← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

فمن زعم أنه أحرم ولم يلبِّ، ثم لبَّى حين استوتْ به ناقته، فهو مخالف لجميع الأحاديث ولعامة نصوص أحمد. والإحرام من مكة من المتمتع كغيره، يحرم عقيب الركعتين اللتين يصلّيهما بعد طواف سبع، ذكره القاضي وغيره، وقد قال أحمد في رواية حرب: إذا كان يوم التروية أهلَّ بالحج من المسجد. والمنصوص عنه في رواية عبد الله (١) في حق المتمتع: إذا كان يوم التروية طاف بالبيت، فإذا خرج من المسجد لبَّى بالحج. فذكر أنه يُهِلُّ إذا خرج من المسجد. وفي موضع آخر (٢): قلت: من أين يحرم بالحج؟ قال: إذا جعل البيت خلفَ ظهره، قلت: فإن بعض الناس يقول: يحرم من الميزاب، قال: إذا جعل البيت خلف ظهره أهلَّ. فقد نصَّ على أنه يُهِلُّ إذا أخذ في الخروج من المسجد والذهاب إلى منًى، وهذا يوافق رواية من روى أنه يُهِلُّ إذا استقلَّتْ به ناقته خارجًا من مسجد ذي الحليفة. والتلبية عقيبَ الإحرام إنما تُستحب إذا كانت في البرِّية والصحراء، فإن كانت في الأمصار لم تُستحب حتى يبرز؛ لأنها لا تُستحب في الأمصار. ذكره القاضي (٣) في رواية أحمد بن علي، وقد سئل إذا أحرم في مصره يلبّي،

стр. 2487

فقال: ما يُعجِبني. كأنه ذهب إلى التلبية من وراء الجدر. وقال في رواية المرُّوذي (١): التلبية إذا برز عن البيوت. فإن كان الإحرام في مسجد في البرِّية أو في قرية ... (٢). الفصل الثالث أن الإحرام ينعقد بمجرد النية عند أصحابنا . قال أحمد في رواية الأثرم (٣): الرجل يكون محرمًا بالنية إذا عقد على الإحرام، وحديث قيس بن سعد أنه نظر إلى هَدْيِه مقلَّدًا (٤)، فقال: ذاك كان قد عقد الإحرام بتقليده الهدي، وكان ابن عمر لا يسمِّي حجًّا ولا عمرة (٥). وقد يكون الرجل محرمًا بغير تلبية إذا عزم على الإحرام، وقد يلبّي الرجل ولا يُحرِم ولا يكون عليه شيء وهو يعزم على الإحرام، فإذا انبعثت به راحلته لبَّى.

стр. 2488

فصل وقد استحب أصحابنا أن ينطق بما أحرم به، وقد تقدَّم نصه على ذلك في رواية المرُّوذي، فيقول: اللهم إني أريد العمرة فيسِّرْها لي، وتقبَّلْها مني. لأن في حديث علي أنه قال للنبي ﷺ حين قال له: «كيف قلت حين فرضتَ الحج؟» قال: قلت: اللهم إني أُهِلُّ بما أهلَّ به رسول الله ﷺ . رواه مسلم (١). وفي حديث عمر (٢) عن النبي ﷺ : «أتاني آتٍ من ربي وقال: قل: عمرة في حجة»، وفي لفظ: «عمرة وحجة» (٣). وفي حديث ابن عمر: «أُشهِدكم أني قد أوجبتُ عمرة، ثم قال: أُشهِدكم أني قد جمعتُ حجة مع عمرة» (٤). واستحبوا الاشتراط، وهو منصوصه (٥) أيضًا ... (٦). وقال ابن أبي موسى (٧): يُستحبّ له الاشتراط، وهو أن يقول بعد التلبية: إن حبسني حابسٌ فمحلِّي حيث حبستَني. وأكثر أصحابنا يقولون: ينطق بالاشتراط قبل التلبية.

стр. 2489

مسألة (١): (وهو مخيَّر بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلُها التمتع، وهو أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يشرع في الحج في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يُحرم بالحج مفردًا، ثم القِران ، وهو أن يُحرم بهما أو يُحرم بالعمرة ثم يُدخِل عليها الحج، ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة). في هذا الكلام فصول: أحدها أن من أراد النسك فهو مخيَّر بين التمتع والإفراد والقران، فإذا أراد أن يجمع بين النسكين في سفرة واحدة يمرُّ فيها على الميقات في أشهر الحج، فالأفضل: التمتع، ثم الإفراد، ثم القران لمن لم يَسُقِ الهدي. قال أبو عبد الله ﵀ في رواية المرُّوذي (٢) ما تقدم، حيث خيّره بين الثلاثة واختار له المتعة. وقال في رواية صالح (٣): التمتع آخر فعل النبي ﷺ ، والذي نختار المتعة؛ لأنه آخر ما أمر به النبي ﷺ ، وهو يجمع الحج والعمرة جميعًا، ويعمل (٤) لكل واحد منهما على حدةٍ، ولما قدم النبي ﷺ مكة أمر أصحابه أن يحلّوا، وقال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي.

стр. 2490

ولأحللتُ كما تحلّون»، وهذا بعد أن قدم مكة، وهو آخر الأمرين. وقال عبد الله (١): سألت أبي عن القِران والإفراد، قال: التمتع آخر فعل النبي ﷺ ، يعني أمر النبي ﷺ . وقال: سمعت أبي يقول: والمتعة آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، ويجمع الله فيها الحج والعمرة، واختيار رسول الله ﷺ لها إذ قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي». فلم يحلّ النبي ﷺ لأنه ساق الهدي. وسئل عن القران (٢)، قال: التمتع (٣) أحبُّ إليَّ، وهو آخر الأمر [ين] من النبي ﷺ . وقال ﷺ : «اجعلوا حجَّكم عمرة» (٤)، قال أبو عبد الله: يعني الحج، والأمران من [ق ١٩٥] سنة النبي ﷺ ، فالحج والمتعة على هذا من سنة النبي ﷺ . وقال في رواية أبي طالب: ... (٥). فلما قدم مكة قال: اجعلوا حجَّكم عمرةً فأمرهم بالعمرة، وهي آخر الأمرين من النبي ﷺ . وهذا بيِّن إلا من (٦) ضاق علمه بالفقه؛ لأن النبي ﷺ أهلَّ بالحج

