← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وعن سعيد بن جُبَير: «أن حفصة وعائشة أصبحتا صائمتين تطوُّعًا، فأفطرتا، فأمرهما رسول الله ﷺ أن يقضياه» رواه سعيد (١). وعن أنس بن سيرين، قال: «صمتُ يومًا فأجهدت، فأفطرتُ، فسألتُ ابنَ عُمر (٢) وابن عباس؟ فأمراني أن أقضي يومًا مكانه» رواه سعيد (٣). وعن محمد بن أبي حميد، عن إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد الخدري طعامًا، فدعا النبيَّ ﷺ وأصحابه، فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : «صَنَع لك أخوك (٤)، وتكلَّف لك أخوك، أفْطِر وصُم يومًا مكانه» رواه الدارقطني (٥) وقال: هذا مرسل. ورواه حرب وقال: «كُلْ، وصُم يومًا مكانه إن أحببت» (٦).

стр. 1997

وقد تُكُلِّم في محمد بن أبي حُمَيد. وعن ابن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ يومًا، فقرَّبتُ له حَيسًا، فأكل منه وقال: «إني كنتُ أريدُ الصيامَ، ولكن أصوم يومًا مكانه» رواه عبد الرزاق عنه (١). ورواه الدارقطني (٢)، ولفظه: قالت: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ ، فقال: «إني أريدُ الصومَ (٣)» وأُهْدِيَ له (٤) حَيس، فقال: «إني آكُل، وأصوم يومًا مكانه».

стр. 1998

قال الدارقطني: «لم يروه بهذا اللفظ عن ابن عيينة غير (١) محمد بن عَمْرو بن العباس الباهلي، ولم يُتابَع على قوله: «وأصوم يومًا مكانه» ولعله شُبِّه عليه، والله أعلم، لكثرة مَن خالفه عن ابن عيينة». ورواية عبد الرزاق التي ذكرناها تدلُّ على خلاف قول الدارقطني. فهذا الحديث غايته أن يكون مرسلًا. لكن قد أرسله الزهريُّ وزيدُ بن أسلم وسعيدُ بن جُبير، وعمل به الصحابة، والمرسلُ إذا تعدّد مرسلوه وعمل به الصحابة، صار حجَّةً بلا تردّد. وقد أُسْنِد من غير حديث الزهري كما تقدم. ولأنها عبادة، فلَزِمَتْ بالشروع فيها، ووجبَ القضاءُ بالخروج منها لغير (٢) عذر، كالحج، ولأن الشروع في العبادة التزام لها، فلزم الوفاء به كالنذر. يحقِّقُ التماثلَ: أن الله تعالى قال في آية الصوم: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] كما قال في آية الحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فإذا كان عليه إتمامُ ما دخل فيه من الحج والعمرة، فكذلك عليه إتمام ما دخل فيه من الصيام. فعلى هذه الرواية: إنما تُقضى إذا أفطر لغير عذر. فأما إن أفطر لعذر من مرضٍ أو سفر ونحو ذلك، فلا إعادة عليه.

стр. 1999

وإن أفطر لكون الصوم كان مكروهًا، مثل أن يفرد يومًا بالصوم ... (١) ولأن النبيَّ ﷺ قال: «إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعام، فإن كان مفطرًا فليَطْعَم، وإن كان صائمًا فليُصَلّ» (٢). ولو كان الأكل جائزًا لبيَّنه النبيّ ﷺ ، ولاستحبَّه في الدعوة. ولأنه ﷺ قال: «لا تصومنَّ امرأةٌ وزوجُها شاهدٌ إلا بإذنه» (٣) ولو كان التفطير جائزًا لم يكن في شروعها في الصوم عليه ضررٌ. والأول هو (٤) المذهب؛ لِما روى شعبةُ، عن جَعْدة، عن أم هانئ وهي جدته. وفي لفظ: قال شعبةُ: كنتُ أسمع سِماكَ بن حرب يقول: [ق ٩٤] أحدُ بني أمِّ هانئ حدثني، فلقيت أنا أفضلَهما، وكان اسمه جَعْدة، وكانت أم هانئ جدَّته، فذكره عن جدته: أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، وقالت: يا رسول الله، أما إني كنتُ صائمة، فقال رسول الله ﷺ : «الصائمُ المتطوِّع أميرُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (٥).

стр. 2000

وفي رواية (١): قلت له: سمعْتَه من أم هانئ؟ قال: لا، حدثنيه أبو صالح وأهلُنا عن أم هانئ. رواه أحمد والنسائي والترمذي (٢) وقال: في إسناده مقال. وفي رواية لأحمد والنسائي (٣): أن رسول الله ﷺ دخل عليها (٤) يوم الفتح. ورووه أيضًا من حديث سماك بن حرب، عن ابن أم هانئ، عن (٥) أم هانئ (٦). وفي لفظ (٧): سمعه منها. وفي لفظ (٨): عن هارون ابن بنت أم هانئ أو ابن ابن أم هانئ، عن أمِّ هانئ (٩): أن رسول الله ﷺ شرب شرابًا، فناولها لتشرب، فقالت: إني صائمة، ولكن كَرِهْتُ أن أردّ سُؤرَك. فقال: «إن كان قضاءً مِن رمضان، فاقضي يومًا مكانه، وإن كان تطوُّعًا فإن شئتِ فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي».

