← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

أما القيء والاحتلام فمن غير خلاف، وأما إذا فكّر فأنزل فقد تقدّم أن فيها وجهين. وإذا قطَرَ في إحليله لم يفطر بمجرّد ذلك، وكذلك لا يفسد صومُه لو أنزل بغير شهوة، كالذي يخرج منه المنيّ أو المذي لغير شهوة. فصل وقال الأثرم: قضية المباشرة شبيهة بقضية (١) القُبلة، فالقُبلة إذا خاف الصائمُ أن ينتشر، اجتنبها، وإذا أمِن ذلك فلا بأس بها، وذلك أن ينتشر فيمذي فيجرح صومَه. ولا يباشر الصائمُ النساءَ لشهوة. قاله ابنُ أبي موسى (٢). وهل هو محرّم أم (٣) مكروه؟ ولفظه: «ولا تقرب النساء بجماع ولا مباشرة في نهار الصوم ولا قُبلة إذا كان شديدًا شابًّا (٤) شَبِقًا يخاف على نفسه». فأما مباشرتها لغير شهوة، مثل أن يمسّ يدَها لمرضٍ ونحوه (٥)، فلا يُكره، كما لا يكره في الإحرام والاعتكاف. وقال ابن عقيل: المباشرات دون الفرج مثل القُبلة واللمس والمعانقة

стр. 1892

والمصافحة لشهوة: إن كان من الشيخ الهَرِم (١) الذي لا تحرِّك القُبلةُ منه ساكنًا، فلا إثم (٢) ولا قضاء ولا كفّارة، وإن كان شابًّا كُره له ذلك، وأثِمَ بفعله. فأما القُبلة: فإن كانت تحرّك [ق ٧٧] شهوتَه بأن يكون شابًّا يخاف على نفسه (٣)، كُرهت له القُبلة. قال بعض أصحابنا: كراهةَ تحريم، وكذلك ذكر ابن عقيل وأبو الحسين. وقال بعضهم: إذا (٤) كان ذا شهوة مُفْرِطة، بحيث يغلب على الظن (٥) أنه ينزل معها، حَرُمَت كما يحرم عليه الاستمناء وإن لم ينزل معه، وإلا كُرِهَت ولم تحرم. وإن كان ممن لا تحرِّك القُبلةُ شهوتَه، فعلى روايتين: إحداهما: لا بأس بها. قال في رواية أبي داود (٦): إذا (٧) كان لا يخاف، فإذا كان شابًّا، فلا. وقال في رواية ابن منصور (٨) وقد سُئل عن الصائم يُقبِّل أو يُباشر: أما

стр. 1893

المباشرة شديدة (١)، والقُبلة أهون. والثانية: يكره مطلقًا. قال في رواية حنبل: وقد سُئل عن القُبلة للصائم، فقال: لا يُقَبِّل، وينبغي له أن يحفظ صومَه، والشابُّ ينبغي (٢) له أن يجتنب ذلك، لما يُخاف من نقض صومه. وهذه الكراهة كراهة تحريم فيما ذكره (٣) القاضي وابنه أبو الحسين (٤)؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ... ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والمباشرة: أن تلاقي البشرةُ البشرةَ (٥) على وجه الاستمتاع، وهي (٦) أعمّ مِن الجِماع. وقد مَدَّ إباحةَ ذلك إلى تبيُّن الفجر، يدلُّ على ذلك أنه قال في الاعتكاف: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وعمّ ذلك المباشرةَ بالوطء والغَمْزَ والقُبلةَ، وكذلك قوله في آية الحج: ﴿فَمَنْ فَرَضَ

стр. 1894

فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (١) [البقرة: ١٩٧]، والرفث: الجماع (٢) ومقدّماته. وآية الصيام قد ذكر فيها الرَّفَثَ والمباشرةَ، ولأن كلَّ عبادةٍ حرَّمَت (٣) الوطء حرَّمَت مقدماته، كالإحرام والاعتكاف، ولأن المباشرة والقُبلة (٤) من دواعي الجماع، فلا يؤمَن أن يَقْتَرن بها إنزال مَنِيّ أو مذي، أو أن تدعو إلى الازدياد والإكثار، فيفضي إلى الجِماع. فإنَّ سَلَمة بن صخر رأى بياضَ ساق امرأته (٥)، فدعاه ذلك إلى جماعها (٦). ومن نَصَر هذه الرواية قال: إن تقبيل النبي ﷺ كان من خصائصه؛ لِمَا روَتْ عائشةُ ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يُقَبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أَمْلَكَكُم لإرْبِه». متفق عليه (٧). وفي رواية لمسلم (٨): «في شهر الصوم (٩)».

