← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مسألة (١): (وأن لا يؤخِّر غسلَ عضوٍ حتى ينشَف الذي قبله) . هذا ظاهر المذهب، والمنصوص في رواية الجماعة. وروى عنه حنبل أنها ليست واجبة (٢)، لأنّ الله تعالى أمر بالغسل مطلقًا ولم يشترط الموالاة. وعن ابن عمر أنه غسل رجليه بعد ما جفَّ وضوؤه (٣). ولأن ما جاز تفريق النية على أبعاضه جاز تفريق أفعاله كالزكاة والحج والحدود، ولأنها طهارة فأشبهت الغسل. والصحيح: الأول (٤)، لما روى خالد بن معدان عن بعض أصحاب (٥) النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي، في [٥٨/ب] ظهر قدمه لُمْعةٌ كقدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسولُ الله ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة. رواه أحمد وأبو داود، قال (٦) أحمد: إسناد جيد (٧).

стр. 282

ورأى عمر في قدم رجل مثلَ موضع الفَلْس لم يصبه الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. رواه الأثرم (١). وأمّا (٢) الزكاة فلا يرتبط بعضها ببعض، والحجُّ عبادات تتعلق بأمكنة وأزمنة، ويحتاج كلُّ فعل منه إلى نية، والحدُّ (٣) لا ينقض بعد وقوعه. وأما (٤) الغسل فإنما لم تشترط الموالاة فيه، لما تقدَّم في المياه عنه ﷺ أنه رأى لُمعةً بعد غسله، فعصَر شَعره عليها (٥). وعن علي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني اغتسلت من الجنابة، وصلَّيت الفجر، ثم أصبحتُ فرأيتُ قدر موضع الظفر لم يُصبه الماء. فقال

стр. 283

النبي ﷺ : "لو كنتَ مسحتَ عليه بيدك أجزأك" رواه ابن ماجه (١). ولأن النبي ﷺ أمر الجنبَ إذا أراد أن ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة (٢) وكذلك الآكلَ (٣)، والمُجامعَ ثانيًا (٤). وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد إذا توضؤوا وهم جُنُب (٥). ولولا أن الجنابة تنقص بالوضوء لم يكن في ذلك فائدة، وإنما تنقص إذا صحَّ تبعيضها، وإذا صحّ تبعيضها صحّ تفريقها؛ بخلاف الوضوء، فإنه لا يصح تبعيضه في موضع واحد، بل لا يرتفع الحدث عن عضو حتى يرتفع عن [٥٩/أ] جميع الأعضاء. وقال ابن عباس فيمن نسي المضمضة والاستنشاق في الجنابة، وصلّى: إنه ينصرف، فيمضمض ويستنشق، ويعيد الصلاة. رواه سعيد في "سننه" (٦). ولأن الموالاة تابعة للترتيب، والترتيب إنما يكون بين عضوين، وبدن الجنب كالعضو الواحد. ولأن تفريق الغسل يحتاج إليه كثيرًا، فإنه قد يكون أصلح للبدين، وقد ينسى فيه موضع لُمعة أو لُمعتين أو باطن شعره، وفي

стр. 284

إعادته مشقة عظيمة. والوضوء يندر ذلك فيه، وتخفّ مؤونة الإعادة، فافترقا. ولأن الوضوء يتعدَّى حكمُه محلَّه إلى سائر البدن، وذلك لا يكون إلا جملةً. والغسلُ لا يتعدَّى حكمُه محلَّه، فأشبه إزالة النجاسة، كما أشار إليه قوله ﷺ : "إنَّ تحت كلِّ شعرة جنابةً" (١). ومتى فرَّق الغسلَ فلا بدَّ من نية يستأنفها في تمامه. وكذلك الوضوء إذا أجزنا (٢) تفريقه ; لأن النية الحكمية تبطل بطول الفصل، كما تبطل بطول الفصل قبل الشروع. ولا تسقط الموالاة بالنسيان، فلو نسي موضع ظفر من قدمه وطال الفصل، أعاد الوضوء إذا ذكره. وكذلك الجاهل، لأن الذي أمره النبي ﷺ بإعادة الوضوء كان جاهلًا، ولم يعذره بذلك. وحدُّ الموالاة: أن يغسل العضو الثاني قبل أن يجفَّ الماء عن الذي قبله، في الزمن المعتدل، أو بمقداره (٣) من الشتاء والصيف. فلو لم يشرع

стр. 285

فيه حتى نشفت رطوبة الأول، أو أخَّر غسل آخره حتى نشِف [٥٩/ب] أولُه، استأنف. فإن نشِف الأولُ بعد شروعه في الثاني وقبل فراغه، لاشتغاله بسنَّة من تخليل أو تكرار أو إسباغ أو إزالة شكٍّ =لم يُعَدَّ تفريقًا (١) كما لو طوَّل أركان الصلاة. قال أحمد: إذا كان في علاج الوضوء فلا بأس (٢). وإن كان لعبثٍ أو سرفٍ أو زيادةٍ على الثلاث قطَع الموالاةَ، كما لو كان لترك. وكذلك إذا كان لوسوسة في الأقوى. وإن كان لإزالة وسخ، فقد قيل: إنه كذلك، لأنه ليس من الطهارة شرعًا. وعنه: أنّ التفريق المبطِل ما يُعَدُّ في العرف تفريقًا (٣). مسألة (٤): ([والمسنون: التسمية] (٥) وغسلُ الكفَّين ثلاثًا (٦)، والمبالغةُ في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائمًا) . وقد تقدَّم غسلُ الكفين. وأما المبالغة، فلما روى لقيط بن صبرة، قال: قلت: يا رسول الله أخبِرني عن الوضوء. قال: "أسبِغ الوضوءَ، وخلِّلْ بين الأصابع، وبالِغْ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" رواه الخمسة، وقال

