← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسَه، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه" متفق عليه (١). ويستحَبُّ أن يزيد في ماء الوجه لأساريره ودواخله وخوارجه وشعوره، وأن يمسح مَأقَيْهِ (٢) لأنهما مظنّة نبوِّ الماء عنهما (٣). قال أحمد: يؤخذ للوجه أكثر مما يؤخذ لعضو من الأعضاء (٤). وكره أن يأخذ الماء، ثم يصبَّه، ثم يغسل وجهه؛ وقال: هذا مسح، ولكنه يغسل غسلًا (٥). وقد روى أبو أمامة وصف وضوء النبي ﷺ ، فذكر ثلاثًا، وقال: وكان يمسَح المَأْقَين. رواه أحمد (٦). [والمَأْق] (٧) والمُؤْق: طرف العين من جهة الأنف والأذن.

стр. 247

مسألة (١): (من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللَّحْيَينِ والذَّقَنِ وإلى أصول الأذنين) . لأن الرأس ما عليه الشعر، وهو المشروع مسحُه، فما دون المنابت هو من الوجه. وهذا معتبر بغالب الناس، فأما الأفرع (٢) الذي ينبت الشعر في بعض جبهتِه (٣) أو الأجلح الذي انحسر الشعر عن مقدَّم رأسه، فلا عبرة بهما، بل يجب على الأفرع غسلُ الشعر النابت على الوجه، وغسلُ ما تحته إن كان يصف البشرة. وقوله: "إلى ما انحدر من اللَّحْيَين والذَّقَن"، فاللَّحْيان: هما [٤٩/أ] العظمان اللذان في أسفل الوجه قد اكتنفاه، وعليهما ينبت (٤) أكثر اللحية. والذقن: مجتمع اللحيين، فيجب غسلُ البشرة إن كانت ظاهرة، وغسل ما عليها من الشعر وما استرسل من اللحية عن اللحيين والذقن. وعنه: لا يجب غسل ما خرج عن محاذاة البشرة طولًا وعرضًا، كما لا يجب مسح ما استرسل من الرأس؛ ولأن الفرض كان على البشرة قبل النبات، فلما نبت الشعر انتقل الفرض إليه، فما لم يحاذ البشرة لم ينتقل إليه شيء.

стр. 248

والصحيح: الأول، لأن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يغسل وجهه كما أمره الله تعالى إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء" (١)، ولأنه نابت (٢) في المحلِّ المغسول، فتبعه وإن طال، كالظفر إذا خرج عن حدِّ الإصبع. ولأن اللحية تشارك الوجه في معنى التوجُّه والمواجهة والوُجاه (٣)، بخلاف الذوائب فإنها لا تشارك الرأس في الترؤس والارتفاع، ولذلك كان غسلُ اللحية مشروعًا، ومسحُ الذوائب مكروهًا (٤). وقد ذكر أصحابنا وغيرهم أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد غطَّى لحيته في الصلاة، فقال: "اكشِفْ عن وجهك، فإنَّ اللحية من الوجه" (٥). وقوله: "من الأذن إلى الأذن" يعني به: من وتد الأذن، وهو (٦) أصلها

стр. 249

دون فرعها، فلم تدخل الأذنان في الوجه. فأما البياض بين الأذنين والعِذار، فمن الوجه. قال الأصمعي والمفضَّل بن سلَمة: ما جاوز وتد الأذن من العارض (١)؛ والعارضان من الوجه، ولأنه قبل نبات الشعر كان يجب غسله إجماعا وكذلك بعده؛ ولأن فيه معنى التوجّه والمواجهة [٤٩/ب] والوجاه (٢)، ولأن حكم الموضحة يثبت في عظمه، وهي لا تثبت إلا في رأس أو وجه، وليس من الرأس فيكون من الوجه. فأما الشعور النابتة في الوجه، فإن كانت تصف البشرة وجب غسلُها، وغسلُ ما تحتها، كما كان يجب قبل نبات الشعر ; لأنه ما دام يظهر فهو ظاهر لا يشقُّ إيصال الماء إليه. وإن لم تصف البشرة لم يجب إلا غسل ظاهرها فقط، سواء في ذلك شعر الحاجبين والشاربين والعَنْفَقة والعِذار واللحية. هذا هو المنصوص، لأنه يشقُّ إيصال الماء إليها، ولأنه لم ينقل عنه أنه غسل باطن اللحية. قال أحمد، وقد سئل: أيما أعجَبُ إليك: غسل اللحية أو تخليلها؟ فقال: غسلها ليس من السنّة (٣). وقيل: يجب غسل باطن ما سوى اللحية، وكذلك لحية المرأة وإن كان كثيفًا لأن إيصال الماء لا يشقُّ غالبًا. والصحيح: الأول، لأن الفرض بعد الستر انتقل إلى الظاهر، ولأن في إيجاب غسل باطنها مشقةً وتطريقًا للوسواس كاللحية.

стр. 250

والذي يدخل في الوجه من الشعور: الحاجبان، وأهداب العينين، والشاربان، والعَنفقة، والعِذار، والعارضان. والعِذار: هو الشعر النابت على العظم الناتئ (١) محاذيًا صِماخَ الأذن، مرتفعًا إلى الصُّدغ، ومنحطًّا إلى العارض. والعارض: هو النابت على اللحيين إلى الذقن. وقال الأصمعي: ما جاوز وتد الأذن فهو عارض (٢). فأما التحذيف والصدغ ــ والتحذيف: هو ما ارتفع عن العذار آخذًا إلى طرف اللحيين. والنزَعة: ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدًا. [٥٠/أ] والصدغ: هو ما ارتفع من العذار إلى فوق مشيًا إلى فرع الأذن ودونه قليلًا، وهو يظهر في حق الغلام قبل نبات لحيته ــ ففيهما (٣) ثلاثة أوجه: أحدها: يجب غسلهما، لأنهما داخلان في تدوير الوجه، فدخلا في حدِّه، وإن كان شعرهما متصلًا بشعر الرأس؛ كما أن النزَعتين لما دخلتا (٤) في حدِّ الرأس كانتا منه وإن خَلَتا (٥) من الشعر.