стр. 2491

وأصحابه، ولم يكونوا يرون إلا أنه الحج، فلما قدم مكة قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهديَ ولأحللتُ كما تحلُّون». فقالوا: أيّ الحلّ؟ قال: «الحلّ كلّه»، قالوا: نخرج كذا وكذا، فقال: «أحِلُّوا». وغضب، فحلُّوا، فقال سُراقة بن مالك: يا رسول الله، عمرتنا لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «بل (١) للأبد». وأما إذا ساق الهدي ففيه روايتان: إحداهما: القران أفضل، قال في رواية المرُّوذي (٢): إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يَسُق فالتمتع. نقلها أبو حفص. والثانية: التمتع أفضل بكل حال، وقد صرَّح بذلك في رواية حرب، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أنا أختار في الحج التمتع، قال: وقال ابن عباس هي واجبة (٣). قال: وسألته مرة أخرى ما تختار في الحج؟ قال: أنا أختار التمتع، يدخل مكة بعمرة ويطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ويحلُّ إن لم يكن معه هدي، فإذا كان يوم التروية أهلَّ بالحج من المسجد، وإن كان ساق الهدي طاف بالبيت وبين الصفا (٤) والمروة لعمرته، ثم أقام (٥) على إحرامه (٦)، فإذا

стр. 2492

كان يوم التروية أهلَّ بالحج. هذا مذهبه. وذلك لِما اعتمده أحمد وبنى مذهبه عليه، وهو أن النبي ﷺ لما أحرم هو وأصحابه من ذي الحليفة قال: «من شاء أن يُهِلَّ بحج، ومن شاء أن يُهِلَّ بعمرة، ومن شاء أن يُهِلَّ بعمرة وحج» (١)، فلما قدِموا مكة أمرهم كلهم أن يحلّوا من إحرامهم إذا طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، ويجعلوها عمرة، ويتمتعوا بالعمرة إلى الحج (٢) إلا من ساق الهدي، فإن سوق الهدي يمنعه من التحلل. وكان دخولهم مكة يوم الأحد رابعَ ذي الحجة، فلما كان يوم التروية أمرهم أن يُهِلُّوا بالحج، فحج المسلمون كلهم مع رسول الله ﷺ بأمره متمتعين حجة الوداع التي هي أكمل بها الدين وأتمّ بها النعمة، وقد كرهوا ذلك، والنبي ﷺ يأمرهم (٣) بالمتعة، ويغضب على من لم يفعلها ويقول: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولولا الهدي لأحللتُ»، لعلمه بفضل الإحلال. فثبت بذلك أن المتعة أفضل من حجة مفردة، ومن القران بين العمرة والحج، من وجوه: أحدها: أنها آخر الأمرين من النبي ﷺ ، فإنه أمرهم بها عينًا بعد أن خيَّرهم عند الميقات بينها وبين غيرها، فعُلِم أنه لم يكن يعلم أولًا فضل المتعة حتى أمره (٤) الله بها وحضَّه عليها، فأمر أصحابه بها وحضَّهم عليها،

стр. 2493

ولو كان ﷺ يعلم أولًا مِن فضل المتعة ما علمه بعد قدومه مكة لكان قد أمرهم بالإهلال بها من الميقات، ولم يُخيِّرهم بينها وبين غيرها، ليستريح من كراهتهم لفسخ الحج ومشقته عليهم، فإنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (١)، ولهذا قال: «[لو استقبلتُ من أمري] ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتها عمرة» (٢). الثاني: أن المسلمين حجوا معه متمتعين جميعهم إلا من ساق الهدي وكانوا قليلًا، وذلك بأمره، وأمرُه ﷺ أبلغُ في الإيجاب والاستحباب من فعله لو (٣) كان الفعل معارضًا له، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ولا ينبغي لمؤمنٍ (٤) أن يختار لنفسه غير ما اختاره (٥) الله ورسوله. الثالث: أن هذه الحجة حجة الوداع، لم يحج النبي ﷺ بالمسلمين قبلها ولا بعدها، وفيها أكمل الله الدين، وأتمَّ النعمة، وأُحْيِيتْ مشاعرُ إبراهيم ﵇، وأُمِيتَ أمرُ الجاهلية، فلم يكن الله تعالى ليختار (٦) لرسوله وللمؤمنين من السُّبل إلا أقومَها، ومن الأعمال إلا أفضلها، وقد اختار (٧) لهم المتعة.

стр. 2494

وهذه الجملة التي ذكرناها من حجة النبي ﷺ وأمْرِه المسلمين بالمتعة مما أجمع عليه علماء الأثر، واستفاض بين أهل العلم، واشتهر حتى لعله قد تواتر عندهم، ونحن نذكر من الأخبار بعضَ ما يبيِّن ذلك: فروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: تمتَّع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، وتمتَّع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي (١)، ومنهم من لم يُهْدِ، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة [ق ١٩٦] قال للناس: «من كان منكم (٢) أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُمَ منه حتى يقضي حجّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّر ولْيَحْلِل، ثم ليُهِلَّ بالحج (٣) ولْيُهْدِ، فمن لم يجد فصيام ثلاثةِ أيام في الحج وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله». وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، فاستلم الركن أولَ شيء، ثم خبَّ ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلّم فانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يَحْلِلْ من شيء حَرُم منه حتى قضى حجَّه ونحر هدْيَه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حلَّ من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى فساق الهديَ من الناس (٤).

