← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وعن ابن عباس قال: «إذا مرض الرجلُ في رمضان، ثم مات ولم يَصُم أُطعِم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليّه». رواه أبو داود (١). ولأنه قد وجب القضاء في ذمته، واشترطت له الفدية في المال، فإذا قدر عليه لم يكن بدٌّ من إيجاب الفدية، لأن الصوم الواجب لا يخلو من فعله أو فعل الفدية. فإن قيل: قضاء رمضان موسَّع، والعبادة الموسّعة إذا مات في أثناء وقتها لم يكن آثمًا بدليل الصلاة، ومَن لا إثم عليه فلا فدية عليه. قلنا: نعم، إذا لم يغلب على ظنه الموتُ قبل القضاء لم يأثم، وإن غلب على ظنه الموتُ قبله أثِمَ، كما قلنا في الصلاة، لكن الفدية تجب بدون الإثم، كما تجب على الشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه، لأنه بدَلٌ عن الصوم الواجب. وإنما كان البدل هو الإطعام، لما ذكرنا من الآية والحديث وإجماع الصحابة. فإن هؤلاء الذين قالوا: يُطعَم عنه، هم (٢) الذين رووا عن النبي ﷺ : «إن الوليَّ يصومُ عنه وليُّه» (٣)، وبيّنوا إنما هو النذر كما سيأتي.

стр. 1787

ولأن الصومَ المفروضَ قد جعل الله له بدلًا في الحياة، وهو الإطعام فوجب أن يكون بدله (١) بعد الموت مثل بدله في الحياة، كسائر الفرائض. فإنّ معنى البدل لا يختلف بالحياة والموت، ولهذا لمَّا كان البدل في الحجّ عن المعضوب أن يحجّ عنه غيرُه، كان البدل في الميّت أن يحجّ عنه غيرُه. ولأن إيجاب الله إنما هو ابتلاءٌ وامتحانٌ للمكلَّف، وهو المخاطَب بهذا الفرض، وكلّ ما كان أقرب إليه، كان أحقّ بأداء الفرض منه مما هو أبعد منه. فإذا كان قادرًا ببدنه لم يجُز أداؤه بماله، وإذا كان قادرًا بماله لم يجُز أداؤه ببدن غيره؛ لأن ماله أحقّ بأداء الفرض منه مِن بدن غيره. فلو جاز أن يصوم عنه الولي، لكان قد أدى الفرضَ ببدن غيره دون ماله ... (٢) ولأن الله قد أوجبَ عليه الصوم، والوليّ لا يوجب (٣) عليه شيئًا يَكِلُه إلى غيره، وإذا أوجبنا مِن ماله كان دَينًا في التَّرِكة. فعلى هذا إن كان له تَرِكَة أُطعِم عنه من تركته، فإن أَطعَمَ رجلٌ عنه من غير ماله بإذن الولي أو بغير إذنه، أو لم يكن له مال، فتبرّع رجل بالإطعام عنه ... (٤)

стр. 1788

فإن لم يكن له تَرِكة، فأحبَّ أحدٌ أن يصوم عنه، فقال القاضي: لا يجزئ الصوم عنه (١)، ويحتمل كلام أحمد أنه يجزئ لأنه سمَّاه دَينًا. فصل (٢) فإن فرَّط حتى أدركه رمضانُ (٣) الثاني قبل أن يصوم، ومات في أثناء ذلك الرمضان أو بعده قبل أن يصوم؛ فقال القاضي في «المجرَّد» وأصحابُه كابن عقيل وأبي الخطاب (٤): يُطعَم عنه لكلّ يوم مسكينان (٥)؛ لأنه قد وجب عليه القضاء والكفّارة لو عاش؛ فإذا مات قبل القضاء لزمه عنه كفارتان: كفّارة لتأخير القضاء، وكفّارة لتفويته. ولا فرق على هذا بين أن يفوتَ وقتُ القضاء برمضان واحد أو رمضانات. والمنصوص عن أحمد: أنه ليس عليه إلا كفّارة واحدة؛ لأنه لا يجب في اليوم الواحد بدلان من جنس واحد، كما لم يجب في شيء من الأيام صوم يومين، ولأنه إذا أدرك رمضان الثاني، فإنما وجبت عليه الكفّارة لترك القضاء في وقته، وهذا بعينه هو المقتضي لوجوب الكفّارة بالموت، وإذا كان السببان من جنس واحد تداخل موجَبُهما.

стр. 1789

المسألة الثالثة (١): أن الصومَ المنذورَ إذا مات قبل فعله، فإنه يُصام عنه، بخلاف صوم رمضان وصوم الكفّارة ، وسواء كان معيّنًا أو مطلقًا. هذا منصوص أحمد في غير موضع (٢)، وهو قول عامّة أصحابه. وقال ابن عقيل: عندي أن الصوم لا يُفعَل عنه؛ لأنه لا تدخله النيابة في الحياة للعجز، فكذلك بعد الموت، كالصلاة، وعكسه الحج. لما روى سعيدُ بن جُبير، عن ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصومُ عنها؟ فقال: «أرأيتِ لو كان على أمّك دَين فقضيتِه أكان يؤدّي ذلك عنها؟» قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمّك». رواه الجماعة إلا أبا داود (٣). وفي رواية صحيحة لأحمد والنسائي (٤): أن امرأةً ركبت البحرَ، فنذرت إنِ اللهُ نجّاها أن تصومَ شهرًا (٥)، فأَنْجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابةٌ لها إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك، فقال: «صومي عنها». وفي رواية ابن ماجه [ق ٦٠] والترمذي (٦) قال: جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين؟ قال: «أرأيتِ لو

стр. 1790

كان على أُختك دَين أكنتِ تقضيه؟» قالت: نعم. قال: «فحقّ الله أحقّ». قال الترمذي: حديث حسن. وفي رواية متفق عليها (١): جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن (٢) أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمّك دَينٌ أكنتَ قاضيه عنها؟» قال: نعم. قال: «فدَين الله أحقّ أن يُقضى». فهذه الرواية المطلقة منهم مَن يقول: «رجل»، ومنهم من يقول: «امرأة»، وأكثرهم يقول: «أمي»، قد فُسِّرت في الروايات المتقدمة أن الصوم كان نذرًا (٣). ورواية مَن روى شهرَين متتابعين كأنها وهم (٤).

