← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

هدي؟» قلت: لا، قال: «فطُفْ (١) بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلّ»، قال: فطفتُ (٢) بالبيت وبالصفا والمروة (٣). ثم أتيت امرأة من قومي فمَشَطتْني، وغَسَلتْ رأسي، فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل، فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، فقلت: أيها الناس، من كنّا أفتيناه بشيء فليتَّئِدْ، فهذا أمير المؤمنين قادمٌ عليكم، فبِه فائتمُّوا. فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي أحدثتَ (٤) في شأن النسك؟ فقال: إن نأخذْ بكتاب الله فإن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وإن نأخذْ بسنة رسول الله ﷺ فإن النبي ﷺ لم يحلَّ حتى نحرَ الهدي. وعن إبراهيم بن أبي موسى عن أبيه أنه كان يُفتي بالمتعة، فقال رجل: رُويدَك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك، فلقيَه بعدُ فسأله (٥)، فقال عمر: قد علمتُ أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه، ولكن كرهتُ أن يظلُّوا (٦) مُعرِسين بهنّ في الأَراك (٧)، ثم يروحون في الحج تقطُر رؤوسهم. رواه أحمد ومسلم (٨).

стр. 2522

وفي روايةٍ لأحمد (١): عن أبي بُردة عن أبي موسى أن عمر قال: هي سنة رسول الله ﷺ يعني المتعة، ولكن (٢) أخشى أن يُعرِسوا بهن تحت الأراك، ثم يروحوا بهن حجَّاجًا. وعن غُنَيم بن قيس المازني قال: سألتُ سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج، فقال (٣): فعلناها وهذا يومئذٍ كافر بالعُرُشِ يعني بيوت مكة، يعني معاوية. رواه مسلم (٤). ويُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون سعد إنما عنى العمرة في أشهر الحج في الجملة، وعنى عمرة القضية، لأن معاوية كان مسلمًا في حجة الوداع، ولم يكن بمكة (٥) يومئذٍ كافر. وعن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه سمع سعد بن أبي وقّاص والضحاك بن قيس عامَ حجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما (٦) يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئس ما قلت ابنَ أخي (٧)، قال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك، فقال (٨) سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. رواه

стр. 2523

مالك وأحمد (١) والنسائي والترمذي (٢)، وقال: حديث صحيح. وعن مطرِّف عن عمران بن حُصَين ﵁ قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآنٌ يُحرِّمه، ولم ينْهَ عنها حتى مات. متفق عليه (٣). ولمسلم (٤): «تمتَّع النبي ﷺ وتمتعنَّا معه». وله (٥): «نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى يعني متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله ﷺ ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية المتعة (٦)، ولم ينْهَ عنها حتى مات». وفي رواية لأحمد ومسلم (٧) عن مطرِّف قال: قال لي عمران بن حصين: أحدِّثك بحديثٍ عسى الله أن ينفعك به. إن رسول الله ﷺ جمع بين

стр. 2524

حجة وعمرة، ثم لم ينْهَ عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يُحرِّمه. قال فيها رجلٌ برأيه ما شاء، وقد كان يُسلَّم عليَّ حتى اكتويتُ، فتُرِكْتُ، ثم تَركْتُ الكيَّ فعاد. وفي رواية صحيحة لأحمد (١): اعلَمْ أن رسول الله ﷺ قد أعْمرَ (٢) طائفةً من أهله في العشر، فلم تنزل آية تنسخ ذلك، ولم يَنْهَ عنه رسول الله ﷺ حتى مضى لوجهه، ارتأى كلُّ امرئ بعدُ ما شاء أن يَرْتَئي. وعن عبد الله بن شَقِيق أن عليًّا كان يأمر (٣) بالمتعة، وعثمان ينهى عنها، فقال عثمان كلمة، فقال علي: لقد علمتَ أنّا تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ ، فقال عثمان: أجلْ ولكنا كنّا خائفين. رواه أحمد ومسلم (٤). وعن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمان وعليًّا بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يُجمَع بينهما، فلما رأى ذلك عليٌّ أهلَّ بهما «لبيك بعمرة وحجة»، فقال عثمان: تراني أنهى الناس وأنت تفعله؟ قال: ما كنتُ لِأَدعَ سنةَ النبي ﷺ لقول أحدٍ. رواه أحمد والبخاري (٥)، وفي لفظٍ: «ولكن سمعتُ رسول الله ﷺ يُلبِّي بهما جميعًا». رواه سعيد في «سننه» بإسناد صحيح (٦).

стр. 2525

وعن سعيد بن المسيّب قال: اختلف علي وعثمان وهما بعُسْفان في المتعة، فقال علي: ما تُرِيد إلى (١) أن تنهى عن أمرٍ فعله رسول الله ﷺ (٢)؟ فلما رأى ذلك علي أهلَّ بهما جميعًا. متفق عليه، وهذا لفظ البخاري (٣). ولمسلم (٤): «اجتمع علي وعثمان بعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمرٍ فعلَه رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعْنا منك (٥)، فقال: إني لا أستطيع أن أدعَك، فلما رأى علي ذلك أهلَّ بهما جميعًا». وفي رواية لأحمد (٦) عن سعيد قال: خرج عثمان حاجًّا، حتى إذا كان ببعض الطريق [ق ٢٠٣] قيل لعلي ﵁: إنه قد نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال علي لأصحابه: إذا ارتحل فارتحلوا، فأهلَّ علي وأصحابه بعمرة، فلم يكلّم عثمان في ذلك، فقال له علي: ألم أُخْبَر أنك نهيتَ عن التمتع؟ قال: فقال: بلى، قال: فلم تسمَعْ رسول الله ﷺ تمتَّع؟ قال: بلى. وعن عبد الله بن الزبير قال: والله إنا لمع عثمان بالجُحْفة، ومعه رهطٌ من أهل الشام فيهم حبيب بن مسلمة الفِهْري، إذ قال عثمان ــ وذُكِر له التمتع

стр. 2526

بالعمرة إلى الحج ــ: إنَّ أتمَّ الحجِّ والعمرةِ أن لا يكونا في أشهر الحج، فلو أخَّرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زَوْرَتين كان أفضل، فإن الله تعالى قد وسَّع في الخير. وعلي بن أبي طالب ببطن الوادي يَعْلِف بعيرًا له، قال (١): فبلغه الذي قال عثمان ﵄، فأقبل حتى وقف على عثمان فقال: أعَمَدْتَ إلى سنةٍ سنَّها رسول الله ﷺ ورخصةٍ رخَّص الله بها للعباد في كتابه تُضيِّق عليهم فيها وتنهى عنها، وقد كانت لذي الحاجة ولنائي الدار؟! ثم أهلَّ بحجة وعمرة معًا، فأقبل عثمان على الناس فقال: وهل نهيتُ عنها؟ إني لم أَنْهَ عنها، إنما كان رأيًا أشرتُ به، فمن شاء أخذ به، ومن شاء تركه. رواه أحمد (٢). ومعنى قول عثمان ﵁ أنا كنا [خائفين] على عهد رسول الله ﷺ ، لأنّا كنا مشغولين بالجهاد عن إنشاء سفرةٍ أخرى للعمرة، لكون أكثر [أهل] الأرض كانوا كفّارًا، فأما اليوم فإن الناس (٣) قد أَمِنُوا، فإفراد كل واحدٍ من النسكين بسفرةٍ هو الأفضل. وقد روى سعيد (٤) عن سلَّام (٥) بن عمرو قال: شهدتُ عليًّا وعثمان

