← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وذكر بعض (١) أصحابنا رواية أخرى أنه يجوز أن يبدأ بالنفل قبل الفرض، وبالنذر قبل حجة الإسلام تخريجًا من المسألة قبلها، ومن جواز الابتداء بالنفل على إحدى الروايتين في الصوم والصلاة، ومن كونه قد نص على أن الفرض لا يجزئ إلا بتعيين النية. ووجه الأول: ما اعتمده أحمد من إجماع الصحابة ﵃، وقد سئل عمن حج في نذره ولم يكن حج حجة الإسلام، فقال (٢): كان ابن عباس يقول: يجزئه عن حجة الإسلام (٣)، وقال ابن عمر: هذه حجة الإسلام أوفِيْ بنذرك (٤). فقد اتفقا على أنه إذا نوى النذر لا بد أن يقع عن حجة الإسلام. وأيضًا ما تقدم (٥) من أن الحج واجب على الفور، أو أنه يتعين بشهود المشاعر، فإن مأخذ هذه المسألة والتي قبلها واحد. وأيضًا فإن الحج مدته طويلة، ولا يبلغ إلا بكلفة ومشقَّة، ولا يُفعَل في العام إلا مرة، ففي تقديم النفل على الفرض تغريرٌ به وتفويتٌ، بخلاف

стр. 2382

الصوم إن سلمناه، فعلى هذا إذا خالف ونوى النفل أو النذر ففيه روايتان منصوصتان: إحداهما: أنه (١) يقع عن حجة الإسلام كما ذكره الشيخ، وهو اختيار أكثر أصحابنا. قال عبد الله (٢): قلت لأبي: من نذر أن يحج وما حج حجة الإسلام، قال: لا يجزئه، يبدأ بفريضة الله، ثم يقضي ما أوجب على نفسه. واحتج بحديث ابن عمر ﵄ أن امرأة سألته، فقال: هذه حجة الإسلام، أوفي (٣) بنذرك. ومعنى قوله: لا يُجزئه عنهما، بل تكون الأولى لحجة الإسلام وإن نوى النذر؛ لأنه احتج بحديث ابن عمر. وقال مرة (٤): قلت لأبي: من حج عن نذره ولم يكن حج حجة الإسلام، يجزئ عنه من حجة الإسلام؟ [ق ١٧٢] قال: كان ابن عباس يقول: يجزئه من حجة الإسلام، وقال ابن عمر: هذه حجة الإسلام أوفي بنذرك. فقد حكى اتفاقهما على أن ذلك يجزئ عن حجة الإسلام، وأفتى بذلك، وإنما اختلفا في الإجزاء عن النذر.

стр. 2383

والثانية: لا يجزئ عن الفرض، قال في رواية ابن القاسم (١) في الرجل يحج ينوي التطوع: فالحج والصوم سواء لا يجزئ إلا بنية. وهذا اختيار أبي بكر (٢)؛ لأن النبي ﷺ قال: «وإنما لكل امرئ (٣) ما نوى» (٤)، ولأنها إحدى العبادات، فلا تجزئ عن الفرض بنية النفل، كالصوم والصلاة. وهذه الرواية مترددة بين صحة النفل ــ وعلى ذلك حملها القاضي (٥) ــ وبين فساد الإحرام، وإذا قلنا فاسد فهل يمضي فيه؟ ... (٦). فعلى هذا هل يصح بنية مطلقة؟ ... (٧). ووجه الأول: ما احتج به أحمد من حديث ابن عمر وابن عباس ﵄، فعلى هذا إذا أحرم بالنذر، وقلنا يجزئه عن حجة الإسلام فهل عليه قضاء النذر (٨)؟ على روايتين. وإن نوى عن الفرض فقط أو نوى عنهما، أصحُّهما عليه قضاؤه، كما قاله (٩) ابن عمر، وهو منصوصه في رواية عبد الله. والثانية: يكفيه عنهما، اختاره أبو حفص.

стр. 2384

وإن أحرم بحجة الإسلام في سنة قد نذر أن يحج فيها فهل تسقط عنه المنذورة (١)؟ فيه روايتان: نقل أبو طالب (٢) تسقط عنه، ونقل ابن منصور (٣) لا تسقط، وهو أصح. قال القاضي: وأصلهما إذا نذر صوم يوم يقدَمُ فلان، فقدِم أول يوم من شهر رمضان ... (٤). * * * *

стр. 2385

باب المواقيت الميقات: ما حُدِّد (١) ووُقِّت للعبادة من زمان ومكان. والتوقيت: التحديد، فلذلك نذكر في هذا الباب ما حدَّده الشارع للإحرام من المكان والزمان. مسألة (٢): (وميقات أهل المدينة ذو الحُلَيفة (٣)، والشام ومصر والمغرب الجُحْفة، واليمن يَلَمْلَم، ولنجدٍ قَرْن، وللمشرق ذات عِرْق) . هذه المواقيت الخمسة منصوصة عن النبي ﷺ عند جمهور أصحابنا، وهو المنصوص عن أبي عبد الله، قال في رواية المرُّوذي: فإن النبي ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل الطائف ونجدٍ قرنًا (٤)، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذاتَ عرق» (٥). وقال في رواية عبد الله (٦): عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ : «مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، ومُهَلُّ أهل العراق من ذات عرق، ومُهلّ أهل الشام من الجحفة، ومُهلّ أهل نجد من قرن، ومُهلّ أهل اليمن من يلملم» (٧).

