← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وإن استقاء حتى يخرج الطعام فعليه القضاء. وقال في رواية حنبل: إذا تنخَّم الصائمُ، ثم ازدرده، فقد أفطر. فإن بلَعَ ريقَه لم يفطر؛ لأن النخامةَ تنزل من الرأس، والريقَ من الفم، فبينهما فرق. ولو أن رجلًا تنخّعَ من جوفه، ثم ازدرده فقد أفطر؛ لأنه شيء قد بان منه، وكان بمنزلة مَن أكل شيئًا. ولا ينبغي أن يتنخّم ويقلع من جوفه بلغمًا أو غيره، إلا أن يغلبه أمر فيقذفه ولا يزدرده، فقد نصَّ في استخراج النّخامة من الصدر عمدًا على روايتين. قال القاضي: وتحقيق المذهب في قدر القيء الذي يحصل به الفطر مبنيٌّ على قدر ما يحصل به نقض الطُّهر، وفيه ثلاث روايات: إحداها: ما كان ملء الفم. والثانية: ما كان نصفه. والثالثة: قليله وكثيره سواء في الفساد. والرواية الأولى، قال في رواية (١) حنبل: إذا استقاء عمدًا أفطر. قيل له: ما القَلْس؟ قال: إذا كان فاحشًا، قيل له: ما الفاحش؟ قال: ما كان كثيرًا في الفم (٢). ونَصَر القاضي إذا كان فاحشًا على ظاهر رواية حنبل، وتعليله يقتضي أن

стр. 1822

يخرج إلى فمه مقدارٌ (١) لا يمكنه أن يمسكه حتى يمجّه، بخلاف ما دونه. والإفطار بملء الفم اختيار الشريف. الفصل الرابع (٢) إذا استمنى أو فعل فعلًا فأنزل به، مثل أن يباشر بقُبلةٍ أو لمسٍ أو نظرٍ مكرّر (٣)، فيُمني أو يُمذي. وقد تقدم ذلك، لحديث (٤) عمر لَمَّا قبَّل وهو صائم. فصل ويكره للصائم أن يباشر أو يُقَبِّل أو ينظرَ لشهوةٍ في إحدى الروايتين. قال في رواية حنبل وقد سُئل عن القُبلة للصائم؟ فقال: لا يُقبِّل. وينبغي له أن يحفظ صومَه، والشابُّ ينبغي له أن يجتنب ذلك لما يخاف من نقض صومه. وفي الأخرى: لا يُكره لمن لا تحرّك القُبلةُ شهوتَه. وأما المباشرة باليد، فقال في رواية ابن منصور (٥) وقد سُئل عن الصائم يُقبِّل أو يباشر؟ قال: أما المباشرة شديدة، والقُبلةُ أهون.

стр. 1823

الفصل الخامس (١) إذا احتجم فإنه يفطر. نصّ عليه في رواية الجماعة، وهو قول أصحابه. قال في رواية ابن إبراهيم (٢) في الرجل يحتجم على ساقه أو على يده أو على شيء منه: فقد أفطر. وقال في رواية المرُّوذي فيمن نذَرَ صيامَ عشرة أيام فاحتجم فيها: عليه القضاء والكفّارة، وإن احتجم [ق ٦٦] في رمضان فعليه القضاء. وقال في رواية ابن عَبْدَك (٣) فيمن احتجم في شهر رمضان: فإن كان قد بلغه الخبرُ فعليه القضاء والكفّارة، وإن لم يبلغه الخبرُ فعليه القضاء. فقد نصّ في رواية المرُّوذي: أنه لا كفّارة فيها، وإنما عليه كفّارة ترك النذر، وهذا هو المذهب. وقال في الرواية الأخرى: عليه الكفّارة مع العلم. قال ابن عقيل: لم يقدّرها، والأشبه أنها كفّارة الوطء. قال: ويحتمل أن يجب فدية المرضع والحامل. وأما الذي يحجم غيرَه، فقال أكثر أصحابُنا: يفطر أيضًا. قال أحمد في رواية حنبل: الحجامة تفطّر.

стр. 1824

وقال في رواية ابن إبراهيم (١): حديث النبيّ ﷺ : «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم»، يقولون: إنهما كانا يغتابان، فالغيبةُ أشدّ للصائم تفطره، الغيبة أجدر أن تفطّر الغيبةُ، ومَن يَسْلَم من الغيبة؟ وقال أيضًا في رواية عبد الله (٢): مِن أصحّ حديثٍ يُروى عن النبي ﷺ : «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ»: حديث شدّاد بن أوس وثوبان؛ لأن شيبان جمع الحديثين جميعًا. فظاهر هذا أنه أخذ به، ولم يذكر الخِرَقي الحَجْمَ في المفطّرات ... (٣) والأصل في ذلك ما روى أبو قِلابة، عن أبي الأشعث، عن شدّاد بن أوس: أنه مرَّ زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم» (٤) (٥).

