← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

طلوع الفجر؛ لأنه لابدّ أن يتأخّر تأذينُه عن طلوع الفجر ولو لحظة. وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمع أحدُكم النداءَ، والإناءُ على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجتَه منه (١)» رواه أبو داود (٢) بإسناد جيد. ومعلومٌ أنه أراد النداء الثاني الذي أخبر أنه بعد طلوع الفجر. وعن قيس بن طَلْق، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا واشربوا، ولا يَهيدَنّكم الساطعُ المُصْعِد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» رواه أبو داود والترمذي (٣) وقال: «حسن غريب من هذا الوجه»، وقد اعتمده أحمد. وعن حذيفة قال: كان بلال يأتي النبيَّ ﷺ وهو يتسحّر، وإني لأُبْصِر مواقعَ نبلي (٤). قلت: أبعد الصبح؟ قال: «بعد الصبح إلا أنها لم تطلع الشمس» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح (٥).

стр. 1927

وعن حكيم بن جابر قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ وهو يتسحَّر، فقال: الصلاة. فذهب ثم رجع، فقال: الصلاة. ثم ذهب ثم رجع، فقال (١): يا رسول الله، لقد أصبحنا. فقال: «يرحمُ الله بلالًا، لولا بلال لرجونا أن يُرَخَّص لنا إلى طلوع الشمس» رواه سعيد وأبو داود في «مراسيله» (٢). وعن مسروق قال: لم يكونوا يعدونَ الفجرَ فجرَكم، إنما كانوا (٣) يعدّون الفجرَ الذي يملأ البيوتَ والطرقَ (٤). وعن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن حذيفة قال: «خرجت معه في رمضان إلى الكوفة، فلما طلع الفجر قال: هل كان أحدٌ منكم آكلًا أو شاربًا؟ قلنا: أما رجل يريد الصوم، فلا. فقال: لكني. ثم سِرْنا، حتى إذا استبطأتُه بالصلاة، فقال: هل كان منكم أحدٌ آكلًا أو شاربًا؟ قلنا: أما رجل يريد الصوم، فلا. قال: لكني، فنزل فتسحّرَ ثم صلى» (٥). وعن حبّان (٦) بن الحارث قال: «أتيت عليًّا وهو مُعَسكِر بدير أبي

стр. 1928

موسى، فوجدته يَطْعَم، فقال: ادْنُ فاطْعَم. قال: قلت: إني أريد الصيام. قال: وأنا أريد الصيام. قال: فطعِمْتُ معه، فلما فرغ (١) قال: ابنَ التياح، أقم الصلاة» (٢). والصحيح الأول، وأنه إذا حلّت (٣) الصلاةُ حَرُم الطعامُ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. فمنه أدلة: أحدها: قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ (٤)، ولو كان المراد به (٥) انتشار الضوء لقيل: الخيط الأحمر، فإن الضوء إذا انتشر ظهرت الحمرة. الثاني: أن الخيط الأبيض يتبيّن من (٦) الأسود بنفس طلوع الفجر، فينتهي وقت جواز الأكل والشرب حينئذ. الثالث: تسميته لبياض النهار وسواد الليل بالخيط الأبيض والخيط الأسود دليلٌ على أنّه أول البياض الذي يبين (٧) في السواد مع لُطْفه ودِقّته،

стр. 1929

فإن الخيط يكون مُستدِقًّا. الرابع: قوله: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ دليل على أنه يتميّز أحدُ الخيطين من الآخر، وإذا انتشر الضوء لم يبقَ هناك خيطٌ (١) أسود. وأيضًا فإن النبي ﷺ قال لعديّ: «إنما هو بياض النهار وسواد (٢) الليل»، فعلم أنه أول ما يبدو البياضُ الصادق يدخل النهار، كما أنه أول ما يُقبِل من المشرق السوادُ يدخل الليل. وأيضًا فإنهم كانوا أولًا يربط أحدُهم في رجليه خيطًا أبيض وخيطًا أسود، فنزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لرفع هذا التوهّم. ثم إن عديًّا ﵁ جعل تحت وسادته عقالين أبيض وأسود، فقال (٣) النبي ﷺ : «إن وِسادَك لعريض»، وهو كناية عن عَرْض القَفا الذي يُكنى به عن قلة الفهم. وفي رواية (٤): أنه قال له: «يا ابنَ حاتم، ألم أقُلْ لك: مِن الفجر، إنما هو بياض النهار مِن سواد الليل». فهذا نصٌّ مِن النبي ﷺ أن الانتظار إلى أن يتبيّن مواقع النَّبْل وينتشر الضوء حتى يتبين العقال الأبيض من الأسود غير جائز، وأن [ق ٨٣] بعض

стр. 1930

المسلمين كان قد غَلِط أولًا في فهم قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ثم نزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وغلط بعضُهم في فهمها بعد ذلك. وأيضًا قوله: «ولكن يقول هكذا» وفرّق بين السبابتين. وقوله: «لا يمنعنّكم (١) مِن سُحُوركم أذانُ بلالٍ ولا الفجرُ المستطيل، ولكن الفجر المستطير (٢) في الأفق». وفي لفظ (٣): «نداءُ بلال وهذا البياض حتى ينفجر (أو: يطلع) الفجر»: دليل على أنه متى ظهر البياض المعترض المنتشر (٤) الذي به ينفجرُ الفجرُ فقد حَرُم الطعام. وقد بيَّن ذلك قولُه: «وأما الذي يأخذ الأفق، فهو [الذي] (٥) يُحَلّ الصلاةَ ويُحَرِّم الطعامَ» (٦) فبيّن أن الذي به تحلّ الصلاةُ به (٧) يحْرُم الطعامُ. وأما حديث حذيفة ومسروق ففيهما ما يدلّ على أن عامّة المسلمين كانوا على خلاف ذلك.