стр. 1791

وعن عبيد الله بن عبد الله، عن (١) ابن عباس: أن سعد بن عُبادة سأل النبيَّ ﷺ عن نذر كان على أمّه تُوفّيت قبل أن تقضيه، فقال: «اقْضِه عنها» رواه الجماعة (٢). [وفي لفظ] (٣): استفْتَى سعدُ بن عبادة الأنصاري رسولَ الله ﷺ في نذرٍ كان على أمّه توفّيت قبل أن تقضيه؟ فقال رسول الله ﷺ : «اقضه عنها» فكانت سُنّة بعدُ. وعن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «مَن مات وعليه صيامٌ، صام عنه وليُّه» متفق عليه (٤). وعن بُرَيدة بن الحُصيب قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأةٌ، فقالت: إني تصدّقت على أمّي بجارية وإنها ماتت. فقال: «وجَبَ أجرُك، وردَّها عليك الميراثُ». فقالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها». قالت: إنها لم تحجّ قطّ، أفأحجّ عنها؟ قال: «حُجّي عنها». رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه (٥).

стр. 1792

وفي رواية لمسلم: صوم شهرين (١). فهذه الأحاديث نصوصٌ في أن النذر يُصام عن الميت، وظاهر بعضها أن جميع الصوم كذلك؛ لأن حديث عائشة عامٌ، وفي حديث بُريدة وبعض ألفاظ ابن عباس: أنها قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ فأمرها النبيُّ ﷺ بالصوم عنها، ولم يستفصل هل هو (٢) رمضان أو غيره، وذَكر معنًى يعمّ رمضانَ وغيرَه، وهو كونه دَينًا، فإنّ صوم رمضان دَين في ذمة مَن وجب عليه، ودَينُ الآدمي يُقضى عن الميت، فدَين الله أحقّ، وجمَعَ بينه وبين الحجّ في نسَقٍ واحد. لكن هذه الأحاديث إنما هي على وجهها في النذر: أما حديث ابن عباس فقد صرّح فيه بذلك، والمطلقُ منه محمول على المفسَّر، فإنه حديث واحد إسنادًا ومتنًا. وكذلك حديث بُريدة: فإن قولها: «صوم شهر» بصيغة التنكير، تُشعِر بأنه غير رمضان، لاسيما رواية من روى: «شهرين». والذي يدلّ على ذلك أنه قد تقدم عن عائشة وابن عباس وعن ابن عمر موقوفًا ومرفوعًا أنهم قالوا في صوم رمضان: لا يُقضى عنه، بل يُطعَم عنه لكلّ يوم مسكينًا (٣).

стр. 1793

وابن عباس وعائشة رويا هذين الحديثين وهما أعلم بمعنى ما رويا من غيرهما، فلو لم يكن معناه عندهما في غير رمضان لَمَا جاز لهما خلافه. وليس الحديث نصًّا حتى يُعارَض بين الرأي والرواية. وأما كونه دَينًا، فصحيح، لكن وفاء الدين مِن تركةِ الميّت ومالِه أولى من وفائه من بدن غيره، ولأن صوم رمضان لم يجب فيه الصوم عينًا، وإنما وجب الصومُ مع القدرة والإطعامُ مع العجز، فصار الدّين عليه أحدَ شيئين. وهذا الجواب يصلح عن قوله: «وعليه صيام»، فإن العاجز عن قضاء رمضان ليس عليه صيام، وإنما عليه فدية؛ فالواجب عليه أحدُ شيئين، وفيه نظر. والفرق بين رمضان والنذر: أن النذر محلّه الذِّمّة، وقد وجب بإيجابه، وهو لم يوجب على نفسه إلا الصومَ فقط، فإذا فُعل عنه فقد أُدِّيَ عنه نفس ما أوجبه، ولو أُطعِم عنه لم يكن قد أُدِّي عنه الواجب. ولهذا يصح أن (١) يَنْذُر ما يطيقُه وما لا يطيقُه، فإذا عجَزَ عنه فهو في عُهدته. والصومُ إنما أوجبه الله سبحانه على بدَن المكلّف، فإذا عَجَز ففي ماله، فإذا عجَز عن الأصل انتقل إلى البدل الذي شرعه الله سبحانه. ولهذا لم يوجب الله عليه من الصوم إلا ما يُطِيقه، وكذلك كلّ صوم وجب بإيجاب الله، فإنه (٢) بدله الإطعام، وإن كان سبب وجوبه من المكلّف

стр. 1794

كصوم الكفّارة، بخلاف النذر. نصّ عليه أحمد في رواية ابن منصور (١) فيمن مات وعليه صيامٌ مِن دم التمتع أو كفّارة يُطعَم عنه. وكذلك نقل حنبلٌ عنه فيمن مات وعليه نذر صيام شهر، صام عنه، فإن مات وعليه صيام شهر من كفّارة، يُطعَم عنه، النذرُ فيه الوفاء. وكذلك نقل المرُّوذيُّ صومَ السبعة (٢). فصل (٣) ويُصام النذرُ عنه، سواء ترَكَه لعذر أو لغير عذر . قال القاضي: أومأ أحمدُ إلى هذا في رواية عبد الله والميموني والفضل وابن منصور (٤). قال في رواية عبد الله (٥) في رجل مرض في رمضان: إن استمرّ المرضُ حتى مات ليس عليه شيء، فإن كان نَذْرٌ صامَ عنه وليُّه إذا هو مات. لأن النذر محله الذمة، وهو أوجبه على نفسه ولم يشترط القُدْرة، والله سبحانه قد شرط فيما أوجبه على خلقه القدرة.

