← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

يُحرِم من أهل مكة (١) أو غيرهم؟ ظاهر حديث عمر وابن عمر ﵄ (٢) أنه لا يجوز، تعظيمًا للفعل كتعظيم المكان. ووجه الأول: ما روي عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: لا يَدْخُلْ (٣) مكةَ تاجرٌ ولا طالبُ حاجةٍ إلا وهو محرم». رواه سعيد والأثرم (٤)، وفي رواية قال: «لا يدخلنَّ أحد من الناس مكةَ من أهلها ولا من غيرهم غيرَ حرامٍ». رواه حرب (٥). ولا يُعرَف له مخالف، وسنتكلم على أثر ابن عمر. وأيضًا ما روي عن مجاهد وطاوس قالا (٦): ما دخلها رسول الله ﷺ وأصحابه (٧) إلا وهم محرمون (٨). وفي رواية عن هشام بن حُجَير أظنه عن طاوس قال: ما دخل رسول الله ﷺ مكة إلا محرمًا إلا عامَ الفتح (٩).

стр. 2417

وعن عطاء قال: ما نعلم رسول الله ﷺ دخل (١) مكةَ قطُّ إلا وهم محرمون (٢). رواهن سعيد. وعن خُصَيف عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُجاوِزْ أحدٌ الميقاتَ إلا وهو محرم، إلا من كان أهله دون الميقات». ذكره بعض الفقهاء (٣). ولا فرق بين أن (٤) يكون دون المواقيت إلى مكة، أو يكون وراء المواقيت. قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي (٥): لا يدخل أحد مكة بغير إحرام، وقد أرخص للحطَّابين والرِّعاء (٦)، ونحو هؤلاء أن يدخلوا بغير إحرام. وقد رجع ابن عمر من (٧) الطريق، فدخلها بغير إحرام (٨)، فقيل له: إنهم يقولون: ابن عمر لم يكن بلغ الميقات، فمن أجل ذلك دخل بغير إحرام. فقال: الميقات وغيره سواء، وإنما رجع لاضطراب الناس والفتنة،

стр. 2418

فدخل كما هو (١). وكان ابن عباس يُشدِّد في ذلك (٢). فقيل له: فالنبي ﷺ دخلها عام الفتح بغير إحرام، فقال: ذلك من أجل الحرب، ألا تراه يقول: «حلَّت لي ساعةً من نهار» (٣). وهذا يدخل مع فعل ابن عمر. وقال في رواية الأثرم في الرجل يقيم بمكة متمتعًا أو غيره ثم يخرج منها لبعض الحاجة: فيعجبني أن لا يدخلها إلا بإحرام، وأن لا يخرج منها أبدًا حتى يُودِّع البيت. فقد أمر بالإحرام كلَّ داخلٍ إليها ممن خرج عنها أو لم يخرج، سواء كان رجوعه إليها من دون (٤) الميقات أو من فوق، وهذا لأن المقصود بذلك تعظيم الحرم لشرفه وكرامته، وذلك يستوي فيه كلُّ داخلٍ إليه ممن قَرُبتْ داره أو بَعُدتْ (٥)؛ ولهذا يستويان في وجوب الإحرام إذا أراد الحج أو العمرة. وأما نفس مجاوزة الميقات فليس بموجب للإحرام، بدليل ما لو لم

стр. 2419

يقصد مكة، وإنما قصد بعض أماكن الحلّ. فأما إن قصدها من نفس الحرم فلا إحرام عليه؛ لأن الحجيج (١) يدخلونها من منى بعد أن حلُّوا الحلَّ كله، ولا إحرام عليهم واجب ولا مستحب، ولأن الحرم كله شيء واحد، فأشبه الانتقال في طرقات القرية ... (٢). ولأن ذلك فيه مشقة شديدة على القاطنين. فأما إن أراد بعض مواضع الحرم خارج مكة، أو أراد أن يخترق الحرمَ ابنُ سبيل، أو أراد أن يخترقها من غير مُقَام ... (٣). ف إن دخل مكة (٤) غيرَ مُحرمٍ لزمه قضاء هذا الإحرام ، نص عليه في رواية حرب، قال (٥): قلت لأحمد: فإن قدِمَ من بلدةٍ بعيدةٍ تاجرًا (٦) فقدم مكة بغير إحرام، قال: يرجع إلى الميقات فيهلُّ بعمرة إن كان في غير أيام الحج، وإن كان في أيام الحج أهلَّ بحجة. وهذا هو الذي ذكره القاضي في «خلافه» (٧)، وابنه وأبو الخطاب وغيرهم.

стр. 2420

وذكر الشريف أبو جعفر (١) أنه يثبت في ذمته الدم. وهو إن لم يكن غلطًا في النسخة فإنه وهم والله أعلم، ولعل وجهه أنه ترك إحرامًا واجبًا. وقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل (٢) في بعض المواضع وغيرُهما من أصحابنا: ليس عليه قضاء ولا دم ولا غير ذلك؛ لأنها قربة مفعولة لحرمة المكان، فوجب أن لا تُقضى كتحية المسجد، ولأن الإحرام يراد للدخول، فإذا حصل الدخول بدونه لم تُشرَع إعادته كالوضوء لصلاة النافلة، ولأنها عبادة مشروعة بسبب، فتسقط عند فوات (٣) السبب كصلاة الكسوف. [ق ١٨٠] فعلى هذا بأي شيء يسقط؟ هل يسقط بدخول الحرم؟ وهل يجب عليه أن يعود إلى الميقات؟ فإن أحرم دونه ... (٤). ووجه الأول: أنه إحرام لزمه، فإذا لم يفعله لزمه قضاؤه كالنذر (٥) المعيَّن، ولأن (٦) من وجب عليه عبادة، فإنها لا تسقط بفوات وقتها، بل عليه إعادتها كسائر الواجبات من الصوم والصلاة والهدي والأضحية وغير ذلك خصوصًا الحج، وهذا لأن الواجب الثابت في الذمة لا بدَّ من فعْلِه على أي حال كان: إما في وقته، أو (٧) بعد وقته، وعكسه ما لا يجب من النوافل (٨).