стр. 2495

وعن الزهري عن عروة عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها (١) أخبرته عن رسول الله ﷺ في تمتُّعه بالعمرة إلى الحج وتمتُّع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ . متفق عليه (٢). وعن سالم أنه سمع رجلًا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، قال الشامي: إن أباك قد نهى عنها. فقال عبد الله بن عمر: أرأيتَ إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله ﷺ أأمْرَ (٣) أبي نتبع (٤) أم أمْرَ رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله ﷺ . فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ . رواه الترمذي (٥)، وروى النسائي (٦) عنه: العمرة في شهور (٧) الحج تامَّة، قد عمل بها رسول الله ﷺ وأنزلها الله تعالى في كتابه. وعن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ لبَّد رأسه وأهدى، فلما قدم مكة أمر نساءه أن يَحْلِلْن، قلن: ما لك أنت لا تحِلُّ (٨)؟ قال: «إني قلَّدتُ

стр. 2496

هديي ولبَّدت رأسي، فلا أحلّ حتى أحلّ من حجتي وأحلق رأسي». رواه أحمد (١). وعن حُميد الطويل عن بكر بن عبد الله عن عبد الله بن عمر (٢) قال: قدم رسول الله ﷺ مكة وأصحابه مُهِلِّين بالحج، فقال رسول الله ﷺ : «من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي» (٣)، قالوا: يا رسول الله أيروح أحدنا إلى مِنًى وذَكَرُه يَقْطُر منيًّا؟! قال: «نعم»، وسطعت المجامر، وقدم علي بن أبي طالب ﵁ من اليمن فقال رسول الله ﷺ : «بمَ (٤) أهللتَ؟» قال: بما أهلَّ به النبي ﷺ ، قال: «فإنَّ لك معنا هَدْيًا». قال حميد: فحدَّثتُ به طاوسًا، فقال: هكذا فعل القوم. وفي رواية: «اجعلها عمرة» (٥). وفي رواية: «خرج رسول الله ﷺ ولبَّى بالحج ولبَّينا معه، فلما قدم أمر من لم يكن معه الهدي أن يجعلوها عمرة». رواه أحمد (٦) بإسناد صحيح، وبعضه في

стр. 2497

«الصحيحين» (١). وذكر ابن الجوزي (٢) أنه في الصحيحين، وأظنه وهمًا (٣). وعن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نُرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تطوَّفنا بالبيت، فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن ساق الهديَ أن يحلَّ، قالت: فحلَّ من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يَسُقْن فأحللن، قالت عائشة: فحِضْتُ فلم أطف بالبيت، فلما كانت ليلة الحَصْبة قالت: قلت: يا رسول الله، يرجع (٤) الناس بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة؟ قال: «أوَما كنتِ طفتِ لياليَ قدِمْنا مكة؟»، قالت: قلت: لا، قال: «فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلِّي بعمرة، ثم موعدكِ مكان كذا وكذا». قالت صفية: ما أُراني إلا حابِسَتَكم، قال: «عَقْرى حَلْقى، أوما كنتِ طفتِ يوم النحر؟»، قالت: بلى، قال: «لا بأسَ عليكِ انْفِري». قالت عائشة: فلقيني رسول الله ﷺ وهو مُصْعِدٌ من مكة وأنا منهبطة عليها، أو أنا مُصعِدة وهو منهبط منها (٥). وفي رواية الأعمش عن إبراهيم عن الأسود: خرجنا مع رسول الله ﷺ نُلبِّي لا نذكر حجًّا ولا عمرة. وساق الحديث بمعناه (٦).

стр. 2498

وعن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمسٍ بقين من ذي القعدة، ولا نُرى إلا أنه الحج، فلما كنا بسَرِفَ حِضْتُ، حتى إذا دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هديٌ إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلَّ، قالت عائشة: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟، فقال: ذبح رسول الله ﷺ عن أزواجه. قال يحيى: فذكرتُ هذا الحديث للقاسم بن محمد، فقال: أتتْك والله بالحديث على وجهه (١). وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سَرِفَ فطَمِثْتُ، فدخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: «ما يُبكيكِ؟» فقلت: والله لودِدْتُ أني لم أكن خرجتُ العامَ، فقال: «ما لكِ (٢)؟ لعلك نُفِسْتِ»، قلت: نعم، قال: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج، غير [ق ١٩٧] أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». قالت: فلما قدمتُ مكة قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «اجعلوها عمرة». فأحلَّ الناس إلا من كان معه الهدي (٣)، قالت: فكان الهدي مع النبي (٤) ﷺ وأبي بكر وعمر، وذوي (٥) اليسارة، ثم أهلُّوا حين راحوا. قالت: فلما كان يوم النحر طهرتُ، فأمرني رسول الله ﷺ فأفضتُ، قالت: فأُتِينا بلحم بقرٍ فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر، فلما كانت

стр. 2499

ليلة (١) الحَصْبة قلت: يا رسول الله، أيرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟ قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفَني على جمله، قالت: فإني لأذكر (٢) وأنا حديثة السن أَنْعَسُ فيصيب وجهي مُؤخِرَة الرحل، حتى جئنا إلى التنعيم، فأهللت منها بعمرة جزاءً بعمرة (٣) الناس التي اعتمروا (٤). وعن أفلح بن حُميد عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهرُ الحج، وليالي الحج، وحُرُمِ الحج، فنزلنا بسَرِفَ، قالت: فخرج إلى أصحابه فقال: «من لم يكن منكم (٥) معه هَديٌ فأحبَّ أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا». قالت (٦): فالآخذُ بها والتاركُ لها من أصحابه، قالت: فأما رسول الله ﷺ ورجال من أصحابه، فكانوا أهل قوة وكان معهم الهدي، فلم يقدروا على العمرة. قالت: فدخل عليَّ (٧) رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: «ما يُبكيكِ يا هَنتاه؟» قلت: سمعتُ قولك لأصحابك فمُنِعتُ العمرةَ، قال (٨): «وما شأنكِ؟» قلت: لا أصلِّي، قال: «فلا يَضِيرك (٩)، إنما أنتِ امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب

стр. 2500

عليهن، فكوني في حجك، فعسى الله أن يرزقكيها (١)». قالت: فخرجنا في حجته ــ وفي لفظ (٢): «فخرجتُ في حجتي» ــ حتى قدمنا منى فطهرتُ، ثم خرجت من منى فأفضتُ بالبيت. قالت: ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصَّب ونزلنا معه، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: «اخرجْ (٣) بأختك من الحرم فلتهلَّ بعمرة، ثم افرغا، ثم ائتيا (٤) ها هنا، فإني أنتظركما حتى تأتياني». قالت: فخرجنا حتى إذا فرغت، وفرغت من الطواف ثم جئتُه (٥) بسحر، فقال: «هل فرغتم؟» فقلت: نعم، قالت (٦): فآذَنَ بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس فمرَّ متوجهًا إلى المدينة. وفي لفظٍ (٧): «فآذَنَ في أصحابه بالرحيل، فخرج فمرَّ بالبيت (٨)، فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة» (٩). متفق على هذه الأحاديث كلّها. وعن ذكوان عن عائشة ﵂ قالت: قدِمَ رسول الله ﷺ لأربع مضين من ذي الحجة أو خمسٍ، فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك؟

