← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

السهو وغيره، فأَنْ لا يُفْسِدَ العبادة أولى. ولأنه لو حلق رأسَ مُحرِم أو قَلّم ظُفْرَه بغير اختياره لم يكن عليه جزاء، فكيف يفسد إحرامه وصيامه بذلك؟! فعلى هذا: إن أُكْرِهت بالضرب أو الحبس أو الوعيد، حتى اضطجعت أو مكَّنت، ففيه وجهان كالوجهين (١) فيما إذا أُكْرِه حتى أكل بيده. ووجه الأول: أنه جماع يوجب الغسلَ، فأفسد الصومَ والحجَ، كجماع المطاوِعَة، ولأنها عبادة تَبْطل بجماع المختارة فبطلت بجماع المستكْرَهة كالطهارة، إلا أن الأسباب الموجبة للوضوء لا تفريق بين عمدها وسهوها، بخلاف الأسباب المفسدة للإحرام، ولأن الجماع يشبه الإتلاف. فعلى هذا لا كفّارة عليها، نصّ عليه في الصائمة في رواية مهنّا، وفي المُحرِمة المستكْرَهة في رواية ابن إبراهيم ويعقوب بن بختان وحنبل. وفرَّق بينها وبين المطاوِعَة. وسواء قلنا: تجب الكفّارة على الناسي والجاهل والرجل المكرَه (٢) أو لا تجب في المشهور عند أصحابنا. قال القاضي في «المجرد»: لا كفّارة عليه روايةً واحدةً؛ لأن المكره لا فِعْل له، ولهذا لو أُكْرِه على قتل الصيد وإتلاف مال الغير، لم يكن عليه ضمان، وإن [ق ٥٣] وجب الضمان على الناسي.

стр. 1752

وذكر القاضي في «خلافه» فيها روايتين: إحداهما: كذلك. والثانية: عليها الكفّارة كالناسي والجاهل. وقد نصَّ أحمد في رواية الأثرم: إذا أكرهها في الحجّ، على كلِّ واحد منهما هدي. ولا ترجع به عليه على هذه الرواية كالناسي. وقال ابن أبي موسى (١): قيل عنه: عليها (٢) كفّارة ترجع بها عليه؛ لأنه حقٌّ لزمها بسببه فكان استقراره عليه، كما لو أَكْره رجلًا على إتلاف المال أو غرَّه في نكاح أو بيع أو غيرهما أو حلق رأسَ المُحرِم بغير اختياره، فإن ضمانه عليه. والإكراه الذي لا ريب فيه: أن يقهرها على نفسها، وسواء كان إكراه غلبةٍ مثل أنْ قَهَرها على نفسها، أو كان إكراه تمكين مثل أنْ ضرَبَها حتى مكَّنت من نفسها، فالحكم سواء. هذا قول القاضي وأبي الخطاب (٣). فعليها الكفّارة هنا؛ لأن لها فعلًا صحيحًا وقصدًا واختيارًا، وإن كانت معذورةً فيه، فإن العذر لا يمنع وجوب الكفّارة، كالنسيان والجهل. لأنه لو دفعه على إنسان فقتله، لم يكن على المدفوع دية ولا كفّارة، ولو أكرهه حتى قتله، لوجب عليه دية القَوَد، وكان هذا الفعل محرَّمًا بالإجماع.

стр. 1753

وعلى الوجهين متى قَدِرَت على الدفع عن نفسها فلم تفعل، فهي كالمُطاوِعة. وإن مانعته في أول الفعل ثم استلانت في أثنائه، فهي كالمُطاوِعة؛ لأن استدامة الوطء كابتدائه في إيجاب الكفّارة، بدليل مَن طلع عليه الفجرُ وهو مجامع. هكذا ذكره ابن عقيل. فأما إن وطئها وهي نائمة ولم تستيقظ إلا بعد مفارقته للفعل، فقال ابن أبي موسى (١): ليس عليها قضاء ولا كفّارة، وعليه القضاء والكفّارة قولًا واحدًا. لأنها لم تشعر بالجماع، ولم تجد طعمه، ولم تذق عُسَيلته. قال: وقال بعض أصحابنا: عليها القضاء وجهًا واحدًا، يعني: كالمستكْرَهة، فإنه لم يذكر فيها خلافًا، وعليها (٢) الكفّارة في أحد الوجهين ترجع بها عليه. هذا قول القاضي وأصحابه، لا فرق عندهم بين النائمة والمستكْرَهة. قال القاضي: قياس المذهب أنها تفطر؛ كما لو أكرهها على الوطء أنها تفطر؛ بخلاف ما لو أكره على الأكل، أو أكل وهو نائم، فإنه لا يفطر، كالناسي إذا أكل وأولى؛ لأن أكثر ما فيه أنها جومعت بغير اختيارها، فأشبه المقهورة، ولأنه جماع يوجب الغسل، فأفسد الصوم كسائر أنواع الجماع. قال ابن أبي موسى (٣): ولو ألزمناه كفارتين عنه وعنها، كان وجهًا.

стр. 1754

فعلى هذا يُطالَب هو بالتكفير؛ كما قلنا فيمن حلق رأس (١) مُحرِم وهو نائم. وعلى الوجه الذي نقول فيه: ترجع عليه بالكفّارة، تُطالَب هي بها، وترجع عليه (٢). وإن لم تمكِّنْه، فهي كالمستكْرَهة؛ لأنها تشعر بالجماع. قال ابن أبي موسى (٣): عليها القضاء والكفّارة، ترجع بالكفّارة عليه. فإنه على الرواية التي توجب الكفّارة على المستكرهة. وأما الموطوءة بعذر غير الاستكراه، مثل الناسية والجاهلة والمُمَكِّنة تظنه ليلًا فبان نهارًا ونحو ذلك، فذكر أبو الخطاب (٤) أنه يفسد صومها، ولا يلزمها الكفّارة مع العذر، والعذر الإكراه والنسيان، وسوّى بين الأعذار، وألْحَق المكرهةَ بالناسية، وجعل في الرجل المعذور روايتين. وخرَّج بعض أصحابنا وجهًا: أنه لا يفسد صومها أيضًا؛ لأن ما لا يوجب الكفّارةَ لا يفسد الصومَ مع النسيان، كالأكل. وأما المنصوص عن أحمد والذي ذكره عامة الأصحاب: الفرق إنما هو بين المُطاوِعة والمُستكْرَهة فقط، وأن المُطاوِعة إذا نسيت أو جهلت فإنها كالرجل سواء. وقد صرّح القاضي بالفرق بين الناسية والمستَكْرَهة. وهذا أصح؛ لأنه لا