стр. 2421

على أنا نقول: النوافل الموقَّتة تُقضى، وتحية المسجد ... (١). على أنه قد يُفرَّق بين من يستديم المُكثَ وبين من يخرج، فعلى هذا .... فإن قيل: فهو إذا رجع إلى الميقات لزمه إحرام آخر. قلنا: إنما يلزمه الدخول بإحرام، سواء كان قد (٢) وجب عليه قبل ذلك أو لم يجب. فإن أدَّى بهذا الإحرام حجة الإسلام، أو حجةً منذورةً في سنته، أجزأ عنه من (٣) عمرة القضاء فيما ذكره أصحابنا، وهو منصوصه في رواية أبي طالب (٤) فيمن دخل مكة بغير إحرام وهو يريد الحج: فإن كان عليه وقتٌ رجع إلى الميقات فأهلَّ منه ولا شيء عليه. وهذا لأنه كان مأمورًا أن (٥) يدخل بإحرام، ولو أنه للحج المفروض، فإذا عاد ففعل ذلك فقد فعل (٦) ما كان مأمورًا به، ودخولُه حلالًا لا يوجب عليه دمًا، كما لو جاوز الميقاتَ غيرَ مُحرمٍ (٧)، ثم رجع فأحرم منه. وإن أخّر الحج إلى السنة الثانية لم تُجزئه حجة الإسلام عنه، ولزمه

стр. 2422

حجة أو عمرة، ذكره القاضي (١) وغيره؛ لأن حجه في العام المقبل لا يَسُدُّ مَسَدَّ الإحرام في ذلك العام؛ لأن الإحرام الذي لزمه بالدخول لا يؤدِّي به الحجَّ في العام المقبل. ويتخرج أن يُجزِئه؛ لأن حجة الإسلام تُسقِط ما عليه من نذر، وفاسد على إحدى الروايتين. وإن أحرم بالحج عما وجب بالدخول وقع (٢) عن حجة الإسلام، وأما العمرة فمتى اعتمر ... (٣) فإن أحرم هذا بالعمرة أو بالحج بعد مجاوزة الميقات لزمه دم، وإنما يستقرُّ عليه القضاء بالدخول، فلو رجع قبل أن يدخل لم يلزمه شيء. الفصل الثاني أن من دخل مكة لقتال مباح فإنه لا إحرام عليه ، نصّ عليه كما تقدم. وإنما يجيء على أصلنا إذا كان هناك بُغاة أو كفّار أو مرتدَّة قد بدأوا بالقتال فيها، فأما إذا لم يبدأوا بقتال لم يحل قتالهم ... (٤). وذلك لما روى مالك عن ابن شهاب عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المِغْفرُ (٥)، فلما نزَعَه جاء (٦) رجل فقال: ابنُ خَطَلٍ متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه». قال مالك: ولم يكن

стр. 2423

رسول الله ﷺ يومئذٍ مُحرِمًا. رواه الجماعة (١)، ولفظه متفق عليه. وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. رواه مسلم والنسائي (٢)، ورواه بقية الجماعة (٣) إلا البخاري، ولم يقولوا: «بغير إحرام». ولأن أصحاب النبي ﷺ دخلوا عام الفتح كذلك بغير إحرام. فإن قيل: فهذا خاص للنبي ﷺ ، لأنه قال: «لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهار» (٤). قيل: الذي خُصَّ به ﷺ جوازُ ابتداء القتال فيها، ولما أبيح له ذلك أبيح له (٥) تركُ الإحرام، فإذا أبيح نوع من القتال لغيره شَرِكَه في صفة الإباحة. وأيضًا فإن من أبيح له القتال قد أبيح له بها سفكُ الدم الذي هو أعظم المحظورات، فلَأنْ (٦) يباح له سائر المحظورات أولى، ولأنه يحتاج إلى الدخول بغير إحرام، فأشبه الحطَّابة (٧).

стр. 2424

وكذلك من دخلها خائفًا لفتنةٍ عرضتْ ونحو ذلك ، لما رواه مالك في «الموطأ» (١) عن نافع أن (٢) ابن عمر أقبلَ من مكة، حتى إذا كان بقُدَيد جاءه خبرٌ فرجع، فدخل مكة بغير إحرام. وعن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: خرج ابن عمر من مكة يريد المدينة، فلما بلغ قُدَيدًا بلغه عن جيشٍ قدمَ المدينة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام. رواه سعيد (٣). وهذا الجيش ... (٤). ولأن الخائف .... ولم يذكر القاضي و [غيره] (٥) دخولها (٦) إلا لقتال مباح أو حاجة تتكرر، كما ذكره الشيخ، ومقتضى كلامهم أن الخائف الذي لا يقاتل لا يدخلها إلا محرمًا. وتأوَّل القاضي (٧) فعل ابن عمر على أنه أحرم من دون الميقات ولم يحرم منه، وإنما أحرم مِن دونِه لأنه لم يقصد قصْدَه (٨) ابتداءً. وإنما تأوَّل هذا لأنه بلغه أن ابن عمر دخل بغير إحرام، ولو بلغه السياق الذي ذكرناه لم يتأوَّل هذا التأويل.

стр. 2425

وأما من يتكرر دخوله إلى مكة كل يوم مثل الحطّابين والرِّعاء (١) ونحوهم، [ق ١٨١] فإن لهم أن يدخلوها بغير إحرام كما نص عليه؛ لما روي عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: لا يدخلنَّ إنسانٌ مكةَ إلا محرمًا، إلا الجَمّالين (٢) والحطّابين وأصحاب منافعها. رواه حرب (٣). وهذا يقتضي لكونه ينتفعون به لا لتكرره (٤)؛ لأن هؤلاء لو وجب عليهم الإحرام كلما دخلوا لشقَّ عليهم مشقة عظيمة، ولا بدَّ لهم من مكة لتعلُّق مصالحهم بها وتعلُّق مصالح البلد بهم ... (٥). قال أصحابنا: وكذلك من كان من أهلها له صنعة (٦) بالحلّ يتردَّد إليها، وكذلك الفُيوج (٧) الذين يتكرر دخولهم، وحد التكرار ... (٨). قال حرب: قلت لأحمد: الرجل يدخل مكة بغير إحرام؟ قال: إذا كان من الحطَّابة وهؤلاء الذين يختلفون كل يوم فإنه لا بأس. فقيَّده بيوم.