стр. 2501

أدخله الله النار، قال: «أوما شعرتِ أني أمرتُ الناس بأمرٍ فإذا هم يتردَّدون، فلو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سقتُ الهدي معي حتى أشترِيَه، ثم أحلّ كما حلُّوا». رواه مسلم (١). وعن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سقتُ الهدي، ولحللتُ مع الناس حين حلُّوا». رواه البخاري (٢). فهذا الحديث مبيِّن أن الصحابة ﵃ حلُّوا إلا من ساق الهدي، وأن النبي ﷺ وأصحابه صدروا عن مكة ليلة الحَصْبة، وهي الليلة التي تلي لياليَ منًى، ولم يقيموا بمكة بعد أيام منًى (٣) شيئًا، وأنه لم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي ﷺ إلا عائشة وحدها، حتى أخوها عبد الرحمن الذي كان معها لم يعتمر من التنعيم؛ لأنهم كانوا قد اعتمروا قبل الحج. وقولها: «لا نُرى إلا أنه الحج» تعني (٤): من كان أحرم بالحج أو قَرَنَ بينهما ــ وربما كانوا هم (٥) أكثر الوفد ــ نُرى (٦) أنهم يقيمون على حجهم ولا يتحللون منه قبل الوقوف؛ لأنها قالت: فلما قدمنا تطوَّفنا بالبيت، وهي لم تتطوَّف، فكانت الكناية عن الحجاج (٧) في الجملة.

стр. 2502

وقولها: «لا نذكر حجًّا ولا عمرة» تعني في التلبية؛ لأنها قد بيَّنت في رواية أخرى أن منهم من أهلّ بالحج، ومنهم من أهلّ بالعمرة، ومنهم من قرنَ بينهما، وأنها كانت هي متمتعة. وقولها: «فالآخذُ بها والتاركُ لها» من الصحابة (١)، هذا كان بسَرِف قبل أن يقدَموا مكة؛ لأنه كان إذنًا ولم يكن أمرًا، فلما قدموا جزم النبي ﷺ بالأمر، وتردَّد بعض الناس، فغضب النبي ﷺ على من تردَّد، فأطاعوا الله ورسوله وتمتَّعوا، وتوجَّع النبي ﷺ على كونه لم يُمكنِه موافقتُهم في الإحلال من أجل هديه. وبيَّن ذلك ما روى عبيد الله (٢) بن عمر عن القاسم عن عائشة قالت: منّا مَن أهلّ بالحج مفردًا، ومنّا من قرنَ، ومنّا من تمتَّع. رواه البخاري (٣). وروى الزهري عن عروة (٤) عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمنّا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج، فقدِمْنا مكة، فقال رسول الله ﷺ : «من أحرم بعمرة ولم يُهدِ فليحللْ، ومن أحرم بعمرة فأهدى فلا يحلّ حتى يحلّ بنحر (٥) هَدْيه [ق ١٩٨]، ومن أهلَّ بحج فليتمَّ حجه»، قالت: فحِضْت، فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة ولم أُهلِلْ إلا بعمرة، فأمرني النبي ﷺ أن أنقض رأسي، وأمتشط، وأُهِلَّ بالحج، وأترك العمرة،

стр. 2503

ففعلت ذلك حتى قضيتُ حجتي، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم (١). وفي رواية (٢): قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: «من أراد منكم أن يُهِلّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهِلّ بحج فليهلّ، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليهلّ». قالت عائشة: وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحج، وأهلَّ به ناس معه، وأهلَّ معه ناس بالعمرة والحج، وأهلَّ ناس بعمرة، وكنت فيمن أهلَّ بعمرة. وعن أبي الأسود عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فمنّا من أهلّ بعمرة، ومنّا من أهلّ بحج، وأهلّ رسول الله ﷺ بالحج، فأما من أهلّ بعمرة فحلّ، وأما من أهلّ بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلّوا حتى كان يوم النحر (٣). وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ مُوافِينَ لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله ﷺ : «من أحبّ أن يُهِلّ بعمرة فليهلّ، ومن أحبّ أن يهلّ بحجة فليهلّ، ولولا أني أهديتُ لأهللتُ بعمرة». فمنهم من أهلّ بعمرة، ومنهم من أهلّ بحجة، فكنت فيمن أهلّ بعمرة، فحِضْتُ قبل أن أدخل مكة، فأدركني (٤) يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «دعي عمرتَكِ، وانْقُضي رأسك، وامتشطي، وأهِلّي

стр. 2504

بالحج». ففعلت، فلما كانت (١) ليلةُ الحَصْبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم. فأردفَها، فأهلَّت بعمرة مكان عمرتها. قال هشام: فقضى الله حجَّها وعمرتها، ولم يكن في شيء من (٢) ذلك هديٌ ولا صدقة ولا صوم (٣). متفق على هذه الأحاديث، وليس في رواية عروة هذه ذكر الفسخ؛ ولهذا كان ينكره حتى جرى بينه وبين ابن عباس فيه ما جرى (٤). وأما قوله ﵇: «ومن أهلّ بالحج فليتمّ حجه» فيحتمل (٥) شيئين: أحدهما: من استمرَّ إهلاله بالحج، ولم يُحوِّله إلى عمرة، فإنه لا يتحلَّل منه، وكان هذا في حقِّ من ساق الهدي ممن أحرم بالحج. وكذلك قوله في الحديث: «وأما من أهلَّ بالحج أو جمع الحج والعمرة (٦)، فلم يحلُّوا حتى كان يوم النحر»، إن لم يكن هذا من قول عروة وكان من قول

