← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

ولا يملك الفاضلَ إلا بعد الحج، فليس له أن يتصرف (١) فيه قبل ذلك. قال في رواية أبي طالب (٢): إذا قال حُجُّوا عني بألفٍ، فما فضلَ من الألف ردّه على الحج. ولو قال: حُجّوا عني حجة بألف، فما فضلَ فهو للذي يحج. وإذا قال: حجوا عني حجة، فما فضلَ مما دُفِع إليه ردّ إلى الورثة. وإذا دفع إلى الرجل حجة، فقال: ما فضل لك، فأخذها الرجل فاشترى بها متاعًا يتَّجِر به، قال: لا يجوز له، قد خالف، إنما قال له: امْضِ فما فضلَ فهو لك، لم يقل: اتَّجِرْ به (٣). وهل لهذا الذي قدّر له النفقة أن يقتر على نفسه أو أن (٤) يمشي؟ ... (٥). فصل فأما الأجير الذي يُكري نفسَه لخدمة الجِمال والركّاب ونحو ذلك، ويحج عن نفسه، فهو جائز، بل لو أنفق عليه غيره متبرعًا، وحج عن نفسه أجزأه. قال في رواية عبد الله والكوسج (٦) فيمن يكري نفسه ويحج: لا بأس. وقال حرب: سألت أحمد، قلت: رجل استأجر رجلًا ليخرج معه فيخدمه، فحج عن نفسه، قال: أرجو أن يجزئه، قلت: إذا كان أجيرًا، قال: نعم. وسألته قلت: الرجل يحج مع الرجل فيكفيه نفقتَه وما يحتاج إليه،

стр. 2347

أترجو أن يُجزئ عنه؟ قال: نعم يجزئ عنه. وهو بمنزلة من يُكري دوابَّه في هذا الوجه أو يتّجر فيه، فإنه حج واعتاض عن منفعة أخرى غير الحج، بل إن كان إنما يكري نفسه ليحج بذلك العوض فهو من المحسنين. عن أبي أمامة التَّيمي (١) قال: كنت رجلًا أُكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون: ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إني رجل أُكري في هذا الوجه، وإن ناسًا يقولون إنه ليس لك حج، فقال ابن عمر: أليس تُحرِم وتُلبّي وتطوف بالبيت وتُفيض من عرفات وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجًّا، جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله ﷺ (٢) فلم يجبه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فأرسل إليه رسول الله ﷺ ، وقرأ عليه هذه الآية، وقال: «لك حج». رواه أحمد وأبو داود (٣). وعن أبي السَّليل قال: قلت لابن عباس: إني رجل أُكري، وإن ناسًا يزعمون يقولون: إنما أنت خادم، إنما أنت أجير، قال: بلى (٤) لك حج حسن

стр. 2348

جميل إذا اتقيتَ الله، وأدَّيتَ الأمانة، وأحسنتَ الصحابة. رواه حرب (١). فصل ما لزم النائبَ من الدماء بفعل محظور، مثل الوطء وقتل الصيد ونحو ذلك، فهو في ماله، نصَّ عليه؛ لأنه لم يؤذن له في ذلك، وإنما هو من جنايته، فهو كما لو أتلف نفسًا أو مالًا، وكذلك ما وجب لترك واجب. وأما دم التمتع والقران إذا أذن له فيهما على المستنيب، وإلا فعليه. ودم الإحصار على المستنيب؛ لأنه للتخلُّص من السفر، فهو كنفقة الرجوع، هذا هو الذي ذكره ... (٢). وقال ابن أبي موسى (٣): اختلف أصحابنا في دم الإحصار هل هو من مال الأجير أو من مال المستأجر؟ على وجهين. وإن أفسد الحج أو فوَّته بتفريطه كان عليه ردُّ ما أخذ؛ لأنه لم يُجزِئ عن المستنيب بتفريطه، والقضاء عليه في ماله. فصل وما أنفق زيادة على القدر المعتاد أو على ما لا بدَّ منه فهو في ماله، فإذا سلك طريقًا يمكنه سلوكُ أقربَ منها فنفقةُ تفاوتِ ما بين الطريقين في ماله، وكذلك إن تعجَّل إلى مكة عجلة يمكنه تركُها.

стр. 2349

وإن أقام بعد الحج وبعد إمكان الرجوع أكثر من مدة القصر، أنفق من مال نفسه. وأما (١) إذا لم يمكنه الرجوع فإنه ينفق من مال المستنيب، وله نفقة الرجوع وإن أقام بمكة سنين ما لم يستوطنها، فإن استوطنها لم يكن له نفقة الرجوع ... (٢). وإن مرض في الطريق فله نفقة رجوعه؛ لأنه لا بدَّ منه، وقد حصل بغير تفريطه، وإن قال: خفتُ أن أمرض فرجعت، فقال (٣): عليه الضمان؛ لأنه متوهم. ولو أذن له في النفقة في جميع ذلك جاز إذا كان المال للمستنيب، وإن شرط أحدهما أن الدماء الواجبة عليه على غيره لم يجز. فصل إذا أمر بالحج فتمتع أو قرنَ جاز ذلك، ووقع عن الآمر، والدم على النائب. قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا حج الرجل عن الرجل فتمتَّع لنفسه، فما سمعت أحدًا يقول: يتمتع عن نفسه. وإذا قالوا له: حُجَّ، ودخل بعمرة، فإن العمرة للذي يحج عنه، والدم عليه في ماله، وكذلك [ق ١٦٥] إن دخل قارنًا، فإن أحرم من مكة جاز له؛ لأن العمرة لمن حج عنه، ولو دخل بعمرة لنفسه، وأراد أن يحج عن غيره خرج إلى الميقات فأحرم عنه.