стр. 2527

وهما يفتيان (١) فُتيا شتى؛ عليٌّ يأمر بالمتعة، وعثمان ينهى عنها، فقال عثمان لعلي: هل أنت مُنتهٍ؟ ثم قال: يا أيها الناس إن الله قد أمَّنكم، ألا إن الحج التامّ من أهليكم، والعمرة التامّة من أهليكم. ومثل هذا عن إبراهيم قال: إنما كانت المتعة إذ (٢) كان الناس يَشْغَلُهم الجهاد عن الحج، فأما اليوم فقد أمَّن الله الساحةَ ونفى العدوَّ، فجرِّدوا. رواه سعيد (٣). وعن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلةَ آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقلْ: عمرة في حجة». رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه (٤). وفي لفظٍ للبخاري (٥): «وقل: عمرة وحجة». قال الوليد بن مسلم: يعني ذا الحليفة. وهذا يحتمل أن يكون هو القِران كما فسَّره بعض الناس، ويحتمل أن يكون هو التمتع، كما جاء: «دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة» (٦)، يعني بها المتعة.

стр. 2528

وكذلك أم سلمة وأزواج النبي ﷺ أمرت الرجل أن يعتمر قبل أن يحج، واحتجت أم سلمة بقول النبي ﷺ : «أهِلُّوا يا آلَ محمد بعمرة في حج» (١). فعُلِم أن المعتمر في أشهر الحج قد أهلّ بعمرة في حجة. وفي حديث سَبْرة بن معبد: «إن الله قد أدخل عليكم في حجكم عمرةً، فإذا قدِمتم فمن تطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلَّ، إلا من كان معه هدي» (٢). وهذا لأن المتمتع إنما يريد الحج الأكبر، وله يسافر، وإليه يقصد، ويدخل في ضمن حجِّه عمرةٌ؛ ولهذا قال: «عمرة في حجة». فعُلِم أنها عمرة تُفعَل في أثناء حجة، ولو كان ذلك القران لقال (٣): «حجة فيها عمرة»؛ لأنه إنما يحرم بالحج، والعمرة تدخل بالنية فقط، وقوله: «عمرة وحجة» لا يخالف ذلك؛ لأن المتمتع بالعمرة إلى الحج أقربُ إلى أن يكون أتى بعمرة وحجة من القارن الذي لم يزد على عمل الحاج. فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ : أخبروا أن النبي ﷺ أمرهم بالمتعة، وأنهم تمتَّعوا معه، وأنها كانت آخر الأمرين، وأخبروا أيضًا أن النبي ﷺ تمتَّع، لكن هل كانت متعة عمرةٍ أو متعة قرانٍ؟ هذا هو الذي وقع التردد فيه. وكذلك اختلفت الرواية عن الإمام أحمد؛ هل الأفضل في حقِّ من ساق الهدي أن يتمتَّع بعمرة، أو أن يَقرِن بينهما؟ فروي عنه أن القران أفضل بناءً على أن النبي ﷺ كان قارنًا.

стр. 2529

وذكر ابن عبد البر (١) عنه أنه قال: لا شكَّ أن النبي ﷺ كان قارنًا، والتمتع أحب إليَّ، واحتج لاختياره التمتع بأن النبي ﷺ قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهديَ ولجعلتُها عمرة». ويُوضِّح هذا أنه قد رُوي أنه قرنَ مفسَّرًا، فروى بكر بن عبد الله المزني عن أنس ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يلبِّي بالحج والعمرة جميعًا، قال بكر: فحدّثتُ بذلك ابن عمر، فقال: لبَّى بالحج وحده. فلقيتُ أنسًا فحدّثتُه، فقال أنس: ما تعدُّونا إلا صِبيانًا! سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لبيك عمرةً وحجًّا». متفق عليه (٢). وهذا إخبار عن لفظ رسول الله ﷺ . وقد تقدَّم عن أنس أن النبي ﷺ صلّى الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء، حمد الله وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحج وعمرة، وأهلَّ الناس بهما. رواه البخاري (٣). وعن يحيى بن أبي إسحاق (٤) وعبد العزيز بن صُهيب وحُميد أنهم سمعوا أنسًا قال: سمعت رسول الله ﷺ أهلَّ [ق ٢٠٤] بهما: «لبيك عمرةً وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا». رواه مسلم (٥).

стр. 2530

وعن أبي قُدامة قال: قلت لأنس بن مالك: بأي شيء كان رسول الله ﷺ يهلُّ؟ فقال: سمعته يقول سبع مرات (١): «بعمرة وحجة، بعمرة وحجة». رواه أحمد (٢). وقد تقدم عن البراء ﵁ أن النبي ﷺ قال لعلي: «[سقتُ الهدي] وقرنتُ (٣)»، وهذا أيضًا صريح لا يعارضه ظاهر. وقد تقدم عن علي وعثمان ﵄ أنهما أخبرا أن النبي ﷺ تمتَّع، وكذلك عن عمران بن حُصين، وفسَّروا التمتع بأنه جمع بين الحج والعمرة. وعن سُراقة بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة». قال: وقرنَ رسول الله ﷺ في حجة الوداع. رواه أحمد (٤). وعن الصُّبَيّ بن مَعبد قال: كنتُ رجلًا نصرانيًّا، فأسلمتُ، فأهللتُ بالحج والعمرة، فسمعني سلمان بن ربيعة وزيد بن صُوحان، وأنا أُهِلُّ بهما جميعًا بالقادسية، فقالا: لَهذا أضلُّ (٥) من بعيره، فكأنما حُمِلَ عليَّ بكلمتهما جبلٌ، فقدِمتُ على عمر بن الخطاب ﵁، فأخبرتُه، فأقبل