стр. 1825

وعن أبي قِلابة ومكحول، عن أبي أسماء، عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ أتى على رجلٍ يحتجم في رمضان، فقال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم» رواهما الخمسة إلا الترمذي (١). وعن رافع بن خَديج قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطرَ الحاجِمَ والمحجومُ» رواه أحمد والترمذي (٢)، وقال: حديث حسن. قال الترمذي (٣): ذُكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصحّ شيء في هذا الباب حديث رافع بن خَديج، وذُكر عن عليِّ بن عبد الله أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشدّاد بن أوس. قال الترمذي (٤): وسألتُ محمد بن إسماعيل؟ فقال: ليس في هذا

стр. 1826

الباب شيء أصحُّ من حديث شدَّاد بن أوس (١) وثوبان. فقلت له: وكيف (٢) وما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن [أبي كثير] (٣) روى عن أبي قِلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان. وعن أبي أسماء، عن شدّاد بن أوس الحديثين جميعًا. وذكر عبّاس بن عبد العظيم قال: سمعت عليَّ بن عبد الله، وسئل عن أصحّ حديث في الحجامة للصائم؟ فقال: أصحها حديث رافع بن خَديج. وقال أحمد في رواية عبد الله (٤): مِن أصحّ حديثٍ يُروى عن النبي ﷺ : «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ»: حديث شدّاد بن أوس وثوبان؛ لأن شيبان (٥) جمع الحديثين جميعًا. اهـ. وقال الأثرم: ذكرتُ لأبي عبد الله حديثَ ثوبان وشدّاد بن أوس، صحيحان هما عندك؟ قال: نعم. وقال ابن إبراهيم (٦): قيل لأبي عبد الله: أيّ حديث أقوى عندك في الحجامة؟ قال: حديث ثوبان.

стр. 1827

وقال في رواية الميموني: حديث رافع بن خديج إسناده (١) جيّد، إلا أني لا أعلم أحدًا (٢) رواه غير عبد الرزاق. وعن الحسن، عن مَعقِل بن سنان الأشجعي أنه قال: مرَّ عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلَتْ من رمضان، فقال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» رواه أحمد (٣). وعن عائشة وبلال: أنّ النبيّ ﷺ قال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» رواهما أحمد والنسائي (٤). وعن أبي هريرة مثله. رواه أحمد والنسائيّ وابن ماجه (٥).

стр. 1828

وعن أسامة أن النبي ﷺ قال: «أفطَر الحاجُم والمستحْجِمُ» رواه أحمد والنسائي (١). وقد روى أحمد في «مسائل عبد الله» (٢) هذا الحديث عن النبي ﷺ من رواية بضعة عشر من الصحابة ﵃، منهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو زيد الأنصاري، وأبو موسى، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وصفية. قال حرب: سمعت إسحاقَ يقول: قد (٣) مضَتْ السنةُ مِن رسول الله ﷺ أنّ مَن احتجمَ في شهر رمضان، فقد أفطر الحاجم والمحجوم. وصحّ ذلك عن رسول الله ﷺ بأخبار متصلة ... (٤)

стр. 1829

فإن قيل: يجوز أن يكون قوله: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» ذكَرَه على وجه التعريف لهما بذلك، ويكونان قد أفطرا بسببٍ غير الحجامة. فقد قيل: إنهما كانا يغتابان، فقال: أفطرا لذلك السبب، لا لأن الحجامة تفطِّر. يدلُّ عليه ما رواه محمد بن حمدون بن خالد، ثنا (١) الحسن بن الفضل البوصَرَائي (٢)، ثنا غياث بن كلوب، ثنا مطرّف بن سَمُرة، عن أبيه، قال: مرَّ رسول الله ﷺ على رجل بين يدي حجّام ــ وذاك في رمضان وهما يغتابان رجلًا ــ فقال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» (٣). رواه القُشَيري، عن عبدوس، عنه، وقال: هو صريح (٤) في أن الحجامة لا تفطّر، والغيبة أيضًا. والخبر محمول على الاستحباب أو هو منسوخ. ويجوز أن يكون قوله: «أفطرا» أي: قارَبا الفطرَ؛ فإنه يُخْشَى على المحتجم أن يضعُف فيفطر كما يفطر المريض، وعلى الحاجم أن يمتصّ من الدم شيئًا فيفطر به، فتكون الحجامة مكروهة لا مفطِّرة. وقد رُوي عن

стр. 1830

السلف ما يدلّ على ذلك. فرُويَ عن (١) عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ : أن النبيّ ﷺ نهى عن الحجامة للصائم والمواصلة، ولم يحرّمهما إبقاءً (٢) على أصحابه، فقيل (٣) له: يا رسول الله، إنك تواصل إلى السّحَر. فقال: «إني أواصِلُ إلى السّحَر وربّي يُطعِمُني ويَسْقِيني» رواه أحمد وأبو داود (٤). وعن ثابت البُناني: أنه قال لأنس بن (٥) مالك: ألستم تكرهون [ق ٦٧] الحجامة للصائم على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، إلّا مِن أجل الضعف. رواه البخاري وأبو داود (٦)، ولفظه: «ما ندع الحجامةَ للصائم إلا كراهةَ الجَهد». وعن حُميد قال: سُئل أنس عن الحجامة للصائم؟ قال: «ما كنتُ أرى أنه يُكره إلا أن يجهَدَه. رواه أحمد في «مسائل عبد الله» (٧). ورواه سعيد

стр. 1831

ولفظه: ما كنا نكره منه إلا جَهده. وقال إبراهيم: «كانوا يكرهون الحجامة للصائم مخافةَ الضعف». رواه سعيد (١). ثم هذا الحديث منسوخ بما روى عكرمةُ، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم». رواه أحمد والبخاري (٢). ورواه (٣) أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه (٤)، ولفظهم: «احتجم وهو محرم صائم». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهذا الحديث قد رواه جماعة كثيرة عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا (٥). ورواه النسائي (٦) أيضًا، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ

стр. 1832

احتجم (١) بِلَحْي جَمَل (٢) وهو صائم محرم. قالوا: وهذا الحديث كان في حجّة الوداع، والحديث الأول كان في عام الفتح؛ فاحتجامه بعد النهي. ويدلُّ على ذلك ما رُوي عن أنس بن مالك قال: أول ما كُرِهَت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم (٣)، فمرَّ به رسولُ الله ﷺ ، فقال: «أفطر هذان» ثم رخَّص النبي ﷺ بعدُ (٤) في الحجامة للصائم. رواه الدارقطني (٥) وقال: كلهم ثقات ولا أعلم له علة. وعن رجل، عن أنس قال: «احتجم النبيُّ ﷺ في رمضان بعدما قال:

стр. 1833

«أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ»» (١). وقد رُوي عن ابن مسعود أنه كان (٢) لا يرى بأسًا بالحجامة (٣) للصائم (٤). وعن أبي سعيد مثله (٥). وعن الحُسين (٦) بن عليّ: أنه احتجم في رمضان (٧). وعن أم سلمة: أنها احتجمت وهي صائمة (٨). رواهنّ سعيد. قال البخاري (٩): ويُذكر عن سعد، وزيد بن أرقم، وأم سلمة: احتجموا

стр. 1834

صيامًا (١). قال: وقال بُكَير (٢): [عن أمّ علقمة]: «كنا نحتجم عند عائشة فلا تنهانا» (٣). وعن أبي سعيد، قال: «رخَّص النبيُّ ﷺ في القُبلة للصائم والحجامة» رواه النسائي والدارقطني (٤) وقال: كلهم ثقات. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لا يفطّرن الصائم: الحجامةُ، والقيءُ، والاحتلامُ». رواه الترمذي (٥) من حديث عبد الرحمن بن

стр. 1835

زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، وقال: «هو غير محفوظ، وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغيرُ واحدٍ هذا الحديث عن زيد بن أسلم مرسلًا، ولم يذكروا: عن أبي سعيد». ورواه الدارقطني (١) من حديث هشام بن سعد، عن زيد مثله. ورواه أبو داود (٢) من حديث سفيان، عن [زيد بن أسلم، عن] بعض أصحابه، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : «لا يُفْطِر من قاءَ، ولا مَن احتلم، ولا مَن احتجم». ورواه عبد الرزاق (٣)، عن أبي بكر بن عبد الله، عن زيد بن (٤) عطاء، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: وذكره معمر عن النبي ﷺ . وعن أيمن بن نابل، أنه سأل القاسمَ بن محمد: أيحتجمُ الصائمُ؟ قال: «احتجم النبيّ ﷺ وهو صائم» رواه عبد الرزاق (٥). واحتجاجه به يدلّ على أنه لم يفطر. وأيضًا فإن الأصل في الفطر أن يكون بما (٦) دخل إلى الجوف دون

стр. 1836

ما خرج منه، وإنما خرج عن هذا دمُ الحيض، وهو يخرج بغير اختيار الإنسان، ولأنه استخراج دمٍ من البدن، فلم يفطر؛ كالفِصاد وبطّ الدماميل والجرح. قلنا (١): أما كونهما أفطرا بغير الحجامة، فلا يصح لوجوه: أحدها: أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» فعلّق الحكمَ باسم مشتقٍّ من معنى، فيجب أن يتعلق بذلك المعنى، فلو علَّقناه بغيره كان خلاف ظاهر اللفظ، وذلك لا يجوز، إلا أن يعلم أن هناك سببًا آخر، وإلا (٢) فلو فُتِح هذا الباب لم يبق حكمٌ معلّق باسم من الأسماء إلا ويجوز أن يدّعَي مدّعٍ أن الحكمَ له سببٌ غير معنى (٣) الاسم. الثاني: أن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» لفظ عام لم يخصصه بمحجوم بعينه، فإنه قد رواه عنه جماعة من أصحابه روايةً مطلقة عامة، وبلَّغوه إلى (٤) من بعدَهم تبليغ مَن يعلِّمهم سنةَ النبي ﷺ ، ولو كان ذلك لسبب يختص بذلك المحتجم، لم يكن في رواية هذا الحديث فائدة أصلًا، لاسيما إذا لم يذكر السبب الذي به أفطر. الثالث: أنه قد تقدم أن النبيَّ ﷺ نهى عن الحجامة للصائم.

стр. 1837

وروى أحمد أن النبي ﷺ نهى عن الحجامة للصائم (١)، وقال لعلي: «لا تحتجم وأنت صائم» (٢). وهذا صريح بالنهي عن نفس الحجامة. الرابع: أن الصحابة الذين رووا هذا الحديث والذين لم يرووه، فهموا منه أنه (٣) نَهْي عن الحجامة. فروى أحمد في «مسائل عبد الله» (٤) بإسناده عن عليّ أنه قال: «لا تدخل الحمام وأنت صائم، ولا تحتجم وأنت صائم». وفي لفظ عن علي: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٥). وعن عطاء قال: قال أبو هريرة: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٦). وفي رواية عن أبي هريرة أنه قال: «[يقال:] (٧) أفطر الحاجم