стр. 2350

وقال في رواية (١) حنبل (٢): إذا قرن أو تمتَّع فالدم في ماله، والحج والعمرة عن صاحب المال. وذلك لأن المتمتع والقارن أتيا بحجة وعمرة، وذلك أفضل من حجة مفردة ليس بعدها عمرة بلا تردد. وإن دخل بعمرة عن نفسه، ثم أراد أن يحج عن غيره، فعليه أن يخرج إلى (٣) ميقاته فيحرم منه (٤)، على ما نص عليه (٥)؛ لأن المستنيب قد وجب عليه الإحرام من الميقات فلا بدَّ أن يقضي عنه (٦) ذلك، ولا يجوز له أن يحرم عنه من دون الميقات. وقد نقل عنه علي بن سعيد، وسأله عن الرجل يحج عن غيره هل يعتمر قبل الحج؟ فقال: ينبغي له أن ينتهي إلى ما أُمِر به (٧)، فإن لم يكن أُمِر أن يعتمر اعتمر عن نفسه، فإذا حلَّ (٨) من عمرته حج عن الميت. وظاهر هذا أنه يحج من مكة، وفيه نظر. وليس له أن يحرم عنه من مكة، فإن خالف وفعل ففيه وجهان: أحدهما: عليه دم لترك ميقاته، وعليه من النفقة بقدر ما تركه بين

стр. 2351

الميقات ومكة؛ لأنه أخلَّ بما يجبره دم، فلم تسقط نفقته، كما لو تجاوز الميقات غيرَ محرمٍ. والثاني: لا يقع فعله عن الآمر، ويردُّ جميع النفقة؛ لأنه مخالف له. وإن أمره بأن يحج ويعتمر بعد الحج فتمتع أو قرن ... (١). وإن أمره بالتمتع فقرنَ وقع عن الآمر، وهل يرد نصف النفقة؟ على وجهين. وإن أفرد الحج وقع الحج عن المستنيب، وردَّ نصف النفقة لتفويت العمرة من الميقات. وإن (٢) اعتمر بعد الحج ... (٣). وإن أمره بالقران فأفرد الحج أو تمتَّع وقع النُّسكانِ عن الآمر، ويردّ من النفقة بقدر ما ترك من إحرام النسك الذي تركه من الميقات. وإن أمره بالحج والعمرة ففعل أحدهما فقط، ردّ من النفقة بقدر ما ترك، ووقع ما فعله عن المستنيب. مسألة (٤): (ولا يصحُّ الحجُّ من كافرٍ ولا مجنونٍ) . أما الكافر فإن الله قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وأمر النبي ﷺ أن ينادى في الموسم: «لا يحجَّنَّ بعد العام مشرك» (٥). ولأن الحج عبادة، والكافر لا تصح

стр. 2352

منه العبادات؛ و (١) لأنه مخصوص بالحرم، والكافر ممنوع من دخول الحرم. وإذا ارتدَّ بعد الإحرام بطل إحرامه؛ لأن الردة تُبطِل جميع العبادات من الطهارة، والصلاة، والصوم، والاعتكاف. وأما المجنون فقسمان: أحدهما: الجنون المطبق، مثل المعتوه ونحوه، فهذا لا يصح حجه عند أكثر أصحابنا، وقال أبو بكر: فإن حُجَّ بالصبي أو العبد أو الأعرابي أو المعتوه أو المجنون لم تُجزِئْهم عن حجة الإسلام، وأجزأت الصبيَّ والعبد والأعرابيَّ والمعتوهَ إن ماتوا قبل البلوغ، وإن بلغوا فعليهم الحج كما قال رسول الله ﷺ (٢). ومن (٣) لم يعقل (٤) وقوف عرفة وهو صحيح لم يُجزِئه، إلا الصبي، فإن النبي ﷺ قال: «له حجٌّ ولكِ (٥) أجرٌ» (٦). فهذا الكلام يقتضي صحة حجة المعتوه؛ لأن أكثر ما فيه أنه مسلوب العقل، وذلك لا يمنع صحة حجه كالصبي (٧). ووجه المشهور: أن (٨) المجنون لا يصح منه (٩) شيء من العبادات،

стр. 2353

وإنما هو بمنزلة البهيمة. والفرق بينه وبين الصبي الصغير أن هذا له عمل وحركة بنفسه من غير عقل ولا تمييز، فأشبه البهيمةَ، وعكسه الصبي فإن غيره هو الذي يعمل به فجاز أن يُحرِم به؛ ولأن (١) الإحرام إنما يعقده وليُّه، ووليه لا يقدر أن يجنِّبه محظوراتِ الإحرام بخلاف الصبي؛ ولأن الصبي لما عدِمَ كمالَ العقلِ عدِمَ ما يحتاج إلى العقل، فعدمُه في حقّه ليس نقصًا، والمجنون سُلِب العقلَ مع وجود ما يحتاج إلى العقل. الثاني: أن يُجنَّ بعد إحرامه، فهذا إن كان صرعًا وخَنْقًا لم يبطل إحرامه ؛ لأن هذا بمنزلة الغشي والإغماء؛ لأنه يُبطل الحركة، لكن هو في هذه الحال بمنزلة المغمى عليه، فلا يصح منه أركان الحج الأربعة من الإحرام والطواف والسعي والوقوف. فأما المبيت بالمزدلفة ورمي الجمار فيصح في هذه الحال. قاله القاضي وابن عقيل. وإن كان جنونًا محضًا (٢) لا يُبطِل الحركة، فهل يَبطُل إحرامه؟ على وجهين ذكرهما ابن عقيل (٣)، أحدهما: لا يبطل، فلو قتل بعد ذلك صيدًا ضمِنه. مسألة (٤): (ويصحُّ من العبد والصبيِّ، ولا يُجزِئهما) . في هذا الكلام فصلان:

стр. 2354

أحدهما أن العبد يصح حجه، ولا يُجزِئه عن حجة الإسلام، فإن عَتَق (١) فعليه حجة أخرى، وإن مات أجزأت عنه تلك الحجة، وكانت حجةَ الإسلام في حقّه وإن لم تكن واجبة. وكذلك الصبي؛ لما روى محمد بن كعب القُرظي (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أريد أن أجدِّد في صدور المؤمنين، أيُّما صبيٍّ حجَّ به أهله فمات أجزأت [ق ١٦٦] عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيُّما رجلٍ مملوكٍ حجَّ به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أُعتِق فعليه الحج». رواه سعيد، وأبو داود في «مراسيله» (٣)، واحتجَّ به أحمد. وعن ابن عباس ﵄ قال: أَسْمِعوني ما تقولون، وافهموا ما أقول لكم، أيُّما مملوكٍ حج به أهله فمات قبل أن يَعْتِق فقد قضى حجه، وإن عتق قبل أن يموت فليحج، وأيُّما غلامٍ حج به أهله فمات قبل أن يُدرِك فقد قضى حجه، وإن بلغ فليحج». رواه الشافعي (٤).