стр. 1795

ولهذا قد يجب على الإنسان من الديون بفعلِ [ق ٦١] نفسِه ما يعجِز عنه، ولا يجب عليه بإيجاب الله عليه إلا ما يقدر عليه. ولهذا لو تكفَّل من الدّين بما لا يقدر عليه، لزمه (١) في ذمّته. وعلى هذا، فلا فرق بين أن ينْذُر وهو مريض فيموت مريضًا، أو ينْذُر صوم شهر ثم يموت قبل مضيّ شهر. وقد ذكر القاضي في موضع من «خلافه» وابنُ عقيل: أنه لا يلزم أن يقضى عنه من النذر إلا ما أمكنه أن يفعله صحيحًا مقيمًا، اعتبارًا بقضاء رمضان. فأما إذا نذَرَ الحجَّ وهو لا يجد زادًا ولا راحلة بعد ذلك؛ فقال القاضي: إن وجد في الثاني لزمه الحج بالنذر السابق، وإن لم يجد لم يلزمه، كالواجب بأصل الشرع، كما قلنا في الصوم سواءً. فإن لم يكن له تَرِكَةٌ يُصام عنه منها لم يلزمه صومٌ ولا حجّ، ويكون بمنزلة مَن عليه دَين ولم يخلِّف وفاءً. وهذا الصوم لا يجب على الولي، بل يُخيّر بين أن يصوم وبين أن يدفع إلى (٢) مَن [يُطعِم] (٣) عن الميّت عن كلّ يوم مسكينًا إن كان له تَرِكة، فإن لم يكن له ترِكَة لم يلزم الوارث. قاله القاضي في «خلافه». فعلى هذا لو تبرّع الوليّ أو غيره بالإطعام عنه دون الصيام [أجزأ] (٤).

стр. 1796

وقال في «المجرّد» وابنُ عقيل وغيرهما: هذا القضاء لا يلزم الورثة، كما لا يلزمهم أن يقضوا دينَه، وإنما الكلام فيه: هل يصح قضاؤه عنه؟ قال ابن عقيل: إذا قضَوا عنه صحّ لكنه لا يلزمهم القضاء، ويصوم (١) عنه الأقربُ فالأقربُ استحبابًا. قال أحمد: يصوم أقربُ الناس إليه ابنُه أو غيرُه. وقال أيضًا: يصوم عنه واحد. قال القاضي: وظاهر هذا أنه لا يختصّ القضاءُ بجميع الورثة، بل يصوم أحدهم، وهو الأقرب فالأقرب. وهل تعتبر الولاية والقرابة؟ ... (٢) فإن صام غيرُ الوليّ عنه بإذنه جاز، وإن صام بغير إذنه جاز أيضًا فيما ذكره القاضي، كما لو كان عليه دَين يصح أن يقضيه الوليّ وغيرُه. وظاهرُ كلام أحمد ... (٣) قال في رواية حنبل: إذا نذَرَ أن يصوم شهرًا، فحِيْل بينه وبين ذلك مِن مرض أو علّة حتى يموت، صام عنه وليُّه النذرَ، وأطعم لكلّ يوم مسكينًا لتفريطه. وإن عجَزَ عن الصوم المنذور لكبر أو مرض لا يرجى بُرْؤه فقال: لا يمتنع أن نقول: يصحّ الصومُ عنه كما نقول في الحج إذا عجَزَ عنه في حال الحياة: يحجّ عنه.

стр. 1797

وقال الخِرَقي (١): يُطعَم عنه ولا يُصام عنه. وعلى هذا، فلا كفّارة فيه. والمنصوص عن أحمد: وجوب الكفّارة والإطعام؛ لأن التعيينَ قد فات. وقيل: ليس فيه إلا كفّارة يمين فقط. (٢) وإن نذرَ الصومَ في حال الكبر واليأس من البرء، فقيل: لا ينعقد نذرُه. وظاهر المذهب أنه ينعقد موجِبًا لِما يجب إذا نذر ثم عجَزَ عن الكفّارة والإطعام أو عن أحدهما. فصل (٣) وإذا صام عنه أكثرُ من واحد في يوم: فقال أحمد في رواية أبي طالب، وقد ذُكِر له فيمن كان عليه صوم شهر: هل يصوم عشرةُ أنفسٍ شهرًا؟ فقال: طاووس يقول ذلك (٤). قيل له: فما تقول أنت؟ قال (٥): يصوم واحد.

стр. 1798

قال القاضي: فمَنَع الاشتراك، كالحَجّة المنذورة تصحّ النيابةُ (١) فيها مِن واحد ولا تصح من الجماعة. وقال بعضُ أصحابنا (٢): يجوز أن يصوم عنه جماعةٌ في يوم واحد، ويجزئ عن عدّتهم من الأيام. وحَمَل كلامَ أحمد على نذرٍ مقتضاه التتابع؛ لأن لفظ الشهر في إحدى الروايتين يقتضي التتابع. المسألة الرابعة (٣): إذا نذَر غير الصوم من عتقٍ أو صدقة أو هدي أو حج، فإنه يجوز أن يفعله عنه وليُّه، روايةً واحدة، أوصى أو لم يوص؛ لما روى عبد الله بن عَمرو: أنَّ العاص بن وائل نذَر في الجاهلية أن ينحر مئة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين، وأن عَمْرًا سأل النبيَّ ﷺ عن ذلك؟ فقال: «أمّا أبوك فلو أقرَّ بالتوحيد فصمتَ عنه وتصدّقتَ، نفعَه ذلك» رواه أحمد (٤). وعن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ فقال: إن أختي نذرت أن تحجَّ وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ : «لو كان عليها دَينٌ أكنتَ قاضيه؟» قال: نعم. قال: «فاقضِ الله، فهو أحقُّ بالقضاء» رواه أحمد والبخاري (٥).

