← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

ورواه عكرمة، عن أبي هريرة: «نهى رسولُ الله ﷺ عن صيام يوم عرفة بعرفة» رواه الخمسة إلا الترمذيّ (١) (٢). وذلك لِما رُوي عن ميمونة: أن الناس شكُّوا في صيام النبي ﷺ يوم عَرَفة، فأرسلت إليه بِحِلابٍ وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناسُ ينظرون (٣). وعن أم الفضل: «أنهم شكُّوا في صوم النبي ﷺ يوم عَرَفة، فأرسلت إليه بلبن، فشرب وهو يخطبُ الناسَ بعرفة» (٤) متفق عليهما. وعن ابن عمر: «أنه سُئل عن صوم يوم عرفة، فقال: حججتُ مع النبي ﷺ فلم يصُمْه، [ومع أبي بكر فلم يصُمْه] (٥)، ومع عمر فلم يصُمْه، ومع

стр. 1962

عثمان فلم يصُمْه، وأنا لا أصومه ولا آمُرُ به ولا أنهى عنه (١)» رواه النسائي والترمذي، وقال: حديث حسن (٢). ورواه النسائيُّ (٣) عن أبي السوداء (٤) قال: «سألتُ ابنَ عُمر عن صوم يوم عَرَفة فنهاني» ولم يرفعه. فإنه صامه، فظاهر كلامه أنه يُكره (٥)؛ لأنه قال: لا يصام.

стр. 1963

واحتجَّ بالنهي لما روى عكرمة، عن أبي هريرة قال: «نهى رسولُ الله ﷺ عن صوم يوم عَرَفة بعرفات» رواه الخمسة إلا الترمذي (١). فقد احتجَّ به أحمد؛ لأن الصوم يُضْعِفه عن الدعاء والذِّكْر الذي هو مقصود التعريف، ولأن الحاجَّ مسافر قد رُخِّص له في (٢) القصر والجمع ... (٣)، ولأن هذا اليوم يوم (٤) عيد في ذلك المكان. وقد بيَّن النبيُّ ﷺ ذلك فيما رواه عُقْبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : «يومُ عرفةَ ويومُ النحر وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيّام أكل وشُرب» رواه الخمسة إلا ابن ماجه (٥)، وقال الترمذي: حسن صحيح. فأما صومه للمتمتِّع الذي لا (٦) يجد الهَدْي آخر الثلاثة ... (٧)

стр. 1964

وقال القاضي: الاختيار له، والأفضل أن يفطر ولا يقف بعرفة (١) صائمًا. فصل (٢) وأما صوم يوم عاشوراء، فقد تقدَّم قولُه ﷺ : «إنه يُكفِّر السنةَ الماضيةَ». فإن قيل: إنما أمرَ بصيامه قبل رمضان، فأما بعد رمضان، فهو يومٌ من الأيام، بدليل ما روى علقمةُ: أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله وهو يَطْعَم يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: «قد كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تُرِك، فإن كنتَ مفطرًا فاطْعَم» أخرجاه (٣). ولمسلم (٤): «كان رسول الله ﷺ يصومه (٥) قبل أن ينزل رمضان، فلما نَزَل رمضانُ تركه».

стр. 1965

وعن عبد الله قال: ذكرنا يوم عاشوراء عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «يومٌ كان يصومُه أهلُ الجاهلية، فمن أحبَّ منكم أن يصومه فليَصُمْه، ومَنْ كَرِهَه فليَدَعْه» (١). وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يُفْرَض رمضان، فلما فُرِض رمضان (٢) قال رسول الله ﷺ : «إن عاشوراء يومٌ من أيَّام الله، فمَنْ شاء صامَه»، وكان ابنُ عمر لا يصومُه إلا أن يوافق صيامَه. متفق عليه (٣). وعن جابر بن سَمُرة، قال: «كان رسول الله ﷺ يصوم يوم عاشوراء ويحثُّنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فُرض رمضان لم يأمرنا ولم يَنْهَنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده» رواه أحمد ومسلم (٤). قلنا: استحبابُ صومه ثابتٌ بعد رمضان لحديث أبي قتادة المتقدِّم، ولِما روى معاويةُ بن أبي سفيان، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ هذا يوم عاشوراء ولم يُكْتَب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر (٥)» متفق عليه (٦).

стр. 1966

وفي رواية سفيان، عن الزهري، عن حُمَيد، [عن معاوية بن أبي سفيان قال] (١): «سمعت رسول الله ﷺ يأمر بصيام هذا اليوم» (٢). وهذا خطابٌ يخاطب به النبيُّ ﷺ أصحابَه، ولم يؤكِّد عليهم صيامه، وهذا إنما يكون بعد فَرْض شهر رمضان، لأن ما قبل شهر رمضان كان مؤكَّدًا. ومعاوية لم يَرَ النبيَّ ﷺ بعد الهجرة يوم عاشوراء إلا وهو مسلم؛ لأنه قبل ذلك كان بمكة، والنبيُّ ﷺ بالمدينة، وإنما أسلم بعد الفتح، وقد فُرِض رمضانُ قبل ذلك بستّ سنين. وحديثُ ابن عباس الآتي ذِكْرُه صريحٌ بأن النبيَّ ﷺ صامه وأمر بصيامه قبل موته بعام. قلنا: هذه الأحاديث معناها (٣) أن التوكيد الذي كان رسول الله ﷺ يؤكّد في صومه (٤) نُسِخَ بشهر رمضان، ولم يؤكِّد شأنَه بعد الهجرة إلا عامًا واحدًا، لأن النبي ﷺ قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فأدركه عاشوراء من السنة الثانية وفُرِض رمضان تلك السنة، فلم يجئ عاشوراءُ آخرُ إلا ورمضان فُرِض.