стр. 2355

والمرسل إذا عمل به الصحابة حجةٌ وفاقًا، وهذا مجمع عليه. ولأنه يصح منه الحج لأنه من أهل العبادات، ولا يُجزِئه؛ لأنه (١) فعله قبل أن يُخاطَب به، وقبل (٢) أن يصير من أهل وجوبه. فإن عَتَق العبد أو بلغ الصبي، وهما محرمان بالحج بعد الوقوف وخروج وقته، لم يُجزِئهما ذلك الحج عن حجة الإسلام؛ لأن الوقوف (٣) لا يمكن إعادته، وما فعل منه وقع قبل وجوبه، فلا يُجزِئ عن واجب الإسلام. وإن عَتَقَ وبلغ (٤) قبل الوقوف أو في أثناء الوقوف أو بعد إفاضتهما من عرفة، فرجعا إليها وأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر ليلة النحر أجزأتهما تلك الحجة عن حجة الإسلام. هذا هو المنصوص عنه في غير موضع (٥)، وعليه أصحابه، وعنه ... (٦). لِمَا احتج به أحمد ورواه بإسناده (٧) عن ابن عباس قال: «إذا أُعتق (٨) العبد بعرفة أجزأت عنه تلك الحجة، وإذا أُعتق بجَمْعٍ لم تُجزئ عنه». وعن الحسن وعطاء قالا: إذا أعتق العبد بعدما يفيض (٩) من عرفات أو بجمْعٍ،

стр. 2356

وحاضت الجارية، واحتلم الغلام، فرجعوا إلى عرفة قبل طلوع الفجر فقد أجزأت عنهم حجة الإسلام (١). ولا يُعرف لهم في السلف مخالف، قال أحمد (٢): ما أعلم أحدًا قال لا يُجزِئه إلا هؤلاء (٣). ولأنه أتى بأركان الحج وواجباته من الإحرام والوقوف والطواف وغيره بعد الوجوب، فوجب أن يجزئه. وإنما أحرم قبل الوجوب، والإحرام فرض مستصحب في جميع النسك، فتقدُّمه على وقت وجوبه لا يضر، كما لو تطهَّر الصبي للصلاة ثم بلغ فصلى بتلك الطهارة فرضًا، بل أولى. وهذا لأن ما فعله قبل البلوغ أسوأُ أحوالِه أن يكون وجوده كعدمه. ولو (٤) لم يحرم حتى بلغ، وهو بعرفات فأحرم حينئذٍ أجزأه بالإجماع، فكذلك إذا بلغ وهو محرم يجب أن يجزئه ما يأتي به من الإحرام بعد ذلك، ويكون ما مضى كأن لم يفعل. ومن أصحابنا من قال (٥): يكون إحرامًا مُراعًى، فإذا أدرك الوقوف بالغًا تبيَّنّا أنه وقع فرضًا، وإلا فلا، كما أنه (٦) يجوز إبهامه وتعليقه، ويكون مُراعًى إن أدرك عرفة كان بحجٍّ، وإلا كان بعمرة. ويظهر أثر هذين الوجهين فيما

стр. 2357

يصيبه في إحرامه قبل الوقوف، هل يكون بمنزلة جناية عبد وصبي، أو بمنزلة جناية حر بالغ؟ فإن كانا قد سعيا قبل الوقوف، وقلنا السعي ركن، ففيه وجهان (١): أحدهما: يُجزئه. قاله القاضي وأبو الخطاب، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنه لم يفرق بين أن يكونا قد سعيا قبل الوقوف أو لم يسعيا، وهذا يتوجه على قول من يقول: إنَّ ما مضى من الإحرام يصير فرضًا. والثاني: لا يُجزِئهما، قال القاضي في «المجرد»: وهو قياس المذهب، وتبعه ابن عقيل. وهذا إذا قلنا: السعي ركن؛ لأن السعي ركن غير مستدام، وقد وقع قبل وجوب الحج فلم يُجزئ عن الواجب، كما لو كان البلوغ والإسلام بعد الوقوف، فعلى هذا إن أعاداه (٢) ... (٣). فصل وإذا أحرم العبد بإذن سيده لم يملك تحليله؛ لأنها عبادة تلزم بالشروع، وقد دخل فيها بإذنه فأشبهَ ما لو دخل في نذر عليه. ولأنه عقد لازم عقده بإذن سيده، فلم يكن للسيد فسخُه، كما لو تزوَّج بإذنه، حتى لو باعه أو وهبه لم يملك المشتري والمتَّهِب تحليله؛ لأنه انتقل إليه مستحقَّ المنفعة في الحج، فأشبهَ ما لو انتقل إليه مؤجرًا أو مزوَّجًا، لكن يكون (٤) الإحرام عيبًا بمنزلة الإجارة؛ لأنه ينقُص المنفعةَ، فينقُص القيمةَ، فإن علم به لم يكن له

стр. 2358

الردُّ، وإن لم يعلم فله الردُّ أو الأَرْشُ. وإن كان قد أحرم بدون إذن البائع، وقلنا: له تحليله= لم يكن عيبًا، وإلا فهو عيب. ولو رجع السيد عن الإذن وعَلِم العبد، فهو كما لو لم يأذن له، وإن لم يعلمه حتى أحرم، ففيه وجهان بناءً على الوكيل إذا لم يعلم بالعزل. وإن أحرم بدون إذن سيده انعقد إحرامه في ظاهر المذهب، وخرَّج ابن عقيل وجهًا أنه لا ينعقد؛ لأنه يغصب سيدَه منافعَه (١) التي يملكها، فلم يصح كالحج بالمال (٢) المغصوب وأولى. والأول هو المنصوص، لكن هل يحل له أن يحرم؟ ... (٣). وهل يملك السيد تحليله؟ على روايتين (٤): إحداهما: يملكه. اختاره ابن حامد وغيره؛ لأن في بقائه عليه تفويتًا لمنافعه بغير إذنه، فلم يلزمه ذلك، فعلى هذا يكون بمنزلة المُحْصَر بعدو، وصفة التحليل (٥) ... (٦). [ق ١٦٧] والثانية: ليس له تحليله. اختاره أبو بكر ... (٧).

стр. 2359

وتحليل العبد والزوجة يحصل بقول السيد والزوج: قد حلَّلتُ زوجتي أو عبدي، أو فسختُ إحرامه، فعند ذلك يصير كالمُحصَر بعدوّ فيما ذكره أصحابنا، فأما بالفعل فقيل: قياس المذهب لا يحلّ به. فصل وإذا نذر العبد (١) الحج معينًا أو مطلقًا فإنه ينعقد نذره؛ لأن النذر بمنزلة اليمين ينعقد ممن ينعقد يمينه، ثم إن كان مطلقًا فهل يلزمه قضاؤه في حال الرقّ؟ على وجهين ذكرهما القاضي، وقال: أشبههما بكلامه الوجوب. وإن كان معينًا ... (٢). وهل لسيده تحليله منه ومنعه من المضيِّ فيه؟ إن قلنا: لا يمنعه من التطوُّع فهنا أولى، وإن قلنا: يمنعه من التطوُّع، فكذلك هنا. قاله القاضي وابن عقيل، فعلى هذا يقضيه بعد العتق، ويبدأ قبله بحجة الإسلام، كما سيأتي في قضاء الفاسد. ولو حلف بالطلاق ليحجنَّ هذا العام أو ليُحرِمنَّ ونحو ذلك، فإنه يحرم، نص عليه. وينبغي لسيده أن لا يمنعه. وهل يملك منعه؟ على روايتين: إحداهما: يكره منعه، قال في رواية عبد الله (٣) في مملوك قال: إذا دخل أول يوم من أيام (٤) رمضان فامرأته طالق ثلاثًا إن لم يُحرِم أول يوم من