стр. 2386

وقال في رواية أبي داود (١): وقّت لأهل العراق من ذات عرق (٢). وذلك أن النبي ﷺ ــ والله أعلم ــ وقَّت المواقيت ثلاثَ طبقات، فوقَّت أولًا ثلاث مواقيت، فلما فُتحت اليمن وقَّت لها، ثم وقَّت للعراق. فالأول: ما روى عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، ويُهِلُّ أهل الشام من الجحفة، ويُهِلُّ أهل نجد من قرن». قال ابن عمر: وذُكِر لي ولم أسمع أن رسول الله ﷺ قال: «ويُهِلُّ أهل اليمن من يلملم»، وفي لفظ (٣): «ومُهَلُّ أهل الشام مَهْيَعة، وهي الجُحفة». رواه الجماعة إلا الترمذي (٤)، وفي رواية لأحمد (٥): قال ابن عمر: وقاسَ الناس ذاتَ عرقٍ بقَرْنٍ. والثاني: ما روى ابن عباس، قال: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم (٦)، فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن. وفي لفظ: «من غيرهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهلُّه من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يهلّون منها». وفي لفظ: «ومن كان دونهن فمن حيث

стр. 2387

أنشأ، حتى أهل مكة من مكة». متفق عليه (١). والثالث: ما روي عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله سئل عن المُهَلّ، فقال: سمعتُ أحسبُه رفع إلى النبي ﷺ فقال: «مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر (٢) الجحفة، ومهلّ أهل العراق [من] (٣) ذات عِرْق، ومهلّ أهل نجد من قرن، ومهلّ أهل اليمن من يلملم». رواه مسلم (٤). ورواه ابن ماجه (٥) بلا شك من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي، وقد احتج به أحمد مرفوعًا. ورواه أبو عبد الرحمن المقرئ (٦) عن ابن لهيعة عن أبي الزبير مرفوعًا بلا شك. وعن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو، واللفظ له، قال: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن [ق ١٧٣] وأهل تهامة يلملم، ولأهل الطائف وأهل (٧) نجد قرنًا، ولأهل

стр. 2388

العراق ذات عرق. رواه أحمد (١)، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة. وروى المعافى بن عمران عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود والنسائي والدارقطني (٢) وغيرهم. وهذا إسناد جيد. وقد رواه عبد الله بن أحمد وغيره مستوفًى في المواقيت الخمسة، قالت: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرنا، ولأهل العراق ذات عرق.

стр. 2389

وقال أبو عاصم (١): ثنا محمد بن راشد عن مكحول أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق. وعن عطاء قال: وقّت رسول الله ﷺ لأهل المشرق ذات عرق (٢). رواه سعيد (٣). فهذا قد روي مرسلًا من جهة أهل المدينة ومكة والشام، ومثل هذا يكون حجة. وعن هشام بن عروة عن أبيه (٤) قال: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المشرق ذات عرق. رواه أحمد (٥) عن وكيع عنه. وعن الحارث بن عمرو السَّهْمي، قال: أتيتُ النبي ﷺ وهو بمنًى أو عرفاتٍ، وقد أطاف به الناس، قال: فيجيء الأعراب فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقّت ذات عرق لأهل العراق. رواه أبو داود والدارقطني (٦). ولفظه: «وقّت لأهل اليمن يلملم أن يُهِلّوا منها، وذات عرق لأهل العراق». وذهب أبو الفرج ابن الجوزي (٧) وغيره من أصحابنا إلى أن ذات عرق

стр. 2390

إنما ثبتت بتوقيت عمر ﵁ اجتهادًا، ثم انعقد الإجماع على ذلك؛ لما روى ابن عمر قال: لما فُتِح هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حدَّ (١) لأهل نجد قرنًا، وإنه جَوْرٌ عن (٢) طريقنا، وإنا إن أردنا أن نأتي قرنًا شقَّ علينا، قال: «فانظروا حَذْوَها من طريقكم»، قال: فحدَّ لهم ذات عرق. رواه البخاري (٣). فهذا يدل على أنها حُدَّتْ بالاجتهاد الصحيح؛ لأن من لم يكن على طريقه ميقات فإنه يُحرِم إذا حاذى أقرب المواقيت إلى طريقه، وهم يحاذون قرنًا (٤) إذا صاروا بذات عرق، ولو كانت منصوصة لم يحتج إلى هذا، وأحاديث المواقيت (٥) لا تعارض هذا. فعلى هذا هل يستحب الإحرام من العقيق؟ ... (٦). والأول هو الصواب، لما ذكرناه من الأحاديث المرفوعة الجياد الحسان التي يجب العمل بمثلها، مع تعددها، ومجيئها مسندةً ومرسلةً من وجوه شتى (٧).

стр. 2391

وأما حديث عمر فإن توقيت ذات عرق كان متأخرًا في حجة الوداع كما ذكره الحارث بن عمرو، وقد كان قبل هذا سبق توقيت النبي ﷺ لغيرها، فخفي هذا على عمر ﵁ كما خفي عليه كثير من السنن (١)، وإن كان عِلْمها عند عمّاله وسُعاته ومن هو أصغر منه، مثل دية الأصابع (٢)، وتوريث المرأة من دية زوجها (٣). فاجتهد، وكان محدَّثًا موفَّقًا للصواب، فوافق رأيه سنة رسول الله ﷺ . وليس ذلك ببدْعٍ منه ﵁، فقد وافق ربَّه تعالى في مواضع معروفة، مثل المقام، والحجاب، والأسرى، وأدب أزواج النبي ﷺ (٤). فعلى هذا لا يُستحب الإحرام قبلها، كما لا يستحب قبل غيرها من المواقيت المنصوصة. قال عبد الله (٥): سمعت أبي يقول: أرى أن يُحرِم من ذات عرق.

стр. 2392

فإن قيل: فقد روى يزيد بن أبي زياد عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس ﵄ قال: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق. رواه أحمد وأبو داود والترمذي (١)، وقال: حديث حسن. فإن لم يكن هذا مفيدًا لوجوب الإحرام منها فلا بد أن يفيد الاستحباب. قيل: هذا الحديث مداره على يزيد بن أبي زياد، وقد تكلّم فيه غير واحد من الأئمة، وقالوا: يزيد يزيد (٢). ويدل على ضعفه أن حديث ابن عباس المشهور الصحيح قد ذكر فيه المواقيت الأربعة ولم يذكر هذا، مع أن هذا مما يقصد المحدث ذكره مع إخوته لعموم الحاجة إليه أكثر من غيره، فإن حجاج المشرق أكثر من حجاج سائر المواقيت. وأن الناس أجمعوا على جواز الإحرام دونه، فلو كان ميقاتًا لوجب الإحرام منه كما يجب الإحرام من سائر ما وقّته النبي ﷺ ، إذ ليس لنا ميقات يستحب الإحرام منه ولا يجب. على أن [ق ١٧٤] قوله: «وقّت» لا يقتضي إلا وجوب الإحرام منه. قال ابن عبد البر (٣): أجمع أهل العلم على أن إحرام العراقي من ذات عرق إحرام من الميقات.