стр. 1931

والحديث المرفوع يحتمل شيئين (١): أحدهما: أن تلك الليلة كانت مقمرة، فكان يُبصر مواقعَ النّبْل لضوء القمر (٢)، فاعتقد أنه من ضوء النهار، وهذا يشتبه كثيرًا في الليالي التي يُقمِر آخرُها، وتقدّم ذِكْر أحمد نحو هذا. قال حرب: سألته، قلت: رجل يأكل بعد طلوع الفجر في رمضان وهو لا يعلم؟ قال: يعيد يومًا مكانه. قلت: فالأحاديث التي رُويَت في هذا، وذكرتُ له حديثَ حذيفة؟ قال: إنه ليس في الحديث أن الفجر كان قد طلع. الثاني: أن يكون هذا منسوخًا، وكان هذا في الوقت الذي كان رجالٌ يربط أحدُهم في رجليه خيطًا أبيض وخيطًا أسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، حتى نزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، ويكون هذا كان الواجب عليهم كما فهموه من الآية، ثم نُسِخ ذلك بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. وكذلك قوله في الحديث المرسل: «لولا بلالٌ لرجونا أن يُرَخَّص لنا إلى طلوع الشمس» دليلٌ على أن التحديد بالفجر لم يكن مشروعًا إذ ذاك. وأما حديث: «فكلوا واشربوا حتى ينادي ابنُ أمِّ مكتوم» (٣)، وقوله: «إذا سمع أحدُكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجتَه» (٤)، فقد قال أحمد في الرجل يتسحّر فيسمع الأذان. قال: يأكل حتى يطلع الفجر.

стр. 1932

فهو دليل على أنه لا يجب (١) إمساكُ جزءٍ من الليل، وأن الغايةَ في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ داخلةٌ في المُغَيَّا بخلافها في قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، ولهذا جاءت هذه بحرف (٢) (حتى)، ولا ريب أن الغاية المحدودة بـ (حتى) تدخل فيما قبلها، بخلاف الغاية المحدودة بـ (إلى). قال أحمد في رواية الميموني في رجل أخَذَ في سحوره، ثم نظر إلى الفجر: فإن كان قد أكل بعد طلوعه فعليه القضاء، وإن لم يعلم أنه أكل بعد طلوع الفجر فليس عليه شيء. قال القاضي: وظاهر هذا مِن (٣) كلامه أن الأكل إذا اتصل إلى عند طلوع الفجر، لم يضرّه ولم يؤثّر في النية. لكن الذي ذكر القاضي في «خلافه» وغيرُه من أصحابنا: أنه يجب الإمساك قبل طلوع الفجر، لأنّ ما لا يتمّ الواجبُ إلا به فهو واجب، ولا يتمّ صومُ جميع النهار إلا بصوم آخرِ جزءٍ من الليل، ولهذا وَجَب عليه غسل جزء من الرأس ليستوعبَ الوجهَ، وغَسْل رأس العَضُد ليستوعبَ (٤) المِرْفَق. وأما إذا شكّ في طلوع الفجر، فيجوز له الأكل؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ

стр. 1933

الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ (١) ... ﴾، والشاكّ لم يتبيّن له شيء، ولحديث (٢) ابن أم مكتوم وأبي هريرة، وقد تقدم عن ابن عباس قوله: «إذا تسحّرت فقلت: إني أرى ذلك الصبح، فكُلْ واشْرَب. وإن قلت: إني أظن ذلك الصبح، فكُلْ واشْرَب، وإذا تبيّن لك فدع الطعام» (٣). وعن أبي الضُّحَى قال: جاء رجلٌ (٤) إلى ابن عباس، فسأله عن السُّحُور، فقال رجلٌ من جلسائه: كُلْ (٥) حتى تشكّ. فقال ابن عباس: إن هذا لا يقول شيئًا، كُلْ ما شككَتَ حتى لا تشكّ (٦). وفي رواية (٧): قال رجل لابن عباس: إني أتسحّر فإذا شككتُ أمسكتُ، فقال ابنُ عباس: كلُ ما شككتَ حتى لا تشكّ (٨). وعن عطاء قال: قال ابن عباس لرجل: «طلع الفجر؟» قال: لا. فقال لآخر: «طلع الفجر؟» قال: نعم. قال: «اختلفتما، اسقني» (٩) رواهما سعيد.