стр. 2360

رمضان: يحرم أول يوم، ولا تُطلَّق امرأته. قيل له: فيمنعه سيده أن يخرج إلى مكة؟ قال: لا ينبغي أن يمنعه أن يخرج. قال القاضي (١): وظاهر (٢) هذا على طريق الإخبار، وهو اختيار شيخنا ... (٣). والثانية: ليس له منعه، نصَّ في هذه المسألة بعينها في رواية إسحاق بن إبراهيم (٤)، قيل له: فإن منعه سيده أن يخرج إلى مكة (٥)؟ قال: ليس له أن يمنعه أن يمضي إلى مكة إذا علم منه رشده. فصل وإذا أفسد (٦) إحرامه فعليه المضيُّ فيه، سواء كان بإذن السيد أو بدون إذنه، ولا يملك السيد تحليله إلا كما يملك تحليله (٧) من الصحيح، وعليه القضاء، سواء كان الإحرام مأذونًا فيه أو غير مأذون فيه، ويصح القضاء في حال الرق في المشهور عند أصحابنا، ومنهم من ذكر فيه وجهين كالوجهين في الصبي، ومنهم من لم يحكِ هنا خلافًا (٨) مع حكايته للخلاف

стр. 2361

ثَمَّ (١) .... ، ويجب عليه ... (٢). وإذا أحرم بالقضاء فليس للسيد منعه منه (٣) إن كان الإحرام الأول بإذنه؛ لأن إذنه فيه إذنٌ في موجبه ومقتضاه، وإن كان بغير إذنه فهو كالحج المنذور هل لسيده منعه؟ على وجهين (٤): أحدهما: ليس له منعه منه (٥)، وهو قول أبي بكر، قال ابن عقيل: وهو ظاهر كلام أحمد. والثاني: له منعه، وهو قول ابن حامد والقاضي في «المجرد». والأشبه أنه لا فرق في الحج الفاسد بين أن يكون قد أحرم (٦) بإذنه أو بغير إذنه؛ لأنه لم يأذن في الإفساد. فإن عَتَق (٧) قبل القضاء فعليه أن يبدأ بحجة الإسلام قبل القضاء (٨)، فإن أحرم بالقضاء انصرف إلى حجة الإسلام في المشهور من المذهب. ثم إن كان قد عتق بعد التحلُّل من الحجة الفاسدة أو بعد وقوفها لم يُجزِئه القضاء عن حجة الإسلام؛ لأن أداءه لا يجزئه.

стр. 2362

وإن عتق فيها في أثناء الوقوف أو قبله، فقال القاضي (١) وجماعة من أصحابنا: يُجزِئه عن حجة الإسلام؛ لأنه لو كان صحيحًا لأجزأه، والفاسد إذا قضاه قام قضاؤه مقام الصحيح. وقال ابن عقيل (٢): عندي لا يصح؛ لأنه لا يلزم من إجزاء صحيحه إجزاءُ قضائه، كما لو نذر صوم يوم يقدَمُ فلان فقدِمَ في رمضان، وقلنا يجزئه عنهما، فإنه لو أفطره (٣) لزمه يومان. فصل وما لزمه من الكفارات التي ليست من موجب الإحرام ومقتضاه مثل ما يجب بترك واجب أو فعلِ محظورٍ، ونحو ذلك، فقال أحمد (٤): إذا أحرم العبد ثم قتل صيدًا، فجزاؤه على مولاه إن أذن له. قال القاضي وغيره: يعني إن (٥) أذن له في القتل. فعلى هذا كل محظور فعله بإذن سيده فجزاؤه على سيده (٦)، وإن كان بغير إذنه فهو على العبد، وهو بمنزلة الحر المعسر يكفِّر بالصوم، وليس للسيد منعُه منه (٧) كما ليس له أن يمنعه من صوم الكفارة. هذا قول أكثر

стр. 2363

أصحابنا، وخرَّجها القاضي على الوجهين (١) في منعه من الحج المنذور في كل دم ليس من موجب الإحرام ولا مقتضاه، ولم يذكر في الإحصار خلافًا. وليس له أن يكفّر بالمال إلا أن يأذن له سيده (٢) في التكفير به فيجوز. قاله أبو بكر وابن أبي موسى، قال ابن أبي موسى (٣): كما كان (٤) له أن يتسرَّى بإذن سيده. وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إذا ملَّكه سيده مالًا وملَكه لزمه التكفير بالمال، وإن قلنا: لا يملكه أو لم يُملِّكه السيد لزمه الصوم، وذكر القاضي في موضع آخر وغيره أنه (٥) إذا ملَّكه الهديَ ليخرجه انبنى على روايتي التمليك. وما كان من موجب الإحرام مثل دم التمتع والقران إذا أذن له في ذلك، فقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إن قلنا لا يملكه (٦) ففرضه (٧) [ق ١٦٨] الصيام، وإن قلنا يملك فعلى السيد أن يتحمل الهدي عنه. وذكر ابن أبي موسى (٨) أن فرضه الصيام بكل حال.

стр. 2364

وإذا مات العبد قبل الصيام كان لسيده (١) أن يطعم على الروايتين جميعًا، قاله القاضي وابن عقيل. فصل وإذا حج الأعرابي ثم هاجر لم يجب عليه إعادة الحج عند أكثر أصحابنا المتأخرين، وقال أبو بكر: لا تُجزِئه تلك الحجة عن حجة الإسلام، وعليه حجة أخرى، وكلام أحمد محتمل، قال في رواية (٢): هذا حديث ابن عباس في الصبي يحج ثم يدرك، والعبد يحج ثم يَعتِق، أن (٣) عليهما الحج. قلت: يقولون: إن فيه الأعرابي يحج ثم يهاجر، قال: نعم (٤). والأعرابي في حديث ابن عباس عليه الحج، فيجوز أنه قاله أخذًا به، ويجوز أنه لم يأخذ به؛ لأنه قد روى حديث محمد بن كعب القرظي (٥) المرسل، واعتمده، وليس فيه ذكر الأعرابي. واحتج أبو بكر بما رواه بإسناده (٦) عن جابر ﵁ قال: سمعت

стр. 2365

رسول الله ﷺ يقول: «إذا حجَّ المملوكُ أجزأ عنه حجة المملوك، فإن (١) عَتَق فعليه حجة الإسلام، وكذلك الأعرابي والصبي مثل هذه القصة، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين». الفصل الثاني أن حج الصبي صحيح (٢)، سواء كان مميِّزًا أو طفلًا ، بحيث ينعقد إحرامه، ويلزمه ما يلزم البالغَ من فعلِ واجبات الحج وتركِ محظوراته؛ لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لقي ركْبًا بالرَّوْحاء، فقال: «مَن القوم؟» قالوا (٣): المسلمون، فقالوا (٤): من أنت؟ قال: «رسول الله»، فرفعت إليه (٥) امرأة صبيًّا، فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم، ولكِ أجرٌ». رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي (٦). وعن السائب بن يزيد قال: حُجَّ بي مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وأنا ابن سبع سنين. رواه أحمد والبخاري (٧).

