← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وعليهما مع الفطر القضاء؛ لأنها ترجو القدرةَ عليه، فإذا قدرت صامت كالمريض والمسافر، وعليها أيضًا الفدية، وهو أن تطعم عن كلِّ يوم مسكينًا. وعن نافع: أن ابن عمر سُئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها، فقال: «تُفطِر وتُطعِم مكان كلّ يوم مسكينًا مُدًّا مِن حنطة» رواه الشافعي (١). وعن عكرمة: أن ابن عباس قال: «أثبتت للحبلى والمرضع»؛ يعني قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]. رواه أبو داود (٢). وروى (٣) عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: «كانت رخصةً للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يُطيقان الصومَ أن يفطرا ويُطعما مكان كلِّ يوم مسكينًا، والحُبْلى والمرضع إذا خافتا». قال أبو داود: يعني على أولادهما. رواه أحمد في «الناسخ والمنسوخ» (٤) مستوفى عن سعيد بن جبير، [ق ٣٨] عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قال: «رُخّص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يُطيقان الصوم،

стр. 1682

ورُخّص لهما أن يفطرا إن شاءا، ويُطعما مكان كلّ يوم مسكينًا، ثم نُسخ ذلك في هذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وثبتت الرخصةُ للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصومَ، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كلّ يوم مسكينًا ولا قضاء عليهما». وعن عطاء عن ابن عباس: أنه كان يرخّص في الإفطار في رمضان للشيخ الكبير والحامل المُتِمّ والمرضع، ولصاحب العُطاش أن يفطروا ويطعموا لكلِّ يوم مسكينًا. رواه سعيد (١). قال أحمد في رواية صالح (٢): المرضع والحامل تخاف على نفسها تُفطر وتقضي وتُطعِم، أذهبُ إلى حديث أبي هريرة، وأما ابن عباس وابن عمر يقولان: تُطعِم ولا تصوم. وكان ابنُ عباس يقرؤها: (يُطَوَّقونه) قال: يُكَلّفون (٣)، ومن قرأ ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، فإنها منسوخة، نَسَخَها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فقد ثبت وجوبُ الفدية عن ثلاثة من الصحابة، ولا يُعرَف

стр. 1683

لهم مخالف. واختلفوا في القضاء، وأشبَهُ القولين وجوب القضاء؛ لأن النبي ﷺ ذَكَر: «أن الله وضعَ الصومَ عن المسافر والحامل والمرضع» (١)، ولم يُرِد إلا وضع الأداء دون القضاء؛ لأنه ذَكَر المسافر، وإنما وضعَ عنه الأداءَ فقط، ولأنها ترجو القُدْرة على القضاء، فهي كالمريض. وأما إن (٢) خافت على نفسها، فقال أصحابنا: تُفطر وتقضي ولا تكفّر. قال بعضهم: هذا بغير خلاف، لأنها بمنزلة المريض أو بمنزلة مَن يخاف حدوث مرضٍ به، وإنما وجبت الفديةُ إذا خافت على جنينها؛ لأنها هناك أفطرت للخوف على غيرها، وهو أغلظُ من الفطر خوفًا على نفسها، فغُلِّظ بوجوب الفدية، ولأن الفطر يَرتَفِق به هنا شخصان الحاملُ وجنينُها، فكان القضاء عنها والفدية عن جنينها، بخلاف فطر المريض والمسافر، فإنه لا يرتفق به إلا شخصٌ واحد. وقال أحمد في رواية الميموني: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولدهما يُفطران ويُطعمان، ويصومان إذا أطاقا. وقد تقدمت روايةُ صالح: الحامل والمرضع تخاف على نفسها: تُفطِر وتقضي وتُطعِم. وقال في رواية حرب في الحامل والمرضع يشتدّ عليهما الصيام: يفطران ويقضيان ويكفِّران لكلّ يوم مُدًّا لمسكين، والشيخ الكبير الذي لا

стр. 1684

يُطيق الصومَ: يُفطر ويُطعم مدًّا أيضًا. وتأوّل القاضي هذا على أنها تخاف على ولدها مع خوفها على نفسها، فإن خافت على نفسها فقط فلا فدية، ولذلك قيَّد الخِرَقيّ (١) وغيرُه أن تخاف على جنينها، فكأنها تارة تخاف على ولدها فقط، وتارة تخاف على نفسها وعلى ولدها. وهذا الذي قاله ليس بجيد؛ لأن أحمدَ فرَّق بين خوفها على نفسها وخوفها على ولدها، ولأنها إذا خافت على نفسها وولدها لم يجب عليها الفدية في قياس قول مَنْ لا يوجبها بالخوف على النفس. كما (٢) لو أفطرَتْ وهي حامل مريضة أو وهي حامل مسافرة، فإنها تفطر للمرض والسفر ولا كفّارة عليها؛ لأنه قد وُجد سببٌ يُبيح الفطرَ من غير كفّارة. وهذا الذي قاله أحمد يجمع قولَ ابن عمر وابن عباس؛ لأنه أطلق الخوفَ، وجعلها من الذين يُطيقونه، فكأنّ إيجاب الفدية لأجل طاقتها في الحال لا لأجل ولدها، وابن عمر ذكر خوفَها على ولدها، ولأن خوفها على نفسها بسبب الحمل؛ فإن المسألة إنما هي إذا كان (٣) كذلك، أما لو خافت من الفطر لأمرٍ آخر غير الحمل، بأن تكون مريضة؛ فإنه لا كفّارة عليها البتة، وإذا كان بسبب الحمل لم تكن مثل المريض الذي خوفه من جهة نفسه، فإنه

стр. 1685

إذا كان وجودُ الحمل يمنعُها الصومَ، والحملُ في الأصل باختيارها؛ صارت كأنها ممتنعةً عن الصوم باختيارها، فناسبَ ذلك وجوبَ الفدية، وصارت من وجهٍ [غير] (١) قادرةً على دفع الحمل فلا تصوم. ويحتمل أن أحمد قال ذلك لأنها إذا خافت على نفسها فإنه تخاف على جنينها؛ لأن الحامل إذا مرضت خيف على الجنين، وقد تخاف على جنينها من غير خوف على نفسها (٢). فعلى هذا يكون قول مَن أطلق الحامل إذا خافت على جنينها صحيح، كالخِرَقي وابن أبي موسى (٣)، وأحمد ﵁ فصَّلَ الخوف؛ لأنها تارة تخاف على جنينها فقط، وتارة تخاف على نفسها فتخاف على جنينها. وأما قول من قال: إذا خافت على نفسها فلا فديةَ عليها، فهو مخالف لنصّ أحمدَ ولأقوال السلف. قال مسلم بن يسار: «أدركتُ أهلَ المدينة وهم يخيّرون المرضعَ والحامل في شهرها الذي تخاف على نفسها يفطران ويطعمان كلّ يوم مسكينًا» (٤). وقال سعيد بن المسيّب في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: «وهو الكبير الذي كان يصوم فيعجز، والمرأة الحُبْلى التي