стр. 2001

قال النسائي: اخْتُلِف فيه على سِماك، وسِماك ليس ممن يُعتمد عليه إذا انفرد بالحديث. ورواه أحمد وأبو داود (١) عن (٢) يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن أم هانئ، قالت: لما كان يوم الفتح، فتح مكة، جاءت فاطمة فجلسَتْ عن يسار رسول الله ﷺ ، وأم هانئ عن يمينه، قالت: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب، فناولَتْه فشرب منه، ثم ناوله أمَّ هانئ فشربت منه، فقالت: يا رسول الله، لقد أفطرتُ وكنتُ صائمة، فقال لها: «أكنتِ تقضينَ شيئًا؟» قالت: لا. قال: «فلا يضرُّك إن كان تطوُّعًا». فقد عاد الحديث إلى إسنادين: أحدهما: رواية أهلِ بيت أم هانئ عنها، رواه عنهم شعبة وسِماك، ولم ينفرد به سماك. والثاني: رواية عبد الله بن الحارث. وأهلُ البيت عدَّة (٣) نَفَر، منهم أبو صالح، فروايتهم أوكد من رواية الواحد، ورواية ذريتها عنهم دليل على ثقتهم وأمانتهم.

стр. 2002

فإن قيل: النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح في رمضان، ولا يجوز أن تكون صائمة في رمضان عن قضاءٍ ولا تطوُّع. قيل: النبيُّ ﷺ أقام بمكة بضع عشرة ليلة بعد الفتح، وهذه الأيام كلها تسمى أيام الفتح (١). ولا يجوز أن يُعْتَقد أنها أفطرت ناسية؛ لأنها أخبرت أنها كانت صائمة، وإنما كرهت أن تردَّ سُؤرَ النبي ﷺ ، ولأن النبي ﷺ أخبر أن التطوُّع لا قضاء فيه بحال، وأنه إن كان قضاءً من رمضان، فعليها القضاء، ولأنه لم يقل: فالله أطعمك وسقاك. وأيضًا [روى] (٢) طلحةُ بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قالت: دخل عليَّ النبيُّ ﷺ ذات يوم، فقال: «هل عندكم من شيء؟» فقلنا: لا. فقال: «إني إذًا صائم» ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حَيس، فقال: «أرينيه، فلقد أصبحتُ صائمًا» فأكل. رواه الجماعة إلا البخاري (٣). زاد النسائي (٤): ثم قال: «إنما مَثَل صومِ التطوُّع مِثْل الرَّجُل يُخْرِج من ماله الصدقةَ، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها».

стр. 2003

وفي لفظ له (١): قال: «يا عائشة، إنما منزلة مَن صام في غير رمضان أو في قضاء رمضان أو في التطوُّع، بمنزلة رجل أخرج صدقةً من ماله، فجاد منها بما شاء فأمضاه، وبخل منها بما شاء فأمسكه». وفي رواية لمسلم (٢)، قالت: قال رسول الله ﷺ ذات يوم: «يا عائشة، هل عندكم شيء؟» قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء. قال: «فإني صائم». قالت (٣): فخرج رسول الله ﷺ فأُهْدِيت لنا هدية (أو: جاءنا زَوْر) قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ ، قلتُ: أُهْديت لنا هدية (أو: جاءنا زَوْر)، وقد خَبَأتُ لك شيئًا. قال: «ما هو؟» قلت: حَيس. قال: «هاتيه». فجئتُ به، فأكل، ثم قال: «قد كنتُ أصبحتُ صائمًا». قال طلحة: فحدثت مجاهدًا بهذا الحديث، قال: ذلك بمنزلة الرجل يُخْرِج الصدقةَ (٤) من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها. والحيس: تمر وسمن وأَقِطٌ يُطبخ. قال الشاعر (٥): التمرُ والسمنُ جميعًا والأقِطْ: ... الحيسُ إلا أنه لم يختلِطْ

стр. 2004

فهذا نصٌّ في جواز الإفطار بعد إجماع الصيام. وعن عكرمة قال: قالت عائشة: دخل عليَّ النبي ﷺ فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلت: لا. قال: «إني إذًا أصوم (١)». ودخل عليَّ (٢) يومًا آخر، فقال: «هل عندكِ (٣) شيء؟» قلت: نعم. قال: «إذًا أطْعَمُ، وإن كنتُ فرضتُ الصومَ» رواه الدارقطني (٤) وقال أيضًا: إسناد حسن صحيح. وعن أبي جُحَيفة قال: آخى رسولُ الله ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذِّلة، فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كل، فإني صائم. فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل، ذهب أبو الدرداء يقوم (٥). قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل، قال: قم الآن. فصلَّيا، فقال له سلمان: إن لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعْطِ كلّ ذي حقٍّ

стр. 2005

حقه. فأتى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «صَدَق سلمان» رواه البخاري (١). فقد أقرّ النبيُّ ﷺ [ق ٩٥] سلمانَ على تفطير أبي الدرداء، ولم يأمره بالقضاء. وعن سالم قال: صنع عطاءٌ طعامًا، فأرسل إلى سعيد بن جُبير، فأتاه (٢) فقال: إني صائم، فحدَّثه بحديث سلمان أنه فطَّر أبا الدرداء، فأفطر. رواه البغوي (٣). وعن عمرو، عن سعيد (٤)، قال: «لأَنْ أُضْرَب بالخناجر أحبُّ إليَّ من أن أفطر من تطوُّع (٥) بالنهار» رواه سعيد والبغوي (٦). فقد رجع سعيدٌ إلى حديث سلمان هذا، وهو ممن روى حديث عائشة وحفصة. وعن جُويرية بنت الحارث: أن رسول الله ﷺ دخل على جُويرية (٧) في يوم جمعة وهي صائمة، فقال لها: «أصمتِ أمس؟» قالت: لا. قال:

стр. 2006

«أتصومين غدًا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري» رواه الجماعة إلا مسلمًا وابن ماجه والترمذي (١). ورواه أحمد من حديث عبد الله بن عَمْرو (٢)، إلا أن هذين الحديثين إنما يدلان على الفطر في موضع يكون الصوم مكروهًا، كإفراد يوم الجمعة، وسَرْد الصوم الذي يَضْعُف به عن حقوق أهله، ونحو ذلك. وأيضًا، فإن النبي ﷺ أفطر في شهر رمضان هو وأصحابُه وهو مسافر بعد أن أصبحوا صيامًا، لمَّا كان جائزًا لهم ترك الصوم، فَلَأَن (٣) يجوز الفطر في صيام التطوُّع أولى وأحرى. وأيضًا، فإنه إجماع الصحابة (٤) ذكرناه عن سلمان وأبي الدرداء. وعن الحارث، عن عليّ قال: «إذا أصبحتَ وأنتَ تريد الصيام، فأنت بالخيار: إن شئتَ صمتَ، وإن شئتَ أفطرتَ، إلا أن تَفْرضَ الصيامَ عليك من الليل» (٥). يعني ــ والله أعلم (٦) ــ: النذرَ.