стр. 2426

فصل وإنما يجب الإحرام على الداخل إذا كان من أهل وجوب الحج، فأما العبد والصبي والمجنون فيجوز لهم الدخول بغير إحرام؛ لأنه إذا لم تجب عليهم حجة الإسلام وعمرته، فأَنْ لا يجب ما هو من جنسه بطريق الأولى. هكذا ذكره أصحابنا ابن أبي موسى (١) والقاضي (٢) وغيرهم. الفصل الثالث أن من جاز له مجاوزة الميقات بغير إحرام، إما لأنه لم يقصد مكة أو قصدها وهو ممن يجوز له دخولها بغير إحرام، كالمحارب وذي الحاجة المتكررة وغيرهم، إذا أراد النسك بعد ذلك فإنه يُحرِم من موضعه، وليس عليه أن يعود إلى الميقات في أشهر الروايتين. فصل فأما الصبي والمجنون والعبد إذا دخلوا مكة بغير إحرام، ثم أرادوا الحج بأن يأذن للصبي مولاه، وللعبد سيده، أو صاروا من أهل الوجوب= فإنهم يُحرمون بالحج من حيث أنشأوه ولا دم عليهم. قال أحمد في رواية ابن منصور (٣) وذُكِر له قول سفيان في مملوك جاوز المواقيت بغير إحرام، منعه مواليه أن يحرم حتى وقف بعرفة، قال: يُحرِم مكانَه وليس عليه دم، لأن سيده منعه، قال أحمد: جيّد، حديث أبي رجاء عن ابن عباس (٤).

стр. 2427

لأنه (١) جاز لهم مجاوزة الميقات بغير إحرام، وإنما وجب عليهم الإحرام حين صاروا من أهل الوجوب، فصاروا كالمكي، ولأنهما لا يملكان الإحرام إلا بإذن الولي. هذا فيما إذا دخلوا (٢) غير مريدين للنسك، أو أراداه (٣) ومنعهما السيد والولي من الإحرام (٤)، فإن أذن لهما الولي في الإحرام من الميقات فلم يحرما لزمهما دم، ذكره القاضي (٥). وأما الكافر إذا جاوز الميقات، أو دخل مكة ثم أسلم وأراد الحج، ففيه روايتان: إحداهما: عليه أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه، فإن تعذَّر ذلك أحرم من موضعه وعليه دم. قال في رواية أبي طالب (٦) في نصراني أسلم بمكة: يخرج إلى الميقات فيحرم، فإن خشي الفوات (٧) أحرم من مكة وعليه دم. وهذا اختيار القاضي (٨) والشريف أبي جعفر (٩) وأبي الخطاب وابن عقيل

стр. 2428

وغيرهم؛ لأنه قد وجب عليه الإحرام وتمكّن منه، فإذا لم يفعله لزمه (١) دم بتركه كالمسلم، وذلك لأن الكافر يمكنه أن يسلم ويحرم، وهو غير معذور في ترك الإسلام، وإن كان لا يصح منه الإحرام في حال كفره، فأشبهَ من ترك الصلاة وهو مُحدِث حتى خرج الوقت. والرواية الثانية: يحرم من موضعه ولا دم عليه، قال في رواية ابن منصور (٢) في نصراني أسلم بمكة ثم أراد أن يحج: هو بمنزلة من ولد بمكة. وقال في رواية حنبل (٣) في الذمي يُسلِم بمكة: يحرم من مكة أو من موضع أسلم. وهذا اختيار أبي بكر. وهذا لأنه لا يصح منه الإحرام فأشبهَ المجنونَ، ولأنه إنما جاوز الميقات قبل الإسلام، وقد غُفِر له ما ترك قبل الإسلام من الواجبات بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وبقوله ﷺ : «الإسلام يَجُبُّ ما قبلَه» (٤). فصار بمنزلة العبد إذا عَتَقَ والصبي إذا بلغ سواء، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين من ترك الصلاة مُحدِثًا، فإنه هناك لا يسقط عنه ما تركه من الواجبات في حال حدثه، وهنا يغفر له ما تركه في (٥) حال كفره حتى يخاطب بالوجوب من حين الإسلام.

стр. 2429

ولأن مكة قد استوطنها أقوام في الجاهلية من غير أهلها، فإما أن يكونوا دخلوها بغير إحرام، أو بإحرام لا يصح، ثم لما أسلموا لم يؤمروا أن يخرجوا إلى الميقات فيحرموا منه، إلا أن يقال: لا نسلِّم أنه استوطنها أُفُقيٌّ بعد فرض الحج. الفصل الرابع أنه إن جاوز (١) الميقاتَ غير هؤلاء وأرادوا النسك، لزِمَهم أن يرجعوا إلى الميقات فيحرموا منه، فيدخل في هذا كلُّ (٢) من كان مقصوده الحج أو العمرة، ومن كان مقصوده دخول مكة لتجارة [ق ١٨٢] أو زيارة ونحو ذلك. وإن قلنا: يسقط الإحرام بالدخول، أو قلنا: ليس بواجب عليه، فإنه إذا أراد الحج أو العمرة فإن عليه أن يخرج إلى الميقات فيحرم منه، سواء كان الحج واجبًا أو تطوعًا. قال ابن أبي موسى (٣): فأما المسلم يدخل مكة لتجارة بغير إحرام ثم يريد الحج، فإنه يخرج إلى الميقات فيحرم منه، فإن خشي الفوت أحرم من مكانه، وكان عليه دم قولًا واحدًا. ذكر ذلك بعد أن حكى في الذمي إذا أسلم بمكة الروايتين، وقد نصَّ على ذلك في رواية أبي طالب (٤): وإذا دخل مكة بغير إحرام فإن كان عليه

стр. 2430

وقت وأراد الحج رجع إلى الميقات فأهلَّ منه، ولا دم عليه، فإن خاف الفوت أحرم من مكة وعليه دم. ومن دخل مكة والحج واجب عليه ولم يُرِدْه ... (١)، وهذا لأن الإحرام من الميقات واجب قد أمكن فعلُه، فلزمهم كسائر الواجبات. وإذا رجعوا فأحرموا فلا دمَ عليهم؛ لأنهم قد أتوا بالواجب، وتلك المجاوزة ليست نسكًا، فإذا لم يتركوا نسكًا ولم يفعلوا نسكًا في غير وقته ولم يفعلوا في الإحرام محظورًا فلا وجه لإيجاب الدم. قال جابر بن زيد: رأيت ابن عباس يردُّهم (٢) إلى المواقيت إذا جاوزوها بغير إحرام. رواه سعيد (٣). فإن ضاق الوقت بحيث يخافون من الرجوع فوتَ الحج، أو لم يمكن الرجوع لتعذُّر الرفقة ومخافة الطريق ونحو ذلك، فإنه لا يجب عليهم الرجوع، فيحرمون من موضعهم وعليهم دم. وكذلك لو أحرموا مِن دونه مع إمكان العَوْد (٤) فعليهم دم؛ لأن ابن عباس ... (٥) ولا يسقط الدم (٦) بعودهم إلى الميقات.