стр. 1895

والرواية الأولى اختيار ابن أبي موسى (١) والقاضي وأصحابه. لِمَا رُوي عن أم سلمة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقبِّلها وهو صائم» متفق عليه (٢). وعن عَمرو بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ : أيُقَبِّل الصائم؟ فقال له: «سَلْ هذه (لأم سلمة)». فأخبرَتْه أن رسولَ الله ﷺ كان (٣) يفعل ذلك. فقال: يا رسول الله، قد غُفِر (٤) لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فقال له رسول الله ﷺ : «أمَا والله، إني لأتقاكم لله وأخشاكم له (٥)» رواه مسلم (٦). وتَكرار (٧) النظر مكروه لمن تُحرّك شهوتَه بخلاف من لا تُحرّك شهوته . وقيل: لا يكره بحال. وعن أبي هريرة ﵁: «أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عن المباشرة للصائم فرخّص له، وأتاه آخر فنهاه عنها، فإذا الذي رخَّصَ له شيخ، وإذا الذي نهاه شابّ». رواه أبو داود (٨).

стр. 1896

مسألة (١): (ومَن أكل يظنّه ليلًا فبانَ نهارًا، أفطر) . هذه المسألة لها صورتان: إحداهما: أن يأكل معتقدًا بقاء الليل، فتبيَّن (٢) له أنه أكل بعد طلوع الفجر. والثانية: أن يأكل معتقدًا غروبَ الشمس لتغيُّم السماء ونحو ذلك، فتبيَّن أنه أكل قبل مَغِيبها، وفي كلا الموضعين يكون مفطرًا، سواء في ذلك صوم رمضان وغيره، لكن إن كان في رمضان، لزمه أن يصوم بقيّة يومه حتى لو جامع فيه لزمته الكفّارة وعليه القضاء. هذا نصُّه في غير موضع ومذهبه (٣). وإن كان في قضاء رمضان، جاز له الخروج منه، والأفضل إتمامُه وقضاؤه.

стр. 1897

وإن كان في غير رمضان، لم يلزمه المضيّ فيه، سواء كان نفلًا أو نذرًا معينًا أو مِن (١) صومٍ متتابع، كصوم كفّارة الظهار والقتل. ولا ينقطع تتابُعه بالأكل فيه بعد ذلك، هكذا ذكر ... (٢) وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهذا أكَلَ بعد أن تبيّن بياضُ النهار من سواد الليل، أو لم يتمّ صيامَه إلى الليل (٣). لِما روى عليُّ بن حنظلة (٤)، عن أبيه قال: كنّا مع عمر بن الخطاب في شهر رمضان، فلما غابت الشمسُ فيما يرون، أفطَرَ بعضُ (٥) الناس فقال رجل: يا أمير المؤمنين، هذه الشمس بادية. فقال (٦): «أعاذنا الله من شرِّك، ما بعثناك راعيًا للشمس». ثم قال: «مَن أفطر منكم، فليصم يومًا مكانه» (٧).

стр. 1898

وعن بِشْر بن قيس قال: «كنّا عند عمر بن الخطاب في عشيّة رمضان، وكان يوم غيم، فجاءنا سويق، فشرب، وقال لي: أتشرب (١)؟ فشربت، فأبْصَرْنا بعد ذلك الشمسَ، فقال عمر: لا والله، ما نبالي (٢) أن نقضي يومًا مكانَه» (٣). وعن زيد بن أسلم، عن أخيه، عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب أفطر، فقالوا له: طلعت (٤) الشمسُ، فقال: خَطْبٌ يسير، قد كنّا جاهلين» (٥). رواهن سعيد. ورواه مالك (٦)، عن زيد بن أسلم، عن أخيه (٧): «أن عمر أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أن (٨) قد أمسى وغابت الشمس، فجاءه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين! [ق ٧٨] قد طلعت الشمسُ. فقال

стр. 1899

عمر بن الخطاب (١): الخَطْبُ يسير، وقد اجتهدنا». قال مالك: يريد بذلك القضاءَ، ويسير مؤنته وخفّته فيما نُرى. والله أعلم. قال أحمد في رواية الأثرم: إذا تسحّر وظنّ أنّ (٢) الفجر لم يطلع فشرب، ثم علم أنه طلع، يقضي يومًا مكانه، ومَن أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت يذهب إلى القضاء، على حديث زيدِ بن أسلم، عن أخيه، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، قال: «قضاء يوم يسير» (٣). (٤) يقول: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فيقضي إذا أفطر وهو يرى أن الشمسَ قد غربت. وعن مكحول: أن أبا سعيد الخدري سُئل عن رجل تسحَّر (٥) وهو يرى أن عليه ليلًا، وقد طلع الفجرُ؟ فقال: «إن كان من (٦) شهر رمضان، صامَ يومه ذلك وعليه قضاء يوم مكانه، وإن كان من غير شهر رمضان، فليأكل من

стр. 1900

آخره، فقد أكل من أوَّله» (١). وعن يحيى بن (٢) الجزّار قال: سُئل ابن مسعود عن الرجل يتسحّر وهو يُرى أن عليه ليلًا (٣)، وقد طلعَ الفجرُ؟ قال: «مَن أكل (٤) من أول النهار، فليأكل من آخره» (٥). رواهن سعيد. فقد اتفقت الصحابةُ ﵃ على إيجاب القضاء مع الجهل؛ ولأنه أفطر في جزءٍ من رمضان يعتقده وقتَ فِطْر، فلزمه القضاءُ، كما لو أفطر يوم الثلاثين من شعبان، فتبين أنه من رمضان (٦). والفرق بين هذا وبين الناسي: أنه قد كان يمكنه الاحتراز، لأنه أكل باجتهاده (٧)، فتبين خطأ اجتهاده، بخلاف الناسي، فإنه لا يمكنه الاحتراز (٨).

