← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مسألة (١): (ثم يستجمر وترًا، ثم يستنجي بالماء) . هذا هو الأفضل، لأن عائشة ﵂ قالت: مُرْنَ أزواجكنَّ أن يُتبعوا الحجارةَ الماءَ من أثر الغائط والبول، فإنِّي [٣٧/ب] أستحييهم. كان رسول الله ﷺ يفعله (٢). احتجَّ به أحمد في رواية حنبل (٣). وروى أيضًا في كتاب "الناسخ والمنسوخ" أن ناسًا من الأنصار كانوا يُتبعون الاستنجاءَ بالحجارةِ الماءَ، فنزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ الآية (٤)؛ ولأن الغسل بعد تخفيف (٥) النجاسة أبلغ في التنظيف، فصار كالغسل بعد الحَتِّ والفَرْك في غير ذلك؛ ولأنه أبعد من مسِّ الأذى باليد المُحْوِج إلى تكلُّف تطهيرها.

стр. 212

وإنما يستحبّ الإيتار في الاستجمار، لما أخرجا في "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من استجمر فليوتر". وإن قطع عن شفع جاز، لأن في رواية أبي داود وابن ماجه: "من فعَلَ فقد أحسَنَ، ومن لا فلا حرج" (٢). وإن اقتصر على أحدهما، فالماء أفضل في ظاهر المذهب. وعنه: أنه يكره الاستنجاء من غير استجمار، لأن فيه مباشرةَ النجاسة بيده ونشرَها من غير حاجة، ولأن الاقتصار على الحجر يجزئ بالإجماع من غير كراهة، والماء قد أنكره بعض السلف. والأول أصح، لأنَّ الماء يطهِّر المحلَّ، ويزيل الأثر؛ والحجر يخفِّف. وكان قياسها على سائر البدن يقضي ألا يجزئ إلا الماءُ، وإنما أجزأت الأحجار رخصةً، فإذا استعمل الطهور كان أفضل. والمباشرة باليد لغرض صحيح وهو الإزالة، كما في سائر المواضع. ثم في الحجر يبقى أثر النجاسة ويدوم، فإن لم يُكره الحجرُ فلا أقلَّ من أن يكون مفضولًا. وما نُقِل عن بعض الصحابة من إنكار الماء، فهو ــ والله أعلم ــ إنكارٌ على من يستعمله معتقدًا [٣٨/أ] لوجوبه، ولا يرى الأحجار مجزئة؛ لأنهم شاهدوا من الناس محافظةً على الماء لم تكن في أول الإسلام، فخافوا التعمُّقَ في الدين، كما قد يبتلى به بعض الناس. ولهذا قال سعد بن أبي وقاص: "لِمَ تُلحقون (٣) في دينكم ما ليس منه؟ يرى أحدكم أنّ حقًّا عليه أن

стр. 213

يغسل ذكرَه إذا بال! " (١). فإن لم يُحمَل على هذا، فلا وجه له. فقد أخرجا في "الصحيحين" (٢) عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوةً من ماء وعنَزَةً، فيستنجي بالماء. وقصة أهل قباء مشهورة (٣). ويستحب للمستنجي أن يدلُكَ يده بالأرض، لما روى أبو هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاءَ أتيتُه بماء في تَورٍ أو رَكْوة، فاستنجى، ثم مسح يده بالأرض. رواه أبو داود وابن ماجه (٤)

стр. 214

فصل والأَولى أن يبدأ الرجل بالقبل؛ لأنه إذا بدأ بالدبر ربما أصابت نجاسةُ القبل يدَه، وأصابت دبرَه في حالة غسله. والمرأة تتخيَّر في [أحد] (١) الوجهين لتوازنهما في حقها. والثاني: تبدأ بالدبر، لأن نجاسته أفحَشُ وأعسَرُ إزالةً، فتبدأ (٢) بها لئلا ينجس القبلُ بها، وقد طهُر. والثيِّب والبكر فيه سواء، إلا أنَّ البكر يخرج بولها فوق الفرج، والعُذرةُ تمنع نزولَ البول إليه. وأما الثيِّب فيمكن نزول البول في فرجها. والمنصوص من الوجهين: أنه لا يجب تطهير باطن فرجها، لما فيه من المشقة، كداخل العينين. والآخر: أنه (٣) يجب، فعلى هذا إن لم يتحقق نزول [٣٨/ب] شيء من البول إليه لم يجب شيء. وإن تحقَّق (٤) فهل يجب غسله بالماء لأن النجاسة تعدَّت المخرج، أو يكتفى فيه بالحجر للمشقة في ذلك، وأنه معتاد (٥)؟ على وجهين؟ أصحُّهما إجزاء الحجر. مسألة (٦): (وإن اقتصر على الاستجمار أجزأه، إذا لم تتعدَّ النجاسةُ موضعَ الحاجة). أما إذا لم تتعدَّ النجاسةُ موضع الحاجة، فإنه يجزئه الاستجمار إذا أنقى

стр. 215

وأكملَ العددَ، سواء في ذلك جميعُ ما يستنجى منه، من البول والمذي والودي والدم وغير ذلك. وإنما يجزئ بشرطين: أحدهما الإنقاء، لأنه هو المقصود، وعلامة ذلك ألا يبقى في المحلّ شيء يزيله الحجر. والثاني: ثلاث مسَحات، لما تقدَّم من حديث سلمان، ولما روت عائشة عن النبي ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فَلْيستطِبْ بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه" رواه أبو داود (١). فعلَّق الإجزاءَ بها، ونهى عما دونها. وهذا إجماع من الأمة أن الاقتصار على الأحجار يجزئ من غير كراهة. وأما إذا تعدت موضع الحاجة فلا يجزئه إلا الماء؛ لأن الأصل أن يجب إزالة النجاسة بالماء، وإنما رخّص في الاستجمار لتكرار النجاسة على المخرج ومشقة إيجاب الغسل، فإذا تعدَّت عن المخرج المعتاد خرجت عن حد الرخصة فوجب غسلها كنجاسة سائر البدن. وحدُّ ذلك: أن ينتشر الغائط إلى نصف باطن الألْية فأكثر، أو ينتشر (٢) البول إلى نصف الحشَفة فأكثر (٣)

