← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

فصل فإن عَجَز عن الكفارات الثلاثة (١): قال الأثرم (٢): قلت لأحمد: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أطعمه عيالك»، أتقول به؟ قال: نعم إذا كان محتاجًا، ولكن لا يكون في شيء من الكفارات إلا في الجماع في رمضان وحده، لا في كفّارة اليمين، ولا في كفّارة الظهار. قيل له: أليس في حديث سَلَمة بن صخر حين ظاهَرَ (٣) من امرأته ووقع عليها (٤) نحو هذا؟ قال: ومَن يقول هذا؟ إنما حديث سلمة «تصدّق بكذا (٥) واستعِنْ (٦) بسائره على أهلك»، وإنما أمر له بما تبقّى (٧). قلت له: فإن كان المجامع محتاجًا فأطعَمَه عياله؟ قال: يجزئ عنه. قلت: ولا يكفِّر إذا وجد؟ قال: لا، إلا أنه خاصّ في الجِماع وحدَه. فذَكَر أصحابنا هل تسقط عنه أو تبقى في ذمته؟ على روايتين، أصحهما تسقط عن ذمته كما ذكره الشيخ، لحديث الأعرابي، فإن النبي ﷺ أمره أن يُطعِم العَرَقَ أهلَ بيته، ولم يأمره أن يقضي إذا أيْسَر، وكان عاجزًا؛ لأن

стр. 1717

التكفير إنما يكون بما يفضُل عن حاجته، ولأنه حقّ ماليّ يجب لله على وجه الطُّهرة للصائم، فلم يجب على العاجز كصدقة الفطر، بخلاف بقيّة الكفارات، فإنها لا (١) تجب على وجه الطُّهْرة في الصيام. والثانية: تبقى في ذمته كسائر الكفارات في الأصح من الروايتين. قال الزهريّ لمّا روى الحديث: «وإنما كان هذا رخصة له خاصة، فلو أن رجلًا فعل ذلك اليومَ، لم يكن له بدٌّ من التكفير» (٢). لأنها كفّارة وجبت بسببٍ من المكلَّف، فلم تسقط بالعجز، ككفّارة اليمين وغيرها، ولأن الأعرابي لو سقطت الكفّارة عنه لما أمره النبي ﷺ بالتكفير بعد أن أُتي بالعَرَق، فإنه حين وجوب الكفّارة كان عاجزًا، وعكسه صدقة [الفطر] (٣). وأما الكفّارة الصّغرى في الصيام، وهي فدية المرضع والحامل والشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، فقال ابن عقيل في «التذكرة» (٤): جميعُها تسقط بالعجز ولا تثبت في الذمة ككفّارة الجماع وأولى؛ لأنها تجب بغير فِعل من المكلّف، فهي بصدقة الفطر أشبه.

стр. 1718

وقال القاضي في «خلافه» وغيرُه: تسقط كفّارة المرضع والحامل، ولا تسقط فدية العاجز عن الصيام (١) لكبر أو مرض؛ لأنها بدلٌ عن الصيام الواجب، فلما لم يسقط الصيام بالعجز عنه؛ فكذلك بدله لا يسقط بالعجز عنه إذا قدر عليه في الثاني، وعلى هذا فلو قَدَر بعد الصيام على الصيام والإطعام ... (٢) وظاهر كلام أحمد أنه لا يسقط شيء من ذلك بالعجز إلا كفّارة الجماع. وكذلك ذَكَرا (٣) في «المجرّد» و «الفصول»؛ لأن كفّارة المرضع والحامل بدلٌ عن الصوم الواجب أيضًا. فإن كان عاجزًا حين وجوب الكفّارة ثم قَدَر على ذلك فيما بعد بقريب كالأعرابيّ وسَلَمة بن صخر، وقلنا: تسقط ... (٤) فإن قلنا: تسقط، فلا كلام. وإن قلنا: لا تسقط، فكفَّر عن المظاهر رجلٌ بإذنه لفقره، أو كان عنده ما يكفِّر به أو دُفِع إليه وهو محتاج إليه، أو هو أحوج إليه من غيره، فهل يجوز صرفه إلى نفسه؟ على روايتين: فقال القاضي: لا يجوز صرف الكفّارة عنه إلى نفسه حملًا لحديث الأعرابي على أنه لم يكن كفّارة، وإنما أكلها صدقةً محضة؛ لأنه ليس في

стр. 1719

الأصول أن الواجبات تصرف إلى مَن [ق ٤٦] وجبت عليه من غير خروج عن ملكه. وهذا على قولنا: سقطت الكفّارة عنه. فأما إن قلنا: تبقى في ذمّته، فقال بعضُ أصحابنا: يجوز صرفُها إليه لحديث الأعرابي، وقال بعضُهم: هل يجوز ذلك أم يكون خاصًّا بالأعرابي؟ فيه وجهان. [وهل يجوز ذلك في بقية الكفّارات؟ على روايتين] (١). والمنصوص عن أحمد في رواية الأثرم (٢) وقد ذَكَر له حديث أبي هريرة وقول النبي ﷺ : «أطعِمْه عيالَكَ» فقال: لا يكون هذا في شيء من الكفّارات إلا في الجماع خاصّة، فإنه يجزئه ولا يكفِّر مرّة أخرى. وهذا بيانٌ من أحمد على أن الذي أطعمه الأعرابيّ لأهله كان كفّارة أجزأت عنه؛ لقوله: «يجزئه»، والإجزاء لا يكون إلا لشيء قد فُعِل وامْتُثل فيه الأمر، ولقوله: «ولا يكفِّر مرة أخرى» فدلّ على أنه قد كفَّر أوّلَ مرّة. وقال في رواية مهنّا: في رجل عليه عتق رقبة، وليس عنده ما يكفِّر، فقال له رجلٌ: أنا أعْتِق عنك هذه الجارية؟ قال: لا يجوز، إلا أن يُمَلِّكه إيّاها، فيعتقها هو، فإذا لم يُملّكها فلا تجزئه؛ لأن ولاءها للذي أعتقها، وفي الإطعام يجوز أن يُطعِم عنه غيرُه، فأما في الرقَبَة فلا.

стр. 1720

وقال في رواية الأثرم: فإذا لم يكن عنده وأطعَمَ عنه غيرُه، يكون له ولعياله؟ قال: نعم، على حديث النبي ﷺ . قال أبو بكر: قد رُوي عن أبي عبد الله أن ذلك خاصٌّ في الواطئ إذا كفَّر عنه غيرُه، رواه إبراهيم بن الحارث أنه يأكلها إذا أطعم عنه غيره، ويمتنع في غير كفّارة الوطء في الصيام أن يأكل منها شيئًا. وروى عنه أبو الحارث: أن كل الكفارات لا بأس بأكلها إذا كفّرت عنه. وبما روى الأثرمُ وإبراهيمُ بن الحارث أقولُ (١)، وهذه طريقة ابن أبي موسى (٢) قال: «ولم يختلف قوله إنّ مَن وطئ في رمضان فقَدَر على الكفّارة مِن ماله، أنَّ عليه أن يكفِّر واجبًا، فإن كان فقيرًا فتُصُدِّق عليه بالكفّارة، فهل له أن يأكلها كما جاء الحديث؟ أم كان ذلك مخصوصًا لذلك الرجل، وعليه أن يتصدّق بذلك، ولا يجوز له أكله؟ على روايتين». فعلى هذا يجوز له أن يصرف هذه إلى نفسه، سواء كفَّر هو عن نفسه أو كفَّر عنه غيره بإذنه، وهذا ظاهر الحديث، فإن الأعرابيّ أخبر النبيَّ ﷺ أنه لا يجد ما يطعَمُه، ثم بعد هذا أمره النبيّ ﷺ أن يكفِّر بالعَرَق الذي جاءه، فعُلِم أن الكفّارة لم تسقط عنه، وإنما كفَّر بإطعام ذلك العَرَق لنفسه وعياله.

