← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

أن يكون من واحد، فليس فعل الآخر شرطًا في وجوده. وقد قال النبي ﷺ : «مَن فطَّر صائمًا فله مثلُ أجره مِن غير أن ينقصَ مِن أجره شيء» (١). فإذا كان المُعِيْنُ له (٢) على صومه بِعَشائه بمنزلةِ الصائم، جاز أن يكون المُفسِد لصومه بمنزلة المُفطِر. وكذلك قوله: «مَن جهَّزَ غازيًا فقد غزا، ومَن خَلَفه في أهلِه بخيرٍ فقد غزا» (٣). وضدّ ذلك مَن صدَّ عن سبيل الله بالتثبيط (٤) عن الجهاد؛ فإنه بمنزلة المحارب لله ولرسوله. كما قال ﷺ : «مَن حالت شفاعتُه دون حدّ مِن حدود الله، فقد ضادَّ اللهَ في أمره» (٥). وخصّ الحاجمَ بهذا من بين المُطعم (٦) والمُسقي، فإنه لو امتنع عن

стр. 1857

حَجْمه لم يفطر، بخلاف المُطعم والمُسقي فإن أكْلَ ذلك وشربَه غير منوط بفعل غيره. نعم يُشبه هذا ما لو مكنّت المرأةُ زوجَها مِن أن يطأها دون الفرج، فأنزل هو ولم تنزل هي. وطَرْد هذا: أن مَن حجَم مَن ليس بصائم لا يفطر، وهذا الوجه ليس [ق ٧١] بذاك. ومنها: أنّ الحاجمَ إذا امتصّ المِحْجَم بعد شَرْط (١) العضو، جاز أن يسبق شيءٌ من الدم إلى حلقه ولا يشعرُ به، والحكمةُ إذا كانت (٢) خفيّةً أُقيمت المظنّةُ الظاهرةُ مُقامها، كالنوم مع الحَدَث. ولهذا لو امتصّ المِحْجَم (٣) عند وضعه قبل الشرط لم يُفطر، كما جاء في الحديث: «أنه كان وضَعَ (٤) المحاجمَ قبل الغروب، ثم شَرَط بعد الغروب» (٥) ... (٦) فعلى هذا، لو شَرَط بدون مصّ مثل ما شَرَط الأُذُن، وقلنا: يُفطِر المشروط، فإن الشارِط هنا لا يُفطِر، وكذلك الفاصِد. ومنها: أن الحجامة في الأصل لما كانت إخراجَ دمٍ، وهي من الصناعات الرديئة، ولهذا كُرِه كسبها.

стр. 1858

الفصل السادس (١) أن من فعل هذه الأشياء ناسيًا لصومه لم يفطر . ولا يختلف المذهب في الأكل والشرب ونحوهما مما فيه القضاء فقط، وقد تقدم ذِكْر المباشرة، والله أعلم (٢). وأما الحجامة إذا فعلها ناسيًا، فالمنصوص أنه لا يفطر. قال حرب: قلت لأحمد: فاستحجم ناسيًا؟ قال: لا شيء. وذكر ابنُ عقيل فيها وجهين: أحدهما: كذلك، لأنها ليست بأكثر من الأكل والشرب (٣). والثاني (٤): يفطر؛ لأن الفطر بها ثبَتَ على خلاف القياس، والنبي ﷺ لم يفصّل في قوله: «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم» ولم يستفصل عن حال اللذين مرَّ بهما، وفي الاستقاء ... (٥) والأصل في ذلك: ما روى محمدُ بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن نَسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليُتمّ صومَه؛ فإنما

стр. 1859

أطعمَه الله (١) وسقاه» رواه الجماعة (٢). وفي رواية أبي داود (٣): جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أكلت وشربت ناسيًا وأنا صائم؟ فقال: «اللهُ أطعمَك وسقاك». وفي هذا الحديث الدلالة من وجوه: أحدها: أنه أمره بإتمام الصوم تخصيصًا له بهذا الحكم بقوله: «مَن أكَلَ أو شرب ناسيًا»، فعُلِم أن هذا إتمامٌ لصوم صحيح، إذ لو كان المراد به وجوب الإمساك لم يكن بين العامد والناسي فرق. الثاني: أنه قال: «فليتمّ صومَه»، وصومه هو الصوم الصحيح المجزئ. وقد أُمِر بإتمامه، فعُلم أنَّ الصومَ الذي بعد الأكل تمام الصوم الذي قبله، ولو أراد وجوب الإمساك فقط (٤) لقال: فليتم صيامًا (٥)، أو: فليصم بقية يومه ... ونحو ذلك، كما قال لأهل عاشوراء. الثالث: أنه لم يأمره بالقضاء، وقد جاء مستفتيًا له عما يجب عليه، شاكًّا في الأكل مع النسيان، هل يفسد أو لا يفسد؟ ومعلوم أنه لو كان واجبًا لَذَكَره، ولم يَجُز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

стр. 1860

الرابع: أنه علّل أمرَه بالإتمام بأنَّ الله أطعمَه وسقاه، ولو لم يكن مقصوده إتمام الصوم الصحيح، لم يصح التعليل بهذا؛ فإنه إذا أفسدَ (١) الصومَ في رمضان وجب الإمساك، وإن لم يكن الله أطعمه وسقاه بغير قصد من العبد (٢) ولا إرادة، فلابدّ أن يكون لهذه العلة أثرٌ في هذا الحُكم، ولا يكون لها أثرٌ إلا أن يكون الصومُ صحيحًا. الخامس: أنه قال: «الله أطعمك وسقاك» تعليلًا وجوابًا. ومعلوم أن إطعام الله وإسقاءه للعبد على وجهين: أحدهما: أنه خَلَق له الطعامَ والشرابَ (٣) والحركةَ التي بها يأكل ويشرب، وعلى هذا فالعامد والناسي وجميع الخلق، الله أطعمهم وسقاهم، كما قال إبراهيم: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩]. وهذا المعنى لم يقصده النبي ﷺ ؛ فإنه قَدْرٌ مشترك بين المتعمد والناسي، وهو بمنزلة قوله: أنت أكلْتَ وشربْتَ، فهي حكاية حال محضة. والثاني: أن يطعمه ويسقيه بغير قصد من العبد ولا عَمْد، كما في هذه الصورة، فإنه لو ذكر أنه صائم لم يأكل ولم يشرب، لكن أنساه الله تعالى صومَه، وقَيَّض له الطعام والشراب، فصار غير مكلَّف لأجل النسيان، فأضيف الفعل إلى الله تعالى قدرًا وشرعًا، فسقط قلم التكليف عن هذا الفعل.