стр. 216

فأمَّا [٣٩/أ] (١) .................................. [مسألة: (ولا يجزئ أقلُّ من ثلاثِ مسَحاتٍ مُنْقية)] ............................................................ [مسألة (٢): (ويجوز الاستجمار بكلِّ طاهرٍ يُنْقي المحلَّ، إلا الروثَ والعظامَ وما له حرمة)] . ......................... [وتعليل النهي عن الاستجمار بالرَّوثِ] (٣) [٤٠/أ] والرِّمَّة بأنهما طعام الجنّ= دليلٌ على أنّ الحكم يعمُّ الحجارةَ وغيرَها، وإلا لنُهي الناس عمَّا (٤) سوى الأحجار عمومًا. وقد روى الدارقطني (٥) عن طاووس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم البَرازَ، فليستطِبْ بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حَثَيات من

стр. 217

تراب؛ ثم ليقل: الحمد لله الذي أذهبَ عني ما يؤذيني، وأمسك عليَّ ما ينفعني" وهو مرسل حسن. الشرط الأول (١): أن يكون جامدًا، لأن المائع إن كان مطهِّرًا فذلك غسل واستنجاء، وإن لم يكن مطهرًا أماع النجاسةَ ونشَرها، وحينئذ لا يجزئه إلا الماء؛ لأن النجاسة انتشرت عن المخرج المعتاد. والثاني: أن يكون طاهرًا، فلا يجوز بجلدِ ميتةٍ ولا برَوثٍ نجِس، ولا عظمٍ نجِس، ولا حجرٍ نجِس؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الاستنجاء بالروث والعظم في حديث ابن مسعود، وأبي هريرة، وسلمان, وخزيمة بن ثابت، وسهل بن حنيف، ورويفع بن ثابت. وقد تقدم أكثرها (٢). وذلك يعمُّ العظمَ الطاهر والنجس، والروثَ الطاهر والنجس. أما الطاهر، فقد علَّله بأنه زاد إخواننا من الجن. ففي النجس منه لا علَّة له إلا النجاسة، سيَّما (٣) الروثة وكسائر الرِّكس، [والرِّكْس] (٤) والنجَس بمعنى

стр. 218

واحد. ولا يقال: الجميع زاد الجن، لأنه قد بيَّن أنَّما زادهم "كلُّ عظمٍ ذُكِرَ اسمُ الله عليه" (١). ولأنه إذا استجمر بشيءٍ نجسٍ أورثَ المحلَّ نجاسةً غير نجاسته، وما سوى نجاسته لا يجزئ الاستجمار فيها. وكذلك لو خالف واستنجى بالنجس لم يجزئه الاستجمار ثانيًا وتعيّن الماءُ ــ وقيل: يجزئ [٤٠/ب]ــ؛ لأن هذه النجاسة مانعة لنجاسة المحلِّ. ولا يقال: المقصود الإنقاء وقد حصَل، لأن الاستجمار رخصة، فلا يستباح بمحرَّم، ولأن الإنقاء من نجاسة المستنجى به غير حاصل. الثالث: أن يكون مُنْقِيًا؛ لأنّ الإنقاء هو مقصود الاستجمار، فلا يجزئ بزجاج، ولا فحم رِخْو، ولا حجر أملس. الرابع: أن [لا] (٢) يكون محترمًا مثل الطعام. ولا يجوز الاستنجاء به، سواء في ذلك طعامُ الإنس والجنّ وعلفُ دوابِّ الإنس والجنّ، لِمَا روى مسلم في "صحيحه" (٣) عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنَّ الجنَّ سألوه الزاد، فقال: "لكم كلُّ عظمٍ ذُكِرَ اسمُ الله عليه، يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحمًا، وكلُّ بعرةٍ علفٌ لدوابكم". فقال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجُوا بهما، فإنّهما زاد إخوانكم" وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يحمل مع رسول الله ﷺ إداوةً لوضوئه

стр. 219

وحاجته، فبينما هو يتبعه قال: "ابغِني أحجارًا أستنفِض (١) بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة" فأتيتُه بأحجارٍ أحملها في طرف ثوبي حتّى وضعتُها إلى جنبه، ثم انصرفتُ حتّى إذا فرغ مشيتُ (٢). فقلت: ما بالُ العظم والروثة؟ فقال: "هما من طعام الجنِّ، وإنه أتاني وفدُ جنِّ نصِيبِين، ونِعْمَ الجنُّ، فسألوني الزاد، فدعوتُ الله لهم أن لا يمُرُّوا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا" رواه البخاري (٣). فبيَّن له ﷺ ما هو طعام الجن، ونهانا عنه، وتبرَّأ ممن يستنجي به (٤)، فبما هو طعامنا أولى. وكذلك ما مكتوبٌ فيه اسمُ الله تعالى أو شيءٌ من الحديث والفقه، سواء كان [٤١/أ] ورقًا، أو حجرًا، أو أديمًا؛ لأن حرمته أعظم من حرمة علفِ دوابِّ الجن. وكذلك أيضًا ما هو متصلٌ بحيوان، كيده، وذنبه، وريشه، وصوفه. وكذلك يد نفسه، سواءٌ في ذلك الحيوانُ الطاهر والنجس، الآدميُّ وغيرُه؛ ولأن الحيوان محترم فأشبهَ المطعومَ، وإذا كان قد نهى عن الاستنجاء بعلف الدوابّ، فالنهي عن الاستنجاء بها أولى. ولا يجوز الاستنجاء بهذه الأشياء، لأن الاستنجاء رخصة، فلا يباح بمحرَّم، كالقصر في سفر المعصية. وقد روى الدارقطني (٥) أن النبي ﷺ نهى

