← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

فإنما يفسخه إلى عمرة يتمتع (١) بها إلى الحج، وإنما يجوز له فسخه إذا قصد التمتع، فيكون قد قصد الحج وحده، فيصير (٢) مُدخِلًا للعمرة في حجه، وفاعلًا للعمرة والحج، وهذا أكثر مما كان دخل (٣) فيه، ولو أراد أن يخرج من الحج بعمرة غير متمتع بها لم يجز ذلك. وأما حديث الحارث بن بلال عن إسماعيل (٤)، قال عبد الله (٥): قيل لأبي: حديث بلال بن الحارث؟ قال: لا أقول به (٦) ولا نعرف هذا الرجل، ولم يروِه إلا الدراوردي. وقال أيضًا (٧): حديث بلال عندي ليس يثبت؛ لأن الأحاديث التي تُروى عن النبي ﷺ أنه قال: «اجعلوا حجكم عمرة، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي»، فحلّ الناس مع النبي ﷺ . وقال أيضًا: هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، وإنما (٨) يروى عن أبي ذر: إنما كانت المتعة لنا خاصةً، يعني متعة الحج. وقال أيضًا في رواية الفضل وابن هانئ (٩): مَن الحارثُ بن بلال؟ ومن

стр. 2557

روى عنه؟ أبوه من أصحاب النبي ﷺ ، فأما هو فلا (١). وقال في رواية الميموني (٢): أرأيتَ لو عُرِف الحارث بن بلال (٣)، إلا أن أحد عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ [يروون ما يروون من الفسخ]، أين يقع بلال بن الحارث منهم؟ وقال (٤) في رواية أبي داود (٥): ليس يصح حديثٌ في أن الفسخ كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى الأشعري يفتي به في خلافة أبي بكر وصدْرٍ (٦) من خلافة عمر. فقد ضعَّف أحمد هذا الحديث لجهل الراوي، وأنه لا يعرف الحارث [ق ٢١٠] بن بلال، لا سيما وقد انفرد به الدراوردي عن ربيعة، ولم يَرْوِهِ عنه مثل مالك ونحوه. وتخصيصهم بهذا الحديث تركٌ للعمل بتلك الأحاديث المستفيضة، وهو مثل النسخ لها. ومثل هذا الإسناد لا يُبطِل حكم تلك (٧) الأحاديث.

стр. 2558

ثم بيَّن أحمد أنه يخالف تلك الأحاديث ويعارضها، وهو حديث شاذ؛ لأن الحديث الشاذ هو الذي يتضمَّن (١) خلاف (٢) ما تضمَّنته الأحاديث المشهورة. فلو كان راويه معروفًا لوجب تقديمها عليه؛ لأن قوله ﷺ : «اجعلوا حجكم عمرة»، و «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي» فعمَّ ولم يذكر أن هذا مختصٌّ بهم، ولو كان ذلك مخصوصًا بهم لوجب بيانه لهم (٣)، ولم يؤخّر ذلك حتى سأله بلال بن الحارث. وقد بيَّن لهم في الحديث الصحيح أن هذا ليس لهم خاصة، وإنما هو للناس عامة على ما ذكرناه، فدلالة تلك الأحاديث على عموم حكم الفسخ دليلٌ على ضعف هذا الحديث لو كان راويه معروفًا بالعدل (٤)، ودليلٌ على أن هذا الحديث ليس بمضبوط ولا محفوظ. ولو كان هذا (٥) صحيحًا لكان له من الظهور والشّياع ما لا خفاء به، ولكان النبي ﷺ قد بيَّنه بيانًا عاما. وذلك لأن ما ثبت في حق بعض الأمة من الأحكام ثبت في حق الجميع، لا سيما في مثل ذلك المشهد العظيم الذي يقول فيه: «لتأخذوا عني مناسككم»، فلو كانوا مخصوصين بذلك الحكم لوجب على النبي ﷺ أن يبيِّن ذلك ابتداءً، كما بيَّن حكم الأضحية لما سأله أبو بُردة بن نِيَار (٦) عن

стр. 2559

التضحية (١) بالجَذَع، فقال: «تَجْزِي عنك ولا تَجْزِي عن أحدٍ بعدك» (٢)، فلو كان الفسخ خاصًّا لهم لقال: «إذا طفتم بالبيت وبين الصفا والمروة فحلُّوا، وليس ذلك لغيركم»، ولم يؤخِّر بيان ذلك إلى أن يسأله بلال بن الحارث؛ فإنه بتقدير أن لا يسأله بلال كان التلبيس واقعًا. وهذا بخلاف قوله لسراقة لما سأله: أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «بل (٣) لأبد الأبد». فإن هذا الحكم كان معلومًا بنفس فعْلِه، وإنما أجاب السائل توكيدًا. ولما كانت هذه الأحاديث مقتضية لعموم الحكم وثبوته في حق جميع (٤) الأمة عارض أحمد بينها وبين حديث بلال بن الحارث، وحكم بشذوذه لما انفرد بما يخالف الأحاديث المشاهير. والذي يبيِّن ذلك أن الصحابة ﵃ الذين حدَّثوا بتلك الأحاديث (٥) إنما ذكروها لتعليم السنة، وبيانها، واتباعها، والأخذ بها، لم يكن قصدهم مجرد القصص. ولو كان الحكم مخصوصًا بهم لم يجزْ أن يرووها رواية مرسلة حتى يبيِّنوا اختصاصهم بها، فكيف إذا ذكروها لتعليم السنة؟! وهذا دليل على أنهم علموا أن هذه السنة ماضية فيهم وفيمن بعدهم، فلا يُردُّ هذا بحديث من لم يخبر قوة ضبطه وتيقظه، وتُدفع هذه السنن المشهورة المتواترة براوية غير معروف.