стр. 2505

عائشة، فإن معناه: من دام إهلاله بالحج، أو بالحج والعمرة (١)، واستمرُّوا= هم الذين لم يحلّوا لأجل سَوْق الهدي؛ لأنها قد أخبرت في غير موضع أنهم كانوا لا يرون إلا الحج، وأن رسول الله ﷺ أمر من لم يَسُقِ الهدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلّ. أو (٢) أن هذا كان قبل أن يأذن لهم في الفسخ قبل أن يَدْنُوا من مكة في أوائل الإحرام ... (٣). وأما قولها: «خرجنا موافين لهلال ذي الحجة» .... وعن أبي عمران (٤) أسلم قال: حججتُ مع مواليَّ، فدخلتُ على أم سلمة زوج النبي ﷺ فقلت: أعتمر قبل أن أحج؟ قالت: إن شئت فاعتمرْ قبل أن تحج، وإن شئت فبعدَ أن تحج، قال (٥): فقلت: إنهم يقولون: من كان صَرُورةً (٦) فلا يصلح أن يعتمر قبل أن يحج، قال: فسألت أمهات المؤمنين فقلن مثل ما قالت، فرجعت إليها، فأخبرتها بقولهن، قال: فقالت: نعم وأَشْفِيك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أهِلُّوا يا آلَ محمد بعمرة في حج» (٧). رواه أحمد (٨).

стр. 2506

وعن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا يرون أن (١) العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفر، ويقولون: إذا برأ الدَّبَر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحةَ رابعةٍ مُهِلِّينَ بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أيّ الحل؟ قال: «حِلٌّ (٢) كله». متفق عليه (٣)، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: من أفجر الفجور، وقال: «الحل كله» (٤). قال سفيان بن عيينة: كان عمرو يقول: إن هذا لحديثٌ (٥) له شأنٌ. رواه البخاري (٦). وعن طاوس عن ابن عباس قال: تمتَّع رسول الله ﷺ حتى مات، وأبو بكر حتى مات (٧)، وعمر حتى مات، وعثمان حتى مات، وكان أول من نهى عنها معاوية، قال ابن عباس: فعجبتُ منه، وقد حدثني أنه قصَّر عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ (٨). رواه أحمد وهذا لفظه، والترمذي (٩) وقال: «حديث

стр. 2507

حسن»، وفيه ليث بن أبي سليم. وعن أبي العالية البراء عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبْحِ رابعةٍ يُلبُّون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلا من معه هدي. متفق عليه، وهذا لفظ البخاري (١)، ولفظ مسلم (٢): «لأربعٍ خلونَ من العشر وهم يُلبُّون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة». وفي لفظ (٣): «صلّى رسول الله ﷺ الصبح بذي طُوى، وقدم لأربعٍ [ق ١٩٩] مضين من ذي الحجة، وأمر أصحابه أن يحلّوا إحرامهم بعمرة إلا من كان معه الهدي». وفي لفظ له (٤): أهلَّ رسول الله ﷺ بالحج، فقدِمَ لأربع مضين من ذي الحجة، فصلّى الصبح، وقال حين صلّى الصبح: «من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة». وفي لفظ (٥): «فصلَّى الصبح بالبطحاء». وعن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده هديٌ فليحلل الحلَّ كله، فإن العمرة قد دخلت في

стр. 2508

الحج (١) إلى يوم القيامة». رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (٢). وعن مجاهد عن ابن عباس قال: أهلّ النبي ﷺ بالحج، فلما قدم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يقصّر ولم يحلّ من أجل الهدي، وأمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف وأن يسعى ويقصّر، أو يَحْلِق، ثم يحلّ. رواه أبو داود (٣)، وفيه يزيد بن أبي زياد. وعن [مجاهد عن] (٤) ابن عباس ﵄ قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ حُجّاجًا فأمرهم فجعلوها عمرة، ثم قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لفعلتُ كما فعلوا، لكن دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة». ثم أنشَبَ أصابعه بعضَها في بعض، فحلَّ الناس إلا من كان معه هديٌ (٥)، وقدم عليٌّ ﵁ من اليمن، فقال له رسول الله ﷺ : «بمَ أهللتَ؟» قال: أهللتُ بما أهللتَ به، قال: «فهل معك هدي؟» قال: لا، قال: «فأقمْ كما أنت ولك ثلثُ هَدْيِي»، قال: وكان مع رسول الله ﷺ مائة بدنةٍ. رواه أحمد (٦).

стр. 2509

وعن النهّاس عن عطاء عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا أهلَّ الرجل بالحج، ثم قدم مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حلَّ، وهي عمرة». رواه أبو داود (١)، ورواه أحمد (٢) وغيره عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس موقوفًا، وهو أشبه. وعن عكرمة عن ابن عباس: أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع (٣) وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلَّد الهدي». طُفْنا (٤) بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: «من قلَّد الهدي فإنه لا يحلّ له حتى يبلغ الهدي محلَّه»، ثم أمرنا عشية التروية أن نهلّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقد تمَّ حجنا وعلينا الهدي، كما قال الله : ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أمصاركم. الشاةُ تُجزئ، فجمعوا نُسكينِ في عام بين الحج والعمرة، فإن الله تعالى أنزله في كتابه وسَنَّه نبيُّه (٥) ﷺ ، وأباحه للناس غير أهلِ مكة، قال الله تعالى:

стр. 2510

﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن تمتَّع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم (١). والرفث: الجماع (٢)، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء. رواه البخاري (٣). وعن أبي جَمْرة قال: تمتَّعتُ فنهاني ناس، فسألت ابن عباس، فأمرني، فرأيت في المنام كأنّ رجلا يقول لي: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأخبرت ابن عباس، فقال: سنة النبي ﷺ ، فقال لي: أقِمْ عندي فأجعل لك سهمًا من مالي، فقال شعبة: فقلت: لم؟ فقال: للرؤيا التي رأيتُ (٤). وفي لفظ (٥): سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيها جَزور، أو بقرة، أو شِرْكٌ في دم، قال: وكأنّ ناسًا كرهوها، فنمتُ فرأيتُ في المنام كأن المنادي ينادي (٦): حج مبرور ومتعة متقبلة، فأتيتُ ابن عباس فحدَّثته، فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم ﷺ . متفق عليه. وعن مسلم القُرِّي سمع ابن عباس يقول: أهلّ النبي ﷺ بعمرة، وأهلّ أصحابه بحج، فلم يحلّ النبي ﷺ ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحلَّ بقيتُهم، وكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي فلم يحلَّ (٧). رواه أحمد