стр. 2431

مسألة (١): (والأفضل أن لا يُحرِم قبل الميقات، فإن فعلَ فهو مُحرِم) . مذهب أحمد أن الأفضل أن لا يحرم بالحج ولا بالعمرة حتى يبلغ الميقات، قال في رواية الأثرم (٢) وقد سئل أيُّما أعجبُ إليك: يحرم (٣) من الميقات أم قبلُ (٤)؟ فقال: من الميقات أعجب إليَّ. قيل له وسئل في رواية ابن منصور (٥): إنهم كانوا يحبُّون أن يحرم الرجل أولَ ما يحجُّ من بيته، أو من بيت المقدس، أو من دون الميقات، فقال: وجهُ العملِ المواقيتُ. وكذلك قال عبد الله (٦): قرأت على أبي: كانوا يحبون أن يحرم الرجل أولَ ما يحج من بيته أو من بيت المقدس أو من دون الميقات، فقال: وجهُ العمل المواقيت. وقال في رواية محمد بن الحسن بن هارون: إذا أحرم الرجل أحرم من الميقات (٧) أعجب إليَّ، ولا يحرم من قبل الميقات، فإن أحرم قبل الميقات انعقد إحرامه.

стр. 2432

قال ابن المنذر (١): أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم. قال بعض أصحابنا: يكره الإحرام قبل الميقات، وقال أكثرهم: لا يكره، وهو المنصوص عنه، قال حرب: قلت لأحمد: الرجل يحرم قبل الميقات؟ قال: قد فعل ذلك قوم، وكأنه سهَّل فيه. وقال في رواية صالح (٢): إن قوي على ذلك أرجو أن لا يكون به بأسٌ. وذلك لأن النبي ﷺ حج حجة الوداع هو وعامة المسلمين (٣)، واعتمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء هو وخلقٌ كثير من أصحابه ﵃، وفي كل ذلك يحرم هو والمسلمون من الميقات، ولم يندُبْ أحدًا إلى الإحرام قبل ذلك ولا رغَّب (٤) فيه، ولا فعله أحد على عهده، فلو كان ذلك أفضل لكان أولى الخلق بالفضائل أفضل الخلائق وخير القرون، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه وكانوا به أولى، وبفضلٍ لو كان فيه أحرى، ولندب رسول الله ﷺ إلى ذلك كما ندب إلى جميع الفضائل؛ إذ هو القائل: «ما تركتُ من شيء يُقرِّبكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا من شيء يُبعدكم عن النار إلا وقد نهيتُكم عنه» (٥).

стр. 2433

فإن قيل: فعل ذلك؛ لأنه أيسرُ فتقتدي الأمة به، وقد يختار غير الأفضل للتعليم. قيل: قد (١) أحرم عدة مرات مع أن العمرة لا تجب إلا مرة، وقد (٢) كان الجواز والبيان يحصل بمرة واحدة، فلما أحرم فيها كلها على وجه واحد عُلِم أنه أحبُّ إلى الله. ولأنه قد كرَّر العُمَرَ مع أنه ليس عليه إلا عمرة واحدة، فزيادة موضع الإحرام ــ لو كان فيه فضلٌ ــ أولى من ذلك وأيسر. ولأن ذلك إنما يكون في الفعل الذي يتكرر، فيفعل المفضول مراتٍ لبيان الجواز، كالصلاة في آخر الوقت، فأما ما لم (٣) يفعله إلا مرةً واحدةً فما كان الله ليختار لرسوله أدنى الأمرين، ويدَّخر لمن بعده أفضلَهما، وفاعل هذا وقائله يُخاف عليه الفتنة. وقد سئل مالك (٤) عمن أحرم قبل الميقات فقال: أخاف عليه الفتنة،

стр. 2434

قيل له: وأيُّ فتنة (١) في ذلك وإنما هي زيادة أميال؟ فقال: وأيُّ فتنة أعظم من أن تظنَّ أنك خُصِصْتَ بأمرٍ لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ ثم لو كان [ق ١٨٣] الفضل في غير ذلك لبيَّنه للمؤمنين، ولدلَّهم عليه، إذ هو أنصح الخلق للخلق، وأهدى الخلق للخلق (٢)، وأرحم الخلق بالخلق، كما دلَّهم (٣) على الأعمال الفاضلة وإن كان فيها مشقة، كالجهاد وغيره. وكونُه أيسرَ قد يكون مقتضيًا لفضله، كما أن صوم شطر الدهر أفضل من صيامه كله، وقيام ثُلث (٤) الليل أفضل من قيامه كله، والتزوُّجُ وأكل ما أباحه الله تعالى أفضل من تحريم ما أحلَّ الله، والله يحب أن يؤخذ برُخَصِه كما يكره أن تؤتى معصيتُه. وأيضًا فإن قوله ﷺ : «يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة» وقول الصحابة: «وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة من ذي الحليفة» أمرٌ بالإهلال من هذه المواقيت، وهذا التوقيت (٥) يقتضي نفي الزيادة والنقص، فإن لم تكن الزيادة محرَّمةً فلا أقلّ من أن يكون تركها أفضل. وأيضًا ما رُوي عن أبي سَوْرة عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : «ليستمتعْ أحدُكم بحِلِّه ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرِض له في إحرامه (٦)».