стр. 1838

والمحجوم، ولو احتجمتُ لم أبال» (١). وعن عائشة وصفية أنهما قالتا: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٢). وعن أبي العالية قال: دخلتُ على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة مُمْسِيًا، فوجدته يأكل تمرًا وكامَخًا، فقال: «احتجمتُ» فقلت: ألا احتجمتَ نهارًا؟ فقال: «أتأمرني أن أُهْرِيق دمي وأنا صائم» (٣). وعن ابن عمر أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٤). وعن سالم: أن ابن عمر كان يحتجم وهو صائم، ثم تركه بعدُ، وكان إذا غابت الشمسُ احتجمَ (٥). وعن نافع: أن [ق ٦٨] ابن عمر كان يحتجم وهو صائم. قال: فبلغه

стр. 1839

حديثٌ أو شيء، فكان إذا كان صائمًا احتجم بالليل (١). وروى أحمد (٢) عن (٣) الحسن، عن عِدّة من أصحاب النبي ﷺ : «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ». وعن عبد الله بن أيوب المُخَرّمي (٤)، قال: سمعت رَوْحًا يقول لأبي عبد الله: «أدركتُ الناسَ بالبصرة منذ خمسين سنة، إذا دخل شهر رمضان أغلق الحجَّامون دكاكينَهم» ذكره عنه المرُّوذي. قال البخاري (٥): وكان ابن عمر يحتجم وهو صائم ثم تركه، فكان يحتجم بالليل، واحتجم أبو موسى ليلًا. الخامس: أن السببَ الذي زعموا أنهما أفطرا به الغيبة، قال أحمد (٦):

стр. 1840

يقولون: إنهما كانا يغتابان، والغيبة أشد للصائم، ففطره (١) أجدر أن تفطره الغيبة، ومن يَسلَم من الغيبة؟ وقال أيضًا: لو كان للغيبة ما كان لنا صوم. وأما حمله على مقاربة (٢) الفطر، وأن ذلك يفيد الكراهة، فلا يصح أيضًا، لوجوه: أحدها: أن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» نصٌّ في حصول الفطر لهما فلا (٣) يجوز أن يعتقد بقاء صومهما، والنبيُّ ﷺ يخبر عنهما بالفطر، لاسيما وقد أطلق هذا القول إطلاقًا، من غير أن يقرنه (٤) بقرينة تدلُّ على أن ظاهره ليس بمراد؛ فلو جاز أن يُراد به مقاربة (٥) الفطر دون حقيقته، لكان ذلك تلبيسًا لا بيانًا للحكم. الثاني: أن ابن بَطّة روى بإسناده عن عمر بن الخطاب قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في ثمان عشرة (٦) ليلة خلت من شهر رمضان، فإذا برجل يحتجم. قال (٧): فلما رآه رسول الله ﷺ (٨) قال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ».

стр. 1841

قال (١): فقلت: يا رسول الله، أفلا آخذُ بعُنقه حتى أكسره؟ قال: «ذَرْه، فما لَزِمَه مِن (٢) الكفّارة أعظم مما تريد به» قال (٣): قلت: وما كفّارة ذلك يا رسول الله؟ قال: «يومًا مثله». قلت (٤): إذًا لا يجده. قال: «إذًا لا أبالي» (٥). الثالث: أن النبي ﷺ رخَّص في مقدّمات الفطر، ولم يجعلها بمنزلته، ولهذا لما سأله عمر ﵁ عن القُبلة للصائم؟ قال: «أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء وأنتَ صائم؟» قلت: لا بأس بذلك. فقال رسول الله ﷺ : «ففِيمَ؟» (٦). فإذا كانت القُبلة تدعو إلى الإنزال، والمضمضةُ تدعو إلى الابتلاع، ولم يسمِّ النبي ﷺ فاعلها مفطرًا بذلك، فلأن (٧) لا يُسمّى المحتجم مفطرًا خشية أن يضعف فيحتاج إلى الفطر أولى. وأما اعتقاد مَن اعتقد أن كراهة الحجامة إنما هي لأجل الضعف، فهذا لا يمنع كونها مفطِّرة، فإن هذا تعليل كونها مفطّرة.

стр. 1842

وأما قول مَن قال: «ولم يحرِّمها»، فهو قد اعتقد ذلك، وقد أخبر عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذلك، والنهي يقتضي التحريم، ولم يُعلَم الصحابي الذي اعتقد ذلك، وقد خالفه جمهور الصحابة. ومَن رُويَ عنه مِن الصحابة الرخصةُ في ذلك، فأكثرهم قد رُوي عنه بخلافه، وهذا يدلّ على أنهم لم يكونوا سمعوا النهي في ذلك (١)، ثم سمعوه كما جاء مفسّرًا في حديث ابن عمر. ويوضّح ذلك أن مَن قال منهم: لا يفطّر، فقد بنى قولَه على ظاهر القياس، بخلاف مَن قال: إنها تفطّر؛ فإنه لا يقول ذلك إلا لعِلْمٍ اطلع عليه وخفي على غيره. وكلّ ما اختلف فيه الصحابةُ مما يشبه هذا، مثل: اختلافهم في انتقاض الوضوء بمسّ الذّكَر ونحوه، فإنَّ المُثبِت منهم يجب أن يكون معه عِلْمٌ خفيَ على النافي (٢)؛ لأن هذا ابتداء شريعة لا يجوز أن يثبت بالقياس، بخلاف النفي فإنه يكفي فيه البراءة الأصلية. وأما حديث ابن عباس فقد قال أحمد في رواية مهنّا: حديث ابن عباس «أنه احتجم صائمًا» خطأ من قِبل قَبيصة، رواه عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس (٣).