стр. 286

الترمذي: حديث حسن صحيح (١). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "استنثِروا مرَّتين بالغتين أو ثلاثًا" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٢). والمضمضة في معناها، ليستغرق داخل الفم، وقد تقدَّم العذرُ عن تركها في الحديث. والمبالغة: أن يدير الماء في أقاصي الفم، وأن يجتذبه بالنفس إلى أقصى الأنف، من غير أن يصير سَعوطًا أو وَجورًا (٣). وقال أبو إسحاق بن شَاقْلا: المبالغة في الاستنشاق واجبة [٦٠/أ] للأمر بها (٤). وظاهر المذهب أنها سنة، لأنها تسقط في صوم التطوع، ولا تستحَبّ فيه، ولو كانت واجبة لما تُركت لأجل التطوع. مسألة (٥): (وتخليلُ اللحية والأصابع، ومسحُ الأذنين، وغسلُ الميامن قبل المياسر) . أما تخليل اللحية والأصابع ومسح الأذنين، فقد تقدَّم ذكره.

стр. 287

وأما غسل الميامن قبل المياسر، فلأن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يحبُّ التيامن في تنعُّله وترجُّله وطَهوره، وفي شأنه كلِّه. متفق عليه (١). ولأن الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ بدؤوا بالميامن قبل المياسر (٢). ولأن الوضوء مما يشمل (٣) العضوين، وهو من باب الكرامة، فقدِّمت فيه اليمنى، كالانتعال ودخول المسجد والترجُّل. وهو سنّة، فلو قدَّم اليسرى جاز، نصَّ عليه، لأنَّ مخرجهما في كتاب الله واحد، لم يقدِّم إحداهما على الأخرى. وهذا معنى قول علي ﵁: ما أبالي إذا أتممتُ وضوئي، بأي أعضائي بدأتُ (٤). كذلك جاء عنه مفسَّرًا. وقد روى قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه أنَّ عليًّا سئل، فقيل له: أحدنا يستعجل، فيغسل شيئًا قبلَ شيء؟ فقال: لا، حتى يكون كما أمر الله. رواه الإمام (٥) أحمد (٦).

стр. 288

مسألة (١): (والغَسْل ثلاثًا ثلاثًا، وتكره الزيادة عليها، والإسراف في الماء) . السنة: أن يغسل كلَّ عضو ثلاثًا، وإلَّا فمرَّتين. وإن اقتصر على مرَّة جاز لما تقدَّم، وإنما تحصل السنّة بالإسباغ (٢). [٦١/أ] فصل ويكره تنشيف أعضائه في الوضوء والغسل في إحدى الروايتين، ما لم يخف ضررًا من برد وغيره، لأن ميمونة لما وصفت (٣) غسل النبي ﷺ قالت: فأتيتُه بالمنديل، فلم يُرِدْها، وجعل ينفُض الماءَ بيده. رواه الجماعة (٤). ولأنه أثرُ عبادة لا يخاف ضررُه، أو لا يستحبّ إزالته، فكُرهت، كدم الشهيد وخلوف فم الصائم. وطردُه الترابُ بجبهة الساجد. والرواية الأخرى: لا يكره، ولا يستحبّ. وهي أصح، لما روى قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا، فأمر له سعد بغُسل، فوُضع له، فاغتسل؛ ثم ناوَلَه (٥) مِلحفةً مصبوغةً بزعفران أو وَرْس، فاشتمل بها. رواه

стр. 289

أحمد وأبو داود وابن ماجه (١). وعن سلمان أن رسول الله ﷺ توضّأ، فقلَب جبّةَ صوف كانت عليه، فمسح بها وجهه. رواه ابن ماجه (٢). ولأن هذا الأثر لم يرد الشرع باستطابته، فأشبه [٦١/ب] غبار القدمين في سبيل الله. وبهذا ينتقض (٣) قياسهم، وأصل قياسهم عكس علّتنا. وأما نفضُ يده، فكرهه القاضي وأصحابه (٤)، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا توضأتم فلا تنفُضوا أيديكم" (٥). وقال طائفة من أصحابنا: لا يكره كالتنشيف، لحديث ميمونة المتقدِّم.