стр. 2511

ومسلم (١)، وروى أبو داود أولَه (٢). وعن مسلم أيضًا قال: سألتُ ابن عباس عن متعة الحج فرخَّص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها، فقال: هذه أم ابن الزبير تُحدِّث أن رسول الله ﷺ رخّص فيها، فادخلوا عليها، فاسألوها (٣)، قال: فدخلنا عليها فإذا هي امرأة ضَخْمة عمياء، فقالت: قد رَخَّص رسول الله ﷺ فيها. رواه مسلم (٤). وعن صفية بنت شيبة عن أسماء قالت: خرجنا محرمين، فقال رسول الله ﷺ : «من كان معه هَدْيٌ فليقمْ على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ فليحلِلْ». فلم يكن معي هديٌ، فحللتُ، وكان مع الزبير هديٌ فلم يحلّ، قالت: فلبستُ ثيابي، ثم خرجتُ إلى الزبير، فقال: قومي عني، فقلت: أتخشى أن أَثِبَ (٥) عليك» (٦)، وفي روايةٍ: «قدمنا مع رسول الله ﷺ مهلِّين بالحج». رواه مسلم (٧). وعن مجاهد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قدِمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك اللهم لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرة. رواه [ق ٢٠٠] البخاري (٨). وعن جابر بن عبد الله قال: أهللنا بالحج مع رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا

стр. 2512

مكة أمرنا أن نحلَّ ونجعلها عمرة، فكبُر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فقال: «يا أيها الناسُ، أحِلُّوا، فلولا الهدي الذي معي فعلتُ (١) كما فعلتم»، قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء، وفعلنا ما يفعل الحلال، حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظَهْرٍ (٢)، أهللنا بالحج (٣). [وفي رواية] (٤): قال: أهلّ النبي ﷺ هو وأصحابه بالحج (٥)، وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غير النبي ﷺ وطلحة، وقدم عليٌّ من اليمن ومعه هديٌ، فقال: أهللتُ بما أهلّ به النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا، ويقصّروا، ويحلّوا، إلا من كان معه الهدي، قالوا: ننطلق إلى مِنًى وذَكَرُ أحدِنا يقطُر! فبلغ ذلك النبي (٦) ﷺ فقال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أن معي الهديَ لأحللتُ»، وحاضت عائشة، فنسكت المناسكَ كلها غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت، قالت: يا رسول الله، تنطلقون (٧) بحجة وعمرة وأنطلقُ بحج! فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة. وأن سُراقة (٨) بن مالك بن جُعْشُم لقي النبي ﷺ بالعقبة

стр. 2513

وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصةً يا رسول الله؟ قال: «لا، بل للأبد». وفي رواية عن أبي شهاب (١) قال: قدمتُ متمتعًا مكةَ (٢) بعمرة، فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام، فقال لي أُناسٌ (٣) من أهل مكة: تصير الآن حجتك حجةً مكيةً، فدخلتُ على عطاء أستفتيه، فقال: حدثني جابر بن عبد الله ﵄ أنه حج مع النبي ﷺ يومَ ساقَ البُدْن معه، وقد أهلُّوا بالحج مفردًا، فقال لهم: «أحِلُّوا من إحرامكم بطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصِّروا ثم أقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهِلُّوا بالحج، واجعلوا التي قدِمتم بها متعة». فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمَّينا الحج؟ فقال: «افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقتُ الهدي لفعلتُ مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحلُّ مني حرام حتى يبلغ الهديُ محلَّه» ففعلوا (٤). متفق عليه. وهذان للبخاري. ولمسلم (٥): فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمسٌ أمرنا أن نُفْضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تَقْطُر مذاكيرُنا المنيَّ! قال جابر بيده كأني أنظر إلى قوله بيده يُحرِّكها، قال: فقام النبي ﷺ فينا، فقال: «قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبرُّكم، ولولا هديي لحللتُ كما تحِلُّون، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهديَ، فحِلُّوا»، فحللنا، وسمعنا وأطعنا.

стр. 2514

ولمسلم (١) قال: أمرنا النبي ﷺ لما أحللنا أن نحرم إذا توجَّهنا إلى منًى، قال: فأهللنا من الأبطح، فقال سراقة بن مالك بن جُعْشُم: يا رسول الله، لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله ﷺ : «لأبدٍ» (٢). ورواه أبو داود (٣) وغيره بإسناد صحيح، وفيه: ثم قام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله ﷺ ، أرأيتَ متعتَنا (٤) هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله ﷺ : «بل هي أبد». وعن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر في صفة حج النبي ﷺ قال جابر: لسنا نَنْوِي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرملَ ثلاثًا، ومشى أربعًا، وذكر طوافه وسعيه، قال: حتى إذا كان آخر طوافٍ على المروة، قال: «لو أني (٥) استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلَّ، وليجعلها عمرة» (٦). فقام سراقة بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبدٍ؟ فشبَّك رسول الله ﷺ أصابعه واحدةً في الأخرى (٧)، وقال: «دخلتِ العمرةُ في الحج ــ مرتين ــ لا، بل لأبد أبد». وقدم عليٌّ من اليمن ببُدْنِ النبي ﷺ ، فوجد فاطمة ممن حلَّ، ولبستْ ثيابًا صَبِيغًا واكتحلت،

стр. 2515

فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، قال: وكان علي ﵁ يقول بالعراق: فذهبتُ إلى رسول الله ﷺ محرِّشًا على فاطمة للذي صنعتْ، مستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرتُه أني أنكرتُ ذلك عليها، فقال: «صدقتْ صدقتْ (١)، ماذا قلتَ حين فرضتَ الحج؟» قال: قلتُ: اللهم إني أُهِلُّ بما أهلَّ به رسولك (٢)، قال: «فإنّ معي الهديَ فلا تَحِلَّ»، قال: فكان جماعةُ الهدي الذي قدِمَ به عليٌّ من اليمن والذي أتى به رسول الله ﷺ مائةً، قال: فحلَّ الناس كلُّهم وقصَّروا إلا النبيَّ ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجَّهوا إلى منًى، فأهلُّوا بالحج. رواه مسلم وغيره (٣). ورواه سعيد (٤) عن عتَّاب بن بَشِير (٥)، أبنا خُصَيف، عن عطاء، عن جابر قال: لما قدِمنا مكة سألَنا رسول الله ﷺ بأي شيء أهللتم؟ فقال بعضنا: بالحج، وقال بعضنا: بالعمرة، وقال بعضنا: بالذي أهللتَ به يا رسول الله، فقال (٦):