стр. 1755

فرق بين عذر المرأة وعذر الرجل في غير الاستكراه، وإنما فرَّق بينهما في الاستكراه؛ لأن المرأة لا فِعْل لها هنالك، ولأن الرجل يمتنع إكراهه على الجماع. وإذا وطئ أَمَتَه مُطاوعِة، وأوجبنا الكفّارة، كفَّرت بالصوم. وإن استكرهها، فقال ابن أبي موسى (١): الكفارتان عليه. وهذا إذا قلنا: تجب على المكرَهة كفّارة، وتحمُّلها عنها ظاهر. وإن قلنا: لا كفّارة على المُستكْرَهَة، فيحتمل أن تكون كذلك؛ لأنها إنما سقطت عنها تخفيفًا، وهنا تجب ابتداءً على السيد، وليس أهلًا للتخفيف عنه. وإن قلنا: تجب عليها، ولا يحملها عنها على الرواية التي ذكرها القاضي ... (٢) والموطوءة في الدبر كالموطوءة في القُبل في لزوم الكفّارة. ذَكَره القاضي. وعلى قياسه المفعولُ به لواطًا؛ لأنهما يشتركان في الإفطار بذلك، ووجوب الحدّ به، فكذلك في لزوم الكفّارة به. ويتوجه: أن لا كفّارة بهذا، لأنه لا شهوة لها فيه. فأما المستَمْتَع بها من مباشرة أو وطء دون الفرج إذا أنزلت الماء، فإنها ... (٣)

стр. 1756

فصل (١) إذا جامعَ ونزع قبل الفجر، ثم أَمْنى بذلك بعد طلوع الفجر، فصومه صحيح ؛ لأن أكثر ما فيه خروج المنيّ بغير اختياره، وخروج المنيّ بغير اختياره لا يفطّره، كالاحتلام. وإن شكّ هل نزَع قبل الفجر أو بعده ... (٢) وإن طلع عليه الفجر وهو مولِج، وعَلِم به واستدام الجماعَ، فهو مفطر وعليه الكفّارة. قال ابن أبي موسى (٣): إن تحرّك لغير انتزاعه فعليه مع القضاء الكفّارة قولًا واحدًا؛ لأن استدامة الجماع بمنزلة ابتدائه. ولهذا لو حلف لا يجامعها وهو مجامعها، فاستدام الجماعَ، حَنَث. وأما إذا طلَّقها ثلاثًا [ق ٥٤] وهو مولج، فاستدام ذلك، هل يجب عليه الحدّ والمهر؟ ... (٤) ولو أحرم وهو مجامع، فاستدام الجماعَ، فسد إحرامُه. ولأن (٥) صومَه يفسُد بهذه الاستدامة بالإجماع، ولولا أنَّ استدامةَ الجماع جماعٌ لم يفسد به الصومُ.

стр. 1757

وإذا كان جماعًا، وقد وُجد في نهار رمضان، وجبت به الكفّارة كغيره. فإن قيل: لكن هذا الجماع لم يُبطل به صومًا، وإنما مَنع صحةَ الصوم، والكفّارةُ إنما تجب لإفساد الصوم. قيل: لا فرقَ عندنا بين جماع الصائم وجماع المفطر في نهار رمضان، بل كلّ جماع وُجد ممن يجب عليه الإمساك، ففيه الكفّارة. وأيضًا، فإنه لا فرقَ فيما يُبطل العبادات بين المقارن والطارئ، ولهذا استويا في وجوب القضاء، ولأن مَنْع صحته في هَتْك الحرمة بمنزلة إبطاله بعد انعقاده وأشدّ، لأنه هناك أفْسَد بعضَ الصوم، وهنا أبطل جميعَه. وإن استدام الجماعَ بعد طلوع الفجر ولم يعلم، ونزَعَ قبل أن يعلم، وجب عليه القضاءُ والكفّارة في إحدى الروايتين، نقلها عبد الله (١). وفي الأخرى: عليه القضاء بلا كفّارة. وقد تقدم ذلك. فإن قلنا: لا كفّارة عليه، فنزَع حين عَلِم، ففي الكفّارة روايتان، ويقال: وجهان، كما سيأتي. وإن طلع عليه الفجرُ، وهو مخالطٌ أصل ذَكَره، فنزع حين طلع، وأمْكَن ذلك برعايته للفجر، أو بإخبار مخبرٍ به (٢) حين طلوعه، أو بأنه حين تبيّن له طلوعُه نزَع. قال ابن أبي موسى: لم يتحرّك بغير انتزاعه، ولم يتيقّن أنه استدام الجماعَ بعد طلوعه.

стр. 1758

ففي هذه المواضع لم يوجد منه استدامةٌ للجماع بعد طلوع الفجر وبعد استيقانه طلوعَ الفجر، وإنما وُجد النّزْع. فقال ابنُ أبي موسى (١): عليه القضاء قولًا واحدًا، وفي الكفّارة عنه خلاف. وخرَّجها القاضي على وجهين بناء على الروايتين في النّزْع: هل هو (٢) وطء أم لا؟ وفيه روايتان. نصّ عليهما فيمن قال لامرأته: إن وطأتُك فأنتِ عليَّ كظهر أمي، ومثله: إن وطأتُك فأنتِ طالق ثلاثًا. هل يجوز له وطؤها؟ على روايتين؛ لأن النّزْع يقع بعد انعقاد الظهار والطلاق. ولو حلف وهو مجامعٌ: لا وطئتك، فنزع في الحال، لم يحنث؛ لأنه إنما يحلف على ترك ما يقدر عليه، ولأن مفهوم يمينه لا اسْتَدَمْتُ الجماعَ. إحداهما: هو جماع، فعليه القضاء والكفّارة. قاله ابن حامد والقاضي وأصحابه مثل الشريف أبي جعفر وابن عقيل في «الفصول». وقد قال أحمد في رواية حنبل: إذا كان واطئًا فطلع الفجر، نزَعَ وعليه القضاء والكفّارة؛ لأن النزْعَ جِماع، بدليل أنه يلتذّ بالإيلاج والانتزاع. نعم، هو معذور في هذا الجماع، فإنه لا يقدر على ترك الجماع إلا بالنزع، فيكون بمنزلة مَن استدامَ الجماعَ بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم. والثانية (٣): لا قَضاء عليه ولا كفّارة. وهو اختيار أبي حفص العُكْبري