стр. 1686

يعسُر عليها [ق ٣٩] الصيامُ؛ فعليهما (١) إطعام مسكين كلّ يوم حتى ينقضي شهرُ رمضان» (٢) رواهن سعيد. الفصل الثاني: في المرضع وهي كالحامل وأولى منها بوجوب الفدية؛ لأنها إنما (٣) ترضعُ الطفلَ باختيارها في الجملة، بخلاف الحامل فإنها لا تستطيع مفارقةَ الجنين، وحكمها حكم الحامل في جميع أمورها كما تقدم، فإنها تخاف على ولدها إذا صامت بتغير اللبن أو نقصه، وقد تخاف على نفسها إذا صامت وأرضعَتْه بأن يُضْعِفها إرضاعُه. ووجوبُ الفدية هنا إذا خافت على نفسها ظاهر؛ فإنها قادرةٌ على الصوم، وإنما إرضاعُها الذي يُضْعِفها، وهو فِعْلٌ لها. ومَن استباح المحظورات بفعله وجبت عليه الكفّارة وإن كان جائزًا. ولهذا تجب الكفّارة بالحِنث في اليمين إذا فَعَله وإن كان واجبًا، ولو فُعِل به لم يكن عليه كفّارة (٤)، وكذلك محظورات الإحرام، والفرق بينها وبين المسافر (٥).

стр. 1687

ثم لا يخلو إما أن تكون والدةً أو ظئرًا بأجرة أو غيرها. فأما الأم فقال ... (١) إن قبل غيرها (٢)، وقدرت أن تَسْتأجر له، أو كان له مال تَستأجر منه، فلتفعل ذلك ولتصم، وإلا جاز لها الفطر. وهذا فيما إذا كان الخوف على نفسها، أما إذا خيف عليه ... (٣) وأما الظئر التي ترضعُ ولدَ غيرِها بأْجْرة أو بدونها، فذكر ابن عقيل: أنها تستبيح الإفطارَ كاستباحته لولدها، لأنه أكثر ما فيه أنه نوعُ ضررٍ لأجل المشاقّ، فهو كالمسافر في المضاربة يستبيحُ بسفره ما يستبيح بالسّفَر لنفسه. وطردُه العملُ في الصنائع الشاقّة إذا بلغت منه الجهد. والكفّارة في حال [المشقة] (٤) التي تُبيح في حقّ نفسه أباحت في حقّ غيره، وإن لم تبلغ المشقّةُ إلى حدّ إباحة الإفطار، لم يُبَح في حقّه ولا في حقّ غيره. ومَن لم يمكنه إنجاءُ شخصٍ من الهَلَكَة إلا بالفطر، مثل أن يكون غريقًا أو يريد أحدٌ أن يقاتله ... (٥)

стр. 1688

فصل ولو أحاط العدوُّ ببلد، وكان الصوم المفروض يُضْعِفهم، فهل يجوز لهم الفطر؟ على روايتين ذكرهما الخلال في كتاب «السير». مسألة (١): (الرابع: العاجزُ (٢) عن الصوم لكِبَر أو مرض لا يُرجى بُرؤه، فإنه يُطعَم عنه لكلّ يومٍ مسكين) . هذا القسم هو الذي يعجز عن الصوم في الحال، ولا يُرجَى قدرته عليه في المآل، مثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذَين لا يُطيقان الصوم، والمريض مرضًا لا يُرجى بُرؤه، مثل صاحب العُطاش الذي لا يصبر عن شرب الماء شتاءً ولا صيفًا، أو مَن لا يصبر عن النكاح يخاف إن قطَعَه تشقّقَتْ أنثياه. قال أحمد في رواية (٣) إسماعيل بن سعيد فيمن به شهوة غالبة للجماع: يجزئه أن يُطعِم ولا يصوم إذا كان لا يملكُ نفسَه، وذلك أنه لا يُؤمَن عليه عند ذلك أن تنشقّ أنثياه. قال القاضي: يجب أن تُحمل المسألة على أنه حصل به ذلك كالمرض الدائم الذي لا يمكنه الصيام معه، فيكون حكمُه حكمَ الشيخ إذا عَجَز عن الصيام فيسقط الصيام، وينتقل إلى الإطعام، ولا يكون عليه كفّارة الجماع،

стр. 1689

لأن الصيام غير متعيّن عليه، فهو كالمسافر إذا وطئ. وكلُّ مَن كان به هذا الشّبَق الذي يخاف مِن الصوم معه أن ينشق أنثياه يفطر، لكن إن أمكنه القضاءُ قضى ولم يكفّر، وإن لم يمكنه القضاء أطعم. والعبرةُ بإمكان القضاء بأن (١) يكون ممن يُرجى بُرؤه أو لا يُرجى بُرؤه. قال ابن عقيل وغيرُه من أصحابنا: هذا الذي به الشَّبَق يَستخرجُ ماءَه بما لا يفسدُ صومَ غيره: إما استمناءً بيده، أو ببدن زوجته أو أمَتِه غيرِ الصائمة التي يَخاف أن يحرِّك ذلك شهوتَها، فإن كان له زوجة أو أمة صغيرة أو كافرة، استمنى بيدها، ويجوز أن يستخرجه بوطئها دون الفرج. فرخَّصا له في المباشرة دون الفرج مطلقًا. فأما وطؤها في الفرج مع إمكان إخراج الماء ودفع ضرورة الشَّبَق بما دون الفرج، فقال ابن عقيل وغيرُه: لا يجوز؛ لأن الضرورة إذا دُفِعت (٢) حَرُم ما وراءها، كما يُمنَع مِن الشّبَع مِن الميتة إذا سدَّ رمقَه، فإن جامع فعليه الكفّارة، فأما إن لم يندفع إلا بوطء غير صائمة، جاز له وطؤها. وكلام أحمد والقاضي يقتضي أنه يُباح له الجماع مطلقًا، فإنهما إنما ذكرا إباحة الجماع، ولم يتعرّضا لغيره؛ لأن مَن أُبيح له استخراج الماء بالمباشرة دون الفرج أُبِيح له الجماع في الفرج كالمسافر، وذلك لأن الفطر يحصل بهما جميعًا، والكفّارة أيضًا في إحدى الروايتين، ولأنه مَن أُبيح له الفطر لعذر؛ صار في حكم المفطرين، وجاز له ما يجوز لهم مطلقًا؛ كالمريض