стр. 2516

«أحِلُّوا أجمعين إلا إنسان معه الهدي قلَّده، ولو استقبلتُ [ق ٢٠١] من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الهدي حتى أكون معكم حلالًا». فرأى أن الفضل في الإحلال، فقال سراقة بن مالك بن جُعْشُم: ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «لأبدِ الأبد (١)». وعن أبي نَضْرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرتُ ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: على يدي دار الحديثُ، تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ ، فلما قدم عمر قال: إن الله كان (٢) يُحِلُّ لرسوله ما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتِمُّوا الحج والعمرة لله، كما أمركم الله، واتَّقوا نكاحَ هذه النساء، فلن أوتَى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمتُه بالحجارة». وفي رواية: «وافْصِلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتمُّ لحجكم، وأتمُّ لعمرتكم». رواه مسلم (٣). وفي رواية صحيحة لأحمد (٤): قال جابر: تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر، فلما ولي عمر خطب الناس، فقال: إن القرآن هو القرآن، وإن رسول الله ﷺ هو الرسول، وإنهما كانتا متعتان (٥) على عهد رسول الله ﷺ : إحداهما متعة الحج، والأخرى متعة النساء. وعن [أبي] (٦) سعيد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نَصْرُخُ بالحج

стр. 2517

صُراخًا، فلما قدِمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورُحْنا إلى منًى أهللنا بالحج. رواه أحمد ومسلم (١). وعن البراء بن عازب قال: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج (٢) فلما قدمنا مكة قال: «اجعلوا حجكم عمرة»، قال: فقال الناس: يا رسول الله (٣)، قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة؟ قال: «انظروا ما آمرُكم به فافعلوا»، فردُّوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان (٤)، فرأتِ الغضبَ في وجهه فقالت: من أغضَبك أغضبه الله؟ فقال: «وما لي لا أغضبُ، وأنا آمر بالأمر فلا أُتَّبَع». رواه أحمد ــ: ثنا أبو بكر بن عياش ثنا أبو إسحاق عن البراء ــ، وابنُ ماجه (٥). وقال (٦) أبو داود (٧): ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج، ثنا يونس، عن

стр. 2518

أبي إسحاق (١)، عن البراء، قال: لما قدم عليٌّ من اليمن على رسول الله ﷺ قال: وجدتُ فاطمة قد لبست ثيابًا صبِيْغًا (٢)، وقد نَضَحَتِ الظهر للبيت بنَضُوحٍ (٣)، فقالت: ما لك (٤)! فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأحلُّوا (٥)، قلت لها: إني أهللتُ بإهلال النبي ﷺ ، قال: فأتيت النبي ﷺ فقال لي: «كيف صنعتَ؟» قال: قلت: أهللتُ بإهلال النبي ﷺ ، قال: «فإني قد (٦) سقتُ الهدي وقرنْتُ»، قال: فقال لي: «انحَرْ من البُدْن سبعًا وستين أو ستًّا وستين، وأمْسِكْ (٧) لنفسك ثلاثًا وثلاثين أو أربعًا وثلاثين، وأمسِكْ من كل بَدَنةٍ منها بَضْعَةً». رواه أبو داود بإسناد صحيح. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: صلّى رسول الله ﷺ ونحن معه (٨) بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب، حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله، وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحج

стр. 2519

وعمرة، وأهلَّ الناس بهما، فلما قدِمْنا أمرَ الناسَ فحلُّوا، حتى كان يوم التروية أهلُّوا بالحج. قال: ونحر النبي ﷺ بَدَناتٍ بيده قيامًا، وذبح بالمدينة كَبْشَين أملحينِ. رواه البخاري (١). وعن الربيع بن سَبْرة عن أبيه ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعُسْفان قال له سراقة بن مالك المُدْلِجي: يا رسول الله، اقضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما وُلِدوا اليوم، فقال: «إن الله قد أدخل عليكم في حجكم عمرةً، فإذا قدمتم فمن تطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلَّ، إلا من كان معه هديٌ». رواه أبو داود (٢). وعن سراقة بن مالك بن جُعْشُم ﵁ قال: تمتَّع رسول الله ﷺ وتمتَّعنا معه، فقلنا: ألنا خاصةً أم للأبد (٣)؟ قال: «بل للأبد». رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (٤). وفي رواية: أنه قال للنبي ﷺ : «اقْضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما وُلِدوا اليوم،

стр. 2520

ألعامنا أو للأبد؟ قال: «بل للأبد (١)، دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة». رواه سعيد (٢). وفي لفظ: أنه سأل رسول الله ﷺ عن العمرة، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ عمرتَنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «لا (٣)، بل للأبد، دخلت العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة». رواه الدارقطني (٤)، وقال: كلهم ثقات. وعن طارق بن شهاب عن أبي موسى قال: بعثني النبي ﷺ إلى قومي باليمن، فجئتُ وهو بالبطحاء، فقال: «بمَ أهللتَ؟» قلت: أهللتُ بإهلال النبي ﷺ قال: «هل معك من هَدْيٍ؟» قلت: لا، فأمرني فطفتُ بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللتُ، فأتيتُ امرأة من قومي فمشطَتْني، أو غسلَتْ رأسي، فقدم عمر فقال: «إن نأخذْ بكتاب الله فإن الله يأمرنا بالتمام، قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإن نأخذْ بسنة النبي ﷺ فإنه [ق ٢٠٢] لم يحلَّ حتى نحر الهدي». متفق عليه، وهذا لفظ البخاري (٥). ولفظ مسلم (٦): «قدمتُ على رسول الله ﷺ وهو مُنِيخٌ بالبطحاء، فقال: «بمَ أهللتَ؟» قال: قلت: أهللتُ بإهلال النبي ﷺ ، قال: «هل سقتَ من