стр. 1759

وابن عقيل في «خلافه». وهذا ينبني (١) على أصلين: أحدهما: أن النزْع ليس بجماع، بل هو تَرْك كخلع القميص والخروج من الدار. والثاني: أنه وإن كان جماعًا، لكنه مغلوب عليه، فلا تجب عليه الكفّارة على إحدى الروايتين، وكما لو أوجب الله عليه في هذه الحال أن يترك الجماعَ، فإن تَرْكه إنما يجب بطلوع الفجر. وعلى هذا: لو أولجَ في جزء من الليل، وهو يتيقّن أن الفجر يطلع عليه وهو مولج، ونزَعَ عقب طلوعه، وتصوّر ذلك، وجبت عليه الكفّارة على مقتضى كلام ابن عقيل، وهو بمنزلة المقهورة على الوطء، وتلك لا تجب عليها الكفّارة في ظاهر المذهب؛ لأنه تعمّد أن يفعل النزْعَ في نهار رمضان. وعلى المأخذ الأول: لا كفّارة عليه، كالمتعمّد أن ينزع في فرج المطلّقة والمظاهَر منها. وعلى الرواية التي ذكرها ابن أبي موسى (٢): يجب القضاء دون الكفّارة؛ لأن النزعَ جماعٌ هو فيه معذور، فيجب القضاء دون الكفّارة، كالرواية فيمن جامع يظنه ليلًا فتبيّن نهارًا. فعلى هذه الرواية: إن تعمّد الإيلاج في وقتٍ يتيقّن أن الفجرَ يطلع عليه

стр. 1760

فيه، لزمَتْه الكفّارة. ولو طلع عليه الفجرُ وهو يأكل، أو أكل ناسيًا، فذَكَر، فقطع الأكل، فصومه صحيح. فصل (١) ولو احتلم الصائم في النهار في المنام، لم يفطر . وإن أصبح جُنبًا من احتلام أو جماع فصومه صحيح، لكن عليه أن يغتسل ويصلي، فإن لم يفعل فعليه إثم ترك الصلاة وصومُه صحيح، وكذلك المرأة إذا طهرت قبل الفجر. نصّ على ذلك كلّه، وأنكر على من خالفه، وذلك لقوله سبحانه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ... ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، فأباح المباشرة ــ وهي الجماع ــ إلى أن يَبِيْن الفجرُ، ومعلومٌ أن مَن جامع إلى ذلك الوقت فإنه يصبح جنبًا. وعن عائشة وأم سلمة ﵄ أن النبي ﷺ كان يصبح جُنُبًا من غير احتلام، ثم يصوم في رمضان. رواه الجماعة إلا النسائي (٢).

стр. 1761

وعن عائشة أن رجلًا قال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جُنُب فأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم». فقال: لستَ مثلنا يا رسول الله، قد غَفر الله لكَ ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر. فقال: «والله، إنّي لأرجو [ق ٥٥] أن أكونَ أخشاكم لله وأعلَمَكم بما أتّقِي» رواه مسلم وغيرُه (١). مسألة (٢): (ومن أخَّرَ القضاءَ لعذرٍ حتى أدركَه رمضانُ آخرُ، فليس عليه غيرُه، وإن فرَّطَ أطعمَ مع القضاءِ لكلّ يومٍ مِسكينًا) . في هذا الكلام فصلان: أحدهما أنه يجوز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، وهو مؤقَّت بما (٣) بين الرمضانين، يقضي متى شاء إلى أن يدخل شهر رمضان، وسواء كان قد أفطر لعذرٍ أو لغير (٤) عذر، فيما ذكره أصحابنا. لما رُوي عن عائشة قالت: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله ﷺ ». رواه الجماعة (٥).

стр. 1762

وذلك لأن رسول الله ﷺ كان يصوم شعبان، فكانت تقضيه في شعبان. قال أبو عبد الله: يقضي رمضان كيف شاء، إن شاء متواليًا وإن شاء متفرّقًا، كيف تيسّر، ليس هو محدود، إنما هو دَين (١). ويستحبّ أن يقضي رمضان متتابعًا إن كان فاته متتابعًا، وإن فاته متفرّقًا ... (٢) وإن قضاه مفرّقًا جاز ولم يُكره. وعنه: هما سواء لقوله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولم يقيّدها بالتتابُع، فيجب أن تُحمل على الإطلاق كالمُطْلَقَةِ في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال أحمد: قال ابن عباس في قضاء شهر رمضان: صُمْ كيف شئت، قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). ولأنه يريد اليُسرَ بعباده، وقد يكون التفريق أيسر. قال مجاهد في الرجل يكون عليه صيام من رمضان أيفرّق صيامه أو

стр. 1763

يَصِله؟ فقال: إن الله أراد بعباده اليُسر، فلينظر أيسرَ ذلك عليه، إن شاء وصلَه، وإن شاء فرّقه (١). ولأنه اعتبر إكمال العدّة فقط، وإكمال العدّة يحصل بالتقطيع والصِّلَة. فإن قيل: فقد روى مالك (٢)، عن حُميد بن قيس قال: كنتُ أطوف مع مجاهد، فجاءه إنسان يسأله عن صيام مَن أفطر في رمضان، أيتابَع؟ قلت: لا. فضرب مجاهدٌ في صدري، ثم قال: إنها في قراءة أُبيِّ بن كعب: (متتابعات). والقراءة الشاذّة تجري مجرَى خبر الواحد، كقراءة عبد الله: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٣). قيل: هذا الحرف منسوخ تلاوتُه وحكمُه، بدليل ما رُوي عن عائشة قالت: نزلت ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعاتٍ﴾ فسقطت «متتابعات». رواه عبد الرزاق والدارقطني، وقال: إسناد صحيح (٤). وأن مجاهدًا قد صحّ عنه من غير وجه أنه كان (٥) يجيز التفريقَ ويخبر