стр. 1843

وقال في رواية صالح (١): عَمرو، عن طاوس وعطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم (٢). ومعمر، عن ابن خُثيم (٣)، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم (٤). هؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون صيامًا (٥). وقال في رواية حنبل: الذي في الحديث أنه (٦) بلغني عن يحيى ومعاذ أنهما أنكراه عليه. يعني: على الأنصاري. وقال في رواية الأثرم: هو ضعيف؛ لأن الأنصاريَّ ذهبت كتبُه، وكان يحدّث من كتب غُلامه أبي حكيم (٧).

стр. 1844

وأما ادّعاء النّسْخ، فلا يصح لوجوه: أحدها: أن الذي في الحديث أنّ النبيّ ﷺ احتجمَ وهو محرم صائم، ولم يبيّن أن هذا الإحرام كان في حجة الوداع؛ فيجوز أن يكون كان في إحرامه بعمرة الحديبيّة أو إحرامه بعمرة القضيّة، وكلاهما قبل الفتح، فيكون احتجامُه وهو صائم منسوخًا بقوله بعد ذلك: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ». والذي (١) يؤيد هذا القول وجوه: أحدها: ما روى أحمد، عن الحَجّاج، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس أنه قال: «إن رسول الله ﷺ احتجم صائمًا محرمًا، فغُشِي عليه، فلذلك (٢) كَرِه الحجامةَ للصائم». رواه أحمد (٣). وفي لفظ عن ابن عباس أنه قال: «احتجم رسولُ (٤) الله ﷺ بالقاحَة وهو محرم صائم، فوَجَد لذلك ضعفًا شديدًا، فنهى رسولُ الله ﷺ أن يحتجم الصائمُ». رواه الجوزجاني (٥).

стр. 1845

و (١) عن الحكم قال: «احتجم رسولُ الله ﷺ وهو صائم فضَعُف، [ق ٦٩] ثم كُرِهت الحجامةُ (٢) للصائم (٣). وعن الشعبيّ: أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم، وتزوّج الهلاليّة وهو محرم. رواه سعيد (٤). وكان تزوّج ميمونة بنت الحارث الهلالية في عُمرة القضاء، فعُلِمَ أن احتجامه كان في عمرة القضاء، وذلك قبل الفتح، وقبل قوله: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ». فهذا يبين أن الكراهة كانت بعد احتجامه مُحْرِمًا، ويؤيد ذلك ما روى الجُوزجاني: أن ابن عباس كان يُعدّ الحجّام والمحاجم، فإذا غابت الشمس احتجم بالليل (٥). ولولا علمه بأن احتجام الصائم غير جائز لَمَا فعل ذلك.

стр. 1846

الثاني: لو كان هو المتقدِّم للزم تغيير الحكم مرتين؛ لأن الحجامة كانت غير محظورة، ثم نَهَى عنها، فإذا أَذِن فيها بعد ذلك، فقد غيّر الحكمَ مرتين (١)، بخلاف ما إذا كان الإذن قبل النهي. الثالث: أن الصحابة ﵃ علموا أن النهيَ آخرُ الأمرين، كما تقدّم عن ابن عمر وغيره، ولهذا رجعوا عن القول بالاحتجام إلى تركه، وأبو موسى وابن عباس كانا يكرهان الحجامة للصائم، وهما ممن رويا حجامة النبي ﷺ وهو محرم، بل عليهما مدار الحديث (٢). الوجه الثاني: أن هذا الحديث لا يخالف قولَه: «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم»؛ لأن فيه أن النبيَّ ﷺ احتجم وهو محرم، وفي لفظ للبخاري (٣): «مِن وجعٍ به» والنبيُّ ﷺ لم يكن محرمًا في رمضان قط؛ لأن إحرامه بعُمَرِه الثلاثة وبحِجّة الوداع في ذي القعدة، فيكون هذا الصوم (٤) تطوُّعًا. ثم كان مريضًا، والمريض يجوز له الفطر، ثم كان مسافرًا، لأنه لم يكن محرمًا مقيمًا قط. فإذا كان الفطر جائزًا له من (٥) هذه الوجوه الثلاثة، فيكون قد احتجم وإن أفطر بالحجامة، فإنه ليس في الحديث لا عن النبيِّ ﷺ ولا عن أصحابه

стр. 1847

أنه بقي على صومه، بل قد (١) أفطر في رمضان لمَّا أصابَ أصحابَه الجَهْد، فَلَأن يفطر في مرضٍ أصابه بطريق الأولى، لما روي: أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر (٢). وقد قيل: يجوز أن يكون ركَّب المحاجمَ نهارًا واحتجمَ ليلًا؛ كما (٣) روى أبو بكر (٤)، عن جابر (٥): «أنّ النبيّ ﷺ بعث إلى أبي طَيبة أن يأتيه ليحجمه عند فطر الصائم، وأمره أن [يضع المحاجم مع إفطار الصائم، فحجمه]» (٦).