стр. 1690

والمسافر وغيرهما، ولأن من أبيح له الفطر لحاجته إلى الأكل، وهو الشيخ الكبير والمريض، جاز له أن يأكل ما شاء، ولم يختص ذلك بقَدْر الضرورة، فكذلك مَن أبيح له لحاجته إلى الجماع، وقياسه عليه أولى من قياسه على المضطرِّ إلى الميتة إن سُلِّم الحكمُ فيه؛ فإن المانع هناك معنى في الغذاء، وهو موجود في كلّ جزء منه، والمانع هنا الصوم الواجب، وهذا قد زال بإباحة الفطر. ثم الفطر هنا له بَدَل، وهو القضاء أو الكفّارة بخلاف الأكل هناك، وقياس المذهب يقتضي أنه يُباح له الأكل إذا أُبيح له الجماع، كما أنه يباح [ق ٤٠] الجماع لمن يباح له الأكل، إلا أن يُخرَّج مِن مَنع المسافر من الجماع وجهٌ. وأما تفطيرُه غيرَه، فهذا لا يجوز إلا عند الضرورة بلا ريب؛ لأنه إفساد صومٍ صحيح لغير حاجة، وذلك لا يجوز. فإن أراد وطءَ زوجته أو أمَتِه الصائمة، لم يحلّ له ولا لها تمكينه. قال ابن عقيل: لأن الوطء لا يُستباح بالضرورة، وإنما يُباح إخراج الماء، ولا ضرورة إلى ما وراءه؛ لأن الضرورة تندفع بما دون الفرج والاستمناء باليد، فلا يجوز التعدّي إلى ما يضرّ بالغير. وقال أبو محمد (١): «إذا لم تندفع الضرورةُ إلا بإفساد صوم الغير أُبيح ذلك؛ لأنه مما تدعو إليه الضرورة، فأبيح الفطر؛ كفطر الحامل والمرضع للخوف على ولديهما.

стр. 1691

فإن كان له امرأتان أحدهما (١) صائمة، والأخرى حائض، فهل وطء الصائمة أولى أو يتخيَّر بينهما؟ على وجهين». قال أصحابنا: لسنا نريد بالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة من بلغ حدًّا إن ترك الأكلَ هَلَك، وإنما نريد به من يلحقه مشقّة شديدة في الصيام، وإنما يسقط عن هؤلاء الصيامُ؛ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسعها، وقد قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢). ووجبت الكفّارة لِمَا روى عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: «أنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... ﴾ إلى هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]، قال: فكان مَن شاء صام، ومَن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، فأجزأ (٣) ذلك عنه. قال: ثم إن الله أنزل الآية الأخرى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال: فأثبت الله صيامَه على المقيم الصحيح، ورخّص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام». مختصر من حديث طويل رواه أبو داود (٤).

стр. 1692

ورواه البخاري (١) عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد: «نزل رمضانُ، فشقّ عليهم، فكان مَن أطعم كلّ يوم مسكينًا ترك الصومَ ممن يطيقه، ورُخِّص لهم في ذلك، فنسخَتْها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأُمِروا بالصوم». وعن عطاء: سمع ابنَ عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: «ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيُطعمان مكانَ كلّ يوم مسكينًا» رواه البخاري (٢). وفي رواية أخرى (٣) صحيحة رواها وَرْقاء، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عنه في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: «يتكلَّفونه ولا يستطيعونه ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فأطعم مسكينًا آخر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ وليست بمنسوخة». قال ابن عباس: «ولم يُرَخَّص في هذه الآية إلا للشيخ الكبير الذي لا يُطيق الصيامَ والمريضِ الذي علم أنه لا يُشفى». وقد

стр. 1693

تقدم عنه مثل هذا (١). وعن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس قال في هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: «نسخَتْها الآيةُ الأخرى (٢): ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾» (٣). قال أيوب: وسمعتُ عكرمةَ يقول عن ابن عباس: «ليست منسوخة، هي في الشيخ الذي يُكلّف الصيامَ ولا يُطيقُه، فيفطر ويُطعِم» (٤). رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ». فالرواية الأولى أراد أن قراءة العامّة منسوخة في الجملة، والرواية الثانية أراد بها أنها ليست منسوخة على الحرف المشدّد. وعن أنس بن مالك أنه ضَعُف عن الصوم قبل موته بعام أو عامين، فأفطَرَ وأطعَمَ (٥). قال (٦): «كان يجمعهم ويُطعمهم» رواه سعيد (٧).

стр. 1694

وذكر الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد في الشيخ إذا كَبُر ولم يُطِق الصيامَ: «افتدى بطعام مسكين كلّ يوم مُدًّا مِن حنطة» قال ذلك أبو بكر بن حزم عن أشياخ الأنصار (١). وعن سعيد بن المسيّب في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: «هو الكبير الذي كان يصوم فيعجز، والمرأة الحبلى التي يعسُر عليها الصيام، فعليها طعام مسكين كلّ يوم حتى ينقضي شهر رمضان» رواه سعيد (٢). وعن إبراهيم قال: كان الرجلُ يَفْتدي بطعام يوم، ثم يظلّ مُفطرًا، حتى نزلت ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: فنُسِخت وكانت الرخصة للشيخ الكبير الذي لا يستطيعُ الصومَ (٣). وعن الزهري: أنه سُئل عن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: «إنها منسوخة، وقد بَلَغَنا أن هذه الآية للمريض الذي تَدارك عليه الأشهر، يطعم مكانَ كلّ يوم أفطَرَ مُدًّا مِن حنطة» (٤) رواهما أحمد (٥). وعن قتادة في هذه الآية: «كانت فيها رُخْصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، وهما لا يطيقان الصيام: أن يُطعما مكانَ كلّ يوم مسكينًا ويُفطرا، ثم

стр. 1695

نَسَخَ تلك الآيةَ التي بعدها، فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فنسخَتْها هذه الآية، فكان أهل العلم يرون ويرجون أن الرخصة قد ثبتت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا لم يُطيقا الصيامَ أن يطعما مكان كلّ يوم مسكينًا، وللحبلى إذا خشيت على ما في بطنها، والمرضع إذا خشيت على ولدها». رواه محمد بن كثير، عن همّام عنه (١). فهذا قول ثلاثة من الصحابة، ولم يُعرَف لهم مخالف. وأيضًا فإن الصحابة والتابعين أخبروا أن الله رَخَّص في هذه الآية للعاجز عن الصوم أن يُفطر [ق ٤١] ويُطعِم، وأن حكم الآية باقٍ في حقِّه، وهم أعلم بالتنزيل والتأويل. وأيضًا فإن ذلك تبيَّن من وجهين: أحدهما: أن ابن عباس وأصحابه قرؤوا (يُطَوَّقونه) و ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، وهي قراءة صحيحة عنه، والقراءة إذا صحَّت عن الصحابة كان أدنى أحوالها أن تجري مجرى خبر الواحد في اتباعها والعمل بها؛ لأن قارئها يخبرُ أنّ النبيّ ﷺ قرأها كذلك، فإما أن يكون حرفًا من الحروف السبعة التي نزل القرآنُ بها، ويكون بعد النسخ يقرأ الآية على حرفين (يُطَوَّقونه) و ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، أو يكون سمعها على جهة التفسير وبيان الحكم، فاعتقد أنها مِن التلاوة. وعلى التقديرَين فيجبُ العمل بها، وإن لم يُقطَع بأنها قرآن، ولهذا موضع يُستوفَى