стр. 1764

بذلك عن جميع أهل مكة (١)، وهو راوي هذا الحرف، فعُلِم أنه منسوخ. لما روى سفيان بن بشر، أخبرنا (٢) عليّ بن مُسهِر، عن عبيد الله (٣)، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبيّ ﷺ قال في قضاء رمضان: «إن شاء فرَّق وإن شاء تابع» رواه الدارقطني (٤)، وقال: لم يُسنده غيرُ سفيان بن بشر. وروي عن عبد الله بن عمرو (٥)، عن النبيّ ﷺ مثله (٦). وعن (٧) محمد بن المنكدر، قال: بلَغَني أن رسول الله ﷺ سُئل عن تقطيع قضاء رمضان؟ فقال: «ذاك إليك، أرأيتَ لو كان على أحدِكم دَين فقضى الدرهمَ والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحقّ أن يعفو ويغفر». رواه الدارقطني (٨)، وقال: إسناد حسن، إلا أنه مرسل. وعن جابر قال: سُئل رسول الله ﷺ عن تقطيع صيام شهر رمضان؟ فقال: «أرأيتَ لو كان على أحدكم دَين فقضى الدرهمَ والدرهمين حتى

стр. 1765

يقضي، هل كان ذلك قضاء دينه (أو: قاضيه)»؟ قالوا: نعم. رواهنّ الدارقطني (١). ولأنه إجماع الصحابة. فروى الدارقطني (٢) عن أبي عُبيدة بن الجرّاح أنه سُئل عن قضاء رمضان متفرّقًا؟ فقال: «أَحْصِ وصم كيف شئتَ». وعن معاذ بن جبل قال: «أحْصِ العدّة واصنع كيف شئت» (٣). وعن عمرو بن العاص أنه قال: «فرِّق قضاء رمضان، إنما قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾» (٤). وعن رافع بن خَديج أنه كان يقول: «أحْصِ العدّة وصُم كيف شئتَ» (٥).

стр. 1766

وعن ابن عباس وأبي هريرة قالا: «لا بأس بقضاء رمضان متفرّقًا» (١). وروى سعيد (٢) عن أنس بن مالك أنه سُئل عن قضاء رمضان؟ فقال: إنما قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فإذا أحصى العدّة فلا بأس بالتفريق. وعن مجاهد قال: «أمّا نحن أهل مكة فلا نرى بالتفريق بأسًا» (٣). وهذه الآثار تعضد الأحاديثَ المتقدّمة وتجعلها حجّة عند مَن لا يقول بالمرسل المجرّد. وقد رُوي عن سالم (٤)، عن ابن عمر أنه كان يقول: «صُمه كما أفطرتَه» (٥). وعن ابن عباس: أنه كان لا يرى بالتفريق بأسًا، وكان ابن عمر يقول (٦):

стр. 1767

يقضيه متتابعًا (١). وعن الحارث، عن (٢) عليّ قال: «مَن كان عليه صوم مِن رمضان فليقضه (٣) متصلًا ولا يفرِّقه» (٤). وهذا محمول على الاستحباب، لأنه قد تقدّم عن ابن عمر خلاف ذلك. وأيضًا، فإن القضاء لا يزيد على الأداء، وفِعْل الصوم أداء لا تجبُ فيه الموالاة؛ فإنه لو أفطر أثناء الشهر لعُذْر أو غيره، بنى على صومه وقضى ما أفطره، فإذا لم تُشترط الموالاة في الأصل، ففي البدل أولى. نعم، لَمَّا كان صومُ الشهر واجبًا وأيامُه متوالية، وجبت الموالاة في الفعل (٥) تَبَعًا للموالاة في الوقت، فإذا فات الوقتُ سقطت الموالاةُ الواجبة فيه ... (٦) ولأن الصوم وإن وجب جملةً، فهو دَين في الذمّة، وقضاء الدَّين يجزئ متتابعًا ومتفرّقًا ... (٧)، ولأنه إذا جاز تأخيرُه كلّه إلى شعبان، فتأخير بعضه أولى.

стр. 1768

[ق ٥٦] الفصل الثاني أنه ليس له أن يؤخِّره إلى رمضان آخر إلا لعذر ، مثل أن يمتدّ به المرضُ أو السفر إلى أن يدخل الرمضان الثاني. فإن أخَّره إليه لعذر، صام الرمضان الذي أدركه، وقضى الرمضان الذي فاتَه بعدَه، ولا شيء عليه. قال حرب: سألت أحمد: قلت: رجل أفطر في رمضان من مرض أو علة، ثم صحَّ ولم يقض حتى جاء رمضان آخر؟ قال: يصوم هذا اليوم (١) الذي جاء، ويقضي الذي ترك، ويطعم لكلّ يوم مسكينًا. قلت: مُدًّا؟ قال: نعم. قال القاضي: نصّّ عليه في رواية الأثرم والمرُّوذي وحنبل (٢). وإن امتدَّ العذر إلى آخر الرمضان الثاني صام ... (٣) وإن أخَّره إلى الثاني لغير عذرٍ أثِمَ (٤)، وعليه أن يصوم الذي أدركه، ثم يقضي الأول، ويطعم لكلّ يوم مسكينًا . وقيل: له أن يؤخره إلى الرمضان الثالث هنا ... (٥)

стр. 1769

وذلك لما احتجّ به أحمد؛ قال في رواية المرُّوذي في الرجل يلحقه شهر رمضان وعليه شهر رمضان قبله: إن كان فرَّط أطعم عن كلّ يوم مسكينًا، وإن كان لم يفرِّط صام الذي أدركه وقضى بعدد ما عليه. رواه عن الحكم، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس (١). وعن أبي الخليل، عن عطاء، عن أبي هريرة (٢). وقيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة (٣). وقد روى الدارقطني (٤) عن ابن عمر: أنه كان يقول: «مَن أدركه رمضانُ وعليه من رمضان شيء، فليُطعِم مكان كلّ يوم مسكينًا مدًّا من حنطة».

стр. 1770

وعن مجاهد عن ابن عباس قال: «مَن فرَّط في صيام شهر رمضان حتى يدركه رمضانُ آخر، فليصم هذا الذي أدركه، ثم ليصم ما فاته، ويطعم مكان كلِّ يوم مسكينًا» (١). وعن مجاهد، عن أبي هريرة فيمن فرّط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضانُ آخر، قال: «يصوم هذا مع الناس، ويصوم الذي فرّط فيه، ويطعم لكلّ يوم مسكينًا» (٢). ورواه الدارقطني (٣) عن عطاء، عن أبي هريرة وقال: إسناد صحيح موقوف.