стр. 290

ويباح معاونته في الوضوء باستقاء الماء وحملِه وصبِّه عليه. والأفضل أن يلي هو ذلك بنفسه. فأما إن استناب غيره في فعل الوضوء بأن نوى وغسل الغيرُ أعضاءه، فإنه يُكره ويُجزئه، كما لو نوى ووقف تحت ميزاب أو أنبوب (١)، والله أعلم. مسألة (٢): (ويُسَنُّ السواكُ عند تغيُّر الفم، وعند القيام من النوم، وعند الصلاة ؛ لقول رسول الله ﷺ : "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواك عند كلِّ صلاة". ويستحبُّ في سائر الأوقات إلا للصائم بعد الزوال). أما استحبابه في جميع الأوقات، فلما روى أبو بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "السِّواك مَطْهَرةٌ للفم مرضاةٌ للربّ" رواه أحمد (٣). وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "السِّواك مطهرة للفم، مرضاة للربّ" رواه أحمد والنسائي، وذكره البخاري تعليقًا (٤).

стр. 291

ولأنّ جميع الأوقات مظِنَّةُ ما يطهَّر الفمُ منه، من أُدْمٍ أو أكلٍ (١)؛ وما يطهَّر له، من كلام الله وكلام العباد؛ ولذلك استُحبّ مطلقًا. ويتوكَّد (٢) استحبابه لسببين: أحدهما: عند تغيُّر الفم بمأكول، أو خلوٍّ (٣) من الطعام، أو غير ذلك. وكذلك عند القيام من الليل، لما روى حذيفة قال: كان رسول الله [٦٢/أ] ﷺ إذا قام من الليل يشُوص فاه بالسواك. متفق عليه (٤). يعني: يغسله، ويدلكه (٥). وفي لفظ: كنَّا نُؤمر بالسِّواك إذا قمنا من الليل (٦). ولأن بالنوم ينطبق فمه، فيحتبس فيه البخار المتصاعد من معدته، فيغيِّره. وكذلك إذا دخل منزله، لأنه تأخير الاستياك (٧). وقد قيل لعائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل منزله؟ قالت: بالسواك. أخرجه مسلم (٨). وعن عائشة أن النبي ﷺ كان لا يرقد ليلًا ولا نهارًا، فيستيقظ، إلا تسوَّكَ

стр. 292

قبل أن يتوضأ. رواه أبو داود (١). وأما إذا تغيَّر طعمه أو ريحه [أو] (٢) اصفرَّ لون الأسنان من مطعوم أو خلوٍّ من الطعام أو غير ذلك، فلما روى تمّام بن العباس قال: أتوا النبي ﷺ أو أتى فقال: "ما لي أراكم قُلْحًا (٣)؟ استاكُوا" رواه أحمد (٤). ولأنّ السِّواك إنما شُرع لتطييب الفم وتطهيره وتنظيفه، فإذا تغيَّر فقد تحقَّق السببُ المقتضي له، فكان أولى منه عند النوم. والسبب الثاني: إذا أراد الصلاة لما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة" رواه الجماعة. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "فضلُ الصلاة بالسِّواك على الصلاة بغير السِّواك سبعون صلاةً" رواه أحمد (٥).

стр. 293

وليس بواجب، لأن النبي ﷺ علَّل تركَ الأمر بالمشقة، فلو كان أمرَ إيجاب لحصلت المشقة في وجوبه (١). [٦٢/ب] وفي وجوبه على النبي ﷺ وجهان: أحدهما: كان واجبًا عليه، قاله القاضي وابن عقيل (٢)، لما روى عبد الله بن حنظلة ابنُ (٣) الغسيل أنّ رسول الله ﷺ أُمِرَ بالوضوء لكلِّ صلاة، طاهرًا كان أو غيرَ طاهر، فلمَّا شقَّ ذلك عليه أُمِرَ بالسِّواك لكلِّ صلاة، ووُضِع عنه الوضوء إلا مِن حدث. رواه أحمد وأبو داود (٤). وهو مأمور بالتوضؤ لكلِّ صلاة أمرَ استحبابٍ، فعُلِم أن الموضوع وجوبه، والسِّواك بدلٌ عنه، فيكون واجبًا. والثاني: لم يكن واجبًا عليه. قاله ابن حامد (٥)، لما روى واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "أمِرتُ بالسِّواك حتى خشيتُ أن يُكتَب عليّ" رواه أحمد (٦).

стр. 294

وهذا معنى تفضيله على التجديد (١)، وهو مزية الأمر حتى كاد يصير مفروضًا. وهذا الوجه أشبه، فإن الأصل مشاركةُ أمته له في الأحكام. وإنما استحبَّ للمصلي، لأن القائم إلى الصلاة يقرأ القرآن، ويذكر الله ويدعوه، فاستُحِبّ له تطهيرُ الفم لأنه مجرى القرآن، ولئلا يؤذي الملائكة والآدميين بريح فمه، ولأن الله يحبّ المتطهرين. وكذلك يستحبُّ لكلِّ قارئ وذاكر وداع، كما يستحبّ لهم الوضوء، وأوكد. وقد جاء: "طهِّروا أفواهكم بالسِّواك، فإنها مجاري القرآن" (٢). وكذلك السواك عند الوضوء، لأنه به وبالمضمضة تكمل نظافة الفم. وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسِّواك [٦٣/أ] عند كلِّ وضوء" رواه أحمد (٣)، وذكره البخاري تعليقًا، قال:

стр. 295

ويروى نحوه عن جابر (١) وزيد بن خالد (٢) عن النبي ﷺ . وأما الصائم بعد الزوال، فيكره له في أظهر الروايتين. وفي الأخرى: لا يكره. ولا يستحبّ على هذه الرواية أيضًا. وقيل: يستحبّ، لما روي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من خير خصال الصائم: السواك" رواه ابن ماجه (٣). وقال عامر بن ربيعة: رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وذكره البخاري تعليقًا (٤). ولأنه أحد طرفي النهار فأشبه أوله. والأَولى: ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" متفق عليه (٥). وخلوف الصوم إنما يظهر

стр. 296

غالبًا بعد الزوال فتكره إزالته، لأنه أثر عبادة مستطاب في الشرع، فنهي عن إزالته كدم الشهيد. وما قبل الزوال إنما يكون خلوفه من أثر النوم أو الأكل بالليل، فلم تكره إزالته. وعلى ذلك يحمل ما جاء من الحديث (١). ويستحبّ أن يكون السواك عودًا ليِّنًا يطيِّب الفم، ولا يضرُّه، ولا يتفتَّت فيه، كالأراك والزيتون والعُرجون. ويُكرَه بعود الريحان والرمّان والآس، لأن ذلك يضرُّ الفم. يقال: إن الرمّان يضرُّ لحم الفم ويهيج الدم، وعود الريحان يحرِّك عرقَ الجذام (٢). فأما اليابس فيجرَح، وأما الرطب فيتفتَّت، [٦٣/ب] وأما النديّ فيحصِّل المقصود. ويستحبّ غسلُه إذا اجتمع عليه ما يغسِله (٣)، لأن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يعطيني السِّواك لأغسله، فأبدأ به [فأستاك] (٤) فأغسله، ثم أدفعه إليه (٥). رواه أبو داود (٦). ولا بأس أن يتسوَّك بسواك غيره، وإن لم يغسله. قالت عائشة: دخل

стр. 297

عبد الرحمن بن أبي بكر، ومعه سواك يستنُّ فيه، فنظَر إليه النبي ﷺ ، فقلت له: أعطِني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه، فقضَمتُه (١)، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ فاستنَّ به. رواه البخاري (٢). فإن استاك بإصبعه أو بخرقة، فقيل: لا يصيب السنّة، لأن الشرع لم يرد به مع غلبة وجوده وتيسُّره. وقيل: يصيب من السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء. لأنه ينظِّف الفم، ويزيل تغيُّره، أو تجفُّفه، كالعود. وقيل: تجزئ (٣) الإصبع مع الماء في المضمضة، لأن في حديث علي بن أبي طالب لما وصف وضوء رسول الله ﷺ : أنه تمضمض ثلاثًا، فأدخل بعضَ أصابعه في فيه. رواه أحمد في "المسند" (٤). وعن أنس أنّ رجلًا من بني عمرو بن عوف قال: يا رسول الله إنك رغَّبتنا في السِّواك، فهل من دون ذلك من شيء؟ فقال: "إصبَعيْك (٥)، سواكٌ عند وضوئك، أمِرَّهما (٦) على أسنانك. إنه لا عملَ لمن لا نية له، ولا أجرَ

стр. 298

لمن لا حسبة (١) له" رواه أبو جعفر بن البَخْتَري الرزَّاز (٢). [٦٤/أ] وسمع أبو هريرة رجلًا يقول: لم أتسوَّك منذ ثلاثة أيام، فقال: لو أمررتَ إصبعَك على أسنانك في وضوئك كان بمنزلة السِّواك. رواه حربٌ في "مسائله" (٣). والسنَّة: أن يستاك على عرض الأسنان، لما روى عطاء قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استَكْتُم فاستاكوا (٤) عرضًا، وإذا شربتم فاشربوا مصًّا" رواه سعيد (٥) في "سننه"، وأبو داود في "مراسيله" (٦). وعن ربيعة بن أكثم قال: كان رسول الله ﷺ يستاك عرضًا، ويشرب مصًّا ويقول: "هو (٧) أهنأ وأمرأ" رواه أبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (٨).

стр. 299

وقال الخطَّابي (١): الشَّوصُ: دلكُ الأسنان عرضًا بالسِّواك ونحوه. ولأن الاستياك على طول الأسنان من طرفها إلى عمودها ربما آذى اللِّثَةَ، وأفسد العَمودَ. ويستحبّ الاستياك على لسانه، لأن أبا موسى قال: أتينا رسول الله ﷺ ، فرأيته يستاك على لسانه. متفق عليه (٢). ويستحبُّ التيامن في سواكه: أن يبدأ بالجانب الأيمن، لأن النبي ﷺ كان يُعجبه التيامن في طَهوره وفي شأنه كلِّه (٣). وأن يستاك باليد اليسرى، نصَّ عليه، لأنه إماطةُ أذى يفعل بإحدى اليدين، فكان باليسرى كالاستنجاء، مع استحباب الابتداء بالشِّقِّ الأيمن فيه. فصل ويستحبّ أن يكتحل وترًا، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "

стр. 300

إذا اكتحل أحدكم فليكتحل وترًا" رواه أحمد (١). وفي لفظ: "من [٦٤/ب] اكتحل فليوتر. من فعل ذلك فقد أحسنَ، ومن لا فلا حرج" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٢). والإيتار أن يكتحل في كلِّ عين مرةً واحدةً، أو ثلاثًا، أو خمسًا. وقيل: هو أن يجعل في العينين (٣) ثلاثًا أو خمسًا: في اليمنى ثنتين وفي اليسرى واحدة، أو في اليمنى ثلاثًا وفي اليسرى ثنتين، لما روى محمد بن سعد في "الطبقات" عن عمران (٤) بن أبي أنس عن النبي ﷺ أنه كان يكتحل في اليمنى ثلاثًا، وفي اليسرى ثنتين بالإثمد (٥). وعن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا

стр. 301

اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثة (١) مَراود، وفي اليسرى مِرْوَدَين (٢). والأول أصح، لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ كانت له مُكحُلة، يكتحل منها كلَّ ليلة، ثلاثةً في هذه، وثلاثةً في هذه. رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن (٣). وهذا أشهر وأثبت، وهو أشبه بالتسوية بين العينين في النفع والزينة. ويستحبّ الاكتحال بالإثمد عند النوم، لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أكحالكم: الإثمد عند النوم، يُنبِت الشعر، ويجلو البصر" رواه الخمسة، وقال الترمذي: حديث حسن (٤).

стр. 302

فصل ويستحبّ الترجُّل غِبًّا، وهو تسريح الشعر ودَهْنه، وكذلك دَهنُ البدن، لما روي عن النبي ﷺ أنه كان يَدَّهِنُ غِبًّا. رواه الترمذي في "الشمائل" (١). وقال جابر بن سمرة: كان رسول الله ﷺ قد شمِط رأسُه ولحيتُه، [٦٥/أ] فكان إذا ادَّهنَ لم يتبيَّن، وإذا شعِثَ رأسُه تبيَّن، وكان كثيرَ شعر اللحية. رواه أحمد ومسلم (٢). وعن عبد الله بن المغفل قال: نهى رسول الله ﷺ عن الترجُّل إلا غِبًّا. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (٣). قال أحمد: معناه: يدَّهِن يومًا، ويومًا لا (٤). والقصدُ أن يكون ادِّهانه في رأسه وبدنه متوسطًا على حسب حاله، حتى لو احتاج إلى مداومته لكثرة شعره وقُحول بدنه (٥) جاز، لما روي عن أبي قتادة أنه كانت له جُمَّة ضخمة،

стр. 303

فسأل النبيَّ ﷺ ، فأمره أن يُحسن إليها، وأن يترجَّل كلَّ يوم. رواه النسائي (١). وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من كان له شَعر فَلْيُكرِمْه" رواه أبو داود (٢). وعن جابر قال: رأى النبي ﷺ رجلًا ثائرَ الرأس، فقال: "أما يجِد هذا ما يسكِّن به شَعره! " رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٣).

стр. 304

و اتخاذ الشعر أفضل من إزالته بحلق أو قطع . نصَّ عليه، وقال (١): قد كان للنبي ﷺ جُمَّة. وقال (٢): عشرة من أصحاب النبي ﷺ كان لهم جُمَم، وعشرة (٣) لهم شَعر. ويُسَنُّ فرقُه من مؤخره، فإنه أفضل من سَدله. نصَّ عليه، لما روى ابن عباس قال: كان المشركون يفرُقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يَسدِلون، وكان رسول الله ﷺ يحبُّ ويُعجبه موافقةُ أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدَل ناصيتَه، ثم [٦٥/ب] فرَقَ بعدُ. متفق عليه (٤). وذكره في الفطرة في حديث ابن عباس (٥). يعني بالناصية جميعَ الشعر. وفي شروط عمر على النصارى: أن لا يفرُقوا نواصيهم، لئلا يتشبَّهوا بالمسلمين (٦)؛ وهذا إنما يتأتّى فيما طال منه. والأفضل أن يكون قدر الشعر كشعر النبي ﷺ : إن قصَر فإلى أذنيه، وإن طال فإلى منكبيه. وإن طوَّله أكثر من ذلك جاز، وتقصيره أفضل. وكذلك إن قصَّره بمقراض أو غيره. قالت عائشة: كان شعر رسول الله ﷺ فوق الوفرة ودون الجُمَّة. رواه

стр. 305

أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١). والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن. والجُمَّة: ما بلغ المنكبين. وعن أنس أن النبي ﷺ كان يضرب شعرُه منكبيه وفي رواية: بين أذنيه وعاتقه. متفق عليه (٢). وفي رواية: "إلى أنصاف أذنيه" رواه أحمد ومسلم (٣). وعن سهل بن الحنظليّة قال: قال رسول الله ﷺ : "نعم الرجل خُرَيم الأسدي، لولا طولُ جُمَّته وإرسالُ إزاره! " فبلغ ذلك خريمًا، فعجَّل فأخذ شَفْرةً، فقطَع بها شَعْره إلى أنصاف أذنيه، ورفَع إزاره إلى أنصاف ساقيه. رواه أحمد وأبو داود (٤). وعن وائل بن حُجْر قال: أتيت النبي ﷺ ولي شعر طويل، فلما رآني قال: "ذُباب ذُباب! " (٥) قال: فرجعتُ، فجززته، ثم أتيته من الغد، فقال: "لم