стр. 2560

وقد تأوَّل بعض أصحابنا (١) ذلك على أن المراد به هو لنا خاصة من بين من ساق الهدي؛ لأن من ساق الهدي لم يكن يجوز له الفسخ، إلا لنفرٍ مخصوص. وهذا تأويل ساقط؛ لأن سائقي (٢) الهدي لم يحلَّ أحد منهم، ولم يكن يجوز لهم ذلك، ولكن يُشبِه ــ والله أعلم ــ إن كان لهذا الحديث أصل، وهو محفوظ، ولم ينقلب على رواية النفي بالإثبات، فإن غيره ممن هو أحفظ منه بيَّن أنه ليس لنا خاصة، وهو يقول: «لنا خاصة»، فإن كان قد حفظ ذلك فمعناه: أن الفسخ كان واجبًا عليهم متحتمًا، لأمْرِ النبي ﷺ لهم (٣) به، وتغيُّظِه (٤) عليهم حيث لم يفعلوه، وغيرُهم من الناس وإن جاز له الفسخ لكنه لا يجب عليه، ويكون سبب وجوبه عليهم أنه قال أولًا: «من شاء منكم جعلها عمرة» وندَبَهم إلى ذلك، فرأى أناسًا قد كرهوا ذلك، وامتعضوا (٥) منه واستهجنوه؛ لأنهم (٦) لم يكونوا يعهدون الحلَّ قبل عرفة في أشهر الحج، فعزم عليهم الأمر حسمًا لمادة الشيطان، وإزالةً لهذه الشبهة، كما أمرهم أولًا بالفطر في السفر (٧) أمرَ رخصةٍ، ثم لما دَنَوا من العدو أمرهم به

стр. 2561

أمرَ عزيمةٍ (١)، وكما أمرهم بالإحلال في عمرة الحديبية أمرَ عزيمةٍ لما رآهم قد كرهوا الصلح، ومعلوم أنه لو لم يصالحهم، ومضى على (٢) عمرته لكان جائزًا. على أن بلالًا لم يبيِّن مَن يعود الضمير إليه في قوله: «لنا»، فيجوز أن يعود الضمير إلى ذلك الوفد كما تقدم، ويجوز أن يكون بلال (٣) ممن لم يَسُقِ الهدي، فقال: هو (٤) لنا مَن لا هديَ معه خاصة أم (٥) للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصة. وأما قولهم: فهلّا وجب الفسخ على كل حاج، وصار كل من طاف بالبيت حلالًا، سواء قصد التحلل أو لم يقصد، كما يروى عن ابن عباس (٦)، وامتنع الإفراد والقران لكونهما مفسوخين (٧). قلنا: لأن أصحاب رسول الله ﷺ من بعده حَجُّوا مفرِدين وقارنين كما تقدم ذكره عن أبي بكر وعمر وعثمان (٨) وابن الزبير وغيرهم. فعُلِم أنهم لم يفهموا وجوب التمتع مطلقا.

стр. 2562

[ق ٢١١] وأما ما ذكر عن أبي ذر وغيره من الصحابة في أنهم كانوا مخصوصين بالمتعة، فقد عارض ذلك أبو موسى (١)، وابن عباس، وبنو هاشم، وهم أهل بيت رسول الله ﷺ وأعلم الناس (٢) بسنته، وقول المكيين من الفقهاء وهم أعلم أهل الأمصار كانوا بالمناسك. قال مجاهد: قدم علينا ابن عمر وابن عباس ﵄ متمتعين، قال (٣): وقال لي مجاهد: لو خرجتَ من بلدك الذي تحج منه أربعين عامًا ما (٤) قدِمتَ إلا متمتعًا. هو أحدثُ عهدٍ برسول الله ﷺ الذي فارق الناس عليه (٥). ولا ينبغي أن يُرغَب عما ثبت عن أهل البيت رضوان الله عليهم لاتباع بعض أهل الأهواء لهم في ذلك. قال سلمة بن شَبِيب (٦): قلت لأحمد: قويتْ قلوبُ الروافض حين أفتيتَ أهل خراسان بمتعة الحج، فقال: يا سلمة! قد (٧) كنتَ تُوصَف بالحُمق، فكنت أدفع عنك، وأراك كما قالوا. وقال ابن بطَّة (٨): سمعت أبا بكر بن أيوب يقول: سمعت إبراهيم

стр. 2563

الحربي يقول وسئل عن فسخ الحج فقال: قال سلمة بن شَبيب لأحمد: كل شيء منك حسنٌ غير خُلَّة واحدة، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج، قال أحمد: كنتُ أرى لك عقلًا، عندي (١) ثمانية عشر حديثا صحاحًا جيادًا (٢) أتركُها لقولك؟! وقال أبو الحسن اللُّنْبَاني (٣): سمعت إبراهيم الحربي، وذُكِر له أحمد ﵀ فقال: ما رأيتُ مثله (٤)، ما رأيتُ أنا أحدًا (٥) أشدَّ اتباعًا للحديث والآثار منه، لم يكن يزايله (٦) عقل. ثم قال: جاء سلمة بن شَبيب إلى أحمد يومًا فقال: يا أبا عبد الله، تفتي بحج وعمرة؟ فقال أحمد: ما ظننتُ أنك أحمق إلّا (٧) اليوم، ثمانية عشر حديثًا أروي عن النبي ﷺ ولا أفتي به، فلِمَ كتبتُ الحديث؟! قال: وما رأيت أحمد ﵀ قطُّ إلا وهو يفتي به. وأما نهي عمر وعثمان وغيرهما عن المتعة، وحَمْل ذلك على الفسخ

стр. 2564

أو على كونها مرجوحة، فاعلم أن عمر وعثمان ﵄ وغيرهما نَهَوا عن العمرة في أشهر الحج مع الحج (١) مطلقًا، وأن نهيهم له موضع غير الذي ذكرناه. أما الأول فهو بيِّن في الأحاديث، قال عمران بن حصين: «جمع رسول الله ﷺ بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنها حتى مات، ولم ينزل قرآن يحرِّمها، قال رجل برأيه ما شاء». رواه مسلم وغيره، وفي لفظ: «تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ ورحم الله عمر، إنما ذاك (٢) رأي»، وقد تقدم هذا الحديث. فبيَّن أن المتعة التي نهى عنها عمر، أن يجمع الرجل بين حجة وعمرة، سواء جمع بينها بإحرام واحد، أو أحرم بالعمرة، وفرغ منها ثم أحرم بالحج. وكذلك عثمان لما نهى عن المتعة فأهلَّ عليٌّ بهما، فقال: تسمعني أنهى الناس عن المتعة وأنت تفعلها؟ فقال: لم أكن لِأدعَ سنة (٣) رسول الله ﷺ لقول أحد. وفي حديث آخر عنه، أنه أمر أصحابه أن يهلّوا بالعمرة لما بلغه نهي عثمان. وعن السائب بن يزيد أنه استأذن عثمان بن عفّان في العمرة في شوال، فأبى أن يأذن له. رواه سعيد (٤).