стр. 1771

ورواه (١) مرفوعًا من وجهٍ غير مرضي. وقد ذكر يحيى بن أكثم أنه وجد في هذه المسألة الإطعام عن ستة من الصحابة لم يَعْلَم لهم منهم مخالفًا (٢). ولأن قضاء الرمضان مؤقَّت بما بين الرمضانين لوجوه: أحدها: ما رواه (٣) أحمد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرَكَ رمضانَ وعليه مِن رمضان شيء لم يقضه، لم يتقبَّل منه» (٤). لأن العبادات إما أن تجب مؤقتة أو على الفور؛ فإنها لا تكون على التراخي عندنا، كما نذكر إن شاء الله في الحج (٥)، فلما لم يجب قضاء رمضان على الفور علم أنه مؤقت.

стр. 1772

وبهذا يتبين أن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لولا حديث عائشة لحُمِل على الفور، وحديثُ عائشة إنما أفاد جواز التأخير إلى شعبان. وما زاد على ذلك لا يُعْلَم جواز التأخير فيه، ومطلق الأ [مرِ] (١) يقتضيه. وقد احتجّ أصحابُنا بأنّ عائشة ذكرَتْ أنها كانت تقضيه في شعبان، لبيان تضييق وقته في شعبان، وأنها كانت تؤخّره إلى آخر وقته، فعُلِم أن وقت القضاء كان محصورًا، وأنها إنما أخّرت القضاء شُغلًا برسول الله ﷺ ، وشعبانُ وغيرُه في الشغل سواء، فلولا تضيُّق الوقت لأخّرَتْه. لكن يقال: إنما أخّرَتْه إلى شعبان لأن رسول الله ﷺ كان يصوم في شعبان، فتتمكّن من الصوم معه. وكذلك سياق الحديث يدلّ على ذلك. الثاني: أن الصوم قد وُسِّع وقتُه على المسافر والمريض، فهو بالخِيَرة بين أن يصوم فيه أو فيما بعده، وضُيّق على الصحيح المقيم. والعبادة الموسّعة يخرج وقتها بدخول وقت مثلها، بدليل الصلاة، قال ﷺ : «ليس في النوم تفريط، إنما التفريطُ في اليقظة: أن يؤخِّر الصلاةَ حتى يدخلَ وقتُ الأخرى» (٢). فإذا كان هذا في الصلاة فهو في الصوم أولى؛ لأن وقت الصلاة الثانية يتسع للصلاتين، ووقت الصوم الثاني لا يتسع لهما، ولأن الصوم قد استقرّ في ذمّته أعظم من استقرار الصلاة بأول الوقت.

стр. 1773

الثالث: أنه إذا أخَّره إلى الرمضان الثاني عمدًا، فقد أخَّره إلى وقت لا يمكنه فعله فيه، ويجوز أن يدرك ما بعد رمضان، ويجوز أن لا يُدركه، فأشبه تأخير الحج من عام وجوبه إلى العام الذي يليه. الرابع: أنه إذا أخّره إلى رمضان الثاني، فإنه يلزمه أن يبدأ بالحاضر قبل الفائت، والعباداتُ المؤقّتة من جنس واحد يجب أن يبدأ بأولها فأولها وجوبًا كالصلاتين (١) المجموعتين، والفائتتين، والجمرات إذا أخَّر رميَها [إلى] (٢) اليوم الثالث. الخامس: أن الصحابة ﵃ سمَّوه مفرّطًا كما تقدّم، والتفريط إنما يكون فيمن أخَّرها عن وقتها. وإذا ثبت أنه مؤقّت، فقد ترك الصومَ الواجبَ في وقته على وجهٍ لا يوجب القضاءَ، فأوجب الفديةَ، كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة (٣) إذا تركا الصوم. ومعنى قولنا: «لا يوجب القضاء»: أنه لا يجب عليه صومُ يوم (٤) بترك الصوم بين الرمضانين، والصوم الواجب في ذمّته قد استقرّ بنفس الفطر في رمضان (٥). وبهذا يظهر الفرقُ بينه وبين مَن أفطر في رمضان عمدًا (٦)، فإن

стр. 1774

نفس ذلك الترك [ق ٥٧] أوجبَ القضاءَ فلا يوجبُ غيرَه. وفواتُ العين لا سبيل إلى جبرها أصلًا، وهنا الفطر في رمضان أوجبَ القضاءَ، والصومُ الواجبُ بين الرمضانين لابدّ له من بَدَل. فإن قيل: فهلَّا أوجب صومَ يوم آخر؟ قيل: ... (١) ولأنها عبادة لا تُفْعَل في العام إلا مرة. (٢) وأما إذا أخَّر القضاءَ لعذرٍ، فإنه لم يجب عليه قضاؤه بين الرمضانين لوجود العذر، والصومُ باقٍ في ذمّته، فلا يجب عليه أكثر منه (٣). فإن قيل: فقد روى سعيد، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس: أنه كان يقول فيمن مرض في رمضان فلم يزل مريضًا حتى جاء رمضانُ آخر، قال: «يطعم للأول ويصوم للثاني، فإن كان صحّ بينهما أو فرَّط في صيامه، صام هذا الذي أدرك، وأطعم للأول وصامه أيضًا». رواه سعيد (٤).

стр. 1775

وعن أبي هريرة (١) وابن عباس (٢) نحوه. ولأنه قد فُوّت للعجز عنه على وجهٍ لا يوجب عليه القضاء، فلم يكن عليه إلا الفدية، كالشيخ الكبير. قيل: قد تقدم عن أحمد أنه ذكر عنهما خلاف ذلك، ولأن القضاء قد وجب في ذمته، وفوات وقته لا يقتضي سقوطه كفوات وقت الأداء. فصل (٣) فإن كان قد أمكنه قضاء بعض ما فاته دون بعض، لزمه الإطعام عن قدر (٤) ما أمكنه قضاؤه؛ لأنه هو الذي فرّط فيه، فلم يلزمه إلا فديته، كما لو أفطر في رمضان أيامًا، لم يلزمه إلا قضاؤها، والإطعام قبل القضاء ... (٥) فإن أخَّره إلى رمضان ثالث، لم يلزمه أكثر من كفّارة (٦) مع الإثم (٧)؛