стр. 1934

والشكّ تارةً يكون مع رعايته للفجر، فلا يدري أطلعَ الضوءُ أم لا؟ وتارةً لاختلاف المُخْبِرِين به، وتارة لكونه في موضع محجوب عن الفجر وليس عليه أن يبحث. عن أبي قِلابة قال: قال أبو بكر الصديق وهو يتسحّر: «يا غلام، أَجِفِ البابَ لا يفجأنا الصبح». رواه سعيد (١). فصل (٢) ويُكرَه الوصال الذي يسميه بعضُ الناس (٣): الطيّ . نصّ عليه في رواية المرُّوذي والأثرم. قال في رواية حنبل: يُروى عن النبي ﷺ أنه كان يفطر على تَمَرات أو شَرْبة ماء، فيستحبّ له أن يفطر على تَمَرات أو ماء، ولا يعجبني أن يواصل؛ نهى رسول الله ﷺ عن ذلك.

стр. 1935

(١) ثابتٌ، عن أنس: أن النبي ﷺ واصَلَ، فواصل ناسٌ من الناس، فبلغ ذلك (٢) رسولَ الله ﷺ ، فقال: «لو مُدّ لي الشهرُ لواصلتُ وصالًا يدعُ المتعمّقون تعمُّقَهم، إني لستُ كهيئتكم، إني أظلّ عند ربي يُطْعمني ويَسْقيني» (٣). وابن الزبير كان يواصل مِن الجمعة إلى الجمعة (٤). [ق ٨٤] لقوله (٥): ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. قالت ليلى امرأةُ بشير بن الخَصَاصية: أردتُ أن أصوم يومين مواصلةً، فنهاني بشير، قال: إن رسول الله ﷺ نهاني (٦) عن ذلك، وقال: إنما يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله (٧)، فإذا كان الليل أفطروا (٨). وعن أبي العالية أنه قال في الوصال في الصيام، فعابه، ثم قال: قال الله

стр. 1936

تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فإذا جاء الليل فهو مفطر، فإن شاء أكل وإن شاء ترك (١). رواهما سعيد. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن الوصال، فقالوا: إنك تفعله، فقال: «إني لستُ كأحدكم، إني أظلّ يُطعمني ربي ويَسقيني» (٢). وعن أنس نحوه (٣). وعنه قال: واصَلَ رسولُ الله ﷺ في آخر شهر رمضان، فواصل ناسٌ من المسلمين، فبلغه ذلك فقال: «لو مُدّ لنا الشهر لواصلنا وصالًا يدَعُ المتعمِّقون تعمّقَهم، إنكم لستم مثلي (أو: لستُ مثلكم) (٤)، إني أظلّ يُطعمني ربي ويَسقيني» متفق عليهما (٥). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إيّاكم والوصال». فقيل: إنك تواصل. قال: «إني أبيتُ (٦) يُطْعِمني ربي ويَسقيني، فاكْلُفوا من العمل ما تطيقون» متفق عليه (٧) (٨).

стр. 1937

وعن عائشة ﵂ قالت: نهاهم رسول الله (١) ﷺ عن الوصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصل. فقال: «إني لستُ كهيئتكم، إني يُطعمني ربي ويَسقيني» أخرجاه (٢). وعن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السّحَر» قالوا: إنك تواصل يا رسول الله، قال: «لستُ كهيئتكم، إني أبيتُ لي مُطعِمٌ يُطعمني وساقٍ يَسقيني» رواه البخاري (٣). وتفسيره في أظهر (٤) الوجهين: أن الله يغذّيه بما يُغنيه عن الأكل والشرب المعتاد من العلم والإيمان، لقوله: «أظلُّ عند ربي» وذاك إنما يكون بالنهار، ولو أكَلَ الأكلَ المعتادَ بالنهار (٥) لأفطر، ولأنه (٦) بيَّن أنه يواصل، ولو كان يأكل لم يكن مواصلًا. وأطلق أصحابنا الكراهةَ، وهذه كراهةُ تنزيهٍ فيما ذكر أصحابنا؛ لأن أصحاب رسول الله واصلوا بعد نهيهم، ولو فهموا منه التحريمَ لَمَا استجازوا أن يعصوا الله ورسوله، بل فهموا أنه نَهَى رحمةً ورفقًا بهم، فظنوا أن بهم قوّةً

стр. 1938

على الوصال، وأنهم لا حاجة بهم إلى الفطر، فغضب ﷺ من هذا الظنّ المخطئ، ولأنه مجرّدُ تَرْك الأكل (١) بغير نية الصوم على وجهٍ لا يُخَاف معه التلَف ولا تَرْك واجبٍ، ومثل هذا لا يكون محرّمًا. فإن واصلَ إلى السّحَر، جاز (٢) مِن غير كراهة لما تقدم. وتعجيل الفطر أفضل لما تقدم أيضًا. وقد روى حنبل (٣) عن أحمد: أنه واصل بالعسكر ثمانية أيام، ما رآه طَعِم فيها ولا شرب حتى كلَّمه في ذلك، فشرب سويقًا لمّا طلبه المتوكل. فقال أبو بكر (٤): قوله: «ما أكل فيها (٥) ولا شرب» يحتمل أنه لم يره (٦) أكل ولا شرب، ويكون قد أكل وشرب بحيثُ لا يراه. قال: لأن أحمد لا يرى أن يخالف النبيَّ ﷺ . وقد روى المرُّوذيُّ عنه أنه كان إذا واصلَ شربَ شربة (٧) ماء ... (٨)

стр. 1939

فصل فإن أكل أو شرب ما يُرْويه وإن قلّ، خرج عن حكم النهي. قاله القاضي وابن عقيل. وهو مقتضى (١) ما ذكره المرُّوذي عن أحمد أنه كان إذا واصل شربَ شربةَ ماء (٢). فصل (٣) وصيام الدهر منهيٌّ عنه. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فسَّر مُسدّدٌ قولَ أبي موسى: «مَنْ صام الدهرَ ضُيّقت عليه جهنم فلا يدخلها» (٤)، فضحك وقال: مَن قال هذا؟ فأين حديث عبد الله بن عمرو: «أن النبي ﷺ كره ذلك» وما فيه من الأحاديث. وهو إن سرَدَ الصومَ (٥) يدخل فيه الأيامُ المنهيّ عن صيامها: يوم العيدين، وأيام التشريق، وإذا ترك (٦) ذلك لم يكن صائمًا للدهر المنهيِّ عنه.