стр. 1861

وفِعْل الله تعالى لا يتوجّه إليه تكليف، فإن إطعامَه وإسقاءَه لا يكون منهيًّا عنه، والمكلّف لم يوجد منه ما نُهِي (١) عنه، فالصوم باقٍ بحاله. فقول النبي ﷺ : «الله أطعمَك وسقاك» معناه: لا صُنْع لك في هذا الفعل، وإنما هو فعل الله فقط، فلا حَرَج عليك فيه ولا إثم، فأتْمِم صومَك. السادس: ما رُوي في لفظ: «إذا أكلَ الصائمُ أو شربَ ناسيًا، فإنما هو (٢) رزقٌ ساقَه الله إليه، ولا قضاءَ عليه» رواه الدارقطني (٣)، وقال: إسناد صحيح، كلهم ثقات. وفي لفظ: «مَن أفطر يومًا من رمضان ناسيًا، فلا قضاءَ عليه ولا كفّارة» رواه الدارقطني (٤) وقال: تفرّد به ابنُ مرزوق ــ وهو ثقة ــ عن الأنصاري. وأيضًا: عن أمّ حكيم بنت دينار، عن مولاتها أم إسحاق: أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، فأُتي بقصعةٍ من ثريد، فأكلَتْ معه ومعه ذو اليدين، فناولها رسولُ الله ﷺ عرَقًا فقال: «يا أمّ إسحاق، أصيبي مِن هذا» قالت (٥): فذكرتُ

стр. 1862

أني كنتُ صائمة، فبرَدَتْ (١) يَدِي لا أُقدِّمها ولا أؤخِّرها، فقال النبي ﷺ : «ما لكِ؟» قلت: كنتُ صائمة فنسيتُ، فقال ذو اليدين: الآنَ بعدما شبعتِ؟ فقال النبي ﷺ : «أتمِّي صومَك؛ فإنما هو رِزقٌ ساقَه الله إليك» رواه الإمام (٢) أحمد وأبو بكر عبد العزيز (٣). ولأن الصوم من باب الترك؛ فإن الواجب (٤) فيه الإمساك عن المفطِّرات، وليس فيه فعل ظاهر يفعله، [ق ٧٢] وإذا كان الفطر من باب المنهيَّات، فإن الإنسان إذا فعل ما نُهِي عنه ناسيًا أو مخطئًا، كان وجود ذلك الفعِل كعدمه في حقّ الله تعالى (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله تعالى: قد فعلتُ (٦). ولقوله ﷺ : «عُفِي لأمّتي عن الخطأ والنسيان» (٧).

стр. 1863

فإذا لم يؤاخَذ (١) العبد بهذا الأكل كان صومه باقيًا على صِحَّته، هذا هو الأغلب، وقد يُستثنَى منه مواضع تغلّظَتْ (٢)، مثل الحَلْق والتقليم وقتل الصيد في الإحرام؛ لأنه من باب الإتلاف، ومثل الكلام في الصلاة على رواية؛ لأنه بغير هيئة الصلاة، ولا يفرّق في مبطلاتها (٣) بين العَمْد والسهو، ومثل الجماع في الصيام والإحرام لتغلّظ جِنْسه، ولأنه يشبه الإتلاف، ولأنه لا يكاد يقع فيه النسيان لكونه غير معتاد، وغير ذلك من الأحكام والأسباب، وإلا (٤) فالأصل ما قدمناه. فعلى هذا لا فرق بين الأكل الكثير والقليل. الفصل السابع (٥) أن مَن فَعَلها مُكرَهًا لم يفسُد صومُه أيضًا . وهو نوعان: أحدهما: أن لا يكون له فِعل في الأكل والشرب ونحوهما، مثل أن يُفتح فوه ويوضع (٦) الطعامَ والشرابَ فيه، أو يُلقى في ماء فيدخل إلى أنفه وفمه، أو يُرَشّ عليه ماء فيدخل مسامِعَه، أو يُحجَم كرهًا، أو تُداوى مأمومتُه أو جائفتُه (٧) بغير اختياره، أو يُجرح جرحًا نافذًا إلى جوفه بغير اختياره،

стр. 1864

ونحو ذلك. فهذا لا يفطِّر في المنصوص عنه الذي عليه أصحابُه. قال في رواية ابن القاسم في الذباب يدخل حلقَ الصائم، والرّجُل يرمي بالشيء فيدخل حلقَ الآخر: وكلّ أمرٍ غَلَب عليه فليس عليه قضاء ولا غيره، وهذا كله سواء ذَكَر أو لم يَذْكر. قلتُ له: تفرّق (١) بين مَن توضّأ للفريضة وبين مَن توضأ للتطوُّع، فإنهم يفرّقون بينهما؟ قال: هو سواء إذا لم يتعمّد وإنما غُلب عليه. وقد يتبرّد بالماء في الضرورة مِن شدّة الحرّ. والذي عليه أكثر أصحابنا: الفرق بين أن يستَكْرِهها على الوطء أو يستِكْرِهها (٢) على الأكل والشرب. وخرَّج ابنُ عقيل روايةً أخرى (٣): أن الاستكراه على الأكل والشرب ونحوهما (٤) يفطِّر كالاستكراه على الوطء. فأما الاحتلام وذَرْع القيء، فإنه لا يفطِّر قولًا واحدًا. وأما إذا أُكره على الأكل بالضرب أو الحبس أو الوعيد حيث يكون إكراهًا حتى أكَلَ بنفسه، فهل يفسُد صومُه هنا (٥)؟ فيه وجهان ذكرهما القاضي في «خلافه».