стр. 1776

لأنه قد لزمه كفّارة بتأخيره عن وقته، فلم يلزمه كفّارة أخرى بزيادة التأخير، كما لو أخَّر قضاء الحج من عام إلى عام. ولأن وقت القضاءين رمضان الأول ورمضان الذي يليه، فإذا فات وقتُه لم يبقَ للقضاء وقتٌ محصور، فلا شيء بتأخيره. فإن لم يفرّط حتى أدرَكَه (١) الرمضانُ الثاني، ثم قدر على القضاء ففرّط فيه حتى دخل الرمضانُ الثالث، فهنا ينبغي أن تلزمه الكفّارة. فصل (٢) ومَن عليه قضاء رمضان، لا يجوز أن يصوم تطوُّعًا . وكذلك مَن عليه صومٌ واجب غير القضاء يجب أن يبدأ به قبل التطوع، فإن اجتمع عليه صوم (٣) كفّارة وقضاء أو نذر ... (٤) وعلى هذا، فلا يكره قضاء رمضان في العشر، بل لا يجوز له أن يصوم فيه التطوُّع قبل القضاء، هذا إحدى الروايتين. قال أحمد في رواية حنبل: يقضي رمضان في العشر. لأنه لا يجوز له أن يصوم تطوّعًا وعليه (٥) فرض، فيقضي رمضان كيف شاء إلا يوم الفطر

стр. 1777

والأضحى. وإذا نذر أن يصوم وعليه أيام من رمضان، يبدأ بالفرض قبل التطوع، وإذا كان عليه نذر، صامه بعد الفرض. قال أحمد (١): رواية ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «مَن صام تطوّعًا وعليه من رمضان شيء لم يقضه، لم يُقبل منه». ورواه في «المسند» (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن أدرك رمضانَ وعليه مِن رمضان شيء لم يقْضِه لم يُتقبّل منه، ومَن صام تطوّعًا وعليه مِن رمضان شيء لم يقضه لم يُتقبّل منه حتى يصومه». والفُتيا المذكورة فيما بعد عن أبي هريرة تؤيّد هذا المسند، واحتجاجُ أحمد به يدلّ على أنه مِن جيّد حديثِ ابن لهيعة. ولأن في وصية أبي بكر لعمر ﵄: «اعلم أنه لا تُقبَل النافلةُ حتى تؤدّى الفريضة» (٣).

стр. 1778

وروي ذلك مرفوعًا إلى النبي ﷺ كما تقدم في الصلاة (١). لأنها عبادة يدخل في جبرانها المال، فلم يصح التطوُّع بها ممن عليه فرضها، كالحج. ولأنه إنما جاز له تأخير القضاء رفقًا به و تخفيفًا عنه، فلم يَجُز له أن يشتغل عنه بغيره كالأداء، فإنه لو أراد المسافر أن يصوم في رمضان عن غيره، لم يجز له ذلك. فعلى هذا، إذا اجتمع عليه نذرٌ مطلق وقضاء رمضان، بدأ بقضاء رمضان، نصّ عليه لأن وجوبَه آكد. ولهذا يبدأ بقضاء الحَجَّة الفاسدة قبل النذر. ونقل عنه أبو الحارث: إذا نذر صيامَ أيام، وعليه من صوم رمضان، بدأ بالنذر. وحَمَل ذلك القاضي وابنُ عقيل وغيرُهما على أن الأيام المنذورة معينة. ويتوجّه أن يُقَرّ على ظاهره؛ لأن وفاء النذر يجب على الفور، وقضاء رمضان مؤقّت بما بين الرمضانَين، فأشبه ما لو دخل عليه الزوال وعليه صلاة منذورة. والثانية: يجوز أن يتطوّع قبل القضاء؛ لأن عائشةَ أخبرت أنها كانت تقضي رمضانَ في شعبان، ويبعد أن لا تكون قد تطوّعت بيوم، مع أن النبيَّ ﷺ كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يُقال: لا يصوم، وكان يصوم

стр. 1779

يوم عرفة وعاشوراء، وكان يُكثر صومَ الاثنين والخميس، وكان يصوم ثلاثةَ أيام مِن كلّ شهر. ولأنّ القضاء مؤقّت، فجاز التنفُّل قبل خروج وقته، كما يجوز التنفّل في (١) أوّل وقت المكتوبة، بخلاف قضاء الصلاة، فإنه على الفور، وكذلك الحجّ هو على الفور. ثم الحجّ لا يمكنه الخروج من نَفْله، وليس لبعض الأعوام على بعض مزيّة، ولا يعود إلى العام المقبل، بخلاف التطوّع. فعلى هذا: هل يكره قضاء رمضان فيه؟ على روايتين (٢): الأولى (٣): يكره. قال أحمد في رواية أبي طالب: لا يقضي رمضان [ق ٥٨] في العشر، يُروى عن علي: «لا يقضي رمضان في العشر، لأنها عبادة». وقد روى سعيد (٤) عن الحارث، عن عليّ: «من كان عليه صوم من رمضان، فليقْضِه متصلًا ولا يفرِّقه، ولا يصوم في ذي الحجة فإنه شهر

стр. 1780

نُسُك». وعن الحسن، عن عليّ قال: «كُره قضاء رمضان في العشر» (١). ولأن صوم هذه الأيام بمنزلة السنن الرواتب، فكَرِه تفويتها بالفرض الذي لا يُخاف فوتُه، كما لو صلى الفجرَ والظهرَ قبل سُننهما (٢). والثانية: لا يكره. قال حرب: قيل لأحمد: يُقضَى رمضانُ في العشر؟ فقال: «يُروى عن عليٍّ كراهَتُه». وكان أحمد يسهِّل فيه (٣). وتسهيله فيه يقتضي جوازه لا المنع من غيره، فإنه لو منع من غيره، لأوجبَ تقديمَه؛ لما روى عثمان بن عبد الله بن موهب قال: «سأل أبا هريرة رجلٌ، فقال: إني كنتُ أصوم هذه الأيام أيام العشر (يعني: ذي الحجة)، وإني مرضت في رمضان وعليَّ أيام من رمضان، أفأصوم هذه الأيام؟ قال: ابدأ بحقِّ الله عليك» رواه سعيد (٤). وتقدم عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يَستحبّ قضاء رمضان في العشر (٥).