стр. 1940

هكذا قال أحمد في رواية صالح (١): إن صام رجل وأفطر أيامَ التشريق والعيدين، رجوتُ أن (٢) لا يكون بذلك بأس، وليس بصائم الدهر. وقال في رواية حنبل: إذا أفطر العيدين ... (٣) فليس ذلك صوم الدهر. لقول النبي ﷺ : «هنّ أيامُ عيدٍ، وأيامُ أكلٍ وشُرْب» (٤). قال: ويعجبني أن يفطر منه أيامًا. قال القاضي: وظاهر قوله: إن (٥) الأفضل أن يفطر مع هذه الأيام الخمسة أيامًا أُخَر لا بعينها، أفضل مِن سردها بالصيام، فإن سرَدَ لم يكن منهيًّا عنه. وقال أبو محمد (٦): عندي أن صومَ الدهر (٧) مكروه، وإن لم يَصُم هذه الأيام، فإن صامها، فقد فعل محرّمًا ... (٨) فصل وما كان مكروهًا أو محرَّمًا من الأقوال والأعمال في غير زمن الصوم،

стр. 1941

فهو في زمن الصوم (١) أشدّ تحريمًا وكراهة. وهذا (٢) في شهر رمضان أعظم لحرمة الشهر. قال ابن أبي موسى (٣): ينبغي له (٤) أن يحفظ لسانَه وجوارحَه، ويُعظِّم مِن شهر رمضان ما عظَّم الله تعالى (٥). فيجب على الصائم أن يحفظ صومَه من قولِ الزور والعملِ به، ويجتنب الغيبةَ والرَّفَث والجهلَ وغير ذلك من خطايا اللسان، وينبغي له أن يترك من المباح ما لا يَعْنِيه من الألفاظ. قال أصحابنا: يستحبّ للصائم أن ينزِّه صيامَه عن اللغو والرّفَث والكذب والنميمة والمشاتمة والمقاتلة، وعن كلّ لفظ لا يعنيه. قال أبو عبد الله [ق ٨٥] في رواية حنبل: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومَه من لسانه ولا يماري، ويصون صومَه. كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد وقالوا: نحفظ صومنا.

стр. 1942

والغيبة تُكره للصائم، فلا يَغتاب أحدًا، ولا يعمل عملًا يجرح به صومَه، ولا تُفطِّر الغيبةُ الصائم (١). ولذلك (٢) قال في رواية ... (٣) ونقل عنه حربٌ التوقفَ في الفِطْر بالغيبة، فقال: قلت لأحمد بن حنبل: الرجلُ يغتاب (٤) وهو صائم يعيدُ الصومَ؟ قال: لا أدري كيف هذا، وأمسك عنها، وقال: ما أدري. وذَكَر أن عبد الرحمن بن مهدي كان يأمر بالوضوء من الغيبة. وقال إسحاق بن راهويه: قال رسول الله ﷺ : «مَن لم يدَعْ قولَ الزورِ في صيامه (٥)، فليس له من صيامه شيء» (٦). وقال عِدّةٌ من أهل العلم من التابعين: إن الكذبَ يفطِّر الصائمَ، والغيبةَ كذلك؛ لقوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٧).

стр. 1943

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن لَمْ يدع قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَع طعامَه وشرابَه» رواه الجماعة إلا مسلمًا وابنَ ماجه (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يَرْفُث يومئذٍ ولا يصْخَب، فإن شاتمه أحدٌ (٢) أو قاتَلَه فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفسُ محمد بيده، لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح (٣) المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطرَ فرح بفطره، وإذا لقي ربّه فرح بصومه» متفق عليه (٤) (٥).

стр. 1944

باب صيام التطوُّع مسألة (١): (أفضلُ الصيامِ صيامُ داودَ ﵇، كان يصومُ يومًا ويُفطرُ يومًا) . هذا لفظ النبي ﷺ ، وهو لفظ الإمام أحمد. قال في رواية صالح (٢): «أحبُّ الصيام إلى الله صيام داود ﵇، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا». وذلك لما روى عَمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال لي (٣) رسول الله ﷺ : «إن أحبّ الصيام إلى الله صيام داود، وإن أحبّ (٤) الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصفَ الليل ويقوم ثلثَه وينام سُدَسَه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا» رواه الجماعة إلا الترمذي (٥). وعن سعيد (٦) وأبي سلمة: أن عبد الله بن عَمرو قال: أُخبِر رسولُ الله (٧) ﷺ