стр. 251

والثاني: لا يجب، لأن هذا الشعر متصل بشعر الرأس ابتداء، فكأنه منه كسائره. والثالث: يجب غسل التحذيف خاصة، لأنه يعتاد أخذه دون أخذ الصدغ، ولأنَّ محلَّه يجب غسله ولو (١) لم يكن عليه شعر، فكذلك إذا كان عليه. ويستحب غسلُ داخل العين إذا أمن الضرر في أحد الوجهين، لأن ابن عمر كان يفعله (٢). ولا يستحب في الآخر، وهو أشبه؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولأنه مظنة تخوُّف الضرر في الجملة مع تكرار الوضوء. مسألة (٣): (ويخلِّل لحيته إن كانت كثيفة. وإن كانت تصف البشرة لزمه غسلها) . أما التي تصف البشرة، فقد تقدَّم القول فيها. وأمّا تخليل الكثيفة، فلما روى أنس أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله تحت حَنَكِه، فخلَّل لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربِّي" رواه أبو داود (٤).

стр. 252

وعن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا توضأ عرَك عارضَيه بعض العَرْك، وشبَّك لحيته بأصابعه من تحتها. رواه أبو داود (١). وتخليلها من تحتها ليصيب الماء أسافلَها، كما أصاب عاليها. وأما غسلها فليس بسنة، كما تقدَّم. مسألة (٢): (ثم يغسل يديه [٥٠/ب] إلى المرفقين ثلاثًا، ويُدخلهما في الغسل). لقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، والتثليث لما تقدَّم. ويجب غسل المرفقين، لأنَّ المرفق هو من جنس اليد، وهو مفصل حسِّي، ونهايته

стр. 253

متميزة، ومثل هذه الغاية والحدِّ إنما يُذكر إذا أريد دخوله في المحدود والمغيَّا، كما لو قال: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف، وبعتك هذه الأرض إلى شاطئ النهر. وقد قيل: لأن اسم اليد يتناولها إلى المنكب، فقوله (١): ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لنفي (٢) الزيادة على المرفق، فيبقى المرفق داخلا في مسمَّى اليد المطلقة. وقد روى الدارقطني (٣) عن جابر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماءَ على مرفقيه (٤) ". وفعلُه إذا وقع امتثالًا لأمر وتفسيرًا لمجملٍ (٥) كان مثله في الوجوب، لا سيما وإدخاله أحوط، وارتفاع الحدث بدونه مشكوك فيه، والأصل بقاؤه. فإن كان أقطع من دون المرفقين إلى الأصابع غسل ما بقي منه، لأن العجز عن بعض الواجب لا يُسقط فعلَ ما يقدر عليه منه، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمرٍ فَأْتُوا

стр. 254

منه ما استطعتم" متفق عليه (١). وإن كان القطع من فوق المرفق سقط الغسلُ لسقوط محلِّه. وإن قطعت من مفصل المرفق سقط (٢)، وغسَلَ رأسَ العضد في أحد الوجهين، لأن غسلهما إنما وجب تبعًا لإبْرة الذراع (٣)، إذ لا يمكن غسلها إلا بغسل رأس العضد. [٥١/أ] والمنصوص منهما وجوب غسل رأس العضد، لأن المرفق اسم لمجتمع عظم الذراع وعظم العضد، فإذا ذهب أحدهما وجب غسل الآخر كما لو بقي بعض الذراع. ولو قطعت يد المتيمم من مفصل الكوع سقط مسحُ ما بقي هناك، وإن قلنا في الوضوء بغسل ما بقي؛ لأن الواجب هناك مسح الكفَّين وقد ذهبا، بخلاف الوضوء. فإنّ المرفق من جملة محل الفرض. هذا أحد الوجهين، والمنصوص: وجوب المسح أيضًا، لأن المأمور به مسحُ اليد إلى الكوع. وإذا عجز الأقطع عن أفعال الطهارة، ووجد من ينجِّيه ويوضِّئه متبرعًا، لزم ذلك. وإن لم يجده (٤) إلا بأجرة المثل لزم ذلك أيضًا في أشهر الوجهين، كما يلزمه شِرَى الماء والاستنابة في الحج. فإن لم يجد من يطهِّره، فقد عجز عن الطهارة في الحال كعادم الماء، فيصلي. وفي الإعادة وجهان.

стр. 255

وإذا انقلعت جلدة من العضد حتى تدلَّت من الذراع وجب غسلها. وإن انقلعت من الذراع حتى تدلَّت من العضد لم يجب اعتبارًا بأصلها. ولو انقلعت من أحدهما والتحم رأسُها بالآخر غسَلَ ما حاذى موضع الفرض من ظاهرهما وباطنهما المتجافي، وما تحته. ولو كانت له يد زائدة أصلها في محلِّ الفرض وجب غسلها كالإصبع الزائدة. وإن كانت في العضد أو المنكب، وهي مثل الأصلية، وجب غسلها ليؤدِّي الفرض بيقين. وإن تميَّزت فهل يجب غسل ما حاذى [٥١/ب] محل الفرض منهما؟ على وجهين. مسألة (١): (ثم يمسح رأسه مع الأذنين: يبدأ بيديه (٢) من مقدَّمه، ثم يُمِرُّهما إلى قفاه، ثم يردُّهما إلى مقدَّمه) . لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. والسنة في مسحه ما روى عبد الله بن زيد أنَّ رسول الله ﷺ مسَحَ رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر: بدأ بمقدَّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه. رواه الجماعة (٣). قيل لأحمد: من له شعر إلى منكبيه، كيف يمسح في الوضوء؟ "فأقبل أحمد بيديه على رأسه مرَّةً، وقال: هكذا، كراهيةَ أن ينتشر شعره. يعني أنه