стр. 2435

رواه أبو كريب وأبو يعلى الموصلي (١)، وقد روى الترمذي وابن ماجه بمثل إسناده (٢)، لكن أبو سورة قد (٣) ضعَّفوه. وأيضًا فإن المكان أحد الوقتين، فلم يكن الإحرام قبله مستحبًّا كالزمان؛ ولأن الأصل (٤) أن الزيادة على المقدَّرات من المشروعات ــ كأعداد الصلوات (٥) ورمي الجمرات ونحو ذلك ــ لا يُشْرَع كالنقص منه، فإذا لم تكن الزيادة مكروهة فلا أقلّ من أن لا يكون فيها فضل. وأيضًا فإن الترفُّه بالحلّ قبل الميقات رخصة، كالأكل بالليل في زمان الصوم، والله تعالى يحبُّ أن يُؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته. وأيضًا فإن في زيادة الإحرام على ما وجب تعريضًا لأخطار الإحرام؛ من مواقعة المحظورات وملالة النفوس (٦)، فكان الأولى السلامة، كما سئل ابن عباس ﵄ عن رجل قليل الطاعة قليل المعصية، ورجل كثير

стр. 2436

الطاعة كثير المعصية، فقال: «لا أَعدِلُ بالسلامة شيئا» (١). وطَرْدُ هذا عند أصحابنا أنه لا يستحبُّ الإحرام بالحج للمتمتع (٢) قبل يوم التروية، وإنما استحببنا للمعتمر أن يخرج إلى المواقيت فيحرم منها؛ لأنه ميقات شرعي. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال علي وابن مسعود: تمامهما أن تُحرِم بهما (٣) من دُوَيرة أهلِك (٤). وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أهلَّ من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه». رواه أحمد (٥)، وفي لفظٍ له: «من أحرمَ من بيت المقدس غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه». وأبو داود ولفظه: «من أهلَّ بحجةٍ أو عمرةٍ من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، أو وَجَبتْ له الجنة» شكَّ

стр. 2437

الراوي. وابن ماجه ولفظه: «من أهلَّ بعمرةٍ من بيت المقدس كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب». وقد أحرم جماعة من الصحابة من فوق المواقيت، فعن ابن عمر أنه أحرمَ عام الحَكَمينِ من بيت المقدس (١). وعنه أنه أحرم من بيت المقدس بعمرة، ثم قال بعد ذلك: لوَدِدْتُ أني لو جئتُ بيتَ المقدس فأحرمتُ منه (٢). وعن أنس بن مالك أنه أحرم من العقيق. رواهما سعيد (٣). وقد قيل: أهلَّ ابن عباس من الشام، وأهلَّ عمران بن حُصين من البصرة، وأهلَّ ابن مسعود من القادسية (٤)، وقال إبراهيم: كانوا يحبُّون أولَ ما يحج الرجل أو يعتمر أن يُحرِم من أرضه التي يخرج منها (٥). ولأن الإحرام عبادة، وتركه عادة، والعبادات أفضل من العادات. قيل: أما أثر علي ﵁ فقد رواه سعيد وحرب وغيرهما (٦) عن

стр. 2438

عبد الله بن سلمة عن علي أن رجلًا سأله عن هذه الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال: إن إتمامهما (١) أن تُحرِم من دُويرة أهلك. قال حرب: سمعت أحمد يقول (٢): قال سفيان بن عيينة في تفسير الحديث: «أن تُحرِم من دُوَيرة أهلك» قال: هو أن يُنشِئ سفرها من أهله (٣). وقال أحمد في رواية ابن الحكم (٤) وقد سئل عن الحديث «أن تُحرِم من دُويرة أهلك» فقال (٥): يُنشِئ لها سفرًا من أهله؛ كأنه يخرج للعمرة عامدًا، كما يخرج للحج عامدًا. وهذا مما يؤكِّد أمر العمرة. والذي يدلُّ على هذا التفسير ما روى عبد الرحمن بن أُذينة عن أبيه قال: أتيت عمر بن الخطاب ﵁، فسألته عن تمام العمرة فقال: ائتِ عليًّا فاسألْه (٦)، فعدتُ فسألته، فقال: ائْتِ عليًّا ﵇ فاسألْه، فأتيتُ عليًّا فقلت: إني قد ركبتُ [ق ١٨٤] الخيل والإبل والسفن، فأخبِرْني عن تمام العمرة، فقال: تمامها أن تُنشئها من بلادك. فعدتُ إلى عمر، فسألته فقال: ألم أقلْ لك: ائتِ عليًّا فاسألْه، فقلتُ: قد سألته فقال: تمامها أن تُنشئها

стр. 2439

من (١) بلادك، قال: هو كما قال. رواه سعيد (٢)، وذكره أحمد وقال: قال علي: أحرِمْ من دُوَيرة أهلك. فقد توافق عمر وعلي ﵄ على أن إتمامها (٣) أن ينشئها من بلده، فيسافر لها سفرًا مفردًا كسفر الحج، كما فعل النبي ﷺ حين أنشأ لعمرة الحديبية والقضية سفرًا من بلده. وهذا مذهبنا، فإن العمرة التي يُنشئ لها سفرًا من مصره أفضلُ من عمرة المتمتع وعمرةِ المُحرِم (٤) والعمرةِ من المواقيت، وهذا هو الذي كان يقصده عمر بنهيهم عن المتعة (٥) أن ينشئوا للعمرة سفرًا آخر. فأما أن يراد به الدخول في الإحرام من المصر فكلَّا؛ لأن عمر ﵁ قد زجر عن ذلك، وعلي لم يفعله قطُّ هو ولا أحد من الخلفاء الراشدين، بل لم يفعله رسول الله ﷺ ، فكيف يكون التمام الذي أمر الله به لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من خلفائه (٦) ولا جماهير أصحابه؟ وقوله: «أن تُحرِم من أهلك» كما يقال: «تحجّ من أهلك» و «تعتمر من أهلك» لمن سافر سفر الحج، وإن كان لا يصير حاجًّا ولا معتمرًا حتى يُهِلَّ بهما، كما قال النبي ﷺ : «لا يركبُ البحرَ إلا حاجٌّ أو معتمرٌ أو غازٍ في سبيل