стр. 2565

وعن نُبيَه بن وهب أن عثمان سمع رجلًا يهلُّ بعمرة وحج فقال: عليَّ بالمهلّ، فضربه وحلقه. قال (١) نبيه: فما نبت (٢) في رأسه شعرة (٣). وقال نُبَيه: إن عمر بن الخطاب قال: إن الناس يتمتعون بالعمرة مع الحج، ثم أمر يَرْفَأ (٤) فأذَّن في الناس: إن الصلاة جامعة. فحمد الله ، وأثنى عليه، ثم قال: أقد ملِلتم الحج دَفَرَه؟ أقد ملِلتم شَعَثَه؟ أقد ملِلتم وَسَخَه؟! والله لئن ملِلتم ليأتينّ الله بقوم لا يملُّونه ولا يستعجلونه قبل محلّه، والله لو أذنّا لكم في هذا لأخذتم بخلاخِيلهنَّ في الأراك ــ يريد أراك عرفة ــ ثم رجعتم مهلّين بالحج (٥). وأما الثاني فقد صح عن عمر وعثمان وغيرهما المتعة قولًا وفعلًا؛ فهذا عمر يروي عن النبي ﷺ أنه فعل المتعة هو وأصحابه، ويقول للصُّبَي بن مَعبد لما أهلّ بهما (٦) جميعًا: هُدِيتَ سنةَ نبيك. ويروي عن النبي ﷺ أنه

стр. 2566

قال: «أتاني الليلة (١) آتٍ من ربي في هذا الوادي (٢)، فقال: قلْ عمرة في حجة» (٣). وعن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: هذا الذي تزعمون أنه نهى عن المتعة ــ يعني عمر ــ سمعته يقول: لو اعتمرتُ ثم (٤) حججتُ لتمتّعتُ (٥). وقال له أُبي بن كعب وأبو موسى الأشعري: ألا تبيِّن للناس أمر متعتهم هذه؟ فقال: وهل بقي أحدٌ لا يعلمها؟ (٦). وقال ابن عباس: وما تمَّتْ حجة رجل قطُّ إلا بمتعة، إلا رجل اعتمر في وسط السنة (٧). وفي رواية عن ابن عباس عن عمر (٨) قال: «لو حججتُ مرةً

стр. 2567

واحدة ثم حججتُ (١) لم أحجَّ إلا بمتعةٍ». رواهما سعيد (٢). وفي لفظ لأبي عبيد (٣): «لو اعتمرتُ ثم اعتمرتُ (٤)، ثم حججتُ لتمتعتُ». ورواه أبو حفص (٥) عن طاوس أن عمر قال: لو اعتمرتُ وسط السنة لتمتَّعتُ، ولو حججتُ خمسين حجة لتمتَّعتُ. وروى الأثرم (٦) عن عمر نحو الحديث الأول، فقال عمر: وهل بقي أحد إلا علمها؟ أما أنا فأفعلها. وعن نافع بن جبير عن أبيه قال: ما حجّ عمر قطُّ حتى توفّاه الله تعالى إلا تمتَّع (٧) فيها (٨). وإنما وجهُ ما فعلوه أن عمر [ق ٢١٢] رأى الناس قد أخذوا بالمتعة، فلم يكونوا يزورون (٩) الكعبة إلا مرة في السنة في أشهر الحج، ويجعلون تلك

стр. 2568

السفرة للحج والعمرة، فكره أن يبقى البيت مهجورًا عامةَ السنة، وأحبّ أن يعتمر في سائر شهور السنة ليبقى البيت معمورًا مَزْورًا كلَّ وقت بعمرة مفردة (١) يُنْشَأُ لها سفرٌ مفرد، كما كان النبي ﷺ يفعل، حيث اعتمر قبل الحجة ثلاث عُمَرٍ مفرداتٍ. وعَلِم أن أتمَّ الحج والعمرة أن ينشِئ لهما سفرًا من الوطن كما فعل النبي ﷺ ، ولم يرَ لتحصيل هذا الفضل والكمال لرغبته طريقًا إلا أن ينهاهم عن الاعتمار مع الحج وإن كان جائزًا، فقد ينهى السلطان بعض رعيته عن أشياء من المباحات والمستحبات لتحصيل ما هو أفضل منها من غير أن يصير الحلال حرامًا. قال يوسف بن ماهَك: إنما نهى عمر ﵁ عن متعة الحج من أجل أهل البلد؛ ليكون موسمين في عام، فيصيب أهل مكة من منفعتهما. وقال عروة بن الزبير: إنما كره عمر العمرة في أشهر الحج إرادةَ أن لا يُعطَّل البيت في غير أشهر الحج. رواهما سعيد (٢). وأيضًا فخاف إذا تمتعوا بالعمرة إلى الحج أن يبقَوا حلالًا حتى يقفوا بعرفة مُحِلِّين، ثم يرجعوا مُحرِمين، كما بيَّن ذلك في حديث أبي موسى وغيره حيث قال: «كرهتُ أن يظلُّوا مُعرِسين بهن في الأراك ــ يعني أراك عرفة ــ ثم يروحون في الحج تَقطُر رؤوسهم» (٣).

стр. 2569

ونحن نذهب إلى ذلك؛ ف إن الرجل إذا أنشأ للعمرة سفرًا من مصره كان أفضل من عمرة التمتع . فعن ابن عمر أن عمر قال: افْصِلوا بين حجكم وعمرتكم؛ فإنه أتمُّ لحج أحدكم أن يعتمر في غير أشهر الحج، وأتمُّ لعمرته. رواه مالك (١) (٢). وروى عبد الرزاق (٣) عن معمر عن الزهري عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها، فقيل له: إنك تخالف أباك، فقال: إن أبي لم يقل الذي تقولون، إنما قال: أفردوا العمرة من الحج. أي أن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدي، وأراد أن يُزار البيت في غير شهور الحج، فجعلتموها أنتم حرامًا، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلّها الله ، وعمل بها رسول الله ﷺ ، فإذا أكثروا عليه قال (٤): أوَ كتاب الله أحقُّ أن تتبعوا (٥) أم عمر؟ وعن أبي يعفور (٦) قال: كنت عند ابن عمر، فجاءه رجل يسأله (٧) عن العمرة في أشهر الحج، فقال: هي في غير أشهر الحج أحبُّ إليَّ (٨).