стр. 1721

فصل ويجب العتق إذا وجد الرقبة أو ثمنها فاضلًا عن حوائجه الأصلية، كما يُستوفى إن شاء الله تعالى في موضعه. فإن كان عادمًا لها (١) وقتَ الوجوب، ثم وجدها قبل الصوم، فقال بعض أصحابنا: يلزمه العتق؛ لأنّ النبيّ ﷺ أمرَ الأعرابيّ بالعتق، ولم يسأله عن حاله حين الجماع ... (٢) الفصل الرابع أن الكفّارة تجب بالجماع في الفرج، سواء كان قُبُلًا أو دُبرًا، مِن ذَكَر أو أنثى، وسواء أنزل الماء أو لم ينزل. رواية واحدة. وكذلك إذا أولجَ (٣) في فَرْج بهيمة في المشهور عند أصحابنا، وحكاه أبو بكر عن أحمد في رواية ابن منصور (٤). وخرَّج القاضي في «الخلاف» وأصحابُه كالشريف وأبي الخطاب (٥) رواية أخرى: أنه لا كفّارة عليه، من إحدى الروايتين في الحدّ بوطء البهيمة، تخريجًا للكفّارة على الحدّ. فإن قلنا: فيه الحدّ، ففيه الكفّارة، وإن قلنا: فيه التعزير، فلا كفّارة فيه.

стр. 1722

ومنهم مَن أوجب الكفّارة قولًا واحدًا، وإن لم يوجب الحدَّ، وهو قول القاضي في «المجرَّد»؛ لأن سبب وجوب الكفّارة أوسع من سبب وجوب الحدّ، بدليل أنها تجب في الإنزال عن الوطء دون الفرج، والحدّ ليس كذلك. ويفطر بالجماع في هذه المواضع قولًا واحدًا، سواء أنزلَ أو لم ينزل؛ لأنه جماعٌ يوجب الغسلَ، فأفسدَ الصومَ، وأوجبَ الكفّارة، كجماع المرأة. وسواء كان الوطء بعقد نكاح أو شُبهة أو مِلك يمين أو زنى. ذَكَره أصحابنا (١). ويتوجَّه في الزنى ... وجماع الميتة ... (٢) فأما المباشرة فيما دون الفرج بقُبْلة أو جسّ أو وطء دون الفرج أو غير ذلك بحيث يمسّ بدنُه بدنَ امرأةٍ لشهوة، إذا لم يُنزل بها فلا قضاء عليه ولا كفّارة. وفي «زاد المسافر» (٣) رواية حنبل: إذا غشي دون الفرج، فعليه القضاء والكفّارة. وفي «التعليق» (٤): فأنزل. وإن أنزل الماءَ الأعظم فسد صومُه. روايةً واحدة.

стр. 1723

وفي الكفّارة فيه ثلاث روايات: إحداهن: لا كفّارة عليه كما ذكره الشيخ: إذا لامس امرأتَه، فأنزل وأنزلت، يقضي يومًا مكانه. هذا لم يُجامع، إنما لمس فأنزل. وحَمَله القاضي على الجماع دون الفرج أيضًا. وظاهره أنه لم يجامع الجماعَ المعروف؛ لأن الوطء في الفرج يُفارق غيره في ثبوت الإحصان والإحلال ووجوب (١) الغسل بمجرّده، والحدّ والمهر والعِدّة والصهر اتفاقًا، وهو الاستمتاع التامّ، فلا يلزم من وجوب الكفّارة فيه وجوبها فيما دونه. والثانية: عليه (٢) الكفّارة، نقلها حنبل وأحمد بن إبراهيم الكوفي. وهي اختيار القاضي وأصحابه؛ لأن النبيّ ﷺ أفتى الأعرابيّ بوجوب الكفّارة لمَّا أخبره أنه أصاب امرأتَه، ولم يستفصله كما استفصل الذي أقرّ بما [ق ٤٧] يوجب الحدَّ، والاستمتاعُ أفسدَ الصومَ فأوجب الكفّارة كالوطء. فعلى هذا إذا لمس صبيًّا ... (٣) والثالث (٤): إن جامع دون الفرج فأنزل، فعليه الكفّارة. فأما المعانقة والقُبْلة والمباشرة، فلا كفّارة فيه. نقلها الأثرم. وقال في رواية حرب: الجماع في الفرج وغير الفرج سواء، إذا أنزل

стр. 1724

فعليه الكفّارة. وهي اختيار قدماء الأصحاب كالخِرَقي وأبي بكر وابن أبي موسى (١). والجماع دون الفرج أن يباشرها بفرجه في موضعٍ مِن بدنها على أيّ وجهٍ كان، فيما ذكره ابن عقيل، سواء أولجَ بين فخذيها ونحوهما (٢) من بدنها أو لم يولج. وفرَّق أحمد بين المُجامَعَة دون الفرج وبين المعانقة، وقال: هو جماع؛ لأن استمتاعه فيما دون الفرج جماع، فأشبه الإيلاج في الفرج. فأما إذا مسَّ امرأتَه فأنزل وأنزلت، يقضي يومًا مكانه. هذا لم يجامع، إنما لمس فأنزل. وحمله القاضي على الجماع دون الفرج أيضًا، وظاهره أنه لم يُجامع الجماعَ المعروف (٣). وإن استمنى بيده فعليه القضاء دون الكفّارة فيما ذكره أصحابنا، وفرَّق القاضي بينه وبين الإنزال عن مباشرةٍ أو نظر. وأما ابن عقيل فخرّجها على روايتين، وجعل النص على الرواية (٤) التي تقول: لا يفطر بالإنزال عن مباشرة، لاسيما إذا قلنا: الإنزال عن دوام النظر يوجبُ الكفّارةَ، فالاستمتاع أبلغ في إنزال الماء وتسكين الشهوة. والمنصوص عن أحمد في رواية أبي طالب في صائم وجد شهوةً

стр. 1725

فخشي أن يمذي، فجعل ينتُرُ ذَكَرَه لكي يقطع المذي فأدفَقَ الماءَ الأعظم، فعليه القضاء دون الكفّارة. وأخذ القاضي من هذا أن الاستمناء لا كفّارة فيه. ويتوجّه الفرقُ بين هذا وبين الاستمناء، فإن هذا لم يقصد إلا تكسير الذَّكَر لئلا يخرج المَذْي، فأين هو ممن يستخرج المَنِيَّ؟ وكذلك لو حكَّ ذَكَره بشيء ناعم حتى أنزل؛ لأنه أنزل الماء الأعظم باختياره، ولأنه (١) لم يستمتع. وإن أمذى بالمباشرة، فعليه القضاء دون الكفّارة ، نصَّ عليه في رواية حنبل والأثرم (٢). وربما ذكر بعضُ أصحابنا روايةَ حنبل: أن عليه القضاء والكفّارة؛ لأنه جزء من المنيِّ يجري في مجاريه ويخرج بأسبابه، وهو دونه لأنه لم يكمل، ولا يحصل معه كمال لذَّة، فجُعِل فوق البول ودون المنيِّ، كما وجب به غسل الذَكر والأنثيين، فأفسدَ الصومَ ولم يوجب الكفّارةَ. وكذلك إن أمذى بالعبث بذَكَرِه، فهو كما لو أمذى بالمباشرة، ذكره ابن أبي موسى (٣). وإن تساحقت امرأتان فأنزلتا، وجب القضاء.