стр. 1865

أحدهما: لا يُفْطِر أيضًا، وهو قول القاضي في «المجرد» وأبي الخطاب (١) وغيرهما. والثاني (٢): يُفْطِر هنا، وهو قول ابن عقيل. وينبغي أن يكون في جواز الفطر هنا روايتان، كالروايتين في جواز أكل الدم (٣) والميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر. والله تعالى أعلم (٤). الفصل الثامن (٥) أنه إنما اشترط أن يفعله عامدًا ذاكرًا لصومه، فالعامد خرج به المخطئ والمُكْرَه. فإذا فعل ذلك (٦) جاهلًا، فإما أن يجهل أن ذلك الوقت من نهار رمضان، مثل أن يعتقد أن ذلك اليوم ليس من رمضان، أو يعتقد أن الفجر لم يطلع، فإنّ هذا يفطّر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وإما أن يجهل أن ذلك الشيء مفطِّر (٧)؛ فذكر أبو الخطاب (٨) أنه لا يفطّر.

стр. 1866

لأن عَديّ بن حاتم ورجالًا (١) من المسلمين كانوا يأكلون حتى يتبيّن لهم العقال الأبيض من العقال الأسود، معتقدين أن ذلك معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢) [البقرة: ١٨٧]، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء لكونهم (٣) غير عالِمِين بأن الأكل في هذا الوقت مفطّر (٤). لأن الجهل أشدّ عذرًا من النسيان؛ فإن الناسي قد كان عَلِم ثم ذَكَر، والجاهل لم يعلم أصلًا، فإذا كان النسيان عذرًا في منع الإفطار؛ فالجهل أولى. ولأن الصوم من باب الترك، ومَن فَعَل ما نُهِي عنه جاهلًا بالنهي عنه (٥) لم يستحق العقوبة، فيكون وجود الفعل منه كعدمه، فلا يُفطِر كالناسي. والمنصوص عن أحمد فيمن احتجم جاهلًا بالحديث: أنه يفطر. ولذلك ذكر القاضي في مسألة تطيُّبهِ في الحجّ ناسيًا (٦) وغيرُه من أصحابنا: أنَ العالمَ بحَظْرِه والجاهلَ سواءٌ، قال: لأن كلّ عبادة حُظِر فيها معنى من

стр. 1867

المعاني، فإنّ حكمَ العالمِ بحَظْرِه والجاهلِ به سواء. لأن النبي ﷺ مرّ (١) بالذي يحتجم، فقال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» ولم يكن يعلم أن ذلك منهيّ عنه. ولأن مَن أفطر جاهلًا لم يقصد فِعْل العبادة (٢) التي أمر بها، فتبقى في عهدته (٣) حتى يقضيها، كمن ترك الصوم جاهلًا بوجوبه (٤)، أو ترك تبييت النية جاهلًا بأن اليوم من رمضان أو ناسيًا (٥)، بخلاف مَن قصَدَ الكفَّ والإمساكَ عن الطعام ثم أكله ناسيًا لصومه، فإن له نظرًا صحيحًا، وفِعْله الذي صدر لا يقدح فيه. والصومُ وإن كان تركًا لكن يشبه (٦) الأفعال من حيث وجوب النية فيه (٧)، بخلاف ترك جميع المحرمات، فإنه يكفي في عدمِ الإثم عدمُ الفعل، وهنا لابدّ مِن قصد الامتثال، فلَه (٨) شَبَه بالمأمورات من وجه، وبالمنهيات من وجه.

стр. 1868

ومن أُمِر بترك الأكل والشرب، فلم يقصد ذلك ولم يُرِدْه لم يمتثل ما أُمِر به البتة. مسألة (١): (وإن طار إلى (٢) حلقِه ذبابٌ أو غبار، أو مضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء، أو فكَّر فأنزل، أو قطَرَ في إحليله، أو احتلم، أو ذَرَعه القيء، لم يفسُد صومُه) . في هذا الكلام فصول: أحدها [ق ٧٣] أن ما دخل إلى فم الصائم بغير اختياره لا يُفَطِّره، مثل أن يطير إلى حلقه غبارُ الطريق أو الذباب ونحو ذلك؛ فإنه لا يفطر به. نصَّ عليه؛ لأنه مغلوب على ذلك، فأشبه الاحتلامَ وذَرْعَ القيء (٣). فإن قصدَ جمعَه وابتلاعَه ــ أي: الغبار، ونحوه (٤) ــ أفطر. وإن اجتمع في فِيه بغير قصده, فابتلعه بقصده، أفطر أيضًا. قاله أبو محمد (٥). فإن اعتمد القعودَ في موضع يصيبه ذلك لحاجة، مثل أن يغربل الدقيقَ أو يقعد عند من يغربله لحاجة، فدخل إلى فمه، لم يفطر أيضًا, وإن قَعَد لغير

стр. 1869

حاجة أو قَدِر على إمساك فمه فلم يفعل، لم يفطر أيضًا, فيما (١) ذكره ابن عقيل. الفصل الثاني (٢) إذا تمضمض أو استنشق ولم يزد على الثلاث ولم يبالغ، فسبقَه الماءُ فدخل في (٣) جوفه، فإنه لا يُفطِر ، سواء توضّأ لفريضة أو نافلة. نصَّ عليه؛ لأنه دخل بغير اختياره فلم يفطّره، كالذباب والغبار، ولأنه من (٤) نوعٍ لا يوجب الكفّارة، فلا يفطّر ما وقع بغير اختياره كذَرْع القيء. فإن قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنه هنا مختار في الفعل الذي يتولّد منه الدخول، فهو (٥) قادر على تركه في الجملة، بخلاف الذباب. الثاني: أن المضمضةَ والاستنشاقَ مِن فِعْله، فإذا سبقه شيء إلى حلقه, كان ذلك لسوء فعله، فيفطِر. قلنا: لا فرق فيما غلب عليه بين أن يَفْعَل سببَه أو لا يفعله إذا كان سببُه مباحًا من غير كراهة؛ فإنه لو أخذ ينخَل الدقيقَ فطار إلى حلقه، لم يفطر، وذلك لأن الشرع إذا أذن له في السبب لم يؤاخذه بما يتولَّدُ منه.

