخاف على نفسها تُفطر وتقضي وتُطعِم، أذهبُ إلى حديث أبي هريرة، وأما ابن عباس وابن عمر يقولان: تُطعِم ولا تصوم. وكان ابنُ عباس يقرؤها: (يُطَوَّقونه) قال: يُكَلّفون (٣)، ومن قرأ ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، فإنها منسوخة، نَسَخَها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فقد ثبت وجوبُ الفدية عن ثلاثة من الصحابة، ولا يُعرَف

стр. 1683

لهم مخالف. واختلفوا في القضاء، وأشبَهُ القولين وجوب القضاء؛ لأن النبي ﷺ ذَكَر: «أن الله وضعَ الصومَ عن المسافر والحامل والمرضع» (١)، ولم يُرِد إلا وضع الأداء دون القضاء؛ لأنه ذَكَر المسافر، وإنما وضعَ عنه الأداءَ فقط، ولأنها ترجو القُدْرة على القضاء، فهي كالمريض. وأما إن (٢) خافت على نفسها، فقال أصحابنا: تُفطر وتقضي ولا تكفّر. قال بعضهم: هذا بغير خلاف، لأنها بمنزلة المريض أو بمنزلة مَن يخاف حدوث مرضٍ به، وإنما وجبت الفديةُ إذا خافت على جنينها؛ لأنها هناك أفطرت للخوف على غيرها، وهو أغلظُ من الفطر خوفًا على نفسها، فغُلِّظ بوجوب الفدية، ولأن الفطر يَرتَفِق به هنا شخصان الحاملُ وجنينُها، فكان القضاء عنها والفدية عن جنينها، بخلاف فطر المريض والمسافر، فإنه لا يرتفق به إلا شخصٌ واحد. وقال أحمد في رواية الميموني: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولدهما يُفطران ويُطعمان، ويصومان إذا أطاقا. وقد تقدمت روايةُ صالح: الحامل والمرضع تخاف على نفسها: تُفطِر وتقضي وتُطعِم. وقال في رواية حرب في الحامل والمرضع يشتدّ عليهما الصيام: يفطران ويقضيان ويكفِّران لكلّ يوم مُدًّا لمسكين، والشيخ الكبير الذي لا

стр. 1684

يُطيق الصومَ: يُفطر ويُطعم مدًّا أيضًا. وتأوّل القاضي هذا على أنها تخاف على ولدها مع خوفها على نفسها، فإن خافت على نفسها فقط فلا فدية، ولذلك قيَّد الخِرَقيّ (١) وغيرُه أن تخاف على جنينها، فكأنها تارة تخاف على ولدها فقط، وتارة تخاف على نفسها وعلى ولدها. وهذا الذي قاله ليس بجيد؛ لأن أحمدَ فرَّق بين خوفها على نفسها وخوفها على ولدها، ولأنها إذا خافت على نفسها وولدها لم يجب عليها الفدية في قياس قول مَنْ لا يوجبها بالخوف على النفس. كما (٢) لو أفطرَتْ وهي حامل مريضة أو وهي حامل مسافرة، فإنها تفطر للمرض والسفر ولا كفّارة عليها؛ لأنه قد وُجد سببٌ يُبيح الفطرَ من غير كفّارة. وهذا الذي قاله أحمد يجمع قولَ ابن عمر وابن عباس؛ لأنه أطلق الخوفَ، وجعلها من الذين يُطيقونه، فكأنّ إيجاب الفدية لأجل طاقتها في الحال لا لأجل ولدها، وابن عمر ذكر خوفَها على ولدها، ولأن خوفها على نفسها بسبب الحمل؛ فإن المسألة إنما هي إذا كان (٣) كذلك، أما لو خافت من الفطر لأمرٍ آخر غير الحمل، بأن تكون مريضة؛ فإنه لا كفّارة عليها البتة، وإذا كان بسبب الحمل لم تكن مثل المريض الذي خوفه من جهة نفسه، فإنه

стр. 1685

إذا كان وجودُ الحمل يمنعُها الصومَ، والحملُ في الأصل باختيارها؛ صارت كأنها ممتنعةً عن الصوم باختيارها، فناسبَ ذلك وجوبَ الفدية، وصارت من وجهٍ [غير] (١) قادرةً على دفع الحمل فلا تصوم. ويحتمل أن أحمد قال ذلك لأنها إذا خافت على نفسها فإنه تخاف على جنينها؛ لأن الحامل إذا مرضت خيف على الجنين، وقد تخاف على جنينها من غير خوف على نفسها (٢). فعلى هذا يكون قول مَن أطلق الحامل إذا خافت على جنينها صحيح، كالخِرَقي وابن أبي موسى (٣)، وأحمد ﵁ فصَّلَ الخوف؛ لأنها تارة تخاف على جنينها فقط، وتارة تخاف على نفسها فتخاف على جنينها. وأما قول من قال: إذا خافت على نفسها فلا فديةَ عليها، فهو مخالف لنصّ أحمدَ ولأقوال السلف. قال مسلم بن يسار: «أدركتُ أهلَ المدينة وهم يخيّرون المرضعَ والحامل في شهرها الذي تخاف على نفسها يفطران ويطعمان كلّ يوم مسكينًا» (٤). وقال سعيد بن المسيّب في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: «وهو الكبير الذي كان يصوم فيعجز، والمرأة الحُبْلى التي
следующие страницы →