стр. 2531

عليهما فلامهما، ثم أقبل عليَّ فقال: هُدِيتَ لسنة النبي ﷺ . رواه الخمسة إلا الترمذي (١)، وقال الدارقطني: هو حديث صحيح. وعن ابن عباس قال: أخبرني أبو طلحة أن رسول الله ﷺ جمع بين الحج والعمرة. رواه أحمد وابن ماجه (٢)، وفيه حجاج بن أرطاة. وعن أبي قتادة قال: إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحج والعمرة؛ لأنه علم أنه ليس بحاجٍّ بعدَها. رواه الدارقطني (٣). وكلُّ من روى أن النبي ﷺ تمتَّع فإنه لا يخالف هذا، فإن الروايات قد اتفقت على أن النبي ﷺ لم يَحِلَّ من إحرامه لأجل الهدْي الذي ساقه؛ فعُلِم أنه ليس المقصود بذلك أنه حلَّ من إحرامه. والمتعة اسم جامع للعمرة في أشهر الحج، فمن اعتمر في أشهر الحج قبل حجته أو مع حجته فإنه يسمَّى متمتعًا، كما تقدم ذكره في هذه الأحاديث

стр. 2532

وغيرها؛ لأنه ترفَّه بسقوط أحد السفرين؛ ولهذا وجب الدم عليهما، فيُحْمل قول من روى أنه تمتَّع على تمتُّع القران، فإن كل قارنٍ متمتعٌ. وأما المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يَحِلَّ من إحرام العمرة حتى أهلّ بالحج، فإن من أصحابنا من يقول: هذا قارنٌ؛ لأنه جمع بين النُّسكين بإحلال وإحرام، لكن طاف للعمرة أولًا وسعى، ثم أحرم بالحج. وأكثر أصحابنا يجعلون هذا متمتعًا، وهو المنصوص عن أحمد، فيجوز أن يقال: إن النبي ﷺ كان قارنًا بهذا الاعتبار. ولو سُمِّي المتمتع قارنًا لأنه جمع بين النسكين في أشهر الحج، لكن المتمتع يطوف أولًا ويسعى لعمرته، والقارن يطوف أولًا لعمرته وحجته، ثم يطوف ويسعى. والرواية الثانية: ... (١). فإن قيل (٢): أما ما ذكرتم من أمر النبي ﷺ أصحابه بالإحلال والمتعة فهذا حق، لكن هذا هو فسخُ الحج إلى العمرة، وهذا الفسخ كان خاصًّا لأصحاب النبي ﷺ ، وإذا كان الفسخ خاصًّا لهم، والمتعة إنما حصلت بالفسخ، فتكون تلك المتعة المستحبة في حقهم خاصةً لهم، فلا يتعدَّى حكمُها إلى غيرهم. والدليل على أن الفسخ خاصٌّ لهم أن الله أمر في كتابه بإتمام الحج والعمرة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومن فسخَ الحجَّ إلى العمرة فلم (٣) يُتِمَّه، وهذا معنى ما ذكره عمر ﵁ حيث قال: «إن

стр. 2533

نأخذْ بكتاب الله فإن الله يأمر (١) بإتمام الحج والعمرة» (٢)، وهذا الخطاب عامٌّ، خرجوا هم منه بالسنة، فيبقى باقي الناس على العموم. وأيضًا ما روى عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث (٣) المزني عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، فسخُ الحج لنا خاصةً أم للناس عامة؟ قال: «بل لنا خاصة». رواه الخمسة إلا الترمذي (٤)، وفي رواية (٥): «أو لمن بعدنا؟». وهذا نصٌّ منه ﷺ . وأيضًا فلو لم تكن متعة الفسخ خاصةً بهم، بل كان حكمها عامًّا، لوجب أن يجب ذلك على الناس؛ لأن النبي ﷺ أمرهم بذلك، وغضِبَ إذ لم يطيعوه، ومعلوم أنه لا يجب الفسخ، فعُلِم أن ذلك كان مختصًّا بهم. وأيضًا فما روي عن إبراهيم التَّيمي (٦) عن أبيه عن أبي ذر ﵁ قال: كانت المتعة في الحج (٧) لأصحاب محمد ﷺ خاصة. رواه مسلم والنسائي

стр. 2534

وابن ماجه (١). وعن سُلَيم بن الأسود أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخَها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للرَّكْب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ . رواه أبو داود (٢). وعن يحيى بن سعيد الأنصاري: حدثني المرقَّع الأسدي (٣) ــ وكان رجلًا مرضيًّا ــ أن أبا ذر صاحب النبي ﷺ قال: كانت رخصةً لنا ليست لأحدٍ بعدَنا. قال يحيى: وحقَّق ذلك عندنا أن أبا بكر وعمر وعثمان لم ينقضوا حجًّا لعمرة، ولم يُرخِّصوا لأحد، وكانوا هم أعلمَ برسول الله ﷺ وبما فعل في حجه ذلك ممن سهَّل نقضَه. رواه الليث عنه (٤). وقد قال أحمد في رواية الأثرم (٥): المرقَّع شاعر من أهل الكوفة لم يلقَ أبا ذر (٦).

стр. 2535

وقد تقدم قول عمر: [ق ٢٠٥] «إن الله يُحِلّ لرسوله ما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتِمُّوا الحج والعمرة لله، كما أمركم الله»، وقول عثمان لعليٍّ لما احتج عليه بفعل المتعة على عهد رسول الله ﷺ فقال: «كنّا خائفين». وعن عثمان أيضًا أنه (١) سئل عن متعة الحج فقال: كانت لنا وليست لكم. رواه سعيد (٢). وأيضًا فإنه قد ثبت عن (٣) عمر، وعثمان، ومعاوية، وابن الزبير، وغيرهم من الصحابة النهيُ عن المتعة وكراهتهم لها، كما تقدَّم بعضه. وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ نهى عن متعة الحج ومتعة النساء. وعن أبي قِلابة قال: قال عمر ﵁: متعتانِ كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنهى عنهما وأُعاقِب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج. رواهما سعيد (٤).

стр. 2536

ومعلوم أن التمتع بالعمرة إلى الحج لا يُكْره (١) بالاتفاق، فيجب أن يُحمل نهيهم على متعة الفسخ، والرخصة على المتعة المبتدأة؛ توفيقًا بين أقاويلهم، ولولا علمهم بأن ذلك خاص للرَّكْب الذين كانوا مع النبي ﷺ لم يُقدِموا على تغيير حكم الشريعة، ولم يطاوِعْهم المسلمون على ذلك، ولا يجوز لمسلم أن يظن بهم ذلك. وإن كانوا قد نهوا عن جميع أنواع المتعة نهيَ تنزيهٍ، أو نهيَ اختيارٍ للأَولى، فيعلم أنهم اعتقدوا أن الإفراد أفضل؛ ولهذا إنما كانت المنازعة في جواز التمتع لا في (٢) فضله، ويجعلونها رخصةً للبعيد عن مكة. وأيضًا فإنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون التمتع بالعمرة إلى الحج من أفجر الفجور، فأمرهم النبي ﷺ بفسخ الحج إلى العمرة؛ ليبيِّن جواز العمرة في أشهر الحج، وقد حصل معرفة ذلك وعُلِم، فلا حاجة إلى الخروج عن عقد لازم، أو أنه أذنَ لهم في الفسخ لأنه لم يكن يعلم أولًا جواز العمرة قبل الحج. والذي يبيِّن أن الإفراد أفضل من متعتي القران والعمرة المبتدأة أن النبي ﷺ أفرد الحج، بدليل ما روى القاسم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أفرد الحج. رواه الجماعة إلا البخاري، وقد تقدم عنها في المتفق عليه أن رسول الله ﷺ أهلَّ بالحج وأهلَّ به ناس معه، وأن ناسًا أهلُّوا بعمرة (٣)، وناسًا أهلُّوا بالحج والعمرة.