стр. 1696

فيه غير هذا الموضع. ومعنى (يُطوَّقونَه) أي: يُكْلَّفونه فلا يستطيعونه، فكلّ مَن كُلّف الصوم فلم يُطِقْه، فعليه فدية طعام مسكين، وإن صام مع الجهد والمشقَّة؛ فهو خير له، وهذا معنى كلام ابن عباس في رواية عطاء عنه. الثاني: أن العامة تقرأ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، فكان في صدر الإسلام لما فَرَض الله الصومَ خُيِّر (١) الرجل بين أن يصوم وبين أن يُطعم مكانَ كلّ يوم مسكينًا، فإن صام ولم يطعم كان خيرًا له، ثم نَسَخ الله هذا التخيير في حقّ القادر بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فأوجب الصومَ ومَنع مِن الفِطر والإطعام، وبقي الفطر والإطعام للعاجز عن الصوم؛ لأنه لما أوجبَ على المطيق للصوم أحد هذين الأمرين (٢)، وهو الصيام أو الإطعام، لقدرته على كلّ منهما، كان القادرُ على أحدهما مأمورًا بما قَدِر عليه، فمن كان إذ ذاك يقدر على الصيام دون الإطعام لَزِمَه، ومَن يقدر على الإطعام دون الصيام لزِمَه، ومَن قدر عليهما خُيِّر بينهما، فإن هذا شأن جميع ما خُيِّر الناسُ بينه، مثل خصال كفّارة اليمين، وخصال فدية الأذى، وغير ذلك. ثم نسخ الله جوازَ الفطر عن القادر عليه، فبقي الفطرُ والفدية المستفاد من معنى الآية للعاجز. ويُبَيِّن ذلك أن الشيخَ والعجوزَ إذا كانا يُطيقان الصومَ، فإنهما كانا يكونان مخيّرين بين الصيام والإطعام، فإذا عَجَزا (٣) بعد ذلك عن الصوم تعيّن عليهما

стр. 1697

الإطعام، ثم نُسخ ذلك التخيير، وبقي هذا المعيّن. وهذا معنى (١) ما تقدم عن معاذ وابن عباس من رواية سعيد بن جُبير وغيره من التابعين. ومنهم مَن يوجّهه بوجه آخر، وهو أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ عامّ فيمن يُطيقه بجهدٍ ومشقّه، ومَن (٢) يُطيقه بغير جهدٍ ومشقّة، فنُسخ في حقّ مَن لا مشقّة عليه، وبقي في حقّ مَن لا يُطيقه إلا بجهد ومشقّة. فإن قيل: فقد رُوي عن جماعة مِن السلف أنها منسوخة، منهم ابن عباس كما تقدم. وعن سلمة بن الأكوع قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان مَن أراد أن يُفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسخَتْها». وفي رواية: «حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. رواه صاحبا الصحيح وأصحاب السنن الأربعة (٣). وعن ابن عمر: أنه قرأ: (فِدْيَةٌ طَعامُ مَساكِينَ)، قال: «هي منسوخة» رواه البخاري (٤). وعن عَبِيدة ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال:

стр. 1698

«نسخَتْها التي بعدها والتي تليها» (١). وعن علقمة: أنه كان يقرؤها ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ قال: «كانوا إذا أراد أحدُهم أن يفطر أطعم مسكينًا وأفطر، فكانت تلك كفَّارته حتى نسخَتْها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾» (٢). وعن الشعبي قال: «لما نزلت هذه الآية، فكان الأغنياء يُطعِمون ويُفطرون، فصار الصيام على الفقراء، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، قال: فوجب الصومُ على الناس كلهم» (٣). رواهن أحمد. قيل: هي منسوخة في حقّ الذي كان قد خُيِّر بين الأمرين، وهو القادر على الصيام؛ كما دلّ عليه نُطق الآية، وكما بيَّنُوه، فأما مَن كان فرضُه الطعام فقط، كما دلّ عليه معنى الآية، فلم يُنسَخ في حقّه شيء، وعلى هذا يُحمل كلام مَن أطلق القولَ بأنها منسوخة، لأنه قد رُوي عن ابن عباس التصريحُ بذلك (٤).

стр. 1699

فصل (١) وإن قوِيَ الشيخُ أو العجوزُ بعد ذلك على القضاء، أو عُوفي المريضُ الميؤوس مِن بُرئه، بأن زال عُطاشه وزال شَبَقُه ونحو ذلك بعد إخراج الفدية، فقال أصحابنا: لا قضاء عليه، كما قالوا في المعضوب إذا حَجّجَ (٢) عن نفسه ثم قوِيَ؛ لأن الاعتبار بما في اعتقاده، ولأنه لو اعتقد أنه يقدر على القضاء ثم مات قبل القدرة عليه لم يكن عليه شيء، فكذلك إذا اعتقد أنه لا يقدر عليه ثم قدر. وخرَّج بعضُهم وجهًا بوجوب القضاء إذا قدر عليه لدخوله في عموم قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا ... ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ولأنها بَدَل إياس، وقد تبينّا زوالَ اليأس، فأشْبَه مَن اعتدَّت بالشهور عند اليأس من الحيض ثم حاضت. وإن عوفي قبل إخراج الفدية، فينبغي هنا أن يجب عليه القضاءُ روايةً واحدة. مسألة (٣): (وعلى سائرِ مَن أفطر القضاءُ لا غير، إلا مَن أفطرَ بجماعٍ في الفَرْج، فإنه يقضي ويُعتق رقبةً، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعامُ ستين مسكينًا، فإنْ لم يجد [ق ٤٢] سقطَتْ عنه). في هذا الكلام فصول:

стр. 1700

أحدها: أن المفطرِين قسمان أحدهما: مَن يُباح له الفطر، وهم الأربعة المذكورون أولًا: المريض والمسافر، والحائض والنفساء، والمرضع والحامل، والعاجز عن الصوم، وقد تقدم حكمُهم، وهؤلاء ليس عليهم كفّارة، سوى الكفّارة الصغرى المذكورة. الثاني: مَن أفطر بغير هذه الأعذار، وسيأتي أنواع المفطّرات، فهؤلاء يجب عليهم القضاء عن كلّ يومٍ يومًا، كما يجب القضاءُ على مَن فوَّت الصلاة؛ لأنه إذا وجب القضاء على المعذور، فعلى غير المعذور أولى، مع أن الفطر متعمّدًا من الكبائر، وفوات العين باقٍ في ذمّته، عليه أن يتوبَ منه، وهو أعظم من أن تمحوه كفّارةٌ مقدّرة أو تَكرار الصيام أو غير ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمر الذي وقع على امرأته في رمضان أن يقضي يومًا مكانه ويستغفر الله. رواه أبو داود وابن ماجه (١). وهذا معنى ما يُروى عن أبي المطوّس يزيد بن المطوّس، عن أبيه، عن

стр. 1701

أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن أفطرَ يومًا مِن رمضان مِن غير رُخصة لم يَجزِه صيامُ الدّهر». وفي لفظ: «لم يَقضِ عنه صيامُ الدهر» رواه الخمسة (١)، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البخاري في «صحيحه» (٢): ويُذكر عن أبي هريرة رفَعَه: «مَن أفطرَ يومًا مِن رمضانَ مِن غير عُذر ولا مرض، لم يَقْضه صيامُ الدهرِ وإن صامَه». وبه قال ابن مسعود (٣). وقال (٤): وقال سعيدُ بن المسيّب والشعبيُّ وابنُ جُبير وإبراهيمُ وقَتادة وحماد: يقضي يومًا مكانه (٥).