стр. 1870

ولهذا قلنا: سراية القَوَدِ غير مضمونة، وسراية التأديب والتعزير غير مضمونة، كسراية (١) إقامة الحدّ. وبهذا يظهر الجواب عن الوجه الثاني، فإنه إذا أُذِن له في المضمضة والاستنشاق، وفَعَل ما أُذن له فيه بحسب وُسعه، لم يضمن ما تولّد من ذلك، كالرائض إذا ضرب الدابة، ولأنه [لم يتعدّ] (٢) المشروعَ فلم يضمنه، كبقايا ما بين الأسنان إذا دخل (٣)، فإن بالغ في الاستنشاق أو زاد (٤) على المرة الثالثة، فدخل الماءُ إلى (٥) حلقه، فقد قال بعض أصحابنا: هو مكروه. والأشبه أنه محرّم إن غلب على الظن دخولُه إلى الجوف. قال أحمد في رواية عبد الله (٦) في الصائم تمضمض فيغلبه الماءُ فيدخل (٧) حلقَه: لا شيء عليه إذا غلبه. وإن (٨) تمضمض أكثر من ثلاث [ودخل حلقَه]: فيعجبني أن يعيد ذلك اليوم.

стр. 1871

وذكر أبو الخطاب (١) وغيره فيها وجهين: أحدهما: وجوب الإعادة عليه. وهو الذي ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما. وقال ابن أبي موسى (٢): إن دخل حلقَه الماءُ فيما زاد على الثلاث، أفطر قولًا واحدًا؛ لقول النبي ﷺ للقيط بن صَبِرة: «وبالِغْ في الاستنشاقِ إلا أن تكون صائمًا» (٣)، ولقوله (٤): «الوضوءُ ثلاثٌ، فمن زاد فقد أساء وتعدّى وظلم» (٥). فإذا فَعَل ما نُهِي عنه لم يُعفَ عن سِرَايته ... (٦) ولأنه لو لم يكن ما ينزل من المبالغة مفطّرًا لما نَهى النبيّ ﷺ عنه. ولأن النبي ﷺ قال لعمر: «أرأيتَ لو وضعتَ في فِيك (٧) ماءً ثم مجَجْتَه، أكنتَ تفطر؟». قال: لا. قال: «فمَه» (٨).

стр. 1872

فشبَّه القُبلةَ بالمضمضة في أن كلًّا منهما مقدّمةٌ لغيره، فإذا لم يحصل ذلك الغير لم يؤثر، فيجب إذا حصل ذلك الغير (١) أن يؤثر. والمضمضةُ مقدمةُ الأكل، والقُبلة مقدمة الإنزال، ولولا أنهما مستويان في الموضِعَين لَمَا حسُن قياس أحدهما بالآخر، وكان يقال: المضمضة لا تفضي إلى الفطر بحال، بخلاف القُبلة، لكن القُبلة ليست مشروعة بحال، و (٢) المضمضة مشروعة في بعض المواضع، فما كان منها مشروعًا خرج عن هذا القياس، فيبقى غير المشروع كالقُبلة سواء. الثاني: لا يفطر؛ لأنه فِعْل مغلوب عليه، فلم يفطِّر كالثالثة. فإن اغتمس في ماء، فدخل الماءُ حلقَه (٣) أو أنفَه أو أُذنَه، أو اغتسل فدخل فمَه أو أذنَه أو أنفَه، أو (٤) تمضمض لغير الطهارة، فدخل الماءُ حلقَه بغير اختياره، فإن كان ذلك لطهارة مشروعة، مثل أن يغسل فمه من نجاسة به، أو يغتسل (٥) غُسلًا مشروعًا كالجنابة والجمعة، فهو كما لو سبقه الماء في المضمضة والاستنشاق. وإن وضع الماءَ في فمه للتبرّد أو عبثًا أو اغتمس (٦) في الماء، أو أسرف في الاغتسال أو اغتسل (٧) عبثًا، فكلامه يقتضي روايتين:

стр. 1873

أحدهما: يفطر (١). فقد قال في رواية ابن القاسم: كلُّ أمرٍ غُلِبَ عليه، فليس عليه قضاء ولا غيره، وسواء ذَكَر أو لم يذكر. قيل له: يفرَّق بين من توضأ للفريضة ومن توضأ للتطوع؟ قال: هو سواء إذا لم يتعمد وإنما غُلِب، وقد يتبرّد بالماء في الضرورة من شدّة الحرّ (٢). فقد نصّ على أنه إذا تبرّد بالماء (٣) مِن شدّة الحرّ، فدخل أنفَه أو فاه وهو مغلوب عليه، لم يفطر؛ لأنه دخل المفطّرُ إلى جوفه بغير اختياره فلم يُفطر، كما لو دخل في المضمضة والاستنشاق (٤). ولأنه نوعٌ من المفطّرات، فلم يؤثّر إذا وُجِد بغير قصدٍ منه، كالقيء والاحتلام، وهذا بخلاف نزول الماء عن مباشرةٍ، فإنه وإن لم يقصد نزولَ الماء لكن هو لا ينزل إلا (٥) بالمباشرة، فإذا فعَلَ المباشرةَ، فقد فعَلَ السببَ الذي به (٦) يُسْتنزَل الماءُ.

стр. 1874

وهناك (١) الابتلاع والازدراد في الغالب إنما يكون بقصده، ولا مقصدَ (٢) له في ذلك. والسباحة (٣): لا تفطِّر. [ق ٧٤] قال في رواية حنبل: الصائم إن لم يدخل مسامعَه وحلقَه الماء، فلا بأس أن ينغمس فيه. ورووا عن مبارك، عن الحسن: أنه كره أن يغوصَ في الماء، وقال: إن (٤) الماء يدخل في مسامعه (٥). وقال في رواية أبي الصقر: إذا استعط أو وضع على لسانه (٦) دواءً، فدخل حلقَه، فعليه القضاء. وقال في رواية حنبل: وقد سأله (٧) عن الرجل يصوم، ويشتدّ عليه الحرّ، ترى (٨) له أن يبلّ ثوبًا أو يصبّ عليه يتبرّد بذلك ويتمضمض ويمجّه؟ قال: «كان النبي ﷺ بالعَرْج يُصبّ على رأسه الماء وهو صائم» (٩).