стр. 1726

وفي الكفّارة إذا كان عَبَثًا وجهان، كالروايتين فيمن باشر بالفرج فيما دونه، هذا قول ابن عقيل وغيره. وقال أبو محمد (١): يخرَّج الوجهان على أن جماع المرأة هل يوجب الكفّارة؟ قال: وأصحُّ الوجهين أنه لا كفّارة عليهما؛ فإن أنزلت إحداهما فحكمها كذلك. والمجبوب إذا ساحقَ النساءَ أو فاخَذَ الرجالَ فأنزل، فسدَ صومُه، وفي الكفّارة روايتان. فأما الخَصيّ، فإنه بمجرّد إيلاجه يفسدُ صومُه وتجب الكفّارة كما يجب عليه الحدّ. وأما النظر، فإنَّ نَظَر الفجأة معفوٌّ عنها، فإن خرج منه الماء في عقبها فلا شيء عليه. وإن تعمّد النظرَ لشهوةٍ لم يحلّ له، وإن أنزل بذلك؛ فقال أبو بكر والقاضي وأصحابُه مثل الشريف وأبي الخطاب (٢) وغيرهما: يفسد صومه ولا كفّارة عليه، وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل في رجل نظر إلى امرأته في شهر رمضان لشهوة، فأَمْنَى من غير أن يكون أحَدَث حدثًا غير ذلك، فعليه القضاء ولا كفّارة، إلا أن يكون قبَّل أو لمس أو عمل عملًا يدعو إلى أن جاء الماء الدافق، فتجب عليه الكفّارة. وقال الخِرَقي وابنُ أبي موسى وأبو محمد (٣): إذا كرَّر النظرَ فأنزل،

стр. 1727

فعليه القضاء بلا كفّارة، وكذلك ذكر القاضي في «المجرد»: أنه لا يفسد صومه إلا إذا كرَّر النظرَ، فأما إن نظر ثم صرف بصره في الحال؛ فصومه صحيح، ويتخرَّج على الحجّ. قال: لأنه أنزل بسببٍ لا يأثم فيه. فإن كرَّرَ النظرَ فأمْنَى، لزمه القضاء روايةً واحدة؛ لأنه أنزل باستمتاع مُحَرَّم فأشبه الإنزال بالمباشرة، وذلك لأن استدامة النظر تحت قدرته. قال جرير بن عبد الله البجلي: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فقال: «اصرفْ بصَرَك» (١). وعن عليّ بن أبي طالب أن النبيّ ﷺ قال له: «يا عليّ، لا تُتْبِع النظرةَ النظرةَ؛ فإنما لكَ الأولى وليست لكَ الثانية» (٢). وفي وجوب الكفّارة روايتان منصوصتان: إحداهما: تجب عليه، وهو اختيار ابن عقيل (٣)؛ لأنه أنزل باستمتاع مُحَرَّم فأشبه الإنزال عن الملامسة. والثانية: لا تجب عليه الكفّارة، وهي اختيار أكثر أصحابنا. وإن أمْذَى بنظر، فقال أبو بكر وأبو حفص البرمكي: يفطر ولا كفّارة عليه. وقال بعض أصحابنا: ظاهر كلامه أنه لا يفطر بذلك.

стр. 1728

وعلى الأول: هل يفطر بمطلق النظر المتعمَّد أم بالمُسْتدام المتكرِّر؟ على وجهين. وأما إن تفكّر في شيءٍ حتى أنزل، فقال أحمد في رواية أبي طالب في مُحْرِمٍ نظرَ فأَمْنى؟ قال: عليه دم. قيل له: فإن ذَكَر [ق ٤٨] شيئًا فأمنى؟ قال: لا ينبغي أن يذكر شيئًا. قيل: فوقع في قلبه شيء؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء. فعلى هذا إن غلبه الفِكْر لم يفطر؛ لأنه يصير كالإنزال بالاحتلام، وهو لا يفطِّر إجماعًا؛ فإنه لا يدخل تحت قدرته. وأما إن استدعاه أو قَدَر على دفعه (١) عن قلبه فلم يفعل، ففيه وجهان: أحدهما: لا يفطر، وهو قول ابنِ أبي موسى (٢)، وذَكَر أن أحمد أومأ إليه، والقاضي وأكثرِ أصحابه؛ بناءً على أنه من جنس ما لا يملك صرفه عن نفسه. والثاني: يُفطر، وهو قول أبي حفص البرمكي وابن عقيل (٣). حتى قال أبو حفص: من تفكّر في شهوةٍ فأمذى، ليس عن أبي عبد الله فطور، ولكن يجيء (٤) ــ والله أعلم ــ أن يفسد صومُه.

стр. 1729

وذكر ابن عقيل أن كلام أحمد يقتضيه؛ لأنه نهاه عن أن يذكر ذلك، لأن هذا إفطار بسبب من جهته، داخل تحت قدرته، فهو كالإنزال بإدامة النظر، فإن التفكُّر يُؤمَر به تارة ويُنْهَى عنه أخرى، كما في الحديث: «تفكّروا في آلاءِ الله ولا تَفكّروا في الله» (١). قال ابن عقيل: فإن الصائم لو سألنا: هل يجوز أن أخلوَ بنفسي مستحضرًا للصور الشهيّة وللفِعْل فيها والمباشرةِ لها (٢)؟ لأفتيناه بتحريم ذلك والمنع منه. وقال بعض أصحابنا: يحرم (٣) إذا وقع بأجنبية، ولا يكره إذا وقع بالزوجة، بخلاف المباشرة. وإن فكّر فأمذى من غير أن يمسّ ذكَرَه فهو كما لو أَمْنى. قال ابن أبي موسى والقاضي وغيرهما: لا يبطل صومه. قال ابن أبي موسى (٤): ويحتمل أن يبطل، وهذا قول أبي حفص.

стр. 1730

فصل ولا تجب الكفّارة إلا في شهر رمضان، فلو جامعَ في القضاء أو النذر أو الكفّارة، لم تجب عليه الكفّارة. نصّ عليه. وتجب الكفّارة بكلّ صوم في نهار رمضان، سواء كان ذلك اليوم مقطوعًا بأنه من رمضان أم لا، وسواء كان صومه مُجْمَعًا على وجوبه أم لا. فلو رأى الهلالَ وحدَه ورُدَّت شهادته، فصام ثم وطئ، لزمَتْه الكفّارة؛ لأنه تيقّن أنه من رمضان، وذلك لأن الكفارات لا تسقط بالشبهات كالحدود؛ فإنها ليست عقوبة، بل قد تجب محوًا للخطيئة، وجبرًا للفائت، وزجرًا عن الإثم. ولو وطئ في أوّل النهار، ثم مرض أو جُنَّ أو سافر أو حاضت المرأة، لم تسقط عنه الكفّارة، نصّ عليه في رواية صالح وابن منصور (١). ونصّ في رواية ابن القاسم وحنبل على أنه لو أكل ثم سافر وحاضت المرأةُ، فإنهما يُمسكان عن الطعام ويقضيان ذلك اليوم؛ لأنهما تعمّدا الفِطر بالمعصية. ولو وطئ في آخر يوم من رمضان، فتبيَّن له أنه من شوَّال، لم يكن عليه كفّارة؛ لأنه تبين أن الصوم لم يكن واجبًا عليه. ذكره (٢) القاضي.