стр. 2007

وعن عبد الله: «متى أصبحتَ وأنتَ تريدُ الصومَ، فأنت على خير (١) النظرين: إن شئتَ صمتَ، وإن شئتَ أفطرتَ» (٢). وفي رواية عنه قال: «أحدُكم بأخْيَر النظرين (٣) ما لم يأكل أو يشرب» (٤). و (٥) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «الصائم بالخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (٦). وعن عطاء، عن ابن عباس، قال: «إذا صام الرجل تطوُّعًا، ثم شاء أن يقطعه قطَعَه، وإذا دخل في صلاة تطوُّعًا، ثم شاء أن يقطعها قطعها، وإذا طاف بالبيت تطوُّعًا، ثم شاء أن يقطعه قطعه، غير أنه لا ينصرف إلا على وتر خمسًا أو ثلاثًا أو شوطًا، وإذا أخرج الرجل صدقةً تطوُّعًا، ثم شاء أن يحبسها

стр. 2008

حبسها» (١). وعن ابن عمر: أنه (٢) أصبح صائمًا، ثم أُتي بطعام فأكل، فقيل له: ألم تكن صائمًا؟ فقال: «لا بأس به ما لم يكن نذرًا أو قضاء رمضان» (٣). رواهن سعيد. وعن جابر: «أنه كان لا يرى بالإفطار في صيام التطوُّع (٤) بأسًا» رواه الشافعي (٥). وأيضًا فإن الرجلَ إذا أصبح صائمًا لم يوجد منه إلا مجرَّد النية والقصد، والنيةُ المجرَّدة لا يجب بها شيءٌ؛ لقول النبي ﷺ : «إن الله تجاوزَ لأمتي عمَّا حدثَتْ به أنفسَها ما لم تتكلم به أو تعمل به» (٦). يبقى الفرق بينه وبين الإحرام، وبين أن يتكلم بالنية أو لا يتكلم بها (٧).

стр. 2009

ولأنها عبادة يخرج منها بالإفساد، فلم يجب قضاؤها إذا أفسدها، كالوضوء وكما لو صام يعتقد أن عليه فرضًا، فبان (١) بخلافه، وعكسُه الإحرام فإنه لا يخرج منه بالفساد ... (٢) ولأنه إذا كان له أن (٣) لا يفعل، كان له أن يخرج منه قبل الإتمام. وأما قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فإنه ما لم يتم فليس بعمل. وأما الأحاديث التي فيها الأمر بالقضاء إن كانت صحيحة، فإنما هو أمر استحباب ، وبيان أن الصوم لم يَفُتْ، وأن المفطر إذا صام يومًا مكان هذا اليوم، فقد عمل بدل ما ترك. وهذا كما قضت عائشةُ عُمرةً (٤) بدلَ العمرةِ التي أَدْخَلَت عليها الحجَّ وصارت قارنة، وكما قضى النبيُّ ﷺ اعتكافَه حتى لا يعتقد المعتقد أن المتطوِّع إذا أفطر فقد بطلت حسنتُه على وجهٍ لا يمكن تلافيه (٥)، كالمفطر في رمضان ونحوه. ويدلُّ على ذلك أشياء: أحدها: أن الرواية المسندة قال فيها: «لا عليكما، صوما مكانَه يومًا» مع

стр. 2010

إخبارهما أنهما أكلتا بشهوة ولم تُفْطِرا لعذر. وقوله (١): «لا عليكما» أي: لا بأس عليكما، ولو كان الفطر حرامًا والقضاء واجبًا، لكان عليهما بأس. ثانيها (٢): أن في رواية سفيان عن الزهري: أنهما (٣) لما أخبرتاه تبسّم النبي ﷺ ، ولو كانتا قد أذنبتا لغضب أو لبيَّن لهما أن هذا حرام (٤) لئلا تعودا إليه. وأما قوله: «ولا تعودا» فهي رواية مرسلة، ثم معناها ــ والله أعلم ــ: لا تعودا إلى فطر تريدان قضاءه؛ فإن إتمام الصيام أهون من التماس القضاء، وهذا لما رأى حزنَهما على ما فوَّتاه من الصوم، قال: فلا تفعلا (٥) شيئًا تَحْزَنا عليه. وثالثها: أن في حديث فِطْر (٦) النبيِّ ﷺ في حديث الحَيْس: أنه قال: «إني آكل، وأصوم يومًا مكانه» (٧)، ولولا أن الخروجَ جائزٌ والقضاءَ مستحبٌّ لما أفطر.