стр. 1875

وأما المضمضة فلا أحبّ أن يفعله، لعله أن يسبقه إلى حلقه، ولكن يبلّ ثوبًا ويصبّ عليه الماء. وسُئل عن الصائم يعطش فيتمضمض ثمّ يمجّه؟ قال: يرش على صدره أحبّ إليَّ. لأنه غير مأمور من الشرع بهذه الأشياء، فإذا فعلها، كان ضامنًا لما يتولّد منها من الفِطر كما يضمَن ما (١) يتولّد مِن ضرب الغير. ولأن مباشرتَه للسبب المقتضي لدخول هذه الأشياء إلى جوفه بغير أمرٍ الشرع اختيارٌ منه وقصْدٌ إذا لم يغلب على الظن دخول الداخل إلى جوفه. فأما إن غلب على ظنّه، حَرُم عليه فعلُه، وأفطر بما يتولّد منه بلا تردّد. ومن أصحابنا من فرَّق في هذه المواضع بين ما تدعو إليه الحاجة ويُباح فعله من غير كراهة وما ليس كذلك، وما كان من هذه الأشياء لا حاجةَ إليه، فهو مكروه إن خيف حصول الفطر منه. فأما ما يحتاج إليه لغير الطهارة ... (٢) وأما الاغتسال ودخول الحمام، فلا بأس به إذا لم يخف الضعفَ من الحمام. قال في رواية ابن منصور (٣): الصائمُ يدخل الحمامَ إن (٤) لم يخف

стр. 1876

الضعفَ. وقال في رواية حنبل: لا بأس بالاغتسال من الحرّ. لأن النبي ﷺ كان يصبح جُنبًا مِن جماعٍ غيرِ احتلام، ثم يغتسل ويصوم. متفق عليه (١). وعن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: «لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعَرْج (٢) يُصَبُّ على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحرّ». رواه أحمد وأبو داود (٣). قال البخاري (٤): وبلّ ابنُ عمر ثوبًا (٥) فألقاه عليه وهو صائم. قال: وقال أنس: «إن لي أَبْزَن أتقحّم فيه وأنا صائم» (٦).

стр. 1877

وعن ابن عباس: أنه دخل الحمامَ وهو صائم هو وأصحابٌ له في شهر رمضان. رواه أبو بكر (١). وعن علي ... (٢) فصل (٣) وما يجتمع في فمه من الريق ونحوه إذا ابتلعه، لم يُفْطِر ولم يُكره له ذلك ، سواء ابتلعه باختياره أو جرى إلى حلقه بغير اختياره، إذا كان الريقُ قد اجتمع بنفسه؛ لأن اجتماع الريق بنفسه أمرٌ معتاد، وفي إيجاب التبصُّق مشقّة عظيمة، فأما إن جمعَه وابتلعَه فإنه يُكره له ذلك. وهل يفطر؟ على وجهين خرَّجهما القاضي وابنُ عقيل وغيرهما على الروايتين في النُّخامة إذا استدعاها ثم ازدردها: أحدهما: يفطر. لأنه يمكنه الاحتراز منه، فأشبه ما لو فَصَلَه عن فِيه ثم ابتلعه. والثاني: لا يفطر. وهو ظاهر كلامه، فإنه نصَّ على الفرق بين النُّخامة والبصاق إلا إذا ابتلعها، لا فرق بين أن يقتلعها من جوفه أو تخرج بنفسها ثم يزدردها عمدًا. والريق لو اجتمع بنفسه ثم ابتلعه عمدًا لم يفطِّره (٤) قولًا واحدًا.

стр. 1878

وجَمْعه هو ليس مفطِّرًا؛ لأن حصول المفطِّر (١) في الفم لا يوجب الفطر، لم يبق إلا مجرّد ازدرادها، وذلك أيضًا لا يفطِّر، كما لو اجتمعت بنفسها فازدردها عمدًا. وإن أخرج (٢) لسانَه وعليه ريق فأبرزه عن شفتيه، ثم أعاده وابتلعه، لم يفسُد صومُه بذلك. قاله القاضي وابن عقيل وعامة أصحابنا. لأنه بَلَلٌ متّصل به، فلم يفطّره كما لو بقي في الفم. وحُكي عن ابن عقيل أنه يفطِّر (٣). وهو غلط عليه، وإنما قال فيمن أخرج ريقَه إلى شفتيه ثم ازدرده أفطر؛ لأنه [صار بخروجه عن فمه في حكم الظاهر] (٤). وإن انفصل الريقُ عن فِيه إلى ثوبه أو يده ونحو ذلك، ثم أعاده إلى فِيه وازدرده، أفطر. فيما (٥) ذكَرَه بعضُ (٦) أصحابنا؛ لأنه (٧) يمكنه الاحتراز منه، ولأنه ابتلعه من غير فمه، فأشبه ما لو ابتلعَ غيرَه، حتى قال ابن عقيل وغيره: إن خرج ريقُه إلى شفتيه ثم ازدرده أفطر؛ لأنه صار بخروجه عن فمه في

стр. 1879

حكم (١) الظاهر. وإن تعلّق بخيط أو غيره ... (٢) وإن كان في فمه حصاة أو درهم، فأخرجه وعليه بلَلُ (٣) ريقِه، ثم أعاده وابتلعَ بعد ذلك ريقَه؛ فقال ابن عقيل: يفطر بابتلاع الريق الذي كان على ذلك الجسم؛ بخلاف ما لو أخرج لسانه وعليه الدرهم ثم أعاده، لم ينبغي أن يفطر هنا. وقال غيره من أصحابنا: إن كان عليه من الريق كثيرًا أفطر، وإن كان يسيرًا لم يفطر؛ لأنه لا يتحقق انفصال ذلك البلل ودخوله إلى حلقه، فلا تفطره، كآثار المضمضة والسواك الرَّطْب. ومثل هذا أيضًا لو أدخل إلى فِيه حصاةً مبلولة بماء أو نحوه، أو مصّ لسانَ غيره ونحو ذلك مما يكون عليه رطوبة يسيرة، ففيه الوجهان المذكوران. ولو تعلّق بصاقُه بخيط ونحوه ثم أعاده إلى فمه (٤)، فينبغي أن يخرَّج على هذين الوجهين.