стр. 1848

وأما حديث أبي سعيد، فقال ابن خزيمة (١): «قوله: «والحجامة للصائم» إنما هو من قول أبي سعيد لا عن النبي ﷺ ، أُدْرِج في الخبر». وقال عن الآخر (٢): «الصحيح في هذا الخبر أنه منقطع غير متصل، والذي وصَلَه عبدُ الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن ليس ممن يحتجُّ أهلُ الحديث بحديثه؛ لسوء حفظه للأسانيد، لأنه رجل صَنْعته (٣) العبادة والتقشّف والموعظة، وليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الإسناد». وقال (٤) أبو بكر: سمعت محمد بن يحيى يقول: هذا الحديث غير محفوظ عن أبي سعيد، ولا عن عطاء بن يسار، والمحفوظ عندنا حديث سفيان ومعمر. يعني: أنهما روياه عن زيد بن أسلم، [عن صاحبٍ له] (٥)، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . ثم إن صحّ هذا (٦) الحديثُ فهو منسوخ بحديث: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ»، ويدلّ على ذلك أن فيه القيء والاحتلام، ومعلوم أنه لو استقاء أو استمنى أفطر؛ فكذلك إذا احتجم، أو أنه محمول على ما إذا احتجم ساهيًا

стр. 1849

أو حُجم (١) بغير اختياره، فإنه قَرَنه بالقيء والاحتلام، وهما يخرجان من المرء بغير اختياره (٢)، فكذلك ما ذُكِر معهما ينبغي أن يكون كذلك. وأما حديث أنس (٣) أن الرخصةَ بعد النهي، فضعيف؛ فإنّ في الذي جوَّده الدارقطنيُّ خالدَ بن مخلد، قال أحمد: له أحاديث مناكير، ولعل هذا مِن أنْكَرِها؛ لأن (٤) أنسًا ذكر أنهم كانوا يكرهون ذلك لأجل الجَهد كما رواه البخاري (٥)، وهذه الكراهة باقية. ولأن أحمد روى بإسناده (٦) عن هشام، عن (٧) محمد، قال: «كان أنس إذا شقّ عليه الدمُ في الصوم، أرسل إلى الحجّام عند غروب الشمس، فوضع المحاجم، فإذا غربت شرَط». ولو كان عنده إذْنٌ من النبي ﷺ في الحجامة (٨) لم يفعل مثل هذا. ومخالفةُ البصريين له مع أنهم أصحاب أنس (٩).

стр. 1850

وأن الكراهة بعد موت جعفر ... (١). ثم مِن أصحابنا مَن سلك فيها مسلكَ التعبُّد الصّرْف، ورأى خروجَها عن مسالك القياس، وجعَلَها موضعَ استحسان، فقدّم (٢) فيه النصَّ على القياس. هذه طريقة ابن عقيل. ومنهم مَن سلك فيها ضربًا من التعليل؛ فقال القاضي: استدعاء شيء من بدنه نُهي عنه نهيًا يختصّ الصومَ (٣) فأفسدَ الصومَ، كاستدعاء القيء. وهو أن الاحتجام (٤) استخراجُ ما به قِوام البدن، فجاز أن يُفْطِر به كاستخراج القيء والمنيّ والمذي ودم الحيض. وهذا لأن الصائم لما مُنع من الأكل والشرب ليحصّل حكمةَ الصوم التي هي التقوى، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وللنفس على الإنسان حقّ لا بُدّ من رعايته= راعَى الشرعُ جانبَ حقّ النفس وحفظ القوة، حسمًا لمادة الغلوّ في الدين والمروق منه، وتحصيلًا لمصلحة الاغتذاء التي لا بُدّ منها أيضًا؛ فنهى ﷺ عن الوصال (٥)، وأمر بتعجيل الفطر (٦)، وتأخير السّحور،

стр. 1851

وجعل أفضل الصيام صيام يوم وفطر يوم (١)، وقال: «لكنِّي أصومُ وأفطر وأقومُ وأنام، فمن رغبَ عن سنّتي فليسَ مِنّي» (٢)، وقال: «مَن صام الدهرَ فلا صام ولا أفطر» (٣). ومنع جماعةً من أصحابه من تكثير الصيام، منهم: عبد الله بن عمرو (٤)، والنَّمِر بن تَوْلَب (٥)، والباهلي (٦). وعابَ على مَن قال: أمّا أنا فأصومُ لا أفطر (٧). كلُّ ذلك تعديلًا وأخذًا بخيار الأمور التي هي [ق ٧٠] أوساطها. فإذا كان هذا مصلحة جليلة قد شهد لها (٨) الشرعُ بالاعتبار، وكان

стр. 1852

الصائم إذا خرج منه القيء (١) خلا من الغذاء الذي هو مادّته، فإذا اسْتُخْرِج منه الدمُ الذي به قِوام بدنه، وإليه استحال الغذاء، ضَعُف بذلك، وإذا خرج منه المنيّ الذي هو صفاوة الدم ضعُف أيضًا، وكذلك إذا خرج دمُ الحيض= منعه الشارع من استخراج هذه الأشياء كما (٢) منعه من استدخال ما يكون خَلَفًا منها وبدلًا عنها، وصار المقصود الأصلي من الصوم هو الكفّ عن الإدخال، والكفّ عن الإخراج تابِعٌ له ومطلوب في ضمنه. فأما ما غُلِب عنه المرء من هذه الأشياء، مثل أن يذْرَعَه القيءُ، أو يَرعُف، أو يُجرح جرحًا بغير اختياره، أو يحتلم، ونحو ذلك= لم يفطر به؛ لأنه بمنزلة ما يدخل جوفَه من الغبار والدقيق ونحو ذلك، ولأن امتناعه من هذه الأشياء لا يدخل تحت قدرته. وأما دم الحيض: فلما كان له أوقات معلومة يمكن الاحتراز عن الصوم فيها لا تتكرّر دائمًا، صار الامتناعُ مِن الصوم معه مِن (٣) جملة ما يقدر عليه الإنسان. ولهذا إذا صار دمَ استحاضة، وهو الخارج عن الأمر المعتاد لم يمنع صحةَ الصوم. وخرج عن (٤) هذا استخراج البول والغائط ونحوهما من وجهين:

стр. 1853

أحدهما: أن ذلك فَضْلة محضة، فليس هو من قيام (١) البدن الذي يُخاف أن يورث ضعفًا. الثاني (٢): أن خروجه أمرٌ طبيعيّ لا يمكن الاحتراز منه، وما كان من هذا الباب لا يُفطّر، كذَرْع القيء والاحتلام وأولى. وهذا معنًى حسن، وقد نبَّه عليه بعضُ الآثار المتقدِّمة، لكن لا يتمّ هذا إلا بذكر فرع المسألة. فصل (٣) ويفطِر بالحجامة في جميع البدن . نصّ عليه. مثل أن يحتجم في يده أو ساقه أو عَضِده أو رأسه أو قفاه. وإن شرَط بالمِشْرط ولم يخرج دمٌ (٤) أفطر على ما ذكره ابن عقيل، فإنه قال: الحجامة نفس الشّرْط، يتعلق الإفطار على الاسم، فعلى هذا الإفطارُ (٥) يسبقُ الدمَ. وإن ركّبَ المحاجمَ ... (٦)، كما لو بلَّ المحرمُ رأسَه قبل التحلُّل ثم

стр. 1854

حلَقَه (١) بعده. وعلى ما ذكره القاضي: لا يفطِّر. وهو أصح؛ لأن الحجامة هي الامتصاص أيضًا. يقال: «ما حجَمَ الصبيُّ ثديَ أمّه»، أي: ما مصّه. والحِجَام: ما يُجعل في خَطْم البعير لئلا يعَضّ، يقال: حجمتُ البعيرَ (٢) أحجمه: إذا جعلت على فِيهِ حِجامًا. فالقارورة تحجم الدمَ عن أن يسيل (٣). وأيضًا فإن الشرط أخص ... (٤) فإن شرَطَ وأخرج الدمَ من غير مِحْجمة يُمتصّ بها، مثل الشّرْط في الأذن؛ فقياس المذهب الفِطْر بها؛ لأن وضع المِحْجمة على العضو لا أثر له في الفطر (٥). ولهذا يجوز أن توضع المحاجمُ على العضو ويُليَّن قبل غروب الشمس، ثم يقع الشرط بعد غروبها. قال أصحابنا: لأن التليين وتركيب المحاجم مقدّمات. وأما الفِصاد (٦)، وجرح العضو باختياره، وبطّ الدمامل ونحو ذلك، فقال أكثر أصحابنا منهم القاضي وابن عقيل: لا يفطر؛ لأنه لا نصّ فيه، ولا يمكن إثبات الحكم فيه قياسًا، لجواز أن يكون في الحجامة معنى يختصّه،

стр. 1855

ولأن الدمَ منه ما يخرجُ بنفسه، وهو دمُ الحيض والاستحاضة والنِّفاس، ومنه ما يخرج بالإخراج. ثم الأول يفطّر بعضُه دون بعض، فيجوز أن يكون الثاني كذلك، وهو لا يبطل القياس المتقدّم؛ لأن التعليل للنوع والجواز، فلا ينتقض بأعيان المسائل ... (١) وقيل: يفطّر الفِصاد، وهذا أقْيَس ... وأما الجرح والاسترعاف، فلا يكاد العاقل يفعله بنفسه، فيحتمل ... وأما بطّ الدماميل والقروح، فتلك دماءٌ هي (٢) فضلات لا يُضْعِف خروجُها. وأما الحاجم: فظاهر قول الخِرَقي (٣) هو ظاهر القياس فيه، فإن ما ذكرنا من المعنى مفقود فيه، لكن المذهب أنه يُفطِر، كما هو منصوص في الحديث؛ فإن الدلالة على فطرهما دلالة واحدة، ويلوح فيه (٤) أشياء: أحدها: أن الحجامةَ لمّا لم تُمكِن إلا من اثنين، جاز أن يجعل الشرع فعلَ أحدهما الذي لا يتمّ فِطْرُ الآخر إلا به فِطرًا، وأن يجعل تفطير الصائم فطرًا؛ كما قيل في الجماع، وهذا بخلاف الإطعام والإسقاء، فإن ذلك يمكن

стр. 1856

أن يكون من واحد، فليس فعل الآخر شرطًا في وجوده. وقد قال النبي ﷺ : «مَن فطَّر صائمًا فله مثلُ أجره مِن غير أن ينقصَ مِن أجره شيء» (١). فإذا كان المُعِيْنُ له (٢) على صومه بِعَشائه بمنزلةِ الصائم، جاز أن يكون المُفسِد لصومه بمنزلة المُفطِر. وكذلك قوله: «مَن جهَّزَ غازيًا فقد غزا، ومَن خَلَفه في أهلِه بخيرٍ فقد غزا» (٣). وضدّ ذلك مَن صدَّ عن سبيل الله بالتثبيط (٤) عن الجهاد؛ فإنه بمنزلة المحارب لله ولرسوله. كما قال ﷺ : «مَن حالت شفاعتُه دون حدّ مِن حدود الله، فقد ضادَّ اللهَ في أمره» (٥). وخصّ الحاجمَ بهذا من بين المُطعم (٦) والمُسقي، فإنه لو امتنع عن