стр. 1799

وفي لفظ للبخاري (١): إن أمّي نذَرَت أن تحجّ، فلم تحجّ حتى ماتت، أفأحُجّ عنها؟ قال: «حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمّكِ دَين أَلَسْتِ قاضِيَةً؟» قالت: نعم. قال: «اقضوا الله، فالله أحقّ بالوفاء». ولأن هذه الأمور يجوز أن تُفعَل عنه مِن هذه العبادات ما وجب بالشرع بعد موته بدون إذنه، فلَأَن يُفعَل عنه ما وجب بالنذر أولى وأحرى. وأما الصلاة المنذورة والقرآن والذكر والدعاء، فهل يُفعل بعد الموت؟ على روايتين (٢): أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا تجوز النيابةُ فيها ببدنٍ ولا مال، فلم تَجُز (٣) النيابةُ فيها بعد الموت، كالإيمان. ولأنه لا مدخَل للبدل في المشروع منها، فلم تدخل في المنذور. ولأن العبادات المنذورة يُحتذَى بها حذوَ العبادات المشروعة، ولا يجوز أن يُفْعَل (٤) بالنذر ما لم يكن له أصلٌ في الشرع، وعكسُه الصوم فإنّ للبدل فيه مدخلًا كما ذكره الشيخ. والثانية: يُفعل عنه بعد الموت. وهو اختيار أبي بكر [ق ٦٢] والخِرَقي (٥). قال القاضي: وهو الصحيح؛ لما روى ابن عباس. ولأن (٦) سعدَ بن عُبادة سأل النبيّ ﷺ عن نذرٍ كان على أمّه توفيت قبل أن تقضيه؟ قال: «اقضه

стр. 1800

عنها» رواه الجماعة (١). ولا يخلو إما أن يكون سعدٌ سأل النبيّ ﷺ عن نذر كان على أمّه وأجابه النبيُّ ﷺ على مقتضى هذا السؤال ولم يستفصله، فيكون كأنه قال: إذا كان عليها نذرٌ فاقضه عنها؛ لأن السؤال كالمُعاد في الجواب، وهذا عامّ مطلق في جميع النذور. أو يكون قد سأله عن نذر معيّن مِن صوم ونحوه، فيكون إخبار ابن عباس أنه أمره أن يقضي عنها النذر ــ ولم يعيِّن ابنُ عباس أيّ نذرٍ هو ــ دليلٌ على أنه فهم أن مَناطَ الحكم عمومُ كونه نذرًا، لا خصوصُ ذلك المنذور، وأنّ كلّ النذور مستوية في هذا الحكم، وابنُ عباس أعلمُ بمراد النبي ﷺ ومقصوده. وأيضًا فقد جاء مفسّرًا من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ أمرَ رجلًا ــ أو (٢) امرأة ــ أن يقضي نذرَ صومٍ كان على أمه وأخته (٣). ووجَّهه النبيّ ﷺ بأن هذا دَين من الديون، وأن الله أحقّ أن يُوفّى دينُه، وأحقّ أن يَقبل الوفاء، وهذه علة تعمّ جميع الديون الثابتة في الذمة لله. وأيضًا، فإنه لا فرق بين الصلاة والصيام، فإنها عبادة بدنيّة لا يجوز الاستنابةُ في فرضها بحال، والصومُ كذلك، فإذا جاز قضاء الصوم المنذور عينًا فكذلك الصلاة المنذورة، نعم الصوم دخلت النيابةُ فيه بالمال بخلاف

стр. 1801

الصلاة، لكن هذا لا أثر له في دخول النيابة ببدن الغير، فإنهما مستويان فيه. وأيضًا فإن النذور محلها ذمّة العبد، فصارت ... (١) وأما الاعتكاف: فالمنصوص عن أحمد في رواية ابن إبراهيم (٢) وحنبل: إذا نذر أن يعتكف فمات قبل أن يعتكف، ينبغي لأهله أن يعتكفوا عنه. وكذلك قال أصحابنا ولم يذكروا خلافًا إلحاقًا له بالصوم، فإنه به أشبه منه بالصلاة. وعلى قول ابن عقيل في منع النيابة في الصوم يمتنع في الاعتكاف. وقد رُوي عن عامر بن مصعب قال: اعتكفَتْ عائشةُ عن أخيها بعدما مات. رواه سعيد (٣). وإذا نذَر فِعل طهارة، فقال القاضي وابن عقيل: لا تُفعل عنه؛ لأنها غير مقصودة في نفسها (٤).

стр. 1802

(١) باب ما يفسد الصوم مسألة (٢): (ومَن أكَل أو شَرِب، أو استَعَط، أو أوْصَل (٣) إلى جوفه شيئًا من أيّ موضعٍ كان، أو استقاء، أو استَمْنى، أو قبَّل أو لَمَس فأمْنَى أو أمذى، أو كرّرَ النظرَ حتى أنزل، أو حَجَم أو احتجم، عامدًا ذاكرًا لصومه فسَدَ، وإن فعله ناسيًا أو مُكرهًا لم يفسُد) . في هذا الكلام فصول: أحدها أن الصوم يفسد بالجماع كما تقدم. ويفسد بالأكل والشرب؛ فإن حقيقة الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وتوابع ذلك. وهذا من العلم العامّ المستفيض الذي توارثته الأمةُ خَلَفًا عن سَلَف (٤). والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ

стр. 1803

هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ... ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]. فأَذِن في الرّفَث والأكل والشرب إلى تبيُّنِ الفجر، وأمرَ بإتمام الصيام عن هذه الأشياء إلى الليل. وقال النبيُّ ﷺ : «كلّ عَمَل ابن آدم له إلا الصيام (١) فإنه لي وأنا أجزي به، يدَعُ طعامَه وشَرابَه (٢) وشهوتَه من أجلي» (٣). وقال: «مَن لم يدَع قولَ الزورِ والعملَ به، فليسَ لله حاجّة في أن يدعَ طعامَه وشرابَه» متفق عليهما (٤). وسواءٌ في ذلك جميع المأكولات والمشروبات من الأغذية والأدوية وغيرها، مثل الثلْج والبَرَد. وسواء في ذلك الطعام والشراب المعتادان، اللذان يحصل بهما الاقتيات، وغيرهما. ولو استفَّ ترابًا أو ابتلع حصاةً، أفطر.