стр. 1702

قال ابن عبد البر (١): و [روي] عن علي وابن مسعود مثله (٢). وقد روى النسائيُّ عن علي بن الحسين، عن أبي هريرة: أن رجلًا أفطر في شهر رمضان، فأتى أبا هريرة، فقال: «لا يُقْبَل منك صوم سنة» (٣). وعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: «مَن أفطر يومًا من رمضان لم يقضِه يومٌ من أيام الدنيا» (٤). وإنما كان كذلك لأن الله سبحانه أوجبَ عليه صوم ذلك اليوم المعيَّن، وذلك اليوم لا يكون مثلُه إلا في شهر رمضان، لكن صوم ذلك المِثل واجب بنفسه أداءً، فلا يمكن أن يُصام قضاءً عن غيره، فلو صام الدهرَ كلَّه لم يقض عنه حقّ ذلك اليوم المعيّن، لكن وجب عليه صوم يوم؛ لأنه أحد الواجبين

стр. 1703

والتعيين هو الواجب الآخر، ففوات أحدهما لا يوجب سقوط الآخر (١)، وهذا معنى كلام أحمد، وسواء أفطر بجماعٍ أو أكلٍ أو غيره. الفصل الثاني أنه لا كفّارة بالفطر في رمضان إلا بالجماع وأسبابه ، كما سيأتي إن شاء الله. هذا هو المنصوص عنه في مواضع، وهو المذهب. قال في رواية إسماعيل بن سعيد وإبراهيم بن الحارث والمرُّوذي وأبي طالب وأبي الصقر وغيرهم: من أفطر يومًا من رمضان تعمّدًا (٢)، فعليه القضاء بلا كفّارة، ولو كان كلما أفطر كان عليه الكفّارة، لكان إذا تقيَّأ كفَّر، ولكن ذهبنا إلى الحديث في الجماع خاصة. وقال في رواية المرُّوذي فيمن نذَر صيامَ عشرة أيام فاحتجم فيها: عليه القضاء والكفّارة، وإن احتجم في رمضان، فعليه القضاء. فأوجبَ كفّارة النذر في صيام النذر لفوات التعيين، ولم يوجب في فطر رمضان إلا القضاء. وقال حرب: سألت أبا عبد الله، قلت: الصائم يحتجم؟ قال: أما في رمضان فأحبُّ إليَّ أن لا يحتجم، وأما في غير رمضان فإن شاء احتجم إذا لم يكن فريضة. قلت: فإن احتجم في رمضان يكفِّر أو يقضي يومًا؟ قال: يقضي يومًا مكانه ولا يكفِّر. وقال مرة: يقضي يومًا مكانه وليست عليه كفّارة. لكن يستحبُّ له الكفّارة، قال في رواية حرب: مَن أفطر يومًا من رمضان

стр. 1704

متعمِّدًا صام يومًا مكانه ولم يوجب عليه الكفّارة وقال: الكفّارة على مَن أتى أهلَه. وقال مرة: إن كفَّر فهو أفضل. ويقضي يومًا عند أصحابه. وروى حنبل: تكره الحُقْنَة للصائم وغير الصائم، إلا من عِلّة وعلاج، فإن فَعَل فعليه الكفّارة والقضاء. وروى عنه محمد بن عبدك القزّاز (١) فيمن احتجم في شهر رمضان: فإن كان قد بلغه الخبر، فعليه القضاء والكفّارة، وإن لم يبلغه فعليه القضاء. فقد أوجب الكفّارةَ على العالم دون الجاهل، وعلى قياس هذا كلّ من أفطر عامدًا عالمًا يجب عليه الكفّارة؛ لأن النبي ﷺ أوجب الكفّارة على الذي أصاب امرأتَه في رمضان؛ لعموم كونه مُفْطِرًا لا بخصوص كونه مُجامِعًا، لأنه روي من طُرق صحيحة: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة. هكذا رواه مالكٌ وابنٌ جُريج ويحيى بن سعيد وخلقٌ عظيم، عن الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن. ولا يخالف هذا روايةَ من روى: «واقعْتَ أهلي»، أو «أصبْتُ أهلي»؛ فإن ذلك الفطر لا شكّ أنه كان بجماع، لكن هذا يدلّ على أن الحكم ثبت لكونه

стр. 1705

مُفْطِرًا لا مُجامعًا؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يبيّن أنه علة، كما في قوله: «زَنى ماعِزٌ فرُجِم» (١)، و «سها رسولُ الله ﷺ فسَجَد» (٢) ونحو ذلك. ولما روى الدارقطنيُّ (٣) من طريق الواقدي، عن سعد (٤)، قال: جاء [ص ٤٣] رجل إلى النبي ﷺ فقال: أفطرتُ يومًا مِن رمضان متعمّدًا. قال: «أعتق رقبةً، أو صُم شهرين متتابعين، أو أطْعِم ستين مسكينًا». وهذا نصٌّ في أنه أمرَه بالكفّارة لمَّا أخبر أنه أفطر عامدًا، ولم يستفصل بأيّ المفطّرات كان. وروى أيضًا (٥) من طريق أبي مَعْشَر، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة: «أن رجلًا أكل في رمضان، فأمره النبيّ ﷺ أن يُعتِق رقبةً أو يصوم شهرين متتابعين أو يُطعِم ستين مسكينًا». وذكر بعضُهم عن النبي ﷺ : «مَن أفطرَ في رمضانَ فعليه ما على المُظاهر». لكن لا يُعرف له إسناد ولا أصل (٦).

стр. 1706

ولأنَّ الكفّارة إذا وجبت بالوطء مع قلّة الداعي إليه في الصوم فأَنْ (١) تجب بالأكل أولى وأحرى، ولأن الكفّارة إنما تجب زاجرةً عن المعاودة وماحيةً للسيئة وجابرةً لما دخل من النقص على العبادة، وهذا يستوي فيه الأكل والوطء، ولأن الأكل مما تدعو إليه الطباع وتشتهيه النفوس كالجماع، وما كان من المحرَّمات تشتهيه الطِّباع كالزنى وشرب الخمر؛ فلا بدّ له (٢) من زاجر شرعيّ، والزواجر إما حدود وإما كفارات، فلما لم يكن في الأكل حدّ، فلا بدّ فيه من كفّارة. فعلى هذه الرواية تجب بكلّ فطر تعمّده (٣) سواء كان مما يُشتهى أو لا يُشتهى؛ لأن الحجامة لا تُشتهى، وقد أوجب بها الكفّارة؛ لأن تعمّد إفساد الصوم لا يقع غالبًا إلا عما للنفس فيه غَرَض، فألحَقَ النادرَ بالغالب، كما يجب الحدُّ بوطء العجوز الشوهاء. والأول هو الصحيح؛ لأن لفظ الحديث: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: «إن الآخر وقع على امرأته في نهار رمضان». وفي رواية قال: «أصبت أهلي في رمضان»، كما سنذكره. فأمره النبيُّ ﷺ بالكفّارة عقيب ذلك، فهذا مفسَّر في أن النبي ﷺ إنما