стр. 2366

وعن جابر قال: رفعت امرأة صبيًّا لها إلى النبي ﷺ في حجته، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولكِ أجر (١)». رواه ابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: غريب. وعنه قال: حججنا مع رسول الله ﷺ ، معنا النساء والصبيان، فلبَّينا عن الصبيان، ورمينا عنهم. رواه أحمد وابن ماجه (٣). ورواه الترمذي (٤)، ولفظه: «أحرمنا عن الصبيان، وأحرمت النساء عن أنفسها (٥)». وفي لفظ له (٦): «كنا نُلبِّي عن النساء، ونرمي عن الصبيان». وقال: غريب. وقد تقدم (٧) في الحديث المرسل وقول ابن عباس: «أيُّما صبيٍّ حَجَّ

стр. 2367

به (١) أهله فمات أجزأت عنه، وإن أدرك فعليه حجة أخرى». فإن حج قبل بلوغ (٢) الاحتلام بعد بلوغ السن ... (٣). فإن كان الصبي مميزًا أحرم بنفسه (٤) بإذن الولي، وفعل أفعال الحج، واجتنبَ محظوراتِه، فإن أحرم عنه الولي أو فعل عنه شيئا مثل الرمي وغيره لم يصح؛ لأن هذا دخول في العبادة، فلم يصح من المميز بدون (٥) قصده، كالصوم والصلاة. فإن أحرم بدون إذن الولي، ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح. قاله أبو الخطاب وجماعة معه، قال متأخرو أصحابنا: وهو أصح؛ لأنه عقد يجب عليه به حق، فلم يملك فعله بدون إذن الولي كالنكاح، فعلى هذا قال القاضي في موضع: إحرامه بدون إذن الولي كإحرام العبد، فعلى هذا هل يملك الولي تحليله؟ على وجهين (٦). والثاني: يصح، لأنها عبادة، فجاز أن يفعلها بدون إذن الولي، كالصوم والصلاة. و إن كان غير مميز عقد الإحرامَ له وليُّه ، سواء كان حرامًا أو حلالًا، كما

стр. 2368

يعقد له النكاح وغيره من العقود، ويلبي عنه فيقول: لبيك عن فلان، وإن لم يسمِّه جاز، ويطوف به (١) ويسعى ويُحضِره المواقفَ ويرمي عنه، ويجنِّبه كلَّ ما يجتنبه الحرام. وإذا لم يمكنه الرمي استحب أن يوضع الحصى في يده، ثم يؤخذ فيرمى عنه، وإن وضعه في يده ورمى بها وجعلها كالآلة جاز. قال أصحابنا: ولا يرمي عنه حتى يرمي عن نفسه، فإن (٢) رمى عن الصبي وقع عن نفسه، وهذا بناء على أن من حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه وقع عن نفسه، فإن قلنا يقع عن الغير أو يقع باطلًا فكذلك. ونفقة السفر التي تزيد على نفقة الحضر تجب في مال الولي في إحدى الروايتين، ومنهم من يحكيها على وجهين، اختارها القاضي في «المجرد» وأبو الخطاب وغيرهما، إلا أن لا يجد من يضعه عنده، لأنها نفقة وهو مستغنٍ عنها، فلم تجب في ماله، كالزيادة على نفقة مثله في الحضر. وفي الأخرى: هي في مال الصبي، وهذا اختيار القاضي في «خلافه» (٣)، وقال: هو قياس قول أحمد؛ لأنه قال: يضحِّي الوصي عن اليتيم من ماله؛ لأن هذا مما له فيه منفعة؛ لأنه يعرف أفعال الحج ويألفها، فهو كالنفقة على تعليم الخط. وكفّارات الحج (٤) التي تلزمه بترك واجب أو فعل محظور كالنفقة، فما كان من الكفّارات [ق ١٦٩] لا يجب إلا على العامد كاللباس والطيب في

стр. 2369

المشهور لم يجب على الصبي؛ لأن عَمْده خطأ، قاله أصحابنا، ويتخرج إذا أوجبنا الدية في ماله دون عاقلته. وما يجب على العامد والمخطئ كقتل (١) الصيد، وحلق الشعر، وتقليم الظفر في المشهور، فقال: ... (٢) هي كالنفقة هل تجب في مال الصبي أو وليِّه على روايتين (٣)، والمنصوص عنه ... (٤). والولي هنا هو الذي (٥) يملك التصرف في ماله، من الأب والحاكم والوصي. قاله القاضي. فأما من لا ولاية له على المال كالأم ونحوها، فقال: ظاهر كلام أحمد أنه لا يصح إحرامه؛ لأن الإحرام يتعلق (٦) به إلزام مال. والمنصوص عن أحمد (٧): أنه يُحرِم عنه أبواه أو وليه، فعلى هذا تُحرِم عنه الأم أيضًا، وهذا اختيار ابن عقيل وغيره من أصحابنا، لقول النبي ﷺ للمرأة التي سألته: «نعم، ولكِ أجر». ولا يكون لها أجر حتى تكون هي التي تحج به، وهذا بناء على أن النفقة تلزم الولي والمحرم به، فلا ضرر في ماله، ولأن الأم قد نُقِل عنه أنها تقبض للابن. وخرَّج بعض أصحابنا سائر الأقارب على الأم.