стр. 1731

مسألة (١): (فإن جامعَ ولم يُكفِّر حتى جامعَ ثانيةً، فكفّارة واحدة. وإن كفَّر ثم جامعَ فكفّارة ثانية، وكلُّ مَن لزمه الإمساكُ في رَمضان فجامعَ، فعليه كفّارة) . وجُملة ذلك أنه تجب الكفّارة في الصوم الصحيح والفاسد؛ فكل مَن وجب عليه الإمساك، وجبت عليه الكفّارة إذا جامع، وإن لم يكن معتَدًّا به، مثل أن يأكل ثم يجامع، أو يترك النية ثم يجامع، أو يجامع ويكفِّر ثم يجامع. قال أحمد: إذا أكل ووطئ في رمضان؛ فعليه مع القضاءِ الكفّارةُ للوطء، فإن كفَّر في يومه ثم عاد، يكفِّر أيضًا؛ لأن حرمة اليوم لم تذهب، فإن فعل مرارًا (٢) فإنما عليه كفّارة واحدة ما لم يكفِّر، فإذا كفَّر ثم وطئ فعليه كفّارة أخرى، وهو مذهبي؛ وذلك لأن هذا الإمساك صوم واجب في نهار رمضان، فأوجب الكفّارة كالصوم الصحيح. ودليل الوصف: ما روى سلمة بن الأكوع قال: «أمر النبيُّ ﷺ رجلًا من أسلم أن: أذِّن في الناس أن مَن كان أكَلَ فليصُم بقيّةَ يومه، ومَن لم يكن أكل فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء» متفق عليه (٣).

стр. 1732

ولأن الكفّارة إنما وجبت لِمَا انتَهَك من حُرْمة الزمان بالجماع فيه. ومَن أكل ثم جامع، أو جامع ثانيةً بعد أولى، فهو أشدُّ انتهاكًا للحُرْمة وأعظم في الاجتراء على الله، وربما اتخذ هذا حيلة إلى إسقاط الكفّارة بالجماع. ولأنها عبادة يجب إتمام فاسدها، فوجبت الكفّارة فيه كالحج الفاسد. وهذا لأن الله سبحانه قال في الحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال تعالى في الصوم: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وزمانُ الحجِّ يتعين ابتداؤه بفعل المكلف، وزمان رمضان يتعين ابتداؤه وانتهاؤه بالشرع، وكلاهما لا يخرج منه بالإفساد، بحيث لو أراد في الحج أن يصير بالوطء حلالًا يباح له المحظورات، لم يكن له ذلك، ولو أراد بالإفطار في رمضان أن يباح له الإفطار في سائر النهار لم يُبَح له. ولو تبين له وجوب الصوم في أثناء النهار ببينة تقوم، أُثيب على صيامه مع وجوب القضاء، فليس بينه وبين الإحرام فرق، هذا فيمن ترك النية، مع العلم بوجوب الصوم، حتى لو أفطر يوم الإغمام وهو يعتقد ... (١) فأما إن ترك النية لعدم العلم بأنه من رمضان وأمسك، لم يلزمه الكفّارة؛ لأنه ليس بإمساك مأمور به. وإذا علم في أثناء النهار أن اليوم من رمضان، فإنه يجب عليه الإمساك على المذهب المعروف، فلو وطئ فيه لزمَتْه الكفّارة. وإذا أسلم الكافرُ أو بلغ الصبيُّ أو عَقَل المجنون أو طهرت الحائض أو قدم المسافر، وقلنا: يجب عليهم الإمساك، فقال القاضي وابن عقيل: إذا

стр. 1733

وطئ، وجبت عليه الكفّارة. والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور (١): [ق ٤٩] لا كفّارة عليه. وكذلك ذكر ابن أبي موسى (٢) وغيره. وحمل القاضي ذلك على الرواية التي لا يوجب فيها الإمساك. وقد قال في رواية حنبل في مسافر قدم في آخر النهار فواقَعَ أهلَه قبل الليل: عليه القضاء والكفّارة. فإذا وطئ مرات في يوم واحد ولم يكفِّر، فكفّارة واحدة. نصَّ عليه. كما أنه لو أكل مرات في يوم لم يجب عليه إلا قضاء يوم واحد. وإن وطئ في يومين ولم يكفِّر؛ فقال حرب: سُئل أحمد عن رجل جامع في رمضان أيامًا متتابعة: كم كفّارة؟ قال: قد اختلف الناس في هذا. فلم يجبه. واختلف أصحابنا في ذلك؛ فقال ابن حامد والقاضي وأصحابه (٣): عليه الكفّارة لكلِّ يوم وإن لم يكفِّر. وحُكيَ هذا عن أحمد نفسه، حكاه ابن عبد البر (٤)؛ لأن كلَّ يوم عبادة منفردة بنفسه، فلم يدخل كفّارة أحدهما في كفّارة الآخر؛ كما لو وطئ في

стр. 1734

رمضانين أو حجّتين أو عمرتين، وذلك لأنه لا يفسد صوم أحدهما بفساد الآخر، ولا يجب أحدهما بوجوب الآخر، فإنه لو سافر في أثناء الشهر فهو مخيَّر بين الصوم والفطر، ولو أقام في أثنائه لتحتَّم عليه الصوم، ويحتاج كلٌّ منهما إلى نية منفردة في المشهور من المذهب. وقال أبو بكر وابن أبي موسى (١): يكفيه كفّارة واحدة وإن وطئ كلَّ يوم ما لم يكفِّر؛ لأن الكفارات بمنزلة الحدود في أنها عقوبات، والحدود بمنزلة الكفارات في أنها كفارات لأهلها. ثم لو زنى مرّات أو شرب مرّات أو سرق مرّات؛ لم يجب عليه إلا حدٌّ واحد، فكذلك إذا أفسد عبادات. وأما إذا جامع في رمضانين أو في حجتين أو عمرتين، فقياس قول أبي بكر ... (٢) فصل (٣) ولا فرق في الجماع بين المعذور وغير المعذور، فلو وطئ ناسيًا أو جاهلًا بوجوب الصوم لاعتقاده أنه واطئ في غير نهار رمضان، أو جاهلًا بأن الوطء يحرم في الصوم، مثل أن يعتقد أن الفجر لم يطلع، أو أن الشمس قد غربت، فيجامع، ثم يتبين بخلافه، أو يجامع معتقدًا أنه آخر يوم من شعبان، فيتبين أنه من رمضان [= فعليه القضاء والكفارة] (٤). هذا أشهر الروايتين، ذكرهما أبو حفص وسائر الأصحاب، نقلها ابن

стр. 1735

القاسم والأثرم وحنبل وحرب. قال في رواية الأثرم (١): حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ ، فقال: هلكتُ، وقعتُ على امرأتي في رمضان. قال: «أعْتِق رقبة» = ظاهره على النسيان والجهالة، ولم يسأله النبي ﷺ ، وإنما أفتاه على ظاهر الفعل. وهذا اختيار جمهور الأصحاب. والرواية الثانية: عليه القضاء دون الكفّارة. قال في رواية أبي طالب: إذا وطئ ناسيًا، يعيد صومَه، قيل له: عليه كفّارة؟ قال: لا. وإذا كان عامدًا، أعاد وكفَّر. وهذا اختيار ابن بطة (٢)؛ لأن الله قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، بدليل قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله: قد فعلت (٣). حديث صحيح. وقول النبي ﷺ : «عُفِي لأمّتي عن الخطأ والنسيان» (٤). ولأن الكفّارة إن كانت لجبر الصوم؛ فإنه مجبور بالقضاء، وإن كانت لمحو الخطيئة أو عقوبةً للواطئ، فالناسي والجاهل لا إثم عليهما، بخلاف كفّارة القتل والصيد ونحوهما، فإنها وجبت جبرًا لما فوّته؛ فأشبهت ضمان الأموال.