стр. 2393

وأن الأحاديث (١) التي هي أصح منه وأكثر تخالفه، وتبيِّن أن النبي ﷺ وقَّت ذات عرق. ويُشبِه ــ والله أعلم ــ أنه إن كان لهذا الحديث أصل أن يكون منسوخًا؛ لأن توقيت ذات عرق كان في حجة الوداع حيث أكمل الله دينه، وبعد أن أكمل الله دينه لم يغيِّره. ولأن ابن عباس لم يذكره لما ذكر حديثه المشهور، فيكون إن كان حدَّث به مرةً قد تركه لِمَا علم من نسخه، ولهذا لم يَرْوِه عنه إلا ولده، الذي قد يقصد بتحديثهم إخبارهم بما قد وقع، لا لأن يُبنَى الحكم عليه. وما روي عن أنس أنه كان يحرم منه (٢) فكما كان (٣) عمران بن حصين يحرم من البصرة (٤)، وكان بعضهم يحرم من الربَذَة (٥). فصل وأما (٦) ذو الحُلَيفة فهي أبعد المواقيت عن مكة، كأنها ــ والله أعلم ــ تصغير

стр. 2394

حَلَفة وحَلِفة (١)، وهي واحدة الحَلْفاء، وهو (٢) خشب ينبت في الماء. بينها وبين مكة عشر مراحل، وهي من المدينة على ميل. هكذا ذكره القاضي (٣)، وأظن هذا غلطًا، بل هي من المدينة على فرسخ، وبها المسجد الذي أحرم منه رسول الله ﷺ ، والبئر التي (٤) تسمِّيها العامة بئر علي، وحدُّها من ... (٥). ويليها في البعد الجُحفة، قيل: سُمّيت بذلك لأن السيل أجحف بأهلها إلى الجبل الذي هناك، وهي من مكة على ثلاث مراحل، وتُسمَّى مَهْيَعة، وهي التي دعا النبي ﷺ بنقل حُمَّى المدينة إليها (٦)، وهي قرية قديمة، وهي اليوم خراب، وبها أثر الحمَّام التي دخلها ابن عباس وهو محرم (٧)، وقد صار الناس لأجل خرابها يحرمون قبلها من رابغ لأجل أن بها الماء للاغتسال. وأما قَرْن بسكون الراء فيقال له قرن الثعالب وقرن المنازل (٨)، وهو ... (٩). بينه وبين مكة مرحلتان، فهو ميقات لأهل نجد والطائف وتهامة نجد وما بتلك النواحي.

стр. 2395

وأما يلملم ويقال له (١) أَلَمْلَم فهو جبل بتهامة (٢)، وبينه وبين مكة مرحلتان، وهي ميقات لأهل اليمن وتهامة اليمن، وهو تهامة المعروف (٣). وذات عرق بينها (٤) وبين مكة مرحلتان قاصدتان. وهذه المواقيت هي الأمكنة التي سمّاها رسول الله ﷺ بعينها في زمانه، فلو (٥) كان قرية فخربت، وبُنِي غيرها وسُمِّيت بذلك الاسم، فالميقات هو القرية القديمة؛ لأنه هو الموضع الذي عيَّنه الشارع للإحرام. ويُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون النبي ﷺ جعلها على حد متقارب مرحلتان (٦) لكونه مسافة القصر، إلا ميقات أهل المدينة فإن مسافة سفرهم قريبة، إذ هي أقرب الأمصار الكبار إلى مكة، فلما كان غيرهم يقطع مسافة بعيدة بين مصرِه ومكة، عوّض عن ذلك بأن قصرت عنه (٧) مسافة إهلاله، وأهل المدينة لا يقطعون إلا مسافة قريبة، فجُعِلتْ عامتها إهلالا، وأهل الشام أقرب من غيرهم، فلذلك (٨) كان ميقاتهم أبعد. ومن مرَّ على غير بلده فإنه بمروره في ذلك المصر يجد من الرفاهية والراحة ما يُلحِقه بأهل ذلك البلد.

стр. 2396

مسألة (١): (وهذه المواقيتُ لأهلها، ولكلِّ من مرَّ عليها) . وجملة ذلك: أن من مرَّ (٢) بهذه المواقيت فعليه أن يحرم منها، سواء كان من أهل ذلك الوجه الذي (٣) وُقِّت الميقات له، أو كان من غير أهل ذلك الوجه لكنه سلكه مع أهله، وسواء كان بعد هذا يمرُّ على ميقات الوجه الذي هو منه أو لا يمرُّ. وذلك مثل أهل الشام، فإنهم قد (٤) صاروا في هذه الأزمان يَعُوجون (٥) عن طريقهم ليمرُّوا بالمدينة فيمرُّون بذي الحليفة، فعليهم أن يحرموا منها، وكذلك لو عاج (٦) أهل العراق إلى المدينة، أو لو خرج بعض أهل المدينة على غير ذي الحليفة، وهي الطريق الأخرى. ومن مرَّ على ميقاتين فعليه أن يحرم من أبعدهما من مكة ، قال أحمد في رواية ابن القاسم (٧): إذا مرَّ رجل من أهل الشام بالمدينة، وأراد الحج فإنه يُهِلُّ من ذي الحليفة. وابن عباس يروي عن النبي ﷺ في المواقيت: «هنّ لهنّ، ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ». وذلك لأن النبي ﷺ قال: «فهنّ لهنّ» أي لهذه الأمصار وأهلها, «ولمن

стр. 2397

أتى عليهنّ من غير أهلهنّ» أي ولمن أتى على المواقيت من غير أهل المحلّ، أي ممن أتى على ميقاتٍ من غير أهل مصرِه؛ لأن الرجل لا يأتي عليهن جميعهن، وليس أحد يخرج عن هذه (١) الأمصار، فجعل الميقات لكل من مرَّ به من أهل وجهه ومن غير أهل وجهه، ولم يفرِّق بين أن يكون من أهل وجه ميقات [ق ١٧٥] آخر. وقوله: «لهن» أي لمن جاء على طريقهنّ وسلكه. وقد روى سعيد (٢) أن ابن يحيى (٣) قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة أن رسول الله ﷺ وقّت لأهل المشرق ذات عرق، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل المدينة ومن مرَّ بهم ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر (٤) ومن ساحَلَ الجُحفة. وروى سعيد (٥) عن سفيان، قال: سمعت هشام بن عروة يحدِّث عن أبيه أن رسول الله ﷺ وقَّت لمن ساحَلَ من أهل الشام الجُحفة. فقد بيَّن عروة في روايته أن النبي ﷺ وقّت ذا الحليفة لأهل المدينة ومن مرَّ بهم، وأن الجحفة إنما وقّتها للشامي إذا سلك تلك الطريق طريق الساحل.