стр. 1967

وقد اخْتُلف هل كان هذا التوكيد إيجابًا؟ فقال القاضي: لا يُعرَف عن أصحابنا روايةٌ بأن صوم عاشوراء كان فرضًا في ذلك الوقت. قال: وقياس المذهب أنه لم يكن مفروضًا، لأن من شَرْط صيام الفرض النية من الليل، والنبي ﷺ أمرهم بالنية من النهار. وذكر هو وأصحابُه وأبو حفص البرمكي وغيرهم (١) أنه لم يكن مفروضًا؛ احتجاجًا بحديث معاوية المتقدِّم، وبأن النبي ﷺ أمر مَن أكل بإمساك بقيَّةِ اليوم (٢)، ولم يأمرهم بالقضاء، ولو كان واجبًا لأمرهم بالقضاء، كما يجب القضاء على مَن أكَلَ يومَ الشكِّ ثم قامت البينةُ بأنه من رمضان. والتزموا على هذا أن الإمساك بعد الأكل في يوم شريف فيه فضل [ق ٨٩] يكون قُرْبة كما يكون الإمساك في اليوم الواجب واجبًا. واعتذروا عما ورد من النّسْخ بأن المنسوخَ تأكيدُ صيامه وكثرة ثوابه (٣)، فإنه كان قبل رمضان أوكد وأكثر ثوابًا منه بعد رمضان. وذكر بعضُ أصحابنا عن أحمد أنه كان مفروضًا. وهو الذي ذكره أبو بكر الأثرم، قال (٤) في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (٥): «وقد روي من أكثر من عشرين وجهًا أن النبي ﷺ أمر بصوم

стр. 1968

عاشوراء، وذكر الأحاديث الأُخَر. قال: وهذا عندنا من الناسخ والمنسوخ، وذلك أن النبي ﷺ وكَّد (١) صومَه في أول الأمر قبل نزول شهر الصوم (٢)، حتى أمرهم بأن يُتمُّوا بقيةَ (٣) يومهم وإن كانوا قد أكلوا، وإنما يُفْعَل ذلك في الفريضة، ثم جاءت الأحاديث لما بيَّن أن ذلك كلّه كان قبل شهر رمضان، فلما فُرِض شهر رمضان، كان ما سواه تطوُّعًا. ومما يؤكِّد ذلك حديث معاوية، ففيه وفيما اشتهر من الأحاديث بيان نسخ إيجاب صوم عاشوراء، وفيه أيضًا بيان أن النَّسْخ لم يكن على تركه البتة، ولكن على أنه صار تطوُّعًا، وهو اختيار أبي محمد، وهو أشبه (٤). وهذا لِما روى سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «أمر رسول الله ﷺ رجلًا: أنْ أذِّن في الناس: أنَّ مَن كان أكلَ فليصُمْ بقية يومِه، ومَن لم يكن أكَلَ فليصم، فإنَّ اليوم يوم عاشوراء» متفق عليه (٥). والأمر يقتضي الإيجاب خصوصًا في الصوم؛ فإنه لم يكن يأمر بصيام التطوُّع، وإنما يرغِّب فيه ويحضّ عليه، ثم أذانُه بذلك في الناس أذانًا عامًّا وأمْرُه للآكل (٦) بصوم بقيّة يومه توكيد ومبالغة لا يكون مثله لصومٍ مستحبّ. وعن هند بن أسماء قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي مِن أسْلَم،

стр. 1969

فقال: «مُرْ قومَك فليصوموا هذا اليوم، يوم عاشوراء، فمَنْ وجدْتَه منهم قد أكَل أوَّلَ يومه فليصُمْ آخِرَه» رواه أحمد (١). وعن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ ﵂ قالت: أرسل رسول الله ﷺ غداةَ عاشوراء إلى قرى الأنصار (٢) التي حول المدينة: «مَنْ كان أصبح صائمًا فليتمَّ صومَه، ومَن كان أصبح مفطرًا فليتمّ بقيةَ يومِه» فكنَّا بعد ذلك نصومه ونُصَوِّمه صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العِهن، فإذا بكى أحدُهم على (٣) الطعام أعطيناها إيّاه حتى يكون عند الإفطار» أخرجاه (٤). وفي لفظ ... (٥) وعن ابن عباس ﵄ قال: «أرسلَ رسولُ الله ﷺ إلى أهل قريةٍ على أربع (٦) فراسخ (أو قال: فرسخين) يوم عاشوراء، فأمر مَنْ أكل أن لا يأكل