стр. 1736

ومن أصحابنا من يحكي روايةً ثالثة في الناسي والمكره: أنه لا قضاء عليه ولا كفّارة. وكقول أحمد في رواية ابن القاسم: كلُّ أمر غُلِب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفّارة. وقال أبو داود (١): سمعته غير مرَّة لا يَنْفُذُ (٢) له فيها قول. يعني مسألة مَن وطئ ناسيًا. ووجه الأول: أن النبيَّ ﷺ أمر الأعرابيَّ بالكفّارة ولم يستفصله: هل كان ناسيًا أو جاهلًا؟ مع أن هذا الاحتمال ظاهر، بل هو الأظهر، فإن الرجل المسلم لا يكاد يفعل مثل هذا عالمًا عامدًا، لاسيما في أول الأمر، والقلوب مقبلة على رعاية الحدود، والجهلُ بمثل هذا خليق أن يكون في الأعراب؛ فإنهم أجْدَر أن لا يعلموا حدودَ ما أنزل الله على رسوله. وليس في قوله: «هلكتُ» ما يدلّ على أنه فعل ذلك عالمًا عامدًا؛ لجواز أنه لما ذُكّر أو أُخْبر أن هذا محرّم في الصيام خاف أن يكون هذا من الكبائر، وقد كانوا يخافون مما هو دون هذا، كما قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : «أتيتُ اليوم أمرًا عظيمًا، قَبَّلت وأنا صائم» (٣).

стр. 1737

ولهذا لم يعاتبه (١) النبي ﷺ ، ولم يلُمْه كما لام سلمةَ بن صخر لما جامع بعد الظهار (٢)، وكما لام الذي جامعَ امرأتَه ليلةَ الصيام قبل أن يبيح الله الرفثَ ليلةَ الصيام (٣)، ومثل هذا لابدَّ فيه على العامد العالم من تعزير أو توبيخ، فهذه قرينة تبيّن أن الرجلَ قد كان له بعضُ العذر في هذا الوِقاع.

стр. 1738

ولأنها كفّارة وجبت بالوطء مع العَمْد فوجبت مع السهو ككفّارة الوطء في الظهار والإحرام. ولأن الوطء في الشرع يجري مجرى الإتلاف، بدليل أنه لا يخلو من غُرم أو حدٍّ، أو غُرم وحدّ، وباب الإتلاف يستوي فيه العمدُ والخطأ، كالقتل للإنسان والصيد، والحَلْق والتقليم. وإذا اعتقد [ق ٥٠] أنه آخر يوم من شعبان، فجامع فيه، ثم تبيّن أنه من رمضان، فإنه يمسك ويقضي، ولم تجب عليه الكفّارة هنا. ذكره ابن عقيل؛ لأنه لم ينو صومَه على وجهٍ يُعذَر فيه (١)، والكفّارةُ إنما تجب بالوطء في إمساكٍ واجب؛ بخلاف مَن أكل يظنّه ليلًا فبان نهارًا، فإنه مأمور بالإمساك ذلك الجزء والاحتياط فيه مشروع، وهو داخل في ضمن اليوم الذي نواه، ولهذا لا يُفْرَد بنية. وإذا أكل ناسيًا، فظن أنه قد أفطر، فجامع. أو ذَرَعه القيءُ أو قطَرَ في إحليله ونحو ذلك، فظنَّ أنه قد أفطر، فجامع؛ فقال بعض أصحابنا: في وجوب الكفّارة وجهان؛ لأنه مثل الجاهل والناسي. وكذلك قال القاضي: قياسُ المذهب أن الكفّارة تجب عليه؛ لأن أكثر ما في هذا ظنه إباحة الفطر، وهذا لا يُسقط الكفّارة؛ كما لو وطئ يظنّ أن الفجر لم يطلع، فإن الكفّارة لا تسقط هناك على المنصوص. فعلى هذا: إذا قلنا هناك: إنه لا كفّارة عليه ... (٢)

стр. 1739

وإن وطئ يعتقد أنه آخر يوم من شعبان، ثم بان أنه أول يوم من رمضان ... (١) والصواب: أن هذا تجب عليه الكفّارة قولًا واحدًا؛ لأن أكثر ما فيه أنه وجب عليه، وكلُّ مُفطِر وجبَ عليه الإمساكُ إذا جامع لزمته الكفّارة عندنا، فإنه ليس معذورًا بالجماع، كما لو أكل عمدًا ثم جامع لزمته الكفّارة. نص عليه. اللهم إلا أن يعتقد جواز الأكل والوطء، فيُلْحَق بالمعذور (٢). فإن قيل: أما إيجاب القضاء على الجاهل فهو القياس؛ لأنه لو أكل جاهلًا للزمه القضاء، فالواطئ أولى. وأما إيجابه على الناسي فهو مخالف لقياس الصوم، فإن الأكل ناسيًا لا يفطِّر الصائم. قلنا: الفرق بينهما أن الأكل بالنهار معتاد؛ فالشيء الخفيف منه ما قد يفعله الصائم لنسيانه صومه فعُذِر فيه. أما الجماع فأمر عظيم، وليست العادة فعله في النهار، فوقوعه مع النسيان إن وقع نادر جدًّا. وهذا معنى ما ذكره ابنُ جُريج قال: كنت إذا سألت عطاءً عن الرجل يُصيب أهلَه ناسيًا، لا يجعل له عذرًا (٣)، يقول: لا ينسى ذلك ولا يجهله (٤) فيأبى أن يجعل له عذرًا. لاسيما ... (٥)

стр. 1740

وأما مقدّمات الجماع التي لا توجب الكفّارة مثل القُبلة واللمس والنظر إذا فعلها ناسيًا فأَمْنى أو أَمْذى، فقال أصحابنا: هو على صيامه، ولا قضاء عليه؛ لأنه أمر يوجب القضاءَ فقط، ففرقٌ بين عَمْده ونسيانه، كالأكل. فعلى هذا ما أوجب عمدُه الكفّارةَ، أوجب سهوُه القضاءَ في المشهور، وفي الكفّارة الخلاف المتقدّم، وما أوجب عمدُه القضاءَ فقط، لم يُبطل الصومَ سهوُه؛ لأن ما أوجب جنسُه الكفّارةَ، تغلّظ جنسُه فأُلحِق بالجماع، بخلاف ما لا يوجب إلا القضاءَ فقط، فإنه كالأكل. وإن أُكره الرجل على الجماع؛ فقال ابن أبي موسى (١) والقاضي وابن عقيل وغيرهم: عليه مع القضاء الكفّارة قولًا واحدًا، بخلاف الناسي؛ لأن الجماع لا يتأتَّى إلا مع حدوث الشهوة، ولهذا وجبت الكفّارة على المُكْره على الزنى في المنصوص؛ لأنه لا يطأ حتى ينتشر، ولا ينتشر إلا عن شهوة. قال ابن عقيل: وإن كان منتشر العضو فاغْتَفَلَتْه امرأةٌ وقعَتْ عليه، فغلَبَتْه واستدخلت عضوَه، فلا كفّارة عليه هنا لعدم العلة، وفي إفساد الصوم وجهان، وذكر أبو الخطاب (٢) وغيرُه فيه الروايتين في الناسي. وإن استدخلت ذَكَره وهو نائم، فقال القاضي: لا يفطر لأنه كالمحتلم، لم يصدر منه فعل ولا لذّة. وهذا قياس قول مَن يفرّق بين النائمة والمكرَهَة، وليس هو قول القاضي.