стр. 2440

الله» (١). ولهذا كره جماعة من السلف أن يطلق عليه ذلك، قال عبد الله بن مسعود ﵁: من أراد منكم هذا الوجهَ فلا يقولنَّ: إني حاجٌّ، ولكن ليقلْ: إني وافد، فإنما الحاجُّ المحرمُ (٢). وفي رواية عنه (٣): لا يقول أحدكم: إني حاج، إنما الحاج المحرم، ولكن يقول: أريد الحج، ولا يقولنَّ أحدكم: إني صَرُورة، فإن المسلم ليس بصَرُورة. وعن عاصم الأحول قال: سمعت أنسًا يقول: لا تقلْ إني حاجٌّ حتى تُهِلَّ، ولكن لِتقُلْ إني مسافر. فذكرت ذلك لأبي العالية فقال: صدق أنس، أَوَليس إن شاء رجع من الطريق؟ (٤) رواهما سعيد. تقديره: أن تقصد الإحرام والإهلال من أهلك، وتُنشئ سفرهما من أهلك. وأما حديث بيت المقدس، فقد قيل: هو مخصوص به (٥)، فيكون الإحرام من بيت المقدس أفضل، خصوصًا لأنه يعمُرُ ما بين المسجد الحرام

стр. 2441

والمسجد الأقصى بالعبادة، وهما أول (١) مساجد الأرض، وبينهما كان مَسرَى رسول الله ﷺ ، وهما القبلتان، ومنهما المبدأ والمعاد، فإن الأرض دُحِيَتْ من تحت الكعبة (٢) وتُعاد من تحت الصخرة، وعامة الأنبياء الكبار بُعِثوا من بينهما. ويدلُّ على ذلك إهلالُ ابن عمر منه، ولم يفعل ذلك في حجه وعمرته من المدينة (٣). وظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور: أن الإحرام من الميقات أفضل من بيت المقدس، وكذلك ذكر القاضي (٤) وغيره من أصحابنا. ثم منهم من ضعَّف الحديث (٥). وتأوَّله القاضي (٦) على أن ينشئ السفر من بيت المقدس ويكون الإحرام من الميقات. وفيه نظر. وأما من أحرم من الصحابة قبل المواقيت، فأكثرُ منهم عددًا وأعظمُ منهم قدرًا لم يُحرِموا إلا من المواقيت، وقد أنكروه بالقول، فروى الحسن أن عمران بن حُصين أحرم من البصرة، فبلغ ذلك عمر ﵁ فغضب وقال: يتسامع الناس أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ أحرم من مصره (٧).

стр. 2442

وعن الحسن أن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان (١)، فلما قدِمَ على عثمان ﵁ لامَهُ فيما صنع، وكرهه له. رواهما سعيد (٢). قال البخاري (٣): وكرِه عثمان ﵁ أن يحرم من خراسان أو كرمان. وفي رواية (٤) في حديث عمران: فقدِمَ على عمر، فأغلظ له وقال: يتحدث الناس أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أحرم من مصْرٍ من الأمصار. وعن مسلم أبي سلمان أن رجلًا أحرم من الكوفة، فرآه (٥) عمر سيئ الهيئة، فأخذ بيده وجعل يُديره في الخلق (٦) ويقول: انظروا إلى هذا ما صنع بنفسه، وقد وسَّع الله عليه (٧).

стр. 2443

وعن أبي ذر ﵁ قال: استمتعوا بثيابكم، فإن رِكابكم (١) لا تُغني عنكم من الله (٢) شيئًا (٣). رواهن النجَّاد (٤). مسألة (٥): (وأشهرُ الحج: شوال وذو القعدة وعشْرٌ من ذي الحجة) . هذا نصه ومذهبه، قال في رواية عبد الله (٦): أشهُرُ الحج شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، وقال في رواية ... (٧). ويوم النحر (٨) من أشهر الحج، وهو يوم الحج الأكبر، نص عليه في رواية حرب وأبي طالب (٩)، وذلك لما روى أبو الأحوص [ق ١٨٥] عن عبد الله قال: أشهُر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. رواه سعيد وأبو سعيد الأشجّ والنجَّاد والدارقطني (١٠) وغيرهم.

стр. 2444

وعن ابن الزبير في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة. رواه أبو سعيد الأشجّ (١) والنجَّاد والدارقطني (٢). وعن علي بن أبي طلحة (٣) عن ابن عباس ﵄: وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وهو شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، جعله الله تعالى للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلُح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحجِ، والعمرةُ يُحرم بها في كل شهر. رواه عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عنه (٤). وعن الضحاك عن ابن عباس قال: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. رواه الدارقطني (٥).

стр. 2445

وعن نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال: أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. رواه سعيد وأبو سعيد الأشج (١) والدارقطني (٢)، وفي لفظٍ: وعشر ذي الحجة. وذكره البخاري في «صحيحه» (٣). وهذا قول الشعبي والنخعي ومجاهد والضحاك وعطاء والحسن (٤)، ومرادهم بـ «عشر من ذي الحجة» عشرُ ذي الحجة بكماله، كما قد جاء في روايات أُخر (٥). وعشرُ ذي الحجة اسم لمجموع الليالي وأيامها، فإن يوم النحر من عشر ذي الحجة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «ما من أيامٍ العملُ الصالح فيها (٦) أحبُّ إلى الله تعالى من هذه الأيام العشر» (٧). وقال تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]،

стр. 2446

ويوم النحر داخل فيها، وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، ويوم النحر هو آخر الأربعين (١). ولفظ العشر وإن كان في الأصل اسمًا للمؤنث لأنه بغير هاء (٢)، فإنما دخل فيه اليوم لسببين (٣): أحدهما: أنهم في التاريخ إنما يؤرِّخون (٤) بالليالي؛ لأنها أول الشهر الهلالي، وتدخل الأيام تبعًا، ولهذا لو نذر اعتكاف عشر ذي الحجة لزمه اعتكاف يوم النحر. الثاني: أنه قد يجيء هذا في صفة المذكَّر بغير هاء، لقول (٥) النبي ﷺ : «من صام رمضان وأتبعه بستٍّ (٦) من شوال» (٧)، وقوله: «من هذه الأيام العَشْر» (٨). وأيضًا فإن يوم النحر يوم الحج الأكبر ... (٩). وأيضًا فإن أشهر الحج هي الأشهر التي سنَّ الله فيها الحج وشرعه، والحج له إحرام وإحلال، فأشهره هي الوقت الذي يُسَنُّ فيه الإحرام به والإحلال منه.