стр. 2521

هدي؟» قلت: لا، قال: «فطُفْ (١) بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلّ»، قال: فطفتُ (٢) بالبيت وبالصفا والمروة (٣). ثم أتيت امرأة من قومي فمَشَطتْني، وغَسَلتْ رأسي، فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل، فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، فقلت: أيها الناس، من كنّا أفتيناه بشيء فليتَّئِدْ، فهذا أمير المؤمنين قادمٌ عليكم، فبِه فائتمُّوا. فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي أحدثتَ (٤) في شأن النسك؟ فقال: إن نأخذْ بكتاب الله فإن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وإن نأخذْ بسنة رسول الله ﷺ فإن النبي ﷺ لم يحلَّ حتى نحرَ الهدي. وعن إبراهيم بن أبي موسى عن أبيه أنه كان يُفتي بالمتعة، فقال رجل: رُويدَك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك، فلقيَه بعدُ فسأله (٥)، فقال عمر: قد علمتُ أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه، ولكن كرهتُ أن يظلُّوا (٦) مُعرِسين بهنّ في الأَراك (٧)، ثم يروحون في الحج تقطُر رؤوسهم. رواه أحمد ومسلم (٨).

стр. 2522

وفي روايةٍ لأحمد (١): عن أبي بُردة عن أبي موسى أن عمر قال: هي سنة رسول الله ﷺ يعني المتعة، ولكن (٢) أخشى أن يُعرِسوا بهن تحت الأراك، ثم يروحوا بهن حجَّاجًا. وعن غُنَيم بن قيس المازني قال: سألتُ سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج، فقال (٣): فعلناها وهذا يومئذٍ كافر بالعُرُشِ يعني بيوت مكة، يعني معاوية. رواه مسلم (٤). ويُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون سعد إنما عنى العمرة في أشهر الحج في الجملة، وعنى عمرة القضية، لأن معاوية كان مسلمًا في حجة الوداع، ولم يكن بمكة (٥) يومئذٍ كافر. وعن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه سمع سعد بن أبي وقّاص والضحاك بن قيس عامَ حجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما (٦) يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئس ما قلت ابنَ أخي (٧)، قال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك، فقال (٨) سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. رواه

стр. 2523

مالك وأحمد (١) والنسائي والترمذي (٢)، وقال: حديث صحيح. وعن مطرِّف عن عمران بن حُصَين ﵁ قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآنٌ يُحرِّمه، ولم ينْهَ عنها حتى مات. متفق عليه (٣). ولمسلم (٤): «تمتَّع النبي ﷺ وتمتعنَّا معه». وله (٥): «نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى يعني متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله ﷺ ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية المتعة (٦)، ولم ينْهَ عنها حتى مات». وفي رواية لأحمد ومسلم (٧) عن مطرِّف قال: قال لي عمران بن حصين: أحدِّثك بحديثٍ عسى الله أن ينفعك به. إن رسول الله ﷺ جمع بين

стр. 2524

حجة وعمرة، ثم لم ينْهَ عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يُحرِّمه. قال فيها رجلٌ برأيه ما شاء، وقد كان يُسلَّم عليَّ حتى اكتويتُ، فتُرِكْتُ، ثم تَركْتُ الكيَّ فعاد. وفي رواية صحيحة لأحمد (١): اعلَمْ أن رسول الله ﷺ قد أعْمرَ (٢) طائفةً من أهله في العشر، فلم تنزل آية تنسخ ذلك، ولم يَنْهَ عنه رسول الله ﷺ حتى مضى لوجهه، ارتأى كلُّ امرئ بعدُ ما شاء أن يَرْتَئي. وعن عبد الله بن شَقِيق أن عليًّا كان يأمر (٣) بالمتعة، وعثمان ينهى عنها، فقال عثمان كلمة، فقال علي: لقد علمتَ أنّا تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ ، فقال عثمان: أجلْ ولكنا كنّا خائفين. رواه أحمد ومسلم (٤). وعن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمان وعليًّا بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يُجمَع بينهما، فلما رأى ذلك عليٌّ أهلَّ بهما «لبيك بعمرة وحجة»، فقال عثمان: تراني أنهى الناس وأنت تفعله؟ قال: ما كنتُ لِأَدعَ سنةَ النبي ﷺ لقول أحدٍ. رواه أحمد والبخاري (٥)، وفي لفظٍ: «ولكن سمعتُ رسول الله ﷺ يُلبِّي بهما جميعًا». رواه سعيد في «سننه» بإسناد صحيح (٦).

стр. 2525

وعن سعيد بن المسيّب قال: اختلف علي وعثمان وهما بعُسْفان في المتعة، فقال علي: ما تُرِيد إلى (١) أن تنهى عن أمرٍ فعله رسول الله ﷺ (٢)؟ فلما رأى ذلك علي أهلَّ بهما جميعًا. متفق عليه، وهذا لفظ البخاري (٣). ولمسلم (٤): «اجتمع علي وعثمان بعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمرٍ فعلَه رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعْنا منك (٥)، فقال: إني لا أستطيع أن أدعَك، فلما رأى علي ذلك أهلَّ بهما جميعًا». وفي رواية لأحمد (٦) عن سعيد قال: خرج عثمان حاجًّا، حتى إذا كان ببعض الطريق [ق ٢٠٣] قيل لعلي ﵁: إنه قد نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال علي لأصحابه: إذا ارتحل فارتحلوا، فأهلَّ علي وأصحابه بعمرة، فلم يكلّم عثمان في ذلك، فقال له علي: ألم أُخْبَر أنك نهيتَ عن التمتع؟ قال: فقال: بلى، قال: فلم تسمَعْ رسول الله ﷺ تمتَّع؟ قال: بلى. وعن عبد الله بن الزبير قال: والله إنا لمع عثمان بالجُحْفة، ومعه رهطٌ من أهل الشام فيهم حبيب بن مسلمة الفِهْري، إذ قال عثمان ــ وذُكِر له التمتع
следующие страницы →