стр. 1741

وذكر ابن عقيل وجهًا أنه يفطر، قال: كما لو جُرِّع الماء، كان فيه الروايتان، والأشبه أن لا يبطل، كما لو قُطِر في حلقه وهو نائم. قال ابن عقيل: فإن كشفَتْه واستيقظَتْ عُضوَه بأن عَبِثت به حتى انتشر، ثم استدخَلَتْه، أفطرا جميعًا، ولا كفّارة عليه. وهل عليها كفّارة؟ على روايتين. وكأنه جعله في هذه الصورة مُكرَهًا، فيكون قوله (١) كقول أبي الخطاب. وقال غيرهما: ظاهر كلام أحمد أن عليه القضاء؛ لأن القضاء وجب على المرأة المغصوبة على نفسها فالرجل أولى. وهذا أصح، فإن المقهور على نفسه أقوى من المقهورة على نفسها، والنائم أقوى من النائمة. فصل (٢) وأما المرأة، فلا تخلو إما أن تكون مُطاوِعة أو مُستكرَهَة، فإن كانت مُطاوِعة في الصيام أو الإحرام ففيها ثلاث روايات: إحداهن: أن عليها الكفّارة فيهما. وهي المنصورة عندهم، مثل أبي بكر وابن أبي موسى (٣) والقاضي وأصحابه (٤).

стр. 1742

قال في رواية ابن إبراهيم (١) في الرجل يَستكره امرأتَه على الجماع: ليس عليها كفّارة وعليه، وإذا طاوعَتْه فعليها وعليه كفّارة كفّارة. في الصوم. ونقل عنه إسحاق بن إبراهيم (٢) ويعقوب بن بختان في المُحْرِمة إذا وطأها: عليها الهدي. والثانية: لا كفّارة عليها. نقل (٣) عنه أبو داود (٤) وأبو الحارث ومهنّا والمرُّوذي: لا كفّارة على المرأة في الوطء في رمضان. فعلى هذا تجب الكفّارة عليه وحده، وليس عليها كفّارة، يتحملها الزوج عنها، وتعتبر الكفّارة بحاله في الحرية والعبودية، واليسر والعسر، وغير ذلك. ونقل عنه ابن منصور (٥) في الذي يصيب أهلَه مُهِلًّا بالحج: يحجان من قابل ويتفرّقان، وأرجو أن يجزيهما هدي واحد. فمِن أصحابنا [ق ٥١] مَن يجعل هذا رواية واحدة في أنه لا كفّارة عليها،

стр. 1743

وإنما الكفّارة عليه وحده. ومنهم من يجعل هذا روايةً أخرى بأن الكفّارة الواحدة تكون عليهما في مالهما وتجزئ عنهما. وهل تجب عليهما في مالهما، أو في ماله وتقع عنهما، أو في ماله وتقع عنه وحده؟ فعلى هذا: إن كفَّر بالصوم، لزمَ كلَّ واحدٍ منهما صومُ شهرين. والثالثة: عليها الكفّارة في الحج دون الصوم. فقال في رواية أبي طالب: ليس على المرأة كفّارة، إنما هي على الرجل، إلا أن يكونا مُحْرمَين فيكون عليهما كفّارة كفّارة (١). كذا قال ابن عباس (٢)، ولم أسمع على المرأة هدي إلا في الحج (٣). ولهذا أكثر نصوصه في الحج بالوجوب وفي الصوم بعدمه، وذلك لأن الذي واقع أهلَه في رمضان أمَرَه النبيّ ﷺ أن يعتق رقبةً أو يصوم شهرين متتابعين أو يُطعم ستين مسكينًا في معرض جواب سؤاله عن هذه الواقعة، فعُلم أنه لا يجب في هذا الجماع شيء غيرُ هذا، لأنه لو كان لذَكَره، فإنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولأن السؤال كالمُعاد في الجواب، فتقديره: من أصاب امرأته في رمضان فعليه هذه الكفّارة. ولو قيل مثل ذلك لدلّ على أنّ هذا جزاء هذا الفعل، ولا شيء فيه غير ذلك، ولهذا لما قال له ذلك الرجل: إن ابني كان عسيفًا على هذا، وإنه زنى

стр. 1744

بامرأته، فقال النبي ﷺ : «على ابنك جلدُ مئة وتغريبُ عام، واغْدُ يا أُنَيس إلى امرأةِ هذا، فإن اعترفت فارجمها» (١). فذكر في الحدّ حكم الواطئ والواطئة، وفي الكفّارة اقتصر على حكم الواطئ فقط. وفي الحجّ: أمرَ النبيّ ﷺ المتجامِعَين أن يُهديا هديًا. وكذلك عمر وعليّ (٢). ولأن الكفّارة هنا إنما وجبت لأجل الإصابة والوقوع على المراة وجماعها، والجِماع إنما يفعله الرجل وحده، وإنما المرأة مُمَكِّنة من الفعل ومحلٌّ له، والكفّارة لم توجَب لذلك، ولأن الجماع فِعْل واحد لا يتمّ إلا بهما، فأجزأتْ فيه كفّارة واحدة؛ لأن تعدّد ... (٣)، ولأنه حقّ ماليّ يجب بالوطء، فاختصَّ بوجوبه [على] (٤) الواطئ كالمَهْر في وطء الشبهة. وهذا لأنّ الأصل فِعل الرجل، والمرأة محلّ لفعله، فاندرج فعلها في فعله، وصار تبَعًا له، كما تدخل ديةُ الأطراف في دية النفس، وكما لو جامع مرّة ثم مرّة ولم ينزل، وكما لو قبَّل المُحرِم ثم أولج، ولأنها كفّارة تجب بالوطء، فاختصّت بالرجل دون المرأة، ككفّارة الظهار. أو نقول: إصابةُ فرجٍ حَرُم لعارض، فاختصّت كفارتُه بالرجل، كإصابة المظاهر منها.

стр. 1745

فعلى هذا لو لم تجب الكفّارة على الرجل بأن تَستدخلَ ذكَرَه وهو نائم، أو تستدخل ذَكَر مجنون أو صبيّ، فإنه يبطل صومها، هكذا ذكره القاضي وابن عقيل. وهل تجب الكفّارة؟ على روايتين فيما إذا وطئها الرجل، ذكره القاضي وابن عقيل. وكذلك لو وطئها وهو مسافر أو مريض، وهي مقيمة صحيحة، ففي الكفّارة عليها الروايتان (١). ومَن فرَّق بين الحج والصوم، قال: إن الحجَّ جاءَ فيه الأثر عن ابن عباس، والصوم بخلافه، ولأن الحجّ أغلظ، فإن الكفّارة تجب فيه بالقُبْلة والمباشرة وإن لم يُنزل. ولأن حُرمة الحج متعدّدة بالنسبة إليهما فإنّ كلًّا منهما إنما يصير حرامًا بإحرام يعقده لنفسه؛ فإذا جامع فقد هَتَك إحرامًا منفصلًا عن إحرام غيره، وهنا الحُرمة للشهر الذي يجب صومه، لا لنفس الصوم المجزئ، ولهذا تجب الكفّارة سواء كان صائمًا أو مفطرًا إذا كان الإمساك واجبًا عليه، ولا تجب إلا في شهر رمضان، وحُرْمة الشهر واحدة يشملها، فإذا هتكاها، فإنما هتّكا حُرْمة واحدةً، فأشبه ما لو اشتركا في قتل صيد. ولأن الكفارات في الحج تجب مع الانفراد والاشتراك كما تجب

стр. 1746

بالحَلْق واللبس، فإذا وقع الاشتراك جاز أن يُجعلا في حكم المنفردَين، وهنا لا تجب إلا بالفعل المشترك. فعلى هذا، لو استدخلَتْ ذَكَر نائم أو مكّنَت من نفسها مجنونًا أو مسافرًا ونحوه ... (١) وذكر ابن عقيل في موضع آخر أن الوطء إذا تردّد بين اثنين لا تجب الكفّارة على أحدهما، وجبت (٢) على الآخر وحدَه، كالمسافر إذا وطئ. ووجه الأول: أن المرأة هتكَتْ حُرمة شهر رمضان بالجماع، فوجبت الكفّارة عليها كالرجل، وذلك لأنها إذا طاوعَتْه على الجماع، كان كلّ منهما فاعلًا له ومشاركًا فيه، وإن جاز أن ينفرد أحدُهما به إذا استكرهها أو استدخلَتْ ذَكَره وهو نائم، فما وجب عليه لله من الكفّارة والعقوبة وغير ذلك وجب عليها مثله. ولهذا يجب الحدُّ عليها كوجوبه عليه، وتفطر بهذا الجماع كما يفطر هو، وتستحقّ العقوبةَ في الآخرة كما يستحقّه، وتسمّى باسمه، فيقال: زانٍ وزانية، ويُسمى جِماعًا وحلامة (٣) ومباشرة، وصيغة الفِعال والمفاعلة في الأصل إنما تكون بين شيئين يفعل كلُّ منهما بصاحبه مثل ما يفعل الآخر به، كالقتال والخصام.