стр. 256

يمسح إلى قفاه ولا يردُّ يديه. قال أحمد: حديث عليٍّ (١) هكذا (٢)، يعني أنه من خاف انتفاشَ شعره لم يردَّ يديه سواء كان رجلًا أو امرأةً. وعنه: أن المرأة تبدأ بمؤخَّر رأسها، ثم تردُّ يديها إلى مقدَّمه، ثم تعيدهما إلى مؤخره؛ لما روت الرُّبَيِّع بنت معوذ أن النبي ﷺ مسح برأسه مرَّتين. بدأ بمؤخره، ثم بمقدَّمه، وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما. رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن (٣). وعنه: أنها تمسح كما روت الرُّبَيِّع بنت معوِّذ أن النبي ﷺ توضأ عندها، فمسح الرأس كلَّه من فوق الشعر: كلَّ ناحية لمُنْصَبِّ الشعر لا يحرِّك الشعرَ عن هيئته. رواه أبو داود (٤). وعنه: تضع يدها على وسط الرأس، ثم تجرُّها إلى مقدَّمه، ثم ترفعها وتضعها حيث بدأت، ثم تحرِّكها إلى مؤخره بمسحة واحدة، محافظةً على

стр. 257

أن تقبل وتدبر، وعلى مسحة لا تغيِّر شعرها، لأنَّ بقاء شعرها على هيئته مقصود. وكيف ما مسح الرجل أو المرأة (١) جاز. وأما الأذنان فهما من الرأس [٥٢/أ] بحيث يجزئ مسحهما بمائه، كسائر أجزاء الرأس، بلا خلاف في المذهب؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الأذنان من الرأس" رواه أحمد وابن ماجه (٢). وروى الصُّنابحي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض (٣) خرجت الخطايا من فيه" وذكر الحديث إلى أن قال: "فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه" رواه النسائي (٤). وهذا يدل على دخولهما في مسمَّى الرأس. ولأن الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنه مسَحَ رأسه وأذنيه.

стр. 258

قال ابن عباس: بغرفة واحدة (١). ولم يذكروا أنه أخذ لهما (٢) ماءً جديدًا. قال ابن المنذر (٣): "مسحُهما بماء جديد غيرُ موجود في الأخبار عن النبي ﷺ ". ولأنّ الله سبحانه إنما أمر بمسح الرأس، وفعلُه ﷺ خرج امتثالًا للأمر وتفسيرًا للمجمل، فعُلِمَ أنّ الرأس المذكور في القرآن هو ما مسحه ﷺ ؛ يريد بذلك (٤) أنهما عضوان متّصلان بالرأس اتصال (٥) خلقةٍ، فكانا منه كالنَّزَعتين. وذلك لأن البياض الذي فوق الأذن هو من الرأس، لأن الموضحة يثبت حكمها فيه، وهي لا تكون إلا في رأس أو وجه، وليس من الوجه فيكون (٦) من الرأس. لكن هل الأفضل أن يمسحهما بماء الرأس، أو يأخذ لهما ماءً جديدًا؟ على روايتين: إحداهما (٧): أن الأفضل مسحُهما بماء جديد، لأن عبد الله بن عمر ﵄ كان يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه. رواه مالك في "الموطأ" (٨)؛ ولأنهما

стр. 259

لا يشبهان الرأس خلقةً، ولا يدخلان في مطلقه، فأُفردا [٥٢/ب] عنه بماء، وإن كانا منه كداخل الفم والأنف. ومعنى هذا ألا يُمسحا إلا بماء جديد. وذكر القاضي عبد الوهاب وابن حامد أنهما يُمسحان بماء جديد بعد أن يُمسحا (١) بماء الرأس (٢). وليس بشيء، لأن فيه تفضيلًا لهما على الرأس، ولأن ذلك خلاف المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه. والثانية: مسحُهما بماء الرأس أفضل (٣)، لأنّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد. وما نُقِل خلافَ ذلك محمول على أن اليد لم يبق فيها بلل، وحينئذ يُستحبّ أخذُ ماء جديد لهما. ويفارق الفم والأنف، لأنهما يغسلان قبله، ولا يكفيهما مع الوجه ماء (٤) واحد. والسنَّةُ: مسحُ ظاهرهما وباطنهما، وأن يدخل سبَّاحتيه في صِماخهما،

стр. 260

ويمسح بإبهاميه ظاهرهما؛ لأن ذلك منقول عن النبي ﷺ (١). و لا يستحبُّ تكرارُ مسح الرأس والأذنين ، بل السنَّة مسحة واحدة، يُقبِل بها ويُدبر في أصحِّ الروايتين، لأن عبد الله بن زيد لما حكى وضوء رسول الله ﷺ قال: مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر مرَّةً واحدةً، مع ذكره التثليث في غسل جميع الأعضاء. وكذلك عامَّة الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ مثل عثمان وعلي وابن عباس وعائشة وعبد الله بن أبي أوفى ﵃ في رواياتهم الصحاح ذكروا أنه مسح رأسه مرةً واحدةً. منهم من صرَّح بذلك، ومنهم من ذكر العدد ثلاثًا ثلاثًا، ولم يذكروا في الرأس عددًا. ولأنه مسَح، فلم يستحبَّ تكراره كالتيمم، ومسح الخفّ. [٥٣/أ] والرواية الأخرى: يستحبّ مسحه ثلاثًا أيضًا، لما روى مسلم (٢) عن عثمان أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا. وروى أبو داود في "سننه" (٣) أنَّ

стр. 261

عثمان حين حكى وضوء رسول الله ﷺ قال: ومسح رأسه ثلاثًا. ولكن الصحيح في حديث عثمان أنه إنّما (١) مسح رأسه مرةً واحدةً. كذلك قال أبو داود وغيره. ويستحب مسحُ العنق في إحدى الروايتين، لما روى الإمام أحمد في "المسند" (٢) عن طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جدِّه أنه رأى النبي ﷺ يمسح رأسه حتى بلغ القَذالَ (٣) وما يليه من مقدَّم العنق. وحكى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنه مسَحَ وقال (٤): "هو موضع الغُلِّ" (٥).