стр. 1707

أمره بالكفّارة لأجل الجماع. فمن قال: «إن رجلًا أفطر في رمضان فأمره النبي ﷺ » فقد صَدَق، وإفطاره كان بجماع، وترتيب الحكم على الوصف ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما المحدِّث يقول: إنه أفطر فأُمِر بكذا، وقد عُلِم أن الإفطار كان بالجماع، فلو صرّح المحدِّثُ بعد ذلك، وقال: إنما أمره بالكفّارة لمجرّد الإفطار، لم يجب قبول ذلك منه؛ لأنه رأيٌ واجتهاد، فكيف إذا دلّ عليه كلامُه، مع إمكان أنه لم يقصد ذلك (١)؟! قال الدارقطني (٢): روى مالك ويحيى بن سعيد وابن جريج وسمَّى نحوَ عشرة من المحدثين: «أن رجلًا أفطر»، وخالفهم أكثرُ منهم عددًا، منهم عُبيد الله بن عمر ومَعمَر ويونس وعُقيل والأوزاعي وشُعيب بن أبي حمزة، وسمّى أكثرَ من ثلاثين من المحدّثين، كلهم رووا عن الزهري هذا الحديثَ بهذا الإسناد، وأن إفطار ذلك الرجل كان بجماع. وأما الحديثان الآخران، فلا يجوز الاحتجاج بهما على وجه الانفراد لضعف إسنادهما. وإذا ثبت أن النبي ﷺ إنما أمره بالكفّارة لمَّا أخبره أنه وقع على امرأته وأصابها، لم يجز أن تُلْحَق سائرُ المفطِّرات بالجماع؛ لأنه إجماع الصحابة. فروى عبد الله بن أبي الهُذَيل، قال: «أُتيَ عمر بشيخ سكران في رمضان، فقال: للمِنْخَرَين! ويلك، صبيانُنا صيام وأنت مفطر؟! فجلَدَه

стр. 1708

ثمانين» (١). وعن عليٍّ أنه أُتي بالنجاشيّ وقد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثم أعاده إلى السجن، ثم أخرجه من الغد، فضربه عشرين، فقال: «ثمانين في الخمر، وعشرين جُرْأتك على الله في رمضان» (٢). رواهما سعيد. وهاتان قضيتان مثلُهما يشتهر. فهذا عمر ﵁ قد جلَدَه، ولم يخبره أن عليه كفّارة، وكذلك عليٌّ ﵁ جلَدَه عشرين لأجل الفطر، ولم يخبره أن عليه كفّارة، ولو كان ذلك عليه لبيَّناه، كما قد أقاما عليه الحدَّ؛ لوجوه: أحدها: أن الأصلَ براءةُ الذمة من هذه الكفّارة، والحديث إنما يوجبها في الوقاع، فإلحاقُ غيره به يحتاج إلى دليل، والقياس فيها ليس بالبيِّن؛ لجواز أن يكون الجماع قد تضمَّن وصفًا فارقَ به غيرَه، فما لم يقم دليلٌ على

стр. 1709

أن الموجب للكفّارة (١) مجرّد الفطر، لم يجز الإيجاب بمجرّد الظن. الثاني: أنه لو وجب لأجل الإفطار لاستوى فيه جميع المفطِّرات، فإن تخصيص بعضها دون بعض نوعُ تشريعٍ يحتاج إلى دلالة الشرع. الثالث: أن الجماع يُفارق غيرَه بقوّة داعيه وشدّة باعثه، فإنه إذا هاجت شهوتُه لم يكد يزعها وازعُ العقل ولا (٢) يمنعها حارسُ الدين. ولهذا قال النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه: «كلُّ عملِ ابن آدمَ له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصومُ، فإنه لي وأنا أجزي به؛ يدعُ طعامَه وشهوتَه مِن أجلي» (٣). فسمّى النكاحَ شهوةً، وسمّى المأكل طعامًا وإن كان يُشتهَى في الجملة. ولهذا كان الحدّ المشروع فيه القتل، وأدناه الجلد والتغريب، وحدُّ المطعوم إنما هو جَلْد دون ذلك، وقد يصيب المبتلَين بشهوتهم في عقولهم وأديانهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم ما يجلّ عن النعت. والأكل وإن [كانت] (٤) الضرورة إليه أشدّ، وعند [ق ٤٤] شدّة الجوع يُقَدَّم على كلّ مطلوب، لكن إنما هو جوعٌ يوم، ومثل هذا لا يكاد يبلغ بكلِّ أحدٍ من الناس إلى شيء من البلاء. ولهذا ظاهَرَ سلمةُ بن صخر من امرأته، واعتقد أن وطأها حرام، ثم إنه

стр. 1710

أصابها (١)، وكذلك الأعرابيّ وقع على امرأته مع ما يعلم فيه من التحريم، ولم يبلغنا أن أحدًا على عهد رسول الله ﷺ أكل في رمضان. نعم داعيةُ الأكل أكبر وأعمّ، لكن داعية الجماع إذا وقعت كانت أشدّ وأقوى، فلو سوَّى بين الأكل والجماع في الكفّارة، لسوَّى بين شيئين قد فرقت الأصولُ بينهما، بحيث لم يسوَّ بينهما في موضع واحد من الشريعة، فكيف يصح مثل هذا القياس؟! وليس في المطعومات حدٌّ سوى المسكر؛ لقوّة الداعي الطبعيّ إلى نوعه، وفي رمضان داعية الأكل لا تختصّ بنوع دون نوع. الرابع: أن هذه الكفّارة العظمى لا تجب إلا في نوع النكاح المحرَّم لعارض، ولهذا وجبت على المظاهر لمَّا حرُم عليه فرج امرأته بالظهار، كما حرُم على الصائم فرج امرأته بالصيام، ووجب نحوها على المُحْرِم لما حرم عليه فرج امرأته بالإحرام. الخامس: أن هذه الكفّارة لو كانت واجبةً بالفطر لكان مَن أُبيح له الفطر

стр. 1711

من غير قضاء تجب عليه هذه الكفّارة، كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، ولكان الناسُ مخيّرين في أول الإسلام بينها وبين الصوم، وذلك لأن ما وجب الكفّارة في محظورِه ومباحِه لم يختلف جنسُها، وإنما يختلف الإثم وعدمه. دليلُه (١): كفّارة الإحرام؛ فإن الكفّارة التي تجب في اللباس والطيب والحلق والتقليم للعذر وغيره من جنس واحد، فعُلِم أنها إنما وجبت لخصوص وصف الجماع المحرّم. ولهذا قلنا فيمن عجَزَ عن الصوم لشَبَقِه: إنه يطعم يومًا، لأن الجماع لم يبق في هذه الصورة محرَّمًا ليوجب كفّارة، وإنما تجبُ كفّارة الإفطار، والإفطار كفّارته إطعام المساكين. الفصل الثالث أن الجماع في الفرج يوجب الكفّارة، وهذا كالمُجمَع عليه ، ليس فيه إلا خلاف شاذ. والأصل فيه ما روى الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوسٌ عند النبي ﷺ إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، هلكتُ. قال: «ما (٢) أهْلَكَك؟» قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائم (وفي رواية: في نهار رمضان). فقال رسول الله ﷺ : «هل تجدُ رقبةً تُعتِقُها؟» قال: لا. قال: «اجلس». فمكثَ النبيّ ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتي النبيُّ ﷺ بعَرَق فيه تمر ــ والعَرَق المكتل الضخم ــ، فقال: «أين السائل؟» قال: أنا. قال: «خذ هذا فتصَدَّق به» فقال الرجل: أعَلى أفْقَر منّي يا