стр. 2398

وأيضًا فإن المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم، فكل من مرَّ بجانبٍ (١) من جوانب الحرم لزمه تعظيم حرمته، وإن كان بعض جوانبه أبعدَ من بعض. وأيضًا فإن قُرب هذه المواقيت وبُعدها لما يحصل (٢) لأهل بعيدها من الرفاهية، وذلك يَشْرَكُهم فيه كلُّ من دخل مصرهم، فإن المسافر إذا دخل مصرًا، وأقام فيها أيامًا انحطَّ عنه عظمةُ مشقةِ سفره، فوجد الطعام والعَلَف والظلَّ والأمن، وخفَّف أحماله، إلى غير ذلك من أسباب الرفق. وأيضًا فإن هذه المواقيت حدود النسك، فليس لأحد أن يتعدَّى حدودَ الله (٣) تعالى. مسألة (٤): (ومن كان منزلُه دون الميقات فميقاته من موضعه، حتى أهلُ مكة يُهِلُّون منها لحجّهم، ويُهِلُّون للعمرة من الحلّ) . في هذا الكلام فصلان: أحدهما في غير المكي إذا كان مسكنه دون الميقات إلى مكة، فإنه يهلُّ من أهله؛ لقول رسول الله ﷺ في حديث ابن عباس (٥): «فمن كان دونهن فمُهَلُّه

стр. 2399

من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يهلُّون منها»، أي ومثل هذا الذي قلت يفعل هؤلاء حتى أهل مكة يهلُّون من مكة (١). قال أحمد: فمن كان منزله بالجحفة أهلَّ منها، وكذلك كل (٢) من كان دون الجحفة إلى مكة أهلَّ من موضعه، حتى أهلُ مكة يهلّون من مكة. فإن كان في قرية فله أن يُحرِم من الجانب الذي يلي مكة والجانب البعيد منها، وإحرامه منه أفضل. قال القاضي وابن عقيل وغيرهما: ويتوجه أن يكون إحرامه من منزله أفضل؛ لأن استحباب الرجوع له إلى آخر القرية لا دليل عليه. وإن كان في وادٍ يقطعه (٣) عرضًا فميقاته حذْوَ مسكنِه، وإن كان في حِلَّةٍ من حِلَلِ البادية أحرم من حلّته. وهذا فيمن كان مستوطنًا في مكان دون الميقات، كأهل عُسْفان وجدّة والطائف، أو ثَمَّةَ (٤) في بعض المياه، فأنشأ قصْدَ الحج من وطنه، أو لم يكن مستوطنًا، بل أقام ببعض هذه الأمكنة لحاجة يقضيها، فبدا له الحج منها ... (٥)، أو لم يكن مقيمًا بل جاء مسافرًا إليها لحاجة، ثم بدا له الحج منها ....

стр. 2400

فأما إن كان بعض أهلها قد سافر إلى أبعدَ من الميقات، ثم مرَّ على الميقات مريدًا للحج أو لمكة .... وإن سافر إلى أبعد مَنْ مسكنُه دون الميقات، وبدا له سفر الحج من هناك بحيث يمرُّ على أهله مرورَ مسافرٍ للحج (١) .... فأما إن عرض له هناك أنه إذا جاء أهله سافر للحج (٢) .... الفصل الثاني في أهل مكة، وهم ثلاثة أقسام: مستوطن بها، سواء كان في الأصل مكيًّا أو لم يكن، ومقيم بها (٣) غير مستوطن كالمجاورين ونحوهم، ومسافر. فأما أهل مكة فإنهم يحرمون بالحج (٤) من مكة، كما في الحديث: «حتى أهل مكة يهلّون منها». والمستحب أن يحرموا ... (٥). قال أحمد والخرقي (٦): أهل (٧) مكة يُهِلُّون من مكة. فإن أحرم المكي خارج مكة من الحرم الذي يلي عرفة مثل الأبطح ومنى ومزدلفة، فهل يُجزئه؟ على وجهين ذكرهما القاضي. فعلى المشهور إذا أحرم من الحلّ جاز في إحدى الروايتين، ولا دم

стр. 2401

عليه، سواء عاد إلى الحرم، أو لم يَعُدْ ومضى (١) على إحرامه إلى عرفة. قال في رواية ابن منصور (٢) وقد ذُكر له قول سفيان: الحرم ميقات أهل مكة، فمن خرج من الحرم فلم يهلّ أمرتُه أن يرجع، وأرى عليه إذا كان ذلك حدَّهم بما أرى على غيرهم إذا جاوز الميقات، فقال أحمد: ليس لهم حدٌّ موقَّت، إلا أنه أعجب إليَّ أن يحرموا من الحرم إذا توجَّهوا إلى منى. ونقل عنه الأثرم (٣) في رجل تمتَّع بعمرة فحلَّ منها ثم أقام بمكة، فلما كان يوم التروية خرج إلى التنعيم، فأحرم بالحج، ثم توجه إلى منى وعرفات ولم يأتِ البيتَ: ليس عليه شيء. إلا أن هذا قد أحرم من الحلّ الأقصى من عرفات، ومرَّ بمنى في طريقه وهي من الحرم، وليس في مثل هذا (٤) خلاف عنه. ولفظه: والذي يُحرم من مكة يُحرم (٥) إذا توجَّه إلى منًى كما صنع رسول الله ﷺ . ولو أن متمتعًا جهل فأهلَّ بالحج من التنعيم، ثم توجَّه إلى منى وعرفات ولم يأتِ البيت، فلا شيء عليه. وهذا اختيار القاضي (٦) والشريف أبي جعفر (٧)، [ق ١٧٦] وأبي الخطاب وغيرهم.