стр. 1747

ولهذا لو استدخلَتْ ذَكَره وهو نائم وجبت الكفّارة، ذكروا فيه الروايتين (١)، ولأنها كفّارة فوجبت على كلّ واحدٍ منهما كالحدِّ، فإن الحدود كفارات لأهلها. وهذا لأن الكفّارة ماحية من وجه وزاجرة من وجه وجابرة من وجه، والمرأة محتاجة إلى هذه المعاني حسب احتياج الرجل. ولا يصح التفريق بأن الكفّارة في المال، والحدّ على البدن؛ [ق ٥٢] لأن مِن الكفارات ما هو على البدن، وهو الصيام. وكذلك لو حلف كلٌّ منهما لا يجامع الآخرَ، كان على كلٍّ منهما كفّارة إذا حَنَث (٢) كلٌّ منهما في يمينه، كهتك كلٍّ منهما لحُرْمة صومه وإحرامه. وأما حديث الأعرابي، فقد أجاب أصحابنا عنه بوجوه: أحدها: أن بيانَه لحكم الأعرابي بيانٌ لحكم مَن في مثل حاله؛ إذ من المعلوم أنها تشاركه في الجماع فتشاركه في حكمه، ولهذا لم يأمرها النبي ﷺ بالقضاء والاغتسال، وقد أمر الأعرابيَّ بالقضاء لعلمه بأن حكمها حكمُه، فما حُمل عليه تركُ ذِكر القضاء، حُمل عليه تركُ ذِكر الكفّارة. وثانيها: أن هذه قضية في عين، فلعلّ المرأة كانت مُكرهة أو نائمة، فإنه قد رُوي في بعض الألفاظ أنه قال: «هلكتُ وأهلَكْتُ» رواه الدارقطني (٣).

стр. 1748

ونِسْبةُ الإهلاك إليه وحده، وإن كان يحتمل التسبب والدعاء إلى الفعل، لكنه ظاهر في انفراده بالإهلاك، وسماه إهلاكًا للمرأة؛ لتفطيرها وإيجاب القضاء عليها. وثالثها: أن المرأة كانت غائبة ولم تستفته، وإنما سأله الأعرابيُّ عن حكم نفسه فقط، فلم يجب بيانُ حكم المرأة، وإنما بيّنه في قصة العسيف لأن له أن يبينه وألّا يبيِّنه، فإن الزيادة على السؤال جائزة، كقوله في البحر: «هو الطَّهور ماؤه الحِلّ ميتتُه» (١). ثم الفرق بينهما: أن في قصة العسيف حضر زوجُ المرأة، وكان سائلًا عن حكمها، كما حضَرَ أبو العسيف يسأل عن حكم ابنه.

стр. 1749

ثم حكم الرجل في الزنى كان مخالفًا لحكم المرأة، فإن حدّها كان الرجم وحدُّه الجلد، فلم يكن بيان أحدهما بيانًا للآخر، بخلاف الجِماع. ثم الحدُّ حقّ الله يجب استيفاؤه على الإمام، بخلاف الكفّارة فإنها حقٌّ فيما بين العبد وبين الله. ورابعها: أن الرجل أقرَّ بما يوجب الكفّارةَ والمرأةُ لم تقرّ بذلك، وقوله غير مقبول عليها. وخامسها: أنه يمكن أنه قد ذَكَر حكمَها فلم يُنقل، ويمكن أنه ﷺ أراد ذِكْر حكمها فشُغِل عنه، فإنه عدمٌ محض، والعدم المحض لا دلالة فيه. وأما قياس هذا على الظهار فلا يصح؛ لأنها إن كانت مُظاهرة منه كما هو مُظاهر منها وجبت الكفّارة على كلّ منهما. وإن لم تكن هي مُظاهِرةً (١)، وقلنا: إنه لا كفّارة عليها بظهارها منه؛ فلأنّ سبب وجوب الكفّارة ــ وهو الظهار ــ مختصّ به، كما لو حلف لا يطأها، فإن كفّارة اليمين تجب عليه خاصة، وكما لو كان هو وحده مُحْرِمًا أو صائمًا، فإنه لا ينبغي أن تُمَكِّنه من نفسها لما فيه من إعانته على المعصية، ولأن فرجها حرام عليه في هذه الحال، ثم لو مكَّنته لم تجب الكفّارة إلا عليه لأنها هي ليست مُحْرِمة ولا صائمة. فصل (٢) وإن كانت مُستَكْرَهة بأن يضطجعها ويطأها، ولا تقدر أن تمتنع منه، أو يقيدها ونحو ذلك= فسد صومُها.

стр. 1750

نصّ عليه في رواية مهنّا في مُحرِمة غَصَبها رجلٌ نفسَها، فجامعها وهي كارهة، [قال]: أخاف أن يكون قد فسد حجُّها. فقيل له: فإن غَصَبها رجلٌ نفسَها وهي صائمة فجامعها؟ قال: هو كذلك. وفي لفظ: إذا أكرهها فوطئها فعليها القضاء. قلت: وعليها الكفّارة؟ قال: لا. قلت: فإن كانت اشتهَتْه؟ قال: لم أسمع على المرأة كفّارة. وهذا قول ابن أبي موسى (١) والقاضي وأكثر أصحابنا. وعنه: لا يفسد. ذكرها أبو الخطاب (٢) وابن عقيل. قال في رواية ابن القاسم (٣) في الرجل يتوضأ فيسبقه الماء فيدخل حلقَه: لا يضره ذلك، وكذلك الذباب يدخل حلقَه، والرجل يومئ بالشيء فيدخل حلقَ الآخر، وكلُّ أمرٍ غُلِب عليه الصائم، فليس عليه قضاء ولا غيره. فإن هذا يقتضي أنه لا يفسد الصوم بالإكراه على الجماع؛ لقوله: «ليس عليه قضاء ولا غيره»، وغير القضاء هي الكفّارة، وإنما تجب الكفّارة في الجماع، فعُلِم أنه إذا غُلِب على الجماع لم يكن عليه قضاء ولا غيره. وهذا اختيار ابن عقيل؛ لأن الله تعالى عفا للأمة عما اسْتُكْرِهوا عليه، ولأن هذه المرأة لم يصدر منها فعل ألبته. ولهذا لا يجب عليه حدٌّ ولا إثم ولا تعزير ولا ضمان، فإنه لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر فقتله، لم يضمنه، فإذا لم يجب الضمان مع وجوبه مع