стр. 2570

وعن محمد بن سيرين قال: ما أحد من أهل العلم يشك أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج (١). وأما الخلاف فيمن أراد أن يجمع بينهما في سفرة واحدة، إما لعجزه عن سفرة أخرى؛ أو لأنه مشغول عن سفرة أخرى بما هو أهمُّ من الحج من جهاد ونحوه، أو لأنه لا يمكنه قصد مكة إلا في أيام الموسم لعدم القوافل، أو خوف الطريق، ونحو ذلك= فإن اعتماره قبل الحج أفضل من أن يعتمر من التنعيم في بقية ذي الحجة؛ لأن أصحاب النبي ﷺ كلهم فعلوا كذلك، ولم يعتمر أحد منهم (٢) بعد الحجة في تلك السفرة إلا عائشة خاصة، ولم يُقِم النبي ﷺ بالمسلمين بعد ليلة الحصبة ولا (٣) يومًا واحدًا، بل قضى حجه ورجع قافلًا إلى المدينة، وكذلك عمر كان ... (٤) وكانوا ينهون عن العمرة بعد الحج في ذلك العام كما ينهون عنها قبله.

стр. 2571

قال أبو بشر: حججت أنا وصاحب لي، فلما كان ليلة الصدر، قال صاحبي: إني لا أقدر على هذا المكان كلما أردت، أفأعتمر (١)؟ فلم أدرِ ما أقول له، فانطلقنا إلى نافع بن جبير بن مطعم، فسألناه، فكأنه هابنا، ثم إنه اطمأنَّ بعدُ فقال: أما أمراؤكما فينهون عن ذلك، وأما رسول الله ﷺ فقد أعمر عائشةَ رحمها الله ليلةَ الصدر من التنعيم، ثم أمره أن يخرج من الحرم من سَنَن وجهه الذي بدأ منه، ثم يحرم (٢). ومن فعلَ ذلك فعلَه (٣) رخصةً بعد أن يستفتي، مع علمهم أنهم لو اعتمروا قبل الحج كان أفضل. عن ابن عباس ﵄ قال: والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشةَ ﵂ في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينَهم كانوا يقولون: إذا عفا الوَبَرُ، وبرأ الدَّبَرُ، ودخل صفر، فقد حلَّت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يُحرِّمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم. رواه أبو داود (٤). عن صدقة بن يسار قال: سمعت ابن عمر يقول: عمرة في العشر الأول أحبُّ إليَّ من عمرة في العشرين الأواخر، قال صدقة: فحدثتُ نافعًا، فقال: كان عبد الله يقول: لأن أعتمر عمرة يكون عليَّ فيها هدي أو صيامٌ أحبُّ إليّ من أن أعتمر عمرة ليس عليَّ فيها هدي ولا صيام. رواه سعيد (٥). ورواه

стр. 2572

مالك (١) عنه، قال: والله لأن أعتمر قبل الحج وأُهدي أحبُّ إليّ من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة. وروى أبو عبيد (٢) عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: لأن أعتمر في شوال، أو في ذي القعدة، أو في ذي الحجة، في شهر يجب عليَّ فيه الهدي أحبُّ إليّ من أن أعتمر في شهرٍ [ق ٢١٣] لا يجب عليّ فيه الهدي (٣). على أن هذا الرأي الذي قد رآه عمر وعثمان ومن بعدهما قد خالفهم فيه خلق كثير من الصحابة وأنكروا عليهم؛ مثل علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى (٤) الأشعري، وأبي بن كعب. فإما أن يكونوا خافوا من النهي أن يعتقد الناس ذلك مكروهًا، فخالفوهم في ذلك، أو رأوا أن تَرْكَ الناس آخذين برخصة الله تعالى أفضل وأولى. وقد تقدم بعض ما رُوي في ذلك عن علي وسعد وعمران (٥) وابن عباس. وعن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن ينهى عن المتعة،

стр. 2573

فقال له أبي بن كعب: ليس ذلك (١) لك، قد تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ فلم ينْهَنا (٢) عن ذلك، قال: فأضربَ عمر ﵁ عن ذلك (٣). وعن عمرو قال: سمعت ابن عباس وأنا قائم على رأسه، وسألوه عن المتعة متعة الحج، فقيل له: إن معاوية ينهى عنها، فقال: انظروا في كتاب الله، فإن وجدتموها فيه فقد كذب على الله وعلى رسوله، وإن لم تجدوها فقد صدق (٤). وعن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن الزبير يُعرِّض بابن عباس فقال: إن هاهنا قومًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم، يفتون في المتعة أنه لا بأس بها، فقال ابن عباس: إمَّا لَا (٥) فليسألْ (٦) أمه، فسألها، فقالت: صدق ابن عباس قد كان ذلك، فقال ابن عباس: لو شئتُ أن أسمِّي ناسًا من قريش وُلدوا منها (٧)

стр. 2574

لفعلتُ (١). رواهن سعيد. وعن ابن عباس ﵄ قال: تمتّع رسول الله ﷺ ، قال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي ﷺ ويقولون (٢): نهى أبو بكر وعمر. رواه أبو حفص (٣). و أما كون النبي ﷺ أفرد الحج ولم يعتمر في أشهره، فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن هذا ليس بصحيح، فإن أكابر الصحابة مثل عمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعمران بن حصين، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس، وأبي طلحة، وأنس بن مالك، وسراقة بن مالك، كل هؤلاء يروون التمتع، إما بأن يكون أحرم بالعمرة فلما قضاها أحرم بالحج، أو أحرم بالعمرة والحج جميعًا. فإن رواية من قرنَ لا تخالف رواية من روى التمتع، سواء أراد به أنه أهلّ بهما جميعًا، أو جمعهما في سفرة واحدة في أشهر الحج، وهذا لا

стр. 2575

يُشكّ (١) فيه؛ لأنه قد صح عنه ﷺ أنه اعتمر مع حجته. فروى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عُمَرٍ كلهن في ذي القعدة، إلا التي مع حجته: عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صدَّه المشركون، وعمرة في العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة الجعرانة حيث قسمَ غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. متفق عليه (٢). وعن ابن عمر أيضًا أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عُمَرٍ، وأقرته عائشة على ذلك. متفق عليه (٣). وعن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : اعتمرتَ ولم أعتمر، قال: «يا عبد الرحمن، اذهب بأختك فأعمِرْها من التنعيم». رواه البخاري (٤). وفي جميع الأحاديث تقول للنبي ﷺ : «تذهبون بحجة وعمرة، وأذهب أنا بحجة». وهذه نصوص في أن النبي ﷺ اعتمر قبل أن يحلَّ من حجه، وهو أيضًا دليل على أن جميع الصحابة ﵃ قد اعتمروا مع حجهم قبل ليلة الحصبة، فعُلِم أنهم كانوا إما (٥) متمتعين أو قارنين.