стр. 220

أن يُستنجَى بروثٍ أو عظمٍ، وقال: "إنهما لا يطهِّران"، وقال: إسناد صحيح (١). فإن استنجى بها، فهل يجزئه إعادة الاستنجاء، أو يتعيَّن الماء؟ على وجهين. فإن قيل: قد نُهي عن الاستنجاء باليمين، وقد قلتم: يجزئ. قلنا: اليد ليست شرطًا في الاستنجاء، وإنما جاءت لأنه لا يمكنه الاستنجاء بغيرها، حتى لو استغنى عنها بأن يقعد في ماء جارٍ حتى ينقَى المحلُّ حصلت الطهارة. وكذلك لو استنجى بيد أجنبيٍّ، فقد أثم، وأجزأه. وأما المستنجَى به فهو شرط في الاستنجاء، كالماء في الطهارة، والتراب في التيمُّم؛ فإذا (٢) كان محرّمًا لعينه كان كالوضوء بالماء النجس، وإن كان لحقِّ الغير كان كالمتوضئ بالماء المغصوب أو أشد، لأنه رخصة. فصل والاستنجاء واجب لكلِّ خارج من السبيلين، فلو صلَّى بدونه لم تصح الصلاة؛ لما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مرَّ بقبرين، فقال: "إنهما

стр. 221

يعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير. أمّا أحدهما فكان [٤١/ب] لا يستتر من بوله، وأمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة" رواه الجماعة (١)؛ سواء كان الخارج نادرًا، أو معتادًا رطبًا، أو يابسًا، كالبول والروث (٢) والدود والحصى والمَذْي؛ ولأنّ خروجَ الخارج من هذا المحلّ مظنّة استصحاب الرطوبة النجسة، فعلّق الحكم به، وإن تخلفت عنه الحكمة (٣) في آحاد الصور؛ وقال (٤): كذلك اعتبر العدد، وإن زالت الرطوبة بدونه. إلا الريحَ (٥)، فإن الإمام أحمد قال: "ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا سنة رسوله، إنما عليه الوضوء" (٦). فقد روي عن النبي ﷺ : "من استنجى من الريح فليس منا" رواه الطبراني وأبو حفص العكبري (٧)؛ ولأن الريح ليس

стр. 222

لها جِرْم لاصق يزال، ولا هي مظنة استجلاب رطوبة يمكن إزالتها. وأمّا الخارج الطاهر فيجب الاستنجاء منه في المشهور، كما يجب من يسير الدم والقَيح، وإن عفي عنه في غير هذا الموضع؛ لأن خروجه من السبيل يورث تغليظًا؛ ولأن الاستنجاء من المني فعلُ النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال. فصل والأفضل في الاستجمار أن يُمِرَّ حجرًا من مقدَّم صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يديرها على اليسرى حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه. ثم يُمِرَّ الثاني من مقدَّم صفحته اليسرى إلى مؤخرها، ثم يديره على اليمنى حتى يرجع به إلى الموضع الذي بدأ منه. ثم يُمِرَّ الثالثَ على المَسْرَبة (١) والصفحتين، لأن العدد معتبر في إزالة هذه النجاسة، فاستُوعِبَ المحَلُّ في كلّ مرة منه كالعدد في ولوغ الكلب. وما روى سهل بن سعد عن النبي ﷺ : "أوَلا يجد أحدكم [٤٢/أ] حجرَين للصفحتين وحجرًا للمَسْرَبة" رواه الدارقطني، وقال: إسناد حسن (٢) = محمول

стр. 223

على الابتداء بهذه المواضع؛ لأنه قد جاء بلفظ آخر عنه أنه قال (١): "يُقبل بواحد، ويُدبر بآخر، ويحلِّق بالثالث" (٢). فإن مسَحَ على كلّ جهة مسحةً، فوجهان. فصل السنّة أن يستنجي قبل الوضوء، فإن أخَّره إلى بعده أجزأه في إحدى الروايتين (٣)، لأنها نجاسة، فصحَّ الوضوء قبل إزالتها، كما لو كانت على البدن. فعلى هذا إذا توضأ استفاد بذلك مسَّ المصحفِ ولُبْسَ الخفّين، ويستمرّ وضوؤه إذا لم يمسَّ فرجه. والرواية الأخرى: لا يصح وضوؤه، وهي أشهر، لأن في حديث المَذْي: "يغسلُ ذكرَه، ثم يتوضَّأ" رواه النسائي (٤). ولأن النبي ﷺ وأصحابه لم يُنقل عنهم أنهم يتوضّؤون إلا بعد الاستنجاء، وفعلُه إذا خرج

стр. 224

امتثالًا لأمرٍ (١)، فحكمُه حكمُ ذلك الأمر. ولأنهما محلَّان وجب غسلهما بسبب واحد في بدن واحد، فكان الترتيب بينهما مشروعًا كمحالِّ الوضوء (٢). فأما التيمّم فقال ابن حامد: هو كالوضوء. وقال القاضي: لا يجزئه، وإن قلنا: يجزئ الوضوء؛ لأنه مبيح للصلاة ليس برافع للحدث، والاستباحة قبل الاستنجاء لا تحصل، فيكون كالتيمم قبل الوقت (٣). فعلى هذا لو كانت النجاسة في غير المخرج لم يجزئ في وجه كذلك. وقيل: يجزئ، لأنه استباح الصلاة من غيرها، فأشبهَ ما لو كانت على الثوب. فصل يستحبُّ إذا توضأ أن ينضح فرجه بالماء، ليقطع عنه الوسواس بخروج البول، نصّ عليه (٤)؛ لما روى سفيان بن الحَكم [٤٢/ب] أو الحكم بن سفيان قال: رأيت النبي ﷺ توضأ، ثم نضَحَ فرجه. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي (٥).

стр. 225

وعن زيد بن حارثة أن النبي ﷺ أتاه جبريل ﵇ في أول ما أوحي إليه، فعلَّمه الوضوء والصلاة. فلمّا فرغ من الوضوء أخذ غَرْفةً من ماء، فنضَح بها فرجَه. رواه أحمد والدارقطني وابن ماجه (١)، ولفظه: "علَّمني جبريل الوضوء، وأمرني أن أنضحَ تحت ثوبي لما يخرُج من البول بعد الوضوء". وهذا في المستنجي بالماء. فأمّا المستجمِر، فينجِّسه (٢) إن قلنا: إنّ المحلَّ نجس. وإن قلنا: هو طاهر، فهو مكروه، نصَّ عليه.