стр. 2402

لأن المقصود أن يجمعوا في الإحرام بين الحلّ والحرم، وهذا يحصل بعد التعريف؛ لأنه لو كان الواجب أن يحرموا من نفس مكة لكونها ميقاتًا لم يجز الخروج منها إلا بالإحرام، وقد دلّت السنة على جواز الخروج منها (١) بغير إحرام، وجواز الإحرامِ من البطحاء. ولأن الإحرام في الأصل إنما وجب لدخول الحرم، أما للخروج إلى الحلّ فلا، فإذا خرج أهل مكة لم يجب عليهم الإحرام (٢) لخروجهم إلى عرفات، بخلاف ما إذا رجعوا، ولأن قطع المسافة في الخروج إلى عرفات ليس من الحج المقصود لنفسه. ولهذا لو ترك المبيت بمنى ليلة عرفة لم يجب عليه دم. والرواية الثانية ... (٣). فصل وأما المكي إذا أراد أن يعتمر فإنه يخرج إلى الحلّ ، سواء في ذلك أهل البلد وغيرهم ممن هو في الحرم، قال أحمد في رواية الميموني (٤): ليس على أهل مكة عمرة، وإنما العمرة لغيرهم، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، إلا أن ابن عباس قال: يا أهل مكة، من أراد منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطنَ مُحسِّر (٥). وإذا أراد المكي

стр. 2403

وغيره العمرة أهلَّ من الحلّ (١)، وأدناه من التنعيم. وقال أيضًا (٢):ليس على أهل مكة عمرة؛ لأنهم يعتمرون في (٣) كل يوم يطوفون بالبيت، فمن أراد منهم أن يعتمر خرج إلى التنعيم أو تجاوز الحرم. وذلك لما روت عائشة ﵂ قالت: ثم (٤) خرجتُ معه ــ تعني النبي ﷺ ــ في النفر الآخر حتى نزل المحصَّب ونزلنا معه، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: «اخرجْ بأختك من الحرم فلْتهِلَّ بعمرة، ثم لتطُفْ بالبيت، فإني أنتظركما هاهنا». قالت (٥): فخرجنا، فأهللتُ ثم طفتُ بالبيت وبالصفا والمروة، فجئنا رسولَ الله ﷺ وهو في منزله في جوف الليل، فقال: «هل فرغتِ؟»، قلت: نعم، فأذَّن في أصحابه بالرحيل، فخرج فمرَّ بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة. متفق عليه (٦). وفي روايةٍ (٧) متفق عليها (٨) من حديث القاسم والأسود عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، يصدُر الناس بنُسُكينِ وأصدُر بنُسُكٍ واحد، قال: «انتظري، فإذا طهرتِ فاخرجي إلى التنعيم، فأهِلِّي منه، ثم ائْتِينا بمكان كذا وكذا، ولكنها على قدر نفقتك أو نَصَبك».

стр. 2404

وفي لفظ متفق عليه (١): «فلما كانت ليلةُ الحَصْبة قالت: قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة، قال: «أوما كنتِ طُفتِ لياليَ قَدِمْنا مكة؟»، قالت: قلت: لا، قال: «فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلّي بعمرة، ثم موعدُكِ مكان كذا وكذا». متفق عليه. وعن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أُردِفَ عائشةَ، وأُعمِرها من التنعيم. متفق عليه (٢). وعن ابن سيرين ﵀ قال: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل مكة التنعيم. رواه أبو داود في «مراسيله» (٣)، وعن ابن عباس ... (٤). فقد تبيَّن أن العمرة لمن هو بالحرم لا بدَّ فيها من الخروج إلى الحلّ. قال أصحابنا وغيرهم: لأنه لا بدَّ في النسك من الجمع بين الحِلّ والحرم، وأفعال العمرة هي في الحرم، فلو أحرم بالعمرة من الحرم لما وقع شيء منها في الحِلّ، بخلاف الحج فإن أحد ركنيه ــ وهو الوقوف بعرفة ــ يقع في الحِلّ، لأن عرفات من الحِلّ، وذلك لأن العمرة هي الزيارة، ومنه العُمْرة، وهو أن يَبنِيَ الرجل بامرأته في أهلها، فإن نقَلَها إلى أهله فهو العُرْس. قاله ابن الأعرابي (٥).

стр. 2405

والزيارة لا تكون مع الإقامة (١) بالمَزُور، وإنما تكون إذا كان خارجًا منه فجاء إليه ليزوره، ولهذا ــ والله أعلم ــ لم يكن على أهل مكة عمرة، لأنهم مقيمون بالبيت على الدوام. وأيضًا فإن العمرة هي الحج الأصغر، والحج أن يُقصَد المحجوجُ في بيته، والحرم هو فِناء بيت الله تعالى، فمن لم يقصد الحرم من الحلّ لم يتحقَّق معنى الحج في حقه، إذ هو لم يَنْزِح من داره، ولم يقصد (٢) المحجوج. و الإحرام بالعمرة من أقصى الحلّ أفضلُ من أدناه ، وكلما تباعد فيها فهو أفضل حتى يصير إلى الميقات (٣). قال أحمد في رواية الحسن بن محمد (٤)، وقد سئل من أين يعتمر الرجل؟ قال: يخرج إلى المواقيت فهو أحبُّ إلي، كما فعل (٥) ابن عمر وابن الزبير وعائشة رضوان الله عليهم أحرموا من المواقيت (٦)، فإن أحرم من التنعيم فهو عمرة وذاك أفضل، والعمرة على قدر تعبها (٧).

стр. 2406

والعمرة كلما تباعد فيها فهو (١) أعظم للأجر، وهو على قدر تعبها، فإن دخل في شعبان أو رمضان فإن شاء أن يعتمر اعتمر. وقال عبد الله (٢): سألت أبي عن عمرة المحرم تراه من مسجد عائشة أو من الميقات، أو المقام بمكة والطواف بقدر ما يغيب (٣)، أو الخروج إلى الميقات للعمرة؟ فقال: يُروى عن عائشة [ق ١٧٧] أنها قالت في عمرة التنعيم: هي على قدر نَصَبِها ونفقتها (٤). فكلما كان أكثر من النفقة والتعب فالأجر على قدر ذلك. وهذا نصٌّ في أن (٥) الخروج بها إلى الميقات أفضل، وأن ذلك أفضل من المقام بمكة. وقال في رواية أبي طالب: قال الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقالت عائشة: إنما العمرة على قدر سفرك ونفقتك. وقال عمر ﵁ للرجل: اذهب إلى علي ﵁، فقال علي: أحرِمْ من دُويرة أهلك (٦).