стр. 1901

مسألة (١): (وإنْ أكَلَ شاكًّا في طلوع الفجر لم يفسُد صومُه، وإن أكَل شاكًّا (٢) في غروب الشمس فسَدَ صومُه) . هذا منصوصُ أحمدَ وأصحابِه. قال (٣) حرب: قيل لأحمد: رجل يتسحّر (٤) وقد طلع الفجرُ؟ قال: إذا استيقن بطلوع الفجر أعاد الصيام، وإن شكّ فليس عليه شيء، أرجو. إلا أن القاضي ذكر في بعض المواضع: أنه لو أكل يظنُّ أن الفجرَ لم يطلع، كان عليه القضاء وإن كان الأصل بقاء الليل احتياطًا، كما لو أكل وظنّ أن الشمسَ غربت. وكذلك ذكر ابن عقيل في بعض المواضع: من خاف طلوعَ الفجر، يجب عليه أن يمسِكَ جزءًا من الليل، ليتحقّق له صوم جميع النهار (٥)، وقاس عليه يوم الإغمام. وذكر ابن عقيل في موضع آخر: أنه إذا أكَلَ ثمّ شكّ هل طلع الفجر أو غربت الشمس؟ ولم يَبِن (٦) له يقينُ الخطأ، فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يتيقّن وجودَ سبب القضاء.

стр. 1902

والمذهب الذي ذكراه في سائر المواضع وذَكَره (١) عامّةُ الأصحاب كالمنصوص، لأن الأصل بقاء النهار، فإذا أكل قبل أن يعلم الغروبَ، فقد أكل في الوقت الذي يُحْكَم بأنه نهار، وإذا أكل قبل أن يتبين الفجر، فقد أكل في الوقت الذي يُحْكَم بأنه ليل، ولأن الله سبحانه قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فمن أكل وهو شاكٌّ، فقد أكل قبل أن يتبيّن له الخيطُ الأبيض، ولأنّ الأكل مع الشكّ في طلوع الفجر جائز، والأكل مع الشكّ في الغروب غير جائز، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا فعل الجائزَ لم يفطِر إلا أن يتبيّن له الخطأ. وإن غلب على ظنه طلوعُ الفجر، فقال بعض أصحابنا: هو كما لو استيقنه؛ لأن غلبةَ الظنّ في مواقيت العبادات تجري مجرى اليقين. وظاهر قول أحمد وابن أبي موسى (٢): أنه ما لم يتيقّن طلوعَه، فصومُه تام. وإن غلب على ظنّه غروبُ الشمس، جاز له الفطر. وقياس قول القاضي في الصلاة ... (٣) فصل (٤) الوقتُ (٥) الذي يجب صيامه من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب قرص

стр. 1903

الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وعن سهل بن سعد قال: «أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربطَ أحدُهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعدُ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليلَ والنهارَ» أخرجاه (١). وعن عَديّ بن حاتم قال: لما (٢) نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ عمَدْتُ إلى عقالَين، عقال أبيض وعقال أسود، فوضعتهما تحت وِسادتي، فجعلتُ أقومُ من الليل، فلا يتبيّن لي، فلما أصبحت ذكرتُ ذلك للنبي ﷺ فقال: «إن (٣) وِسادك لعريض، إنما هو بياض النهار من سواد الليل» رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٤). وعن سَمُرة أن النبي ﷺ قال (٥): «لا يغرّنكم مِن سَحوركم أذانُ بلال ولا بياضُ الأفق المستطيلُ هكذا، حتى يستطيرَ هكذا» قال: يعني: معترضًا.

стр. 1904

رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (١). ولفظ أحمد وأبي داود والترمذي (٢): «لا يمنعنّكم مِن سَحُوركم أذانُ بلال، ولا الفجرُ المستطيل، ولكنِ الفجرُ المستطيرُ في الأفق». وفي لفظ لأحمد (٣): «لا يغرّنّكم نداءُ بلالٍ وهذا البياض حتى ينفجرَ (أو: يطلع) الفجرُ». وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعنّ (٤) أحدَكم أذانُ بلال مِن سَحوره؛ فإنه يؤذِّن [ق ٧٩] (أو قال: ينادي) بليل (٥)؛ ليرجع قائمُكم، ويوقظَ نائمَكم، وليس الفجر أن يقول هكذا، ولكن يقول هكذا (يعني: الفجر هو المعترض وليس بالمستطيل)». رواه الجماعة إلا الترمذي (٦). وفي رواية صحيحة (٧): «ليس أن يقول هكذا (وضمَّ يدَه ورفعها)، ولكن حتى (٨) يقول هكذا (وفرَّق بين السبابتين)».