стр. 2370

وأما الأجانب فلا يصح إحرامهم عنه وجهًا واحدًا، وقياس المذهب في هذا: أنا إن قلنا إن (١) النفقة في ماله، فإنما يُحرِم به من يتصرف في ماله، وهم هؤلاء الثلاثة أو غيرهم عند الضرورة، فإن أحمد قد نصَّ على أنه يجوز أن يقبض الزكاة أكبر الإخوة لإخوته، ويقبضها لليتيم من يَعُوله. وإن قلنا: ليست في ماله، فمن كان في حضانته الصبي (٢) فإنه يعقد له الإحرام؛ لأن الولاية (٣) هنا تبقى على البدن لا على المال، حتى لو كان في حضانة أمه، حتى يُحرِم به اللقيط (٤) والكافل لليتيم ونحو هؤلاء ... (٥) فأراد أبوه أن يحرم به ... وسواء في ذلك المميز والطفل ... وإذا وَطئ في الحج أو وُطئ فسد حجه؛ لأن أكثر ما فيه أن عمده خطأ، ووطء الناسي يفسد الحج، وعليه المضيُّ في فاسده. وفي وجوب القضاء وجهان: أحدهما: لا يجب عليه؛ لأن بدنه ليس من أهل الوجوب، لكن تجب الفدية في ماله عند القاضي، وعند أبي الخطاب على وليه. والثاني: يجب القضاء، قال القاضي (٦): وهو أشبه بقول أحمد؛ لأنه أوجب القضاء على العبد إذا أفسد الحج؛ لأن الوجوب هنا بسبب من جهته

стр. 2371

وجهة وليه، فلم يمتنع كوجوب الإتمام، بخلاف إيجاب الشرع ابتداء. فعلى هذا هل (١) يلزمه القضاء في حال صغره أو بعد بلوغه؟ على وجهين: قال القاضي (٢): أصحهما في حال صغره؛ لأن القضاء على الفور. والثاني: بعد البلوغ؛ لأن الصغير ليس من أهل الوجوب المبتدأ في الحال. فعلى هذا إن قضاه في الصغر فهل يصح؟ فيه وجهان، فإن أخَّر القضاء إلى ما بعد البلوغ بدأ بحجة الإسلام. وإن أحرم بالقضاء أولًا انصرف إلى حجة الإسلام (٣) على المشهور في المذهب، ثم إن كانت الحجة المقضية تُجزئه عن حجة الإسلام لو تمت صحيحة بأن يكون قد أدرك فيها قبل الوقوف (٤) كان قضاؤها مجزئا عن حجة الإسلام، وإن لم تكن مجزئة عن حجة الإسلام لم يجزئ قضاؤها عن حجة الإسلام (٥) فيما ذكره أصحابنا، كالقاضي وأصحابه ومن بعده، والقياس أن تكون كالمنذورة (٦).

стр. 2372

فصل ولا يجوز للمرأة أن تسافر بدون (١) إذن الزوج في حج التطوع، وليس للزوج أن يمنعها من حج الفرض، ويُستحبّ لها أن تستأذنه إن كان حاضرًا، وتراسله إن كان غائبًا تطييبًا لنفسه، كما يستحبّ استئذان المرأة في نكاح بنتها، واستئذان البكر في نفسها عند من يقول بجواز إجبارها؛ لأن ذلك أدعى إلى الألفة وصلاح ذات البين، وأبعدُ عن الشقاق، وكل ما فيه صلاح ذات البين فإنه مستحب. فإن منعها فإنها تخرج بغير اختياره؛ لأنها عبادة قد وجبت عليها، ولا طاعة لمخلوق في معصية [ق ١٧٠] الخالق، حتى لو قلنا يجوز لها تأخير الحج فإن لها أن تسارع إلى إبراء ذمتها، كما لها أن تصلي المكتوبة في أول الوقت، وتقضي شهر رمضان في أول الحول، وأولى؛ لأن هذه عبادة موقَّتة، وتأخير العبادات الموقَّتة أجوزُ من تأخير العبادات المطلقة. ثم إن قلنا: إن (٢) الحج واجب على الفور فعليها أن تحج (٣)، ولا تطيع الزوج في القعود، وإن قلنا: هو على التراخي فالأفضل لها أن تسارع إليه، وذلك أولى بها من طاعة الزوج في القعود؛ لأن في تأخير الحج تعريضًا لتفويته. وأما الصلاة فهل ... (٤).

стр. 2373

مسألة (١): (ويصحُّ من غير المستطيع والمرأةِ بغير مَحْرم، ويُجزئهما) (٢). وجملة ذلك: أن من لم يجب عليه لعدم استطاعته مثل المريض، والفقير، والمعضوب، والمقطوع طريقه، والمرأة التي لا محرم لها، ونحو ذلك، إذا تكلَّفوا شهودَ المشاعر أجزأهم الحج. ثم منهم من هو مُحسِن في ذلك كالذي يحج ماشيًا، ومنهم من هو مسيء في ذلك (٣) كالذي يحج بالمسألة، والمرأة تحج بغير محرم. وإنما أجزأهم لأن الأهلية تامة، والمعصية إن وقعت فهي في الطريق، لا في نفس المقصود. مسألة (٤): (ومن حجَّ عن غيره ولم يكن حجَّ (٥) عن نفسه، أو عن نذرِه ونَفْلِه (٦) قبل حجة الإسلام، وقع عن فرض نفسه دون غيره) . في هذا الكلام فصلان:

стр. 2374

أحدهما أن من عليه حجة واجبة، سواء كانت حجة الإسلام أو نذرًا أو قضاء، فليس له (١) أن يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه، في ظاهر المذهب المشهور عنه وعن أصحابه. قال في رواية صالح (٢): لا يحج أحد عن أحد حتى يحج عن نفسه، وقد بيَّن ذلك النبي ﷺ فقال: «حُجَّ عن نفسك، ثم عن شُبرمة» (٣)، وحديث ابن عباس إذ قالت المرأة: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم، حُجِّي عن أبيك» (٤). هو جُملةٌ (٥)، لم يبيّن (٦) حجَّت

стр. 2375

أو لم تحجَّ. وقال في رواية إسماعيل بن سعيد (١): الصَّرورة يحجُّ عن غيره لا يُجزئه إن فعل؛ لأن النبي ﷺ قال لمن لبَّى عن غيره وهو صرورة: «اجعلْها عن نفسك». وعنه رواية أخرى: يجوز، قال في رواية محمد بن ماهان (٢) في رجل عليه دين وليس له مال، يحج الحج عن غيره حتى يقضي دينه؟ قال: نعم. وقد جعل جماعة من أصحابنا هذه روايةً بجواز الحج عن غيره قبل نفسه مطلقًا (٣)، وهو محتمل، لكن الرواية إنما هي منصوصة في غير المستطيع (٤). ووجه ذلك: أن النبي ﷺ أذن للخثعمية أن تحج عن أبيها، ولم يستفصل هل حجت عن نفسها أو لم تحج؟ وكذلك الجهنية أذن لها (٥) أن تحج عن أمها نذْرَها، وللمرأة الأخرى، ولأبي رَزِين، وغيرهم، ولم يَستفصلْ واحدًا منهم، ولا أمره أن يبدأ بالحج عن نفسه. والخثعمية، وإن كان الظاهر أنه قد علم أنها حجت عن نفسها؛ لأنها سألتْه غداةَ النحر حين أفاض من مزدلفة إلى منى، وهي مفيضة معه، وهذه حال من قد حج ذلك العام، لكن غيرها ليس في سؤاله ما يدلُّ على أنه حج. ولأنه شبَّهه بقضاء الدين، والرجل يجوز أن يقضي دين غيره قبل دينه.