стр. 2011

ورابعها: أن في حديث المدعوِّ إلى طعام أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «أفْطِر وصم يومًا مكانه». وفي رواية: «إن أحببت» (١)، ولو كان القضاء واجبًا لما قيل هذا. وخامسها: أن ابن عمر وابن عباس قد أَمَرا بالقضاء، وصحَّ عنهما جواز الإفطار لغير عذر، فعُلِم أن ذلك أمرَ استحباب. فروى يوسف بن ماهَك، قال: «وطئ ابنُ عباس جاريةً له وهو صائم، فقيل له: وطئتَها وأنتَ صائم؟ فقال: إنما هو تطوُّع وهي جاريتي أشتهيها (٢)» (٣). وفي رواية عن سعيد بن جُبير، قال: «دخلنا على ابن عباس صدر النهار فوجدناه صائمًا، ثم دخلنا فوجدناه مفطرًا، فقلنا: [ق ٩٦] ألم تك صائمًا؟ قال: بلى، ولكن جاريةً لي أتت عليَّ فأعجبتني فأصبتها، وإنما هو تطوُّع، وسأقضي يومًا مكانه، وسأزيدكم: إنها كانت بغيًّا فحصَّنْتها، وإنه قد عزل عنها». قال سعيد بن جبير: «فعلّمَنا أربعةَ أشياء في حديث واحد». رواهما سعيد (٤).

стр. 2012

وأما حديث شدَّاد بن أوس إن صح، فيُشْبه ــ والله أعلم (١) ــ أن يكون ذلك فيمن يعتاد أبدًا الصومَ ثم تركه لشهوته، فإن هذا مكروه (٢). ويحتمل أن يكون تفسير الشهوة الخفية من جهة بعض الرواة (٣) مُدْرَجًا في الحديث؛ يدلّ على ذلك ثلاثةُ أشياء: أحدها: أن الشهوة الخفية قد فسَّرها أبو داود وغيرُه بأنها حبُّ الرئاسة (٤)، ولو كان تفسيرها مرفوعًا لَمَا أقدموا على ذلك. الثاني: أن تفسيرها بحبِّ الرئاسة أشبه، لأن حبَّ الرئاسة يكون في الإنسان، ويُظهر الأعمالَ الصالحةَ، ولا نعلم أن مقصوده دَرَك الرئاسة. الثالث: أن الأكل شهوة ظاهرة، فإنه إن لم تكن هي الشهوة الظاهرة لم يكن لنا (٥) شهوة ظاهرة. الرابع: أن قرانه بالرياء دليل على أنه أراد ما هو من جنسه، والذي هو من جنسه هو حبُّ الشَّرَف لا أكل الطعام. والله تعالى أعلم (٦).

стр. 2013

فصل في المواضع التي يُكْرَه فيها الفطر أو يستحبُّ أو يباح (١). قال القاضي: يكره الخروج من الصوم والصلاة لغير عذر ... (٢) وقال (٣) في رواية أبي الحارث في رجل يصوم التطوُّع فيسأله أبواه أو أحدهما أن يفطر، قال: يُروى عن الحسن أنه يفطر، وله أجر البِرّ وأجر الصوم إذا أفطر (٤). وقال في رواية عبد الله (٥): إذا نهاه أبوه عن الصوم، ما يعجبني أن يصوم إذا نهاه، ولا أحب لأبيه أن ينهاه، يعني في التطوُّع. وقال في رواية يوسف بن موسى: إذا أمره أبواه، لا يصلي إلا المكتوبة، قال: يداريهما ويصلي. وقال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: فإن دعاه والداه وهو في الصلاة؟ قال: قد روى ابن المنكدر، قال: «إذا دعتك أمُّك وأنت في الصلاة فأَجِبْها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه» (٦).

стр. 2014

وفي موضع آخر: قلت: تدعوه أمه وهو في الصلاة. قال: يروى عن ابن المنكدر أنه قال: «إن كان في التطوع، فليجبها» (١). فصل ومَن تلبَّس بصيام رمضان، أو بصلاة في أول وقتها، أو بقضاء رمضان، أو بقضاء الصلاة، أو بصوم نذر أو كفارة، لَزِمه المضيّ فيه، ولم يكن له الخروج منه إلا من عذر، بخلاف المتلبِّس بالصوم في السفر، فإن العذر المبيح للفطر قائم ... (٢) مسألة (٣): (وكذلك سائر التطوُّع، إلا الحجّ والعمرة؛ فإنه يجب إتمامُهما وقضاءُ ما أفْسَدَ منهما (٤)). فيه (٥) مسألتان: إحداهما (٦): أن سائر التطوّعات من الصلاة والطواف والاعتكاف والهَدْي والأُضْحية والصدقة والعتق إذا شرع فيه فالأَولى أن يُتِمَّه، وإن قطَعَه جاز ولا قضاء عليه، وإن قضاه بعد قطعه فهو أحسن.

стр. 2015

هذا الذي عليه أصحابنا، وقد أفتى أبو عبد الله بما ذكره عن ابن المنكدر إذا دعته أمُّه وهو في الصلاة: إن كان في التطوُّع فليجبها. وقال أحمد في رواية الأثرم وقد سئل عن الرجل يصبح صائمًا متطوِّعًا: أيكون بالخيار؟ والرجل يدخل في الصلاة: أَلَه أن يقطعها؟ فقال: الصلاةُ أشدُّ، لا يقطعها، فإن قطع وقضاها، فليس فيه اختلاف. قال القاضي: ظاهر هذا (١) أنه لم يوجب القضاءَ، وإنما استحبَّه لأنه يخرج من الخلاف. وقال غير القاضي: هذه الرواية تقتضي الفرقَ بين الصلاة والصيام، وأن الصلاةَ تلزمُ بالشروع. وهذا الفرق اختيار أبي إسحاق الجوزجاني. لأن الصلاةَ ذاتُ إحرام وإحلال، فلزمت بالشروع كالحج. ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مفتاح الصلاة الطُّهُور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٢). وهذا يعمُّ جميعَ الصلوات، ويقتضي أنه ليس له أن يتحلَّل منها إلا بالتسليم، كما ليس له أن يفتتحها إلا بالطُّهُور، ولا أن يُحْرِم بها إلا بالتكبير.