стр. 226

باب الوضوء مسألة (١): (لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا أن ينويه ، لقول رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئٍ (٢) ما نوى". يعني أن يقصد بغسل الأعضاء رفعَ حدثِه، وهو المانع مما تُشترط له الطهارةُ بقصد، أو استباحةَ عبادةٍ لا تستباح إلا بالوضوء، وهي الصلاة والطواف ومسُّ المصحف. فأمَّا إن غسَل أعضاءه ليبرِّدها بالماء، أو يزيل عنها نجاسةً، أو ليعلِّم غيرَه= لم يرفع حدثَه. وكذلك النية تشترط في الغسل والتيمم، لما روى عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى" رواه الجماعة (٣). ولأنها عبادة مأمور بها، فافتقرت إلى نية كسائر العبادات، فإنه يجب [٤٣/أ] عليه أن ينوي العبادة المأمور بها وأن يخلصها لله، لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. ولا يقال: هي شرط للصلاة فأشبهت طهارة الخبَث والاستتار والاستقبال، لأن الوضوء عبادةٌ في نفسه، وشرطٌ للصلاة؛ ولأن إزالة

стр. 227

النجاسة من باب التُّروك (١) ولهذا لا يحتاج إلى عمل أصلًا بخلاف طهارة الحدث، ولذلك اختصَّت بالماء. وأما الاستقبال والسِّتارة (٢)، فإنهما يوجدان في جميع الصلاة مثل وجودهما قبلها، فنية الصلاة تنتظمهما بخلاف التوضؤ. ولذلك إذا حلف: لا يتطهَّر، وهو متطهر، لم يحنث بالاستدامة. وإذا حلف: لا يستتر، وهو مستتر؛ ولا يستقبل القبلة، وهو مستقبلها= فاستدام ذلك حنَثَ. فصل ومحلُّ النية: القلب. فلو سبق لسانه بغير ما قصَده كان الاعتبار بما قصَد. ولو قصَد مع الوضوء التبرُّدَ أو غيره لم يضره، كما لو قصَد تعليمَ غيره أو قصَد مع الصلاة تعليمَها. ويستحبُ تقديمُ النية على غسل اليد، لأنه أول المسنونات. ويجب تقديمُها على الوجه والمضمضة والاستنشاق لأنه (٣) أول الواجبات، ويجوز تقديمها عليه بالزمن اليسير كالصلاة. ويجب استصحابُ حكمها إلى آخر الوضوء. والأفضل أن يستصحب ذكرَها أيضًا، كما قلنا في الصلاة وغيرها. ومعنى الاستدامة أن لا يفسخها بأن ينوي قطع الوضوء، أو ينوي بالغسل تبرُّدًا أو تنظُّفا من النجاسة، ويعزب

стр. 228

عنه (١) نية الوضوء. فإن فسخها بطلت في أقوى الوجهين [٤٣/ب] كما تبطل الصلاة والصيام. فإن أفرد كلَّ عضو بنيته بأن يقصد غسله في وضوئه جاز، ولم يبطل ما غسَله بالفسخ، كما لو نوى إبطالها بعد فراغها في الصحيح المشهور. مسألة (٢): (ثم يقول: بسم الله) . لما روي عن يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٣).

стр. 229

وعن سعيد (١) بن زيد (٢) وأبي سعيد (٣) عن النبي ﷺ مثله، رواه (٤) أحمد وابن ماجه. ولأن ذكر اسم الله مشروع في أول الأفعال العاديّة كالأكل والشرب، والنوم، ودخول المنزل والخلاء، فلَأن يُشرعَ في أول العبادات أولى. (والمسنون: التسمية) (٥). هذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. قال الخلال: الذي استقرَّت عليه الروايات أنه لا بأس به، يعني إذا ترك

стр. 230

التسمية (١)، وهي اختيار الخرقي وغيره (٢)، لأن الأحاديث فيها ليست قوية. وقال أحمد: ليس يثبت فيها حديث، ولا أعلم فيها حديثًا (٣) له إسناد جيِّد (٤). وقال الحسن (٥) بن محمد: ضعَّف أبو عبد الله الحديثَ في التسمية، وقال: "أقوى شيء فيه حديث كَثِير عن رُبَيح، يعني حديث أبي سعيد. ثم ذكر رَباحًا (٦) أي: من هو؟ ومن أبو ثِفال (٧)؟ يعني الذي يروي حديث

стр. 231

سعيد (١) بن زيد. وقال البخاري (٢) في حديث أبي هريرة: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب سماع من أبيه. ولو صحَّت حُمِلت على الذكر بالقلب وهو النية، كذلك (٣) قال ربيعة (٤)؛ أو على [٤٤/أ] تأكيد الاستحباب (٥). والرواية الأخرى: أنها واجبة. اختارها أبو بكر، والقاضي وأصحابه، وكثير من أصحابنا، بل أكثرهم (٦)؛ لما ذكرنا من الأحاديث. قال أبو إسحاق الجوزجاني (٧): قال ابن أبي شيبة: ثبت لنا عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وضوء لمن لم يسمِّ (٨) ". وتضعيف أحمد لها محمول على أحد الوجهين: إمَّا أنها لم تثبت (٩)