стр. 1804

قال أحمد في رواية أبي الصقر: إذا بلع الصائمُ خاتمًا أو ذهبًا أو فضة أو جوزةً بقشرها أو خَرَزة أو حبةَ لؤلؤٍ أو طينًا، متعمِّدًا، فعليه القضاء ولا كفّارة، ولا قضاء عليه ما لم يتعمّد. لأن النبيّ ﷺ أمر باتِّقاء الكُحل الذي يدخل من العين إلى الحلق (١)، وليس في الكُحل تغذية، فعُلِم أنه لا يُشترَط في الداخل أن يكون مما يغذِّي في العادة. الفصل الثاني (٢) أن الواصل إلى الجوف يُفَطِّر من أي موضع دخل ، لا يختص ذلك بمدخل دون مدخل، كما لم يختص بداخل دون داخل في ذلك. ولا بُدّ عند أصحابنا أن يصل إلى البطن أو ما بينه وبين البطن مجرًى نافذ. هذا كلام أحمد وعامة أصحابه، وهو الذي حرّره القاضي في كتبه المُعْتَمدة: أن المفَطِّر وصولُ الواصل إلى الجوف من أيّ موضع كان. فإذا استعطَ بدُهن أو ماء أو غيرهما، بأن أدخله في أنفه، فوصل إلى دماغه أفطر، سواءٌ تيقّن وصولَه إلى حلقه وجوفه أو لم يتحققّه، بناءً على أن بين الدماغ والجوف مجرى، فما يصل إلى الدماغ لابدّ أن ينزل (٣) إلى الحلق ويصل إلى الجوف، والحكمةُ إذا خفيت أُقيمَتِ المظنّة مُقامها،

стр. 1805

كالنوم مع الحدَث. وذكر القاضي في بعض المواضع وغيره: أن نفس الوصول إلى الدماغ مفطّر، لأنه جوفٌ [ق ٦٣] يقع الاغتذاء بالواصل إليه، فأشبَه الجوفَ. والصواب الأول، لأنه (١) لو لم يكن بين الدماغ والجوف منفذٌ لم يفطر بالواصل إليه وإن نبتَ اللحمَ واغتذى (٢)، كما يُقَطَّر في الإحليل، وكالكُحل الذي تتغذَّى به العين، وليس له نفوذٌ إلى الحلق، كالمراهم التي توضع في أعماق الجراح ونحوها، فإن اللحم ينبت (٣) بها فلا تفطِّر، ولأن الغذاء الذي به قيام (٤) البِنية لابدّ أن يحصل في المعدة. قال في رواية أبي الصقر: إذا استعط، أو وضع على أسنانه دواء، فدخل حلقَه، فعليه القضاء. وكذلك أطلق كثيرٌ من أصحابنا الاستعاط، وقال: إذا استعط بدُهن أو غيره، ووصل إلى دماغه أفطر وعليه القضاء (٥)؛ لأن النبيّ ﷺ قال للقيط بن صَبِرة: «وبالِغْ في الاستنشاقِ إلّا أن تكون صائمًا» (٦). فلو لم يكن ما يدخل في الأنف مفطِّرًا كما يفطِّر ما يدخل في الفم، لم

стр. 1806

يَنْهَه عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائمًا. ولأن العين يُفْطِر بالداخل منها، فلَأَن (١) يُفْطِر بالداخل من الأنف أولى. ولأنّ ما يدخل مِن الأنف يحصل به للبدن اغتذاءٌ ونموّ وإن قلَّ، كما يحصل بالقليل من الطعام والشراب. فأما شمّ الأرواح الطيبة من البخور وغيره، فلا بأس به للصائم (٢). قال أبو علي ابن البنّاء: ويُكره أن يشمّ ما لا يأمَن أن يجتَذِبه نفَسُه، كالمِسك والكافور السحيق ونحوه. ومن ذلك الأذن، فإذا قَطَر في أذنه دُهنًا أو غيره، فوصل دماغَه أفطر. قال في رواية حنبل: الصائم إن لم يخف أن يدخل مسامعَه وحلقَه الماءُ، فلا بأس أن ينغمس فيه. ذكره أصحابُنا، وهو قياس قول أحمد: فإنه يفطر بما يدخل من العين، فمن الأُذن أولى. وعن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب قال: «لا بأس أن يكتحل الصائمُ، ولكن لا يستعِط، ولا يُصَيِّر (٣) في أذنه شيئًا». رواه حرب (٤).

стр. 1807

لأنه واصل إلى الدماغ فيفطّر (١)، كما لو وصل من الأنف والعين وأولى. فعلى هذا لا يُكرَه أن يغتسل ويغوص [في] (٢) الماء ويغيب فيه. قاله القاضي وغيره (٣). وكلامُ أحمد مقيّد بما إذا لم يخف أن يدخلَ الماءُ مَسامعَه، وهو الصواب. ومن ذلك العين، فإذا اكتحل بما يصل إلى حلقه، إما لرطوبته كالإشياف (٤)، أو لحِدَّته كالذَّرُور (٥) والطيب، أفطر. وإن شكّ في وصوله، فالأصل صحة الصوم، لكن لا يكتحل بما يَخشى دخولَه. وقال القاضي وابن عقيل: يُكره الكُحل مطلقًا. قال في رواية حنبل في الكحل للصائم: إن كان فيه طيب يدخل حلقَه، فلا. ولا يكتحل نهارًا؛ لأنه ربما وصل إلى حلقه، والطيب كذلك. والذَّرور يدخل إلى حلقه، فإن خشي على عينه تعالَجَ، ويقضي إذا لم يجد بُدًّا. وهذا عندنا على الجَهْد، ولا يُعين على نفسه.