стр. 2016

ويؤيد الفرقَ: أنه لو أمره أحدُ أبويه بالفطر في صوم (١) التطوُّع أجابه، ولو دعاه أحدهما في صلاة التطوُّع، أجاب الأمَّ ولم يجب الأبَ ... (٢) المسألة الثانية: إذا أحرم بحَجَّة (٣) أو عمرة، لزمه المضيّ فيها، ولا يجوز له أن (٤) يقصد الخروجَ منها، ولو نوى الخروجَ منها ورَفْضَها، لم يخرج بذلك. ولو أفسدها لزمه المضيُّ فيها، وإتمام فاسِدِه (٥)، وعليه قضاؤها من العام المقبل إن كانت حجة ... (٦)، وعلى الفور إن كانت .... (٧)، حتى لو دخل فيها يعتقدُها واجبةً عليه بنَذْر أو قضاء ونحو ذلك، ثم تبين أنها ليست عليه، لزمه المضيّ فيها، ومتى أفسدها كان عليه القضاء ... والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وفي حرف عبد الله: «إلى البيت» (٨).

стр. 2017

وقد أجمع أهلُ التفسير على أنها نزلت عام الحديبية (١)، لما كان رسول الله ﷺ قد أحرم هو وأصحابه بالعمرة، [ق ٩٧] وساقوا الهَدْيَ، فصَدَّه المشركون، فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمر فيها بإتمام الحجِّ والعمرة، ويذكر شأن الإحصار. وهذا أمرٌ بالإتمام لمن دخل متطوِّعًا؛ لأن الحجَّ لم يكن قد فُرِض بعدُ، فإن الآية نزلت سنة ستٍّ، والحجّ إنما فُرِض بعد فتح مكة. ثم إن الله تعالى أمر بالإتمام مطلقًا، فدخل فيه كلُّ منشئ للحج والعمرة، بخلاف الآية التي فيها إتمام الصيام، فإنها تفارق هذه من وجهين: أحدهما: أنه قال في أولها: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... ﴾، واللام هنا لتعريف الصيام المعهود الذي تقدَّم ذكرُه، وهو صيام رمضان، ثم قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فعاد الكلام إلى الصيام المتقدِّم الذي كان الأكل والنكاح في ليلته محظورًا بعد النوم، ثم أبيح، وهذا صفة الصيام الواجب. نعم، سائر الصيام لا يتمُّ إلا بذلك على سبيل التَّبَع والإلحاق. الثاني: أن قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: أمرٌ بأن يكون إتمام الصيام إلى الليل، وبيانٌ لكون الصوم لا يتمُّ إلا بالإمساك إلى الليل، فتفيد الآيةُ أن مَن أفطر قبل الليل لم يُتمّ الصيامَ، وهذا حكمُه شاملٌ لجميع (٢) أنواع

стр. 2018

الصوم، ثم ما كان واجبًا كان الإتمامُ فيه إلى الليل واجبًا، وما كان مستحبًّا كان مستحبًّا، وما كان مكروهًا كان مكروهًا، وما كان محرَّمًا كان محرَّمًا؛ كقوله تعالى (١): ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وهو أمرٌ بأن يكون حكمه بما أنزل الله لا (٢) أمرٌ بنفس الحكم، بخلاف آية الحج والعمرة، فإنه أمرٌ بإتمامهما، فيكون نفس الإتمام مأمورًا به، وهنا الإتمام إلى الليل هو المأمور به، وفرقٌ بين أن يكون الأمر بنفس الفعل أو بصفة في الفعل، فإنه لو قال: صلّ بوضوء، أو: صلِّ مستقبلَ القبلة، ونحو ذلك، كان أمرًا بفعل هذا الشرط في الصلاة لا أمرًا بنفس الصلاة. و الفرق بين الحجِّ والعمرة وغيرهما (٣) من وجوه: أحدها: أن الحجَّ والعمرة يمضي في فاسدهما ولا يخرج منهما بالإفساد ولا بقطع النية (٤)، وغيرهما ليس كذلك. فإن قيل: الصوم القضاء والمنذور والكفارة والصلاة في أول الوقت يخرج منها بالفساد مع وجوب إتمامها. قيل: الصوم المتعيِّن مثل شهر رمضان، والنذر المعيَّن إذا أفطر لزمه المضيُّ في فاسده، وأما غيره فإنه حين إفساده يمكن إنشاؤه صحيحًا، فلم يكن حاجة إلى المضيِّ في فاسده.

стр. 2019

الثاني: أن الكفارة تجب في إفساد فرضهما ونفلهما بخلاف الصوم. الثالث: أنه لو دخل فيهما معتقدًا ... (١) مسألة (٢): (ونَهَى رسولُ الله ﷺ عن صوم يومين: يومِ الفطر ويومِ الأضحى) . وذلك لما (٣) روى أبو سعيد عن رسول الله ﷺ : «أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر» متفق عليه (٤). وفي لفظ لمسلم (٥): «لا يصلُحُ الصومُ في يومين». وفي لفظ للبخاري (٦): «لا صوم في يومين: الفطر والأضحى». وعن ابن عمر نحوه. متفق عليه (٧). وعن عائشة وأبي هريرة نحوه. رواهما مسلم (٨).

стр. 2020

وعن أبي عُبيد مولى ابن (١) أزهر قال: «شهدْتُ العيدَ مع عمر بن الخطاب، فقال: يا أيها الناس، إن رسول الله ﷺ نهاكم عن صيام هذين العيدين» (٢). وفي رواية: «اليومين: الفطر والأضحى, أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم، وأما الآخر فيوم تأكلون فيه مِن نُسُكِكُم» رواه الجماعة (٣). وعنه أيضًا قال: شهدْتُ عليًّا وعثمان ﵄ في (٤) يوم الفِطْر والنَّحْر يصليان ثم ينصرفان يُذَكِّران الناس. قال: وسمعتهما يقولان: «إن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين». رواه أحمد والنسائي (٥). ولا يجوز صوم يومي العيدين عن كفَّارةٍ ولا قضاءٍ ولا نَذْرٍ في الذمة ... (٦) فإن نَذَر صومَ يوم أحد العيدين قصدًا، انعقد نذرُه موجِبًا لكفّارة يمين في إحدى الروايات. نصَّ عليه في رواية حنبل، بناءً على أنه نَذَر معصية، وموجَب نَذْر المعصية كفَّارة يمين.