стр. 232

عنده أولًا، لعدم علمه بحال الراوي، ثم علِمَه، فبنى عليه مذهبه برواية الوجوب. ولهذا أشار إلى أنه لا يعرف رَباحًا ولا أبا ثِفال. وهكذا تجيء عنه كثيرًا الإشارةُ إلى أنه لم يثبت عنده أحاديثُ، ثم ثبتت (١) عنده، فيعمل (٢) بها. ولا ينعكس هذا بأن يقال: ثبتت (٣) عنده، ثم زال ثبوتها؛ فإن النفي سابق على الإثبات. وإمّا أنه أشار إلى أنه لم يثبت على طريقة تصحيح المحدثين، فإن الأحاديث تنقسم إلى صحيح وحسن وضعيف. وأشار إلى أنه ليس بثابت، أي ليس من جنس الصحيح الذي رواه الحافظ الثقة عن مثله. وذلك لا ينفي أن يكون حسنًا وهو حجّة. ومن تأمَّل ألفاظ (٤) الإمام عَلِم أنه لم يوهِّن الحديث، وإنما بيَّن مرتبته في الجملة أنه دون الأحاديث الصحيحة الثابتة. وكذلك قال في موضع آخر: "أحسَنُها حديث أبي سعيد"، ولو لم يكن فيها حسَنٌ لم يقل فيها: "أحسَنُها". وهذا معنى احتجاج أحمد بالحديث الضعيف ، وقوله: "ربما أخذنا بالحديث الضعيف" وغير ذلك من كلامه، يعني به الحَسَن. فأما ما رواه متَّهم أو مغفَّل، فليس [٤٤/ب] بحجة أصلًا. ويبيِّن (٥) ذلك وجوه:

стр. 233

أحدها: أن البخاري أشار في حديث أبي هريرة إلى أنه لا يعرف السماع في رجاله. وهذا غير واجب (١) في العمل، بل العنعنة مع إمكان اللقاء، ما لم يُعلم أنَّ الراوي مدلس. وثانيها: أنه قد تعددت طرقه، وكثرت مخارجه. وهذا مما يشدُّ بعضُه بعضًا، ويغلب على الظن أنَّ له أصلًا. وروي أيضًا مرسلًا، رواه سعيد عن مكحول عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا تطهَّر الرجل وذكر اسمَ الله طهُر جسدُه كلُّه. وإذا لم يذكر اسمَ الله لم يطهُر منه إلا مكانُ الوضوء" (٢). وهذا وإن احتُجَّ به على أنَّ التسمية ليست واجبة، فإنه دليل على وجوبها؛ لأن الطهارة الشرعية: التي تطهِّر الجسد كلَّه حتى تصح الصلاةُ ومسُّ المصحف بجميع البدن، فإذا لم تحصل الشرعية حصلت (٣) الطهارة الحسِّية وهي مقتصرة على محلِّها، كما لو لم ينو. وروى الدراوردي، ثنا محمد بن أبي حميد، عن عمر بن يزيد أنَّ رجلًا توضأ ثم جاء، فسلَّم على النبي ﷺ ، فكأنّ النبي ﷺ أعرض عنه، وقال له: "تطهَّرْ". فرجع فتوضأ ثم اجتهد، فجاء فسلَّم، فأعرض عنه، وقال: "ارجع فتطهَّرْ". فلقي الرجل عليًّا فأخبره بذلك، فقال له علي: هل سمَّيتَ الله حين

стр. 234

وضعتَ يدك في وضوئك؟ فقال: لا والله. فقال: ارجع، فسمِّ الله في وضوئك. فرجعَ فسمَّى الله على وضوئه، ثم رجَع إلى النبي ﷺ ، فسلَّم عليه، فردَّ عليه، وأقبل عليه بوجهه، ثم قال: "إذا وضع أحدُكم طهورَه فليسمِّ الله". رواه الجوزجاني عن نعيم بن حماد عنه (١). وثالثها: أن تضعيفه إما من جهة إرسالٍ، أو جهل راوٍ، وهذا غير [٤٥/أ] قادح على إحدى الروايتين. وعلى الأخرى ــ وهي قول من لا يحتج بالمرسل ــ نقول: إذا عمل به جماهيرُ أهل العلم، وأرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسِل الأول، أو روي مثله عن الصحابة، أو وافقه ظاهر القرآن= فهو حجة. وهذا الحديث، فقد (٢) اعتضد بأكثر ذلك، فإنَّ عامة أهل العلم عملوا به في شرع التسمية في الوضوء، ولولا هذا الحديث لم يكن لذلك أصل، وإنما اختلفوا في صفة شرعها: هل هو إيجاب أو ندب؟ وروي من وجوه متباينة مسندًا ومرسلًا، ولعلك تجد في كثير من المسائل ليس معهم أحاديث مثل هذه. ورابعها: أن الإمام أحمد قال: أحسَنُها ــ يعني أحاديث هذا الباب ــ

стр. 235

حديث أبي سعيد. وكذلك قال إسحاق بن راهويه، وقد سئل: أيُّ حديث أصح في التسمية؟ فذكر حديث أبي سعيد (١). وقال البخاري: أحسن حديث في هذا الباب حديث سعيد بن زيد (٢). وهذه العبارة، وإن كانوا إنما يقصدون بها بيان أن (٣) الأثر أقوى شيء في ذلك (٤) الباب، فلولا أن أسانيدها متقاربة لما قالوا ذلك. وحملُها على الذكر بالقلب أو على تأكيد الاستحباب خلافُ مدلول الكلام وظاهره، وإنما يصار (٥) إليه لموجب، ولا موجب هنا. وإذا قلنا بوجوبها فإنها تسقط بالسهو على إحدى الروايتين كالذبيحة، وأولى. فإن قلنا: تسقط، سمَّى متى ذكرها. وإن (٦) قلنا: لا تسقط، لغا ما فعله قبلها. وهذا على المشهور، وهو أنها تجب في أول الوضوء قبل غسل الوجه. وقال الشيخ أبو الفرج (٧): متى سمَّى أجزأه (٨).