стр. 262

والثانية: لا يستحبّ، وهو أظهر (١) لأنّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ لم يذكروه، ولو كان مسنونًا لتكرر منه، فنقلوه؛ ولأنه ليس من الرأس حقيقةً ولا حكمًا. والحديث قد طعن فيه سفيان بن عيينة وأحمد وغيرهما، ولعله قد فعل ذلك مرةً لغرض، إذ لو داوم عليه لنقله مثلُ عثمان وعلي. مسألة (٢): (ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثًا ويُدخلهما في الغَسل) . لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وقد قرئت بالنصب والخفض (٣). وقال من قرأها بالنصب من الصحابة مثل علي وابن مسعود وابن عباس: عاد الأمر إلى الغَسل (٤). ولو كان عطفًا على محلِّ الجار والمجرور، فهو وقراءة الخفض سواء في أنه يراد به الغَسل، فإن المسح اسم [٥٣/ب] لإيصال الماء إلى العضو، سواء سال الماء أو لم يسِل. قال أبو زيد: يقال تمسَّحت للصلاة (٥). وأيضًا من لغة العرب أن الفعلين إذا تقارب معناهما استغنوا بأحدهما

стр. 263

لدلالته على الآخر، إذا (١) كان في الكلام ما يدلُّ عليه. وكان هذا من باب الإيجاز والاختصار، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿وحورٍ عِين﴾ (٢) [الواقعة:١٧ - ٢٢] وهن لا يطاف بهن وإنما يَطُفن، كأنه قال: يُؤتَون بهن؛ كما قال: ورأيتُ زوجَكِ في الوغى ... متقلِّدًا سيفًا ورُمحَا (٣) وقال: علَفتُها تِبْنًا وماءً باردًا (٤) وقد دلَّ على أنه أراد المسح الذي هو إجراء الماء على العضو قرينتان: إحداهما: أنه حدَّده إلى الكعبين، والحدُّ إنما يكون للمغسول، لا للممسوح. والثانية: أن من يقول بالمسح يمسحهما إلى مجتمع القدم والساق، فيكون في كلِّ رجل كعب. ولو كان كذلك لقيل: إلى الكِعاب، كما

стр. 264

قال: " ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد. فلما قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] عُلِم أنَّ في كلِّ رجلٍ كعبين، كأنه قال: وكلَّ رجلٍ إلى كعبيها. ودلَّنا على مراد الله من كتابه رسولُه المُبَيِّن عنه ما أنزل إلينا، فإنّ سنته (١) تفسِّر الكتاب وتبيِّنه، وتعبِّر عنه وتدلّ عليه، فإنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ مثل عثمان وعلي وعبد الله بن زيد وعبد الله بن عباس والمقدام بن معدي كرب والربيِّع بنت معوِّذ ﵃ وغيرهم أخبروا أنه غسَلَ رجلَيه. وفي "الصحيحين" (٢) عن عبد الله بن عمرو قال: "تخلَّف عنّا رسول الله ﷺ في سفرة، فأدركَنا، وقد أرهقنا العصرَ، فجعلنا نتوضَّأ ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار" مرّتين أو ثلاثًا متفق عليه. وفي "الصحيح" عن أبي هريرة وعائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "ويل للأعقاب من النار" (٣). وروى هذا المتن جماعة من الصحابة منهم جابر (٤)، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة (٥).

стр. 265

وعن عبد الله بن الحارث (١) الزبيدي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" رواه أحمد (٢). وكذلك جاء عنه تخليلُ الأصابع فعلًا وأمرًا، وليس في المسح شيء من ذلك. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين (٣). وأما التثليثُ في غسلهما وإدخالُ الكعبين، فلما تقدَّم. والكعبان: هما العظمان الناتئان في جانبَي الساق لما تقدَّم. وروى النسائي عن عثمان (٤) وعلي (٥) في صفة وضوء رسول الله ﷺ أنّ كلَّ واحد منهما غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، وقال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ صنع مثل ما صنعتُ". وهذا هو المعروف في اللغة. قال النعمان بن بشير [٥٤/ب]: كان أحدُنا يُلزِق كعبَه بكعب صاحبه في الصلاة، ومنكبَه بمنكبه (٦). وكذلك ذكره

стр. 266

الأصمعي وأبو عبيد وغيرهما من أهل اللغة (١). مسألة (٢): (ويخلل أصابعه) . لما روى المستورِد بن شدّاد، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ خلَّل أصابعَ رجليه بخِنْصِره. رواه أصحاب السنن (٣). ويستحب أيضا تخليلُ أصابع اليدين. وقد روي عنه أنّ سنة التخليل تختصّ أصابعَ (٤) الرجلين، فإنَّ تفرُّق أصابع اليدين يغني عن (٥) تخليلها. والأول هو المذهب، لِمَا روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لابن عباس: "إذا توضأت فخلِّل أصابع يديك ورجليك". رواه أحمد وابن ماجه