стр. 1781

والأوجه: أن يجوز صومهما (١) تطوُّعًا وقضاءً، والتطوُّع أفضل كالسنن الراتبة في أول وقت الصلاة. ومِن أصحابنا مَن بنى الروايتين في كراهة قضاء رمضان في العشر على الروايتين في وجوب تقديم القضاء على النفل؛ فإن قلنا: يجب تقديم القضاء، لم يُكره قضاؤه في العشر، وإن قلنا: لا يجب تقديم القضاء، كُره قضاؤه في العشر. والطريقةُ التي ذكرناها أصوب، كما دلّ عليه كلامُ أحمد وأصولُه، وهو أنَّا إذا قلنا: يجوز التطوّع قبل القضاء، ففي كراهة قضاء رمضان فيه روايتان. وإذا قلنا: لا يجوز التطوّع قبل القضاء، فلا معنى لكراهة القضاء فيه. مسألة (٢): (وإن تَرَك القضاءَ حتى مات لعذرٍ، فلا شيء عليه، وإن كان لغير عُذرٍ أُطعِم عنه لكلّ يومٍ مسكينًا (٣)، إلا أن يكونَ الصومُ منذورًا فإنه يُصامُ عنه، وكذلك كلُّ نَذْر طاعةٍ) . في هذا الكلام مسائل: المسألة الأولى: من استمرّ به العذرُ مِن سفر أو مرض حتى مات قبل إدراك رمضان الثاني أو بعده، فإنه لا شيء عليه مِن قضاء ولا كفّارة.

стр. 1782

قال في رواية المرُّوذي فيمن صام من رمضان خمسةَ عشر يومًا، ثم مرض فعاش شهرين ومات: أُطعم عنه كلَّ يوم مسكينًا، وإن مات في مرضه فلا شيء عليه. وقال حرب: سألت أحمد، قلت: رجل أفطر في رمضان في السفر أو مرض، فلم يقضه، فمات؟ قال: إذا توانى في ذلك يُطعَم عنه، إلا أن يكون مِن نذر. قلت: فإن كان مِن نذر؟ قال: يُصام عنه. قلت: أقرب الناس إليه أو غيره؟ قال: نعم. وقال في رواية عبد الله (١) في رجلٍ مَرِض في رمضان: إن استمرّ به المرضُ حتّى ماتَ، فليس عليه شيء، وإن كان نَذَر، صام عنه وليُّه إذا هو مات. وقد أطلق في رواية الأثرم: إذا مات وعليه نذر يُصام عنه، ولو مات وعليه صوم رمضان يُطعَم عنه. لأنه لم يجب عليه الصومُ قضاءً ولا أداءً، فلم تجب عليه الكفّارة، كالمجنون والصبي (٢). فإن قيل: فالمريض الذي لا يُرجى بُرؤه قد أوجبتم عليه الكفّارة، وهذا أسوأ أحواله أن يكون بمنزلته. ثم الوجوب في الذمّة لا يُشترط فيه التمكُّن من الفعل كالصلاة والزكاة؛ فإذا استقرّ وجوبُ الصلاة والزكاة أيضًا في

стр. 1783

الذمّة قبل التمكّن؛ فكذلك الصوم أولى، وإذا استقرّ في ذمته، فلا بدّ من الكفّارة بدلًا عن ذلك الواجب. قلنا: المريض الميؤوس منه قد عزم على الفطر في الحال والمآل، ولهذا لم يجب الصوم في ذمّته، ولا يجب عليه القضاءُ البتَّة، ولابدّ من البدل، وهو الفدية. وأما المريض المرجوّ والمسافر، فهما عازمان على القضاء بشرط القُدْرة، فلا يُجمَع عليهما واجبان على سبيل البَدَل ... (١) وأما استقرار العبادات في الذمة قبل التمكُّن؛ فكذلك نقول في الصوم: إنه بإدراك الشهر استقرَّ الوجوبُ في ذمته، لكن هذه الواجبات في الذمة قبل التمكُّن معناها إيجاب القضاء عند التمكن، فأما إذا لم يتمكّن من القضاء، فإنه يموت غير آثم بلا تردّد. كما لو حاضت في أثناء الوقت وماتت قبل الطُّهر، أو تَلِف النصابُ قبل التمكّن من الإخراج، وليس له ما يُخْرِج غيرَه، ومات قبل اليسار، ونحو ذلك. وذلك لأنّ تكليف ما لا (٢) يُطيقه العبدُ الطاقةَ المعروفةَ غيرُ واقعٍ في الشرائع، فالتكليف بالعبادة (٣) لابدّ فيه من القُدرة في الحال والمآل، أما مع انتفائهما فمُحال.

стр. 1784

المسألة الثانية (١): إذا فرّط في القضاء حتى مات قبل أن يدركه (٢) الرمضانُ الثاني، فإنه يُطعَم عنه لكلّ يوم مسكين . وهل يأثم ويكون هذا الإطعام بمنزلة ما لو مات ولم يحجّ؛ لقوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وهذا قد أطاقَ الصومَ ولم يصمه أداءً ولا قضاءً، فتجب عليه الفدية بظاهر الآية؟ يؤيّد ذلك قولُه تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، بعد قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فيفيد ذلك أنه يَعمُّ مَن أطاقَ الصومَ في رمضان وأفطر، ومَن أطاق الصوم في أيام أُخَر فلم يصم. ثم نَسْخ الأول [لا] (٣) يوجب نسخ الثاني؛ لأنه إنما نُسِخ التخييرُ، أما وجوب الفدية مع الفطر الذي لا قضاء فيه، فلم يُنسخ البتَّة؛ [ق ٥٩] لِما روى أشعثُ، عن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن مات وعليه صيامُ شهر رمضان، فليُطْعَم عنه مكانَ كلّ يومٍ مسكينًا» رواه ابن ماجه والترمذي (٤) وقال: «لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والصحيح

стр. 1785

عن ابن عمر (١) موقوف قولَه (٢)». قال: «وأشعث هو ابن سوَّار، ومحمد هو ابن أبي ليلى». ورواه الأثرم وأبو بكر، كلاهما عن (٣) قتيبة، عن عُمر بن القاسم، عن أشعث (٤). وعن عبد العزيز بن رُفَيع، عن عَمْرةَ امرأةٍ منهم، قال: توفيت أمها وعليها أيام من رمضان، فسألَتْ عائشة أن تقضيه عنها؟ قالت: «لا، بل أطعمي مكان كلِّ يوم مسكينًا» رواه سعيد (٥). وعن ميمون بن مِهْران أن ابن عباس سُئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم رمضان؟ قال: «أما رمضان فيُطعَم عنه، وأما النذر فيُصام عنه» رواه أبو بكر (٦). وعن ابن عباس وابن عمر مثله (٧). ولا يُعرف لهم في الصحابة مخالف.