стр. 236

[٤٥/ب] مسألة (١): (ويغسل كفَّيه ثلاثًا) . هذا مسنون لكلِّ متوضئ، سواء إن تحقَّق طهارتها أو شكَّ في ذلك. وهي من جملة الوضوء، حتى لو غسلها قبل الوضوء استحبّ له إعادة غسلها بعد النية. وكذلك الذي يوضِّئ الميت، يستحبّ له أن يغسل كفَّيه كلّما وضَّأه، نصَّ عليه. وذلك لأن الذين [وصفوا] (٢) وضوءَ رسول الله ﷺ ذكروا أنه كان يبدأ، فيغسل كفَّيه ثلاثًا؛ ولأن اليد آلة لنقل الماء، فاستحبَّ تطهيرُها تحقيقًا لطهارتهما، وتنظيفًا لهما، وإدخالًا لغسلهما في حيِّز العبادة، ولو أنه على سبيل التجديد. فأمّا إن كان المتوضئ قد قام من نوم الليل كان غسلُهما أوكد حتى يُكره تركه. وهو واجب في إحدى الروايتين، قال القاضي وأصحابه: لا عن حدَثٍ ولا عن نجَسٍ، لكن تعبُّد (٣). اختارها أبو بكر وأكثر أصحابنا (٤)، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمِسْ يدَه في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده" متفق عليه (٥)، إلا أن البخاري لم يذكر العدد، ومقتضى الأمر الإيجاب، لا سيَّما وغسلُ اليد مستحبّ مطلقًا، فلما خصّ به هذه الحال دلّ على وجوبه.

стр. 237

وهذا يختص بنوم الليل دون نوم النهار، لأن المبيت إنما يكون بالليل. فعلى هذا لو استيقظ المحبوس، ولم يدر ليل هو أم نهار، لم يلزمه غسلُهما. ومن نام أكثر الليل لزمه (١) الغسلُ، دون من بات أقلَّه، كالمبيت بمزدلفة. وقال القاضي: يلزم كلَّ من نام نومًا ينقض وضوءه (٢). فإن بات ويدُه [٤٦/أ] في جِراب أو مكتوفًا وجب غسلهما في أظهر الوجهين. وتشترط النية لذلك في أشهر الوجهين، لأنه عبادة. ولا تشترط التسمية على الأصح، وإن قلنا باشتراطها في الوضوء، بل المستحب أن يفردها بالتسمية (٣). ويجوز تقديمها على الوضوء بالزمن الطويل، لأنها ليست من جملته. والرواية الثانية: أنه سنة، اختارها الخرقي وجماعة (٤)، لأن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] يعمُّ القائم من النوم وغيره، لا سيَّما وقد فسَّره زيد بن أسلم بالقيام من الليل ولم يذكر شيئا آخر (٥)؛ ولأن الطهور الواجب إمّا عن خبَث، وهي طاهرة (٦) بالإجماع (٧)، وإمّا عن حدَث، ولو كان كذلك لأجزأ

стр. 238

غسلهما في جملة أعضاء الوضوء بنية الحدَث، واكتفي لهما بغسلة (١) واحدة. وحملوا الحديث على الاستحباب كما روى أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه" متفق عليه (٢)، لتعليله بوهم النجاسة، ولأنه قد روي في لفظ صحيح: "إذا أراد أحدكم الطهور، فلا يغمِسْ يده في الإناء حتى يغسلها" (٣). وهذا يدل على أنه أراد به غسل اليد المسنون عند الوضوء. وعلى هذه الرواية حكم غسلهما هنا حكم غسلهما عند إرادة كل وضوء، إلا أنه موكَّد هنا، يكره تركه. وهل يختصّ ذلك بمن يريد الوضوء، أو يعمُّه وغيرَه بحيث يغسل عند الوضع في الطعام وغيره من المائعات، يحتمل وجهين. مسألة (٤): (ثم يتمضمض ويستنشق [٤٦/ب] ثلاثًا، يجمع بينهما بغَرفة واحدة أو ثلاث). لأن الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا ذلك فيه. والسنّة أن

стр. 239

يتمضمض ويستنشق بيمينه، ويستنثر بشماله، وأن يقدِّمهما على ظاهر الوجه، للسنة المستفيضة بذلك، ولأن تقديم الباطن أولى لئلا يخرج منه أذًى بعد غسل الظاهر، فيلوِّثَه. وأن يقدِّم (١) المضمضة، للسنّة، ولأن الفم أشرف وأحقُّ بالتطهير، وهو أشبه بالباطن. وقوله: "يجمع بينهما" أي: الجمعُ بين المضمضة والاستنشاق بماء واحد أفضلُ من أن يفصل كلّ واحد بماء، لأن في حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي ﷺ أنه "تمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غَرَفات". وفي لفظ: "تمضمض واستنشق من كفٍّ واحدٍ، فعَلَ ذلك ثلاثًا" متفق عليهما (٢). وفي لفظ: "تمضمض واستنثر ثلاثًا من غَرفة واحدة" رواه البخاري (٣). وكذلك في حديث ابن عباس (٤) وعثمان (٥) وغيرهما. وهذه الأحاديث أكثر وأصح من أحاديث الفصل، ولأن هذا يحصل معه الإسباغ مع الرفق، من غير سرَف. ثم إن شاء تمضمض واستنشق الثلاث بغرفة واحدة إن أمكنه أن يُسبغ بها، وإن شاء بثلاث غَرفات؛ لأن الحديث جاء بهما. وإن فعل المضمضة بماء والاستنشاق بماء جاز، لأنه قد جاء في الأحاديث إما بغَرفتين، أو ستِّ غرفات. وإذا جمعهما بماء واحد في غَرفة واحدة، أو فصَلَهما بماءين في ست

стр. 240

غرفات=كمُل. وصفته (١): المضمضة أولًا، ثم الاستنشاق في أحد الوجهين، كما [٤٧/أ] لو فرَّقهما بغَرفتين. وفي الآخر: يتمضمض ثم يستنشق، ثم يتمضمض ثم يستنشق، كما لو جمعهما بثلاث غَرفات. ويحتمل أن تكمل المضمضة في الستِّ، وفي الأخرى يتمضمض ويستنشق إلحاقًا لكلِّ واحد بجنسه. وقد روى عبد الله بن أحمد في "المسند" (٢) عن علي أنه تمضمض ثلاثًا، ثم استنشق ثلاثًا بكفٍّ كفٍّ، وقال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور نبي الله ﷺ . فصل (٣) والمضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين الصغرى والكبرى في ظاهر المذهب. وعنه: أن الاستنشاق وحده هو الواجب، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضّأ أحدُكم فليستنثِرْ" (٤). وفي لفظ: "فليجعل في أنفه