стр. 1945

أني أقول: والله لأصومَنَّ النهارَ ولأقومنَّ الليلَ ما عشتُ، فقال رسول الله ﷺ : «أنت الذي تقول ذلك؟» فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصُمْ وأفْطِر، ونَمْ وقُمْ، وصُم من الشهر ثلاثةَ أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر». قال: قلت: إني أُطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يومًا وأفطر يومين». قال: قلت: فإني أُطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يومًا (١) وأفطر يومًا، فذلك صيام داود ﵇ (٢)، وهو أعْدَل الصيام» وفي رواية: «وهو (٣) أفضل الصيام» قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. فقال رسول الله ﷺ : «لا أفضل من ذلك». وفي رواية: قال عبد الله بن عمرو: ولأَنْ أكون قبلتُ الثلاثة أيام التي قال (٤) رسول الله ﷺ أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي. رواه الجماعة إلا الترمذيُّ وابن ماجه (٥). وفي رواية عن أبي سلمة، عنه قال: قال (٦) لي رسول الله ﷺ : «إنك تصوم النهارَ وتقوم الليلَ؟!» قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: «فلا تفعَلْ،

стр. 1946

صُم وأفْطِر، ونَمْ وقُمْ؛ فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزَوْرِكَ عليك حقًّا، وإنّ بحَسْبك أن تصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكلّ حسنة عشرَ أمثالها، فإن ذلك (١) صيامُ الدهر». فشدَّدتُ فشُدِّدَ عليَّ. قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة. قال: «صُم صيام نبيِّ الله داود لا تزد عليه». قلت: وما كان صيام داود؟ قال: «نصف الدهر». وكان عبد الله يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلتُ رخصةَ رسول الله ﷺ . متفق عليه (٢). وعن أبي المَلِيح بن أسامة، عن عبد الله بن عَمرو قال: إن رسول الله ﷺ ذُكِر له صومي، فدخل عليَّ، فألقيتُ له (٣) وسادة من أدْمٍ حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، وقال: «أما يكفيك مِن كلِّ شهر ثلاثة أيام؟» قال: قلت: يا رسول الله، قال: «خمسًا». قال: قلت: يا رسول الله، قال: «سبعًا». قال: قلت: يا رسول الله، قال: «تسعًا». قال: قلت: يا رسول الله (٤)، قال: «إحدى عشرة». ثم قال النبي ﷺ : «لا صومَ فوقَ صومِ داودَ شَطْرِ الدهر، صُم يومًا وأفْطِر يومًا» أخرجاه (٥).

стр. 1947

مسألة (١): (وأفضلُ الصيامِ بعدَ شهرِ رمضانَ: شهرُ الله الذي تدعونه (٢) المحرَّم) . هذا لفظ الحديث الذي رواه أبو هريرة قال: سُئل رسول الله ﷺ : أيُّ الصلاة أفضل بعد المكتوبة (٣)؟ قال: «الصلاة في جوف الليل». فقيل: فأيُّ الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: «شهر الله المحرَّم» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (٤). وهو (٥) يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون اسم جنس، وأن يكون مختصًّا بالشهر الذي هو [أول] الحول ... (٦).

стр. 1948

وهذا في أفضل الصيام لمن يصوم شهرًا واحدًا، والأُولى [ق ٨٦] أفضل الصيام لمن يصوم صومًا دائمًا في كلّ وقت ... (١). فصل وجاء في صوم الأشهر الحُرُم مطلقًا: ما رُوي عن أبي السَّليل، عن مُجِيبة (٢) الباهلي، عن أبيه أو عمه، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنا الرجل الذي أتيتك عام الأول. قال: «فما لي أرى جسمك ناحلًا؟». قال: يا رسول الله، ما أكلتُ طعامًا بالنهار، ما أكلته إلا بالليل. قال: «مَن أمرك أن تعذِّب نفسَك؟» فقلت: يا رسول الله، إني أقوى. قال: «صُمْ شهرَ الصّبْر (٣) ويومًا بعده». قلت (٤): إني أقوى. قال: «صُم شهرَ الصبر ويومين بعده». قلت: إني أقوى. قال: «صم شهر الصبر وثلاثة أيام بعده، وصم أشهر الحُرُم» رواه الخمسة إلا الترمذي، وهذا لفظ ابن ماجه (٥). ولفظ أبي داود (٦): عن أبي السَّليل، عن مُجيبة (٧) الباهلية، عن أبيها أو

стр. 1949

عمها: أنه أتى رسولَ الله ﷺ ، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيَّرَتْ حالُه وهيئتُه، فقال: يا رسول الله، أما تعرفني؟ قال: «ومَن أنت؟». قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول. قال: «فما غيَّرك وقد كنتَ حَسَن الهيئة؟» قال: ما أكلتُ طعامًا منذ فارقتك إلا بليل. فقال رسول الله ﷺ : «لِمَ (١) عذبتَ نفسَك». ثم قال: «صُم شَهْرَ الصبرِ ويومًا مِن كلِّ شهر». قال: زدني؛ فإني بي (٢) قوة. قال: «صم يومين». قال: زدني. قال: «صم ثلاثة أيام». قال: زدني. قال: «صُم من الحُرُم واترك، صُم مِن الحُرُم واترك، صُم من الحُرُم واترك». وقال بأصابعه الثلاثة (٣) فضمَّها ثم أرسلها. فصل (٤) ويُكره إفراد رجب بالصوم . قال أحمد في رواية حنبل: يُفطر في رجب ولا يُشَبَّه برمضان. وقال في روايته (٥): من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصومه متواليًا. وقال في رواية ابن الحكم: يُروى في صوم رجب عن عمر أنه كان يضرب على صوم رجب.