стр. 1970

بقية يومه، ومَن لم يأكل أن يتمّ صومَه» رواه (١) أحمد (٢). وعن محمد بن صيفيّ قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ في يوم عاشوراء، فقال: «أصمتم يومَكم هذا؟» فقال بعضهم: نعم. وقال بعضهم: لا. قال: «فأتمُّوا بقيَّة يومكم هذا». وأمرهم أن يُؤْذِنوا أهلَ العوالي أن يتمُّوا بقيةَ يومهم (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: كان يوم عاشوراء يومًا (٤) تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما قدم المدينةَ صامَه وأمرَ بصيامه، فلما فُرِض رمضان قال: «مَن شاء صامَه، ومَن شاء ترَكَه» متفق عليه (٥). وعن أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء تعظِّمه اليهود وتتخذه عيدًا،

стр. 1971

فقال رسول الله ﷺ : «فصوموه أنتم» متفق عليه (١). وفي رواية لمسلم (٢): كان أهل خيبر يصومون (٣) يوم عاشوراء، يتخذونه عيدًا، ويُلْبِسُون نساءَهم فيه حُلِيَّهم وشارَتَهم، فقال رسول الله ﷺ : «فصوموه أنتم» (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: قَدِم النبيُّ ﷺ فرأى اليهودَ تصوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: يومٌ صالحٌ نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى ﵇. فقال: «أنا أحقُّ بموسى منكم» فصامَه وأمرَ بصيامه (٥). وعن ابن عباس أيضًا وسئل عن صوم (٦) عاشوراء؟ فقال: «ما علمتُ أن رسول الله ﷺ صامَ يومًا يطلبُ فضلَه على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهرًا إلا هذا الشهر ــ يعني: رمضان ــ» (٧) متفق عليهما. فقد بيَّن أصحابُ النبيّ ﷺ أن النبيّ ﷺ أمرَ بصيامه ووكّده، وجعلوا فضلَه في نفسه كفضل رمضان، وأخبروا أن ذلك كان قبل أن يُفْرَض رمضان، ولما فُرِض رمضان لم يأمر به، وبينوا أنه كان يصومه بعد فرض رمضان

стр. 1972

ويأمر بذلك أمرَ استحباب. ويدلّ على أنهم قصدوا ترك صومه وجوبًا: ما روى (١) علقمةُ قال: أتيتُ ابنَ مسعود ما بين رمضان إلى رمضان، ما من يوم إلا أتيتُه فيه، فما رأيته في يوم صائمًا إلا يوم عاشوراء (٢). وقد تقدم عنه أنه ترك صومه. وقال الأسود بن يزيد: لم أر رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا بالكوفة آمَرَ (٣) بصوم عاشوراء مِن عليٍّ والأشعريّ (٤). رواهما سعيد. ومعلومٌ أنَّ هذا التوكيد لا يليق بمستحبّ؛ لأن يوم عرفة أفضل منه، فإنه يُكَفِّر سنتين، ومع هذا فلم يؤمَرْ به، فثبت أن ذلك إنما كان (٥) لوجوبه إذ ذاك، ولأنه ﷺ صامه أولًا بناء على اعتيادهم صومَه قبل الإسلام، كما ذكَرَت عائشة، وموافقةً لموسى ﵇ في صومه، لأنَّا أحقّ به من بني إسرائيل، كما ذكر أبو موسى وابن عباس، ثم نسخ التشبيه بأهل الكتاب في صومه بصوم [ق ٩٠] يومٍ آخر.

стр. 1973

وأما حديث معاوية، فهو متأخِّر بعد فَرْض رمضان، وإذ ذاك لم يكن واجبًا بالاتفاق. وأما كونه لم يأمر بالقضاء، فقد روى قتادة، عن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه: أن أسْلَم أتتِ النبيَّ ﷺ ، فقال: «صُمتم يومَكم هذا؟» قالوا: لا. قال: «فأتِمُّوا بقيَّة يومِكُم واقضوه» رواه أبو داود والنسائي (١). ثم إنما لم يأمرهم بالقضاء لأن الوجوب إنما ثبت بالنهار ... (٢). فصل وعاشوراء هو اليوم العاشر مِن المحرَّم، والسُّنةُ لمن صامه أن يصوم تاسوعاءَ معه. قال في رواية الميموني وأبي الحارث: مَن أراد أن يصوم عاشوراء فليصم التاسعَ والعاشرَ، إلا أن يُشْكِل الشهر (٣) فيصوم ثلاثة أيام. ابن سيرين يقول ذلك (٤). وقال في رواية الأثرم: أنا أذهبُ في عاشوراء أن يُصام يوم التاسع والعاشر، حديث ابن عباس: «صوموا التاسع والعاشر».

стр. 1974

وقال حرب: سألت أحمد عن صوم عاشوراء؟ فقال: يصوم التاسعَ والعاشر (١). وذلك لما روى ابنُ عباس قال: لمَّا صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظِّمُه اليهود والنصارى، فقال: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» قال: فلم (٢) يأتي العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ . رواه مسلم وأبو داود (٣). وفي لفظ: «لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسعَ (يعني: يوم عاشوراء)» رواه أحمد ومسلم وابن ماجه (٤). وعن الحكم بن الأعرج قال: «انتهيتُ إلى ابن عباس وهو متوسِّد رداءَه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيتَ هلالَ (٥) المحرَّم، فاعْدُد، وأصْبِح يومَ التاسع صائمًا، قلت: هكذا كان محمد يصومه؟ قال: نعم. رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي (٦) وقال: حسن صحيح.