стр. 241

ماءً ثم لينتثِرْ" متفق عليه (١). وفي لفظ لمسلم: "من توضَّأ فليستنشِقْ" (٢). وقال للقيط بن صَبِرة: "وبالِغْ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (٣). فأمر بالمبالغة والاستنثار المستلزمَين للاستنشاق. [وإذ] (٤) قام الدليل على استحباب الصفة، بقي أصل الفعل على الوجوب. ولم يرد مثل هذه الأحاديث الصحاح في المضمضة. ولأن طرف الأنف لا يزال مفتوحًا ليس له ساتر، بخلاف الفم. ولهذا أمر القائم من نومه بالاستنثار (٥) ثلاث مرّات، ولم يذكر المضمضة. والرواية الثالثة: أنهما يجبان في الكبرى دون الصغرى، لأن الغسل مبناه على وجوب غسل جميع ما يمكن من الظاهر والباطن، بدليل باطن الشعور الكثيفة من اللحية والرأس، بخلاف الوضوء فإنه لا يجب فيه غسلُ ما استتر كباطن اللحية. [٤٧/ب] ويروى عنه أنه يجب الاستنشاق وحده في الوضوء خاصّة،

стр. 242

لأنه الذي جاء فيه النص. والصحيح: الأول، لأن الله أمر بغسل الوجه مطلقًا، وفسَّره النبي ﷺ بفعله وتعليمه، فتمضمض واستنشق في كلِّ وضوء توضّأه، ولم يُنقل عنه أنه أخلَّ به أبدًا، مع اقتصاره على أقلِّ ما يجزئ حين توضّأ مرة مرة، وقال: "هذا وظيفة (١) الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاةَ إلا به" (٢). وهذا أقصى حدٍّ (٣) في اقتصار الوجوب، من جهة أنّ (٤) فعلَه إذا خرج امتثالًا لأمر كان حكمُه حكمَ ذلك الأمر في اقتضاء الوجوب، ومن جهة أنه لو كان مستحبًّا لأخلَّ به، ولو مرّةً، ليبين جواز الترك، كما ترك الثانية والثالثة؛ ومن جهة أنه لما توضأ قال: "هذا وظيفة (٥) الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به". وقد روى أبو داود (٦) عن لقيط بن صَبِرة عن النبي ﷺ قال: "إذا توضّأتَ فمَضْمِضْ". وعن حمّاد بن سَلَمة عن عمّار بن أبي عمّار، عن أبي هريرة قال: أمر

стр. 243

رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق منه (١) (٢). وعن سليمان بن موسى، [عن] (٣) الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه" (٤) رواهما الدارقطني. وقد روى هذين (٥) الحديثين مسندين ومرسلين، والمرسَل إذا أُرسل من جهة أخرى أو عضده ظاهرُ القرآن أو السنَّة صار حجةً وفاقًا، وهو كذلك. ولأنَّ الفم والأنف في الوجه، وحكمُهما حكم الظاهر. وتخصيص النبي ﷺ الاستنشاق بالأمر، لا لأنه أولى بالتطهير [٤٨/أ] من الفم، كيف؟ والفم أشرف، لأنه محل الذكر والقراءة، وتغيره بالخلوف أكثر؛ لكن يُشبه ــ والله أعلم ــ أن الفم لمّا شُرع له التطهير بالسواك، وأوكد أمره (٦)،

стр. 244

وكان غسلُه بعد الطعام مشروعًا وقبل الطعام على قول= عُلِمَ اعتناءُ الشارع بتطهيره، بخلاف الأنف، فإنه ذُكر لبيان حكمه خشية أن يُهمَل، إذ (١) لم يُشرَع غسلُه إلا في الوضوء وعند الانتباه. فصل وهل تسمَّى المضمضة والاستنشاق فرضًا؟ على روايتين منصوصتين (٢). وكذلك عنه في صدقة الفطر (٣) بناءً على إحدى الروايتين عنه أن الفرض: ما يثبت بكتاب الله دون ما يثبت (٤) وجوبه بالسنة، أو ما يثبت بدليل قاطع دون ما يثبت (٥) بخبر الواحد والعموم ونحو (٦) ذلك. وربما قيل: ما لم يسقط في عمد ولا سهو. ويجوز تأخيرهما عن غسل ظاهر الوجه. ويجب تقديمهما على غسل اليد في إحدى الروايتين، لأنهما من الوجه، فوجب تقديمهما كسائر أجزائه. والرواية الثانية: أنه يجوز تأخيرهما عن جميع الأعضاء، وأنه [لا] (٧) يجب الترتيب والموالاة بينهما وبين غيرهما؛ لما روى المقدام بن معدي كرب قال: أُتي رسول الله ﷺ بوضوء فتوضَّأ، فغسل كفَّيه ثلاثًا، وغسل

стр. 245

وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مَضْمَضَ (١) واستنشق ثلاثا، ثم مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما. رواه أحمد وأبو داود (٢). ولأن وجوبهما لم يُعلم بنصِّ القرآن، والترتيب إنما يجب بين الأعضاء المذكورة في القرآن ليبدأ بما بدأ الله به، وإنما هما من الوجه على سبيل التبع، كما أنَّ الأذنين من الرأس، فجاز غسلهما تبعًا. مسألة (٣): [٤٨/ب] (ثم يغسل وجهه ثلاثًا). لقوله سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. والتثليث في سائر الأعضاء المغسولة، لما روي عن عثمان أنه دعا بإناء، فأفرغَ على كفَّيه ثلاثَ مرّات فغسلَهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمَضَ واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثَ مرّات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرّات إلى الكعبين، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلَّى

стр. 246

ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسَه، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه" متفق عليه (١). ويستحَبُّ أن يزيد في ماء الوجه لأساريره ودواخله وخوارجه وشعوره، وأن يمسح مَأقَيْهِ (٢) لأنهما مظنّة نبوِّ الماء عنهما (٣). قال أحمد: يؤخذ للوجه أكثر مما يؤخذ لعضو من الأعضاء (٤). وكره أن يأخذ الماء، ثم يصبَّه، ثم يغسل وجهه؛ وقال: هذا مسح، ولكنه يغسل غسلًا (٥). وقد روى أبو أمامة وصف وضوء النبي ﷺ ، فذكر ثلاثًا، وقال: وكان يمسَح المَأْقَين. رواه أحمد (٦). [والمَأْق] (٧) والمُؤْق: طرف العين من جهة الأنف والأذن.