стр. 1950

وابن عباس قال: لا يصومه (١)، إلا يوم أو أيام (٢). وقال: يُروَى عن وَبَرَة، عن خَرَشَة بن الحُرّ، عن عمر ﵁: أنه كان يضرب على صوم رجب (٣). وإن صامه رجلٌ، أفطر فيه يومًا أو أيامًا بقدر ما لا يصومه (٤) كلَّه. ورُوي عن أبي بكرة (٥): أنه دخل على أهله، فرأى عندهم سِلالًا جُددًا وكيزانًا، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجب نصومه. قال: أجعلتم رجبَ رمضانَ؟! فأكفأ السلال وكسر الكيزان (٦). وذلك لِما روى داود بن عطاء، حدثني زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن سليمان، عن أبيه، عن ابن عباس: «أن

стр. 1951

النبي ﷺ نهى عن صيام رجب». رواه ابن ماجه (١). قال أحمد: لا يُحَدَّث عن داود بن عطاء، ليس بشيء (٢). واعتمد أحمدُ على ما رُوي عن وَبَرَة، عن خَرَشَة بن الحُرّ: «أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوا عن طعامه حتى يضعوا فيه، ويقول: إنما هو شهر كان أهل (٣) الجاهلية يعظمونه» (٤). وعن عطاء، عن ابن عباس قال: «لا تتخذوا رجبَ عيدًا ترونه حتمًا مثل شهر رمضان، إذا أفطرتم اليوم قضيتموه» رواهما سعيد (٥). وروى أحمد (٦) عن خَرَشَة قال: «رأيتُ عمر يضرب أيدي المترجّبين (٧) حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا، فإنما هو شهرٌ كانت تعظِّمُه الجاهلية».

стр. 1952

وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كرهه، وقال: «صوموا منه وأفطروا» (١). وعن ابن عباس نحوه (٢). وعن أبي بكرة: «أنه دخل على أهله وعندهم سلالٌ جدد (٣) وكيزان، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب نصومه. قال: أجعلتم رجب رمضان؟ فأكفأ (٤) السِّلالَ وكسر الكيزانَ». رواهنّ أحمد. عن حُصَين بن أبي الحُرّ قال: أتيتُ عمرانَ بن حُصَين لحاجة وأنا صائم، فدعا بطعام، فقلت: إني صائم. فقال (٥): «لا تصومنَّ يومًا تجعل صومه عليك حتمًا ليس شهر رمضان» (٦). وقال إبراهيم: «كانوا يكرهون أن يوقِّتوا شهرًا معلومًا أو يومًا معلومًا أن يصوموه» رواهما سعيد (٧). قال أبو حكيم (٨) وغيره: إذا صام قبله أو بعده لم يكره، وإنما يكره إفراده بالصوم.

стр. 1953

مسألة (١): (وما مِن أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنّ أحبُّ إلى الله مِن عَشر ذي الحجة) . قال أصحابنا: ويستحبُّ صوم عشر (٢) ذي الحجة (٣). وفي الحقيقة: المعنِيُّ صوم (٤) تسع ذي الحجة، وآكدها يوم التروية وعرفة. وعن حفصة قالت: أربعٌ لم يكن يدعهنَّ رسولُ الله ﷺ : صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة (٥) أيام من كلِّ شهر، والركعتين قبل الغداة. رواه أحمد والنسائي (٦). وعن بعض أزواج النبيِّ ﷺ قالت: كان النبيُّ ﷺ يصوم تسع ذي (٧) الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كلِّ شهر، أول اثنين من شهر

стр. 1954

وخميس. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما من أيامٍ أحبُّ إلى الله أن يُتعبَّد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كلّ يومٍ منها بصيام سنة، وقيام كلِّ ليلة منها بليلة القدر» رواه الترمذي وابن ماجه (٢)، وفيه ضعف (٣). وقد رُوي عن عائشة قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط» رواه الجماعة إلا البخاري (٤). مسألة (٥): (ومَن صامَ رمضانَ وأتْبَعه بستٍّ من شوّال، فكأنما صامَ الدّهْر) . وجُملة ذلك: أنّ إتْباع رمضانَ بستٍّ من شوّال مستحبّ، نصَّ عليه أحمد في غير موضع، وقال في رواية الأثرم: رُوي عن النبي ﷺ من ثلاثة

стр. 1955

أوجه، عن أبي أيوب [ق ٨٧] وجابر وثوبان: «مَن صامَ ستًّا مِن شوّال فكأنما صام السنةَ كلَّها». فالصيام بعد الفِطر من أوله إلى آخره (١)؛ لأن ستة أيام بشهرين، وشهر بعشرة أشهر، وذلك لِما روى أبو أيوب عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صام رمضانَ ثمّ أَتْبَعَه سِتًّا مِن شوّال، فذلك صيام الدَّهْر» رواه الجماعة إلا البخاري (٢). ويقال: هو من حديث سعد بن سعيد، عن عَمرو (٣) بن ثابت، عن أبي أيوب. وقد رواه أبو داود والنسائي (٤) من حديث صفوان بن سُلَيم، عن عُمر بن ثابت أيضًا. وعن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ صامَ رمضانَ وستًّا من شوَّال، فكأنما صام السنةَ كلَّها» رواه أحمد (٥).