стр. 2537

وعن ابن عمر ﵄ قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردًا، وفي لفظ: «أن رسول الله ﷺ أهلَّ بالحج مفردًا». رواهما مسلم (١). وعن زيد بن أسلم قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن حج النبي ﷺ ، فقال: أفْرَدَ الحج، فلما كان العام (٢) المقبل أتاه فسأله عنه (٣)، فقال: أليس قد أعلمتُك عامَ أولَ أنه أفرد الحج؟ قال: أتانا أنس بن مالك، فأخبرنا أن النبي ﷺ قرنَ، فقال ابن عمر: إن أنس بن مالك كان يتولَّج على النساء وهنّ منكشفاتٌ لا يستترنَ لصغره، وكنت أنا تحت ناقة رسول الله ﷺ يَسيل عليَّ لعابُها. رواه ... (٤). وعن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ ... (٥). وتقدم عن ابن عباس أن النبي ﷺ أهلَّ بالحج، فقدِمَ لأربعٍ مضينَ من ذي الحجة، فصلّى الصبح، وقال لما صلّى الصبح: «من شاء أن يجعلها

стр. 2538

عمرة فليجعلها عمرة». رواه مسلم (١). وعن جابر أن النبي ﷺ أفرد الحج. رواه ابن ماجه (٢). وفي حديثه المتفق عليه (٣): «أهلَّ النبي ﷺ وأصحابه بالحج». وجابر من أحسن الناس سياقًا لحجة رسول الله ﷺ ، وهو يقول (٤): «لسنا نَنْوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة». وإذا ثبت أنه أهلَّ بالحج، فيجب أن تُحمل رواية من روى أنه تمتَّع: على أنه أمر به أصحابه لما أمرهم بالفسخ وهو لم يفسخ، وما فعله رسول الله ﷺ فهو أفضل مما فعله غيره، لا سيما فيما لا (٥) يتكرر منه؛ فما كان الله ليؤثِرَ نبيَّه ﷺ إلا بأفضل السبل والشرائع. وقوله ﷺ : «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتُها متعةً» إنما قال ذلك لما رآهم قد كرهوا المتعة، فأحبَّ موافقتهم، وإن كان ما معه أفضل. وقد يُؤثِرُ المفضولَ إذا كان فيه اتفاق القلوب، كما

стр. 2539

قال: «لولا أن قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية لنقضتُ الكعبة» الحديث (١). فترك ما كان يحبُّه تسكينًا للقلوب، وقد كان يَدَع العمل وهو يحبُّ أن يعمل به (٢)، خشيةَ أن يعمل به الناس فيُفْرَض عليهم فِعْلُهم (٣). ويبيِّن ذلك ما روى ... (٤). ويقرِّر ذلك أن الخلفاء الراشدين بعده أفردوا الحج، وإذا اختلفت الأحاديث عن النبي ﷺ نظرنا إلى ما عمل (٥) به الخلفاء الراشدون؛ فروى أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي ﷺ فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدِمَ أنه توضأ، ثم طاف (٦) بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججتُ مع أبي الزبير (٧) بن العوام، [ق ٢٠٦] فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة (٨)، ثم آخر من رأيتُ فَعَلَ ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها عمرة،

стр. 2540

وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدؤون بشيء حتى يضعوا (١) أقدامهم من الطواف بالبيت، ثم لا يحلّون، وقد رأيتُ أمي وخالتي حين تَقْدَمانِ لا تبتدئان بشيء أولَ من البيت تطوفان به، ثم لا تحلّان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلَّت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلُّوا. رواه البخاري (٢). وأيضًا فإن المتعة تفتقر إلى دم، فإن كان دمَ جُبرانٍ فالنسك التامّ الذي (٣) لا يفتقر إلى جَبْرٍ أفضلُ مما يُجْبر، بدليل حجتين (٤) أو عمرتين قد جُبِر إحداهما بدم، وتمَّ الآخر بنفسه. وإن كان دمَ نسكٍ فمعلوم أنه إنما وجب لِمَا سقط عن المتمتع من أحد السفرين وهو نسك، وإذا دار الأمر بين نسك الفعل ونسك الذبح، كان نسك الفعل أفضل، فإن فيه عبادة بدنية ومالية؛ ولهذا عامة الدماء لا تُشْرَع إلا عند عَوَزِ الأعمال. وأيضًا فإن المفرِد يأتي بالإحرام تامًّا كاملًا من حين يُهِلُّ من الميقات ثم يأتي بالعمرة كاملة، فيفعل كل (٥) ما يفعله المتمتع وزيادة، ويستوعب الزمان بالإحرام. وأيضًا فإن المتعة في الأصل رخصة، والعزائم أفضل من الرُّخَص. قلنا (٦): أما قولهم: فسخُ الحج كان مختصًّا بهم، والتمتع إنما كان

стр. 2541

بالفسخ، فعنه أجوبة: أحدها: أن الفسخ حكم ثابت في حق جميع الأمة كما سنبينه إن شاء الله تعالى، فمتعتُه كذلك. ولهذا مذهبُ أحمد وأصحابه أن المستحبّ لمن أحرم بحج مفرد، أو بعمرة وحج، أو أحرم (١) إحرامًا مطلقًا، أو أحرم بمثل ما أحرم به فلان= أن يفسخوا الحج إلى العمرة ويتمتعوا بالعمرة إلى الحج امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ وطاعةً له، وإن كان بعض العلماء لا يجيزه (٢) فليس لأحدٍ مع السنة كلام، ولا يُشرَع الاحتراز من اختلافٍ يفضي إلى ترك ما نَدَبتْ إليه السنة؛ كما استحببنا التطيُّب قبل الإحرام وبعد الإحلال الأول اتباعًا للسنة، وفي جوازه من الخلاف ما قد عُلِم، وكما استحببنا (٣) التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة، وفي كراهته من الخلاف ما قد عُلِم، ونظائره كثيرة. الثاني: أن أمرهم بالمتعة تضمَّن شيئين: أحدهما: جواز الفسخ. والثاني: استحباب التمتع واختياره. فإذا بطل أحدهما لم يبطُل الآخر، وهذا لأنه لو لم تكن المتعة أفضل من غيرها لكان النبي ﷺ قد اختار لأصحابه ما غيره أفضل منه، وحضَّهم على ذلك، والتزم لأجله فسخَ الحج، وبيَّن أنه إنما منعه من التحلل معهم سَوْقُ هدْيِه، ولا يجوز أن يُعتقد أن النبي ﷺ يختار لهم ما غيره أفضل منه.