стр. 267

والترمذي، وقال: حسن غريب (١). ولأنها تُضَمُّ غالبًا عند أخذ (٢) الماء. ويستحب أن يتعاهد أعضاءه كلَّها بالدلك، لا سيَّما عقِبَه وغضونَ وجهه، ويحرِّك خاتمه إن كان عليه؛ لما روى أبو رافع أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ حرَّك خاتمه. رواه ابن ماجه والدارقطني (٣). فإن غلب على ظنه وصولُ الماء إلى مواضعه بدون الدلك وتحريك الخاتم والتخليل أجزأه. وكذلك يغسل ما على عُقَد الأصابع، وما تحت الأظفار من الوسخ، لقول رسول الله ﷺ في صلاته: "إنني أُوهِمُ فيها. ما لي لا إيهَمُ (٤)، ورُفْغ أحدكم بين ظُفره وأنملته! " (٥). يعني: إذا حكَّ (٦) الرجلُ رفغَه اجتمع الوسخ والدرن بين ظفره وأنملته.

стр. 268

والأرفاغ: المغابن [٥٥/أ] مثل الآباط وأصول الفخذين. وفي حديث الفطرة: "وغسل البراجم" (١)، وهي العُقَد التي في ظهور الأصابع. فإن اجتمع ما تحت الأظفار ومنع وصولَ الماء إلى ما تحته، ففيه وجهان. مسألة (٢): (ثم يرفع نظرَه إلى السماء، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله) . لما روى عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد يتوضأ، فيُسبِغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، إلا فُتحت له أبوابُ الجنّة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء" رواه مسلم (٣)، والترمذي (٤) وزاد فيه: "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهّرين". وفي رواية لأبي داود (٥): "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى

стр. 269

السماء". وروي أيضًا أنه قال: "سبحانك [اللهم] (١) وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك" (٢). [٦٠/ب] مسألة (٣): (والواجب من ذلك: النية، والغسل مرّةً مرّةً ما خلا الكفَّين) . وقد تقدَّم دليل وجوب النية (٤). وأمَّا الاجتزاء بالغسل مرّةً، فلما روى ابن عباس قال: توضأ النبي ﷺ مرةً مرةً. رواه الجماعة إلا مسلمًا (٥). وأما الكفَّان، فغسلُهما قبل الوجه سنّة، كما (٦) تقدَّم، وإنما محلُّ

стр. 270

وجوبهما بعد الوجه كما تقدّم. وإنما تحصل السنَّة بإسباغ كلَّ مرة، فإن لم يُسبغ بالأولى كانت الثانية تمامًا لها. ولهذا جاء عن علي ﵁ لمَّا حكى وضوء النبي ﷺ : أخذ غرفةً رابعةً لوجهه (١). فأما الزيادة على ثلاث سابغات، والزيادة من الماء على قدر الحاجة، فمنهيٌّ عنها (٢)، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، وقال: "هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدَّى وظلَم" رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (٣). وعن عبد الله بن عمرو (٤) أن رسول الله ﷺ مرَّ بسعد، وهو يتوضأ،

стр. 271

فقال: "ما هذا السَّرَف؟ ". فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: "نعم، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ" رواه ابن ماجه (١). وعن أبيّ بن كعب أن النبي ﷺ قال: "للوضوء شيطان يقال له الوَلْهان، فاتقوا وَسواسَ الماء" رواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد (٢). وعن عبد الله بن مغفَّل أنه سمع ابنًا له (٣) يقول: اللهمّ إنّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها. فقال: يا بُنيَّ سل الله ﵎ الجنّة، وعُذْ به من النار، فإني سمعتُ [٦١/أ] رسول الله ﷺ يقول: " [يكون] (٤) قومٌ يعتدون في الدعاء والطَّهور (٥) " رواه أحمد (٦).

стр. 272

ولو خالف بين الأعضاء بأن يغسل وجهه ثلاثًا، ويده مرَّتين، لم يُكره في أشهر الروايتين. وإذا شكَّ هل غسل مرتين أو أكثر؟ بنى على اليقين كعدد الركعات. ويستحبّ أن يشرع في العضد والساق إذا غسل يديه ورجليه في أشهر الروايتين (١)، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم الغُرُّ المحجَّلون يوم القيامة من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم فَلْيُطِلْ غُرَّتَه وتحجيلَه" متفق عليه (٢). مسألة (٣): ([ومسحُ] (٤) الرأسِ كلِّه) . هذا هو المشهور في المذهب. وعنه: يجزئ مسحُ أكثره، لأنَّ مسح جميعه فيه مشقّة، وقد خفِّف فيه بالمسح، وبالمرَّة الواحدة، فكذلك بالقدر. وعنه: قدرُ الناصية، لما روى أنس، قال: رأيت النبي ﷺ يتوضّأ، وعليه عمامة قِطْريَّة (٥)، فأدخل يدَه تحت العمامة، فمسح مقدَّمَ رأسه، ولم ينقُض العمامة. رواه

стр. 273

أبو داود (١). وعلى هذا فله أن يمسح قدر الناصية من أيِّ موضع شاء، في أشهَر الوجهين. وفي الآخر: تتعيَّن الناصية، وبكلِّ حال لا يجزئ الأذنان. والصحيح: الأول، لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أمَر بمسح [٥٥/ب] الرأس، كما أمَر بمسح الوجه في آية التيمم. فإذا وجب (٢) استيعاب الوجه بالتراب، فاستيعابُ الرأس بالماء أولى. ولأن الرأس اسم للجميع، فلا يكون ممتثلًا إلا بمسح جميعه، كما لا يكون ممتثلًا إلا بغسل جميع الوجه. ولأن النبي ﷺ توضأ، فمسَحَ جميعَ رأسه (٣)، وفعلُه مبيِّن للآية، كما تقدم. وما نُقِل عنه أنه مسح على مقدَّم رأسه، فهو مع العمامة، كما جاء مفسَّرًا في حديث المغيرة بن شعبة (٤)، وذلك جائز. وادعاءُ (٥) أنّ الباء إذا دخلت على فعل يتعدَّى بنفسه تفيد التبعيض (٦): لا أصل له، فإنه لم ينقله موثوقٌ به، والاستعمال لا يدل عليه، بل قد أنكره