стр. 1786

وعن ابن عباس قال: «إذا مرض الرجلُ في رمضان، ثم مات ولم يَصُم أُطعِم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليّه». رواه أبو داود (١). ولأنه قد وجب القضاء في ذمته، واشترطت له الفدية في المال، فإذا قدر عليه لم يكن بدٌّ من إيجاب الفدية، لأن الصوم الواجب لا يخلو من فعله أو فعل الفدية. فإن قيل: قضاء رمضان موسَّع، والعبادة الموسّعة إذا مات في أثناء وقتها لم يكن آثمًا بدليل الصلاة، ومَن لا إثم عليه فلا فدية عليه. قلنا: نعم، إذا لم يغلب على ظنه الموتُ قبل القضاء لم يأثم، وإن غلب على ظنه الموتُ قبله أثِمَ، كما قلنا في الصلاة، لكن الفدية تجب بدون الإثم، كما تجب على الشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه، لأنه بدَلٌ عن الصوم الواجب. وإنما كان البدل هو الإطعام، لما ذكرنا من الآية والحديث وإجماع الصحابة. فإن هؤلاء الذين قالوا: يُطعَم عنه، هم (٢) الذين رووا عن النبي ﷺ : «إن الوليَّ يصومُ عنه وليُّه» (٣)، وبيّنوا إنما هو النذر كما سيأتي.

стр. 1787

ولأن الصومَ المفروضَ قد جعل الله له بدلًا في الحياة، وهو الإطعام فوجب أن يكون بدله (١) بعد الموت مثل بدله في الحياة، كسائر الفرائض. فإنّ معنى البدل لا يختلف بالحياة والموت، ولهذا لمَّا كان البدل في الحجّ عن المعضوب أن يحجّ عنه غيرُه، كان البدل في الميّت أن يحجّ عنه غيرُه. ولأن إيجاب الله إنما هو ابتلاءٌ وامتحانٌ للمكلَّف، وهو المخاطَب بهذا الفرض، وكلّ ما كان أقرب إليه، كان أحقّ بأداء الفرض منه مما هو أبعد منه. فإذا كان قادرًا ببدنه لم يجُز أداؤه بماله، وإذا كان قادرًا بماله لم يجُز أداؤه ببدن غيره؛ لأن ماله أحقّ بأداء الفرض منه مِن بدن غيره. فلو جاز أن يصوم عنه الولي، لكان قد أدى الفرضَ ببدن غيره دون ماله ... (٢) ولأن الله قد أوجبَ عليه الصوم، والوليّ لا يوجب (٣) عليه شيئًا يَكِلُه إلى غيره، وإذا أوجبنا مِن ماله كان دَينًا في التَّرِكة. فعلى هذا إن كان له تَرِكَة أُطعِم عنه من تركته، فإن أَطعَمَ رجلٌ عنه من غير ماله بإذن الولي أو بغير إذنه، أو لم يكن له مال، فتبرّع رجل بالإطعام عنه ... (٤)

стр. 1788

فإن لم يكن له تَرِكة، فأحبَّ أحدٌ أن يصوم عنه، فقال القاضي: لا يجزئ الصوم عنه (١)، ويحتمل كلام أحمد أنه يجزئ لأنه سمَّاه دَينًا. فصل (٢) فإن فرَّط حتى أدركه رمضانُ (٣) الثاني قبل أن يصوم، ومات في أثناء ذلك الرمضان أو بعده قبل أن يصوم؛ فقال القاضي في «المجرَّد» وأصحابُه كابن عقيل وأبي الخطاب (٤): يُطعَم عنه لكلّ يوم مسكينان (٥)؛ لأنه قد وجب عليه القضاء والكفّارة لو عاش؛ فإذا مات قبل القضاء لزمه عنه كفارتان: كفّارة لتأخير القضاء، وكفّارة لتفويته. ولا فرق على هذا بين أن يفوتَ وقتُ القضاء برمضان واحد أو رمضانات. والمنصوص عن أحمد: أنه ليس عليه إلا كفّارة واحدة؛ لأنه لا يجب في اليوم الواحد بدلان من جنس واحد، كما لم يجب في شيء من الأيام صوم يومين، ولأنه إذا أدرك رمضان الثاني، فإنما وجبت عليه الكفّارة لترك القضاء في وقته، وهذا بعينه هو المقتضي لوجوب الكفّارة بالموت، وإذا كان السببان من جنس واحد تداخل موجَبُهما.

стр. 1789

المسألة الثالثة (١): أن الصومَ المنذورَ إذا مات قبل فعله، فإنه يُصام عنه، بخلاف صوم رمضان وصوم الكفّارة ، وسواء كان معيّنًا أو مطلقًا. هذا منصوص أحمد في غير موضع (٢)، وهو قول عامّة أصحابه. وقال ابن عقيل: عندي أن الصوم لا يُفعَل عنه؛ لأنه لا تدخله النيابة في الحياة للعجز، فكذلك بعد الموت، كالصلاة، وعكسه الحج. لما روى سعيدُ بن جُبير، عن ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصومُ عنها؟ فقال: «أرأيتِ لو كان على أمّك دَين فقضيتِه أكان يؤدّي ذلك عنها؟» قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمّك». رواه الجماعة إلا أبا داود (٣). وفي رواية صحيحة لأحمد والنسائي (٤): أن امرأةً ركبت البحرَ، فنذرت إنِ اللهُ نجّاها أن تصومَ شهرًا (٥)، فأَنْجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابةٌ لها إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك، فقال: «صومي عنها». وفي رواية ابن ماجه [ق ٦٠] والترمذي (٦) قال: جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين؟ قال: «أرأيتِ لو

стр. 1790

كان على أُختك دَين أكنتِ تقضيه؟» قالت: نعم. قال: «فحقّ الله أحقّ». قال الترمذي: حديث حسن. وفي رواية متفق عليها (١): جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن (٢) أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمّك دَينٌ أكنتَ قاضيه عنها؟» قال: نعم. قال: «فدَين الله أحقّ أن يُقضى». فهذه الرواية المطلقة منهم مَن يقول: «رجل»، ومنهم من يقول: «امرأة»، وأكثرهم يقول: «أمي»، قد فُسِّرت في الروايات المتقدمة أن الصوم كان نذرًا (٣). ورواية مَن روى شهرَين متتابعين كأنها وهم (٤).
следующие страницы →