стр. 2542

الثالث: أن في حديث عائشة المتفق عليه عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحبَّ أن يهلّ بعمرة فليهلّ، ومن أحبَّ أن يهلّ بحج فليهلّ، فلولا أني أهديتُ لأهللتُ بعمرة» (١). وهذا نصٌّ في أن الإهلال بالعمرة لغير المُهدِي أفضل، وقال أيضًا ... (٢). الرابع: أنه ﷺ قال في آخر الأمر بمكة: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولجعلتها عمرة»، وفي لفظ: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أن معي الهدي لأحللتُ» (٣). فبيَّن أنه ﷺ لو كان ذلك الوقت مستقبلًا للإحرام الذي استدبره لأحرم بعمرة إذا لم يكن معه هدي، وهو لا يتأسف إلا (٤) على فوات الأفضل. فعُلِم أن من لم يَسُقِ الهدي فإن الأفضل له العمرة. وأما قولهم: إنما تأسَّف على الموافقة. قلنا: في الحديث ما يردُّ هذا، فإنه قال (٥) فرأى أن الفضل في الإحلال. هكذا في حديث جابر (٦)، ثم ذلك في سَوْق الهدي، أي: لو استقبلتُ من أمري ما سقتُ الهدي موافقةً لكم، وإن كان سَوْق الهدي أفضل، لكن إذا لم يسق الهدي فقد بيَّن أنه يحلُّ من إحرامه ويجعلها عمرة، مع أنه لا ضرورة

стр. 2543

إلى هذا، فلو كان هذا مفضولًا مع ترك سَوْق الهدي لكان قد اختار لنفسه ولأصحابه ما غيره أفضل منه، وذلك غير جائز. والدليل على أن فسخ الحج إلى العمرة جائز، وأنه هو الأفضل من المقام على الحج لمن يريد أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة= هذه الأحاديث الصِّحاح الصِّراح (١) التي ذكرناها، مع ما احتج به ابن عباس من ظاهر القرآن. قال أحمد في رواية عبد الله (٢): كان ابن عباس يختار المتعة من أمر رسول الله ﷺ أصحابَه بالإحلال، وقال: ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: قلت له: من أين كان (٣) ابن عباس أخذ أنه من (٤) طاف بالبيت فقد (٥) حلَّ؟ قال: من قول الله : ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ومن أَمْرِ النبي ﷺ أصحابه أن يحلُّوا في حجة [ق ٢٠٧] الوداع. فكأن ابن عباس رأى أن الشعائر اسم يجمع مواضع النسك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال: ﴿الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، ويعمُّ الأفعال التي يفعلها الناسك، ويعمُّ الهدايا التي تُهدى إلى البيت. وبيَّن أن محلّ ... (٦).

стр. 2544

وأما قوله: إن الفسخ لا يجوز إلا لذلك الوفد (١) خاصةً، فغير صحيح لوجوه: أحدها: أن ما ثبت في حق الواحد من الأحكام ثبت في حق جميع الأمة، وهذا مما يُعلَم بالاضطرار من دين الإسلام، وحيث ما خصّ الواحد بحكم، فلا بدّ أن يكون اختصاصه بذلك الحكم لعلةٍ اختصّ بها، لو وُجِدت في غيره لكان حكمه حكمه، ولا بدّ من دليل على التخصيص، كما قال لأبي بُردة بن نِيَار في الأضحية: «تَجزِيك ولا تَجزِيْ عن أحدٍ بعدك» (٢)؛ لأنه كان قد (٣) ذبح قبل أن يسنّ وقت الأضحية، وكما خصّ سالمًا مولى أبي حذيفة بأن يرتضع (٤) كبيرًا؛ لأنه قد تُبنِّي قبل أن يحرِّم الله (٥) سبحانه أن يُدعى الرجل لغير أبيه (٦). ثم إن التخصيص يكون لواحدٍ، وهنا أمرَ جميعَ من حجَّ معه بالتحلل، وقد أمر مَن بعدهم بالاقتداء بهم، فلو كانوا مخصوصين بذلك لوجب بيانه

стр. 2545

وإظهار ذلك وإشاعته، وإلا فلو ساغ دعوى مثل هذا لساغ أن يُدَّعى اختصاصُهم بكثير من الأحكام، وحينئذٍ ينقطع اتباع غيرهم له (١) وإلحاقهم به، وفي هذا تعطيل للشريعة، وما ذكروه من مستند التخصيص سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى (٢). الثاني: أن النبي ﷺ قد بيَّن بيانًا شافيًا أن هذه العمرة المتمتَّع (٣) بها التي فسخَ الحجَّ إليها حكمٌ مؤبَّد إلى يوم القيامة؛ لِمَا أطلعه الله تعالى عليه أن سيكون قوم يدَّعون أن هذا (٤) كان مخصوصًا بهم. ففي صحيح مسلم (٥) من حديث جابر: «حتى إذا كان آخر طوافٍ على المروة، قال: «لو أني (٦) استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي وجعلتُها (٧) عمرة، فمن كان منكم ليس معه هديٌ فليحلّ وليجعلها عمرة». فقام سراقة بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبدٍ؟ فشبَّك رسول الله (٨) ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: «دخلت العمرة في الحج» مرتين، «لا بل لأبدِ أبدٍ».

стр. 2546

وفي رواية للبخاري (١): «أن سُراقة بن مالك بن جُعْشم لقي النبي ﷺ بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: «لا (٢)، بل للأبد». وفي حديث ابن عباس: فأمرهم فجعلوها عمرة، ثم قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لفعلتُ كما فعلوا، لكن دخلتِ العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة». ثم أنشبَ (٣) أصابعَه بعضَها في بعضٍ (٤). فبيَّن النبي ﷺ أن ذلك الذي فعلوه ليس لهم خاصة، وإنما هو للأبد. ولا يجوز أن يقال: إنما أشار إلى العمرة قبل الحج، وهو التمتع، فبيَّن أن التمتع جائز إلى يوم القيامة، ولم يقصد الفسخ؛ لما روى ابن بطَّة في مسألةٍ أفردها في الفسخ (٥) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن سراقة بن مالك (٦) بن جُعشم سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيتَ ما أمرتَنا به من