стр. 2021

وفي الأخرى: عليه مع الكفارة قضاء يوم. نصّ عليه في رواية أبي طالب، وهو ... (١) مسألة (٢): (ونهى عن صوم أيام التشريق، إلا أنه أرْخَصَ في صومها للمتمتّع إذا لم يجد الهَدْي) . الأصل في ذلك: ما رُوي عن نُبَيْشَة الهذليّ، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْر الله تعالى». رواه الجماعة (٣) إلا البخاري والترمذي (٤). وروى كعبُ بن مالك أن رسولَ الله ﷺ بعثَه وأوسَ بن الحَدَثان أيام التشريق، فناديا: «أنه لا يدخل الجنةَ إلا مؤمن، وأ يَّامُ منى أيام أكْلٍ وشُرْب» رواه مسلم (٥). وعن أبي مُرَّة مولى أم هانئ: أنه دخل مع عبد الله بن عَمْرو على أبيه عَمرو بن العاص، فقرَّبَ إليهما طعامًا، فقال: كُل. قال: إني صائم. فقال عَمرو: كُل، فهذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها وينهى (٦) عن صيامها.

стр. 2022

قال مالك: وهي أيام التشريق. رواه مالك [ق ٩٨] في «الموطأ» وأبو داود (١). وعن عَمرو (٢) بن سليم، عن أمه قالت (٣): بينما نحن بمنى، إذا عليُّ بن أبي طالب يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «إنّ هذه (٤) أيام أكْلٍ وشُرب، فلا يصومها أحدٌ» رواه أحمد والنسائي (٥). وعن رجلٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ قال: أمر رسولُ الله (٦) ﷺ عبدَ الله بن حُذافة السهمي أن يركب راحلةً أيام منى، فيصيح في الناس: «لا يصومنَّ أحدٌ؛ فإنها أيام أكْلٍ وشُرْب» رواه أحمد (٧). وعن عبد الله بن حُذَافة: «أن النبي ﷺ أمره أن ينادي في أيام التشريق: أنها أيام أكل وشرب». رواه النسائي والإسماعيلي في «صحيحه» (٨).

стр. 2023

واحتجَّ به أحمد، قال في رواية المرُّوذي: أيام التشريق قد نُهي عن صيامها. ويُروى عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حُذَافة: «أن النبي ﷺ أمره أن ينادي في أيام التشريق: إنها أيام أَكْلٍ وشُرْب». فصل وأما المتمتّع إذا لم يجد الهَدْيَ، ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر، فهل يصوم أيام التشريق؟ على روايتين: إحداهما: يجب عليه صومها، وهي (١) اختيار الشيخ؛ لِما رُوي عن ابن عمر وعائشة قالا: «لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهَدْي». رواه البخاري (٢). وفي رواية عن ابن عمر قال: «الصيام لمن تمتَّع بالعمرة إلى الحجِّ إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديًا ولم يَصُم، صام أيام منى» (٣). وعن عائشة مثله. رواه البخاري (٤). والثانية: لا يصومها. قال ابن أبي موسى (٥): وهي أظهرهما لعموم النهي،

стр. 2024

ولأنها أيام النهي (١)، فلم تُصَم عن واجب ولا غيره، كيومي العيدين. وذكر الخِرَقيُّ (٢) والقاضي وأصحابُه وغيرهم الروايتين في صومها عن جميع الواجبات من النذر والقضاء والكفَّارات (٣)، كفَّارات الأيمان ونحوها، وكفَّارات الحجِّ، كالمتمتِّع إذا لم يجد الهدي (٤). فصل (٥) ويُكره صوم (٦) يوم الشكِّ في حال الصحو. روايةً واحدةً. واختلف أصحابنا هل هي كراهة تنزيه أو تحريم، على وجهين: أحدهما: أنها كراهة تحريم. قاله ابن البنّاء وغيره. والثاني: كراهة تنزيه، وهو ظاهر قول القاضي. وكذلك الإمساك في نهاره، وسواءٌ صامه عن رمضان أو صامه تطوُّعًا أو أطلق النية، إلا أن يوافق عادةً، مثل إن كانت عادته صوم يوم الاثنين نذرًا (٧)،

стр. 2025

قال القاضي: أو كان يَسْرد (١) الصوم، فلا يكره له. فإن صام عن قضاء أو نذر أو كفارة فقال القاضي وابن البناء: لا يُكره، كما لو وافق عادةً، مثل ما قلنا في الجمعة، وكذلك يوم الإغمام إذا قلنا: لا يُصام من رمضان. ذكره ابن الجوزي (٢). وقال بعض: ... (٣) يكره صومه عن فرضٍ غيرِ رمضان الحاضر، ويحرم عن رمضان أو عن تطوُّع لم يوافق عادة. وقال أبو حكيم: لا يجوز صوم يوم الشكِّ تطوُّعًا، ولا عن فرض. (٤) قال في رواية الأثرم إذا لم يكن علة، قال: يصبح عازمًا على الفطر. وقال في روايته: ليس ينبغي أن يصبح صائمًا إذا لم يَحُل دون منظر الهلال شيء من سحاب ولا غيره. وقال في رواية المرُّوذي، وقد سُئل عن نَهْي النبي ﷺ عن صيام يوم الشك؟ فقال: هذا إذا كان صحوًا لم يصم، فأما إن كان في السماء غيم، صام.