стр. 1956

وعن ثوبان، عن رسول الله ﷺ قال: «مَن صامَ رمضانَ وستّةَ أيامٍ بعد الفطر، كان تمام السنة، مَن (١) جاء بالحسنة فَلَه عَشْرُ أمثالها» رواه ابن ماجه (٢). وقولُ النبي ﷺ : «فذلك صيامُ الدّهْر»، و «كان كصيام الدهر» هو مثل قوله لعبد الله بن عَمرو: «صُم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنةَ بعشرِ أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر» (٣). وكذلك قوله في حديث أبي قتادة: «ثلاثة أيام مِن كلِّ شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيامُ الدهر كلِّه» (٤). وذلك أن صيام (٥) الدهر هو استغراق العمر بالعبادة، وذلك عمل صالح، لكن لِمَا فيه من صومِ أيام النهي والضعفِ عن ما هو أهمّ منه، كُرِه. فإذا صام ستة أيام (٦) مع الشهر الذي هو ثلاثون، كُتب له صيام ثلاثة مئة وستين يومًا؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وكذلك فسَّره النبيُّ ﷺ ، فحَصَل له

стр. 1957

ثواب مَن صام الدهرَ مِن غير مفسدة، لكن بصومه (١) رمضان. ومَن صام ثلاثةَ أيام من كلِّ شهر حصَلَ له ثواب صيام الدهر بدون رمضان، ويبقى رمضان له زيادة. وهذا كما قال الله سبحانه للنبي ﷺ في الصلوات: «هي خمسٌ وهي خمسون، لا يبدَّلُ القولُ لديّ (٢)» (٣). فهي خمسٌ في العمل وخمسون في الأجر. وكان أحمدُ ينكر على من يكرهها كراهةَ أن يُلْحقَ برمضان ما ليس منه؛ لأن السنة وردت بفضلها والحضّ عليها، ولأن الإلحاق إنما خيف في أول الشهر؛ لأنه ليس بين رمضان وغيره فَصْل، وأما في آخره فقد فَصَل بينه وبين غيره بيوم العيد، وكان نهيه ﷺ عن صوم يوم العيد وحده دليلًا على أن النهي مختصّ به، وأن ما بعده وقت إذْنٍ وجواز، ولو شاء لنَهَى عن أكثر من يوم، كما قال في أول الشهر: «لا تقدَّموا رمضانَ بصوم يوم (٤) ولا يومين» (٥). وسواء صامها عقيب الفطر أو فصَلَ بينهما، وسواء تابعها أو فرَّقها؛ لأن النبي ﷺ قال: «وأَتْبَعَه بستٍّ مِن شوّال»، وفي رواية: «ستًّا (٦) من شوَّال»، فجعل شوالَ كلَّه محلًّا لصومها، ولم يخصِّص بعضَه مِن بعض، ولو اختصّ

стр. 1958

ذلك ببعضه لقال: «وستًّا من أول شوال أو من آخر شوال». وإتباعه بستٍّ من شوال يحصل بفعلها من أوله وآخره؛ لأنه لابدّ من الفصل بينها وبين رمضان بيوم الفطر، وهو من شوّال، فعلم أنه لم يُرِد بالإتباع أن تكون متصلة برمضان (١)، ولأن تقديمها أرجح من جهة (٢) كونه أقرب وأشدّ اتصالًا، وتأخيرها أرجح لكونه لا يُلْحَق برمضان ما ليس منه، أو يجعل عيد ثان كما يفعله بعض الناس، فاعتدلا (٣). مسألة (٤): (وصومُ (٥) عاشوراء كفَّارة سنة، وعَرَفة كفَّارة سنتين) . الأصل في ذلك ما روى عبد الله بن معبد الزِّمَّاني، عن أبي قَتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «صومُ عرفةَ يكفِّر سنتين، ماضية ومستقبلة، وصومُ عاشوراء يكفِّر سنة ماضية» رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود (٦). وفي لفظ: «أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: كيف تصوم؟ فغضب

стр. 1959

رسول الله ﷺ من قوله، فلما رأى عمرُ (١) غضَبَه، قال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا» (٢). وفي لفظ (٣): «وبِبَيعتنا (٤) بيعةً، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله». فجعل عمر يردِّد الكلامَ حتى سكن غضبُه، فقال عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهرَ كلَّه؟ قال: «لا صام ولا أفطر ــ أو قال: لم يصم ولم يفطر ــ». قال: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال: «ويطيق ذلك أحد؟!» قال: كيف من يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: «ذلك صوم داود ﵇» قال: كيف من يصوم يومًا (٥) ويفطر يومين؟ قال: «وددت أني طُوِّقت ذلك». ثم قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ من كلّ شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدّهْر كلِّه، وصيامُ يوم (٦) عرَفَة أحتسبُ على الله أن يكفِّر السنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه، وصيامُ يوم عاشوراء أحتسبُ على الله أن يكفِّر السنةَ التي قبلَه (٧)». وفي رواية: أنه سُئل عن صوم «يوم الاثنين؟» فقال: «فيه ولدْتُ، وفيه أُنْزِل عليَّ». وفي رواية: «والخميس» رواه الجماعة إلا البخاري