стр. 2576

وعن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عُمَر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء من قابلٍ، والثالثة من الجعرانة، والرابعة مع حجته. رواه الخمسة إلا النسائي (١). وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ حجَّ ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر معها عمرة. رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: غريب (٢). ومعلوم قطعًا أن النبي ﷺ لم يعتمر عقيب الحجة هو ولا أحد من أصحابه سوى عائشة، وإنما خرج من مكة ليلة الصدر. وإنما اعتمد الناس في العمرة بعد الحج على حديث عائشة، وقد تقدم ذلك مفسرًا، فيجب أن يكون اعتمر في أشهر الحج، إما قبل الحج أو معه، ولم يحلَّ من إحرامه، ومثل هذا يسمَّى قارنًا ومتمتعًا بكل حال؛ لأنه جمعهما في إحرام واحد. وأيضًا فإنه قد رُوي عنه ألفاظ صريحة من قوله؛ مثل قوله: «لبيك عمرة

стр. 2577

وحجًّا»، وقوله: «إني قرنتُ» (١)، وقوله: «قال لي (٢): قل عمرة في حجة»، ومثل ما روت حفصة قالت: قلت: يا رسول الله، ما بال الناس حلُّوا ولم تحِلَّ من عمرتك؟ قال: «إني لبَّدتُ رأسي وقلَّدت هديي، فلا أحلُّ حتى أنحر». متفق عليه (٣). ومن ذكر أنه أفرد الحج فإنما أخبر عن اعتقاده. وأيضًا فإن رواة التمتع أكثر عددًا (٤) وأجلُّ قدرًا، وروايتهم أصح سندًا وأشهر نقلًا. وأيضًا فإن كل من روى الإفراد روى عنه أنه تمتَّع من غير عكس، بل طرق الروايات [ق ٢١٤] عن ابن عمر وعائشة بأنه تمتع أصح. وأيضًا فإن عامة الروايات التي فيها الإفراد إنما ذكروه مع أصحابه، مثل حديث جابر وابن عباس، وكان قصدهم بذلك ... (٥).

стр. 2578

وأيضًا فمعنى قولهم: أفرد الحج؛ أي أنه لم يحلَّ من إحرامه بعمرة مفردة، ولم يطف للعمرة طوافًا يتميز به، فصورته صورة المفرد. وإن لم يكن لكلامهم محمل صحيح، فيجب أن يُحكَم بوقوع الخطأ في تلك الروايات؛ لما تقدم. وأيضًا فإن من روى أنه تمتَّع مُثبِت لزيادة نفاها غيره، والمثبت أولى من النافي. وقال أحمد في رواية أبي طالب (١): كان هذا في أول الأمر بالمدينة. وقد زعم بعض أصحابنا (٢) أنه يجوز أنه كان قد تحلَّل من عمرته، ثم أحرم بالحج مفردًا، فسمِّي (٣) مفردًا لذلك. قال: وعلى هذا يجمع بين كونه متمتعًا وكونه لم يفسخ الحج، وإنما يمتنع الفسخ ممن كان قارنًا أو مفردًا. وهذا غلط؛ فإن النبي ﷺ لم يتحلل في حجته، وهم إنما سألوه عن كونه لم يحلّ، سواء كان قد أحرم بعمرة أو بحجة، ولم يسألوه عن كونه لم يفسخ، كأن من أراد أن يجمع بينهما تمتع ولم يفرد، على أنهم لو سألوه عن ذلك فلأنه كان قارنًا. الثاني: أنه وإن كان أفرده فهو لم يعتمر بعد حجته من التنعيم ولا من غيره هو ولا أحد من أصحابه غير عائشة، وإنما كان قد اعتمر قبل ذلك، والإفراد على هذا الوجه هو أفضل من التمتع ومن القران عندنا. وهذا هو الجواب

стр. 2579

عمن أفرد الحج من الخلفاء الراشدين، فإن أحدًا منهم لم يُنقَل عنه أنه اعتمر في سفرته تلك، وإنما كانوا يحجون ويرجعون، ويعتمرون في وقت آخر أو لا (١) يعتمرون، وإفراد الحج على هذا الوجه أفضل من المتعة. الثالث: أن آخر الأمرين منه كان التأسُّف على المتعة؛ لأنه رأى الإحلال أفضل، كما في حديث جابر، وهو لم يكن يشك في جواز العمرة في أشهر الحج حتى يعتقد ما اعتقد (٢) في أصحابه من أنهم فسخوا؛ لكونهم لم يكونوا يجوِّزون العمرة في أشهر الحج. وأما كون المتعة تفتقر إلى دم، فذلك الدم دم نسك، بدليل أنه يجوز التمتع لغير عذر، ودماء الجبارين (٣) لا يجوز إلزامها (٤) إلا لعذر، وبدليل جواز الأكل منه، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة. ثم نقول: وإن كان دم جبران فهو مخيَّر بين استدامة الإحرام بلا جبران، وبين الإحلال والجبران. وهذا أفضل؛ لأن كلامهم (٥) فيمن يعتمر في ذي الحجة من أدنى الحل، وهذه العمرة ليست بطائل. فالإحلال (٦) والدم والعمرة في أثناء الحج أفضل منها. وهذا هو الجواب عن قولهم: المفرِد يأتي بنسكين تامّين، فإنه متى أتمَّ

стр. 2580

العمرة من دُوَيرة أهله أو من [الميقات] (١) فهو أفضل من التمتع. والعمرة من أدنى الحل ليست بتلك التامة. وأما كون المتعة رخصة فكذلك الإحرام من أدنى الحلّ رخصة، ثم الرُّخَص في العبادات أفضل من الشدائد كما تقدم تقريره في الصلاة (٢). وأيضًا فإنه إذا اعتمر بعد الحجة لم يتمكَّنِ من حلق رأسه؛ لأنه لم يكن قد نبت شعره، والحلق أو التقصير (٣) سنة عظيمة، فعمرة وحجة يأتي فيهما (٤) بالحلق أفضلُ من عمرة وحجة (٥) تخلو إحداهما (٦) عن الحلق والتقصير، فإنه من (٧) جملة أعمال النسك. وأيضًا فإن بعض الناس قد ذهب إلى أن العمرة من أدنى الحل لا تُجزئ عن حجة الإسلام، وكذلك عمرة القارن، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وذهب بعضهم إلى أن الاعتياض عنها بالطواف أفضل، فيجب أن يكون ما أُجمِع على إجزائه ويتسع الوقت بعده للطواف أفضل. وأيضًا فإنه إذا أراد أن يجمع بينهما في سفرة واحدة كان تقديم العمرة أحوطَ له بخلاف ما إذا أخَّرها، فإنه تغريرٌ بها؛ لأن وقت الواحد واحد لا