стр. 1857

حَجْمه لم يفطر، بخلاف المُطعم والمُسقي فإن أكْلَ ذلك وشربَه غير منوط بفعل غيره. نعم يُشبه هذا ما لو مكنّت المرأةُ زوجَها مِن أن يطأها دون الفرج، فأنزل هو ولم تنزل هي. وطَرْد هذا: أن مَن حجَم مَن ليس بصائم لا يفطر، وهذا الوجه ليس [ق ٧١] بذاك. ومنها: أنّ الحاجمَ إذا امتصّ المِحْجَم بعد شَرْط (١) العضو، جاز أن يسبق شيءٌ من الدم إلى حلقه ولا يشعرُ به، والحكمةُ إذا كانت (٢) خفيّةً أُقيمت المظنّةُ الظاهرةُ مُقامها، كالنوم مع الحَدَث. ولهذا لو امتصّ المِحْجَم (٣) عند وضعه قبل الشرط لم يُفطر، كما جاء في الحديث: «أنه كان وضَعَ (٤) المحاجمَ قبل الغروب، ثم شَرَط بعد الغروب» (٥) ... (٦) فعلى هذا، لو شَرَط بدون مصّ مثل ما شَرَط الأُذُن، وقلنا: يُفطِر المشروط، فإن الشارِط هنا لا يُفطِر، وكذلك الفاصِد. ومنها: أن الحجامة في الأصل لما كانت إخراجَ دمٍ، وهي من الصناعات الرديئة، ولهذا كُرِه كسبها.

стр. 1858

الفصل السادس (١) أن من فعل هذه الأشياء ناسيًا لصومه لم يفطر . ولا يختلف المذهب في الأكل والشرب ونحوهما مما فيه القضاء فقط، وقد تقدم ذِكْر المباشرة، والله أعلم (٢). وأما الحجامة إذا فعلها ناسيًا، فالمنصوص أنه لا يفطر. قال حرب: قلت لأحمد: فاستحجم ناسيًا؟ قال: لا شيء. وذكر ابنُ عقيل فيها وجهين: أحدهما: كذلك، لأنها ليست بأكثر من الأكل والشرب (٣). والثاني (٤): يفطر؛ لأن الفطر بها ثبَتَ على خلاف القياس، والنبي ﷺ لم يفصّل في قوله: «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم» ولم يستفصل عن حال اللذين مرَّ بهما، وفي الاستقاء ... (٥) والأصل في ذلك: ما روى محمدُ بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن نَسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليُتمّ صومَه؛ فإنما

стр. 1859

أطعمَه الله (١) وسقاه» رواه الجماعة (٢). وفي رواية أبي داود (٣): جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أكلت وشربت ناسيًا وأنا صائم؟ فقال: «اللهُ أطعمَك وسقاك». وفي هذا الحديث الدلالة من وجوه: أحدها: أنه أمره بإتمام الصوم تخصيصًا له بهذا الحكم بقوله: «مَن أكَلَ أو شرب ناسيًا»، فعُلِم أن هذا إتمامٌ لصوم صحيح، إذ لو كان المراد به وجوب الإمساك لم يكن بين العامد والناسي فرق. الثاني: أنه قال: «فليتمّ صومَه»، وصومه هو الصوم الصحيح المجزئ. وقد أُمِر بإتمامه، فعُلم أنَّ الصومَ الذي بعد الأكل تمام الصوم الذي قبله، ولو أراد وجوب الإمساك فقط (٤) لقال: فليتم صيامًا (٥)، أو: فليصم بقية يومه ... ونحو ذلك، كما قال لأهل عاشوراء. الثالث: أنه لم يأمره بالقضاء، وقد جاء مستفتيًا له عما يجب عليه، شاكًّا في الأكل مع النسيان، هل يفسد أو لا يفسد؟ ومعلوم أنه لو كان واجبًا لَذَكَره، ولم يَجُز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

стр. 1860

الرابع: أنه علّل أمرَه بالإتمام بأنَّ الله أطعمَه وسقاه، ولو لم يكن مقصوده إتمام الصوم الصحيح، لم يصح التعليل بهذا؛ فإنه إذا أفسدَ (١) الصومَ في رمضان وجب الإمساك، وإن لم يكن الله أطعمه وسقاه بغير قصد من العبد (٢) ولا إرادة، فلابدّ أن يكون لهذه العلة أثرٌ في هذا الحُكم، ولا يكون لها أثرٌ إلا أن يكون الصومُ صحيحًا. الخامس: أنه قال: «الله أطعمك وسقاك» تعليلًا وجوابًا. ومعلوم أن إطعام الله وإسقاءه للعبد على وجهين: أحدهما: أنه خَلَق له الطعامَ والشرابَ (٣) والحركةَ التي بها يأكل ويشرب، وعلى هذا فالعامد والناسي وجميع الخلق، الله أطعمهم وسقاهم، كما قال إبراهيم: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩]. وهذا المعنى لم يقصده النبي ﷺ ؛ فإنه قَدْرٌ مشترك بين المتعمد والناسي، وهو بمنزلة قوله: أنت أكلْتَ وشربْتَ، فهي حكاية حال محضة. والثاني: أن يطعمه ويسقيه بغير قصد من العبد ولا عَمْد، كما في هذه الصورة، فإنه لو ذكر أنه صائم لم يأكل ولم يشرب، لكن أنساه الله تعالى صومَه، وقَيَّض له الطعام والشراب، فصار غير مكلَّف لأجل النسيان، فأضيف الفعل إلى الله تعالى قدرًا وشرعًا، فسقط قلم التكليف عن هذا الفعل.
следующие страницы →