стр. 2026

ونقل عنه أبو داود (١) الشكُّ على ضربين: فالذي لا يُصام إذا لم يَحُل دون منظره سحاب ولا قَتَر، والذي يُصام إذا حال دون منظره سحاب أو قَتَر. وأما إذا وافقَ عادةً، فأخَذَه أصحابنا مِنْ كراهة إفراد الجمعة. فعلى هذا، لو نذر صومَ السنةِ كلِّها، دخل فيه يوم الشكّ. وقال ابن عقيل: لا يدخل فيه يوم الشك، كالأيام الخمسة. وهذا يقتضي المنعَ منه منفردًا (٢) أو مجموعًا؛ لأن النبيَّ ﷺ نهى عن صوم يوم الشكِّ مطلقًا، ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين إلا أن يوافق عادةً (٣). وقد روى أحمدُ بإسناده عن ابن عمر ﵄، قال: «لو صُمت السَّنَةَ كلَّها لأفطرت اليوم الذي يُشكّ فيه» (٤). والشكُّ إذا تقاعد الناسُ، أو تشاغلوا عن رؤية الهلال، أو شهد برؤيته فاسق، فأما مع عدم ذلك، فهو من شعبان، قاله في «الخلاف» (٥). وابن عقيل وأبو حكيم قالا (٦): لا يكون شكًّا مع الصحو، إلا إن

стр. 2027

شهد (١) برؤيته فاسق، فتُرَدّ شهادتُه، فيوقع في قلوب الناس شكًّا (٢)، أو يتتارَك الناسُ رؤيةَ الهلال، فيصبحون ولا يعلمون هل هو من رمضان أو شعبان. وإذا (٣) كانت السماءُ مُطَبّقة بالغيم بحيث لا يجوز رؤية الهلال، وقلنا: لا يُصام، فهو يوم شكٍّ على ظاهر كلامه. وذكر في «المجرَّد»: أنه شكٌّ أيضًا؛ لجواز أن يجيءَ الخبرُ بالرؤية من مكان آخر. وقال ابن الجوزي (٤): إذا كانت السماءُ (٥) مصحيةً، فشعبان موجودٌ حقيقة وحُكمًا، ولم يوجد شكٌّ ولا شبهة. وإن تراءاه الناس فلم يروه؛ فقال ابن الجوزي: لم يُسمِّ أحدٌ ذاك يومَ شكّ. فعلى هذا يجوز صومه تطوُّعًا. والصواب أنه يوم شكٍّ؛ لإمكان الرؤية في [ق ٩٩] مكان آخر. وقال أبو محمد (٦): ليس لهم صيام آخر يوم من شعبان مع الصحو بحال، إلا أن يوافق عادةً، أو يكون صائمًا قبله أيامًا. (٧)

стр. 2028

فصل (١) ويُكره استقبال رمضان باليوم واليومين؛ لِما رُوِي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتقدَمنَّ أحدُكم (٢) رمضانَ بصوم يومٍ أو يومين، إلا أن يكون رجلٌ كان يصومُ صومًا فليصُمْه» رواه الجماعة (٣). فأما حديث عِمْران ومعاوية ... (٤) فأما استقباله بالثلاثة، فالمشهور في المذهب أنه لا بأس به. وقال بعض أصحابنا: لا (٥) يستحبُّ الصوم بعد منتصف شعبان إلا لمن قد صام قبله؛ لِما روى العلاءُ بن عبد الرحمن (٦)، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان النصفُ مِن شعبان، فأمْسِكوا عن الصوم حتى يكون رمضان» رواه الخمسة (٧)، وقال الترمذي: حديث حسن. وقال

стр. 2029

النسائي: لا نعلم أحدًا (١) روى هذا الحديث غير العلاء. وقد أجاب أحمدُ عن هذا الحديث؛ قال حرب: سمعتُ أحمدَ يقول في الحديث الذي جاء عن النبي ﷺ : «إذا كان النصفُ من شعبان، فلا صوم إلى رمضان» قال: هذا حديث منكر. قال: وسمعت أحمدَ يقول: لم يحدِّث ــ يعني: العلاء ــ حديثًا أنكر من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «إذا كان النصف من شعبان، فلا صوم إلى رمضان»، وأنكر أحمد هذا الحديث، وقال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث بهذا الحديث عن سُهيل، ورواية محمد بن يحيى الكحَّال هذا الحديثَ ليس بمحفوظ، والمحفوظُ الذي يُرْوى عن أبي سلمة، عن أم سلمة (٢): أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان ورمضان. واعتمد في رواية عبد الله (٣) على حديث أبي هريرة المتقدِّم: «لا تقدَّموا رمضانَ بصوم يومٍ ولا يومين»، فإن مفهوم هذا الحديث يُجَوِّز التقدُّمَ بالثلاثة.

стр. 2030

ولأنه إنما كره التقدّم خشية (١) أن يُزادَ في الشهر ويُلْحَق به ما ليس منه، وهذا أكثر ما يقع في اليوم واليومين، فأما الثلاثة، فلا يقع فيها لبس. والله أعلم. فأما صيام اليوم واليومين قبل رمضان قضاءً أو نذرًا أو كفارة ... (٢) فصل (٣) ويُكره إفراد يوم الجمعة بالصوم؛ لِما روى محمد بن عَبّاد بن جعفر قال: سألتُ جابرَ بن عبد الله: «أَنَهى رسولُ الله ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم». متفق عليه (٤). وفي رواية للبخاري (٥): «أن ينفرد بصومه (٦)». وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: «لا تصوموا يومَ الجمعة، إلا وقبلَه يوم أو بعده يوم (٧)» رواه الجماعة إلا النسائي (٨).