стр. 1808

وقال في رواية الأثرم: الصائم لا يكتحل بالصَّبِرَ وما أشبهه، هذا يوجد طعمه، فأما الإثمد فما خفّ منه وجعله (١) عند الإفطار فهو أسهل. وقال في رواية أبي الصقر: إذا عَلِم أنه قد دخل فعليه القضاء، وإلا فلا شيء عليه. فقد بيَّن أن القضاء لا يجب إلا مع تيقُّن الدخول، وأمر باجتناب ما يُخشى دخوله، وذلك لما روى عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ : أنه أمر بالإثمد المروَّح عند النوم، وقال: «لِيَتّقِهِ الصائمُ» رواه أبو داود (٢) وقال: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر. وعبد الرحمن، قيل: هو ضعيف، وقال الرازي: هو صدوق (٣). وقد رُوي ما يصحّح هذا الحديث؛ فروى إسحاق بن راهويه، عن أبي نُعيم، عن عبد الرحمن بن النعمان أبي (٤) النعمان الأنصاري، عن أبيه، عن

стр. 1809

جده ــ قال: وكان جدّي قد أُتِيَ به رسولُ الله ﷺ فمسحَ رأسَه ــ قال: «لا تكتحل نهارًا وأنتَ صائم واكتَحِل ليلًا» (١) قال أبو النعمان: جدّي يقول: لا تكتحل نهارًا. قال إسحاق: الأمرُ فيه على ما قال جدُّ أبي (٢) النعمان ــ وكانت له صحبة ــ: «لا تكتحل نهارًا وأنت صائم»، وهذا أصح شيء في هذا (٣) الباب، وذلك أن معناه حسن. ورواه البخاري (٤) عن عبد الرحمن بن النعمان الأنصاري، عن أبيه، عن جده، قال: وكان جدي قد أُتي به النبيَّ ﷺ فمسح رأسَه، وقال: «لا تكتحل بالنهار وأنت صائم، واكتحل ليلًا بالإثمد، فإنه (٥) يجلو البصرَ ويُنْبِت الشعرَ». فروايته عنه موقوفًا ومرفوعًا تدلّ على أن له أصلًا. وأيضًا، فإن الكُحل الحادّ يصل إلى الجوف، ويظهر الكُحل بعينه إذا تنخّعَه الإنسانُ على اللسان، فعُلِم أن في العين منفذًا يصل منه، وإذا كان فيها منفذ (٦) وصل بالداخل منه كسائر المنافذ.

стр. 1810

وأيضًا، فإن الدمعَ يخرج من العين، والدمعُ محلّه الدماغ، فعُلِم أن في العين منافذ ينزل منها الدمع. فإن قيل: دخول الكحل وخروج الدمع من المسامّ التي في العين، والمسامُّ ليست كالمنافذ التي يحصل الفِطر بالداخل منها، بدليل أنه لو اغتسل بالماء أو (١) دَهَن رأسَه أو طيّب بدنَه، فإنه يجد في حلقه برودةَ الماء وطعم الدّهن ولا يُفْطِر، والعَرَق يخرج من هذه المسامّ كما يخرج الدمعُ من العين. قيل: الداخل من العين جسم الكُحل، وهو الذي يوجد عند التَّنخُّع، فأما الذي يجده من الدُّهن والماء، فإنما هو بردُه وطعمُه، وذلك العرَض الذي فيه لا جسمُه. [ق ٦٤] والعرقُ يخرج مِن ظاهر الجَسَد لا من باطنه، فصار كما لو كان بدنه مجروحًا، فداواه بدواءٍ، فإن المفطِّر لابدّ أن يدخل إلى داخل البدن، والكحل بهذه المثابة بخلاف الدُّهن والماء ونحوهما. فإن قيل: فقد روى أبو عاتكة، عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: «نعم». رواه الترمذي (٢) وقال: «إسناده ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو عاتكة ضعيف».

стр. 1811

وعن بقية بن الوليد قال: ثنا الزبيدي (١)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «اكتحل رسول الله ﷺ وهو صائم» رواه ابن ماجه (٢). وقد تقدم عن علي أنه قال: «لا بأس أن يكتحل الصائم». وعن عُبيد الله (٣) بن أبي بكر قال: «كان أنس بن مالك يكتحل وهو صائم» رواه أبو داود وغيره (٤). قيل: أما المرفوع فضعيف، وحديث عائشة وأنس قضيَّةٌ في عين. والظاهر أن الكحل كان مما لا يدخل إلى الحلق؛ لأنه فسر في الحديث الذي تقدم أنه أمره بالإثمد المروّح، والمروَّح: الذي فيه طيب تبدو رائحته، ففرَّق بين المروّح وغيره.

стр. 1812

قال ابن أبي موسى (١): وإن اكتحل باليسير من الإثمد غير المطيّب كالميل ونحوه، لم يفطر. وقد رُوي عن أبي (٢) رافع مولى النبي ﷺ قال: «نزل رسول الله ﷺ خيبر ونزلتُ معه، فدعا بكُحل إثمدٍ غير ممسّك، واكتحلتُ معه في رمضان» (٣). ومِن ذلك الدّبر، فلو احتقن أو أدْخَل دُهنًا أو غيره إلى مقعدته، أفطر. فأما إن قَطَرَ في إحليله، فقال أصحابُنا: لا يفطر. قال أحمد في رواية أحمد بن الحسين (٤) في الرجل يصبّ في إحليله الدّهن بالدواء: أرجو أن لا يكون عليه شيء ما لم يصل إلى البطن. والإشياف (٥) في المِقعدة يصل إلى البطن، وهذا خلاف ذاك. فعلى هذا

стр. 1813

يُكرَه له أن يكتحل، قاله (١) القاضي؛ لأنه يخاف منه الفطر. والصحيح أنه إذا غلب على (٢) ظنَّه أنه لا يصل إلى حلقه لم يُكره. فقد فرّق بين القُبُل والدُّبُر بأن ما يدخل الدّبُرِ يصل إلى البطن، بخلاف ما يدخل من (٣) الإحليل (٤). قال أصحابنا: الفطر إنما هو بما يصل إلى البطن أو إلى ما بينه وبين البطن (٥) طريق؛ لأن الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب ونحوهما مما يصل إلى المعدة، والواصل من الأنف و (٦) العين والأذن يصل إلى الدماغ، وبين الدماغ (٧) والبطن مجرى يصل منه إلى البطن، وليس بين المثانة مجرى إلى الجوف، وما يحصل (٨) منها من البول، فإنما يحصل بالرشح كالعَرَق يخرج من البدن، فإذا لم يصل منها إلى الجوف لم يفطّر، كمن أخذ في فمه ماءً لم يفطِّره، فإن علم (٩) أنه رشَحَ منه شيء إلى البطن، فهل يكون

стр. 1814

كالعين؟ ... (١) فإن أدخل في دبره عودًا أو بقي طرفه خارجًا، أو ابتلع خيطًا طرفه بيده، ثم أخرجه، فقال أصحابنا: يفطر. وظاهر كلامه في العود يدخلُ البطن ... (٢) قال ابن أبي موسى (٣): ومن داوى جُرحَه بيابس أو رطب، فوصل إلى جوفه، أفطر (٤). ومن ذلك أن يداوي المأمومةَ أو الجائفةَ بدواء يصل إلى الجوف لرطوبته ، فأما الدواء (٥) اليابس فهو لا يصل إلى الجوف (٦) في العادة، فإن وصل إليه فهو والرُّطَب سواء؛ لأنه لا فرق بين الواصل من المخارق (٧) المعتادة وغير المعتادة.