стр. 1905

وعن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «هما فجران، فأما الفجر (١) الذي كأنّه ذنَبُ السَّرْحان، فإنه لا يحلّ شيئًا ولا يُحرِّمه، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق فبه (٢) تحلّ الصلاة ويحرم الصيام». رواه أبو داود في «مراسيله» (٣). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إذا أقبلَ الليلُ، وأدبرَ النهارُ، (وفي لفظ: وغابتِ الشمسُ)، فقد (٤) أفطرَ الصائمُ» (٥). وعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كنّا مع النبي ﷺ في سفر في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: «يا بلال، انزل فاجْدَح لنا» فقال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا. قال: «انزل فاجْدَح» (٦) فنزل فجَدَح، فأتاه به، فشرب النبي ﷺ ، ثم قال: «إذا رأيتم الليلَ قد أقْبَل مِن هاهنا، فقد أفطر الصائم (وأشار بأصبعه قِبَل المشرق)». رواه (٧) الجماعة إلا ابن ماجه والترمذي (٨).

стр. 1906

وفي رواية ابن عيينة، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى، قال: «انزل فاجْدَح لي» قال: الشمس يا رسول الله! قال: «انْزِل فاجْدَح». [فجَدَح] له فشرب. قال: فلو نزا (١) أحدٌ على بعيره لرآها (يعني: الشمس)، ثم أشار النبيُّ ﷺ بيده قِبَل المشرق، فقال: «إذا رأيتم الليلَ قد أقبلَ مِن ههنا، فقد أفطرَ الصائمُ» (٢). فصل (٣) والسنةُ تعجيل الفطور لقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وقال ﷺ : «إذا غربت الشمسُ فقد أفطرَ الصائمُ»، وأمر بلالًا لمَّا غربت الشمسُ (٤) أن ينزل فيَجْدحَ لهم السويقَ (٥). وعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفطرَ» رواه الجماعة إلا أبا داود والنسائي (٦).

стр. 1907

وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: إن أحبَّ عبادي إليَّ أعْجَلُهم فِطرًا» رواه أحمد واحتجّ به، والترمذي وقال: حديث حسن غريب (١) (٢). وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا يزال الدينُ ظاهرًا ما عجّلَ الناسُ الفطرَ، لأن اليهودَ والنصارى يؤخِّرون» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (٣)، ولفظه: «لا يزال الناسُ بخيرٍ». وعن سعيد بن المسيّب، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الناسُ بخير ما عجّلوا إفطارَهم، ولم يؤخّروا تأخيرَ أهلِ المشرق» رواه مالك وسعيد (٤) (٥). وعن مكحول: أن رسول الله ﷺ قال: «مِن فقه الرجل تعجيلُ فِطره وتأخيره

стр. 1908

سُحُورَه، فإنّ (١) الله جاعلٌ لكم مِن سُحوركم برَكَةً» (٢). رواهما سعيد. وعن أبي عطية الهَمْداني قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة رحمها الله، فقلنا: يا أمّ المؤمنين، رجلان مِن أصحاب محمد، كلاهما لا يألو عن الخير، أحدهما يُعجّل الإفطار ويُعجّل الصلاة، والآخر يُؤخّر الإفطارَ ويُؤخّر الصلاةَ؟ فقالت: أيهما الذي يعجّل الإفطار ويعجّل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله. قالت: كذلك كان يفعل رسولُ الله ﷺ . وفي رواية: «يُعجّل المغربَ والإفطارَ، والآخرُ يؤخّرُ المغربَ والإفطارَ». وفي رواية: «والآخر أبو موسى» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (٣)، وقال الترمذي: حسن صحيح. وعن مُورِّق العجلي، عن أبي الدرداء قال: «ثلاث من أخلاق الأنبياء: التبكير بالإفطار، والإبلاغ في السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة» رواه سعيد (٤) (٥).

стр. 1909

ويستحبّ التعجيل إذا غاب القُرص مع بقاء تلك الحُمْرة الشديدة، ويُستدلّ على مغيبها باسوداد ناحية المشرق. وإذا تيقّن أو غلب على ظنّه مغيبَها، جاز له الفطر، وليس عليه أن يبحث بعد ذلك، قاله أصحابنا. فأما مع الشكّ، فلا يجوز له الفطر، والاختيار أن (١) لا يفطر حتى يتيقّن الغروبَ. ويتخرّج على قول القاضي في مواقيت الصلاة أن لا يفطر حتى يتيقّن الغروبَ إذا لم يَحُل بينه وبين الشمس حائل؛ لأنهم أفطروا على عهد رسول الله ﷺ ثم طلعت الشمس (٢)، وكذلك على عهد عمر (٣). وعن ابن عباس قال: «إذا تسحّرتَ، فقلت: إني أرى ذاك الصبح، فكُلْ واشْرَبْ، وإن قلت: إني أظنّ ذاك (٤) الصبحَ، فكُلْ واشْرَبْ، وإذا تبيّن لك؛ فدع الطعامَ. وأما الإفطار، فلا تنظر إلى الشمس، فإن الشمس يواريها الجبالُ والسحاب، ولكن انظر إلى الأفق الذي يأتي منه الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، فإذا رأيتَ الليل، فأفطر» رواه سعيد (٥).