стр. 1880

وإن كان للخيط طعم؛ قال عبد الله (١): سألت أبي عن الصائم يفتل الخيوط؟ [فقال:] يعجبني أن يتبزَّق. وجعل بعضُ أصحابنا التبزّق (٢) لما يجده من طعم الخيوط. والأظهر أن التبزّق لِمَا [ق ٧٥] يصير على الخيط من الريق، ثم يعود إلى فمه، لأنه نصّ على أن وضع الدينار (٣) والدرهم في الفم لا بأس به ما لم يجد طعمَه. وإن ابتلع نُخامة من صدره أو رأسه، فإنه يُكره. وهل يفطر؟ على روايتين: إحداهما (٤): يفطر. قال في رواية حنبل: إذا تنخّم الصائم ثم ازدرده، فقد أفطر، فإن بلع ريقَه لم يفطر؛ لأن النُّخامة تنزل من الرأس، والريق من الفم، فبينهما فرق. ولو أن رجلًا تنخّع من جوفه، ثم ازدرده، فقد أفطر؛ لأنه شيء قد بان منه، وكان بمنزلة مَن أكل شيئًا. ولا ينبغي أن يتنخّع ويقلع مِن جوفه بلغمًا أو غيره، إلا أن يغلبه أمرٌ فيقذفه ولا يزدرده، فقد نصّ على الفطر بنخامة الرأس والصدر، وجعل

стр. 1881

نخامة الصدر بمنزلة القيء لا يتعمّد إخراجها إلا أن يُغلَب، وهذا لأنه خارج من البطن (١) أمكن التحرّز من عَودِه، فأفطر به، كالقَلَس والدم. والثانية: لا يفطر. قال ابن عقيل: وهي أصحهما. قال في رواية المروُّذي: ليس عليك قضاء إذا ابتلعتَ النخاعةَ وأنت صائم، إلا أنه لا يعجبني أن يفعل. والنخاعةُ إذا كانت من الصدر ليس فيها طعام، فلا بأس، وإن استقاء حتى يخرج الطعام، فعليه القضاء. ونقل أبو طالب ... (٢) فقد نصّ على أن النخاعة لا يفطّر ابتلاعُها مطلقًا، وبيَّن أن التي تخرج من الصدر لا يُفْطِر بخروجها، إلا أن يَخْرُج (٣) الطعامُ فيكون قيئًا، وهذا ... (٤) وذكر ابن أبي موسى (٥): أن الروايتين في نخامة الصدر، فأما التي من الرأس، فيُفْطِر روايةً واحدة، والفرق بينهما أن التي من الصدر بمنزلة البصاق، بخلاف التي من الرأس.

стр. 1882

ف أما القَلَس إذا خرج ثم عاد بغير اختياره، لم يفطِر (١)، وإذا ابتلعه عمدًا فإنه يفطر . نصّ عليه في رواية صالح (٢): إذا ابتلع القَلَسَ أعاد صومَه، وأما في الصلاة، فإن كان بقَدْر ما يكون في الأسنان (٣)، فأرجو أن لا يكون عليه قضاء الصلاة. قال القاضي: وظاهر هذا أنه فرّق (٤) بين الصلاة والصيام في القَدْر اليسير ولم يعفُ عن ذلك في الصيام (٥)، وكذلك لو جَرَح فمَه فسال دمُه. كذلك ما يبقى بين الأسنان من خبز أو لحم أو سويق ونحو ذلك، إذا أمكنه أن يلفظه فابتلعه ذاكرًا لصومه، أفطر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. قال ابن أبي موسى (٦): إن بقي بين أسنانه مِن طعامه (٧) ما يَعلم به ويقْدِر على لفظه فازدرده، أفطر، وإن كان لا يعلم به، فجرى به الريقُ (٨) عن غير قصد (٩) فازدرده، لم يفطر. وإن أصبح وهو في فِيه فلَفَظَه، لم يفطر.

стр. 1883

فأما ما يجري به الريق وهو ما لا يتميّز عن الريق، فإنه لا يُفطِر به؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقّة، وهو التبزّق. وإذا تنجّس فمه بالقيء أو الدم ونحوهما، أو بشيء من خارج، وابتلع ريقَه، لم يفطر بابتلاع الريق وإن كان نجسًا، إلا أن يكون معه جزء من النجاسة يمكن لفظُه؛ لأن ما يجري به الريقُ لا يُفْطِر به، كأثر المضمضة وأثر الطعام، إلا أن يكون قد وضَعَ النجاسةَ في فمه عمدًا. فصل (١) وما يوضع في الفم من طعام أو غيره لا يفطّر ؛ لأن المضمضة جائزة بالسنة المستفيضة، فإن النبيَّ ﷺ وأصحابَه كانوا يتمضمضون في وضوئهم وهم صيام. وقد قال للقيط بن صَبِرة: «وبالِغْ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٢) فأمره بالاستنشاق مع الصوم دون المبالغة فيه (٣). وقد ضَرَب لعمر المثلَ بالمضمضة في أنها لا تفطِّر الصائم (٤). ولما روى ... (٥): أن أسامة دخل على النبي ﷺ وقد شُجّ، ودمُه يسيل، فجعل النبيُّ ﷺ يمصّ الدَّمَ عن شَجّته (٦).

стр. 1884

والدمُ محرّم أكله، ولم يكن النبيُّ ﷺ بإدخاله (١) الدمَ إلى فمه بآكِل ولا منهيّ عنه في هذه (٢) الحال. فكذلك الأشياء إذا دخلت فم الصائم لا تضرّه، لكن يُكره ذلك إذا لم تَدْعُ إليه حاجةٌ؛ لأن فيه (٣) حومًا حول الحمى. فأما إن كان لحاجة، مثل أن يذوق طَعْم القِدْر أو خَلًّا ونحوه مما يريد شراءه، أو يمضغ الخبزَ للصبي ونحو ذلك، ففيه روايتان: إحداهما (٤): يكره. قال في رواية حنبل: عن عكرمة، عن ابن عباس: لا بأس أن يذوق الصائمُ الخلَّ والشيءَ الذي يريد شراءَه ما لم يدخل حلقَه (٥).

стр. 1885

ومنصور، عن الحسن: أنه كان يمضغ الجوزَ والشيءَ لابنه (١) وهو صائم (٢). قال أبو عبد الله: أَحَبُّ إليَّ أن يجتنب الصائمُ ذوقَ الشيء، فإن فَعَل لم يضرّه ولا بأس به. وهو (٣) اختيار أبي الخطّاب (٤). والثانية: لا يكره. قال في رواية أبي الحارث (٥): يُمضَغ للصبيّ الخبزُ في شهر رمضان ضرورةً. وهذا قول أبي بكر وابن عقيل. وقال القاضي: إذا (٦) كان الشيءُ الذي يذوقُه مما يتحلَّل إلى حلقه مثل الخلّ وغيره من الأشياء، مُنِع من ذلك. وإن كان مما لا (٧) يتحلَّل غالبًا كالخبز والقثّاء ونحو ذلك، جاز له ذلك.