стр. 306

أعْنِك، وهذا أحسن" رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي (١). [٦٦/أ] و هل يُكرَه حلقُ الشعر في غير الحجّ والعمرة إلا من حاجة ؟ على روايتين: أحدهما: يُكره، لأن النبي ﷺ قال في الخوارج: "سيماهم التحليق" (٢). وقال عمر لصَبيغ بن عِسْل (٣) التميمي الذي كان يسأل عن المتشابهات: لو وجدتُك محلوقًا لضربتُ الذي فيه عيناك (٤). وقال ابن عباس ﵁: الذي يحلِقُ رأسه في المصر شيطان (٥). قال أحمد: كانوا يكرهون ذلك (٦). والثانية: لا يكره، ويُستحبُّ (٧)، بل تركه أفضل؛ لما روى ابن عمر (٨) عن النبي ﷺ : أنه رأى صبيًّا قد حلَق بعضَ رأسه، وترك بعضه، فنهاهم عن

стр. 307

ذلك، وقال: "احلقوه كلَّه، أو ذروه كلَّه" رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح (١). وعن عبد الله بن جعفر أن رسول الله ﷺ أمهَل آلَ جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي (٢) بني أخي". قال: فجيء بنا كأنَّا أفرُخٌ، فقال: "ادعوا لي الحلاق". قال: فجيء بالحلاق، فحلَق رؤوسَنا. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٣). ولأنه لا يكره استئصالُه بالمقاريض، فكذلك حلقُه. وما جاء فيه من الكراهة، فهو ــ والله أعلم ــ فيمن يعتقده قربةً وشعارَ الصالحين، وهكذا كانت الخوارج. فأما إن حلَقه على أنه مباح وأنَّ تركَه أفضل، فلا. فأما المرأة فيكره لها قولًا واحدًا. ويكره حلقُ القفا لمن لم يحلِق رأسه ولم يحتج إليه، لأنه من فعل المجوس، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم. فأما عند الحِجَامة ونحوها [٦٦/ب] فلا بأس. والقزَع مكروه، لما روى ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن القزَع.

стр. 308

متفق عليه (١). وهو [حلقُ] (٢) بعض الرأس دون بعض، مأخوذ من قزَع السحاب، وهو المتفرِّق منه. فصل ويستحب أن ينظر في المرآة ليتجنّبَ ما يشينه (٣)، ويُصلحَ ما ينبغي إصلاحه. وروي عن خالد بن معدان (٤) قال: كان رسول الله ﷺ يسافر بالمُشط والمرآة والدهن والسواك والكحل. رواه ابن سعد في "الطبقات" (٥). ويستحبّ أن يتطيَّب، لما روى أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "حُبِّب إليَّ النساءُ والطيبُ. وجُعلت قرّةُ عيني في الصلاة" رواه أحمد والنسائي (٦). وفي لفظ للنسائي (٧): "حُبِّب إليَّ من الدنيا النساءُ والطِّيبُ. وجُعلت قرّةُ

стр. 309

عيني في الصلاة". وأن يتبخَّر، لما روى نافع قال: كان ابن عمر يستجمر بالأَلُوَّة (١) غيرَ مطرَّاة، وبكافور يطرحه مع الألوَّة. [ثم قال:] (٢) هكذا كان يستجمر رسولُ الله ﷺ (٣). ويستحبُّ للرجل من الطِّيب ما خفي لونه، لما روى أبو هريرة وعمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "خيرُ طِيب الرجل ما ظهر ريحه، وخفي لونه. وخيرُ طِيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه" رواهما الترمذي (٤) وقال: حديث حسن.

стр. 310

فصل في خصال الفطرة (١) روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الفطرة: الاستحداد، والختان، وقصُّ الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار" رواه الجماعة (٢). وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "عشر من الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسِّواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاض الماء يعني الاستنجاء". قال مصعب: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة. رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي (٣). قال أبو داود (٤): وقد روي عن ابن عباس نحو حديث عائشة قال: "خمسٌ كلُّها في الرأس" وذكر منها الفَرْق (٥). وجميع هذه الخصال مقصودها: النظافة، والطهارة، وإزالة ما يجمع الوسَخ والدَّرَن من الشعور والأظفار والجلد.