стр. 2581

يتغير بتقديم العمرة وتأخيرها، وهذا معنى قول أحمد (١): هو آخر فعل النبي ﷺ وهو يجمع الحج والعمرة جميعًا، ويعمل لكل واحد على حدة، فبيَّن أنه يجمع الحج والعمرة فيحلّ منهما جميعًا إذا قضى حجه، وله فضيلة على القارن بأنه يعمل لكل واحد على حدة. وأيضًا فإن التمتع بالعمرة إلى الحج مخالفة لهدْي المشركين ودَلِّهم (٢)، فإنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وكلُّ ما كان من المناسك فيه مخالفة لهدي المشركين فإنه واجب أو مستحب، مثل الخروج إلى عرفة، وترك الوقوف عشية عرفة بمزدلفة، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والإفاضة من جَمْعٍ قبل طلوع الشمس، والطواف بالثياب، ودخول البيت من الباب وهو محرم، والطواف بالصفا والمروة. وأيضًا فما أشار إليه أحمد في رواية أبي طالب (٣) فقال: إذا دخل بعمرة فيكون قد جمع الله له عمرة وحجة ودمًا. وهذا لأنه يأتي بالعمرة والحج على حدة، وذلك أفضل من أن يجمعهما (٤) بإحرام واحد؛ لأنه يأتي بإهلالين (٥)، وإحرامين، وتلبيتين، وإحلالين (٦)، وطوافين، وسعيين، فهو يترجح على القارن [ق ٢١٥] من هذا الوجه، وعمرته تُجزِئه عن عمرة

стр. 2582

الإسلام بالاتفاق، بخلاف عمرة القارن فإن فيها اختلافًا (١)، وليس القارن بأعجلَ من المتمتع؛ لأن كلاهما (٢) يفرغ من العمرة والحج جميعًا، ويزيد المتمتع عليه بأنه يفرغ من العمرة قبله، فيكون أسبق منه إلى أداء النسك. ويترجح على المفرد بأنه يأتي بالعمرة والحج في الوقت الذي يأتي فيه المفرد بالحج وحده، ونسكانِ أفضل من نسكٍ، وأنه يأتي مع ذلك بدم التمتع (٣)، وهو دم نسك كما تقدم؛ فيكون ما اشتمل على (٤) زيادة أفضل، كما فُضِل المفرد على القارن لأنه يطوف ويسعى مرتين. وعمرة وحجة وهديٌ أفضل من حجة لا عمرة فيها ولا هدي. وقد تقدم عن ابن عمر أنه نبَّه على هذا المعنى حيث قال: لأن أعتمرَ في أشهر الحج وأُهدِي أحبُّ إليَّ من أن أعتمر في ذي الحجة بعد الحج ولا أُهدي. ويتسع الوقت للمتمتع بعد الصدر من منى إن أحبَّ أن يأتي بعمرة أخرى، وإن أحبّ أن يطوف بالبيت، فيكون ذلك زيادة، لا سيما (٥) إن خِيْف أن لا يتمكن من الاعتمار بعد الحج لخوفٍ أو غلاءٍ أو غير ذلك، فتحصيل العمرة قبل الحج أوثق. وإن كان الحاج امرأة خِيْفَ عليها أن تحيض بعد الصدر، ويستمرّ بها الحيض حتى لا تتمكّن من الاعتمار، فإذا دخلت متمتعة

стр. 2583

وحاضت صنعت كما صنعت عائشة ﵂. فأما إن ساق الهدي فينبغي أن يكون أفضل من الإفراد بلا تردد؛ لأن النبي ﷺ لا شكَّ أنه ساق الهدي، وكان إمّا (١) قارنًا أو متمتعًا. والأظهر أنه كان قارنًا، فكيف يفضَّل ما لم يفعله النبي ﷺ على ما (٢) فعلَه؟ وذلك لأنه يأتي بالعمرة والحج جميعًا كما تقدم. وأما كون الإفراد أفضلَ من القران، فهكذا قال أصحابنا، وهذا إذا لم يَسُقِ الهدي، ولم أجد عن أحمد نصًّا بذلك، قالوا: لأن في عمل المفرد زيادةً على عمل (٣) القارن، وهو أنه (٤) يأتي بإحرامين، وإحلالين، وتلبيتين، وطوافين، وسعيين، ويتوجه ... (٥). وأيضًا فإن المتعة قد اختُلِف في وجوبها، سواء أحرم بالعمرة أولًا، أو بالحج، أو بهما، فكان ابن عباس يرى وجوبها؛ فعن عطاء ومجاهد أن ابن عباس كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يكن ساق الهدي (٦). وعن أبي هاشم (٧) أنه قد قدم حاجًّا، فسأل ابن عباس، فقال: اجعلها

стр. 2584

عمرة، ثم لقيت ابن عمر، فقال: اثبُتْ على إحرامك، ثم رجعت إلى ابن عباس فأخبرتُه بقوله، فقال: إن طوافك بالبيت ينقض حرمك، كلما طفتَ فجدِّد إهلالًا (١). وفي رواية (٢) قال: أهللتُ بالحج، فلقيت ابن عباس وأنا أطوف وأُلبِّي، فقال: أبحجة أو بعمرة؟ قلت: حجة، قال: اجعلها عمرة، قلت: كيف أجعلها عمرة وهذا أول ما حججتُ؟ قال: فأكثِرْ من التلبية فإن التلبية تشدُّ الإحرام، وإن البيت ينقض، والصفا والمروة تنقض. وعن مسلم القُرِّي قال: سمعت ابن عباس يقول: يحلّ الحج الطواف (٣) والسعي (٤). وعن عبد الله بن أبي الهذيل (٥) قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني قدِمتُ حاجًّا ولم أذكر عمرة، فطفتُ بالبيت وبين الصفا والمروة، فقال له ابن عباس: اعتمرت. فقال له القوم: إنك لم تُفهِمه، فعاد فقال: إني قدِمتُ