стр. 1975

ومعنى هذا والله أعلم: صُمِ التاسعَ والعاشرَ كما ذكره الإمام أحمد عنه. رواه سعيد ــ وغيره ــ قال: حدثنا سفيان عن (١) عَمرو بن دينار، سمع عطاء، سمع ابن عباس يقول: «صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود» (٢). وعن شعبة مولى ابن عباس قال: «كان ابن عباس يصوم عاشوراء في السَّفَر، ويوالي بين اليومين فَرَقًا أن يفوته» رواه حرب (٣). عن إسماعيل بن عُلَيَّة قال: ذكروا عند ابن أبي نَجِيح: أن ابن عباس كان يقول: يوم عاشوراء يوم التاسع. فقال ابن أبي نجيح (٤): إنما قال ابن عباس: «أكره أن يصوم يومًا فارِدًا، ولكن صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» رواه (٥) داود بن عمرو عنه (٦). وعن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: «أنه كان يصوم يومين

стр. 1976

لعاشوراء احتياطًا أن لا يفوته» رواه أبو زرعة الدمشقي، عن أبي صالح، عن معاوية بن صالح، عنه (١). يحقِّق ذلك ما روى [الحسن] (٢)، عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم. رواه الترمذي (٣) وقال: حديث حسن صحيح. وقد روى داود بن علي، عن أبيه، عن جدِّه ابن (٤) عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهودَ، صوموا قبلَه يومًا أو (٥) بعده يومًا». رواه أحمد وسعيد ولفظه: «صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده» (٦) (٧).

стр. 1977

فإن صام عاشوراء مفردًا، فهل يكره ؟ قال بعض أصحابنا: لا يكره ... (١) والأشبه بكلامه أنه يُكْرَه؛ لأنه أمر بصوم اليومين لمن أراد صوم عاشوراء، وأخذ بأَثَر ابن عباس، وابنُ عباس كان يكره إفراده، ويأمر بصوم اليومين مخالفة لليهود. ولأنه إفرادُ يوم يعظِّمه غيرُ أهل الإسلام، فَكُرِه كإفراد النيروز والمهرجان. ولأن التشبّه بأهل الكتاب مكروه، وقَطْع التشبه بهم مشروع ما وُجِد إلى ذلك سبيل، فإذا صيم وحده كان فيه تشبُّه بأهل الكتاب ... (٢) قال أبو الخطاب (٣): ويستحبّ صوم عشر المحرم، وآكدها تاسوعاء وعاشوراء (٤).

стр. 1978

فصل (١) قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم (٢): سمعنا في الحديث: «مَن وسَّع على عياله يوم عاشوراء، وسّع الله عليه سائر سَنَتهِ». قال ابن عيينة: قد جرَّبناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة، فما رأينا إلا خيرًا. وقال في رواية صالح (٣): ابن عيينة، عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن المنتشر ــ قال أبي: ثقة صدوق ــ أنه بلغه: «مَن وسَّع على عياله يوم (٤) عاشوراء، وسَّع الله عليه سائر سَنَتهِ». وقد رُوي في حديث مرفوع من حديث أيوب بن (٥) سليمان بن مينا، عن رجل، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ قال: «مَن وسَّع على أهله يوم عاشوراء، وسَّع الله عليه سائر سَنَتهِ» رواه حرب (٦).

стр. 1979

وروى أيضًا من حديث إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله مثله مرفوعًا (١)، وقال: هذا حديث منكر. وقال: سُئل أحمد عن هذا الحديث: «مَن وسَّع على أهل يوم عاشوراء؟» فلم يره شيئًا (٢). مسألة (٣): (ويُستحبُّ صيامُ أيامِ البيض) . وجملةُ ذلك: أنه يستحبُّ صيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، فإنها تعدل صومَ الدَّهْر، ويستحبُّ أن يكون يوم الاثنين والخميس، وأفضل ذلك (٤) أن يكون مِن أوسطه، وهي أيام البِيض.

стр. 1980

قال حرب: سمعت (١) أحمد يقول: من صام ثلاثة أيام من الشهر فقد صام الشهر كلَّه. يقوله بتوكيد (٢). وقال في رواية عبد الله (٣) عن (٤) عبد الملك بن قَتادة بن ملحان، عن أبيه: «كان النبي ﷺ يأمر بصيام أيام البِيض: ثلاث عشرة، وأربع (٥) عشرة، وخمس عشرة» (٦). قيل له: فصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر يُصام من أول الشهر؟ [ق ٩١] قال: نعم، ولكن يكون قصده لهذه. وقال في رواية عبد الله (٧)، عن هُنَيدة (٨) الخزاعي، عن أمّه قالت: دخلْتُ على أم سلمة، فسألتها عن الصيام؟ فقالت: «كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهر أولها الاثنين والخميس» (٩) ... (١٠) وذلك لما تقدَّم عن عبد الله بن عَمرو: أن النبي ﷺ قال له: «صُم من