стр. 2547

المتعة وإحلالنا من حجّنا (١)، لنا خاصةً أو هو شيء للأبد؟ فقال: «بل هو للأبد». وفي لفظ آخر: قال: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصةً أم للأبد؟ قال: «بل للأبد». وهذا نصٌّ في أن المراد فسخ الحج إلى عمرة التمتع، وأن حكم ذلك باقٍ إلى الأبد. وروى أيضًا (٢) عن طاوس قال: عليٌّ هو الذي سأل النبي ﷺ أنَفْسَخُ لمدتنا هذه، أم للأبد (٣)؟ قال: «للأبد». وعن طاوس قال له رجل: من سَنَتِنا هذه؟ قال: «لا، بل لأبدٍ» (٤). لأن النبي ﷺ أشار إلى الذي فعلوه، والذي فعلوه أنهم قَدِمُوا ينْوُون الحج لا يعرفون العمرة، فقال لهم: «إذا طُفتم بالبيت وبين الصفا والمروة

стр. 2548

فحلُّوا من إحرامكم، واجعلوها عمرةً (١) إلا من ساق الهدي». وسياق حديث جابر واضح في ذلك، والتمتُّع المحْض لم يجرِ له ذكرٌ ولا فعلَه عامَّتُهم، وإن كان قد فعله قليلٌ منهم، وقد قال له (٢) سُراقةُ بن جُعشم: أرأيتَ عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «للأبد» (٣). وقوله: «عمرتنا هذه» صريح في العمرة التي تحلَّلوا بها من حجهم. وأيضًا فإنه لو كان هذا هو المقصود لبيَّن النبي ﷺ ذلك، ولم يطلق الجواب إطلاقًا، بل قال: أما المتعة فجائزة، وأما الفسخ فخاص لنا؛ لأن السؤال وقع عما فعلوه، فلو كان مشتملًا على ما هو لذلك العام وللأبد لوجب تفصيل الجواب. وأيضًا فقوله: «دخلتِ العمرةُ في الحج» مرّتين نصٌّ في أن الحج تدخل فيه العمرة إلى يوم القيامة، وهو يعمُّ الاعتمارَ قبل الحج، سواء كان نوى العمرة أولًا، أو نوى الحج ثمَّ (٤) حلَّ (٥) من إحرامه. ولا يجوز أن يقصد به القسم الأول فقط؛ لأن سبب الحديث هو القسم الثاني، وسبب اللفظ العام

стр. 2549

لا بدَّ أن يكون داخلًا فيه لا يجوز إخراجه منه، وظاهره أن كل حج يجوز أن يدخل فيه عمرة، سواء كان قد أحرم بها ابتداء، أو حلَّ من الحج بعمرة ثم أهلَّ بالحج. وليس المراد بذلك جواز فعل العمرة في أشهر الحج، سواء حج أو لم يحج؛ لأن قوله [ق ٢٠٨] في الحج حقيقةٌ (١) في الفعل، ولاسيَّما وقد شبَّك ﷺ بين أصابعه، واليدان كل واحدة منهما (٢) من جنس الأخرى، فلا بدَّ أن يكون (٣) الداخل من جنس المدخول فيه. وأيضًا فقد قال سُراقة بن جُعشم هذا وهو بعُسْفان: اقْضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما وُلِدوا اليوم، فقال: «إن الله قد أدخلَ عليكم في حجِّكم عمرةً، فإذا قدمتم فمن تطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلّ، إلا من كان معه الهدي» (٤). فبيَّن النبي ﷺ أن ذلك الحج الذي حجُّوه قد أدخل الله تعالى عليهم فيه عمرة، وإنما ذلك بأن يحلّوا من الحج ويجعلوها عمرة، ثم بيَّن أن إدخال العمرة في الحج إلى يوم القيامة. فهذا نص قاطع لا خفاء به أن كل حاجٍّ له أن يُدخِل في حجه عمرة، سواء كان أحرم بها (٥) من الميقات أو أحرم أولًا بالحج. وأيضًا فإن كل من أمَّ هذا البيت يريد الوقوف بعرفة فهو حاجٌّ من حين يُحرِم من الميقات وإن أحرم أولًا بالعمرة، فإذا اعتمر في هذا الحج فقد أدخل في حجته عمرة، فلا مَعدلَ عن هذا الأمر الواضح البين.

стр. 2550

وأيضًا فإنه إذا اعتمر في أشهر الحج وحج، فقد أدخل العمرة في الحج، وإن لم يحج في (١) ذلك العام فلم يدخلها. وأيضًا فلو كان معناه جواز العمرة في أشهر الحج لكان هذا قد علموه قبل ذلك، حيث اعتمر في ذي القعدة ثلاث عُمَر (٢). وأيضًا ... (٣). الوجه الثالث: أن النبي ﷺ بيَّن أن فسخ الحج إلى العمرة ليس هو شيئًا خارجًا عن القياس، وتغيَّظ على من توقَّف فيه، وقد اعترضوا عليه بمثل ما يعترض به بعض (٤) أهل زماننا، فالاعتراض عليه نَفْثةٌ من الشيطان في نفوس الناس. قال جابر ﵁: فقال لهم: «أحِلُّوا من إحرامكم بطواف البيت (٥) وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثم أقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهِلُّوا بالحج، واجعلوا التي قدِمتم بها متعةً»، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمَّينا الحج؟ فقال: «افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقتُ الهدي لفعلتُ مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحلُّ مني حرامٌ حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه» ففعلوا (٦). وفي رواية مسلم (٧): فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمسٌ أمرنا

стр. 2551

أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تَقْطُر مذاكيرُنا المنيَّ. قال جابر: فقام النبي ﷺ فينا فقال: «قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقُكم وأبرُّكم، ولولا هَدْيي (١) لأحللتُ كما تحلُّون، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي، فحِلُّوا». فحللنا، وسمعنا وأطعنا. وهذا كله يدلُّ على أن ذلك أمر حسن مباح في نفسه، وأنَّ توقُّفَ من توقَّف فيه خطأ عظيم؛ ولذلك تغيَّظ عليه كما تغيَّظ (٢) على من توقَّف عن الإحلال في عمرة الحديبية (٣)، وكما تغيَّظ على من تحرَّج عن القُبلة للصائم وقال: يُحِلُّ الله لرسوله ما شاء (٤)، وكما تغيَّظ على من كره أن يصبح صائمًا وهو جُنُب (٥)، وكما ترخَّصَ (٦) في أشياء، فبلغه أن ناسًا (٧) تحرَّجوا من ذلك، وفي كل ذلك يقول: «إني أخشاكم لله وأعلمُكم بما أتَّقِي» (٨). فتبيَّن