стр. 1751

السهو وغيره، فأَنْ لا يُفْسِدَ العبادة أولى. ولأنه لو حلق رأسَ مُحرِم أو قَلّم ظُفْرَه بغير اختياره لم يكن عليه جزاء، فكيف يفسد إحرامه وصيامه بذلك؟! فعلى هذا: إن أُكْرِهت بالضرب أو الحبس أو الوعيد، حتى اضطجعت أو مكَّنت، ففيه وجهان كالوجهين (١) فيما إذا أُكْرِه حتى أكل بيده. ووجه الأول: أنه جماع يوجب الغسلَ، فأفسد الصومَ والحجَ، كجماع المطاوِعَة، ولأنها عبادة تَبْطل بجماع المختارة فبطلت بجماع المستكْرَهة كالطهارة، إلا أن الأسباب الموجبة للوضوء لا تفريق بين عمدها وسهوها، بخلاف الأسباب المفسدة للإحرام، ولأن الجماع يشبه الإتلاف. فعلى هذا لا كفّارة عليها، نصّ عليه في الصائمة في رواية مهنّا، وفي المُحرِمة المستكْرَهة في رواية ابن إبراهيم ويعقوب بن بختان وحنبل. وفرَّق بينها وبين المطاوِعَة. وسواء قلنا: تجب الكفّارة على الناسي والجاهل والرجل المكرَه (٢) أو لا تجب في المشهور عند أصحابنا. قال القاضي في «المجرد»: لا كفّارة عليه روايةً واحدةً؛ لأن المكره لا فِعْل له، ولهذا لو أُكْرِه على قتل الصيد وإتلاف مال الغير، لم يكن عليه ضمان، وإن [ق ٥٣] وجب الضمان على الناسي.

стр. 1752

وذكر القاضي في «خلافه» فيها روايتين: إحداهما: كذلك. والثانية: عليها الكفّارة كالناسي والجاهل. وقد نصَّ أحمد في رواية الأثرم: إذا أكرهها في الحجّ، على كلِّ واحد منهما هدي. ولا ترجع به عليه على هذه الرواية كالناسي. وقال ابن أبي موسى (١): قيل عنه: عليها (٢) كفّارة ترجع بها عليه؛ لأنه حقٌّ لزمها بسببه فكان استقراره عليه، كما لو أَكْره رجلًا على إتلاف المال أو غرَّه في نكاح أو بيع أو غيرهما أو حلق رأسَ المُحرِم بغير اختياره، فإن ضمانه عليه. والإكراه الذي لا ريب فيه: أن يقهرها على نفسها، وسواء كان إكراه غلبةٍ مثل أنْ قَهَرها على نفسها، أو كان إكراه تمكين مثل أنْ ضرَبَها حتى مكَّنت من نفسها، فالحكم سواء. هذا قول القاضي وأبي الخطاب (٣). فعليها الكفّارة هنا؛ لأن لها فعلًا صحيحًا وقصدًا واختيارًا، وإن كانت معذورةً فيه، فإن العذر لا يمنع وجوب الكفّارة، كالنسيان والجهل. لأنه لو دفعه على إنسان فقتله، لم يكن على المدفوع دية ولا كفّارة، ولو أكرهه حتى قتله، لوجب عليه دية القَوَد، وكان هذا الفعل محرَّمًا بالإجماع.

стр. 1753

وعلى الوجهين متى قَدِرَت على الدفع عن نفسها فلم تفعل، فهي كالمُطاوِعة. وإن مانعته في أول الفعل ثم استلانت في أثنائه، فهي كالمُطاوِعة؛ لأن استدامة الوطء كابتدائه في إيجاب الكفّارة، بدليل مَن طلع عليه الفجرُ وهو مجامع. هكذا ذكره ابن عقيل. فأما إن وطئها وهي نائمة ولم تستيقظ إلا بعد مفارقته للفعل، فقال ابن أبي موسى (١): ليس عليها قضاء ولا كفّارة، وعليه القضاء والكفّارة قولًا واحدًا. لأنها لم تشعر بالجماع، ولم تجد طعمه، ولم تذق عُسَيلته. قال: وقال بعض أصحابنا: عليها القضاء وجهًا واحدًا، يعني: كالمستكْرَهة، فإنه لم يذكر فيها خلافًا، وعليها (٢) الكفّارة في أحد الوجهين ترجع بها عليه. هذا قول القاضي وأصحابه، لا فرق عندهم بين النائمة والمستكْرَهة. قال القاضي: قياس المذهب أنها تفطر؛ كما لو أكرهها على الوطء أنها تفطر؛ بخلاف ما لو أكره على الأكل، أو أكل وهو نائم، فإنه لا يفطر، كالناسي إذا أكل وأولى؛ لأن أكثر ما فيه أنها جومعت بغير اختيارها، فأشبه المقهورة، ولأنه جماع يوجب الغسل، فأفسد الصوم كسائر أنواع الجماع. قال ابن أبي موسى (٣): ولو ألزمناه كفارتين عنه وعنها، كان وجهًا.

стр. 1754

فعلى هذا يُطالَب هو بالتكفير؛ كما قلنا فيمن حلق رأس (١) مُحرِم وهو نائم. وعلى الوجه الذي نقول فيه: ترجع عليه بالكفّارة، تُطالَب هي بها، وترجع عليه (٢). وإن لم تمكِّنْه، فهي كالمستكْرَهة؛ لأنها تشعر بالجماع. قال ابن أبي موسى (٣): عليها القضاء والكفّارة، ترجع بالكفّارة عليه. فإنه على الرواية التي توجب الكفّارة على المستكرهة. وأما الموطوءة بعذر غير الاستكراه، مثل الناسية والجاهلة والمُمَكِّنة تظنه ليلًا فبان نهارًا ونحو ذلك، فذكر أبو الخطاب (٤) أنه يفسد صومها، ولا يلزمها الكفّارة مع العذر، والعذر الإكراه والنسيان، وسوّى بين الأعذار، وألْحَق المكرهةَ بالناسية، وجعل في الرجل المعذور روايتين. وخرَّج بعض أصحابنا وجهًا: أنه لا يفسد صومها أيضًا؛ لأن ما لا يوجب الكفّارةَ لا يفسد الصومَ مع النسيان، كالأكل. وأما المنصوص عن أحمد والذي ذكره عامة الأصحاب: الفرق إنما هو بين المُطاوِعة والمُستكْرَهة فقط، وأن المُطاوِعة إذا نسيت أو جهلت فإنها كالرجل سواء. وقد صرّح القاضي بالفرق بين الناسية والمستَكْرَهة. وهذا أصح؛ لأنه لا

стр. 1755

فرق بين عذر المرأة وعذر الرجل في غير الاستكراه، وإنما فرَّق بينهما في الاستكراه؛ لأن المرأة لا فِعْل لها هنالك، ولأن الرجل يمتنع إكراهه على الجماع. وإذا وطئ أَمَتَه مُطاوعِة، وأوجبنا الكفّارة، كفَّرت بالصوم. وإن استكرهها، فقال ابن أبي موسى (١): الكفارتان عليه. وهذا إذا قلنا: تجب على المكرَهة كفّارة، وتحمُّلها عنها ظاهر. وإن قلنا: لا كفّارة على المُستكْرَهَة، فيحتمل أن تكون كذلك؛ لأنها إنما سقطت عنها تخفيفًا، وهنا تجب ابتداءً على السيد، وليس أهلًا للتخفيف عنه. وإن قلنا: تجب عليها، ولا يحملها عنها على الرواية التي ذكرها القاضي ... (٢) والموطوءة في الدبر كالموطوءة في القُبل في لزوم الكفّارة. ذَكَره القاضي. وعلى قياسه المفعولُ به لواطًا؛ لأنهما يشتركان في الإفطار بذلك، ووجوب الحدّ به، فكذلك في لزوم الكفّارة به. ويتوجه: أن لا كفّارة بهذا، لأنه لا شهوة لها فيه. فأما المستَمْتَع بها من مباشرة أو وطء دون الفرج إذا أنزلت الماء، فإنها ... (٣)
следующие страницы →