стр. 1981

الشهر ثلاثَة أيام، فإن الحسنة بعشرِ أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر» متفق عليه (١). وتقدّم أيضًا عن أبي قتادة: أن النبي ﷺ قال له (٢): «ثلاثٌ مِن كلّ شهر، ورمضانُ إلى رمضانُ، فهذا صيامُ الدّهر» رواه مسلم وغيره (٣). وقد (٤) تقدم أيضًا قوله للباهلي: «صُم ثلاثةَ أيامٍ مِن كلّ شهر» ... (٥) وعن أبي الدرداء ﵁ قال: أوصاني خليلي بثلاثٍ لن أدَعَهنّ (٦) ... (٧) وعن أبي هريرة مثله (٨). وعن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «صيامُ ثلاثةِ أيام مِن كلّ شهر صيامُ الدهرِ وإفطارُه» رواه أحمد (٩).

стр. 1982

وعن أبي العلاء بن الشّخّير، عن رجل من بني أقيش (١)، قال: معه كتاب للنبي ﷺ ، ويقال: اسمه النّمر بن تُولَب، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «مَنْ سَرَّه أن يذهب كثيرٌ من وَحَر صدره، فليصُمْ شهر الصبر وثلاثة أيام من كلِّ شهر». وفي رواية: «صيام ثلاثة أيام مِن الشهر يُذْهِبْنَ وَحَر (٢) الصّدْر» رواه أحمد والنسائي (٣)، وفيه قصة رواها أبو داود (٤). وعن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه: أنه (٥) سأل رسولَ الله ﷺ عن الصوم؟ فقال: «صُم يومًا من كلِّ شهر» فاستزاده قال: بأبي وأمي إني أجدني أقوى، فزدني. فقال رسول الله ﷺ : «إني أجِدُني قويًّا، إني أَجِدُني قويًّا» فما كاد أن يزيده، فاستزاده، فقال: «صم يومين من كلِّ شهر». قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني أجدني قويًّا، فقال رسول الله ﷺ : «إني أجدني قويًّا إني أجدني قويًّا» (٦)، فما كاد أن يزيده، فلما ألحَمَ (٧) عليه، قال: «صُمْ ثلاثةَ

стр. 1983

أيام من كلِّ شهر» رواه أحمد والنسائي (١). وعن معاذة العدويَّة: أنها سألت عائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يصوم مِن كلِّ شهر ثلاثةَ أيام؟ قالت: «نعم». فقلت لها: من أيِّ أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: «لم يكن يبالي من أيِّ أيام الشهر كان يصوم» رواه الجماعة إلا البخاري (٢) والنسائي (٣)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد تقدم عنه من رواية حفصة وغيرها: أنه لم يكن يدعُ صيامَ ثلاثة أيام مِن كلِّ شهر. وعن عبد الله، قال: «كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من غُرَّة كلِّ هلال (٤)، وقلما كان يفطر يوم الجمعة» رواه الخمسة (٥) وقال الترمذي: حسن غريب، إلا أن أبا داود لم يذكر إلا صوم الثلاثة، وابن ماجه لم يذكر إلا

стр. 1984

صوم الجمعة. وعن هُنيدةَ الخزاعي، عن أمه قالت: دخلتُ على أمّ سَلَمة، فسألتها عن الصيام؟ فقالت: «كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كلِّ شهر، أوَّلها الاثنين والخميس (١)» رواه أبو داود، وذكره أحمد (٢). وقد تقدم من حديث هُنَيدة، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ : أنه (٣) كان يصوم نحو ذلك. وعن حفصة قالت: «كان رسولُ الله ﷺ يصوم ثلاثةَ أيامٍ من الشهر: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى» رواه أبو داود والنسائي (٤). وإنما اختيرت البِيض لِما رُوي عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام (٥)، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» رواه أحمد والنسائي والترمذي (٦)، وقال: حديث حسن.

стр. 1985

وعن قَتادة (١) بن ملحان العبسي (٢)، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام أيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، وقال: «هي كهيئة الدهر». رواه الخمسة إلا الترمذي (٣)، واحتجَّ به أحمد. وفي لفظ (٤): «بصيام الليالي البيض»، وفي لفظ (٥): «أن يصوم الليالي البيض»، أي: بصيام أيام الليالي البيض، كما قال: «وأتبعه بستٍّ» أي: بأيام من ستّ. وعن موسى (٦) بن طلحة: أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عن أيامٍ يصومهنّ؟ فقال: «أينَ أنتَ من (٧) البيض؟» رواه سعيد (٨).