стр. 1712

رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهلُ بيتٍ أفقرُ مِن أهل بيتي. فضحك النبيّ ﷺ حتى بدت أنيابُه، ثم قال: «أطعِمْه أهلَ بيتِك» رواه الجماعة (١). وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود (٢): «أن النبيَّ ﷺ أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يعتق رقبةً، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يُطعِم ستّين مسكينًا». ورواه أبو داود (٣) من طريق هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال فيه: فأُتي بعَرَق فيه تَمْر قَدْر خمسة عشر صاعًا، وقال فيه: «كله أنت وأهل بيتك، وصم يومًا، واستغفر الله». وفي رواية ابن ماجه (٤): فقال رسول الله (٥) ﷺ : «أعتِقْ رقبة». قال: لا أجد. قال: «صُمْ شهرين متتابعَين» قال: لا أطيق. قال: «أطْعِم ستين مسكينًا». وفي رواية له (٦): «ويصومُ يومًا مكانَه». وعن عائشة أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: إنه احترق. قال: «ما لَكَ؟». قال: أصبتُ أهلي في رمضان. فأُتيَ النبيُّ ﷺ بمِكْتَل يدعى العَرَق، فقال:

стр. 1713

«أين المحترق؟». قال: أنا. قال: «تصدّق بهذا». رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه (١). وفي رواية لمسلم (٢): أصبتُ امرأتي في رمضان نهارًا. قال: «تصدّق، تصدّق». قال: ما عندي شيء. فأمرَه أن يجلس، فجاءه عَرَقان فيهمان طعام، فأمره أن يتصدّق به. وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود (٣): فبينا هو على ذلك أقبل رجلٌ يسوق حمارًا عليه طعام، فقال رسول الله ﷺ : «أين المحترقُ آنفًا؟» فقام الرجل. فقال رسول الله ﷺ : «تصدّق بهذا». فقال: يا رسول الله! أعلى غيرنا؟ فوالله إنّا لَجِياعٌ ما لنا شيء. قال: «فكُلُوه». وفي رواية لأبي داود (٤): «فأُتيَ بعَرَق فيه عشرون صاعًا». وفي رواية

стр. 1714

لبعضهم: «من تمر». وهذه الكفّارة على الترتيب في الرواية المنصورة. وفي الأخرى هي على التخيير بين الخصال الثلاثة؛ لما تقدم من رواية مسلم، وقد رواه كذلك مالكٌ وابنُ جُريج، وهما من أجلِّ مَن رواه عن الزهريّ. وكذلك في حديث عائشة أمرَه بالصدقة، ولم يذكر العتق والصيام، فعُلِم أنها مجزِئة عنه ابتداءً، ولأنها كفّارة وجبت. ووجه الأول: ما تقدّم من الرواية المشهورة، وقول النبي ﷺ : «هل تجدُ رقبةً تُعتقها؟» قال: لا. قال: «هل تستطيعُ أن تصومَ شهرين متتابِعَين؟» [ق ٤٥] قال: لا. قال: «هل تجدُ إطعامَ ستّين مسكينًا؟». قال: لا. وعامّة أصحاب الزهريّ يروونه هكذا. وأما الرواية الأخرى، فلم يذكر فيها لفظ النبيّ ﷺ ، وإنما ذكر أنه أمَرَه بهذا أو بهذا، وهذا مُجمل يحتمل أنه أمره به على وجه الترتيب، ويحتمل أنه أمره به على وجه التخيير، والرواية الأخرى ذكر فيها لفظ النبي ﷺ ، وهو دليل ظاهر في الترتيب. ولهذا أنكر أحمدُ على مَن فهم التخيير، فقال في رواية ابن القاسم (١): فقال: (٢) مالك يقول في حديثه: إنه خيَّره في الكفّارة، وليس أحدٌ يقول في

стр. 1715

الحديث: إنه خيَّره، إنما قال له شيئًا بعد شيء، وإنما يُقال له عندنا شيئًا بعد شيء (١)، ومَن روى عن النبيّ ﷺ أنه قال: أعتِقْ أو صم أو تصدّق، فرواه بالمعنى من حيث الجملة؛ فإن الرجل قد يقول: افعل كذا أو كذا أو كذا (٢)، ومعناه الترتيب. وأما حديث عائشة: فإنها حَكَت ما استقرّ عليه الحالُ، وهو أمره بالصدقة، فإنه كان عند العجز عن العتق والصيام، ولهذا لم يذكر العتق والإطعام. ثم هي قضيَّةٌ في عين، فذلك المأمور بالصدقة إن كان هو غير الذي في حديث أبي هريرة؛ فربما علم النبي ﷺ مِنْ حاله العجزَ عن العتق والإطعام، ولهذا لم يذكرهما له، ولا ريب في أنهما يُذكران للمستفتي كما في حديث أبي هريرة. ثم هي أكثر رواةً وأشد استقصاءً وأحوط وأشبه بالقياس. فإن هذه الكفّارة لم تجب في الشرع إلا على وجه الترتيب، ولأنها إذا وجبت على المظاهر على وجه الترتيب؛ فعلى المجامع في رمضان أولى؛ فإن ذنب هذا أعظم؛ لأن التحريم في الظهار ثبت بقول المكلَّف، وهنا ثبت بتحريم الله ابتداءً، ولأنه إمساكٌ عن محظورات تجب بالوطء فيه الكفّارةُ، فكانت على الترتيب، ككفّارة المجامع في إحرامه.