стр. 2552

بذلك أن هذا ليس مما يُتَّقَى ويُجتنب، ولم أفعله لخصوصٍ فيَّ. فلو كان البقاء على الإحرام هو الواجب في الأصل، وإنما وقعت الرخصة خاصة في وقت خاص= لم يتغيَّظ مثل هذا التغيُّظ. الوجه الرابع: أن النبي ﷺ قال في هذه الحجة: «لتأخذوا عنّي مناسككم». رواه مسلم (١) من حديث جابر. ومعلوم أنهم إنما يأخذونها ليقتدوا به فيها، ويهتدوا بهديه، ويستنُّوا بسنته، فلو كانت تلك الحجة خارجة عن القياس، ومختصة بأولئك الرَّكْب، لم يجزْ أن يقال: «خذوا عني مناسككم» بل خذوا مناسككم (٢) إلا في التحلل أو نحو ذلك. الوجه الخامس: أن أصحاب رسول الله ﷺ أفْتَوا بالفسخ بعده، ولو كان مختصًّا بذلك الركْب لم يخفَ ذلك عليهم، وقد تقدم ذكر ذلك عن أبي موسى الأشعري وابن عباس. الوجه السادس: أنه لا موجبَ لاختصاصهم بها؛ وذلك لأنه (٣) إن كان المقصود بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج، فقد بيَّن هذا باعتماره في ذي القعدة هو وأصحابه عمرة الحديبية، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، فهو لم يعتمر قطُّ إلا في أشهر الحج. وإن كان المقصود بيان العمرة قبل الحج

стр. 2553

في أشهُره فهذا قد (١) حصل بقوله عند الميقات، وبفعْلِ بعض أصحابه وهم الذين أحرموا من الميقات بعمرة مثل عائشة، ونحوها، فإنه قد قال لهم عند الميقات: «من شاء أن يهلَّ بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يهلّ بحجة فليفعل، ومن شاء أن يهلّ بعمرة وحجة فليفعل» (٢). فأي بيانٍ لجواز العمرة قبل الحج أبينُ من هذا، وقد أحرم كثير منهم بالعمرة قبل الحج بإذنه؟ وأيضًا فإنه ﷺ إمّا أن يكون قد عزم على أمرهم بالتمتع قبل الإحرام، أو في أثناء الطريق، فإن كان قد عزم عليه أولًا فلأيِّ شيء لم (٣) يأمرهم أن [ق ٢٠٩] يُحرِموا كلهم بالعمرة، ويترك هو سَوْقَ الهدي كما قد أسِفَ عليه، ويُرِيحهم من مؤونة الفسخ الذي هو على خلاف ظاهر القرآن على زعم من يقول ذلك؟ وإن كان عزم عليه في أثناء الإحرام (٤) فلا بدَّ أن يكون قد بدا له ما لم يكن قد بدا له قبل ذلك، وهو لم يبدُ (٥) له بيانُ جوازِ الاعتمار قبل ذلك، فإنه قد بيّن ذلك قبل هذا، فعُلِم أن الذي بدا له: جوازُ الإحلال من هذا الإحرام بعمرة، وأن يكونوا كلهم متمتعين، وأن الفضل في ذلك. قال طاوس: خرج رسول الله ﷺ ينتظر القضاء في حجته، فلما قَدِمَ طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، فنزل عليه القضاء، فأمر من لم يكن معه

стр. 2554

هديٌ أن يحلّ، قال: فدخلت العمرة في الحج (١). وفي لفظ: «أحرم رسول الله ﷺ ينتظر أمر ربه، فلما كان بمكة أمر بالأمر». رواه سعيد (٢). ومعناه أنه ينتظر هل يُتِمُّون ما أحرموا به أو يغيِّرونه؛ لأنه قد صح بالروايات المستفيضة أنهم أحرموا إما بعمرة، أو بحج، أو بعمرة وحج. وأيضًا فلو كان المقصود بيان جواز العمرة في أشهر الحج لبيَّن ذلك بالكلام، كما بيَّن لهم كثيرًا من الأحكام. الوجه السابع: لو كان الفسخ خارجًا عن مقتضى الكتاب وهو مختص بهم لم يفرق الحال بين من ساق الهدي ومن لم يسُقْه، حتى ينشأ من ذلك تردُّدُهم وتأسُّفُه على سَوْق الهدي، وموافقتهم. وقد بيَّن أن سائق الهدي لا يجوز له الفسخ؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فهلّا أمر الجميع بالإتمام امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أيضًا، أو جوَّز تخصيصَ ذلك الركْب من حكم هاتين الآيتين لقصد بيان جواز العمرة قبل الحج في أشهره؟ فإن دلالة الآيتين على الحكم عند من يخالف في ذلك سواء. فلما أمر بالفسخ من لم يَسُقِ الهدي دون من ساق (٣)، وبيَّن أن السَّوق يمنع الفسخ، عُلِم قطعًا أن الفسخ في نفسه أمر جائز مستحب، وأن لا مانع منه غير سَوْق الهدي. وهذا واضح لمن أنصف.

стр. 2555

الوجه الثامن: أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بإتمام الحج والعمرة لله قبل حجة الوداع بأربع سنين، فلا يخلو إما أن يكون الفسخ تركًا لإتمام الحج لله، فلا يكون أولئك الصحابة مخاطَبين بهذه الآية، ولا داخلين في حكمها، وهم المواجَهُون بالخطاب، المقصودون به قبل الناس كلهم، ثم كيف يجوز لمسلم أن يعتقد أنهم لم يُتِمِّوا الحج لله؟! وإن لم يكن الفاسخ تاركًا لإتمام الحج لله، بل هو متمٌّ له كما أمر الله تعالى به (١)، فلا فرق في هذا بين ناس وناس. الوجه التاسع: أن الله تعالى قد أرخص لهم في المتعة بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقد نزل ذلك في سنة ست، وقد أحرم منهم نفرٌ بالعمرة كما في حديث جابر وعائشة، فكيف يقال: إن المسلمين كانوا لا يرون الاعتمار في أشهر الحج؟ نعم كان المشركون يرون ذلك، والمسلمون قد بيَّن الله تعالى لهم في كتابه وعلى لسان نبيه قبل حجة الوداع جوازَ الاعتمار في أشهر الحج، سواء حج في ذلك العام أو لم يحج، وقد فعلوا ذلك. فعُلِم أن توقُّفهم وتردُّدهم إنما كان في فسخ الحج إلى العمرة والإحلال من الإحرام لفضل التمتع لا لبيان جوازه. العاشر: أن ... (٢). وأما قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فإن المتمتع مُتِمٌّ للحج والعمرة، سواء كان قد أهلَّ أولًا بالحج أو بالعمرة؛ وذلك لأنه إذا أهلَّ بالحج أولًا،