стр. 1986

قال القاضي: قيل: إنما سُمّيت البيض؛ لأن ليلها كنهارها يضيء بالقمر جميع ليلها (١). والجيِّد أن يقال: أيام البيض؛ لأن البيض صفة لليالي البيض، أي أيام (٢) الليالي البيض، وهذا جاء في الحديث وكلام أكثر الفقهاء. ووقع في كلام بعضهم: ابن عقيل وأبي الخطاب: الأيام البيض، فعدُّوه لحنًا؛ لأن كل الأيام بيض. وقيل: سُمِّيت البيض؛ لأن الله تعالى تاب على آدم فيها وبيَّضَ صحيفتَه. رواه (٣) أبو الحسن التميمي في كتاب «اللطيف» (٤). مسألة (٥): (والاثنين والخميس) . هذان اليومان يُستحبُّ صومهما من بين أيام الأسبوع؛ لأن أعمال العباد

стр. 1987

تعرض فيهما (١)، كما اسْتُحبّ صوم شعبان؛ لأن أعمال العباد تُعْرَض فيه؛ لما تقدَّم عن أم سلمة وحفصة: «أن النبي ﷺ كان يتحرّى أن يصوم الثلاثة يوم الاثنين والخميس». وتقدم أنه لما سئل عن صوم الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدْتُ فيه، وأُنْزِل عَلَيَّ فيه» رواه مسلم (٢). وعن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان يتحرَّى صيام الاثنين والخميس» رواه الخمسة إلا أبا داود (٣)، وقال الترمذي: حديث حسن. وعن أبي سعيد المقبري، عن أسامة بن زيد، قال: [ق ٩٢] قلت: يا رسول الله، إنك تصوم لا تكاد تفطر، وتفطر لا تكاد تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما: الاثنين والخميس؟ قال: «ذانك يومان تُعْرَض فيهما الأعمال على ربِّ العالمين، فأُحِبّ أن يُعرَض عملي وأنا صائم» رواه أحمد والنسائي (٤). وفي رواية عن عُمر بن الحكم بن ثوبان، عن مولى قُدامة بن مَظعون، عن مولى أسامة بن زيد: أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القُرى في طلب مالٍ

стр. 1988

له، فكان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، فقال له مولاه: لِمَ تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير؟ فقال: إن نبيَّ الله ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وسئل عن ذلك؟ فقال: «إن أعمال العباد تُعْرَض يوم الاثنين ويوم الخميس» رواه أحمد وأبو داود والنسائي (١). وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس، فقيل له، فقال: «إن الأعمال تُعْرَض في كلِّ اثنين وخميس، فيَغْفِر الله لكلِّ مسلم، إلا المتهاجِرَيْن، يقول الله تعالى: أخِّروهما» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: «تُعْرَض الأعمال كلّ اثنين وخميس، فأحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم» وقال: حديث حسن غريب. فصل قال أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحَّال: ليس في الصوم رياء. قال القاضي: وهذا (٣) يدلُّ على فضيلة الصوم على غيره؛ لأن الرياء لا

стр. 1989

يدخله؛ لأنه إمساك ونية، وهذا المعنى لا يصح إظهاره، فيقع الرياء فيه ... (١) مسألة (٢): (والصائمُ المتطوِّعُ أميرُ نفسِه، إن شاءَ صامَ وإن شاءَ أفطرَ، ولا قضاءَ عليه) . وجملةُ ذلك: أن مَن شَرَع في صيام تطوُّع، فإنه يجوز له (٣) الخروج منه ولا قضاء عليه، لكن المستحبّ أن يتمّه وأن يقضيه إذا أفطر (٤). وهل يُكره فطره لغير حاجة؟ وهل يستحب فطره مع الحاجة؟ وهل يقضي مع الحاجة؟ قال ابن أبي موسى (٥): مَن أفطرَ في تطوُّعِه عامدًا، فالاحتياط له أن يقضيه من غير أن يجب ذلك عليه (٦). فعلى هذا لا يستحبّ له القضاء إذا أفطر بعذر، بل يكون بمنزلة صوم مبتدأ (٧). وقال في رواية الأثرم فيمن أصبح صائمًا متطوِّعًّا، فبدا له فأفطر يقضيه؟ قال: إن قضاه فحسن، وأرجو أن لا يجب عليه.

стр. 1990

وقال حرب: سُئل أحمد قيل: ما تقول فيمن نوى الصيامَ من الليل، ثم أصبح فأفطر؟ قال: إن قضى فهو أحبُّ إليَّ، وإلا فليس عليه شيء. وسئل أيضًا (١) عن رجل صام تطوُّعًا، فأراد أن يفطر: أعليه قضاء أم لا؟ قال: إذا كان مِنْ نذرٍ أو قضاء رمضان يقضي، وإلا فلا. وكذلك نقَلَ ابنُ منصور (٢). وهذا هو المذهب. وروى عنه (٣) حنبل: إذا أجمَعَ على الصيام من الليل، فأوجبه على نفسه، فأفطر من غير عذر، أعاد ذلك اليوم (٤). فاختلف أصحابنا (٥) في هذه الرواية؛ فقال القاضي: هذا محمول على صوم النذر دون التطوُّع، وقد صرَّح به في مسائل حنبل، فقال: إذا (٦) كان نذرًا قضى وأطعم لكلِّ يوم مسكينًا، وإن كان ... (٧) وقال غيره: يُحْمَل ذلك على استحباب القضاء دون إيجابه، ليوافق سائر الروايات، وأقرَّها طائفةٌ روايةً.