стр. 2407

وقال طاوس: الذين يعتمرون من التنعيم (١) ما أدري (٢) يُؤجَرون أو يُعذَّبون؟ قيل له: فلِمَ يُعذَّبون! قال: لأنه يدع البيت والطواف، ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء، [وإلى أن يجيء من] أربعة أميال قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف كان أعظم أجرًا من أن يمشي في غير شيء (٣)، وذلك لأن النبي ﷺ قال لعائشة: «ولكنها على قدر نفقتك أو نَصَبِك». وعن علقمة في العمرة بعد الحج: هي بحسبها (٤)، قالت عائشة: له من الأجر على قدر نفقته ومسيره. رواه سعيد (٥). فعلى هذا يُستحبُّ لمن هو بمكة من غير أهلها أن يخرج إلى أقصى الحلّ، وإن خرج إلى ميقاته فهو أفضل، وإن رجع إلى مصره وأنشأ (٦) لها سَفْرة أخرى فهو أفضل من الجميع. وكذلك قال أبو بكر: العمرة على قدر تعبها ونَصَبِها، وبُعدِ موضعها ونفقتها، وأن ينشئ لها قصدًا من موضعه، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: كلما تباعد في العمرة فهو أعظم أجرًا.

стр. 2408

وظاهر هذا يقتضي أن المستحب أن يتباعد فيحرم من الميقات الشرعي، وهو أفضل من إحرامه من أدنى الحلّ. قال القاضي (١) وابن عقيل وغيرهما: المستحب أن يحرم بالعمرة من الميقات الشرعي على ظاهر كلامه، قال في رواية صالح (٢): والعمرة بمكة من الناس من يختارها على الطواف، ومنهم من يختار المُقام بمكة والطواف. واحتج من اختار العمرة (٣) بأن النبي ﷺ أَعْمرَ عائشة من التنعيم. وقال القاضي: يستحب الإحرام من الجِعرَّانة، فإن فاته ذلك أحرم من التنعيم، فإن فاته فمن الحديبية. وكذلك ذكر ابن عقيل إلا أنه لم يذكر التنعيم هنا (٤). وعمدة ذلك أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة، واعتمر عمرة الحديبية، وأمر عائشة أن تعتمر من التنعيم، فخصَّت هذه بالفضل، وكان أفضل هذه المواقيت. وقال أبو الخطاب (٥): الأفضل أن يحرم من التنعيم. فأما الاعتمار من الحديبية فلا فضلَ فيه على غيره ؛ لأن النبي ﷺ لم

стр. 2409

يعتمر من الحديبية قطُّ، وإنما اعتمر من ذي الحليفة، فلما صدّه المشركون حلّ بالحديبية من إحرامه. وكذلك الجعرَّانة ليس في خروج المكي إليها بخصوصها سنةٌ، لأن النبي ﷺ لم يعتمر من مكة قطُّ، وإنما أعمرَ عائشةَ ﵂ من التنعيم (١) في حجة الوداع، وإنما اعتمر من الجعرانة لما قسم غنائم حُنين، لأنها كانت الموضع الذي أنشأ منه العمرة، بمنزلة من يريد أن يُنشِئ العمرة (٢) وهو دون المواقيت، فينشئ العمرة من موضعه، ولا يقاس بهذا أن يخرج (٣) المكي إلى ذاك الموضع فيحرم منه. وإنما السنة في الخروج إلى الحلّ من أيّ الجوانب كان، لكن جهة بلد المعتمر ... (٤). وإن أحرم الحرميُّ بالعمرة من الحرم فهو بمنزلة من أحرم دون الميقات، فلا يجوز له ذلك، وإذا فعله فعليه دم لتركه بعض نسكه. ولا يسقط الدم بخروجه إلى الحرم (٥)، كما لا يسقط الدم بعوده إلى الميقات إذا أحرم دونه، لكنه إن خرج إلى الحلّ قبل الطواف ورجع صحَّت عمرته، وإن لم يخرج إلى الحلّ حتى طاف وسعى وقصر، ففيه وجهان خرَّجهما القاضي وغيره:

стр. 2410

أحدهما: أنه لا يعتدُّ بطوافه (١) وسعيه، بل يقع باطلًا، لأنه نسك، فكان من شرطه الجمعُ بين الحلّ والحرم كالحج. ولأن الحلّ لو لم يجب إلا لأنه ميقات لكان (٢) من أنشأ العمرة دونه تُجزئه كمواقيت الحج، ولما أمر النبي ﷺ عائشة أن تخرج إلى الحلّ فتُهِلَّ بالعمرة= عُلِم أنه لا بدّ أن تكون العمرة من الحلّ. فعلى هذا وجود الطواف وما بعده كعدمه لا يتحلّل بذلك، بل عليه أن يخرج إلى (٣) الحلّ ثم يطوف بعد ذلك، فإن قصَّر رأسه (٤) كان بمنزلة من قصَّر قبل الطواف فعليه دم، وإن وطئ لاعتقاده أنه تحلَّل كان كمن وطئ قبل الطواف، فيُفسِد بذلك عمرتَه وعليه دم الإفساد، وإتمامها بالخروج إلى الحل والطواف بعد ذلك، وقضاها بعد ذلك. والثاني ــ وهو المشهور، وهو الذي ذكره أبو الخطاب (٥) وغيره ــ: أن العمرة صحيحة، وعليه دم لِما تركه من [ق ١٧٨] الإحرام من الميقات، لأن من ترك من نُسكه شيئا فعليه دم، ولأن (٦) أكثر ما فيه أنه ترك بعض الميقات، وهذا لا يُفسِد العمرة (٧)، وإنما يوجب الدم.