стр. 1886

فإن فعَلَ فوجَدَ طعمَه في حلقه (١) أو نزل إلى جوفه بغير اختياره، فقال أبو بكر: لا يضرُّه (٢) ما لم يبلَعْه أو يزْدَرِدْه متعمّدًا، وعلى الغلبة لا قضاء عليه. وقال القاضي وأصحابه وغيرهم من أصحابنا: يفطر بنفس وجود الطعم، وإن ذاقه ثم لفَظَه (٣)؛ لأنه يَعلم أنه قد تحلّل (٤) إلى حلقه منه شيءٌ، بخلاف ما إذا لم يجد طعمَه في حلقه، وبخلاف العِلْك الذي يَصْلُب بالعَلْكِ، فإن الريق [ق ٧٦] يتميّز عنه ويأخذ الطعمَ منه، وهذه المَذُوْقات لا يتميّز الريقُ منها. وأكثرُ كلام أحمد على هذا، ورواية ابن القاسم توافق قول أبي بكر. فأما وضْعُ ما لا طعم له فلا يكره. قال في رواية المرُّوذي: إذا وضع الصائم في فمه دينارًا أو درهمًا (٥) وهو صائم، أرجو أن لا يكون به بأس ما لم يجد طعمَه، وما وجد طعمَه لا يعجبني. قال ابن عقيل: وهذا عندي محمول على أجزاء ما يكون على الدينار من غبار وما شاكله، فأما الذهب، فلا طعم له في نفسه، ولو كان له طَعْم (٦)، فإنه لا يتحلَّل منه شيء إلى الفم.

стр. 1887

وإذا وجَدَ طعمَ الدرهم والدينار، ففيه وجهان على ما ذكره القاضي (١). فأما ما يبقى في الفم مِن أجزاء الماء في المضمضة، فإنه لا يُفَطِّر بوصوله إلى جوفه وإن أمكن الاحتراز عنه بالبصق، ولا يستحبّ إخراجه. فأما ما يبقى (٢) من أثر المذوق ... (٣) ويكره للصائم مضغ العلك، وهو الموميا (٤) واللبان، الذي كلما علَكَه (٥) قوِيَ وصَلُب ولم يتحلَّل (٦) منه شيء؛ لما تقدم من أنه لا حاجة إليه، وهو يحلب الفمَ ويجمع الريقَ فيه ويورث العطشَ. وجمعُ الريقِ وبلْعُه مكروه، ولا يفطّر باجتماع هذا (٧) الريق وابتلاعه ما لم يجد طعم العلك. قاله القاضي وغيره من أصحابنا. وذكر ابنُ عقيل فيه الروايتين التي تقدمت فيمن جمعَ الريقَ وبلَعَه. فإن ابتلع الريقَ فوجد طعم العلك في حلقه، فقد قال أحمد فيما إذا وَجَد طعمَ الدينار: لا يعجبني. وهذا مِثْله، وفيه وجهان:

стр. 1888

أحدهما: أنه يفطر. قال القاضي: وهو ظاهر قوله: «لأنه وجد الطعمَ في حلقه»، فأفطر كما لو وجد طعم الكُحْل (١) وأولى، ولأن الريق باختلاطه بالعلك وامتزاجه به صار بمنزلة شيء من خارج، فإذا بلَعَه فقد بلع (٢) جسمًا له طَعْم فيفطر، كما لو مزج ريقه بخلٍّ ثم بلَعَه (٣). والثاني: لا يفطر. لأن الطعم عَرَض، وهو لم ينزل في حلقه شيء من الأجسام، وهو لا يفطر بهذا؛ كما لو وضع رجلَه في الماء فوجدَ بردَها، وكما لو لطَخَ رجلَه بالحنظل فوجد طعمَه في فِيه، فإنه لا يفطر. فأما الذي يتحلّل منه أجزاء وهو يتفشّى ويتهرَّأ (٤) بالعَلْك، فقال أصحابنا: لا يجوز له مضغه، ومتى مضغَه فوجد طعمَه في حلْقِه أفطر. وقال ابن عقيل: يحرم مضغُه ويُفْسِد الصومَ؛ لأنه ابتلع في صومه ما يقدر على التحرُّز منه. وقال غيره: هذا يحرم (٥) إلا إذا لم يبتلع ريقَه. وقال غيره: هذا إذا لم يكن إليه حاجة، فأما مع الحاجة فيجوز. وذكر القاضي: أنه لا يعلكه، ولم يكره، كما نصّ عليه أحمد في مضغ الجوز وغيره.

стр. 1889

وإذا كانت الحاجة إليه، ففي الكراهة الروايتان (١). وإذا وجد طعمَه وأثرَه وبصاقَه في فِيه، فعلى الوجهين. فإن مضغ هذا (٢) العِلكَ فنزل في حلقه منه شيء، أفطر؛ لأنه أجزاءٌ منه، فهو كما لو جعل في فمه طعامًا (٣)، فذاب ونزل في حلقه. وإن وجد الطعمَ، ولم يتيقّن نزولَ الأجزاء أفطر أيضًا. قاله أبو الخطّاب (٤). وهو مقتضى قول القاضي؛ لأنّ طعم هذه (٥) العِلْك لا ينفصل عن أجزائها، فإنها تختلط بالريق وتمتزج به. و هل يكره السواك الرَّطْب؟ على روايتين (٦): إحداهما (٧): يكره. نقلها الأثرم، فقال: لا يعجبني السواك الرَّطْب. والثانية: الرطب واليابس سواء. قال في رواية ابن هانئ (٨): أرجو. أي: سواء (٩) كان الرُّطْب واليابس

стр. 1890

للصائم. وهو اختيار أبي بكر ... (١) وأما ابتلاع ريق الغير، فإنه يفطِّر (٢) فيما ذكره أصحابنا. واعتذروا عما رُوي عن عائشة: أن النبيّ ﷺ كان يُقبّلها وهو صائم ويمصّ لسانها. رواه أحمد وأبو داود (٣)؛ فإنه قد رُوي عن أبي داود أنه قال: هذا إسناد ليس بصحيح. وأنه يجوز أن يكون المصُّ في غير وقت التقبيل، وأن يكون قد مصَّه ولم يبتلعه. وحمَلَه بعضُهم على أن البللَ الذي على لسانها لم يتحقّق انفصالُه إلى فِيه ودخوله إلى جوفه لقلّته، فلم يفطِر على أحد الوجهين المتقدِّمَين (٤). الفصل الثالث (٥) إذا فكّر فأنزل، أو قطَرَ في إحليله، أو احتلم، أو ذَرَعه القيء، فإنه لا يفسد صومه .