стр. 1910

وعن قيس بن أبي حازم قال: «أُتيَ عمرُ بن الخطّاب بشراب عند الإفطار، [ق ٨٠] فقال لرجل عنده: اشرب، لعلك مِن المسوِّفين، سوفَ سوفَ» (١). وعن سعيد (٢) قال: قال عمر: «عجّلوا الفطرَ، ولا تَنَطّعوا تنَطُّعَ أهلِ العراق» (٣). وعن أيمن (٤) المكِّي: أنه نزل على أبي سعيد الخدري، فرآه يفطر قبل مغيب (٥) القُرْصِ (٦). رواهن سعيد. وهذا محمول على القُرْص الأحمر لا على نفس قرص الشمس. وعن مجاهد قال: «كنتُ آتي ابنَ عمر بشرابٍ للفطر، وكنت أُخفيه مِن

стр. 1911

الناس لتعجيل (١) الإفطار» (٢). وفي رواية (٣): «كان يدعو بالشراب وهو صائم، فآخذ في نفسي من سرعة ما يشرب». وعن رجل: أن ابن عمر كان يدعو بالشراب وهو صائم، فيغمِزُه ابنُه: أن لا تعجَل حتى يؤذِّن المؤذّن، ففطن له ابن عمر، فقال: ويلك! أترى هذا أفقه في دين الله منّي (٤). رواهن سعيد. ويستحبّ أن يُفطر قبل الصلاة؛ لأن التعجيل إنما يحصل بذلك ، ولأنه أقرب إلى جَمْع الهمّ في الصلاة، ولأن الفصل بين زمن الصوم وغيره مشروع إذ (٥) كان الإمساكُ في غير زمان الصوم غير مشروع (٦)، ولهذا اسْتُحبَّ الفطرُ يوم الفطر قبل الصلاة، كما يدلّ عليه حديث بلال (٧). وكما جاء (٨) عن أنس: «أن النبيّ ﷺ كان يُفطر قبل أن يصلي (٩)، ولأنّ النبيّ ﷺ أفطرَ قبل الصلاة، وكذلك في حديث عمر وأبي سعيد وابن عمر (١٠).

стр. 1912

وعن عبد الرحمن بن عبيد قال: حضرنا الإفطار عند عليّ في رمضان، فقال: «ابدؤوا فاطْعَموا، فإنه أحسنُ لصلاتكم» (١). رواه سعيد. وعن ابن عباس وطائفة: أنهم كانوا يفطرون قبل الصلاة (٢). وقد روى (٣) مالك (٤)، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن: أنه أخبره: أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصلّيان المغرب، ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد [الصلاة. و] (٥) ذلك في رمضان. رواه مَعْمَر، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن (٦): أن عمر وعثمان ﵄ كانا يصليان المغرب في رمضان قبل أن يفطرا (٧).

стр. 1913

وينبغي له أن يفطر على خُلُوفه؛ لِمَا روى المسيّب بن رافع، أن أبا هريرة كان يكره للصائم عند فطره أن يتمضمض ثم يمجّه (١). وفي رواية (٢): أنه قال في مضمضة الصائم عند الإفطار: «يزدرده ولا يمجّه». رواهما سعيد. لأنه أثَرُ العبادة فلم يضيّعه. ويستحبّ له الفطر (٣) على رُطَب، فإن لم يكن فعلى تَمْر، فإن لم يكن فعلى ماء. هكذا قال أصحابنا؛ لِما روى أنس بن مالك قال: «كان رسول الله ﷺ يفطر على رُطَبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رُطَبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، والدارقطني (٤) وقال: هذا (٥) إسناد صحيح.

стр. 1914

وعن سلمان بن عامر الضبّي، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أفطرَ أحدُكم، فليفطِر على تَمَرات (١)، فإن لم يجد فليُفْطِر على ماء فإنه طهور» رواه الخمسة (٢)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي رواية للنسائي (٣): «فإنه بركة». وعن جابر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يفطر على الرطب ما دام الرطب، وعلى التمر إذا لم يكن رطب، ويختم بهن، ويجعلهنَّ وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» رواه أبو بكر (٤) الشافعي في «الغيلانيات» (٥). ويستحبّ أن يدعو عند فطره ... (٦)