стр. 2411

[قال] ابن أبي موسى (١): ومن أراد العمرة من أهل مكة فليخرج إلى أقرب الحلّ فيحرم منه (٢)، ومن كان بمكة من غير أهلها، وأراد العمرة الواجبة، فليخرجْ إلى الميقات ليحرمَ بها، وإن لم يخرج إلى الميقات وأحرم بها دون الميقات أجزأته وعليه دم، كما قلنا فيمن جاوز الميقاتَ غيرَ مُحرِم ثم أحرم بالحج: إن عليه دمًا. مسألة (٣): (ومن لم يكن طريقُه على ميقاتٍ (٤) فميقاتُه حذوَ أقربِها إليه) . ومعنى ذلك: أنه إذا كان طريقه على غير ميقات في برٍّ أو بحرٍ، فإنه يُحرِم إذا حاذى أقربَ المواقيت إلى طريقه، سواء كان هذا الميقات هو الأبعد عن مكة أو الأقرب، مثل من (٥) يمرُّ بين ذي الحليفة والجحفة، فإنه إن كان يقرب إلى ذي الحليفة إذا حاذاها أكثر مما يقرب إلى الجحفة أحرم منها، وإن كان قربه إلى الجحفة إذا حاذاها أكثر أحرم منها (٦)، لأن أهل العراق قالوا لعمر بن الخطاب ﵁: إن قرنًا جَوْرٌ عن طريقنا، وإنّا إن (٧)

стр. 2412

أردنا أن نأتيها شقَّ علينا، فقال: انظروا حَذْوَها من طريقكم. قال: فحدَّ لهم ذات عِرْق (١). فلم يأمرهم عمر والمسلمون بالمرور بقَرْنٍ، بل جعلوا ما يحاذيها بمنزلتها. وذلك لأن الإحرام مما يحاذي الميقاتَ بمنزلة الإحرام من نفس الميقات، فإنه إذا كان بُعْدُهما عن البيت واحدًا لم يكن في نفس الميقات مقصود، ولأن في الميل والتعريج إلى نفس الموقَّت (٢) مشقةً عظيمة، وإنما يُحرم مما يقرب منه إذا حاذاه؛ لأنه لما كان أقرب المواقيت إليه وإلى طريقه إذا مرَّ كان اعتباره في حقه أولى من اعتبار البعيد كما لو مرَّ به نفسه، فلو مرَّ بين ميقاتين وكان قربه إليهما (٣) سواء، أحرم من حَذْوِ أبعدهما من مكة، كما لو مرَّ في طريقه على ميقاتين فإنه يحرم من أبعدهما؛ لأن المقتضي للإحرام منه موجود من غير رجحان لغيره (٤) عليه. ويعرف محاذاته للموقَّت وكونه هو الأقرب إليه بالاجتهاد والتَحَرّي، فإن شكَّ فالمستحبُّ له الاحتياط، فيحرم من حيث يتيقَّن (٥) أنه لم يجاوز حذوَ (٦) الميقات القريب إليه إلا محرمًا، ولا يجب عليه ذلك حتى يغلب على ظنه أنه قد حاذى الميقات الأقرب.

стр. 2413

مسألة (١): (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوزُ الميقات غيرَ محرمٍ (٢) إلا لقتال مباح، أو حاجةٍ تتكرَّر كالحطَّاب ونحوه. ثم إن أراد النسك أحرم من موضعه، وإن تجاوزه غيره (٣) رجع فأحرم من الميقات، فإن أحرم مِن دونِه فعليه دم، سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع) . في هذا الكلام فصول: الأول أن من مرَّ بهذه المواقيت غيرَ مريدٍ لمكة، بل يريد موضعًا من الحلّ، فلا إحرام عليه. وإن أراد موضعًا من الحرم غير مكة ... (٤). وإن أراد مكة للحج أو العمرة لم يجز له تجاوز الميقات إلا محرمًا؛ لأن النبي ﷺ قال: «مُهَلُّ (٥) أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن». وهذا أمر بصيغة الخبر، وكذلك قوله: «وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة» إلى قوله: «هنّ لهن ولمن

стр. 2414

أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة». وإنما فائدة التوقيت وجوب الإحرام من هذه المواقيت؛ لأن ما قبلها يجوز الإحرام منه، فلو كان ما بعدها يجوز تأخير الإحرام إليه لم يكن لها فائدة (١). وإن أراد دخول مكة لغير الحج والعمرة مثل تجارة أو زيارة أو سُكنى (٢) أو طلب علم أو غير ذلك من الحاجات التي لا يشقُّ معها الإحرام، فإن السنة أن (٣) لا يدخلها إلا محرمًا بحجة أو بعمرة (٤)، سواء كان واجبًا أو تطوعًا، وهذا واجب عليه في أشهر الروايتين. قال في رواية ابن منصور (٥): لا يدخلها أحد إلا بإحرام. وقال في رواية ابن إبراهيم (٦) وقد سئل عن رجل (٧) أراد أن يدخل مكة بتجارة: أيجوز أن يدخلها بغير إحرام؟ فقال: لا يدخل مكة إلا بإحرام، يطوف ويسعى ويحلق، ثم يحلُّ. وقد نصَّ على ذلك في مواضع. والرواية الأخرى: أنه مستحب، وتركُ الإحرام مكروه، قال في رواية الأثرم والمرُّوذي (٨): لا يُعجِبني أن يدخل مكةَ تاجرٌ ولا غيره إلا بإحرام،

стр. 2415

تعظيمًا للحرم، وقد دخل ابن عمر بغير إحرام (١). لأن النبي ﷺ بيَّن أن الحج والعمرة إنما تجب مرةً واحدة، فلو أوجبنا على كل من [ق ١٧٩] دخلها أن يحج أو يعتمر لوجب أكثر من مرة. ولأن النبي ﷺ قال في المواقيت (٢): «هنّ لهنّ ولكل من أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ممن كان يريد الحج والعمرة»، وهذا لا يريد حجًّا ولا عمرة. ولأن النبي ﷺ لما رجع هو وأصحابه من حنين إلى مكة ... (٣). ولأن النبي ﷺ لما بعث عثمان عام الحديبية ليخبرهم بقدوم رسول الله ﷺ لم يَطُفْ بالبيت ولا بين الصفا والمروة (٤). ولأن الصحابة الذين بعثهم لاستخراج خُبَيب ... (٥). ولأن هذه قُربة مشروعة لتعظيم البقعة فلم تجب؛ كتحية المسجد الحرام بالطواف وتحية غيره بالصلاة. وهل يجوز أن يحضر عرفةَ والموسمَ مع الناس من لم يَنْوِ الحج ولم