стр. 274

المعتمدون من علماء اللسان (١). ثم إن قيل: إنها تفيده في كلِّ موضع، فهذا منقوض بآية التيمم، وبقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وقرأت بالبقرة في كلِّ ركعة، وتزوّجت بالمرأة، وخشَّنتُ بصدره (٢)، وعلمت بهذا الأمر، وما شاء الله من الكلام. وإن ادعى أنها تفيده في بعض المواضع، فذلك لا من نفس الباء بل من موضع آخر؛ كما قد يفاد ذلك مع عدم الباء. ثم من أين علم أنَّ هذا الموضع من جملة تلك المواضع؟ على أنه لا يصح في موضع واحد. ولا فرق من هذه الجهة بين قولك: أخذت الزمام، وأخذت به. وأما قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وقوله: شربن بماء البحر ....... ... .............................. (٣) فإنه لم يرد التبعيض، فإنه لا معنى له هنا. وإنما الشربُ ــ والله أعلم ــ

стр. 275

يضمَّن (١) معنى الريّ، فكأنه قال: يروَى بها عبادُ الله (٢). ثم الأحاديث التي ذكرناها أكثرها يقال فيه: مسح برأسه وأذنيه، فأقبل بهما وأدبر. فيذكر استيعاب [٥٦/أ] المسح مع إدخال الباء. قالوا: ويقال مسحتُ ببعض رأسي، ومسحتُ بجميع رأسي، ولو كانت للتبعيض لتناقض. وإنما دخلت ــ والله أعلم ــ لأن معناها إلصاق الفعل بالمفعول (٣) به. والمسح: هو إلصاق ماسحٍ بممسوح، ويضمَّن (٤) معنى الإلصاق، فكأنه قيل: ألصقوا برؤوسكم، فيفهم أنّه هناك شيء ملصَق (٥) بالرأس، وهو الماء؛ بخلاف ما لو قيل: امسحوا رؤوسكم، فإنه لا يدل على الماء؛ لأنه يقال: مسحتُ رأس اليتيم، ومسحتُ الحجرَ، وليس هناك شيء يُلصَق بالممسوح غير اليد (٦). ولربما تُوُهِّم أنّ مجرّد مسح الرأس باليد كافٍ. ولهذا ــ والله أعلم ــ دخلت الباء في آية التيمم لتبيِّن وجوبَ إلصاق التراب بالأيدي والوجوه. ولا يجب مسح الأذن وإن قلنا بالاستيعاب، في أشهر الروايتين، لأنها

стр. 276

منه حكمًا، لا حقيقةً، بدليل أنها تضاف تارةً إليه، وتارةً إلى الوجه، لقوله (١): "سجد وجهي للذي خلَقه، وشقَّ سمعَه وبصَرَه" (٢). وفي الأخرى: يجب، لأنهما من الرأس. وبكلِّ حال لا يجب مسحُ ما استتر بالغضاريف، كما استتر بالشعر من الرأس. وإذا مسح بشرة رأسه من تحت الشعر دون أعلى الشعر لم يجزئه، كما لو غسل باطن اللحية دون ظاهرها. وكذلك لو مسح المسترسل محلولًا أو معقودًا على أعلى الرأس، وإن قلنا: يجزئ مسح البعض. ولو خضب رأسه أو طيَّنه لم يجزئ المسح عليه، لأنه ليس هو الرأس ولا حائله الشرعي، كما لو كان الخضاب على يديه ورجليه. وإذا مسح رأسه أو وجهه في التيمم بخرقة ونحوها أجزأه في أصح [٥٦/ب] الوجهين، لأن المسح في الآية مطلق، فيتناول اليد وغيرها، كما يتناول يد الغير. ولو وضع يده المبلولة على رأسه من غير إمرار لم يجزئه في المشهور. وكذلك الخرقة، لأنه لا يسمَّى مسحًا، بخلاف غمس العضو (٣) في الماء فإنه يسمّى غسلًا. وإن مسح الرأس بإصبع أو إصبعين أجزأه في أشهر الروايتين، بناءً على أنّ البلل الباقي على الإصبع ليس بمستعمل، وإنما المستعمل ما انتقل إلى الرأس.

стр. 277

وإذا غسل رأسه أو خفَّه وأمرَّ (١) يده عليه أجزأ، لأنه مسح وزيادة. وإن لم يُمرَّ يده لم يجزئه في إحدى الروايتين، لأن الإمرار بعض المسح، ولم يأت به. وفي الأخرى: يجزئ لأنه أكثر من المسح. ولو وقف تحت ميزاب أو مطر ليقصد الطهارة أجزأ إن أمرَّ يده. وإن لم يُمِرَّها ولم يَجْرِ لم يجزئه في أشهر الوجهين. فإن جرى فعلى روايتي الغسل. ولو أصابه ذلك من غير قصد، ثم أمرَّ يده عليه، أجزأه في أشهر الروايتين لأن الماء الواقع بغير قصد غير مستعمل، فإذا مسح به كان كما لو نقله بيده. وفي الأخرى: لا يجزئه (٢) لأنه لم يقصد نقل الطهور إلى محلِّه. مسألة (٣): (وترتيب الوضوء على ما ذكرنا) . ظاهر المذهب أن ترتيب الأعضاء على ما ذكر الله تعالى واجب، فإن نكَسَها أو غسَلَها جميعًا باغتماس أو تَوضِئةِ أربعةٍ (٤) لم يجزئه. فأمّا ما كان مخرجه في كتاب الله واحدًا كالوجه واليدين إذا قدّم بعضه على بعض، كتقديم ظاهر الوجه على باطن الفم والأنف، وتقديم اليسرى على اليمنى، فإنه جائز. وقد حكى أبو الخطاب (٥) وغيره فيه رواية [٥٧/أ] أخرى: أن الترتيب ليس