стр. 1960

والترمذي (١). مسألة (٢): (ولا يستحبُّ صومُه لمَنْ بعَرَفةَ) . قال أحمد في رواية حنبل: يستحبُّ صيام عرفة هاهنا، وأما بعرفة فلا، يروون [ق ٨٨] عن النبي ﷺ أنه أفطر، وقال: «لا يُصام يومُ عرفةَ بعرفةَ، وعرفةُ (٣) صيامها كفَّارة سنتين، سنةٍ ماضية وسنةٍ مُسْتَقْبَلة» ورواه عبد الله عن أبيه (٤). وعن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبيِّ ﷺ : «كفّارة سنتين» (٥).

стр. 1961

ورواه عكرمة، عن أبي هريرة: «نهى رسولُ الله ﷺ عن صيام يوم عرفة بعرفة» رواه الخمسة إلا الترمذيّ (١) (٢). وذلك لِما رُوي عن ميمونة: أن الناس شكُّوا في صيام النبي ﷺ يوم عَرَفة، فأرسلت إليه بِحِلابٍ وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناسُ ينظرون (٣). وعن أم الفضل: «أنهم شكُّوا في صوم النبي ﷺ يوم عَرَفة، فأرسلت إليه بلبن، فشرب وهو يخطبُ الناسَ بعرفة» (٤) متفق عليهما. وعن ابن عمر: «أنه سُئل عن صوم يوم عرفة، فقال: حججتُ مع النبي ﷺ فلم يصُمْه، [ومع أبي بكر فلم يصُمْه] (٥)، ومع عمر فلم يصُمْه، ومع

стр. 1962

عثمان فلم يصُمْه، وأنا لا أصومه ولا آمُرُ به ولا أنهى عنه (١)» رواه النسائي والترمذي، وقال: حديث حسن (٢). ورواه النسائيُّ (٣) عن أبي السوداء (٤) قال: «سألتُ ابنَ عُمر عن صوم يوم عَرَفة فنهاني» ولم يرفعه. فإنه صامه، فظاهر كلامه أنه يُكره (٥)؛ لأنه قال: لا يصام.

стр. 1963

واحتجَّ بالنهي لما روى عكرمة، عن أبي هريرة قال: «نهى رسولُ الله ﷺ عن صوم يوم عَرَفة بعرفات» رواه الخمسة إلا الترمذي (١). فقد احتجَّ به أحمد؛ لأن الصوم يُضْعِفه عن الدعاء والذِّكْر الذي هو مقصود التعريف، ولأن الحاجَّ مسافر قد رُخِّص له في (٢) القصر والجمع ... (٣)، ولأن هذا اليوم يوم (٤) عيد في ذلك المكان. وقد بيَّن النبيُّ ﷺ ذلك فيما رواه عُقْبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : «يومُ عرفةَ ويومُ النحر وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيّام أكل وشُرب» رواه الخمسة إلا ابن ماجه (٥)، وقال الترمذي: حسن صحيح. فأما صومه للمتمتِّع الذي لا (٦) يجد الهَدْي آخر الثلاثة ... (٧)

стр. 1964

وقال القاضي: الاختيار له، والأفضل أن يفطر ولا يقف بعرفة (١) صائمًا. فصل (٢) وأما صوم يوم عاشوراء، فقد تقدَّم قولُه ﷺ : «إنه يُكفِّر السنةَ الماضيةَ». فإن قيل: إنما أمرَ بصيامه قبل رمضان، فأما بعد رمضان، فهو يومٌ من الأيام، بدليل ما روى علقمةُ: أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله وهو يَطْعَم يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: «قد كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تُرِك، فإن كنتَ مفطرًا فاطْعَم» أخرجاه (٣). ولمسلم (٤): «كان رسول الله ﷺ يصومه (٥) قبل أن ينزل رمضان، فلما نَزَل رمضانُ تركه».

стр. 1965

وعن عبد الله قال: ذكرنا يوم عاشوراء عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «يومٌ كان يصومُه أهلُ الجاهلية، فمن أحبَّ منكم أن يصومه فليَصُمْه، ومَنْ كَرِهَه فليَدَعْه» (١). وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يُفْرَض رمضان، فلما فُرِض رمضان (٢) قال رسول الله ﷺ : «إن عاشوراء يومٌ من أيَّام الله، فمَنْ شاء صامَه»، وكان ابنُ عمر لا يصومُه إلا أن يوافق صيامَه. متفق عليه (٣). وعن جابر بن سَمُرة، قال: «كان رسول الله ﷺ يصوم يوم عاشوراء ويحثُّنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فُرض رمضان لم يأمرنا ولم يَنْهَنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده» رواه أحمد ومسلم (٤). قلنا: استحبابُ صومه ثابتٌ بعد رمضان لحديث أبي قتادة المتقدِّم، ولِما روى معاويةُ بن أبي سفيان، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ هذا يوم عاشوراء ولم يُكْتَب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر (٥)» متفق عليه (٦).
следующие страницы →