стр. 2376

وأيضًا فإنه عمل تدخله النيابة، فجاز أن ينوب عن غيره قبل أن يؤدِّيه عن نفسه، كقضاء الديون، وأداء الزكاة والكفارات. وإن كان الكلام مفروضًا فيمن لم يستطع الحج فهو أوجه وأظهر، فإن الرجل إنما يؤمر بأن يبدأ بالحج عن نفسه إذا كان واجبًا عليه (١)، وغير المستطيع لم يجب عليه، فيجوز أن يحج عن غيره. ولا يقال: إذا حضر تعيَّن عليه؛ لأنه إنما يتعيَّن أن لو لم يكن قد (٢) أحرم عن غيره، فإذا حضر وقد انعقد إحرامه لغيره فهو بمنزلة من لم يحضر في حق نفسه. ووجه المشهور: ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شُبرمة، قال: «مَن شُبرمة؟» قال: أخ لي أو قريب (٣) لي، قال: «حججتَ عن نفسك؟» قال: لا، قال: «حُجَّ عن نفسك، ثم حُجَّ (٤) عن شبرمة». رواه أبو داود وابن ماجه (٥)، وقال: «فاجعلْ هذه عن نفسك، ثم احججْ عن شبرمة» (٦). رواه الدارقطني (٧) من وجوه عن عطاء عن ابن عباس، وعن عائشة أيضًا.

стр. 2377

فإن قيل: هذا الحديث موقوف على ابن عباس، ذكر الأثرم عن أحمد أن رفعه خطأ، وقال: رواه عدة موقوفًا على ابن عباس، وهو مشهور من حديث قتادة عن عَزْرة (١) عن سعيد بن جبير، وقد قال يحيى: عزرة لا شيء (٢). قلنا: قد تقدَّم أن أحمد حكم بأنه (٣) مسند، وأنه من قول رسول الله ﷺ ، فيكون قد اطلع على ثقة من رفعه، وقد (٤) رفعه جماعة. على أنه إن كان موقوفًا فليس لابن عباس مخالف. فوجه الحجة أن النبي ﷺ أمره أن يحج عن نفسه ثم يحج عن شبرمة، وستأتي بقية الألفاظ الدالة على أن تلك لم تجز عن شبرمة، ولم يَفْصِل بين (٥) أن يكون الحاج مستطيعًا واجدًا للزاد والراحلة أو لا يكون، وتركُ الاستفصال والتفريق (٦) في حكاية الأحوال يدلُّ على العموم. وأيضًا فإن الحج واجب في أول سنة من سِنِي الإمكان، فإذا أمكنه فعلُه عن

стр. 2378

نفسه لم يجز أن يفعله عن غيره؛ لأن الأول فرض، والثاني نَفْل، كمن عليه دَين هو مُطالَب به، ومعه دراهم بقدره، لم يكن له أن يصرفها إلا إلى دَينه، وكذلك كل ما احتاج إلى صرفه في واجب عنه فلم يكن له أن يفعله (١) عن غيره. وأيضًا فإنه إذا حضر المشاعر تعيَّن الحج عليه، [ق ١٧١] فلم يكن له أن يفعله عن غيره، كما لو حضر صفَّ القتال فأراد أن يقاتل عن غيره (٢)، فعلى هذا إذا خالف وأحرم عن غيره ففيه روايتان ذكرهما كثير من أصحابنا: إحداهما: ينعقد إحرامه عن نفسه، وعليه أن يعتقد أن ذلك الإحرام عن نفسه، فإن لم يعتقد ذلك حتى قضى الحج وقع عنه وأجزأ عن حجة الإسلام في حقه، ولم يقع عن الملبَّى عنه. وهذا قول الخرقي (٣) وأكثر أصحابنا. والأخرى: يقع الإحرام باطلًا فلا يُجزئ عنه ولا عن غيره، وهذا قول أبي بكر (٤)، وقدَّمه ابن أبي موسى (٥). وقال أبو حفص العُكْبَري (٦): ينعقد الإحرام عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاج عن نفسه. ووجه هذين قوله ﷺ : «حُجَّ عن نفسك، ثم حُجَّ عن شبرمة»، وقوله: «اجعلْ هذه عن نفسك، ثم حُجَّ عن شبرمة» (٧)، وفي رواية للدارقطني (٨)

стр. 2379

حسنة: «لَبِّ عن نفسك، ثم لَبِّ عن شبرمة»، وفي رواية له (١): «إن كنتَ حججتَ عن نفسك فلَبِّ عنه، وإلا فاحجُجْ عن نفسك». فإن هذا دليل على أنه يحتاج أن يلبِّي ويحج عن نفسه. ثم قال أبو بكر: إحرامه عن غيره وقع باطلًا، وعن نفسه لم ينْوِه، وإنما لامرئٍ (٢) ما نوى، والإحرام لا يقع إلا عن أحدهما، فيقع باطلًا. وقال أبو حفص: أمرُه بأن يجعلها عن نفسه دليل على انعقاد الإحرام، وذلك أن الإحرام في نفسه صحيح، وإنما اشتمل على صفة محرمة، فيجب عليه أن يُزِيلها كما لو أحرم في ثياب وعمامة، فإن لم يجعله عن نفسه البتةَ فقياس قوله أنه لا يجزئ عنه ولا عن غيره. ووجه الأول أن قوله: «فاجعلْ هذه عنك» أي اجعلْ هذه التلبية عنك، كما قد جاء مفسَّرًا: «أيها الملبِّي عن فلان، لَبِّ عن نفسك، ثم عن فلان» (٣)، فعُلِم أن الحجة عن نفسه، إذ لو كان باطلًا لما صح ذلك. وقد روى الدارقطني (٤): «هذه عنك، وحُجَّ عن شبرمة». وإن كان الضمير عائدًا إلى الحجة فقوله: «اجعلْ هذه عن نفسك» أي اعتقِدْها عن نفسك، وقوله: «حُجَّ عن نفسك» أي اسْتَدِمِ الحجَّ عن نفسك؛ لأنه لو كان الإحرام قد وقع باطلًا