стр. 1891

أما القيء والاحتلام فمن غير خلاف، وأما إذا فكّر فأنزل فقد تقدّم أن فيها وجهين. وإذا قطَرَ في إحليله لم يفطر بمجرّد ذلك، وكذلك لا يفسد صومُه لو أنزل بغير شهوة، كالذي يخرج منه المنيّ أو المذي لغير شهوة. فصل وقال الأثرم: قضية المباشرة شبيهة بقضية (١) القُبلة، فالقُبلة إذا خاف الصائمُ أن ينتشر، اجتنبها، وإذا أمِن ذلك فلا بأس بها، وذلك أن ينتشر فيمذي فيجرح صومَه. ولا يباشر الصائمُ النساءَ لشهوة. قاله ابنُ أبي موسى (٢). وهل هو محرّم أم (٣) مكروه؟ ولفظه: «ولا تقرب النساء بجماع ولا مباشرة في نهار الصوم ولا قُبلة إذا كان شديدًا شابًّا (٤) شَبِقًا يخاف على نفسه». فأما مباشرتها لغير شهوة، مثل أن يمسّ يدَها لمرضٍ ونحوه (٥)، فلا يُكره، كما لا يكره في الإحرام والاعتكاف. وقال ابن عقيل: المباشرات دون الفرج مثل القُبلة واللمس والمعانقة

стр. 1892

والمصافحة لشهوة: إن كان من الشيخ الهَرِم (١) الذي لا تحرِّك القُبلةُ منه ساكنًا، فلا إثم (٢) ولا قضاء ولا كفّارة، وإن كان شابًّا كُره له ذلك، وأثِمَ بفعله. فأما القُبلة: فإن كانت تحرّك [ق ٧٧] شهوتَه بأن يكون شابًّا يخاف على نفسه (٣)، كُرهت له القُبلة. قال بعض أصحابنا: كراهةَ تحريم، وكذلك ذكر ابن عقيل وأبو الحسين. وقال بعضهم: إذا (٤) كان ذا شهوة مُفْرِطة، بحيث يغلب على الظن (٥) أنه ينزل معها، حَرُمَت كما يحرم عليه الاستمناء وإن لم ينزل معه، وإلا كُرِهَت ولم تحرم. وإن كان ممن لا تحرِّك القُبلةُ شهوتَه، فعلى روايتين: إحداهما: لا بأس بها. قال في رواية أبي داود (٦): إذا (٧) كان لا يخاف، فإذا كان شابًّا، فلا. وقال في رواية ابن منصور (٨) وقد سُئل عن الصائم يُقبِّل أو يُباشر: أما

стр. 1893

المباشرة شديدة (١)، والقُبلة أهون. والثانية: يكره مطلقًا. قال في رواية حنبل: وقد سُئل عن القُبلة للصائم، فقال: لا يُقَبِّل، وينبغي له أن يحفظ صومَه، والشابُّ ينبغي (٢) له أن يجتنب ذلك، لما يُخاف من نقض صومه. وهذه الكراهة كراهة تحريم فيما ذكره (٣) القاضي وابنه أبو الحسين (٤)؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ... ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والمباشرة: أن تلاقي البشرةُ البشرةَ (٥) على وجه الاستمتاع، وهي (٦) أعمّ مِن الجِماع. وقد مَدَّ إباحةَ ذلك إلى تبيُّن الفجر، يدلُّ على ذلك أنه قال في الاعتكاف: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وعمّ ذلك المباشرةَ بالوطء والغَمْزَ والقُبلةَ، وكذلك قوله في آية الحج: ﴿فَمَنْ فَرَضَ

стр. 1894

فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (١) [البقرة: ١٩٧]، والرفث: الجماع (٢) ومقدّماته. وآية الصيام قد ذكر فيها الرَّفَثَ والمباشرةَ، ولأن كلَّ عبادةٍ حرَّمَت (٣) الوطء حرَّمَت مقدماته، كالإحرام والاعتكاف، ولأن المباشرة والقُبلة (٤) من دواعي الجماع، فلا يؤمَن أن يَقْتَرن بها إنزال مَنِيّ أو مذي، أو أن تدعو إلى الازدياد والإكثار، فيفضي إلى الجِماع. فإنَّ سَلَمة بن صخر رأى بياضَ ساق امرأته (٥)، فدعاه ذلك إلى جماعها (٦). ومن نَصَر هذه الرواية قال: إن تقبيل النبي ﷺ كان من خصائصه؛ لِمَا روَتْ عائشةُ ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يُقَبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أَمْلَكَكُم لإرْبِه». متفق عليه (٧). وفي رواية لمسلم (٨): «في شهر الصوم (٩)».

стр. 1895

والرواية الأولى اختيار ابن أبي موسى (١) والقاضي وأصحابه. لِمَا رُوي عن أم سلمة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقبِّلها وهو صائم» متفق عليه (٢). وعن عَمرو بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ : أيُقَبِّل الصائم؟ فقال له: «سَلْ هذه (لأم سلمة)». فأخبرَتْه أن رسولَ الله ﷺ كان (٣) يفعل ذلك. فقال: يا رسول الله، قد غُفِر (٤) لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فقال له رسول الله ﷺ : «أمَا والله، إني لأتقاكم لله وأخشاكم له (٥)» رواه مسلم (٦). وتَكرار (٧) النظر مكروه لمن تُحرّك شهوتَه بخلاف من لا تُحرّك شهوته . وقيل: لا يكره بحال. وعن أبي هريرة ﵁: «أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عن المباشرة للصائم فرخّص له، وأتاه آخر فنهاه عنها، فإذا الذي رخَّصَ له شيخ، وإذا الذي نهاه شابّ». رواه أبو داود (٨).
следующие страницы →