стр. 311

وأمّا قصُّ الشارب ، فقال زيد بن أرقم: قال رسول الله ﷺ : "من لم يأخذ شاربَه فليس منّا" رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جُزُّوا الشواربَ، وأَرْخُوا اللحى: خالِفُوا المجوس" رواه أحمد ومسلم (٢). وعن ابن عمر (٣) عن النبي ﷺ قال: "خالفوا المشركين: وفِّروا (٤) اللِّحى وأحفُوا الشوارب" متفق عليه (٥)، وفي رواية البخاري: "كان ابن عمر إذا حجَّ أو اعتمَر قبَض على لحيته، فما فضَلَ أخَذَه". وتحصل السنّة بقصِّه (٦) حتى يبدو الإطار، وهو طرف الشفة. وكلَّما أخذ فوق ذلك فهو أفضل، نصَّ عليه. ولا يستحبّ حلقُه، لأن في [٦٧/ب] لفظ البخاري (٧) عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "انْهَكُوا الشوارب، وأعفُوا اللِّحى". قال البخاري (٨): وكان ابن عمر يُحفي شاربه حتى ينظر إلى موضع

стр. 312

الحلق (١). وروى حرب في "مسائله" (٢) عن عبد الله بن رافع (٣) قال: رأيت أبا سعيد الخدري وسلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله وابن عمر وأبا أسيد يجُزُّون شواربَهم أخا الحلق. وأمّا إعفاء اللحية ، فإنه يترك، ولو أخذ ما زاد على القبضة لم يكره، نصَّ عليه، كما تقدَّم عن ابن عمر، وكذلك أخذُ ما تطاير منها. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته: من عَرضها وطُولها. رواه الترمذي، وقال: حديث غريب (٤). فأما حلقُها فمثل حلقِ المرأة رأسَها، وأشدّ، لأنه من المثلة المنهيِّ عنها، وهي محرَّمة. ويكره نتفُ الشيب وإزالتُه بمنقاش ونحوه، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنّ النبي ﷺ نهَى عن نَتْفِ الشَّيب. رواه الجماعة (٥)، وفي

стр. 313

رواية لأحمد وأبي داود (١): "لا تنتِفُوا الشَّيبَ، فإنه نُور المسلم. ما من مسلم يشِيب شيبةً في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، ورفعه بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئة". فأما خضابه بالحُمرة والصُّفرة، فسنَّة مستحبة، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود والنصارى لا يصبِغون، فخالِفُوهم" رواه الجماعة (٢). قال عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب (٣): دخلنا على أمِّ سلَمة، فأخرجَتْ إلينا [٦٨/أ] من شَعر النبي ﷺ ، فإذا هو مخضوب. رواه أحمد والبخاري وابن ماجه (٤). [وزاد أحمد وابن ماجه] (٥): بالحنَّاء والكَتَم. وللبخاري (٦) عن ابن مَوهَب أن أمَّ سلمة أرَتْه شعرَ النبي ﷺ أحمر. وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أحسنَ ما غيَّرتم به هذا الشيبَ: الحِنَّاء والكَتَم" رواه الخمسة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٧).

стр. 314

وعن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يصفِّر لحيتَه بالوَرْس والزعفران. وكان ابن عمر يفعل ذلك. رواه أبو داود والنسائي (١). ويُكره الخضابُ بالسواد، لما روى جابر بن عبد الله قال: جيء بأبي قُحافة يوم الفتح إلى رسول الله ﷺ ، وكأنَّ رأسَه ثَغَامَة، فقال رسول الله ﷺ : "اذهبوا به إلى بعض نسائه فليغيِّره بشيء، وجنِّبوه السَّوادَ" رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي (٢). ولأن التسويد يُشبه يكون (٣) الخلقة، وذلك تزويرٌ وتغييرٌ لِخلق الله، فيكره، كما كُرِه وصلُ الشعر والنَّمص والتفلُّج. وأما الاستحداد ، فهو استعمال الحديد في إزالة شعر العانة. ولو قصَّه أو نتَفه أو تنوَّر جاز، والحلق أفضل. والأفضل في الإبط: أن ينتِفَه، ولو حلَقه أو قصَّه أو نوَّره جاز أيضًا. ولو نوَّر غير ذلك من شعر الساقين والفخذين جاز أيضًا. نصَّ عليه، لما روت أمُّ سلمة أنّ النبيَّ ﷺ كان إذا اطَّلَى بدأ بعورته فطلَاها بالنُّورة، وسائرَ جسدِه أهلُه. رواه ابن ماجه (٤)، وفيه مقال، لكن لا ينوِّر عورته إلا هو [٦٨/ب] أو من يحِلّ له مسُّها من زوجة أو أَمة.

стр. 315

قال أبو العباس النسائي: ضربتُ لأبي عبد الله نُورةً، ونوَّرتُه بها، فلما بلغ إلى عانته نوَّرها هو (١). وقال نافع: كنتُ أَطْلي ابنَ عمر، فإذا بلغ عورتَه نوَّرها هو بيده. رواه الخلال (٢). وترك التنوُّر أفضل، قال ابن عمر: هو مما أحدثوا من النعيم (٣). وأما قصُّ الأظفار ، فمن السنّة، لإزالةِ فحشها ودفعِ ما يجتمع تحتها من وسخ الأرفاغ ونحوها. وقد ذكر إسحاق بن راهويه عن النبي ﷺ أنه قال: "ما لي لا إيهَمُ ورُفْغُ أحدكم (٤) بين ظُفره وأنملته" (٥) إلا أنه ينبغي الاقتصاد في قصِّها وألا يحيف. نصَّ عليه، واحتجَّ بحديثٍ ذكره عن الحكم بن عمير قال: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ ألا نحفي من الأظفار في الجهاد (٦). وقال عمر: وفِّروا الأظفارَ في أرض العدو، فإنه سلاح (٧). قال أحمد:

стр. 316

هو يحتاج إليها في أرض العدو، ألا ترى أنه إذا أراد الرجل أن يحلّ الحبلَ أو الشيء، ولم يكن له أظفار لم يستطع (١). وروى عبيد الله (٢) بن بطة بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: "من قصَّ أظفاره مخالفًا لم ير في عينيه رمَدًا" (٣). وفسَّر أبو عبد الله بن بطة ذلك بأن يقصَّ الخنصر من اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبَّاحة، ويقص من (٤) اليسرى الإبهام ثم الوسطى ثم الخنصر ثم السبَّاحة ثم البنصر (٥). وذكر أن عمر بن رجاء فسَّره كذلك. وجاء فيه لون آخر ذكره القاضي أبو يعلى عن وكيع أنه روي عن عائشة قالت: [٦٩/أ] قال رسول الله ﷺ : "يا عائشة إذا أنتِ قلَّمتِ أظفارك فابدئي بالوسطى ثم الخنصر ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبَّابة، فإنَّ ذلك يورث الغنى" (٦). هذه الصفة لا تخالف الأولى إلا في الابتداء بالوسطى قبل

стр. 317

الخنصر، ومبنى ذلك على الابتداء بالأيمن فالأيمن من كل يد مع المخالفة. ويستحبُ غسلُ رؤوس الأنامل بعد قصِّ الأظفار، لإزالة ما عليها من الوسخ، ولأنه يقال: إنّ حكَّ الجسد بها قبل الغسل يضرُّه (١). وفي حديث الفطرة: "غسل البراجم"، والبراجم: العُقَد التي في ظهور الأصابع، والرواجب (٢) ما بينها. ومعناه غسلُ المواضع التي تتَّسخ ويجتمع فيها الوسخ. ويستحبُّ أن يأخذ (٣) الظفر في كل أسبوع، لما روى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ كان يأخذ أظفاره وشاربه في كلِّ جمعة (٤). وإن ترَكَه أكثر من ذلك فلا بأس، ما لم يجاوز أربعين يومًا، لما روى أنس قال: وقَّت لنا رسولُ الله ﷺ في قص الشارب وتقليمِ الأظفار ونتفِ الإبط وحلقِ العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة. رواه الجماعة إلا البخاري (٥).

стр. 318

ويستحبُّ فيما ذكره القاضي أن يكون يوم الجمعة، لما روى ابن بطة بإسناده عن [ابن] (١) حميد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: من قصَّ أظفاره يوم الجمعة أُدخِلَ في شفاءٍ، وأُخرج منه داءٌ (٢). وقال يزيد بن هارون (٣) في حديث له: من قلَّم أظفاره يوم الجمعة لم يَمُتْ بالماء الأصفر (٤). وبإسناده عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقلِّم [٦٩/ب] أظفاره ويقصُّ شاربه كلَّ جمعة (٥). وذكر غيرُه يوم الخميس، لما روي أنّ عليًّا قال: رأيت رسول الله ﷺ يقلِّم أظفاره يوم الخميس، ثم قال: "يا عليُّ، قصُّ الظفر ونتفُ الإبط وحلقُ العانة يومَ الخميس. والغسلُ واللباسُ والطيبُ يومَ الجمعة" (٦).

стр. 319

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يصبح المؤمن يوم الجمعة وهو مُحرِم، فإذا صلَّى حلَّ. فإذا مكث في الجامع حتى يصلي العصر مع إمامه كان كمن أتى بحجَّة وعمرة". فقيل: يا رسول الله متى نتأهَّب للجمعة؟ قال: "يوم الخميس". رواه الحاكم (١)، وأخرجه أيضًا من حديث ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد (٢). ويستحبّ دفنُ ما أزال من شعره وظفره. نصَّ عليه (٣)، وحكاه عن ابن عمر؛ لِما روت مِيل بنت مِشْرَح الأشعري أنها رأت أباها مِشْرَحًا يقلِّم أظفاره، ثم يجمعها ويدفنها، ويخبر أنه رأى رسول الله ﷺ يفعل ذلك. رواه البخاري في "تاريخه"، والخلال وابن بطّة (٤).

стр. 320

وروى حرب بإسناده عن قبيصة بن ذؤيب عن النبي ﷺ أنه قال: "ادفنوا شعوركم وأظفاركم ودماءكم، لا تلعَبْ بها سحرةُ بني آدم" (١). وعن عائشة: أنها قلَّمَتْ أظفارَها، فدفنَتْها (٢). وعن ابن عمر أنه حلَق رأسه، فأمر بدفن شعره (٣). وروى ابن بطّة عن رجل من بني هاشم قال: أمر رسولُ الله ﷺ بدفن الدم والشعر (٤). وأمّا الختان [٧٠/أ] فواجبٌ على الرجال في المنصوص المعروف من المذهب؛ لأن الله سبحانه أمرنا باتباع ملّة إبراهيم ﵇، والختان من ملَّته، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اختتَن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة، واختتنَ بالقَدُوم" متفق عليه (٥). فإن قيل: فمِن (٦) ملَّتِه سائرُ خصال الفطرة، وهي غير واجبة، لا سيَّما
следующие страницы →