стр. 2380

لأمره (١) باستئنافه، ولم يكن هناك حجة ولا تلبية صحيحة تجعل عن نفسه، ولو انعقد عن الغير لم يجزْ نقلُه عنه؛ لأن الحج الواقع لشخص لا يجوز نقلُه إلى غيره، كما لو لبَّى عن أجنبي، ثم أراد نقله إلى أبيه. وأيضًا فإن الإحرام ينعقد مع الصحة والفساد، وينعقد مطلقًا ومجهولًا ومعلَّقًا (٢)، فجاز أن يقع عن غيره ويكون عن نفسه، وهذا لأن إحرامه عن الغير باطل لأجل النهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وبطلانُ صفة الإحرام لا يوجب بطلان أصله؛ لأنه لا يقع إلا لازمًا، فيكون كأنه قد عقده مطلقًا، ولو عقده مطلقًا أجزأ (٣) عن نفسه بلا تردد. الفصل الثاني إذا كان عليه فرضٌ ونفْلٌ لم يجز أن يُحرِم إلا بالفرض، وإن كان عليه فرضان لم يجز أن يبدأ إلا بأوكدِهما ، فإذا كان عليه حجة الإسلام ونذْرٌ بدأ بحجة الإسلام، وإن كان عليه نذر وقضاء ... (٤). وإن كان عليه حجة الإسلام وقضاء ... (٥). هذا هو المنصوص عنه (٦) في مواضع.

стр. 2381

وذكر بعض (١) أصحابنا رواية أخرى أنه يجوز أن يبدأ بالنفل قبل الفرض، وبالنذر قبل حجة الإسلام تخريجًا من المسألة قبلها، ومن جواز الابتداء بالنفل على إحدى الروايتين في الصوم والصلاة، ومن كونه قد نص على أن الفرض لا يجزئ إلا بتعيين النية. ووجه الأول: ما اعتمده أحمد من إجماع الصحابة ﵃، وقد سئل عمن حج في نذره ولم يكن حج حجة الإسلام، فقال (٢): كان ابن عباس يقول: يجزئه عن حجة الإسلام (٣)، وقال ابن عمر: هذه حجة الإسلام أوفِيْ بنذرك (٤). فقد اتفقا على أنه إذا نوى النذر لا بد أن يقع عن حجة الإسلام. وأيضًا ما تقدم (٥) من أن الحج واجب على الفور، أو أنه يتعين بشهود المشاعر، فإن مأخذ هذه المسألة والتي قبلها واحد. وأيضًا فإن الحج مدته طويلة، ولا يبلغ إلا بكلفة ومشقَّة، ولا يُفعَل في العام إلا مرة، ففي تقديم النفل على الفرض تغريرٌ به وتفويتٌ، بخلاف

стр. 2382

الصوم إن سلمناه، فعلى هذا إذا خالف ونوى النفل أو النذر ففيه روايتان منصوصتان: إحداهما: أنه (١) يقع عن حجة الإسلام كما ذكره الشيخ، وهو اختيار أكثر أصحابنا. قال عبد الله (٢): قلت لأبي: من نذر أن يحج وما حج حجة الإسلام، قال: لا يجزئه، يبدأ بفريضة الله، ثم يقضي ما أوجب على نفسه. واحتج بحديث ابن عمر ﵄ أن امرأة سألته، فقال: هذه حجة الإسلام، أوفي (٣) بنذرك. ومعنى قوله: لا يُجزئه عنهما، بل تكون الأولى لحجة الإسلام وإن نوى النذر؛ لأنه احتج بحديث ابن عمر. وقال مرة (٤): قلت لأبي: من حج عن نذره ولم يكن حج حجة الإسلام، يجزئ عنه من حجة الإسلام؟ [ق ١٧٢] قال: كان ابن عباس يقول: يجزئه من حجة الإسلام، وقال ابن عمر: هذه حجة الإسلام أوفي بنذرك. فقد حكى اتفاقهما على أن ذلك يجزئ عن حجة الإسلام، وأفتى بذلك، وإنما اختلفا في الإجزاء عن النذر.

стр. 2383

والثانية: لا يجزئ عن الفرض، قال في رواية ابن القاسم (١) في الرجل يحج ينوي التطوع: فالحج والصوم سواء لا يجزئ إلا بنية. وهذا اختيار أبي بكر (٢)؛ لأن النبي ﷺ قال: «وإنما لكل امرئ (٣) ما نوى» (٤)، ولأنها إحدى العبادات، فلا تجزئ عن الفرض بنية النفل، كالصوم والصلاة. وهذه الرواية مترددة بين صحة النفل ــ وعلى ذلك حملها القاضي (٥) ــ وبين فساد الإحرام، وإذا قلنا فاسد فهل يمضي فيه؟ ... (٦). فعلى هذا هل يصح بنية مطلقة؟ ... (٧). ووجه الأول: ما احتج به أحمد من حديث ابن عمر وابن عباس ﵄، فعلى هذا إذا أحرم بالنذر، وقلنا يجزئه عن حجة الإسلام فهل عليه قضاء النذر (٨)؟ على روايتين. وإن نوى عن الفرض فقط أو نوى عنهما، أصحُّهما عليه قضاؤه، كما قاله (٩) ابن عمر، وهو منصوصه في رواية عبد الله. والثانية: يكفيه عنهما، اختاره أبو حفص.

стр. 2384

وإن أحرم بحجة الإسلام في سنة قد نذر أن يحج فيها فهل تسقط عنه المنذورة (١)؟ فيه روايتان: نقل أبو طالب (٢) تسقط عنه، ونقل ابن منصور (٣) لا تسقط، وهو أصح. قال القاضي: وأصلهما إذا نذر صوم يوم يقدَمُ فلان، فقدِم أول يوم من شهر رمضان ... (٤). * * * *

стр. 2385

باب المواقيت الميقات: ما حُدِّد (١) ووُقِّت للعبادة من زمان ومكان. والتوقيت: التحديد، فلذلك نذكر في هذا الباب ما حدَّده الشارع للإحرام من المكان والزمان. مسألة (٢): (وميقات أهل المدينة ذو الحُلَيفة (٣)، والشام ومصر والمغرب الجُحْفة، واليمن يَلَمْلَم، ولنجدٍ قَرْن، وللمشرق ذات عِرْق) . هذه المواقيت الخمسة منصوصة عن النبي ﷺ عند جمهور أصحابنا، وهو المنصوص عن أبي عبد الله، قال في رواية المرُّوذي: فإن النبي ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل الطائف ونجدٍ قرنًا (٤)، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذاتَ عرق» (٥). وقال في رواية عبد الله (٦): عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ : «مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، ومُهَلُّ أهل العراق من ذات عرق، ومُهلّ أهل الشام من الجحفة، ومُهلّ أهل نجد من قرن، ومُهلّ أهل اليمن من يلملم» (٧).
следующие страницы →