стр. 1815

فإن جَرَح نفسَه أو جرحَه غيرُه باختياره فوصل إلى جوفه أفطر، سواء استقرّ النصلُ في جوفه أو لم يستقر؛ لأنه ذاكِرٌ لصومه، وصل إلى جوفه باختياره ما أمكنه الاحتراز منه. وإن جُرح بغير اختياره فوصل إلى جوفه، لم يفطر. هذا قولُ أصحابنا القاضي وغيرِه. فصل فإن تجوَّف جوفٌ في فخذه أو يده أو ظهره أو غير ذلك، وليس بينه وبين البطن منفذ، فوضع فيه شيء، لم يفطّره، كما لو وضعه في فمه وأنفه. الفصل الثالث (١) إذا استقاء، وهو أن يستدعي القيءَ، فإنه يُفطِر. فأما إن ذرَعَه القيء، فلا قضاء عليه. والأصل فيه ما روى عيسى بن يونس، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «مَن ذَرَعه القيءُ وهو صائمٌ فليسَ عليه قضاء، ومَن استقاء عمدًا فَلْيَقضِ» رواه الخمسة (٢)،

стр. 1816

لكن لم يذكر أبو داود وابن ماجه: «عمدًا». قال الدارقطني: رواته كلّهم ثقات، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب (١)، لا نعرفه من حديث هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ إلا من حديث عيسى بن يونس (٢)، وقال محمد: لا أراه محفوظًا. قلت: وقد رواه ابن ماجه (٣)، عن أبي زُرعة، عن علي بن الحسن بن سليمان أبي الشعثاء، عن حفص بن غياث، عن هشام، مثل رواية عيسى بن يونس. ورواه النسائي (٤) موقوفًا على أبي هريرة من حديث الأوزاعي، عن عطاء، عنه. وعن أبي الدرداء حدثه: أن رسول الله ﷺ قاءَ فأفطر. فلقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق، فقلت: إنّ أبا الدرداء حدّثَني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر. قال: صدق، وأنا صببتُ له وَضُوءَه. رواه الخمسة إلا ابن ماجه (٥). وفي رواية (٦): «استقاء رسول الله ﷺ فأفطر، فأتي بماء فتوضأ».

стр. 1817

وعن ابن عمر قال: «إذا استقاء الصائم، فعليه [ق ٦٥] القضاء، وإذا ذَرَعه القيءُ فلا قضاء عليه» (١). وعن زيد بن أرقم قال: «ليس يفطر من ذَرَعه القيءُ وهو صائم». رواه سعيد (٢). وقال ابن المنذر (٣): أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عمدًا. فإن قيل: فقد روى البخاري (٤) عن أبي هريرة قال: «إذا قاء فلا يفطر، إنما يخرج ولا يولج» قال: ويُذكَر (٥) عن أبي هريرة أنه يُفْطِر، والأول أصح. قال (٦): وقال ابن عباس وعكرمة: «الفِطْر مما دخل وليس مما خرج».

стр. 1818

وعن إبراهيم قال: قال [ابن مسعود] (١): «إنما الصيام مما دخل وليس مما خرج، وإنما الوضوء مما خرج وليس مما دخل (٢)». رواه سعيد (٣). وقد روى عبد الرحمن (٤) بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ لا يفطِّرن الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام» رواه الترمذي (٥) وقال: «هو غير محفوظ، وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغيرُ واحد هذا الحديثَ عن زيد بن أسلم مرسلًا، ولم يذكر (٦) فيه (عن أبي سعيد)». وقد رواه الدارقطني (٧) من حديث هشام بن سعد، عن زيد متصلًا.

стр. 1819

لكن ... (١) ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ويقول: روى هذا الحديث عن أبيه، عن عطاء، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ : «ثلاث لا يفطِّرن الصائمَ: القيء، والحجامة، والاحتلام». وقال العُمَري: عن نافع، عن ابن عمر: «إذا ذرَعَه القيءُ فلا قضاء عليه، وإن استقاء فعليه القضاء» (٢). ورواه أبو داود (٣) من حديث سفيان، عن زيد بن أسلم، عن بعض أصحابه، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُفطِر مَن قاءَ ولا مَن احتجَم ولا مَن احتلم». قيل: أما الحديث المرفوع، فضعيف، ثم قِرانه بالاحتلام قد يحتمل أنه أراد مَن ذَرَعه القيء، فإنه لو استمنى أفطر، فيُحْمَل (٤) هذا على مَن ذرَعَه القيء. ثم لو لم يكن في الباب حديثٌ مرفوع، وتعارضت أقوالُ الصحابة، لكان قولُ مَن فطَّره أولى بالاتباع؛ لأن التفطير بالاستقاء لا يُدْرَك بالقياس

стр. 1820

على الأكل والشرب. فمن نفى الفِطْر به، بناه على ما ظهر من أن الفِطْر إنما هو مما دخل، ومَن أوجبَ الفطرَ به، فقد اطلع على مزيدِ علمٍ وسنّةٍ خفيَتْ على غيره. والاستقاء: أن يستدعيَ القيءَ بيده أو بجَذْب نفَسِه. فأما إن نظر (١) إلى شيء يُغَثّيه أو تفكَّر في شيء يغثّيه (٢) حتى قاء؛ فقال ابن عقيل: يفطر إذا قصَدَ ذلك، كما اختار أنه يفسد صومه إذا نظر أو تفكّر فأنزل. وذَكَر عمن خالفه مِن أصحابنا: أنه إذا نظر فقاء أو تفكّر فَقَاء، لم يفطر. والقيءُ المفطِّر: هو الطعام ونحوه الذي يخرج من الجوف، فأما ما ينزل من الرأس، فلا بأس به. فأما النُّخاعَة (٣) التي تخرج من الجوف، فقال في رواية المرُّوذي: ليس عليك قضاء إذا ابتلعْتَ النُّخاعة وأنت صائم، إلا أنه لا يعجبني أن يفعل. والنُّخاعة إذا كانت من الصدر ليس فيها طعام، فلا بأس.