стр. 2585

حاجًّا، قال: فصنعتَ ماذا؟ قال: طفتُ بالبيت وبين الصفا والمروة، فقال: اعتمرتَ. فقالوا له: عُدْ؛ فإنه لم يفهم، فقال: إني قدِمتُ حاجًّا ولم أذكر عمرة، فطفتُ بالبيت وبين الصفا والمروة، فقال: حدثَ إمْراغي (١) ثلاثًا فإن أُبْتَ (٢) فأربع، ولم يقل: هو ذاك. قال: وددتُ أنك قصَّرت (٣). وتقدم عنه أنه قال: والله ما تمَّتْ حجة رجل إلا بمتعة، إلا رجل اعتمر في وسط السنة. وقد تأوَّل على ذلك الكتاب والسنة. قال أحمد (٤): ثنا يحيى بن سعيد، حدثني ابن جريج، قال: أخبرني (٥) عطاء، قال: قلت له: من أين كان ابن عباس يأخذ أنه من طاف بالبيت فقد حلّ؟ قال: من قول الله ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ومن أمْرِ النبي ﷺ أصحابه أن يحلُّوا في حجة الوداع. قال ابن أبي موسى (٦): ولا يُستحبُّ لأحدٍ أن يحرم بنية الفسخ، فأما من أحرم بالحج بنية المضي فيه، ثم بدا له أن يفسخ رغبةً في الجمع بين النسكين في قلبه جاز.

стр. 2586

فإن قيل: فقد اختُلِف في كراهة المتعة كما حكيتم عن رجال من الصحابة، وعن حَيْوة بن شُريح قال: أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم، عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أتى عمر بن الخطاب ﵁، فشهد عنده أنه سمع رسول الله ﷺ (١) في مرضه الذي قُبِض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج (٢). وعن قتادة عن أبي شيخ الهُنائي ــ ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة ــ أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي ﷺ : هل تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن كذا وكذا، وركوب جلود النمور؟ قالوا: [ق ٢١٦] نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة (٣)، فقالوا: أما هذا فلا، قال: أما إنها معها ولكن نسيتم. رواهما أبو داود (٤).

стр. 2587

وهذا النهي إما (١) أن يفيد الكراهة، أو يكون معناه النهي عن فسخ الحج (٢) إلى العمرة، وهو جمع بين الحج والعمرة. قلنا: قد أجمع العلماء على أن المتعة لا تُكْره، وقد ذكرنا معنى ما نُقِل في ذلك عن الصحابة، لكن كان بعض أمراء بني مروان يشدِّد في ذلك، ويعاقب على المتعة. وهذا قد يكون رأى ذلك لنوع مصلحةٍ، مع أن هذا لا يُعدُّ خلافًا. وقد أنكر الصحابة الذين علموا معنى كلام عمر مثل ابنه عبد الله وغيره ذلك. على أنه لو نطق أحد بكراهة المتعة لكان مخصومًا بكتاب الله وسنة رسول الله (٣) ﷺ ، بخلاف من قال بوجوبها، فإنه أوجهُ حجةً، وأحسنُ انتزاعًا؛ إذ كان رسول الله ﷺ قد أمر المسلمين بها، وتغيَّظ على من امتنع منها. وأما الحديثان فشاذّان منكران، مخالفان لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ الناطقة بأن هذا الحكم لا يُنْسَخ، حيث قال: «دخلت العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة». قال أبو بكر الأثرم (٤): «قد يكون من الحافظ الوهمُ أحيانًا، والأحاديث

стр. 2588

إذا تظاهرت وكثرت كانت أثبتَ من الواحد الشاذ، كما قال إياس بن معاوية (١): إياك والشاذَّ من العلم. وقال إبراهيم بن آدم (٢): إنك إن حملتَ شاذًّا من العلم حملتَ شرًّا كثيرًا». قال (٣): «والشاذ عندنا هو الذي يجيء على (٤) خلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيء لم يجئ أحد بمثله، ولم يخالفه غيره». ولعل معناه: أن يعتمر الرجل قبل الحج، ثم يرجع إلى مصره، ويؤخّر الحج عن ذلك العام، فيكون هذا منهيًّا عنه؛ لكون الحج أوجبَ من العمرة، وقد تكلَّف مشقةَ السفر إلى مكة، ثم رجع بغير حج، والحج واجب على الفور. وأما الآخر ..... (٥). فصل وإذا اعتمر قبل أشهر الحج وأفرد الحج من سنته فهو أفضل من التمتع.

стр. 2589

قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم والأثرم (١): هي في شهر رمضان أفضل، وهي في غير أشهر الحج أفضل. وقال الأثرم وسعدان بن يزيد (٢): قيل لأبي عبد الله: تأمر بالمتعة، وتقول: العمرة في غير أشهر الحج أفضل! فقال: إنما سُئلت عن أتمّ العمرة، فالمتعة تُجزِئه من عمرته، فأما أتمُّ العمرة فأن تكون في غير أشهر الحج. فإذا اعتمر في رمضان، أو قبل رمضان، وأقام بمكة حتى يحج من سنته فهو أفضل من المتعة؛ لما تقدم عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم في ذلك. وإن أقام بعد الحج إلى المحرم حتى يعتمر فهل هو أفضل من التمتع؟ ... (٣). وإن عاد بعد الحج إلى مصره ثم عاد للعمرة .... وإن اعتمر في أثناء السنة ثم عاد في أشهر الحج، فهل الأفضل أن يتمتع أو يفرد؟ ... ومن حج واعتمر (٤)، ثم أراد أن يحج فهل الأفضل أن يعتمر ويحج، أو يحج فقط، أو يحج؟ ...

стр. 2590

وأما إذا حج ثم اعتمر في ذي الحجة، فالمتعة أفضل من هذا كما تقدم، وظاهر رواية الأثرم وسعدان (١) بن يزيد .... فإن عاد في ذي الحجة أو المحرم إلى الميقات فهل هو أفضل من المتعة؟ .... فصل ويجوز الإحرام بنُسك معيَّن من عمرة، أو حجة، أو عمرة وحجة، سواء كانت عمرة تمتع، أو عمرة مفردة، ويجوز أن يحرم مطلقًا من غير أن ينوي عمرة أو حجة. ويجوز أن يُحرم بمثل ما أحرم به فلان، وإن لم يعرف ما أحرم به؛ لما روى أنس بن مالك ﵁ قال: قدم عليٌّ على رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: بما أهللتَ؟ قال: بما أهلّ به النبي ﷺ قال: «لولا أن معي الهديَ لأحللتُ». متفق عليه (٢). وفي حديث جابر: «فقدم عليٌّ من اليمن ومعه هدي، فقال: أهللتُ بما أهلّ به النبي ﷺ » (٣). وفي لفظ (٤): «قال له النبي ﷺ : بمَ أهللتَ يا علي؟ قال: بما أهلّ به النبي ﷺ قال: فأهْدِ وامكثْ حرامًا كما أنت» (٥). وفي لفظ:

стр. 2591

قال: أمر النبي ﷺ عليًّا أن يقيم على إحرامه». متفق عليه، وهذا للبخاري (١)، ولمسلم (٢): «ماذا (٣) قلتَ حين فرضتَ الحج؟» قال: قلت: اللهم إني أهلُّ بما أهلَّ به رسول الله ﷺ قال: «فإن معي الهدي فلا تحلَّ». وكذلك في حديث البراء (٤). وعن أبي موسى ﵁ قال: قدمتُ على النبي ﷺ وهو مُنيخٌ بالبطحاء فقال: «بم أهللتَ؟» قال: قلت (٥): أهللتُ بإهلال النبي ﷺ قال: «سُقتَ من هديٍ؟» قال: لا، قال: «فطفْ بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حِلَّ» (٦). وفي لفظ (٧): فقال: «كيف قلتَ حين أحرمتَ؟» قال: قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، وذكره. متفق عليه. ثم إن علم ما أحرم فلان تعيَّن عليه (٨)، وكان حكمه حكم فلان. فإن علم في أثناء الحج ... (٩).

стр. 2592

وإن لم يعلم بأن مات زيد أو ... (١)، فقال ابن عقيل: هو كالمطلق في جواز صَرْفه إلى أحد الأنساك الثلاثة، وقال القاضي: هو كالمنْسيِّ (٢)، يصرفه إلى ما شاء. وهذا أصح. وإن أحرم مطلقًا، فقال أصحابنا: يُخيَّر في صرفه إلى تمتع أو إفراد أو قران، [ق ٢١٧] والمستحب له صرفه إلى المتعة، وقد قال أحمد في رواية مهنا (٣) فيمن أحرم ولم ينوِ حجًّا ولا عمرة حتى مضت أيام، فقال: يَقدَمُ مكة بعمرة، ويطوف بالبيت وبالصفا (٤) والمروة، ثم يحلق أو يقصّر (٥)، ثم يحرم بالحج. وحمل القاضي (٦) وغيره من أصحابنا هذا على الاختيار والاستحباب؛ لأنا نستحب التمتع لمن عيَّن الحج والقران، فأن نستحبه لمن أبهم الإحرام أولى، ولأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا قد أحرم بعضهم شبيهًا (٧) بهذا الإحرام، فأمره النبي ﷺ أن يفعل كذلك. فإن كان الإحرام قبل أشهر الحج انعقد إحرامه بعمرة فيما ذكره

стр. 2593

أصحابنا؛ لأن الإحرام بالحج قبل أشهرٍ مكروه، وإن أراد أن يصرفه إلى عمرة مفردة جاز أيضًا فيما ذكره أصحابنا. فإن طاف وسعى قبل أن يفرضه في شيء فقال القاضي في «المجرد» .... (١) وغيرهما: لا يعتدّ بذلك الطواف؛ لأنه طاف لا في حج ولا في عمرة. وقال: يتعين طوافه للعمرة. المسألة الثانية (٢): أنه يجوز أن يحرم بالعمرة، ثم يُدخل عليها الحج، ويصير قارنًا ؛ لأن في حديث ابن عمر وعائشة ﵃ المتقدم: «وبدأ رسول الله ﷺ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج». متفق عليه. إلا أن هذا يحتمل أن يكون بعد انقضاء عمل العمرة. وفي حديث علي أنه لما رأى ذلك من عثمان أهلَّ بهما جميعًا (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة (٤)، ثم قال رسول الله ﷺ (٥): «من كان معه هديٌ فليهلَّ بالحج مع العمرة، ثم لا يحلُّ حتى يحلَّ منهما جميعًا» وذكرت الحديث، متفق عليه (٦). وعن نافع قال: أراد ابن عمر ﵄ الحج عام حجَّت الحرورية في

стр. 2594

عهد ابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائنٌ (١) بينهم قتال، ونخاف أن يصدُّوك، فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذًا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ ، أُشهِدكم أني قد أوجبتُ عمرة. ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد (٢)، أُشهِدكم أني قد جمعتُ حجة مع عمرتي. وأهدى هديًا مقلَّدًا (٣) اشتراه بقُدَيْد، وانطلق حتى قدم مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة (٤)، ولم يزد على ذلك، ولم يتحلَّل من شيء حرم منه حتى يوم النحر، فحلق ونحر، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، ثم قال: كذلك صنع النبي ﷺ . متفق عليه (٥). ومعنى قوله: كذلك (٦) صنع رسول الله ﷺ أنه لم يطفْ بالبيت وبين الصفا والمروة إلا مرة واحدة (٧) قبل التعريف، مع أنه كان قد جمع الحج إلى العمرة، ولم يُرِد به أنه لم يطف بالبيت بعد النحر، فإن النبي ﷺ قد طاف بعد التعريف، وقد روى ذلك ابن عمر في غير موضع هو وسائر الصحابة (٨). وإنما قصد نافع أنه اكتفى للقران بطواف واحد بالبيت وبين (٩)

стр. 2595

الصفا والمروة، لم يطف طوافين ويسْعَ سعيين. وعن عبد الرحمن بن أبي نصر، عن أبيه قال: خرجتُ وأنا أريد الحج، فقلت: أمرُّ بالمدينة فألقَى عليًّا، فأقتدي به، فقدِمتُ المدينة، فإذا علي ﵁ قد خرج حاجًّا، فأهللتُ بالحج، ثم خرجت، فأدركت عليًّا في الطريق وهو يهلُّ بعمرة وحجة، فقلت له (١): يا أبا الحسن، إنما خرجتُ من الكوفة لأقتدي بك، وقد سبقتَني فأهللتُ بالحج، أفأستطيع أن أدخل معك فيما أنت فيه؟ فقال: لا؛ إنما ذاك لو كنتَ أهللتَ بعمرة. فخرجتُ معه حتى قدم، فطاف بالبيت وبين الصفا (٢) والمروة لعمرته، ثم عاد فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة (٣) لحجته، ثم أقام حرامًا إلى يوم النحر. رواه سعيد والأثرم (٤). ويجوز إضافة الحج إلى العمرة لكل محرم بالعمرة، ثم إن أضافه إليها قبل الطواف وقع الطواف عن القران، وكان قارنًا، وإن فعل ذلك بعد الشروع
следующие страницы →