стр. 2556

فإنما يفسخه إلى عمرة يتمتع (١) بها إلى الحج، وإنما يجوز له فسخه إذا قصد التمتع، فيكون قد قصد الحج وحده، فيصير (٢) مُدخِلًا للعمرة في حجه، وفاعلًا للعمرة والحج، وهذا أكثر مما كان دخل (٣) فيه، ولو أراد أن يخرج من الحج بعمرة غير متمتع بها لم يجز ذلك. وأما حديث الحارث بن بلال عن إسماعيل (٤)، قال عبد الله (٥): قيل لأبي: حديث بلال بن الحارث؟ قال: لا أقول به (٦) ولا نعرف هذا الرجل، ولم يروِه إلا الدراوردي. وقال أيضًا (٧): حديث بلال عندي ليس يثبت؛ لأن الأحاديث التي تُروى عن النبي ﷺ أنه قال: «اجعلوا حجكم عمرة، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي»، فحلّ الناس مع النبي ﷺ . وقال أيضًا: هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، وإنما (٨) يروى عن أبي ذر: إنما كانت المتعة لنا خاصةً، يعني متعة الحج. وقال أيضًا في رواية الفضل وابن هانئ (٩): مَن الحارثُ بن بلال؟ ومن

стр. 2557

روى عنه؟ أبوه من أصحاب النبي ﷺ ، فأما هو فلا (١). وقال في رواية الميموني (٢): أرأيتَ لو عُرِف الحارث بن بلال (٣)، إلا أن أحد عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ [يروون ما يروون من الفسخ]، أين يقع بلال بن الحارث منهم؟ وقال (٤) في رواية أبي داود (٥): ليس يصح حديثٌ في أن الفسخ كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى الأشعري يفتي به في خلافة أبي بكر وصدْرٍ (٦) من خلافة عمر. فقد ضعَّف أحمد هذا الحديث لجهل الراوي، وأنه لا يعرف الحارث [ق ٢١٠] بن بلال، لا سيما وقد انفرد به الدراوردي عن ربيعة، ولم يَرْوِهِ عنه مثل مالك ونحوه. وتخصيصهم بهذا الحديث تركٌ للعمل بتلك الأحاديث المستفيضة، وهو مثل النسخ لها. ومثل هذا الإسناد لا يُبطِل حكم تلك (٧) الأحاديث.

стр. 2558

ثم بيَّن أحمد أنه يخالف تلك الأحاديث ويعارضها، وهو حديث شاذ؛ لأن الحديث الشاذ هو الذي يتضمَّن (١) خلاف (٢) ما تضمَّنته الأحاديث المشهورة. فلو كان راويه معروفًا لوجب تقديمها عليه؛ لأن قوله ﷺ : «اجعلوا حجكم عمرة»، و «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي» فعمَّ ولم يذكر أن هذا مختصٌّ بهم، ولو كان ذلك مخصوصًا بهم لوجب بيانه لهم (٣)، ولم يؤخّر ذلك حتى سأله بلال بن الحارث. وقد بيَّن لهم في الحديث الصحيح أن هذا ليس لهم خاصة، وإنما هو للناس عامة على ما ذكرناه، فدلالة تلك الأحاديث على عموم حكم الفسخ دليلٌ على ضعف هذا الحديث لو كان راويه معروفًا بالعدل (٤)، ودليلٌ على أن هذا الحديث ليس بمضبوط ولا محفوظ. ولو كان هذا (٥) صحيحًا لكان له من الظهور والشّياع ما لا خفاء به، ولكان النبي ﷺ قد بيَّنه بيانًا عاما. وذلك لأن ما ثبت في حق بعض الأمة من الأحكام ثبت في حق الجميع، لا سيما في مثل ذلك المشهد العظيم الذي يقول فيه: «لتأخذوا عني مناسككم»، فلو كانوا مخصوصين بذلك الحكم لوجب على النبي ﷺ أن يبيِّن ذلك ابتداءً، كما بيَّن حكم الأضحية لما سأله أبو بُردة بن نِيَار (٦) عن

стр. 2559

التضحية (١) بالجَذَع، فقال: «تَجْزِي عنك ولا تَجْزِي عن أحدٍ بعدك» (٢)، فلو كان الفسخ خاصًّا لهم لقال: «إذا طفتم بالبيت وبين الصفا والمروة فحلُّوا، وليس ذلك لغيركم»، ولم يؤخِّر بيان ذلك إلى أن يسأله بلال بن الحارث؛ فإنه بتقدير أن لا يسأله بلال كان التلبيس واقعًا. وهذا بخلاف قوله لسراقة لما سأله: أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «بل (٣) لأبد الأبد». فإن هذا الحكم كان معلومًا بنفس فعْلِه، وإنما أجاب السائل توكيدًا. ولما كانت هذه الأحاديث مقتضية لعموم الحكم وثبوته في حق جميع (٤) الأمة عارض أحمد بينها وبين حديث بلال بن الحارث، وحكم بشذوذه لما انفرد بما يخالف الأحاديث المشاهير. والذي يبيِّن ذلك أن الصحابة ﵃ الذين حدَّثوا بتلك الأحاديث (٥) إنما ذكروها لتعليم السنة، وبيانها، واتباعها، والأخذ بها، لم يكن قصدهم مجرد القصص. ولو كان الحكم مخصوصًا بهم لم يجزْ أن يرووها رواية مرسلة حتى يبيِّنوا اختصاصهم بها، فكيف إذا ذكروها لتعليم السنة؟! وهذا دليل على أنهم علموا أن هذه السنة ماضية فيهم وفيمن بعدهم، فلا يُردُّ هذا بحديث من لم يخبر قوة ضبطه وتيقظه، وتُدفع هذه السنن المشهورة المتواترة براوية غير معروف.

стр. 2560

وقد تأوَّل بعض أصحابنا (١) ذلك على أن المراد به هو لنا خاصة من بين من ساق الهدي؛ لأن من ساق الهدي لم يكن يجوز له الفسخ، إلا لنفرٍ مخصوص. وهذا تأويل ساقط؛ لأن سائقي (٢) الهدي لم يحلَّ أحد منهم، ولم يكن يجوز لهم ذلك، ولكن يُشبِه ــ والله أعلم ــ إن كان لهذا الحديث أصل، وهو محفوظ، ولم ينقلب على رواية النفي بالإثبات، فإن غيره ممن هو أحفظ منه بيَّن أنه ليس لنا خاصة، وهو يقول: «لنا خاصة»، فإن كان قد حفظ ذلك فمعناه: أن الفسخ كان واجبًا عليهم متحتمًا، لأمْرِ النبي ﷺ لهم (٣) به، وتغيُّظِه (٤) عليهم حيث لم يفعلوه، وغيرُهم من الناس وإن جاز له الفسخ لكنه لا يجب عليه، ويكون سبب وجوبه عليهم أنه قال أولًا: «من شاء منكم جعلها عمرة» وندَبَهم إلى ذلك، فرأى أناسًا قد كرهوا ذلك، وامتعضوا (٥) منه واستهجنوه؛ لأنهم (٦) لم يكونوا يعهدون الحلَّ قبل عرفة في أشهر الحج، فعزم عليهم الأمر حسمًا لمادة الشيطان، وإزالةً لهذه الشبهة، كما أمرهم أولًا بالفطر في السفر (٧) أمرَ رخصةٍ، ثم لما دَنَوا من العدو أمرهم به
следующие страницы →