стр. 1716

فصل فإن عَجَز عن الكفارات الثلاثة (١): قال الأثرم (٢): قلت لأحمد: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أطعمه عيالك»، أتقول به؟ قال: نعم إذا كان محتاجًا، ولكن لا يكون في شيء من الكفارات إلا في الجماع في رمضان وحده، لا في كفّارة اليمين، ولا في كفّارة الظهار. قيل له: أليس في حديث سَلَمة بن صخر حين ظاهَرَ (٣) من امرأته ووقع عليها (٤) نحو هذا؟ قال: ومَن يقول هذا؟ إنما حديث سلمة «تصدّق بكذا (٥) واستعِنْ (٦) بسائره على أهلك»، وإنما أمر له بما تبقّى (٧). قلت له: فإن كان المجامع محتاجًا فأطعَمَه عياله؟ قال: يجزئ عنه. قلت: ولا يكفِّر إذا وجد؟ قال: لا، إلا أنه خاصّ في الجِماع وحدَه. فذَكَر أصحابنا هل تسقط عنه أو تبقى في ذمته؟ على روايتين، أصحهما تسقط عن ذمته كما ذكره الشيخ، لحديث الأعرابي، فإن النبي ﷺ أمره أن يُطعِم العَرَقَ أهلَ بيته، ولم يأمره أن يقضي إذا أيْسَر، وكان عاجزًا؛ لأن

стр. 1717

التكفير إنما يكون بما يفضُل عن حاجته، ولأنه حقّ ماليّ يجب لله على وجه الطُّهرة للصائم، فلم يجب على العاجز كصدقة الفطر، بخلاف بقيّة الكفارات، فإنها لا (١) تجب على وجه الطُّهْرة في الصيام. والثانية: تبقى في ذمته كسائر الكفارات في الأصح من الروايتين. قال الزهريّ لمّا روى الحديث: «وإنما كان هذا رخصة له خاصة، فلو أن رجلًا فعل ذلك اليومَ، لم يكن له بدٌّ من التكفير» (٢). لأنها كفّارة وجبت بسببٍ من المكلَّف، فلم تسقط بالعجز، ككفّارة اليمين وغيرها، ولأن الأعرابي لو سقطت الكفّارة عنه لما أمره النبي ﷺ بالتكفير بعد أن أُتي بالعَرَق، فإنه حين وجوب الكفّارة كان عاجزًا، وعكسه صدقة [الفطر] (٣). وأما الكفّارة الصّغرى في الصيام، وهي فدية المرضع والحامل والشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، فقال ابن عقيل في «التذكرة» (٤): جميعُها تسقط بالعجز ولا تثبت في الذمة ككفّارة الجماع وأولى؛ لأنها تجب بغير فِعل من المكلّف، فهي بصدقة الفطر أشبه.

стр. 1718

وقال القاضي في «خلافه» وغيرُه: تسقط كفّارة المرضع والحامل، ولا تسقط فدية العاجز عن الصيام (١) لكبر أو مرض؛ لأنها بدلٌ عن الصيام الواجب، فلما لم يسقط الصيام بالعجز عنه؛ فكذلك بدله لا يسقط بالعجز عنه إذا قدر عليه في الثاني، وعلى هذا فلو قَدَر بعد الصيام على الصيام والإطعام ... (٢) وظاهر كلام أحمد أنه لا يسقط شيء من ذلك بالعجز إلا كفّارة الجماع. وكذلك ذَكَرا (٣) في «المجرّد» و «الفصول»؛ لأن كفّارة المرضع والحامل بدلٌ عن الصوم الواجب أيضًا. فإن كان عاجزًا حين وجوب الكفّارة ثم قَدَر على ذلك فيما بعد بقريب كالأعرابيّ وسَلَمة بن صخر، وقلنا: تسقط ... (٤) فإن قلنا: تسقط، فلا كلام. وإن قلنا: لا تسقط، فكفَّر عن المظاهر رجلٌ بإذنه لفقره، أو كان عنده ما يكفِّر به أو دُفِع إليه وهو محتاج إليه، أو هو أحوج إليه من غيره، فهل يجوز صرفه إلى نفسه؟ على روايتين: فقال القاضي: لا يجوز صرف الكفّارة عنه إلى نفسه حملًا لحديث الأعرابي على أنه لم يكن كفّارة، وإنما أكلها صدقةً محضة؛ لأنه ليس في

стр. 1719

الأصول أن الواجبات تصرف إلى مَن [ق ٤٦] وجبت عليه من غير خروج عن ملكه. وهذا على قولنا: سقطت الكفّارة عنه. فأما إن قلنا: تبقى في ذمّته، فقال بعضُ أصحابنا: يجوز صرفُها إليه لحديث الأعرابي، وقال بعضُهم: هل يجوز ذلك أم يكون خاصًّا بالأعرابي؟ فيه وجهان. [وهل يجوز ذلك في بقية الكفّارات؟ على روايتين] (١). والمنصوص عن أحمد في رواية الأثرم (٢) وقد ذَكَر له حديث أبي هريرة وقول النبي ﷺ : «أطعِمْه عيالَكَ» فقال: لا يكون هذا في شيء من الكفّارات إلا في الجماع خاصّة، فإنه يجزئه ولا يكفِّر مرّة أخرى. وهذا بيانٌ من أحمد على أن الذي أطعمه الأعرابيّ لأهله كان كفّارة أجزأت عنه؛ لقوله: «يجزئه»، والإجزاء لا يكون إلا لشيء قد فُعِل وامْتُثل فيه الأمر، ولقوله: «ولا يكفِّر مرة أخرى» فدلّ على أنه قد كفَّر أوّلَ مرّة. وقال في رواية مهنّا: في رجل عليه عتق رقبة، وليس عنده ما يكفِّر، فقال له رجلٌ: أنا أعْتِق عنك هذه الجارية؟ قال: لا يجوز، إلا أن يُمَلِّكه إيّاها، فيعتقها هو، فإذا لم يُملّكها فلا تجزئه؛ لأن ولاءها للذي أعتقها، وفي الإطعام يجوز أن يُطعِم عنه غيرُه، فأما في الرقَبَة فلا.

стр. 1720

وقال في رواية الأثرم: فإذا لم يكن عنده وأطعَمَ عنه غيرُه، يكون له ولعياله؟ قال: نعم، على حديث النبي ﷺ . قال أبو بكر: قد رُوي عن أبي عبد الله أن ذلك خاصٌّ في الواطئ إذا كفَّر عنه غيرُه، رواه إبراهيم بن الحارث أنه يأكلها إذا أطعم عنه غيره، ويمتنع في غير كفّارة الوطء في الصيام أن يأكل منها شيئًا. وروى عنه أبو الحارث: أن كل الكفارات لا بأس بأكلها إذا كفّرت عنه. وبما روى الأثرمُ وإبراهيمُ بن الحارث أقولُ (١)، وهذه طريقة ابن أبي موسى (٢) قال: «ولم يختلف قوله إنّ مَن وطئ في رمضان فقَدَر على الكفّارة مِن ماله، أنَّ عليه أن يكفِّر واجبًا، فإن كان فقيرًا فتُصُدِّق عليه بالكفّارة، فهل له أن يأكلها كما جاء الحديث؟ أم كان ذلك مخصوصًا لذلك الرجل، وعليه أن يتصدّق بذلك، ولا يجوز له أكله؟ على روايتين». فعلى هذا يجوز له أن يصرف هذه إلى نفسه، سواء كفَّر هو عن نفسه أو كفَّر عنه غيره بإذنه، وهذا ظاهر الحديث، فإن الأعرابيّ أخبر النبيَّ ﷺ أنه لا يجد ما يطعَمُه، ثم بعد هذا أمره النبيّ ﷺ أن يكفِّر بالعَرَق الذي جاءه، فعُلِم أن الكفّارة لم تسقط عنه، وإنما كفَّر بإطعام ذلك العَرَق لنفسه وعياله.
следующие страницы →