стр. 2447

وأول وقتٍ يُشْرَع (١) الإحرام فيه بالحج شوال، والوقت الذي يُشْرع فيه الإحلال يوم النحر، وما بعد يوم النحر لا يُشْرع التأخير إليه، وليلة النحر لا يُسَنُّ التعجيلُ فيها، كما لا يُسَنُّ الإحرام بالحج قبل أشهره. وأيضًا فإن هذه المدة أولها عيد الفطر وآخرها عيد النحر، والحج هو موسم المسلمين (٢) وعيدهم، فكأنه جعل طرفَيْ وقتهِ عيدين. فإن قيل: فقد روى عروة بن الزبير قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال (٣) عمر بن الخطاب: لا عمرةَ في أشهر الحج، فكُلِّم في ذلك فقال: إني أحِبُّ أن يُزار البيت؛ إذا جُعِلت العمرة في أشهر الحج لم يَفِدِ الرجلُ إذا حجَّ البيت أبدًا (٤). وعن التميمي عن ابن عباس قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة. ذكره البخاري (٥).

стр. 2448

وعن مجاهد عن ابن عمر قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة (١). رواهن سعيد (٢). قيل: ليس بين الروايتين اختلاف في المعنى، كما يقال: قد مضى ثلاثة أشهر وإن كان قيل (٣) ذلك في أثناء الشهر الثالث، ويقال: له خمسون سنة وإن كان لم يكملها، فكثيرًا ما يُعبَّر بالسنين والشهور والأيام عن التامّ منها والناقص، فمن قال: «وذو الحجة» [أراد] أنه من شهور الحج في الجملة، ومن قال: «وعشر ذي الحجة» فقد بيَّن ما يدخل منه في (٤) شهور الحج على سبيل التحديد والتفصيل. فإن قيل: فقد قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. قلنا: الشهران وبعض الثالث تُسمَّى شهورًا، لاسيما إذا كانت بالأهلَّة. وذكر القاضي (٥) أن فائدة هذه المسألة اليمين. وليس كذلك، وهذا التحديد له فائدة في أول الأشهر، وهو أنه لا يُشرَع الإحرام بالحج قبلها، وأن الأفضل أن يعتمر قبلها، وهي عمرة رمضان وأنه إن اعتمر فيها كان متمتعًا، وقبل ذلك هو وقت الصيام، فإذا انسلخ دخل وقت الإحرام بالحج. ومن فوائده: أنه لا يأتي بالأركان قبل أشهره، فلو أحرم بالحج قبل أشهره وطاف للقدوم لم يُجزِئه سعيُ الحج عقيب ذلك؛ لأن أركان العبادة لا تُفعل إلا

стр. 2449

في وقتها. وفائدته في آخر الأشهر أن السنة أن يتحلَّل من الحج (١) يوم النحر، فلا يتقدم قبل ذلك ولا يتأخر عن ذلك، فإنه أكمل وأفضل. وذكر ابن عقيل أن طواف الزيارة في غير أشهر الحج مكروه. فصل والإحرام بالحج قبل أشهُرِه مكروه. قال في رواية ابن منصور (٢): إذا أهلَّ بالحج في غير أشهُرِه فهو مكروه (٣). قال القاضي (٤): وأراد (٥) بهذا كراهية تنزيه. وقال [ق ١٨٦] في موضع آخر (٦): ميقات المكان ضُرِب لئلا يُتَجاوز قبل الإحرام (٧)، وميقات الزمان ضُرِب لئلّا يُتقدَّم عليه بالإحرام، فإن خالف وتجاوز انعقد إحرامه مكروهًا، وكذلك إذا خالف في ميقات الزمان يجب أن ينعقد مكروهًا. ومن أصحابنا من يقول: يُستحبُّ أن لا (٨) يحرم بالحج قبل أشهره، وذكر ابن عقيل هل يُكره الإحرام بالحج قبل أشهره؟ على روايتين: إحداهما: لا يكره كالإحرام (٩) قبل ميقات المكان، وإن كان الأفضل

стр. 2450

أن يحرم بعد الميقات (١) فيهما. والثانية: يكره لأنه ركن، فكُرِه فعله في غير أشهر الحج كطواف الزيارة. والصواب الأول، ولم يذكر القاضي في الكراهة خلافًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، ومعناه: أشهر الحج أشهر معلومات (٢)، وأولها (٣) شوال، فلا بدَّ أن يكون لهذا التوقيت والتحديد فائدة، ولا يجوز أن يكون هذا التوقيت لأجل الوقوف والطواف؛ لأن الوقوف لا يكون إلا في يوم واحد آخرَ هذه المدة، والطواف إنما يكون بعده، فلا يجوز أن يوقَّت بأول شوال، فعُلِم أن التوقيت للإحرام. ولأن الحج اسم للإحرام والوقوف والطواف والسعي، فيجب أن تكون هذه الأشهر مواقيت لجميع ذلك، وإذا (٤) كان وقتًا لها لم يكن تقديمه قبل الوقت مشروعًا؛ لأن التوقيت لا يكون لمجرد الفضيلة، بدليل الصلاة في أول الوقت، فإنها (٥) أفضل من الصلاة في آخره، ولا يجعل ذلك هو وقتها. وأيضًا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ خصّ الفرض بهن، فعُلِم أنه في غيرهن لا يُشرع فرضه. وأيضًا ما تقدَّم (٦) عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا يصلُح أن يُحرِم

стр. 2451

أحد بالحج إلا في أشهر الحج، والعمرة يحرم بها في كل شهر. وعن ابن عباس قال: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. ذكره البخاري في «صحيحه» (١)، ورواه النجَّاد (٢). والصحابي إذا أطلق السنة انصرف ذلك (٣) إلى سنة رسول الله ﷺ . وعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأَل عن الرجل: أيهلُّ بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا. رواه الشافعي والدارقطني (٤)، ورواه النجَّاد (٥) ولفظه: لا يحرم المحرم إلا في أشهر الحج. وعن عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وإبراهيم أنهم كانوا يكرهون أن يحرم الرجل بالحج في غير أشهر الحج (٦)، ولا يُعرَف لهم مخالف في الصحابة ولا التابعين. فإن قيل: فقد روي عن علي وعبد الله أنهما قالا: «إتمامهما (٧) أن تُحرِم بهما من دُوَيرة أهلك»، وإذا كانت داره بعيدةً لم يحرم إلا قبل أشهر الحج. قلنا: قد فسَّرناه بأن المراد به إنشاء السفر لهما، ولو كان المراد نفس الدخول في الحج فهذا لأن غالب ديار الإسلام يتأتَّى الإحرام منها في أشهر الحج.