стр. 1915

عن مروان بن سالم، قال: رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد (١) على الكفّ، وقال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ، وابتلّت العروقُ، وثبتَ الأجرُ إن شاء الله تعالى» رواه أبو داود والنسائي والدارقطني (٢)، وقال: إسناد (٣) حسن. وعن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبيّ ﷺ كان إذا أفطر قال: «اللهم، لك صمْتُ، وعلى رِزقك أفطرتُ» رواه أبو داود (٤). وعن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: «اللهم لك (٥) صُمْنا، وعلى رِزْقك أفطرنا، فتقبّل مِنّا إنك أنت السميع العليم» رواه الدارقطني (٦). قال القاضي: المستحبّ له أن يدعو عند إفطاره بما روى (٧) أنسُ بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا صام أحدُكم فقُدِّم عشاؤه، فليذكر اسم الله ، وليقل: اللهم لك صُمْت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك

стр. 1916

وبحمدك، اللهم تقبَّل منّا إنك أنتَ السميعُ العليم» (١). وعن الربيع بن خُثيم: أنه كان إذا أفطر قال: الحمد لله الذي (٢) أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت. رواه سعيد (٣). فصل (٤) والسّحور سُنَّة، وكانوا في أوّل الإسلام لا يحلّ لهم ذلك . قال البراء بن عازب: «كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلتَه ولا يومَه حتى يمسي، وإنّ قيس بن صِرْمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى (٥) امرأتَه، فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلِقُ فأطلب لك. وكان يومه يعمل، فغلبَتْه عينُه، فنام، فجاءته امرأتُه، فلما رأَتْه قالت له: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ففرحوا بها (٦) فرحًا شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾».

стр. 1917

وعنه أيضًا قال: «لما نزل صوم رمضان كانوا لا يَقْرَبون النساء رمضانَ كلّه، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ... ﴾ الآية» [ق ٨١] رواهما البخاري (١). قال البراء بن عازب (٢): «كانوا إذا أكلوا لم يأكلوا إلا أكلةً حتى يكونوا (٣) من الغد. قال: فعمِل رجلٌ من الأنصار في أرضٍ له، فجاء فقامت امرأتُه تبتاع له شيئًا، فغلبَتْه عيناه، فنام فأصبح وهو مجهود، فنزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾» رواه أحمد في «الناسخ» (٤) (٥). وعن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني بذلك أهلَ الكتاب، وكان (٦) كتابه على أصحاب محمد ﷺ : «أن الرجل (٧) كان يأكل ويشرب

стр. 1918

وينكح ما بينه وبين أن يصلي العَتَمَةَ أو يرقد، فإذا صلى العتمةَ ورقد (١) مُنِعَ ذلك إلى مثلها من القابلة، فنسخَتْها هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... ﴾ الآية (٢)» (٣) رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ». وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى أن الأكل والشرب والنكاح كان مباحًا إلى أن يرقد أو يصلي العشاء. وقال وَرْقاء: عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: «كانوا يصومون، فإذا أمسوا أكلوا وشربوا وجامعوا، فإذا رقد أحدُهم حرُمَ ذلك كلُّه (٤) إلى مثلها من القابلة، وكان منهم رجال يختانون أنفسهم في ذلك، فخَفَّف الله عنهم، وأحلَّ لهم الطعامَ والشرابَ والجماعَ قبل النوم وبعده في الليل كله» (٥). وقال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: «وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حَرُم عليهم النساءُ والطعام إلى مِثلها مِن القابلة، ثم إن أناسًا (٦) من المسلمين أصابوا النساءَ والطعامَ في رمضان بعد العشاء، منهم

стр. 1919

عمر بن الخطاب، فشَكَوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني: انكحوهن، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١) يعني: بياض الفجر من سواد الليل، والرّفَث: هو النكاح» (٢). وعن سعيد بن جُبير في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال: «كتب عليهم إذا نام أحدهم ولم يطْعَم لم يحلّ له أن يَطعَم شيئًا إلى القابلة، وحَرُم عليهم الرَّفَثُ إلى نسائهم ليلة الصيام الشهر كله، فرخَّص الله لكم، وهو اليوم عليهم ثابت» رواه أحمد (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تسحَّروا فإنَّ في السَّحور بركة» رواه الجماعة إلا أبا داود (٤). وعن أبي هريرة مثله، رواه أحمد والنسائي (٥).

стр. 1920

وعن ابن مسعود، رواه النسائي (١). وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «السُّحُور بركة، فلا تَدَعُوه، ولو أن يجرَع أحدُكم جَرْعةً مِن ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحِّرِين (٢)» رواه أحمد (٣). قال بعض أصحابنا: وكلُّ ما حصل مِن (٤) أكل أو شرب، حصَلَت به فضيلةُ السُّحور، لقوله: «ولو على جَرْعة ماء (٥)». والأشبه أنه إن قدر على الأكل، فهو السنة. وعن عَمْرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ فَصْل (٦) ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكْلَةُ السّحَر» رواه الجماعة إلا البخاري وابن

стр. 1921

ماجه (١). وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله وملائكته يصلّون على المُتَسحّرين» (٢). وعن سعيد بن عبد الله بن أبي هند قال: أخذَ النبيُّ ﷺ بيده قبضةً من تَمْر، فقال: «نِعْمَ سَحُور المسلم التمرُ» (٣). وعن راشد بن سعد (٤) قال: سُئل رسول الله ﷺ عن السّحور؟ فقال:

стр. 1922

«ذاك الغداء المبارك». وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «استعينوا بقائلةِ النّهارِ على قيام الليل، وبأكل السَّحَر على صيام النهار» (١) رواهن سعيد. والسُّنة تأخيره؛ لما روى أبو ذر: أن النبي ﷺ كان يقول: «لا تزالُ أُمَّتي بخير ما أخروا السحورَ وعجَّلوا الفطورَ» رواه أحمد (٢). وعن مكحول ... (٣) وعن (٤) أنس، عن زيد بن ثابت قال: «تسحّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قَدْر ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية» رواه الجماعة إلا أبا داود (٥).

стр. 1923

ويجوز له أن يأكل ما لم يتبين طلوعُ الفجر، وإن كان شاكًّا فيه من غير كراهة ، لكن يستحبّ له (١) تركُه إذا شكّ في طلوع الفجر. قاله كثير من أصحابنا. قال أصحابنا: فإن شكّ في الفجر فالاحتياط أن لا يأكل. فإن أكل ولم يتيقّن طلوعَه فصومُه صحيح، وإن غلب على ظنه طلوعُه لم يَجُز الأكلُ، فإن أكَلَ قضى؛ لأنّ غالب الظن في المواقيت كاليقين. وأما الجماع (٢) فيُكره مع الشكِّ. قال أحمد في رواية ابن القاسم: الجماع في السَّحَر لا يستحبّ تأخيره (٣) في الوقت ليس هو (٤) مثل الأكل، الأكل أخف وأيسر، وأخاف عليه من الجماع لا يسلم. وقال في رواية أبي داود (٥): إذا شكّ في الفجر يأكل حتى يستيقن (٦) طلوعَه. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 1924

وقال في رواية يوسف بن موسى: تأخير السَّحُور حتى يعترض الفجرُ، فإذا كان بالطول (١) ناحية القبلة، فذلك هو الكاذب، وإذا كان هكذا وأبعد (٢) ومدَّ يده باعًا (٣)، فذلك هو الصادق. وقال في رواية حنبل وقد ذكَر حديثَ عديّ بن حاتم: ولكن بياض النهار [ق ٨٢] وسواد الليل. قال أبو عبد الله: إذا طلع، فهو (٤) وقت لا يأكل ولا يشرب، فجعل الله الفجرَ عَلَمًا وفَصْلًا بين الليل والنهار. فقد نصّ على أنه إذا طلعَ الفجرُ (٥) الصادق حَرُمَ الأكلُ والشرب. ونصّ في رواية حرب والأثرم وغيرهما: أنه إذا تبين أنه أكل بعد طلوع الفجر، أفطر. وهذا هو المذهب. وقال في رواية عبد الله (٦): عن سواد بن حنظلة، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمْنَعَنّكم مِن السّحور أذانُ بلال، ولا الصبح [المستطيل، ولكن الفجر] (٧) المستطير في الأفق» (٨).

стр. 1925

وقال: عن قيس بن طَلْق بن عليّ (١)، عن أبيه، عن النبي ﷺ : «ليس الفجر الأبيض المعترض ولكنه الأحمر» (٢). وهذا يدلّ على جواز الأكل إلى ظهور الحُمرة، وقد جاءت أحاديث (٣) تدلّ على مثل ذلك، كما روت (٤) عائشةُ وابنُ عمر أن النبي ﷺ قال: «إن بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن لكم (٥) ابنُ أمِّ مكتوم» متفق عليه (٦). وفي رواية لأحمد والبخاري (٧): «فإنه لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر». قال ابن شهاب: وكان ابنُ أمّ مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يُقال له (٨): أصبحتَ أصبحتَ. فقد أجاز الأكلَ إلى حين يؤذِّن ابنُ أمّ مكتوم، مع قوله: «إنه لا يؤذّن حتى يطلُعَ الفجرُ». ومعلومٌ أنّ مَن أكل إلى (٩) حين تأذينه فقد أكَلَ (١٠) بعد

стр. 1926

طلوع الفجر؛ لأنه لابدّ أن يتأخّر تأذينُه عن طلوع الفجر ولو لحظة. وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمع أحدُكم النداءَ، والإناءُ على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجتَه منه (١)» رواه أبو داود (٢) بإسناد جيد. ومعلومٌ أنه أراد النداء الثاني الذي أخبر أنه بعد طلوع الفجر. وعن قيس بن طَلْق، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا واشربوا، ولا يَهيدَنّكم الساطعُ المُصْعِد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» رواه أبو داود والترمذي (٣) وقال: «حسن غريب من هذا الوجه»، وقد اعتمده أحمد. وعن حذيفة قال: كان بلال يأتي النبيَّ ﷺ وهو يتسحّر، وإني لأُبْصِر مواقعَ نبلي (٤). قلت: أبعد الصبح؟ قال: «بعد الصبح إلا أنها لم تطلع الشمس» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح (٥).