стр. 1821

وإن استقاء حتى يخرج الطعام فعليه القضاء. وقال في رواية حنبل: إذا تنخَّم الصائمُ، ثم ازدرده، فقد أفطر. فإن بلَعَ ريقَه لم يفطر؛ لأن النخامةَ تنزل من الرأس، والريقَ من الفم، فبينهما فرق. ولو أن رجلًا تنخّعَ من جوفه، ثم ازدرده فقد أفطر؛ لأنه شيء قد بان منه، وكان بمنزلة مَن أكل شيئًا. ولا ينبغي أن يتنخّم ويقلع من جوفه بلغمًا أو غيره، إلا أن يغلبه أمر فيقذفه ولا يزدرده، فقد نصَّ في استخراج النّخامة من الصدر عمدًا على روايتين. قال القاضي: وتحقيق المذهب في قدر القيء الذي يحصل به الفطر مبنيٌّ على قدر ما يحصل به نقض الطُّهر، وفيه ثلاث روايات: إحداها: ما كان ملء الفم. والثانية: ما كان نصفه. والثالثة: قليله وكثيره سواء في الفساد. والرواية الأولى، قال في رواية (١) حنبل: إذا استقاء عمدًا أفطر. قيل له: ما القَلْس؟ قال: إذا كان فاحشًا، قيل له: ما الفاحش؟ قال: ما كان كثيرًا في الفم (٢). ونَصَر القاضي إذا كان فاحشًا على ظاهر رواية حنبل، وتعليله يقتضي أن

стр. 1822

يخرج إلى فمه مقدارٌ (١) لا يمكنه أن يمسكه حتى يمجّه، بخلاف ما دونه. والإفطار بملء الفم اختيار الشريف. الفصل الرابع (٢) إذا استمنى أو فعل فعلًا فأنزل به، مثل أن يباشر بقُبلةٍ أو لمسٍ أو نظرٍ مكرّر (٣)، فيُمني أو يُمذي. وقد تقدم ذلك، لحديث (٤) عمر لَمَّا قبَّل وهو صائم. فصل ويكره للصائم أن يباشر أو يُقَبِّل أو ينظرَ لشهوةٍ في إحدى الروايتين. قال في رواية حنبل وقد سُئل عن القُبلة للصائم؟ فقال: لا يُقبِّل. وينبغي له أن يحفظ صومَه، والشابُّ ينبغي له أن يجتنب ذلك لما يخاف من نقض صومه. وفي الأخرى: لا يُكره لمن لا تحرّك القُبلةُ شهوتَه. وأما المباشرة باليد، فقال في رواية ابن منصور (٥) وقد سُئل عن الصائم يُقبِّل أو يباشر؟ قال: أما المباشرة شديدة، والقُبلةُ أهون.

стр. 1823

الفصل الخامس (١) إذا احتجم فإنه يفطر. نصّ عليه في رواية الجماعة، وهو قول أصحابه. قال في رواية ابن إبراهيم (٢) في الرجل يحتجم على ساقه أو على يده أو على شيء منه: فقد أفطر. وقال في رواية المرُّوذي فيمن نذَرَ صيامَ عشرة أيام فاحتجم فيها: عليه القضاء والكفّارة، وإن احتجم [ق ٦٦] في رمضان فعليه القضاء. وقال في رواية ابن عَبْدَك (٣) فيمن احتجم في شهر رمضان: فإن كان قد بلغه الخبرُ فعليه القضاء والكفّارة، وإن لم يبلغه الخبرُ فعليه القضاء. فقد نصّ في رواية المرُّوذي: أنه لا كفّارة فيها، وإنما عليه كفّارة ترك النذر، وهذا هو المذهب. وقال في الرواية الأخرى: عليه الكفّارة مع العلم. قال ابن عقيل: لم يقدّرها، والأشبه أنها كفّارة الوطء. قال: ويحتمل أن يجب فدية المرضع والحامل. وأما الذي يحجم غيرَه، فقال أكثر أصحابُنا: يفطر أيضًا. قال أحمد في رواية حنبل: الحجامة تفطّر.

стр. 1824

وقال في رواية ابن إبراهيم (١): حديث النبيّ ﷺ : «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم»، يقولون: إنهما كانا يغتابان، فالغيبةُ أشدّ للصائم تفطره، الغيبة أجدر أن تفطّر الغيبةُ، ومَن يَسْلَم من الغيبة؟ وقال أيضًا في رواية عبد الله (٢): مِن أصحّ حديثٍ يُروى عن النبي ﷺ : «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ»: حديث شدّاد بن أوس وثوبان؛ لأن شيبان جمع الحديثين جميعًا. فظاهر هذا أنه أخذ به، ولم يذكر الخِرَقي الحَجْمَ في المفطّرات ... (٣) والأصل في ذلك ما روى أبو قِلابة، عن أبي الأشعث، عن شدّاد بن أوس: أنه مرَّ زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم» (٤) (٥).

стр. 1825

وعن أبي قِلابة ومكحول، عن أبي أسماء، عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ أتى على رجلٍ يحتجم في رمضان، فقال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم» رواهما الخمسة إلا الترمذي (١). وعن رافع بن خَديج قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطرَ الحاجِمَ والمحجومُ» رواه أحمد والترمذي (٢)، وقال: حديث حسن. قال الترمذي (٣): ذُكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصحّ شيء في هذا الباب حديث رافع بن خَديج، وذُكر عن عليِّ بن عبد الله أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشدّاد بن أوس. قال الترمذي (٤): وسألتُ محمد بن إسماعيل؟ فقال: ليس في هذا
следующие страницы →