стр. 278

بواجب، مأخوذ (١) من نصِّه على جواز تأخير المضمضة والاستنشاق عن جميع الأعضاء. وأبى ذلك غيرُه، وخصُّوا ذلك بمورد نصِّه فرقًا بين المضمضة والاستنشاق وغيرهما، حيث صرَّح هو بالتفرقة، كما تقدَّم. وهذا أصح. وليس القول بوجوب الترتيب لاعتقادنا أن الواو تفيد الترتيب، فإن نصّه ومذهبه الظاهر أنها لا تفيده. وإنما قلناه لدليل آخر، وذلك أنَّ الله سبحانه أدخل ممسوحًا بين مغسولين، وقطَع النظير عن نظيره. أما على قراءة النصب فظاهر، مع قول من قال من الصحابة والتابعين: "عاد الأمر إلى الغسل" (٢). وعلى قراءة الخفض أوكد، لأنه مع تأخير الرجلين أدخلهما في خبر المسح مرادًا (٣) به غسلهما مع إمكان تقديمهما. والكلام العربي الجزل لا يقطع فيه النظير عن النظير، ويفصل بين الأمثال بأجنبي إلا لفائدة، ولا فائدة هنا إلا الترتيب. وكذلك لو قال الرجل أكرمتُ زيدًا، وأهنتُ عمرًا، وأكرمتُ بكرًا، ولم يقصد فائدة مثل الترتيب ونحوه= لعُدَّ عِيًّا ولُكنةً. ولا يجوز أن تكون الفائدة استحباب الترتيب فقط، لأن الآية إنما ذكر فيها الواجبات فقط، وكذلك لم يذكر فيها ترتيب اليسرى على اليمنى (٤). وأيضًا ما ذكره أبو بكر، وهو أنَّا وجدنا المأموراتِ المعطوفَ بعضُها على بعض، ما كان منها مرتبطًا بعضه ببعض وجب فيه الترتيب، كقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].

стр. 279

وما لم يكن مرتبطًا لم يجب فيه الترتيب كقوله: [٥٧/ب] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وشبه ذلك، وآية الوضوء من القسم الأول. وأيضًا فإن الترتيب يجوز أن يكون مرادًا من جهة الابتداء، وفعله ﷺ خرج امتثالًا للأمر، ولم يتوضأ قطّ إلا مرتِّبًا، فيكون تفسيرًا للآية، لا سيما ولو كان التنكيس جائزًا لَفعَله ولو مرّةً ليبيِّن الجواز. وروى جابر أن النبي ﷺ لما طاف واستلم الركن، ثم خرج وقال (١): "إن الصفا والمروة من شعائر الله، فابدؤوا بما بدأ الله به". هذا لفظ النسائي (٢). فإما أن يكون اللفظ عامًّا، وإن كان السبب خاصًّا، فيكون حجة من جهة العموم. وإما أن يكون خاصًّا، فإنما وجب الابتداء بالصفا لأن الله بدأ به في خبره. فلَأنْ يجب الابتداء بالوجه الذي بدأ الله به في أمره أولى. فعلى هذا إذا نكس (٣) فغسل يديه قبل وجهه لم يُحتسَب به، ولم يصر (٤) الماء مستعملًا. وإن نوى المحدث وانغمس في ماء كثير راكد، ففيه وجهان: أحدهما

стр. 280

وهو المنصوص، أن الحدث لا يرتفع عن العضو حتى ينفصل عنه الماء. فإذا أخرج وجهه، ثم يديه، ثم مسح رأسه، ثم خرج من الماء= أجزأه، وإلا فلا، مراعاةً للترتيب في الانفصال. والثاني: يرتفع الحدث قبل انفصال الماء. فإذا مكث في الماء قدر ما يسع الترتيب، ومسح رأسه، ثم مكث بقدر غسل رجليه، أو قلنا: يجزئ الغسل عن المسح= أجزأه. وقد تقدَّم نظير (١) ذلك في إزالة النجاسة وفي الماء المستعمل. فأما إن كان الماء جاريًا، فمرَّت عليه أربع جِرْيات، أجزأه [٥٨/أ] إن مسح رأسه إن قلنا: الغسل يجزئ عن المسح، وإلا فلا. وقد قيل: يجزئه جِرية واحدة، لكن عليه مسح رأسه وغسل رجليه، لأن الغسل لا يجزئ عن المسح، فلم تصح طهارة الرأس ولا الرجلين، لأنهما بعده. مأخوذًا من نصِّه في رجل أراد الوضوء، فاغتمس في الماء، ثم خرج من الماء، فعليه مسح رأسه وغسل رجليه. والصحيح: الأول، لأن الطهارة في هذه المسألة إنما حصلت بانفصال العضو عن الماء، كما تحصّلت في الماء الجاري بانفصال الماء عن العضو، وقد نصّ على مثل ذلك في طهارة الجنب. ويسقط ترتيب الوضوء عن الجنب تبعًا للغسل، إذا (٢) قلنا: يجزئ عنه الغسل، كما سقط فعله، حتى لو اغتسل إلا أعضاء وضوئه لم يلزمه الترتيب فيها، لبقاء حكم الجنابة فيها. ولو غسل بعضها عنها ثم أحدث لزمه الترتيب فيما غسله، ولم يلزمه في باقيها.