стр. 1927

وعن حكيم بن جابر قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ وهو يتسحَّر، فقال: الصلاة. فذهب ثم رجع، فقال: الصلاة. ثم ذهب ثم رجع، فقال (١): يا رسول الله، لقد أصبحنا. فقال: «يرحمُ الله بلالًا، لولا بلال لرجونا أن يُرَخَّص لنا إلى طلوع الشمس» رواه سعيد وأبو داود في «مراسيله» (٢). وعن مسروق قال: لم يكونوا يعدونَ الفجرَ فجرَكم، إنما كانوا (٣) يعدّون الفجرَ الذي يملأ البيوتَ والطرقَ (٤). وعن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن حذيفة قال: «خرجت معه في رمضان إلى الكوفة، فلما طلع الفجر قال: هل كان أحدٌ منكم آكلًا أو شاربًا؟ قلنا: أما رجل يريد الصوم، فلا. فقال: لكني. ثم سِرْنا، حتى إذا استبطأتُه بالصلاة، فقال: هل كان منكم أحدٌ آكلًا أو شاربًا؟ قلنا: أما رجل يريد الصوم، فلا. قال: لكني، فنزل فتسحّرَ ثم صلى» (٥). وعن حبّان (٦) بن الحارث قال: «أتيت عليًّا وهو مُعَسكِر بدير أبي

стр. 1928

موسى، فوجدته يَطْعَم، فقال: ادْنُ فاطْعَم. قال: قلت: إني أريد الصيام. قال: وأنا أريد الصيام. قال: فطعِمْتُ معه، فلما فرغ (١) قال: ابنَ التياح، أقم الصلاة» (٢). والصحيح الأول، وأنه إذا حلّت (٣) الصلاةُ حَرُم الطعامُ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. فمنه أدلة: أحدها: قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ (٤)، ولو كان المراد به (٥) انتشار الضوء لقيل: الخيط الأحمر، فإن الضوء إذا انتشر ظهرت الحمرة. الثاني: أن الخيط الأبيض يتبيّن من (٦) الأسود بنفس طلوع الفجر، فينتهي وقت جواز الأكل والشرب حينئذ. الثالث: تسميته لبياض النهار وسواد الليل بالخيط الأبيض والخيط الأسود دليلٌ على أنّه أول البياض الذي يبين (٧) في السواد مع لُطْفه ودِقّته،

стр. 1929

فإن الخيط يكون مُستدِقًّا. الرابع: قوله: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ دليل على أنه يتميّز أحدُ الخيطين من الآخر، وإذا انتشر الضوء لم يبقَ هناك خيطٌ (١) أسود. وأيضًا فإن النبي ﷺ قال لعديّ: «إنما هو بياض النهار وسواد (٢) الليل»، فعلم أنه أول ما يبدو البياضُ الصادق يدخل النهار، كما أنه أول ما يُقبِل من المشرق السوادُ يدخل الليل. وأيضًا فإنهم كانوا أولًا يربط أحدُهم في رجليه خيطًا أبيض وخيطًا أسود، فنزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لرفع هذا التوهّم. ثم إن عديًّا ﵁ جعل تحت وسادته عقالين أبيض وأسود، فقال (٣) النبي ﷺ : «إن وِسادَك لعريض»، وهو كناية عن عَرْض القَفا الذي يُكنى به عن قلة الفهم. وفي رواية (٤): أنه قال له: «يا ابنَ حاتم، ألم أقُلْ لك: مِن الفجر، إنما هو بياض النهار مِن سواد الليل». فهذا نصٌّ مِن النبي ﷺ أن الانتظار إلى أن يتبيّن مواقع النَّبْل وينتشر الضوء حتى يتبين العقال الأبيض من الأسود غير جائز، وأن [ق ٨٣] بعض

стр. 1930

المسلمين كان قد غَلِط أولًا في فهم قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ثم نزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وغلط بعضُهم في فهمها بعد ذلك. وأيضًا قوله: «ولكن يقول هكذا» وفرّق بين السبابتين. وقوله: «لا يمنعنّكم (١) مِن سُحُوركم أذانُ بلالٍ ولا الفجرُ المستطيل، ولكن الفجر المستطير (٢) في الأفق». وفي لفظ (٣): «نداءُ بلال وهذا البياض حتى ينفجر (أو: يطلع) الفجر»: دليل على أنه متى ظهر البياض المعترض المنتشر (٤) الذي به ينفجرُ الفجرُ فقد حَرُم الطعام. وقد بيَّن ذلك قولُه: «وأما الذي يأخذ الأفق، فهو [الذي] (٥) يُحَلّ الصلاةَ ويُحَرِّم الطعامَ» (٦) فبيّن أن الذي به تحلّ الصلاةُ به (٧) يحْرُم الطعامُ. وأما حديث حذيفة ومسروق ففيهما ما يدلّ على أن عامّة المسلمين كانوا على خلاف ذلك.
следующие страницы →