стр. 1991

قال أبو بكر عبد العزيز: تفرَّد حنبل بهذه الرواية، وجميع أصحابنا (١) على أن لا قضاء عليه، وبه أقول. وهذه طريقةُ ابن البناء وغيره، وهي أصح؛ لأن أحمد فرَّق في (٢) الأمر بالإعادة بين (٣) المعذور وغيره، وقضاء النذر لا يختلف (٤)، ولم يتعرَّض لوجوب الكفارة، ولو كانت نذرًا لذكر الكفارة. ووجه (٥) ذلك: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وهذا يعمّ إبطالها بعد إكمالها وفي أثنائها، فإنَّ ما مضى من الصوم والصلاة والإحرام ونحوها عمل صالح يُثاب عليه، بحيث لو مات في أثنائه، أُجِر على ما مضى أَجْرَ مَن قد عمل، لا أجر مَن قَصَد ونوى، وإذا كان عملًا صالحًا فقد نهى الله عن إبطاله. وعن شدَّاد بن أوس قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول (٦): «أتخوَّفُ على أمتي الشركَ والشهوةَ الخفيَّة». قال: قلت: يا رسول الله، أتُشْرِكُ أمَّتُك بعدك؟ قال: «نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا حجرًا ولا وثنًا، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوةُ الخفيةُ: أن يصبح أحدهم صائمًا، فتعرض

стр. 1992

له شهوة من شهواته، فيترك صومه» (١) رواه أحمد وابن ماجه من حديث روَّاد بن الجرَّاح، عن عامر بن عبد الله، عن الحسن بن ذكوان، عن عُبادة بن نُسَيّ، عن شدّاد [بن أوس] (٢). وعن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنتُ أنا وحفصة صائمتين، فعَرَض لنا طعامٌ اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ ، فبَدَرَتْني إليه حفصةُ، وكانت ابنة أبيها، فقالت: يا رسول الله، إن كنا صائمتين، فعَرَض لنا طعام اشتهيناه، فأكلناه، ف قال (٣): «اقضيا يومًا آخر مكانه» رواه أحمد والنسائي والترمذي من حديث جعفر بن بَرقان، عن الزُّهري (٤)، وقال

стр. 1993

الترمذي: وروى صالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفص (١) هذا الحديث، عن الزُّهري، عن عُروة، عن عائشة. قال: وروى مالك بن أنس ومَعْمَر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد (٢) وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، عن عائشة مرسلًا، ولم يُذْكَر فيه عروة، وهذا أصح. وروى بإسناده عن ابن جُريج، [ق ٩٣] قال: سألتُ الزهريَّ، فقلت له (٣): أحدَّثَك عروةُ عن عائشة؟ فقال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكن سمعتُ في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث. ورواه أحمد والنسائي (٤) من حديث سفيان بن حسين، عن الزهري. ورواه النسائي أيضًا (٥) من حديث صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، قال: «وصالحُ بن أبي الأخضر ضعيف في الزهري وفي غير الزهري، وسفيانُ بن حسين وجعفرُ بن بَرْقان ليسا بقويين في الزهري، ولا بأس بهما في غير الزهري». ثم رواه مرسلًا من حديث معمر ومالك

стр. 1994

وعبيد الله بن عمر (١). ورواه عن سفيان قال: سألوا الزهريَّ وأنا شاهد: أهو عن عروة؟ قال: لا (٢). ورواه سعيد (٣)، عن سفيان بن عيينة، قثنا (٤) الزهريُّ، قال: قالت عائشة. فذَكَرَه، وفيه: فتبسَّم رسول الله ﷺ ، وقال: «صوما (٥) يومًا مكانه» قال سفيان: فسألت الزهريَّ: عن عروة؟ فغضب وأبى أن يُسْنِدَه. قال سعيد (٦): ثنا عطَّاف بن خالد، عن زيد بن أسلم، قال: قالت عائشة مثله، وقال لنا: «صوما مكانه، ولا تعودوا (٧)». وفي حديث مالك وغيره (٨): أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوِّعتَين. وعن ابن الهاد، عن زُمِيْل مولى عروة، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة

стр. 1995

قالت: أُهْدي لحفصة طعامٌ، وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم دخل رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، إنّا أُهْدِيَت لنا هدية، واشتهيناها فأفطرنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا عليكما، صوما مكانه يومًا آخر» رواه أبو داود والنسائي (١) وقال: «زُمَيل ليس بالمشهور»، وقال البخاري: «لا يعرف لزُمَيل سماعًا من عروة، ولا تقوم به الحُجّة» (٢). وعن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرة، عن عائشة نحوه. رواه النسائي (٣) وقال: هذا خطأ. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تحفظ عن يحيى، عن عَمْرة، عن عائشة: «أصبحتُ أنا وحفصة صائمتين»؟ فأنكره، وقال: مَن رواه؟ قلت: جرير. فقال: جرير يحدِّث بالتوهُّم، وأشياء عن قتادة (٤) يُسندها جريرُ بن حازم باطلة (٥).