стр. 2416

يُحرِم من أهل مكة (١) أو غيرهم؟ ظاهر حديث عمر وابن عمر ﵄ (٢) أنه لا يجوز، تعظيمًا للفعل كتعظيم المكان. ووجه الأول: ما روي عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: لا يَدْخُلْ (٣) مكةَ تاجرٌ ولا طالبُ حاجةٍ إلا وهو محرم». رواه سعيد والأثرم (٤)، وفي رواية قال: «لا يدخلنَّ أحد من الناس مكةَ من أهلها ولا من غيرهم غيرَ حرامٍ». رواه حرب (٥). ولا يُعرَف له مخالف، وسنتكلم على أثر ابن عمر. وأيضًا ما روي عن مجاهد وطاوس قالا (٦): ما دخلها رسول الله ﷺ وأصحابه (٧) إلا وهم محرمون (٨). وفي رواية عن هشام بن حُجَير أظنه عن طاوس قال: ما دخل رسول الله ﷺ مكة إلا محرمًا إلا عامَ الفتح (٩).

стр. 2417

وعن عطاء قال: ما نعلم رسول الله ﷺ دخل (١) مكةَ قطُّ إلا وهم محرمون (٢). رواهن سعيد. وعن خُصَيف عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُجاوِزْ أحدٌ الميقاتَ إلا وهو محرم، إلا من كان أهله دون الميقات». ذكره بعض الفقهاء (٣). ولا فرق بين أن (٤) يكون دون المواقيت إلى مكة، أو يكون وراء المواقيت. قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي (٥): لا يدخل أحد مكة بغير إحرام، وقد أرخص للحطَّابين والرِّعاء (٦)، ونحو هؤلاء أن يدخلوا بغير إحرام. وقد رجع ابن عمر من (٧) الطريق، فدخلها بغير إحرام (٨)، فقيل له: إنهم يقولون: ابن عمر لم يكن بلغ الميقات، فمن أجل ذلك دخل بغير إحرام. فقال: الميقات وغيره سواء، وإنما رجع لاضطراب الناس والفتنة،

стр. 2418

فدخل كما هو (١). وكان ابن عباس يُشدِّد في ذلك (٢). فقيل له: فالنبي ﷺ دخلها عام الفتح بغير إحرام، فقال: ذلك من أجل الحرب، ألا تراه يقول: «حلَّت لي ساعةً من نهار» (٣). وهذا يدخل مع فعل ابن عمر. وقال في رواية الأثرم في الرجل يقيم بمكة متمتعًا أو غيره ثم يخرج منها لبعض الحاجة: فيعجبني أن لا يدخلها إلا بإحرام، وأن لا يخرج منها أبدًا حتى يُودِّع البيت. فقد أمر بالإحرام كلَّ داخلٍ إليها ممن خرج عنها أو لم يخرج، سواء كان رجوعه إليها من دون (٤) الميقات أو من فوق، وهذا لأن المقصود بذلك تعظيم الحرم لشرفه وكرامته، وذلك يستوي فيه كلُّ داخلٍ إليه ممن قَرُبتْ داره أو بَعُدتْ (٥)؛ ولهذا يستويان في وجوب الإحرام إذا أراد الحج أو العمرة. وأما نفس مجاوزة الميقات فليس بموجب للإحرام، بدليل ما لو لم

стр. 2419

يقصد مكة، وإنما قصد بعض أماكن الحلّ. فأما إن قصدها من نفس الحرم فلا إحرام عليه؛ لأن الحجيج (١) يدخلونها من منى بعد أن حلُّوا الحلَّ كله، ولا إحرام عليهم واجب ولا مستحب، ولأن الحرم كله شيء واحد، فأشبه الانتقال في طرقات القرية ... (٢). ولأن ذلك فيه مشقة شديدة على القاطنين. فأما إن أراد بعض مواضع الحرم خارج مكة، أو أراد أن يخترق الحرمَ ابنُ سبيل، أو أراد أن يخترقها من غير مُقَام ... (٣). ف إن دخل مكة (٤) غيرَ مُحرمٍ لزمه قضاء هذا الإحرام ، نص عليه في رواية حرب، قال (٥): قلت لأحمد: فإن قدِمَ من بلدةٍ بعيدةٍ تاجرًا (٦) فقدم مكة بغير إحرام، قال: يرجع إلى الميقات فيهلُّ بعمرة إن كان في غير أيام الحج، وإن كان في أيام الحج أهلَّ بحجة. وهذا هو الذي ذكره القاضي في «خلافه» (٧)، وابنه وأبو الخطاب وغيرهم.

стр. 2420

وذكر الشريف أبو جعفر (١) أنه يثبت في ذمته الدم. وهو إن لم يكن غلطًا في النسخة فإنه وهم والله أعلم، ولعل وجهه أنه ترك إحرامًا واجبًا. وقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل (٢) في بعض المواضع وغيرُهما من أصحابنا: ليس عليه قضاء ولا دم ولا غير ذلك؛ لأنها قربة مفعولة لحرمة المكان، فوجب أن لا تُقضى كتحية المسجد، ولأن الإحرام يراد للدخول، فإذا حصل الدخول بدونه لم تُشرَع إعادته كالوضوء لصلاة النافلة، ولأنها عبادة مشروعة بسبب، فتسقط عند فوات (٣) السبب كصلاة الكسوف. [ق ١٨٠] فعلى هذا بأي شيء يسقط؟ هل يسقط بدخول الحرم؟ وهل يجب عليه أن يعود إلى الميقات؟ فإن أحرم دونه ... (٤). ووجه الأول: أنه إحرام لزمه، فإذا لم يفعله لزمه قضاؤه كالنذر (٥) المعيَّن، ولأن (٦) من وجب عليه عبادة، فإنها لا تسقط بفوات وقتها، بل عليه إعادتها كسائر الواجبات من الصوم والصلاة والهدي والأضحية وغير ذلك خصوصًا الحج، وهذا لأن الواجب الثابت في الذمة لا بدَّ من فعْلِه على أي حال كان: إما في وقته، أو (٧) بعد وقته، وعكسه ما لا يجب من النوافل (٨).
следующие страницы →