стр. 247

مسألة (١): (من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللَّحْيَينِ والذَّقَنِ وإلى أصول الأذنين) . لأن الرأس ما عليه الشعر، وهو المشروع مسحُه، فما دون المنابت هو من الوجه. وهذا معتبر بغالب الناس، فأما الأفرع (٢) الذي ينبت الشعر في بعض جبهتِه (٣) أو الأجلح الذي انحسر الشعر عن مقدَّم رأسه، فلا عبرة بهما، بل يجب على الأفرع غسلُ الشعر النابت على الوجه، وغسلُ ما تحته إن كان يصف البشرة. وقوله: "إلى ما انحدر من اللَّحْيَين والذَّقَن"، فاللَّحْيان: هما [٤٩/أ] العظمان اللذان في أسفل الوجه قد اكتنفاه، وعليهما ينبت (٤) أكثر اللحية. والذقن: مجتمع اللحيين، فيجب غسلُ البشرة إن كانت ظاهرة، وغسل ما عليها من الشعر وما استرسل من اللحية عن اللحيين والذقن. وعنه: لا يجب غسل ما خرج عن محاذاة البشرة طولًا وعرضًا، كما لا يجب مسح ما استرسل من الرأس؛ ولأن الفرض كان على البشرة قبل النبات، فلما نبت الشعر انتقل الفرض إليه، فما لم يحاذ البشرة لم ينتقل إليه شيء.

стр. 248

والصحيح: الأول، لأن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يغسل وجهه كما أمره الله تعالى إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء" (١)، ولأنه نابت (٢) في المحلِّ المغسول، فتبعه وإن طال، كالظفر إذا خرج عن حدِّ الإصبع. ولأن اللحية تشارك الوجه في معنى التوجُّه والمواجهة والوُجاه (٣)، بخلاف الذوائب فإنها لا تشارك الرأس في الترؤس والارتفاع، ولذلك كان غسلُ اللحية مشروعًا، ومسحُ الذوائب مكروهًا (٤). وقد ذكر أصحابنا وغيرهم أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد غطَّى لحيته في الصلاة، فقال: "اكشِفْ عن وجهك، فإنَّ اللحية من الوجه" (٥). وقوله: "من الأذن إلى الأذن" يعني به: من وتد الأذن، وهو (٦) أصلها

стр. 249

دون فرعها، فلم تدخل الأذنان في الوجه. فأما البياض بين الأذنين والعِذار، فمن الوجه. قال الأصمعي والمفضَّل بن سلَمة: ما جاوز وتد الأذن من العارض (١)؛ والعارضان من الوجه، ولأنه قبل نبات الشعر كان يجب غسله إجماعا وكذلك بعده؛ ولأن فيه معنى التوجّه والمواجهة [٤٩/ب] والوجاه (٢)، ولأن حكم الموضحة يثبت في عظمه، وهي لا تثبت إلا في رأس أو وجه، وليس من الرأس فيكون من الوجه. فأما الشعور النابتة في الوجه، فإن كانت تصف البشرة وجب غسلُها، وغسلُ ما تحتها، كما كان يجب قبل نبات الشعر ; لأنه ما دام يظهر فهو ظاهر لا يشقُّ إيصال الماء إليه. وإن لم تصف البشرة لم يجب إلا غسل ظاهرها فقط، سواء في ذلك شعر الحاجبين والشاربين والعَنْفَقة والعِذار واللحية. هذا هو المنصوص، لأنه يشقُّ إيصال الماء إليها، ولأنه لم ينقل عنه أنه غسل باطن اللحية. قال أحمد، وقد سئل: أيما أعجَبُ إليك: غسل اللحية أو تخليلها؟ فقال: غسلها ليس من السنّة (٣). وقيل: يجب غسل باطن ما سوى اللحية، وكذلك لحية المرأة وإن كان كثيفًا لأن إيصال الماء لا يشقُّ غالبًا. والصحيح: الأول، لأن الفرض بعد الستر انتقل إلى الظاهر، ولأن في إيجاب غسل باطنها مشقةً وتطريقًا للوسواس كاللحية.

стр. 250

والذي يدخل في الوجه من الشعور: الحاجبان، وأهداب العينين، والشاربان، والعَنفقة، والعِذار، والعارضان. والعِذار: هو الشعر النابت على العظم الناتئ (١) محاذيًا صِماخَ الأذن، مرتفعًا إلى الصُّدغ، ومنحطًّا إلى العارض. والعارض: هو النابت على اللحيين إلى الذقن. وقال الأصمعي: ما جاوز وتد الأذن فهو عارض (٢). فأما التحذيف والصدغ ــ والتحذيف: هو ما ارتفع عن العذار آخذًا إلى طرف اللحيين. والنزَعة: ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدًا. [٥٠/أ] والصدغ: هو ما ارتفع من العذار إلى فوق مشيًا إلى فرع الأذن ودونه قليلًا، وهو يظهر في حق الغلام قبل نبات لحيته ــ ففيهما (٣) ثلاثة أوجه: أحدها: يجب غسلهما، لأنهما داخلان في تدوير الوجه، فدخلا في حدِّه، وإن كان شعرهما متصلًا بشعر الرأس؛ كما أن النزَعتين لما دخلتا (٤) في حدِّ الرأس كانتا منه وإن خَلَتا (٥) من الشعر.
следующие страницы →