стр. 1996

وعن سعيد بن جُبَير: «أن حفصة وعائشة أصبحتا صائمتين تطوُّعًا، فأفطرتا، فأمرهما رسول الله ﷺ أن يقضياه» رواه سعيد (١). وعن أنس بن سيرين، قال: «صمتُ يومًا فأجهدت، فأفطرتُ، فسألتُ ابنَ عُمر (٢) وابن عباس؟ فأمراني أن أقضي يومًا مكانه» رواه سعيد (٣). وعن محمد بن أبي حميد، عن إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد الخدري طعامًا، فدعا النبيَّ ﷺ وأصحابه، فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : «صَنَع لك أخوك (٤)، وتكلَّف لك أخوك، أفْطِر وصُم يومًا مكانه» رواه الدارقطني (٥) وقال: هذا مرسل. ورواه حرب وقال: «كُلْ، وصُم يومًا مكانه إن أحببت» (٦).

стр. 1997

وقد تُكُلِّم في محمد بن أبي حُمَيد. وعن ابن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ يومًا، فقرَّبتُ له حَيسًا، فأكل منه وقال: «إني كنتُ أريدُ الصيامَ، ولكن أصوم يومًا مكانه» رواه عبد الرزاق عنه (١). ورواه الدارقطني (٢)، ولفظه: قالت: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ ، فقال: «إني أريدُ الصومَ (٣)» وأُهْدِيَ له (٤) حَيس، فقال: «إني آكُل، وأصوم يومًا مكانه».

стр. 1998

قال الدارقطني: «لم يروه بهذا اللفظ عن ابن عيينة غير (١) محمد بن عَمْرو بن العباس الباهلي، ولم يُتابَع على قوله: «وأصوم يومًا مكانه» ولعله شُبِّه عليه، والله أعلم، لكثرة مَن خالفه عن ابن عيينة». ورواية عبد الرزاق التي ذكرناها تدلُّ على خلاف قول الدارقطني. فهذا الحديث غايته أن يكون مرسلًا. لكن قد أرسله الزهريُّ وزيدُ بن أسلم وسعيدُ بن جُبير، وعمل به الصحابة، والمرسلُ إذا تعدّد مرسلوه وعمل به الصحابة، صار حجَّةً بلا تردّد. وقد أُسْنِد من غير حديث الزهري كما تقدم. ولأنها عبادة، فلَزِمَتْ بالشروع فيها، ووجبَ القضاءُ بالخروج منها لغير (٢) عذر، كالحج، ولأن الشروع في العبادة التزام لها، فلزم الوفاء به كالنذر. يحقِّقُ التماثلَ: أن الله تعالى قال في آية الصوم: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] كما قال في آية الحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فإذا كان عليه إتمامُ ما دخل فيه من الحج والعمرة، فكذلك عليه إتمام ما دخل فيه من الصيام. فعلى هذه الرواية: إنما تُقضى إذا أفطر لغير عذر. فأما إن أفطر لعذر من مرضٍ أو سفر ونحو ذلك، فلا إعادة عليه.

стр. 1999

وإن أفطر لكون الصوم كان مكروهًا، مثل أن يفرد يومًا بالصوم ... (١) ولأن النبيَّ ﷺ قال: «إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعام، فإن كان مفطرًا فليَطْعَم، وإن كان صائمًا فليُصَلّ» (٢). ولو كان الأكل جائزًا لبيَّنه النبيّ ﷺ ، ولاستحبَّه في الدعوة. ولأنه ﷺ قال: «لا تصومنَّ امرأةٌ وزوجُها شاهدٌ إلا بإذنه» (٣) ولو كان التفطير جائزًا لم يكن في شروعها في الصوم عليه ضررٌ. والأول هو (٤) المذهب؛ لِما روى شعبةُ، عن جَعْدة، عن أم هانئ وهي جدته. وفي لفظ: قال شعبةُ: كنتُ أسمع سِماكَ بن حرب يقول: [ق ٩٤] أحدُ بني أمِّ هانئ حدثني، فلقيت أنا أفضلَهما، وكان اسمه جَعْدة، وكانت أم هانئ جدَّته، فذكره عن جدته: أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، وقالت: يا رسول الله، أما إني كنتُ صائمة، فقال رسول الله ﷺ : «الصائمُ المتطوِّع أميرُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (٥).

стр. 2000

وفي رواية (١): قلت له: سمعْتَه من أم هانئ؟ قال: لا، حدثنيه أبو صالح وأهلُنا عن أم هانئ. رواه أحمد والنسائي والترمذي (٢) وقال: في إسناده مقال. وفي رواية لأحمد والنسائي (٣): أن رسول الله ﷺ دخل عليها (٤) يوم الفتح. ورووه أيضًا من حديث سماك بن حرب، عن ابن أم هانئ، عن (٥) أم هانئ (٦). وفي لفظ (٧): سمعه منها. وفي لفظ (٨): عن هارون ابن بنت أم هانئ أو ابن ابن أم هانئ، عن أمِّ هانئ (٩): أن رسول الله ﷺ شرب شرابًا، فناولها لتشرب، فقالت: إني صائمة، ولكن كَرِهْتُ أن أردّ سُؤرَك. فقال: «إن كان قضاءً مِن رمضان، فاقضي يومًا مكانه، وإن كان تطوُّعًا فإن شئتِ فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي».
следующие страницы →