стр. 2452

فإن خالف وأحرم بالحج قبل أشهره فإنه ينعقد الإحرام بالحج في أشهر الروايتين ، قال أحمد في رواية أبي طالب وسندي (١): من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لزِمه الحج (٢)، إلا أن يريد فسخَه بعمرةٍ فله ذلك. قال القاضي (٣): فقد نصَّ على انعقاده، وأجاز له فسخَه إلى العمرة بناء على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرة. فعلى ما قاله القاضي إنْ فسَخَه بعمرة قبل أشهر الحج لم يلزمه دم، لأنه ليس بمتمتع، وعليه أن يحج من تلك السنة (٤) لأن فسخ الحج إلى العمرة إنما يجوز بشرط أن يحج من عامِه ذلك. وكذلك قال ابن أبي موسى (٥): من أهلَّ بالحج قبل أشهر الحج أحببنا له أن يجعلها عمرة، فإذا حلَّ منها أنشأ الحج، فإن لم يفعل وأقام (٦) على إحرامه لما أهلَّ به إلى أن يأتي (٧) بالحج أجزأه، وقد تحمَّلَ مشقةً.

стр. 2453

والأشبه ــ والله أعلم ــ أن مقصود أحمد أنه يفسخه بعمرة لا لأجل فضل التمتع، بل لأن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه، فيتخلَّص (١) بفسخه إلى العمرة من المكروه وإن لم يحج. والرواية الثانية: لا ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهره. حكاها (٢) هبة الله الطبري، واختارها القاضي أبو يعلى الصغير (٣). فعلى هذا هل ينعقد بعمرة؟ ذكر القاضي أبو يعلى هذا فيه وجهين: أحدهما: لا ينعقد بعمرة لأنه لم يقصده، ولا بحج لأن وقته لم يدخل، كما قلنا فيمن أحرم بالنفل قبل الفرض، أو عن غيره قبل أن يحج عن نفسه في الرواية التي اختارها أبو بكر. والثاني وهو المشهور: أنه ينعقد بعمرة، وقد قال أحمد في رواية عبد الله (٤): إذا أحرم بالحج قبل أشهره يجعلها عمرة. وفسّرها (٥) القاضي (٦) بأنه يفسخ الحج إلى العمرة، وكذلك قال ابن أبي موسى (٧): يُستحبُّ لمن أحرم بالحج قبل أشهره أن يجعلها عمرةً ويفرغ منها، ويحرم بالحج في أشهره. والأشبه أن أحمد إنما قصد بهذا أن يعتقد أنها عمرة ويُتِمَّها بعمل عمرة؛

стр. 2454

لأنه قد (١) روي عن عطاء من غير وجه فيمن أهلَّ بالحج قبل [ق ١٨٧] أشهره قال: يجعلها عمرة (٢). وفي رواية: اجعلْها عمرة، فإن الله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ ومذهبه: أن نفس الإحرام بالحج ينعقد عمرة، فالأظهر أن أحمد إنما قصد الأخذ بقول عطاء، فتكون هذه الرواية الثانية. وذلك لأن (٣) الإحرام بعض الحج وجزء منه، وذلك (٤) أنه بدخوله فيه يُسمَّى حاجًّا أو معتمرًا، وأنه (٥) يلزم بالشروع فيه، وأن العمرة للشهر الذي يُهِلُّ فيه لا الشهر الذي يَحِلّ فيه، وأنه يجب عليه به السعي إلى الحج في الوقت الذي يدرك الوقوف، فلا يجوز له تفويت الحج، وإذا كان كذلك لم يجز فعله قبل وقت العبادة، كسائر الأبعاض وكنية الصلاة ونحوها. ولأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، فخصَّ الفرض فيهن بالذكر، فعُلِم أن حكم ما عداه بخلافه. ولأن هذا مخالف للسنة، وقد قال النبي ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (٦).

стр. 2455

وإذا لم ينعقد الحج ولم يكن سبيل إلى بطلان الإحرام ــ فإنه لا يقع إلا لازمًا موجبًا ــ انعقد موجبًا لعمرة، كمن أحرم بالفرض قبل وقته فإنه ينعقد نفلًا. وأيضًا فإنه لو جاز الإحرام قبل أشهر الحج لوجب أن يحرم بالحج في هذا العام ويقف بعرفة في العام المقبل. ووجه الأول: أن الشروع في الإحرام يُوجِب إتمامه، كما أن النذر يوجب فِعْلَ المنذور، فإذا أحرم بالحج لزمه إتمامه كما لو نذره، وكونُه مكروهًا لا يمنع لزوم الوفاء به كما أن عَقْد النذر مكروهٌ (١)، ويجب الوفاء به. ثم النذر يوجب فعْلَ المنذور (٢)، كذلك الإحرام يوجب فعْلَ ما أحرم به. وأيضًا فإن أكثر ما فيه أن إحرامه بالحج قبل أشهره غير جائز، وهذا لا يمنع لزومه وانعقاده على الوجه الذي عقده، كما لو عقده وهو لابسٌ عالمًا ذاكرًا، فإن ذلك لا يَحِلُّ له، ومع هذا ينعقد إحرامه صحيحًا موجبًا للدم. بل لو عقده وهو مجامع انعقد إحرامًا فاسدًا، يوجب (٣) المضيَّ فيه والقضاء له والهدي. نعم، هؤلاء وجب عليهم دمٌ لِما فعلوه من المحظور؛ لأنهم نَقَصُوا الإحرام، وهذا لم ينقُصْه وإنما زاد عليه، فأسوأ أحواله أن يجعل المزيد كالمعدوم. وأيضًا فإن الإحرام قبل أشهر الحج إحرام في أشهر الحج وزيادة على
следующие страницы →