стр. 2031

وفي رواية لمسلم (١): «لا تختصُّوا ليلةَ الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصّوا يومَ الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدُكم». وفي رواية لأحمد (٢): «يومُ الجمعة يومُ عيدٍ، ولا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده». وقد تقدَّم عنه ﷺ أنه دخل على جُويرية يوم جمعة (٣) وهي صائمة، فقال لها: «أصُمْتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «تصومين (٤) غدًا» قالت: لا. قال: «فأفْطِري». وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصوموا يومَ الجمعة وحدَه» رواه أحمد (٥). واحتجَّ به في رواية حنبل، فقال: عن (٦) عكرمة، عن ابن عباس قال (٧): قال

стр. 2032

رسول الله ﷺ : «لا تصوموا يومَ الجمعةِ وحدَه». قال أبو عبد الله: ولا أحبُّ لرجل أن (١) يتعمّد صيامه، فإن وافق نذرًا صامه؛ لأن هذا أسهل من العيدين، ولا يخصّه رجل بصيام. فأما يوم الفطر ويوم النحر فهما مخصوصان بالنهي من رسول الله ﷺ ، ولا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ رخَّص في صومهما، وقد استثنى في يوم الجمعة، فقال: «إلا رجل كان يصوم صومًا فليصُمْه». فأما إن لم يقصده بعينه، بل صام قبله يومًا أو بعده يومًا، أو كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فإنه يصوم يومَ الجمعة دون ما قبله وما بعده، لكن في جُمْلةِ أيام. أو أراد أن يصومَ يومَ عرفة أو يوم (٢) عاشوراء، فكان يوم جمعة، ونحو ذلك= لم يكره، فإن النهي إنما هو عن تعمّده بعينه، كما قال في رواية حنبل. وقال في رواية الأثرم، وقد سُئل عن صيام يوم الجمعة، فذكر حديثَ النهي أن يُفْرَد، ثم قال: إلا أن يكون في صيامٍ كان يصومه، فأما أن يُفْرَد فلا. فقيل له: فإن كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوقع فطره يوم الخميس وصومه يوم الجمعة وفطره يوم (٣) السبت، فصام الجمعةَ مُفْردًا؟ فقال: هذا الآن لم يتعمّد صومَه خاصة، وإنما كُرِه أن يتعمّد، وهذا لم يتعمّد.

стр. 2033

وقال أيضًا في رواية [ابن] إبراهيم (١)، وقد سأله عن صوم يوم (٢) الجمعة، وهو يوم عرفة، ولا يتقدَّمه بيوم ولا يومين؟ فقال: لا يبالي، إنما أراد يوم عرفة، وإنما نُهِي عن صوم عرفة بعرفات. وهذا لما تقدَّم عن النبي ﷺ أنه أَذِنَ في صومه إذا صام قبله أو بعده. ولأنه جعل أفضل الصيام صيام داود، ومعلومٌ أن من صام يومًا وأفطر يومًا، صام يوم الجمعة، وكذلك مَن صام يومين وأفطر يومًا، أو من صام يومًا وأفطر يومين. وقد تقدَّم عن ابن مسعود ﵁: «أن النبيّ ﷺ قلّما كان يُفطِر يوم الجمعة (٣)». لأنه كان يصوم الخميس فَيَصِلُه بالجمعة. [ق ١٠٠] ولا يُكْرَه صومه وحدَه عن فرضٍ من قضاءٍ أو نذرٍ ونحو ذلك. قاله القاضي. فأما صومه (٤) بعينه، فينبغي أن يكون مكروهًا ... (٥) فإن صام معه (٦) يومًا من أيام الأسبوع، لا يليه، مثل الاثنين والأحد ونحو ذلك ... (٧)

стр. 2034

فصل (١) ويُكره إفراد يوم السبت بالصيام عند أكثر (٢) أصحابنا. قال الأثرم: قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت ينفرد به، فقد جاء فيه حديث الصمَّاء، وكان يحيى بن سعيد يتقيه، وأبى أن يحدِّثني به، وسمعتُه من أبي عاصم. وقال في رواية الأثرم، وقد سأله عن صيام يوم السبت بغير فرض؟ فقال: قد جاء فيه الحديث: «لا تصوموا يومَ السبت إلا فيما افْتُرِض عليكم». وعنه ما يدلّ على أنه لا يكره؛ قال في رواية الأثرم: قد جاء في صيام يوم السبت ذاك الحديثُ مفرد، حديث الصمَّاء عن النبي ﷺ ، وكان يحيى يتَّقيه. وهذا يدلّ على توقفه عن الأخذ به؛ لأن ظاهر الحديث خلاف الإجماع. ولذلك قال الأثرم في «مختلف الحديث» (٣): جاء هذا الحديث ثم خالفَتْه الأحاديثُ كلُّها، وذكر الأحاديثَ في صوم المحرَّمِ وشعبان، وفيهما السبت، والأحاديث في إتباع رمضان بستٍّ من شوال، وقد يكون فيها السبت، وأشياء كثيرة توافق هذه الأحاديث.

стр. 2035

وقد رُوي عن السلف أنهم أنكروه؛ فروى أبو داود عن ابن شهاب: أنه كان إذا ذُكر له أنه نُهِي عن صيام يوم السبت، يقول ابن شهاب: هذا حديث حمصيّ. وعن الأوزاعي، قال: ما زلتُ له كاتمًا حتى رأيته انتشر ــ يعني: حديث ابن بسر (١) في صوم يوم السبت ــ. قال أبو داود: قال مالك: هذا كذب (٢). وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ. ووجه الأول: ما روى ثورُ بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن عبد الله بن بُسْر السُّلَمي، عن أخته الصمّاء: أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم، وإن لم يجد أحدُكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة (وفي لفظ: إلا عودَ عنب أو لحاء شجرة) فَلْيَمُصّه (٣)» رواه الخمسة (٤)، وقال الترمذي: حديث حسن.
следующие страницы →