стр. 281

مسألة (١): (وأن لا يؤخِّر غسلَ عضوٍ حتى ينشَف الذي قبله) . هذا ظاهر المذهب، والمنصوص في رواية الجماعة. وروى عنه حنبل أنها ليست واجبة (٢)، لأنّ الله تعالى أمر بالغسل مطلقًا ولم يشترط الموالاة. وعن ابن عمر أنه غسل رجليه بعد ما جفَّ وضوؤه (٣). ولأن ما جاز تفريق النية على أبعاضه جاز تفريق أفعاله كالزكاة والحج والحدود، ولأنها طهارة فأشبهت الغسل. والصحيح: الأول (٤)، لما روى خالد بن معدان عن بعض أصحاب (٥) النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي، في [٥٨/ب] ظهر قدمه لُمْعةٌ كقدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسولُ الله ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة. رواه أحمد وأبو داود، قال (٦) أحمد: إسناد جيد (٧).

стр. 282

ورأى عمر في قدم رجل مثلَ موضع الفَلْس لم يصبه الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. رواه الأثرم (١). وأمّا (٢) الزكاة فلا يرتبط بعضها ببعض، والحجُّ عبادات تتعلق بأمكنة وأزمنة، ويحتاج كلُّ فعل منه إلى نية، والحدُّ (٣) لا ينقض بعد وقوعه. وأما (٤) الغسل فإنما لم تشترط الموالاة فيه، لما تقدَّم في المياه عنه ﷺ أنه رأى لُمعةً بعد غسله، فعصَر شَعره عليها (٥). وعن علي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني اغتسلت من الجنابة، وصلَّيت الفجر، ثم أصبحتُ فرأيتُ قدر موضع الظفر لم يُصبه الماء. فقال

стр. 283

النبي ﷺ : "لو كنتَ مسحتَ عليه بيدك أجزأك" رواه ابن ماجه (١). ولأن النبي ﷺ أمر الجنبَ إذا أراد أن ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة (٢) وكذلك الآكلَ (٣)، والمُجامعَ ثانيًا (٤). وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد إذا توضؤوا وهم جُنُب (٥). ولولا أن الجنابة تنقص بالوضوء لم يكن في ذلك فائدة، وإنما تنقص إذا صحَّ تبعيضها، وإذا صحّ تبعيضها صحّ تفريقها؛ بخلاف الوضوء، فإنه لا يصح تبعيضه في موضع واحد، بل لا يرتفع الحدث عن عضو حتى يرتفع عن [٥٩/أ] جميع الأعضاء. وقال ابن عباس فيمن نسي المضمضة والاستنشاق في الجنابة، وصلّى: إنه ينصرف، فيمضمض ويستنشق، ويعيد الصلاة. رواه سعيد في "سننه" (٦). ولأن الموالاة تابعة للترتيب، والترتيب إنما يكون بين عضوين، وبدن الجنب كالعضو الواحد. ولأن تفريق الغسل يحتاج إليه كثيرًا، فإنه قد يكون أصلح للبدين، وقد ينسى فيه موضع لُمعة أو لُمعتين أو باطن شعره، وفي

стр. 284

إعادته مشقة عظيمة. والوضوء يندر ذلك فيه، وتخفّ مؤونة الإعادة، فافترقا. ولأن الوضوء يتعدَّى حكمُه محلَّه إلى سائر البدن، وذلك لا يكون إلا جملةً. والغسلُ لا يتعدَّى حكمُه محلَّه، فأشبه إزالة النجاسة، كما أشار إليه قوله ﷺ : "إنَّ تحت كلِّ شعرة جنابةً" (١). ومتى فرَّق الغسلَ فلا بدَّ من نية يستأنفها في تمامه. وكذلك الوضوء إذا أجزنا (٢) تفريقه ; لأن النية الحكمية تبطل بطول الفصل، كما تبطل بطول الفصل قبل الشروع. ولا تسقط الموالاة بالنسيان، فلو نسي موضع ظفر من قدمه وطال الفصل، أعاد الوضوء إذا ذكره. وكذلك الجاهل، لأن الذي أمره النبي ﷺ بإعادة الوضوء كان جاهلًا، ولم يعذره بذلك. وحدُّ الموالاة: أن يغسل العضو الثاني قبل أن يجفَّ الماء عن الذي قبله، في الزمن المعتدل، أو بمقداره (٣) من الشتاء والصيف. فلو لم يشرع

стр. 285

فيه حتى نشفت رطوبة الأول، أو أخَّر غسل آخره حتى نشِف [٥٩/ب] أولُه، استأنف. فإن نشِف الأولُ بعد شروعه في الثاني وقبل فراغه، لاشتغاله بسنَّة من تخليل أو تكرار أو إسباغ أو إزالة شكٍّ =لم يُعَدَّ تفريقًا (١) كما لو طوَّل أركان الصلاة. قال أحمد: إذا كان في علاج الوضوء فلا بأس (٢). وإن كان لعبثٍ أو سرفٍ أو زيادةٍ على الثلاث قطَع الموالاةَ، كما لو كان لترك. وكذلك إذا كان لوسوسة في الأقوى. وإن كان لإزالة وسخ، فقد قيل: إنه كذلك، لأنه ليس من الطهارة شرعًا. وعنه: أنّ التفريق المبطِل ما يُعَدُّ في العرف تفريقًا (٣). مسألة (٤): ([والمسنون: التسمية] (٥) وغسلُ الكفَّين ثلاثًا (٦)، والمبالغةُ في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائمًا) . وقد تقدَّم غسلُ الكفين. وأما المبالغة، فلما روى لقيط بن صبرة، قال: قلت: يا رسول الله أخبِرني عن الوضوء. قال: "أسبِغ الوضوءَ، وخلِّلْ بين الأصابع، وبالِغْ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" رواه الخمسة، وقال
следующие страницы →